← Тафсир

Тафсир · id 29882

نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (1 427 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

معاني الأفعال إلى الأسماء (١) ". قوله: (داخلة على المظهر) بخلاف ما إذا دخلت على المضمر فإنها لا تكسر؛ لعدم الإلباس؛ لأن لام الابتداء لا تدخل إلا على المضمر المرفوع المتصل. قوله: (والاسم عند البصريين من الأسماء التي حذفت أعجازها) زاد في " الكشاف ": وصف الأسماء بالعشرة (٢) قال الطيبي: وهي ابن، وابنة، وابنم - بمعنى ابن - واسم، واست، واثنان، واثنتان، وامرؤ وامرأة، وأيمن الله. قال: وأما أيم الله فمحذوف فيها نون أيمن (٣) وقال الشيخ سعد الدين: كأنه لم يعتد بأيم الله؛ لأنه منقوص أيمنٌ، واعتد بابنم مع أنه مزيد ابن؛ لأن الزيادة توجب تعدد الصيغة كضارب من ضرب، بخلاف الحذف كدم في دموٌ، ولا يخفى ضعفه (٤). وقال الشيخ أكمل الدين: عدها في " الكشاف " عشرة، وفي " المفصل " جعلها أحد عشر، بزيادة أيم الله، قيل: وهو الصواب (٥). وقال الشريف: عدها في " الكشاف " عشرة، وفي " المفصل ": جعلها أحد عشر، فإما أن لا يعتد بأيم الله؛ لأنه منقوص أيمن، وإما أن لا يعتد بابنم؛ لأنه مزيد ابن، والأوّل أولى؛ لأن المنقوص قد يوزن بوزن أصله، فيقال: أيم أفعل، كأيمن، فكأنَّه هو، بخلاف المزيد، إذ لا يوزن ابنم بوزن ابن أصلا (٦) قوله: (وبنيت أوائلها على السكون) قال الشيخ أكمل الدين: غير معلل بشيء؛ لأن أوائل هذه الأسماء وغيرِها من حروف المباني، وحقها السكون، فيحتاج غيرها إلى بيان ما ترك الأصل لأجله، وإلا لزم الترجيح بلا مرجح، وما فيه مرجح، فالاعتماد على التوقيف (٧).

стр. 107

وقال الشريف: أي بنوها كذلك تحقيقا واستعمالا وإن كان يعتبر تحرّك أوائلها تقديرا وقياسا، كما قال: أصله سمو، كما يقال: أصل ابن بنوٌ. ولعلّ الحكمة في وضعها كذلك التفنن في الوضع، وتطلب الخفة فيها؛ لكثرة استعمالها في الدرج (١). وقال البلقيني في " الكشاف ": ما جزم به من بناء أول الاسم على السكون هو طريقة بعض البصريين، وذهب كثير منهم إلى أنهم أدخلوا الهمزة على المتحرك، ثم سكنوا السين تخفيفا. قال: ويزاد في العدة إيمن بكسر الهمزة، فإنها ليست جمعا بلا خلاف، والهمزة فيه همزة وصل بلا خلاف. قال: وإذا عددت ما فيها من اللغات مع همزة الوصل كثر العدد. قوله: (وأدخل عليها مبتدأ بها همزة الوصل) قال الشريف: وجه خصوصيتها لينجبر بقوتها، وكونها من أقصى المخارج (٢). قوله: (لأن من دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرك، ويقفوا على الساكن) قال الطيبي: هذا يشعر أن الابتداء بالساكن ممكن، وموجود في اللغة، لكنه مستكره، وبه صرّح صاحب " المفتاح " في الصرف قال: دعوى امتناع الابتداء بالساكن فيما سوى حروف المد واللين ممنوعة، اللهم إلاّ إذا حكيت عن لسانك، لكن ذلك غير مجد عليك (٣). وقال الشريف: التعليل بذلك دون الامتناع إشارة إلى جواز الابتداء بالساكن، وهو الحق، ومن قال بامتناعه لا يسمع منه إلا حكايته عن لسانه. نعم يمتنع الابتداء بالمدات، إلا أن ذلك لذواتها، لا لسكونها. وإذا استقريت لغة العجم وجدت الابتداء بالساكن المدغم. وقد يستدل على الجواز بأنه لو لم يجز لكان التلفظ بالحرف موقوفا على التلفظ بالحركة فيدور؛ لأن الحركة موقوفة على الحرف في التلفظ توقف العارض على المعروض.

стр. 108

ويجاب بأن امتناع الابتداء بالساكن يستلزم امتناع انفكاك الحركة عن الحرف المبتدإ به، وأما توقفة على الحركة فلا، لجواز أن تكون الحركة تابعة له، غير منفكة عنه. قال: واعلم أن الحركة والسكون بالمعنى المشهور مختصان بالأجسام، وأن المراد بالحركة كونه بحيث يمكن أن يتلفظ بعده بإحدى المدات الثلاث، وبسكونه كونه بحيث لا يمكن فيه ذلك (١). وقال الشيخ سعد الدين: التعليل بذلك مشعر بأنه ليس لامتناع الابتداء بالساكن، اللهم إلاّ إذا حكيت عن لسانك. صرّح بذلك في صرف " المفتاح (٢) ". وأما في المدات فالامتناع لذاتها، لا لسكونها، وإذا نظرت وجدت الابتداء بالساكن غير مرفوض في لغة العجم. وقد يستدل على الإمكان بأنه لو امتنع لتوقف التلفظ بالحرف على التلفظ بالحركة ابتداء ضرورة تقدم الشرط على المشروط، لكن التلفظ بالحركة موقوف على التلفظ بالحرف ضرورة توقف وجود العارض على وجود المعروض. وجوابه منع الشرطية؛ لجواز أن تكون الحركة لازما غير متقدم للحرف المبتدإ بها، لا شرطا سابقا. على أنك إذا تحققت معنى حركة الحرف لم يكن هناك عارض ومعروض (٣). وقال الشيخ أكمل الدين: في هذا التعليل إشعار بأن الابتداء بالساكن ممكن، وهو قول بعضهم، وذلك لأن نقيضه محال؛ لأنه لو لم يمكن توقف التلفظ بالحرف في الابتداء على التلفظ بالحركة، والحركة عارضة للحرف، فيتوقف التلفظ بها على التلفظ بالحرف، وذلك دور. فإن قيل: الحرف مع الحركة عند التلفظ، فكان التوقف توقف معية، ولا دور فيه. أجيب بأنهما وإن كانا في الوجود عند التلفظ مقارنين، ولكن وجود المعروض بالذات سابق على العارض، فكان توقف تقدم، وهو الدور.

стр. 109

وردّ بأن كلامنا في الحروف الملفوظ بها ابتداء، لا في الحروف المعقولة، وهما في التلفظ معا بلا خلاف. وإذا ظهر هذا ثبت قول من يقول بالامتناع. وهذا ظاهر للمتأمل في الحروف الملفوظ بها ابتداء (١) وقال شيخنا العلامة محيي الدين الكافيجي: فإن قلت: الابتداء بالساكن ممتنع أو ممكن. قلت: الحق هاهنا هو التفصيل، بأن يقال: إن كان السكون للساكن لازما لذاته فيمتنع كالألف، وإلاّ فيمكن، لكنه لم يقع في كلامهم لسلامة لغتهم من كل لكنة وبشاعة (٢). وقال بعض أرباب الحواشي (٣): من زعم امتناع الابتداء بالساكن يحتج بالاستقراء، وهو - وإن كان تاما - لا يدلّ إلا على عدم الوقوع، وعدم الوقوع لا يستلزم الامتناع. وقال البلقيني في " الكشاف ": ما استدل به من قال بإمكان الابتداء بالساكن قول غير صحيح، وممن حكاه ابن الخطيب في تفسيره (٤). والصحيح القطع بأن ذلك لا يمكن، ومقابله غلط، ومكابرة للحس. قلت: وممن صرح بأن الابتداء بالساكن غير ممكن صاحب (٥) " البسيط " في النحو، والشلوبين (٦). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 110

في " شرح الجزولية (١) "، لكن ذكر ابن يعيش (٢) خلافه فقال: في " شرح المفصل ": اعلم أن أصحابنا يقولون: إن الابتداء بالساكن لا يكون في كلام العرب، وقد أحاله بعضهم، ومنع من تصوره، ولا شبهة في الإمكان، ألا ترى أنه يجوز الابتداء بالساكن إذا كان مُدْغَمًا، نحو اثَّاقلتم في تثاقلتم. ويؤيد ذلك وأنه من لغة العرب أنهم لم يخففوا الهمزة إذا وقعت أولا بأيّ حركة تحركت نحو أحمد وإبراهيم، ونحو قوله (٣): أأن رأت رجلا أعشى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. لأن في تخفيفها تضعيفا للصوت، وتقريبا له من الساكن، فامتناعهم من تخفيف الهمزة مع إمكان تخفيفها والنطق بها دليل على أن ذلك من لغة العرب، وذلك من قِبَلِ أن المبتدئ بالنطق مُسْتَجمٌّ مستريح فيعظم صوته، والواقف تعب حسر يقف للاستراحة فيضعف صوته (٤). * * * تنبيه: قال السهيلي (٥): قولهم حرف متحرك، وتحركت الواو، ونحو ذلك تساهل منهم، فإن الحركة عبارة عن انتقال الجسم من حَيِّزٍ إلى حيز، والحرف جزء من الصوت، ومحال أن تقوم الحركة بالحرف؛ لأنه عرض، والحركة لا تقوم بالعرض، وإنما المتحرّك في الحقيقة هو العضو من الشفتين، أو اللسان، أو الحنك الذي يخرج منه الحرف، فالضمة عبارة عن تحريك الشفتين بالضم عند النطق، فيحدث من ذلك صوت خفي مقارن للحرف، إن امتدّ كان واوا، وإن قصر كان ضمة، والفتحة عبارة عن فتح الشفتين عند النطق بالحرف، وحدوث الصوت الخفي الذي يسمى فتحة، وكذا القول في الكسرة، والسكون عبارة عن خلوّ

