← Тафсир

Тафсир · id 29882

نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (1 427 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وثبت بما ذكر أن جميع ما في المصحف قرآن منزل، ويؤكد (١) ذلك قول ابن عباس ﵄ لما سئل هل ترك رسول الله ﷺ شيئا؟ قال: لا، إلا ما في هذا المصحف، وقال محمد بن عليّ ابن الحنفية (٢) لما سئل عن ذلك أيضاً: لا، إلا ما في هذين اللوحين (٣). فهذا نفي وإثبات، فيقتضي أن جميع ما في المصحف يجري مجرى واحدا، وأن جميعه قرآن منزل، وأن ما ليس في المصحف مخالف له. وقد روى أبو طاهر ابن أبي هاشم في كتاب " الفصل (٤) " بإسناده عن القاسم (٥)، عن عائشة أنها قالت: " اقرؤوا ما في المصحف (٦) " وظاهر ذلك تسويتها بين جميع ما في المصحف، والحكم بأنه كله قرآن منزل. هذا مع أن الرجوع إلى المصحف والائتمام به إجماع، فإن المسلمين من لدن الصحابة إلى زماننا هذا يرجعون فيما ينوبهم مما يتعلّق بالقرآن إليه، ويستدلون به، فيقال للذي يخالف في إثبات الكلمة: هي مكتوبة في المصحف. ويؤيد ذلك أيضاً أنهم لما اختلفوا في كتابة " التابوت " قالت الأنصار: بالهاء، وقال سعيد بن العاصي (٧): بالتاء لم يكتبوه حتى قيل لهم: إنه أنزل بلغة قريش،

стр. 72

وهو في لغتهم بالتاء، فكتبوه بها (١)، فكيف يظن بهم مع هذا التثبت أن يكتبوا فيه ما ليس بقرآن؟. ومما يبين أن كتابتهم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في المصحف إنما هو بالتوقيف من الرسبول ﷺ أنهم كتبوها في أوائل سور، وتركوها في أول براءة، فلو كانوا إنما فعلوا ذلك لأجل التبرك والافتتاح بها لوجب لهذه العلة افتتاح براءة بها. ويبين ذلك أن قوما كرهوا نقط المصاحف، والتعشير فيها، وكتابة عدد آيات السور (٢). روي ذلك عن ابن مسعود ﵁ (٣)، وعن إبراهيم النخعي (٤)، ومكحول (٥)، ومجا هد، وعطاء (٦).

стр. 73

هذا مع ظهور الحال في ذكر أسماء السور، وعدد أعشارها، وأنه لا شبهة على أحد أن ذلك ليس بقرآن، فلو كانت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ليست من القرآن لكان إثباتها بالإنكار أولى؛ لإشكال الأمر فيها، ولظهر اختلافهم في ذلك وإنكاره والخوض فيه، فلما لم يكن كذلك صح وثبت أن جميع ما في المصحف الذي كتبه (١) الصحابة ﵃ قرآن منزل من عند الله تعالى. ويوضح ذلك أيضاً ويكشفه أن الذين استجازوا من التابعين ومن بعدهم أن يكتبوا في المصحف أسماء السور، وعدد آي كل سورة، والتعشير، والنقط، خالفوا في الخط بين هذه الأشياء وبين ما وجدوه في المصحف، فكتبوا هذه الأشياء بالحمرة، أو الصفرة ونحوهما، وخط المصحف بالسواد، واعتذروا عن ذلك بأن الأمر لا يشكل فيه، ولم يحتجوا بكتب السلف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في فواتح السور، مع أنها ليست من القرآن، وإشكال الأمر فيها، فثبت أنهم اعتقدوا أنها قرآن منزل، لأنهم لو كانوا يعتقدون خلاف ذلك لسارعوا إلى الاحتجاج بما قلنا، ولم يجز على جميعهم إغفال هذا الأمر الظاهر الناقض لقول من خالفهم وبدّعهم. ومما يوضح ما قلنا أيضاً أنه لو ذهب ذاهب في يومنا هذا إلى أن المعوذتين ليستا من القرآن، واحتج بما رُوي عن ابن مسعود، أو ذهب إلى أن سورتي القنوت من القرآن، واحتج بما روي عن أبيّ بن كعب (٢) لم يحتجّ عليه في إثبات المعوذتين قرآنا، وإسقاط سورتي القنوت من القرآن بابلغ من الرجوع إلى المصحف، فكذلك في بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ومما يبينه أيضاً أن مخالفينا في كون البسملة آية من الفاتحة قد أجمعوا معنا على أن قوله (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) [سورة التوبة ١٢٨] إلى آخر