стр. 111

العضو من الحركات عند النطق بالحرف، ولا يحدث بعد الحرف صوت فينجزم عند ذلك، أي ينقطع، فلذلك سمي جزما اعتبارا بانجزام الصوت، وهو انقطاعه، وسكونا اعتبارا بالعضو الساكن، فقولهم: فتح، وضم، وكسر هو من صفة العضو، وإذا سميت ذلك رفعا ونصبا وجرا وجزما فهي من صفة الصوت؛ لأنه يرتفع عند ضم الشفتين، وينتصب عند فتحهما، وينخفض عند كسرهما، وينجزم عند سكونهما، وعبروا بهذه عن حركات الإعراب؛ لأنه لا يكون إلا بسبب، وهو العامل كما أن هذه إنما تكون بسبب، وهو حركة العضو، وعن أحوال البناء بتلك؛ لأنه لا يكون بسبب، أعني بعامل، كما أن هذه الصفات تكون وجودها بغير آلة. قال ابن القيم: وعندي أن هذا ليس باستدراك على النحاة، فإن الحرف وإن كان عرضا فقد يوصف بالحركة تبعا لحركة محله، فإن الأعراض وإن لم تتحرّك بأنفسها فهي تتحرّك بحركة محالها، فاندفع الإشكال جملة (٢). قوله: (ويشهد له تصريفه على أسماء، وأسامي، وسُمَيٌّ، وسميت) قال ابن الخباز (٣) في " شرح الدرّة ": يشهد لقول البصريين وجوهٌ: الأوّل: أن جمع اسم أسماء، ولو كان من الوسم لقيل: أوسام. الثاني: تصغيره سُمَيٌّ. زاد ابن يعيش في " شرح المفصل ": وأصله سُمَيْوٌ فقلبوا الواو ياء، وأدغمت على حدّ سَيِّد ومَيّت، ولو كان من الوسم لقيل فيه: وُسَيْمٌ (٤). الثالث: أنك تقول لمن يساويك في الاسم: هو سَمِيِّيْ، ولو كان من الوسم لقلت: وسِيْمِيْ. الرابع: أنك تقول في تصريف الفعل منه: تسميت، وأسميت، وسميت، وتقول في المصدر: التسمية، ولو كان كما ذكروا لقيل: توسمت.

стр. 112

الخامس: أنه يقال في بعض لغاته: سُمًى كهدى، وأصله سُمَوٌ، فهذا من نظم لسُمُوِ. السادس: أن همزة الوصل في أوله لا تكون إلاّ لمحذوف اللام، كابن والست. السابع: أنه على مذهب البصريين يكون فيه حذف اللام، وعلى مذهب لكوفيين يكون فيه حذف الفاء، والأوّل أكثر. الثامن: أن حذف الفاء يعوض منه أخيرا، بدليل عدة، وزنة، ولا يعوض منه أولاً (١). قوله: (ومجيء سُمى كهدى لغة. فيه، قال: (وَاللهُ أسماكَ سُمًى مبارَكاً. . . آثرَكَ اللهُ به إيثاركا) (٢) هذا الوجه ذكره ابن الأنباري في كتاب " الإنصاف " فقال: الوجه الخامس: أنه قد جاء عن العرب أنهم قالوا في اسم: سُمًى على وزن عُلاً، والأصل فيه سموٌ إلاّ أنهم قلبوا الواو منه ألفاً؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، فصار سمى، وأنشد البيت (٣). قال ابن يعيش في " شرح المفصل ": ولا حجة في ذلك؛ لاحتمال أن يكون على لغة من قال: سُم، ونصبه؛ لأنه مفعول ثان. قال: فإن صحت هذه اللغة من جهة أخرى فمجازها أنه تمم الاسم، ولم يحذف منه شيئا، كما تمم الآخر غدا فقال: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إِنَّ مَعَ اليومِ أخاهُ غَدْوًا (٤). وقال الخطيب أبو زكريا التبريزي (٥) في " شرح أبيات إصلاح المنطق ":

стр. 113

المبارك الذي يُتَيَمَّنُ به ويتفاءل، مثل غانم وسعيد. وآثرك: قدمك به واختارك. إيثارك: أي كإيثارك الغير على نفسك في العطاء والبذل. قال: وأسماك له معنيان: يقال: أسميت الرجل إذا وضعت له اسما في مولده، وأسميته إذا دعوته بالاسم الموضوع له، والذي في البيت من الأول. انتهى. وفي " شرح الجمل " لابن خروف (١): أن هذا البيت لأبي خالد القنانِي (٢) من مذحج (٣). وقال العيني في (٤) " شرح الشواهد الكبير (٥) ": أسماك بمعنى سماك. وآثرك: أي بالتسمية الفاضلة كما آثرك بالفضل، وقيل: إيثارك للمعالي والذكر الحسن (٦). قوله: (والقلب بعيد غير مطرد) قال ابن يعيش: إن ادعى القلب فليس ذلك بالسهل، فلا يصار إليه وعنه مندوحة (٧). وقال السخاوي (٨) في " شرح المفصل ": اعتقاد الكوفيين في الاسم أنه مقلوب

стр. 114

من وسم إلى سمو فجعلت فاؤه لاما، فوزنه على هذا " علف (١) ". قوله: (واشتقاقه من السمو) قال الكمال أبو البركات ابن الأنباري في كتاب " الإنصاف في مسائل الخلاف ": والأصل فيه على هذا سِمْوٌ، على وزن فعل بكسر الفاء وسكون العين فحذفت اللام التي هي الواو، وجعلت انهمزة عوضا عنها، ووزنه " افعٌ " بحذف اللام منه (٢). وقال السخاوي في " شرح المفصل ": أصله على هذا سِمْو مثل حمل، أو سُمْو مثل قفل، وفِعْل، وفُعْل يجمع على أفعال، وجمع اسم أسماء، ولا يجوز أن يقال: سَمْو يعني بفتح أوله؛ لأن فَعْلا جمعه فعول كفلس وفلوس. وأجاز قوم أن يكون سَمَواً، كما قيل: أصل ابن بنو. قال المبرد: فلما اختل وأزيل عن جهته سكن أوله، فدخلت ألف الوصل لذلك، فوزنه على هذا الذي ذكرناه من أصله " افع (٣) ". انتهى. قوله: (لأنه رفعة للمسمى) قال الزجاج: جعل الاسم تنويها للدلالة على المعنى؛ لأن المعنى تحت الاسم (٤). وقال السخاوي: معنى السمو فيه عندهم أنك تقول: سما لي شخص إذا ارتفع حتى استثبته وعرفته، فكان الاسم رفع لك مسماه حتى كشفته وعرفته، أو لأن الاسم تنويه ورفعة (٥). وقال الشيخ سعد الدين: احتيج إلى هذا؛ لأن مجرد بيان الأصل لا يفيد الاشتقاق من السمو ما لم يبين التناسب في المعنى، فلذا ذكره (٦). وقال الشريف: لما بين أن الاسم يوافق السمو في التركيب، ولم يكن كافيا في اشتقاقه منه، بل لابد معه من التناسب في المعنى أشار إليه بقوله: " لأنه رفعة

стр. 115

للمسمى (١) " قوله: (ومن السمة عند الكوفيين) قال مكي في إعرابه: قول الكوفيين أقوى في المعنى، وقول البصريين أقوى في التصريف (٢). وفي " تفسير ابن برجان (٣) " اختيار قول البصريين في أسماء الله تعالى، وقول الكوفيين في أسماء المحدثات (٤). قوله: (وأصله وسم حذفت الواو وعوض عنها همزة الوصل) زاد ابن الأنباري: ووزنه " اعل " بحذف الفاء منه. وذهب قوم إلي أنه لا حذف ولا تعويض، وإنما قلبت الواو همزة كإعاء، وإشاح، ثم كثر استعماله فجعلت همزة وصل، وعلى هذا فوزنه " فِعْلٌ ". قوله: (ورد بأن الهمزة لم تعهد داخلة على ما حذف صدره في كلامهم) قال الكمال ابن الأنباري: همزة التعويض إنما تقع تعويضا من حذف اللام، لا من حذف الفاء، ألا ترى أنهم لما حذفوا اللام التي هي الواو من " بنو " عوضوا عنها الهمزة في أوله، فقالوا: ابن، ولما حذفوا الفاء التي هي الواو من " وعد " لم يعوضوا عنها الهمزة في أوله فلم يقولوا: " اعد "، وإنما عوضوا عنها الهاء في آخره، فقالوا: " عدة "؛ لأن القياس فيما حذف منه لامه أن يُعَوَّضَ بالهمزة في أوله، وفيما حذف منه فاؤه أن يعوض بالهاء في آخره. والذي يدل على صحة ذلك أنه لا يوجد في كلامهم ما حذف لامه، وعوض بالهاء في آخره، فلما وجدنا في أول الاسم همزة التعويض علمنا أنه محذوف اللام، لا محذوف الفاء؛ لأن حمله على ما له نظير أولى من حمله على ما ليس له نظير،