стр. 74

السورة، وقوله (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) [سورة الأحزاب ٢٣] من القرآن؛ لاتفاق المصاحف على ذلك، مع ما روي عن زيد بن ثابت أنه قال: وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري (١)، لم أجدهما مع غيره. وفي رواية أخرى فقدت آية من الأحزاب: قد كنت سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بها فوجدتها مع خزيمة بن ثابت (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) فألحقتها في سورتها في المصحف (٢)، فكذلك يلزمهم أن يحكموا بأن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آية من الفاتحة؛ لاتفاق المصاحف على كتابتها فيه، مع ما يذكرونه من أنه لم يرد فيها ماورد في سائر آيات الفاتحة. فإن قال قائل: إنا لا نعلم من دين الأمة المتفقة على كتب المصحف أنها وقفت على أن جميع ما فيه من فواتح السور قرآن منزل من عند الله، وإن علمنا أنهم قد أثبتوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فاتحة للسور (٣). فالجواب أن يقال: بالذي علمت أنت من دينهم أنهم قد وقفوا على أن المعوذتين، والآيتين من آخر سورة التوبة، والآية من الأحزاب قرآن منزل من عند الله = علم خصمك من دينهم أنهم وقفوا على أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آية من أول الفاتحة. ثم يقال: كلما كتب في المصحف في (٤) أيام أبي بكر، وأقرّ هو وسائر الصحابة عليه سنة بعد سنة إلى انقراضهم محكوم بأنه قرآن منزل، وجار مجرى ما ورد به الخبر المتواتر عن الرسول ﷺ للعلم بأنهم لم يدونوا فيه إلا ما وضح عندهم أنه قرآن منزل.

стр. 75

فإن قال: ففي المصحف أسماء السور، وعدد الآي، والأعشار، والأخماس، وليس شيء من ذلك بقرآن فكذلك بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فالجواب: أن هذه الأشياء حادثة أحدثتا في المصحف بعد الصدر الأول من الصحابة، وحين أحدثوها كتبوها بغير القلم واللون اللذين كتب بهما سائر المصاحف، وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بخلاف ذلك. وجميع ما في " الإمام " كتبه كُتّاب المصحف في أيام أبي بكر ﵁ بقلم واحد، ولون واحد، وأقرّهم سائر الصحابة على ذلك قاصدين به إلى حفظ التنزيل عن أن يضيع شيء منه، أو يختلط غيره به، فلم يجز أن يحكم بأن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ليس من جملة التنزيل، كما لا يجوز أن يحكم بمثل ذلك في المعوذتين، والآيتين من آخر التوبة، والآية من الأحزاب، فمن ادعى أن سطرا مما تضمنه " الإمام " ليس بقرآن كان كمن ادعى ذلك في المعوذتين، والآيات الثلاث. فإن قال قائل: أنا لا أصحح خلاف ابن مسعود في المعوذتين. قيل: الأمر في ذلك أشهر من أن يتهيأ لك جحده، ولو جاز لك ذلك -مع شهرة الأمر فيه- لجاز لخصمك أن يقول: وأنا لا أصحح اختلاف السلف في كون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قرآنا منزلا. فإن قال: إنما أثبتت المعوذتان قرآنا مع الاختلاف الذي وجد؛ للإعجاز القائم فيهما، وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ليس فيه إعجاز، ولا هو متفق عليه. قيل له: فأثبت سورتي القنوت قرآنا؛ لأن كل واحدة منهما قدر يكون فيه الإعجاز، كما أن كل واحدة من المعوذتين كذلك، وأنت لا يمكنك أن تثبت بدعواك هذه أكثر (١) من ذلك. ثم يقال له: فاحكم بأن قوله (هو) في سورة الحديد في قوله (ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد) ليس من جملة التنزيل، لحصول الاختلاف، وعدم الإعجاز فيه، بل هذا أولى من وجهين: أحدهما: أن كلمة (هو) غير مكتوبة في مصاحف أهل المدينة والشام، وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مكتوبة في جميع المصاحف. والآخر: أن كلمة (هو) أبعد من أن يكون فيها إعجاز من بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