стр. 116

فدلّ على أنه مشتق من السمو، لا من الوسم. انتهى. وقال أبو البقاء العكبري (١) في كتاب " التبيين في الخلاف ": لنا في ترجيح قول البصريين ثلاثة مسالك، المعتمد منها أن المحذوف يعود في التصريف إلى موضع اللام، فكان المحذوف هو اللام كالمحذوف من ابن. والدليل على عوده إلى موضع اللام أنك تقول: سَمَّيْتُ وأسميت، وفي التصغير سُمَىٌّ، وفي الجمع أسماء، وأسام، وفي فعيل منه سَمِيٌّ، أي اسمك مثل اسمه، ولو كان المحذوف من أوله لعاد في التصريف إلى أوله، وكان يقال: أو سمت وَوَسَمْتُ، ووسيم وأوسام، ووسيم. وهذا التصريف قاطع على أن المحذوف هو اللام. فإن قيل: هذا إثبات اللغة بالقياس، وهي لا تثبت به. والثاني: أن عود المحذوف إلى الأخير لا يلزم منه أن يكون المحذوف من الأخير، بل يجوز أن يكون مقلوبا، وقد جاء القلب كثيرا عنهم، كما قالوا: لهي أبوك، فأخروا العين إلى موضع اللام، وقالوا: الجاه وأصله الوجه، وقالوا: أينق، وأصله أنوق، وقالوا: قِسِىٌّ، وأصله قووس، وإذا كثر ذلك في كلامهم جاز أن يحمل ما نحن فيه عليه. فالجواب: أما الأول فغير صحيح، فإنا لا نثبت اللغة بالقياس، بل نستدل بالظاهر على الخفي، خصوصا في الاشتقاق، فإن ثبوت الأصل والزائد، والمحذوف لا طريق له على التحقيق إلا الاشتقاق، ويدل عليه لفظة ابن، فإنهم لما قالوا: بُنَيَّ، وأبناء، وتبنيت، والبنوة، علم أن المحذوف لامه. وأما دعوى القلب فلا سبيل إليه لأن القلب مخالف للأصل، فلا يصار إليه ما وجدت عنه مندوحة، ولا ضرورة هنا تدعو إلى دعوى القلب، ويدل على ذلك أن القلب لا يطرد هذا الاطراد، ألا ترى أن جميع ما ذكر من المقلوب يجوز إخراجه على الأصل. المسلك الثاني: أنا قد أجمعنا على أن المحذوف قد عوض منه في أوله،

стр. 117

فوجب أن يكون المحذوف من آخره، كما ذكرنا في ابن، وإنما قلنا ذلك لوجهين: أحدهما: أنا قد عرفنا من طريقة العرب أنهم إذا حذفوا من الأول عوضوا أخيرا (١) مثل عدة، وزنة، وإذا حذفوا من الآخِر عوضوا أولاً مثل ابن، وهنا قد عوضوا في أوّله، فكان المحذوف من آخره. والثاني: أن العوض مخالف للبدل، فبدل الشيء يكون في موضعه، والعوض يكون في غير موضع المُعَوَّضِ عنه، فلو كانت الهمزة عوضا من الواو في أوله لكانت بدلا من الواو، ولا يجوز ذلك، إذ لو كانت كذلك لكانت همزة مقطوعة، ولمَّا كانت ألف وصل حكم بأنها عوض. فإن قيل: التعويض في موضع لا يوثق بأن المعوض عنه في غيره؛ لأن القصد منه تكميل الكلمة، فأين كملت حصل غرض التعويض، ألا ترى أن همزة الوصل في اضرب وبابه عوض من حركة أول الكلمة، وقد وقعت في موضع الحركة. ْفالجواب: أن التعويض على ما ذكرنا يغلب على الظن أن موضعه مخالف لموضع المعوض منه، لما ذكرنا من الوجهين. قولهم: الغرض تكميل الكلمة ليس كذلك، وإنما الغرض العدول عن أصل إلى ما هو أخف منه، والخفة تحصل بمخالفة الموضع، فأما تعويضه في موضع محذوف لا يحصل منه خفة؛ لأن الحرف قد يثقل بموضعه، فإذا أزيل عنه حصل التخفيف. المسلك الثالث: أن اشتقاق الاسم من السمو مطابق للمعنى، فكان المحذوف الواو كسائر المواضع. وبيانه أن الاسم أحد أقسام الكلمة، وهو أعلى من صاحبيه، إذ كان يخبر به، وعنه، وليس كذلك صاحباه، فقد سما عليهما، ولأن الاسم ينوه بالمسمى، ويرفعه للأذهان بعد خفائه، وهذا معنى السمو. فإن قيل: هذا معارض باشتقاقه من الوسم فإن المعنى فيه صحيح، كما أن المعنى فيما ذكرتموه صحيح، فبماذا ثبت الترجيح؟ قيل: الترجيح معنا لوجهين: أحدهما: أن تسمية هذا اللفظ اسما اصطلاح من أرباب هذه الصناعة، وقد

стр. 118

ثبت من صناعتهم علو هذا اللفظ على الآخَرين، ومثل هذا لا يوجد في اشتقاقه من الوسم. والثاني: أنه يترجح بما ذكرناه من المسالك المتقدمة. أما حجتهم فقد قالوا: الاسم علامة على المسمى، والعلامة تؤذن بأنه من الوسم وهو العلامة، فيجب أن يكون مشتقا منها. والجواب عنه: ما تقدم من الأوجه الثلاثة، على أن اتفاق الأصلين في المعنى، وهو العلامة لا يوجب أن يكون أحدهما مشتقا من الآخر. ألا ترى أن دمثا، ودمثراً سواء في المعنى، وليس أحدهما مشتقا من الآخر، وكذلك سبط وسبطر، وأبعد من ذلك الأسد، والليث بمعنى واحد، ولا يجمعهما الاشتقاق (١). انتهى. قوله: (ومن لغاته سم وسم) بقي منها اُسْمٌ بضم الهمزة، وسِماً بكسر أوله مقصورا كرضاً، حكاهما ابن إياز (٢)، والسخاوي في " شرح المفصل " (٣) فكملت لغاته ستة، وقد نظمتها في قولي: اسم بضم أول والكسر. . . مع همزة وحذفها والقصر قال الكسائي: العرب تقول: اسم بكسر الهمزة وضمها، فإذا طرحوا الألف قال الذين لغتهم كسرها: سِمٌ بكسر السين، والذين لغتهم ضمها: سُمٌ بالضم. وقال ثعلب: (٤) من قال: أصله من سَمَى يَسْمِي قال: اِسْمٌ وَسِمٌ، ومن قال: أصله من سَمَا يَسْمُو قال: اُسْمٌ وسُمٌ. وقال مكي في إعرابه: الاسم عند البصريين مشتق من سما يسمو، ولذلك ضمت السين في أصله في سُم، وقيل: هو من سمى يسمي، ولذلك كسرت السين

стр. 119

في سِمٌ (١). قوله: (قال: بِسمِ الذي في كلِّ سُورة سُمُهْ. . . . .) قال السخاوي في " شرح المفصل ": أنشده أبو زيد (٢) بكسر السين وضمها (٣). قال: وكذلك أنشدوا قول الآخر: والله أسماك سُماً مباركا (٤). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. وكذلك قوله: وعَامُنَا أعْجَبَنَا مُقَدَّمُهْ يُدْعَى. . . أبا السَّمْحِ وَقِرْضَابٌ سُمُهْ (٥). بالوجهين في جميع ذلك (٦). انتهى. والشاهد الذي أورده المصنف لرؤبة، (٧) وبعده: قَدْ وَرَدَتْ على طَرِيْقٍ يَعْلَمُهْ وقبله: أَرْسَلَ فيها بَازِلاً يُقَرِّمُهْ فَهْوَ. . . بِهَا يَنْحُوْ طَرِيْقاً يَعْلَمُهْ (٨). قال الشريف: وجعل الفاضل اليمني هذا البيت مقدما على قوله: باسم الذي (٩). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 120

وأيًّا ما كان فالباء متعلقة بأرسل، أي باسمه أرسل الراعي في الإبل بازلا يقرمه، أي يتركه عن الاستعمال بالركوب والحمل ليتقوى للفحلة، فالجملة صفة بازلا، وقد تجعل حالا من المرسل؛ لأن الوصف بصيغة الماضي أولى، فهو أي البازل يقصد بتلك الإبل طريقا يعلمه، لاعتياده بتلك الفعلة (١). وقال الطيبي: الضمير المستتر في " أرسل " للراعي، والبارز في " فيها " للإبل. والمقرم: البعير المكرم الذي لا يحمل عليه، ولا يذلل، ولكن يكون للفحلة (٢). وقال الشيخ أكمل الدين: أي أرسل في الإبل البازل، وهو البعير الذي انشق نابه، وهو في السنة التاسعة، حال كون المرسل قرمه، أي تركه عن العمل للفحلة (٣). قوله: (أو الاسم فيه مقحم، كما في قول الشاعر: إِلَى الحَوْلِ ثُمَّ اسمُ السلام عليكما. . . . . . . . . . . . . . . . . .) هو للبيد بن ربيعة (٤) الصحابي رضي الله تعالى عنه، قاله حين بلغ مائة وثلاثين سنة، وأوله: تَمَنُّى ابنَتَايَ أن يعيشَ أَبُوهُما. . . وَهَل أنا إلا من رَبيعة أو مُضَرْ فَقُوْمَا وقُولا بالذي تَعلَمَانِه ولا. . . تَخمِشَا وَجْهاً ولا تَحْلِقَا شَعَرْ وقولا: هو المرءُ الذي لا صديقه (٥) أضاعَ. . . ولا خانَ الخليلَ ولا غَدَرْ إلى الحول ثم اسمُ السلامِ عَليكما. . . ومن يبكِ حَولاً كاملاً فَقَدِ اعتَذَرْ (٦) وما ذكره من أن الاسم في البيت مقحم، وأن معناه ثم السلام عليكما نازع فيه