стр. 76

فإن قال: المعوذتان لما لم يجز إخراجهما من القرآن باختلاف كذلك لم يجز إثبات غيرهما في القرآن باختلاف. فالجواب: أن هذا يلزم من يروم إثبات شيء في المصحف بعد الصحابة على أنه قرآن، وبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قد أثبتتها (١) الصحابة كما أثبتت سائر القرآن. ثم يقال: أليس قد اتفقنا أنه لا يجوز إخراج المعوذتين عن أن يكونا قرآنا، مع كونهما مكتوبتين في المصحف، بخلاف من خالف فيهما، فكذلك لا يجوز إخراج بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أول الفاتحة عن أن تكون قرآنا مع كونها مكتوبة في المصحف، بخلاف من خالف فيها (٢). انتهى كلام سليم الرازي. وقال الإمام أبو بكر ابن خزيمة، صاحب الصحيح -وهو أحد الأئمة الجامعين بين الفقه والحديث، لقي أصحاب الإمام الشافعي، وأخد عنهم-: الرجوع فيما يختلف فيه من القرآن إلى ما هو مثبت بين الدفتين، كما أنه قد اختلف في المعوذتين، ولا حجة أثبت عند العلماء أنهما (٣) من القرآن من إثبات هاتين السورتين، وكتبهما بين الدفتين باتفاق من جميع من جمع القرآن على عهد الصديق من المهاجرين والأنصار وأمهات المؤمنين، وهم أهل القدوة الذين شاهدوا التنزيل، وصحبوا النبي ﷺ ، وحفظوا عنه القرآن يقرأ به في الصلاة، ويعلمهم إياه، وهم الذين حفظوا سنن النبي ﷺ ، وبلغوا عنه جميع ما بالمسلمين إليه الحاجة من دينهم، فكتبوا المعوذتين بين الدفتين باتفاق من جميعهم، لم ينازعهم في ذلك منازع، ولا خالفهم في ذلك بشر، ولا ترك أحد من المسلمين في شيء من الأقطار إلى يومنا هذا نعلمه كتبة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في شيء من أوائل سور القرآن. قال: فهذه الحجة العظمى عند علمائنا على من خالفنا ونازعنا وادعى أنهما ليستا من القرآن، ومخالفونا من العراقيين مقرون (٤) أنهما من القرآن.