стр. 121

ابن جرير، فقال: لو صح ذلك لجاز أن يقال: رأيت اسم زيد، وأكلت اسم الطعام، وشربت اسم الشراب. وفي إجماع جميع العرب على إحالة ذلك ما ينبئ عن فساد تأويل البيت بذلك، وإنما هو مخرج على وجهين: أحدهما: أن السلام من أسماء الله، والكلام إغراء. ومعنى: ثم اسم السلام عليكما: ثم الزما اسمَ الله وذكرَهُ بعد ذلك، ودَعَا ذِكري، وقدم المغرى به، على حد قوله: يا أَيًّهَا المائحُ دَلْوِي دُونَكَا (١). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. والثاني: أن المراد ثم تسميتي الله عليكما، كما يقول القائل للشيء يراه فيعجبه: اسم الله عليك، يُعَوِّذه بذلك من السوء، فكأنَّه قال: ثم اسم الله عليكما من السوء (٢). انتهى. وقال ابن جني في " الخصائص ": ادعى أبو عبيدة زيادة اسم في البيت، ونحن نحمل الكلام على أن هناك محذوفا قال أبو علي (٣): وإنما هو على حذف المضاف، أي ثم اسم معنى السلام عليكما، واسم معنى السلام هو السلام، فكأنَّه قال: ثم السلام عليكما. ثم قال: فالمعنى لعمري ما قاله أبو عبيدة، لكنه من غير الطريق التي أتاه هو منها، ألا تراه اعتقد زيادة شيء، واعتقدنا نحن نقصان شيء. قال: ونحو من هذا اعتقادهم زيادة مثل في نحو: مثلي لا يأتي القبيح، ومثلك لا يخفى عليه الجميل، أي أنا كذا، وأنت كذاك. وذكر مثله ابن يعيش في " شرح المفصل (٤) ". وفي " شرح الأندلسي (٥) ": لبيد هذا عاش مائة وخمسا وأربعين سنة، تسعين

стр. 122

في الجاهلية، والباقي في الإسلام. ومن شعره حين بلغ السبعين: باتت تَشَكَّى إليَّ النفسُ مُجْهِشةً. . . وقد حَمَلْتُكِ سبعا بعدَ سبعينا فإن تزيدي ثلاثا تبلغي العُلا أملا. . . وفي الثلاث وفاءٌ للثمانينا فلما بلغ التسعين قال: كأني وقد خَلفتُ تسعين حِجَّة. . . خَلَعْتُ بها عن مَنكبي رِدائيا فلما بلغ مائة وعشرا قال: أليس في مِائةٍ قد عاشَهَا رَجُلْ. . . وَفي تَكَامُلِ عَشْرٍ بَعْدَهَا عُمَرْ فلما بلغ مائة وعشرين قال: ولقد سَئِمْتُ من الحياةِ وطولِها. . . وسؤالِ هذا الناسِ كيفَ لَبِيد؟ فلما حضرته الوفاة قال لابنتيه: تمنى ابنتاي. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الأبيات قوله: (وإنما قال: بسم الله، ولم يقل: بالله؛ لأن التبرك والاستعانة بذكر اسمه) قال الراغب: قال بعض العلماء:. إنما قال: بسم الله، ولم يقل بالله؛ لأنه لما استحبت الاستعانة بالله في كل أمر يفتتح به من قراءة وغيرها، فبعضهم يذكره بقلبه، وبعضهم يزيد ويقوله بلسانه، ويكون أبلغ، وألفاظ الاستعانة نحو أستعين بالله، واللهم أعني، ونحو ذلك، وذكر الله مستعمل في كل ذلك، فصار لفظة بسم الله مستغنى بها عن جميعها، وقائما مقامها، ولو قال: بالله لتوهم الاستعانة بهذه اللفظة فقط. والاسم هاهنا موضوع موضع المصدر، أي التسمية، فالقائل إذا قال: بالله أبتدئ فمعناه بهذا الاسم، وإذا قال بسم الله فإن المقصود به المسمى (١).

стр. 123

قوله: (ولم تكتب الألف). قال الشيخ سعد الدين: عبر عنها هنا بالألف، وفيما سبق بالهمزة؛ لأنها في الخط بصورة الألف (١). وقال البلقيني: التحقيق التعبير بالهمزة؛ فإنها هي الموجودة هنا، دون الألف، ولكن تجوز في ذلك، فأطلق على الهمزة ألفا. قوله: (على ما هو وضع الخط). قال الشريف: أراد أن وضع الخط على حكم الابتداء، دون الدرج، إذ الأصل في كل كلمة أن تكتب على صورة لفظها بتقدير الابتداء بها، والوقف عليها، فكان يجب أن تكتب الهمزة هاهنا، لثبوتها في الابتداء كما كتبت في (باسم ربك) (٢). قوله: (لكثرة الاستعمال) قال محمود بن حمزة الكرماني: هذه العلة موجودة في ألف " الله " من بسم الله، ولم تحذف، وإنما تتم إذا أَضَفْتَ إليها علة أخرى، فقلتَ: ولاتصال الباء باسم وامتزاجه، بحيث لا يمكن فصله عنه، بخلاف اتصال بسم الله، فإنه يمكن فصله عنه، والوقف علية في الإملاء والاستملاء (٣). وقال قوم: لا حذف، وإنما الباء داخلة على " سم " بكسر أوله، أو ضمه، ثم سكن السين فرارا من توالي الكسرات، أو الانتقال من الكسر إلى الضم. وفي إعراب مكي: حذفت الألف من الخط في بسم الله؛ لكثرة الاستعمال، وقيل: حذفت لتحرك السين في الأصل؛ لأن أصل السين الحركة، وسكونها لعلة دخلتها، وقيل: حذفت للزوم الباء هذا الاسم، فإن كتبت بسم الرحمن، أو بسم الخالق حذفت الألف من الخط أيضاً عند الأخفش (٤)، والكسائي. وقال الفراء: لا تحذف إلا في بسم الله فقط، فإن دخلت على اسمٍ غيرُ الباء من حروف الخفض لم يجز حذف الألف عند أحد، نحو قولك: ليس اسم كاسم

стр. 124

الله، وقولك: لاسم الله حلاوة (١). وفي " الكشاف " للبلقيني: يرد على جواب المصنف لفظ " الله " مع اسم، فإنه كثير الاستعمال، ولم تحذف الهمزة، فزيد في التعليل: امتزاج الحرف بالاسم فلا يمكن فصله، ولفظ " اسم " يمكن فصله بالوقف وغيره، كذا قيل، وفيه نظر؛ فإنه لو أسقطت الهمزة من الله لالتبس ذلك بقولك: " لله " مجرورا باللام، فلذلك لم يسقطوا همزته. قال: وفي السؤال المذكور جواب آخر عن الخليل: (٢) وهو أنه إنما حذفت الهمزة في بسم الله؛ لأنها إنما أدخلت بسبب أن الابتداء بالسين الساكنة غير ممكن، فلما دخلت الباء على الاسم نابت عن الألف، فسقطت في الخط، وإنما لم تسقط في قوله (اقرأ باسم ربك الذي خلق) لأنه يمكن حذف الباء مع بقاء المعنى صحيحا، فإنك لو قلت: أقرأ اسم ربك صح المعنى، أما لو حذفت الباء من بسم الله لم يصح المعنى، فكان لزوم ذكر الباء في بسم الله يقتضي أن تنوب في الخط عن الهمزة، ولم تنب الباء عن الألف في (اقرأ باسم ربك). هذا جواب الخليل، وفيه نظر؛ لأنه يمكن أن يقول: اسم الله الرحمن الرحيم ابتدائي، أو ابتدائي اسم الله الرحمن الرحيم، وحذف (٣) ابتدائي، لدلالة الحال عليه. وقضية ما قال الخليل أن لا تحذف الهمزة في كتابة (بسم الله مجريها ومرساها) ولا باسم الرحمن، ولا باسم القاهر (٤)، ونحو ذلك، والمشهور خلافه. انتهى. قوله: (وطولت الباء عوضا عنها) قال البلقيني: هو أحد القولين في ذلك.

стр. 125

والقول الثاني: أنهم إنما طولوها لأنها مبتدأ (١) كتاب الله تعالى، فأحبوا أن يبتدئوه على صورة التفخيم تعظيماً، وجرى الحال في بقية السور على ذلك. قال: وعلى هذا فالتي في سورة النمل ينبغي أن تكتب على الأصل، إلا أن يلاحظ فيها مكان كتابتها في أول الكتاب. وأما قوله (بسم الله مجريها) فمقتضى هذا القول أن تكتب (٢) بالألف، وعلى قول العوض فكل موضع حذفت فيه (٣) الهمزة تطول فيه الباء. قال: وفي تطويل الباء في البسملة كلام عن الليث بن سعد (٤). أسند الخطيب في جامعه في ترجمة: " كيف يكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " عن عبد الله بن صالح (٥) أنه قال: كتبتْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ورفعت الباء، فطالت فأنكر ذلك الليث وكرهه وقال: غيرت المعنى. يعني لأنها تصير لاما. قال الخطيب: فينبغي أن يجعل بين طول الباء وحرف السين فرق يسير للتمييز بينهما (٦). قوله: (والله أصله إلاه). اعلم أن في الاسم الكريم نحو ثلاثين قولا، وقد رأيت أن أوردها هنا باختصار لتستفاد: أحدها: أنه سرياني، أصله لاها، فعرب بحذف آخره، وزيادة (٧) " ال " في أوله. الثاني: أنه عربي علم غير مشتق.

стр. 126

الثالث: أنه مشتق من أصل لا يعلمه إلاّ الله. الرابع: أنه من أَلَهَ: عبد الخامس: من ألِهَ بالمكان: أقام به؛ لبقائه تعالى. السادس: من ألِهَ: تحير. السابع: من أَلَهَ: احتاج، لاحتياج الخلق إليه. الثامن: من ألِهَ: سكن. التاسع: من أَلِهَ الفصيل: ولِعَ (١) بأمه. العاشر: من أَلِهَ: فزع، وَأَلَهَهُ غيره، أجاره. وأصله على الأقوال السبعة: إلاه، حذفت الهمزة وعوض عنها " أل "، وقيل: بل أدخلت " أل " بلا حذف، ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام، ثم أدغمت، فهذه سبعة أخرى على هذا العمل. وقيل: هو من وَلِهَ: فزع، وقيل: من الوَلَهِ، وهو الطرب؛ لأن القلوب تطرب بذكره، وأصله على القولين وِلاهٌ، فقلبت الواو همزة، كإشاح، ثم يأتي فيه العملان السابقان، فهذه أربعة أقوال مع السبعة عشر. الثاني والعشرون: أن أصله لاهٌ، مصدر لاه يليه، إذا علا. الثالث والعشرون: مصدر لاه يلوه، إذا احتجب. الرابع والعشرون: أصله هاء الكناية زيد عليها لام الملك، ثم مدّ بها الصوت تعظيما، ثم ألزم اللام. وقيل: هو من الإلاه بمعنى السيد، وقيل: بمعنى الذي له الإلاهية، وقيل: القدرة على إيجاد الأعيان، وعلى القولين يأتي العملان السابقان، فهذه ثمانية وعشرون قولا. قال الشيخ سعد الدين: كما تحيرت الأوهام في ذاته وصفاته فكذا تحيرت في اللفظ الدال عليه أنه اسم، أو صفة، مشتق، أو غير مشتق، علم، أو غير علم إلى غير ذلك. قال: ولا خلاف في أن الألف واللام حرف تعريف، لا من أصل الكلمة. وجوّز سيبويه أن يكون أصله لاهٌ، " من لاهَ يليهُ (٢): تستر واحتجب، إلا أن كثرة

стр. 127

دوران إلاه في الكلام واستعمال إلاه في المعبود، وإطلاقه على الله رجح جانب الاشتقاق من أَلَهَ قال: والحكم بأن أصله الإلاه ذهب إليه الأكثرون (١). انتهى. وكذا نقله ابن مالك عن الأكثرين (٢)، ورجحه ابن جرير، واستدل بحديث " إن عيسي ﵊ قال لمعلمه: أتدرى ما الله؟ الله إلاه الآلهة " (٣). أخرجه هو، وأبو نعيم في " الحلية "، وابن مردويه في تفسيره، وابن عدي في " الكامل " من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، بسند ضعيف. ووجهه الشيخ أكمل الدين بأن الحرف الأصلي ما يثبت في تصاريف الكلمة، والهمزة موجودة في تصاريف هذه الكلمة، يقال: أَلِهَ، وتألّه، واستأله، وغير ذلك (٤). قوله: (فحذفت الهمزة وعوض عنها الألف واللام). قال ابن جرير: كما حذفت من قوله (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) [سورة الكهف ٣٨] أي لكن أنا (٥)، وهذا هو المسمى بالحذف الاعتباطي، أي الذي لغير موجب.

стр. 128

وقال الشريف: حذفت الهمزة من الإلاه حذفا من غير قياس، ويدلّ عليه وجوب الإدغام والتعويض، فإن المحذوف قياسا في حكم المثبت، وقولهم: لاه أبوك، واختار أبو البقاء أنه على قياس التخفيف، فلزوم الحذف والتعويض، مع وجوب الإدغام من خواص هذا الاسم التي يمتاز بها عن نظائره امتياز مسماه عن سائر الموجودات بما لا يوجد إلا فيه (١). وقال مكي في إعرابه: الأصل في اسم الله إلاه، ثم دخلت الألف واللام، فصار الإلاه، فخففت الهمزة بأن ألقيت حركتها على اللام الأولى، ثم أدغمت اللام الأولى في الثانية، ولزم الإدغام والحذف للتعظيم والتفخيم. وقيل: بل حذفت الهمزة حذفا، وعوض منها الألف واللام، ولزمتا للتعظيم. وقيل: أصله لاه، ثم دخلت الألف واللام عليه فلزمتا للتعظيم، ووجب الإدغام، لسكون الأول من المثلين، وحذفت الألف من اسم الله في الخط استخفافا. وقيل: حذفت لئلا يشبه هجاء اللات في قول من وقف عليها بالهاء. وقيل: لكثرة الاستعمال، وكذلك العلة في حذف ألف الرحمن (٢). انتهى. وقال الطيبي: قال المالكي (٣): قول من زعم: أن اللام في الله عوض عن الهمزة باطل؛ لحذفهما معا في لاه أبوك، بمعنى لله أبوك، والعوض لا يحذف. جوابه: ما وقع في كلام أبي عليّ (٤) أنهم يحذفون من نفس الكلمة في نحو لم يكن، ولا أدري إذا كان في الذي أبقي دليل على ما ألقي (٥). وفي " الصحاح ": الله أصله إلاه، على فعال بمعنى مفعول؛ لأنه مألوه، أي معبود، كقولنا: إمام، فعال بمعنى مفعول؛ لأنه مؤتم به، فلما أدخلت عليه الألف واللام حذفت الهمزة تخفيفا لكثرته في الكلام، ولو كانتا عوضا منها لما استعملتا مع المعوض منه في قولهم: الإلاه، وقطعت الهمزة في النداء، للزومها تفخيما لهذا الاسم. وسمعت أبا عليّ النحوي يقول: إن الألف واللام عوض عن الهمزة.

стр. 129

قال: ويدل على ذلك استجازتهم لقطع الهمزة الموصولة الداخلة على لام التعريف في القسم، والنداء، وذلك قولهم: أَفَأَللُّهِ ليفعلن، ويا ألله اغفر لي، ألا ترى أنها لو كانت غير عوض لم تثبت في غير هذا الاسم. قال: ولا يجوز أيضاً أن يكون للزوم الحرف؛ لأن ذلك يوجب أن تقطع همزة الذي والتي، ولا يجوز أيضاً أن يكون لأنها همزة مفتوحة وإن كانت موصولة، كما لم يجز في " أيم الله "، و " أيمن الله " التي هي همزة وصل، فإنها مفتوحة، ولا يجوز أيضاً أن يكون ذلك لكثرة الاستعمال؛ لأن ذلك يوجب أن تقطع الهمزة أيضا في غير هذا الاسم مما يكثر استعمالهم له، فعلمنا أن ذلك لمعنى اختصت به، ليس في غيرها، ولا شيء أولى بذلك المعنى من أن يكون المعوض من الحرف المحذوف الذي هو الفاء (١). قوله: (ولذلك قيل: يا ألله، بالقطع) قال الطيبي: أي ولأجل أن حرف التعريف عوض عن الهمزة استجيز قطع الهمزة الموصولة الداخلة على لام التعويف في النداء، ويعلم منه أنه لو لم يكن عوضا وكان حذفا قياسيا كما نقله أبو البقاء (٢)، أصله الإله، فألقيت حركة الهمزة على لام التعريف، ثم سكنت، وأدغمت في اللام الثانية لم يجز القطع. وهذا الذي اختاره المصنف أحد قولي سيبويه في هذا الاسم (٣)، على ما نقله عنه أبو عليّ في " الإغفال ". قال: أصله إلاه، ففاء الكلمة همزة، وعينها لام، واللام هاء، والألف ألف فعال، فحذفت الفاء، لا على التخفيف القياسي. قال أبو علي: فإن قيل: هلا حمله على الحذف القياسي؛ إذ تقدير ذلك سائغ فيه، غير ممتنع، والحمل عليه أولى. قيل له: فلو كان طرح الهمزة على القياس دون الحذف لما لزم أن يكون فيها عوض؛ لأن المحذوف القياسي ملقى في اللفظ، مبقى في النية، كما تقول: في " جَيْأَل " إذا خففته " جَيَل "، ولو كانت محذوفة في التقدير كما أنها محذوفة في

стр. 130

اللفظ للزم قلب الياء ألفا، فلما كانت الياء في نية السكون لم تقلب كما قلبت في " ناب " (١). فإن قيل: ما بال الهمزة قطعت في النداء، ووصلت في غيره؟ قلت: قال صاحب (٢) " الضوء ": إنما تجردت للتعويض في النداء؛ لأن التعريف الندائي أغنى عن تعريفها، فجرت مجرى الهمزة الأصلية، فقطعت، وفي غير النداء لما لم ينخلع عنه معنى التعريف رأسا وصلوا الهمزة (٣). وقال صاحب " الكشاف " في سورة " مريم ": أخلصت الهمزة في " يا ألله " للتعويض، واضمحل عنها التعريف (٤). قال الطيبي: وكثيرا ما يجرّدون الحرف عن معناه المطابقي، مستعملين في معناه الالتزامي، أو التضميني، نحوا لهمزة في قوله تعالى (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) [سورة يس ١٠] عزلت عن الاستفهام، وجردت لمعنى الاستواء، والواو في قوله (وثامنهم كلبهم) [سورة الكهف ٢٢] تجردت لمعنى الجمعية فقط، وسلب عنها معنى المغايرة (٥). وقال الشريف: إنما اختص تعريف القطع بالنداء؛ إذ هناك يتمحض الحرف للعوضية، ولا يلاحظ معها شائبة التعريف أصلا، حذرا من اجتماع أداتي التعويف. أما في غير النداء فيجري الحرف على أصله، ويدلّ على أن قطعها في النداء لكونها عوضا، لا لمجرد لزومها وصيرورتها جزءًا = أنهم لما جمعوا بينها وبين النداء في نحو " يا التي " على الشذوذ لم يجوزوا قطعها وإن كانت جزءا من الكلمة، مضمحلا عنها معنى التعريف، وذلك لأن المحافظة على الأصل واجبة ما لم يعارضه موجب أقوى كالتعويض فيما نحن فيه (٦).

стр. 131

وقال الشيخ سعد الدين: خص قطع الهمزة بحال النداء لتمحض حرف التعريف هناك للتعويض، مضمحلا عنها معنى التعريف، حذار الجمع بين أداتي التعريف. قال: وقد يقال في قطع الهمزة: إنه ينوي به الوقف على حرف النداء تفخيما للاسم (١). وقال الشيخ أكمل الدين: فإن قلت: هذا على تقدير كون المجموع حرف التعريف صحيح، وأما على تقدير أن اللام وحدها للتعريف فينبغي أن تجعل الهمزة باقية على الأصل، لكونها غير عوض عن الأصل. قلت: لما كانت اللام الساكنة بدلا عن حرف، ولا يمكن التكلم بها إلا بالهمزة صار للهمزة مدخل في العوضية فقطعت كالأصلية (٢). وقال أبو الحسن ابن خروف في " شرح الجمل ": اختلف في هذا الاسم أمنقول، أم مرتجل؟ فذهب أكثرهم إلى نقله من إلاه، منهم سيبويه، وذهب طائفة إلى أنه علم، منهم المازني (٤)، وأكثر الأشعرية، وليس من شأنهم. والألف واللام زائدتان في الكلمة لا محالة، فقد صار الاسم بعد زوالها إلاهاً، أوْ لاهاً، وكلاهما قول سيبويه، فإن قدرنا نقله على طريق العلمية كانتا زائدتين لغير معنى، كزيادتهما في قوله: وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا (٤). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. فأدخل الألف واللام على يزيد، وهو علم، ولا يحمل اسم الله تعالى على الشاذ المنكر مع كون الألف واللام لغير معنى، فالأولى أن يكون اسما غالبا منقولا من إلاه النكرة، كغلبة النجم للثريا، والدبران، والسماك، والعيوق، وهي أسماء غالبة، ودخلت الألف واللام للغلبة، لما كانت عامة في أجناسها، ووقعت على مخصوص دل على ذلك لزوم الألف واللام، فصارت غالبة، فالألف واللام

стр. 132

للغلبة، ولا يقدح ذلك في المعنى من جهة الشرع؛ وذلك أن هذا اللفظ عربي، ولا خلاف أن الحرف عمل لنا، فهي محدثة، فإذا حكم على المحدث بالنقل - وهو مرادهم بالاشتقاق - لم يقدح في المعنى، مع الجري على قوانين كلام العرب، والمعني الواقع عليه اللفظ - وهو المسمى به - هو القديم تعالى. فمن قال: أصله إلاه حذفت الهمزة على غير قياس؛ لكثرة دوره، وأدخل الألف واللام كالعوض، إما للغلبة كما ذكرنا، وإما للتعريف في قول الفراء - يريد تعريف اللفظ - ليطابق اللفظ المعنى، إذ لفظ إلاه نكرة، وفخم اللفظ تعظيما لذكره، وللفصل بينه وبين اللات، ولزمت الألف واللام، ولذلك دخلت عليه ياء، فقيل: يا ألله بقطع الألف (٢). انتهى. قوله: (إلا أنه مختص بالمعبود بالحق) قال الشيخ أكمل الدين: فيه بحث؛ لأن المراد بالاختصاص المذكور إما الاختصاص بالغلبة، أو بالوضع العلمي، والأول لا يصح، وكذلك الثاني؛ لأن العلمية إنما تتعيّن إذا لم تكن صفة، وهو ممنوع. والجواب: أنه يوصف، ولا يوصف به، فلم يكن صفة (٢). قال الشيخ سعد الدين: قال هنا " بالحق " وفي الإلاه " بحق " إشارة إلى ما بينهما من الفرق بالعلمية، وعدمها (٣). قال أبو حيان: الله علم مرتجل، غير مشتق عند الأكثرين، وقيل: مشتق، ومادته قيل: لام وياء وهاء، من لاه يَلِيهُ: ارتفع. وقيل: لام وواو وهاء، من لاه يَلُوْهُ لوها: احتجب، ووزنه إذ ذاك فَعَلَ أو فَعِلَ. وقيل: الألف زائدة، ومادته همزة ولام وهاء من أله: أي فزع، قاله أبو إسحاق (٤)،

стр. 133

أو أله تحير، قاله أبو عمر (١)، أو أله: عبد، قاله النضر (٢)، أو أله: سكن، قاله المبرد. وعلى هذه الأقاويل فحذف الهمزة اعتباطا كما قيل: في ناس: أصله أناس، أو حذفت. للنقل، ولزم مع الإدغام، وكلا القولين شاذ. وقيل: مادته واو ولام وهاء، من وَلِهَ: أي طرب، وأبدلت الهمزة فيه من الواو، نحو إشاح، قاله الخليل، وهو ضعيف للزوم البدل، وقَوْلِهِمْ في الجمع: آلهة، ويكون فعالا بمعنى مفعول، كالكتاب يراد به المكتوب. و " أل " في الله إذا قلنا: أصله الإلاه قالوا: للغلبة؛ إذ الإلاه ينطلق على المعبود بحق وباطل، والله لا ينطلق إلا على المعبود بالحق، فصار كالنجم للثريا، ووزنه - على أن أصله فعال، فحذفت همزته - " عال ". وزعم بعضهم أن " ال " في الله من نفس الكلمة، ووصلت الهمزة لكثرة الاستعمال، وهو اختيار أبي بكر ابن العربي (٣)، والسهيلي (٤)، وهو خطأ؛ لأن وزنه إذ ذاك يكون فَعَّالاً، وامتناع تنوينه لا موجب له، فدلّ على أن " ال " حرف داخل على الكلمة، سقط لأجلها التنوين. ومن غريب ما قيل في الله: إنه صفة، وليس اسم ذات؛ لأن اسم الذات يعرف به المسمى، والله تعالى لا يدرك حسا ولا بديهة، ولا تعرف ذاته باسمه، بل إنما تعرف بصفاته، فجعله اسما للذات لا فائدة فيه، ولأن العلم قائم مقام افي شارة، وهي ممتنعة في حق الله تعالى.

стр. 134

وحذفت الألف الأخيرة من الله تعالى؛ لأن لا يشكل بخط " اللاه " اسم فاعل من لها يلهو، وقيل: طرح تخفيفا، وقيل: هي لغة فاستعملت في الخط. انتهى. قوله: (والإلاه في أصله لكل معبود، ثم غلب على المعبود بحق) عبارة " الكشاف ": " والإلاه من أسماء الأجناس، كالرجل والفرس اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق، كما أن النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا (٢) ". قال البلقيني: هذا ممنوع من وجوه: أحدها: أن اسم الجنس عبارة عما وضع للدلالة على حقيقة توجد في آحاد متفقة، كالرجل، والفرس، والماء، والعسل، والإلاه إنما وضع للمعبود بالحق (٣)، وهو الله تعالى، وإطلاق الكفرة الإلاه على معبودهم غير الله من تعنتهم وإبطالهم، فلا يصح أن يقال بمجرد ما جاء من تعنتهم: إن الإلاه اسم جنس. وقد ذكر صاحب " الكشاف " في الرحمن " أنه من الصفة (٤) الغالبة، لم يستعمل في غير الله، كما أن الله من الأسماء الغالبة، وأما قول بني حنيفة في مسيلمة: رحمان اليمامة فمن تعنتهم في كفرهم " (٥). وكان ينبغي أن يقول هاهنا: إن الإلاه وضع للمعبود بحق، وإطلاق الكفرة الإلاه على غير الله من تعنتهم وإبطالهم. فإن قيل: قد أطلقت عليه العرب. قلنا: قد رد الله عليهم، وأخبر أنهم أطلقوا إطلاقا باطلا بقوله (ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله من سلطان) [سورة يوسف ٤٠]. الوجه الثاني: أن اللغات عند الأشعري وجماعة توقيفية (٦)، ولم يكن الله

стр. 135

تعالى ينسب إليه شيء مما افترته الكفرة، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل. ونفي اسم الإلاهية عن غيره بقوله: لا إله إلا أنا، فمن أثبتها لغيره فقد كفر، وقال ما لم يأذن به الله. الوجه الثالث: ما حكاه الثعلبي (١) وغيره عن الخليل: أن لفظتي (٢) " الإلاه " و " الله " مخصوصان بالله تعالى، فقول المصنف: " اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل " ممنوع، بل لا يقع إلا على المعبود بحق، فما زال هذا الإطلاق مختصا بالله تعالى، ومن أطلقه على غيره حكم الله بكفره، وأرسل الرسل لدعائه إلى الحق، ورجوعه عن هذه الدعوى الباطلة. فإن قيل: الكلام في إطلاق اللفظ، لا في حكم الاعتقاد. قلنا: واللفظ لا يطلق إلا على ما قررناه، وإطلاق الكفرة لفظ الإلاه على معبوداتهم الباطلة نظير إطلاق النصارى على عيسى " الله ". وقد اعترف صاحب " الكشاف " أن لفظ " الله " لا يطلق إلا على المعبود الحق. انتهى. وقال الطيبي: في بعض شروح " المفصل ": الأعلام متى غلبت باللام فلابد من أن تكون مسبوقة بالجنسية، ثم الجنسية إما أن تكون بالنظر إلى الدليل والأمارة، أو إلى استعمال العرب، أما معنى الاستعمال فكما في النجم، والصعق، وأما الدليل فهو أن الدبران والعيوق والسماك وإن لم تكن أجناسا بالاستعمال لكنها بالنظر إلى أنها أوزان مخصوصة وحروف مخصوصة، ومعنى كل واحد منها معلوم كأن كل واحد منها جنس في الأصل بالنظر إلى الدليل (٣)، فعلى هذا " الإلاه " من

стр. 136

القسم الثاني، وأما " الله " و " الرحمن " فمن القسم الأول. بيان ذلك أن " الإلاه " من حيث إنه كان اسما لكل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بالحق هو مثل النجم والكتاب. وأما الله من حيث إن المعبود يجب أن يكون. خالقا رازقا مدبرا مقتدرا إلى ما لا نهاية له، واسم " الله " جامع لهذه المعانى، ومن لم يجتمع فيه كل ذلك لم يستحق أن يسمى به، فتكون الغلبة بحسب الدليل، وكذا " الرحمن " صفة لمن وسعت رحمته كل شيء، ومن لم يكن كذلك لا يسمى رحمانا، وليس كذلك إلا الله، فهو بهذا الاعتبار من الصفات الغالبة. قال: والحاصل أن الإلاه من حيث الإطلاق والاستعمال من غير اعتبار المعنى من قبيل النجم، ومن حيث اعتبار المعنى والاستحقاق من قبيل العيوق والدبران، ثم فرق بين الصيغتين بالتعويض وتركه (٢). وقال الشيخ أكمل الدين: فيما ذكره المصنف بحث؛ لأن المراد من اسم الجنس إما أن يكون ما يطلق على أفراد متفقة الحقيقة، كالرجل والفرس، كما يدل عليه ظاهر كلامه، وإما أن يكون ما علق على شيء، وعلى ما أشبهه، أعمّ من أن يكون مختلف الحقيقة، أو لا، ولا سبيل إلى شيء منهما. أما الأوّل فلأن حقيقته تعالى ممتازة عن سائر الحقائق، لم يشاركه شيء فيها تعالى عن ذلك علوا كبيرا. وأما الثاني فلانتفاء المشابهة؛ لقوله تعالى (ليس كمثله شيء) [سورة الشورى ١١] قال: والجواب: أن المراد ما يقع على أفراد أعم من أن تكون متفقة الحقيقة، أو لا يشبه بعضها بعضا، أو لا، وحينئذ يجوز أن يقع على المعبود بحق وبغيره بالاشتراك اللفظي (٢). وقال الشيخ سعد الدين: الإلاه اسم لمفهوم كلي، هو المعبود بحق، و " الله " علم لذات معين، هو المعبود بالحق، وبهذا الاعتبار كان قولنا: لا إله إلا الله كلمة التوحيد، أي لا معبود بحق إلا ذلك الواحد الحق (٣).

стр. 137

وقال الفاضل اليمني: جعل " الله " مختصا، بخلاف الإلاه، مع أنه غالب، والغالب أيضاً مختص بناء على أن الإلاه في أصل وضعه قبل غلبته كان يستعمل في المعبود مطلقا، وأما الله فلم يستعمل إلا في المعبود بحق (١). وقال الشريف: اختار الزمخشري في اسم الله أنه عربي، وأنه كان في الأصل اسم جنس، ثم صار علما لذات المعبود بالحق، وأن أصله الإلاه، وأنه مشتق من أله: بمعنى تحير، اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب معرفا باللام على المعبود بحق، أي على الذات المخصوصة، فصار علما له بالغلبة، ينصرف إليه عند الإطلاق كسائر الأعلام الغالبة، ثم أريد تأكيد الاختصاص بالتغيير فحذفت الهمزة، وصار " الله " بحذف الهمزة مختصا بالمعبود بالحق، فالإلاه قبل حذف الهمزة وبعدها علم لتلك الذات المعينة، إلا أنه قبل الحذف أطلق على غيره إطلاق النجم على غير الثريا، وبعده لم يطلق على غيره أصلا (٢). * * * فائدة: حكى الإمام في معنى الإلاه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه المعبود. والثاني: أنه المستحق للعبادة. والثالث: أنه القادر على أفعال يفعلها (٣).

стр. 138

قوله: (واشتقاقه من أَلَهَ إلاهَةً وألوهة وألوهية: بمعنى عبد) قال أبو البقاء: فإلاه مصدر في موضع المفعول، أي المألوه، وهو المعبود (١). وفي الصحاح: أَلَهَ بالفتح إلاهة: أي عبد عبادة (٢). وقول المصنف: (إن الإلاه مشتق من أله إلاهة) أصوب من قول " الكشاف ": " إن أَلَهَ مشتق من الإلاه، كاستنوق، واستحجر، من الناقة والحجر " (٣)؛ لأنه - كما قال الشيخ سعد الدين -: أوفق للقواعد (٤)، وكما قال البلقيني: إنما يصار إلى الاشتقاق من اسم العين عند تعذر الاشتقاق من اسم المعنى، وهو المصدر، ولا تعذر هنا. قوله: (ومنه تأله) أي تنسك وتعبد (واستأله) أي استعبد من مادة أله، فهو أصوب من قول " الكشاف " كما تقدم. قوله: (وقيل: من أله: إذا تحيُّرَ). هذا بكسر اللام. في الصحاح: أله يأله ألها: أي تحير، وفي القاموس: أله كفرح تحَيَّرَ (٥). قوله: (وقيل: أصله لاه). قال ابن خروف: فيكون منقولا من لفظ متوهم، ودخلت الألف واللام، فيكون فَعْلاً، كباب وناب، على أنه مقلوب من وَلِهَ؛ لأن باب لَوَهَ ليس في الكلام، ولا لَيَهَ، وهو من قولهم: ولهت المرأة إذا ذهب عقلها لفقد حميمها، فالوله من العباد إليه تعالى، تعلق نفوسهم به، وذهاب عقولهم في النظر في مخلوقاته، وعظيم سلطانه (٦). قوله: (ويشهد له قول الشاعر: كحلفة من أبي رباح يشهدها لاهه الكبار) هو من قصيدة للأعشى ميمون بن قيس، أولها:

стр. 139

ألمْ ترَوْا إرَماً وَعَادا. . . أفناهم (١) اللّيلُ والنهارُ أَوْدُوْا فَلَم يَعْدُ (٢) أنْ تَآدَوْا. . . قَفَّى على إثرِهِمْ قُدَارُ وقَبْلَهمْ غَالَتِ المَنَايَا. . . طَسْماً فَلَمْ يُنْجِهَا الحِذَارُ وحَلّ بالحَيّ منْ جَدِيسٍ. . . يَومٌ منَ الشّرِّ مُسْتَطارُ وَأهْلُ غُمْدَانَ جَمَّعُوا. . . للدَّهرِ ما يجمعُ الخيارُ وَأهْلُ جَوٍّ أَتَتْ عَلَيْهِمْ ... فَأَفْسَدَتْ عَيْشَهُمْ فَبَارُوا فَصَبَّحَتْهُمْ مِنَ الدّوَاهي. . . نَائِحَة ٌ (٣) عَقْبُهَا الدّمَارُ وقد غَنُوا فِي ظِلالِ مُلْكٍ. . . مؤيَّدٍ عَقْلُهُمْ جُبَارُ ٌ (٤) وَمَرَّ دَهْرٌ (٥) عَلى وَبَارٍ. . . فهلكتْ جهرةً وبارُ بلْ لَيتَ شِعْرِي وأيْنَ ليتٌ. . . هَلْ يُسْتَفَاءَنَّ (٦) مُسْتُعَارُ أَمْ هَلْ ٌ (٧) يَعُودَنّ بَعْدَ عُسْرٍ. . . عَلى أخي شِدَّة ٌ (٨) يَسَارُ أَمْ هَلْ ٌ (٩) يُشَدَّنَّ مِنْ لَقُوحٍ ... بِالَّشخْبِ مِنْ ثَرَّةٍ صِرارٌ أقْسَمْتُمُوا حَلِفًا جِهَارًا ... وَنَحْنُ مَا عندنا غِرَارُ (١٠) نَحْيَى جَمِيعًا وَلَمْ يُفْدِكُمْ ... طَعْنٌ لَنَا فِي الكُلَى فَوَارُ تالله لا نُعَطّيَنْكُمْ (١١). . . إلاّ عِرَاراً فذا عرارُ كَحَلْفَة ٍ مِنْ أَبِي رَبَاحٍ. . . يَسْمَعُهَا لاهُهُ الكُبَارُ (١٢)

стр. 140

الحلفة بالفاء المرة من الحلف، وهو القسم. وأبو رباح ضبط في " ديوان الأعشى " بخط أبي الغنائم الخلال (١) بالراء المفتوحة، والباء الموحدة. ولاهه أي إلاهه، أتى به على الأصل. والكبار بضم الكاف، وتخفيف الموحدة، بمعنى الكبير، وهو صفة لاهه. ورأيته في " ديوان الأعشى " بخط أبي القاسم الآمدي اللغوي (٢) بلفظ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يسمعها اللهم الكبار. وكذا أورده الصغاني (٣) في " العباب " ولا شاهد فيه على هذا، ولكن فيه استعمال " اللهم " فاعلا غير منادى شذوذا. * * * تنبيه: استشهد المصنف على هذا القول بالشعر، وأحسن منه صنع محمود بن حمزة الكرماني، فإنه استشهد عليه بقراءة وهو الذي في السماء لاه وفي الأرض لاه " وإن كانت شاذة. قوله: (ولأنه لو كان وصفا لم يكن قول لا إله إلا الله توحيداً، مثل لا إله إلا الرحمن، فإنه لا يمنع الشركة). قال الطيبي: كتب القاضي في حاشتية: الرحمن وإن خص بالبارئ تعالى إلا أن ذلك قد حصل بدليل منفصل؛ لأنه من حيث اللغة الذي يبالغ في الرحمة (٤). قوله: (والأظهر أنه وصف في أصله).

стр. 141

الصواب نقلا ودليلا أنه علم من أصله، أما النقل فإن أكابر المعتبرين عليه كالشافعي، ومحمد بن الحسن، والخطابي، وإمام الحرمين، والغزالي، والإمام فخر الدين، ونسبه لأكثر الأصوليين، والفقهاء، ونقل عن اختيار الخليل، وسيبويه، والمازني، وابن الكيسان (٣)، وأبي زيد البلخي (٤)، وغيرهم. وعزاه أبو حيان للأكثرين، وابن خروف لأكثر الأشعرية. قال الجنزي (٥): إذا لم يكن الله اسما، وكان صفة، وسائر أسمائه صفات لم يكن للبارئ تعالى اسم، ولم تبق العرب شيئا من الأشياء المعتبرة إلا سمته، ولم تسم خالق الأشياء وبارئها ومبدعها، هذا محال. وفي " شرح الكوكب الوقاد " (٦) للعلامة عز الدين ابن جماعة (٧): حكي أن

стр. 142

الأشعري رئي في النوم، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قيل: بماذا؟ قال: بقولي: بعلمية " الله " (١). قوله: (ولأنه لو دل على مجرد ذاته المخصوص لما أفاد ظاهر قوله (وهو الله في السموات) [سورة الأنعام ٣] معنى صحيحا). أي من حيث الظرفية المستحيلة على ذاته، فتعيّن أن يكون فيه معنى الوصفية، أي المعبود في السموات وفي الأرض قال الطيبي وفيما ذكره نظر (٢). وقال الإمام في توجيه التعليل: لو كان علما لم يجز هذا التركيب، كما لا يجوز أن يقال: هو زيد في البلد، وهو بكر، ويجوز أن يقال: هو العالم الزاهد في البلد. قال: والجواب أنه جار مجرى قولنا: هو زيد الذي لا نظير له في العلم والزهد (٣). * * * فائدة: الفرق بين الصفة وبين ما هو اسم للصفة - كما قال الشيخ سعد الدين - أن الاسم قد يوضع للشيء باعتبار بعض معانيه وأوصافه، من غير ملاحظة لخصوصية الذات، حتى إن اعتبار الذات عند ملاحظته لا يكون إلا لضرورة أن المعنى لا يقوم إلا بالذات، وذلك صفة كالمعبود، ولذلك فسروا الصفة بما يدلّ على ذات باعتبار معنى هو المقصود، أو على ذات مبهم ومعنى معين، والتزموا ذكر الموصوف معه لفظا أو تقديرا لتبيين الذات، وقد يوضع للشيء بدون ملاحظة ما فيه من المعاني، كرجل وفرس، أو مع ملاحظة لبعض الأوصاف والمعاني كالكتاب للشيء المكتوب، والنباب للجسم النابت، وكجميع أسماء الزمان والمكان والآلة، ونحو ذلك مما لا يحصى، وذلك اسم غير صفة، ويستدل على أن المقصود هو المعنى، أو الذات بأن الأول لا يوصف، ويوصف به، والثاني

стр. 143

بالعكس (١). قوله: (وقيل أصله لاها بالسريانية) عبارة الإمام: وزعم بعضهم أنها عبرية، أو سريانية، فإنهم يقولون: لاها رحمانا مرحانا، فلما عرب جعل " الله الرحمن الرحيم ". قال: وهذا بعيد، ولا يلزم من المشابهة الحاصلة بين اللغتين الطعن في كون هذه اللفظة عربية (٢). وفي " الكشاف " للبلقيني: قال أبو زيد البلخي: هو أعجمي، فإن اليهود والنصارى يقولون: لاها، فأخذت العرب هذه اللفظة وعرّبتها. وهذا يوافق قول من قال: إن أصله لاها بالسريانية، فإنهم يقولون ذلك ممدودا، كما يقولون في الروح: روحا، وفي القدس قدسا، ثم تلقته العرب فحذفت المدة وعرّبته، وأدخلت عليه " ال "، وجعلته بهذه الصيغة، فلا اشتقاق له على هذا؛ لأنه أعجمي معرّب. قال البلقيني: وهذا القول لا يلتفت إليه، ولا دليل عليه، إذ لا يصار إلى إثبات العجمة بغير دليل. قوله: (وتفخيم لامه) قال الشيخ سعد الدين: معنى التفخيم هاهنا التغليظ، على ما هو ضد الترقيق، وقد يجيء بمعنى ترك الإمالة، وبمعنى إمالة الألف إلى مخرج الواو (٣). زاد الشريف: كما في الصلاة والزكاة. وقال الشيخ أكمل الدين: التفخيم يطلق على ضد الترقيق، وهو التغليظ، وعلى ضد الإمالة بالاشتراك، والمراد هو الأوّل (٤). قوله: (سنة) قال الشريف: أي طريقة مسلوكة (٥).

стр. 144

قوله: (وقيل: مطلقا). أي ولو انكسر ما قبله، وهذا ينافيه قول الشيخ سعد الدين: أطبقوا على أن لا تفخيم عند كسر ما قبله (١). وقال الشريف: ولا تفخيم بعد الكسر اتفاقا؛ لاستثقال علوّ التفخيم بعد استفال الكسرة (٢). وقال الشيخ أكمل الدين: إنما يجري فيه التفخيم إذا كان ما قبله ضمة، أو فتحة، فأما إذا كان ما قبله كسرة فقد اتفق القراء على ترقيق اللام كما في بسم الله؛ لأن الانتقال من الكسرة إلى اللام المفخمة ثقيل؛ لاقتضاء الكسرة التسفل، وذاك الاستعلاء (٣). قوله: (وحذف ألفه لحن). نازع فيه النووي، كما سنذكره. قوله: (ولا ينعقد به صريح اليمين). ظاهره أنه تنعقد به الكناية، بأن ينوي به اليمين، فيصح، وهو ما ذكره الجويني، والإمام، والغزالي، حملا لحذف الألف على اللحن، وسكت عليه الرافعي (٤). وقال النووي في " الروضة ": ينبغي أن لا يكون يمينا؛ لأن اليمين لا تكون إلا باسم الله، أو صفة له. ولا نسلم أن هذا لحن؛ لأن اللحن مخالفة صواب الإعراب، بل هذه كلمة أخرى، إذ البِلَّةُ هي الرطوبة (٥). ونازعه الإسنوي في " المهمات ": فقال ليس كذلك، بل هي لغة أخرى، حكاها الزجاجي (٦) فيما حكاه عنه ابن الصلاح (٧).

стр. 145

قوله: (اسمان بنيا للمبالغة) قال البلقيني: يخالفه قول جميع العلماء أن فَعَّالا، وفَاعِلاً، ونحوهما في صفات الله تعالى سواء. قوله: (من رحم) قال البلقيني: لا يجري ظاهره على طريقة البصريين، فإما أن يكون جرى على طريقة الكوفيين، وإما أن يكون أراد أنه من مادة رحم، لا أنه مشتق منه، ولو قيل: إنه من رَحَم المصدر لم يبعد؛ لأنه يقال: رحم يرحم رحمة ومرحمة وَرَحَماً، فهو راحم ورحيم ورحمان، وليس لنا فعل متعد جاء منه فاعل، وفعيل، وفعلان إلا رحم (١)، وهذا دليل على عظم هذه الصفة واتساعها. وقال الشريف: فإن قلت: الرحمن صفة مشبهة، فلا تشتق إلا من فعل لازم، فكيف اشتق من رحم، وهو متعد. وأما الرحيم فإن جعل صيغة مبالغة - كما نص عليه سيبويه في قولهم: هو رحيم (٢) فلانا - فلا إشكال فيه، وإن جعل صفة مشبهة - كما يشعر به تمثيل صاحب " الكشاف " بمريض وسقيم - توجه عليه السؤال أيضاً. قلت: الفعل المتعدي قد يجعل لازما بمنزلة الغرائز، فينقل إلى فَعُل بضم العين، ثم تشتق منه الصفة المشبهة، وهذا مطرد في باب المدح والذمّ، نص عليه في " تصريف المفتاح " وذكره الزمخشري في " الفائق " في فقير، ورفيع، ألا ترى أن قوله تعالى (رفيع الدرجات) [سورة غافر: ١٤] معناه رفيع درجاته، لا رافع للدرجات (٣). انتهى. ومشى عليه شيخنا العلاّمة محيي الدين الكافيجي فقال: الرحمن فعلان من فعل بالكسر صفة مشبهة، لكن بعد النقل إلى فعُل، أو بعد تنزيل المتعدي منزلة
следующие страницы →