стр. 77

وابن مسعود - مع جلالته وعلمه وفقهه ومكانه (١) من الإسلام - كان ينكر أن المعوذتين من القرآن، وهم معترفون أنه لم يكتبهما في مصحفه، ولا كان يرى قراءتهما في الصلاة، فحجتنا العظمى على مخالفينا من العراقيين أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من القرآن هذه الحجة، حذو القذة بالقذة. ولم نر في بلدة من بلاد الإسلام التي وطئناها من الحرمين، والحجاز، وتهامة، ومدن العراق، والشام، ومصر، وخراسان، ولا خبرنا أحد عاين، ولا خبر عن غيره أنه رأى مصحفا، ولا جزءا من أجزاء القرآن كتب فيه قديما وحديثا من لدن جمع القرآن بين الدفتين في عهد الصديق ﵁ إلى زماننا أسقط في شيء من أوائل السور كتبة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فكيف يجوز لعالم أن يتوهم عليهم أنهم كتبوا في المصاحف بين أضعاف القرآن في مائة وبضعة عشر موضعا ما ليس بقرآن بمثل القلم الذي كتبوا به القرآن، وبمثل ذلك السواد والخط؟. فمن تدبر ما وصفنا، وعلم موضع أصحاب رسول الله ﷺ من دين الله والعلم والفقه في الدين، وشدة خوفهم من خالقهم، وورعهم علم واستيقن أنهم لم يكونوا يستحلون ولا يستجيزون لأنفسهم كتبة ما ليس بقرآن بين أَضعاف القرآن بمثل خط القرآن، بمثل ذلك السواد، ومثل ذلك القلم، ولم يميزوا بين كتبة القرآن، وكتبة ما ليس بقرآن. ثم قال: قال لي بعض من يحتجّ للعراقيين: أثبت قرآن باختلاف؟. فقلت مجيبا له: نعم، قد اختلف العلماء (٢) في المعوذتين أهما من القرآن أم لا؟، وأنت مقر أنهما من القرآن مع اختلاف العلماء في ذلك، فلو لم يثبت قرآن باختلاف، بأن كان مسطورا بين الدفتين. لوجب أن تنفي المعوذتين من القرآن، فبهت ولم يحر جوابا. قال: فهذه إحدى الحجج، وهي أعلاها وأقواها وأثبتها أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من كتاب الله في افتتاح كل سورة من القرآن. ويقال لمخالفينا: خبرونا ما الحجة على بعض جهّال المعتزلة إن ادعى مدع

стр. 78

منهم أن ما في القرآن مما هو خلاف مذهبهم ليس بقرآن، وقال جاهل منهم مثل مقالة صاحبهم عمرو بن عبيد: إن (تبت يدا أبي لهب) لم تكن في اللوح المحفوظ؟ فهل يمكن إقامة الحجة أنها قرآن بخبر عن النبي ﷺ ؟ وهل الحجة أنه قرآن إلا أنه مكتوب بين الدفتين؟ أرأيت لو قالت الغالية من الرافضة: ما الدليل على أن ما تقرؤون في صلاتكم قرآن، فإن عندنا قرآنا مسنونا نظيره، إذا خرج المهدي ظهر العدل والحق والإنصاف؟ فهل يمكن إقامة دليل فيما ينكر هؤلاء أنه قرآن إلا أن يقال: اتفق الجميع من العلماء أن ما كتب في المصاحف والأجزاء والأسباع بالسواد قرآن؟ فهذه إحدى الحجج. الحجة الثانية: أن أهل الصلاة جميعا لم يختلفوا من الأسلاف والأخلاف أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قرآن ووحي أنزله الله على النبي ﷺ في قوله (إنه من سليمان وإنه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) [سورة النمل ٣٠] وإذا اتفق الجميع أن ذلك في موضع واحد قرآن ووحي كان ما هو مثل حروفه ونظمه، ولفظه مما هو مكتوب في أوائل السور كلها بمثل كتابته قرآن ووحي مثله، لا فرق، إذا كان قرآنا في موضع فهو قرآن في كل موضع كتب بين الدفتين. ثم قال: وابن مسعود مع إنكاره أن تكون المعوذتان من القرآن لم ينكر أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من القرآن؛ لأن في كراهته التعشير في المصحف، وفي قوله: " جردوا القرآن، ولا تلبسوا به ما ليس منه " دلالة واضحة على أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لو لم تكن عنده في أوائل كل سورة من القرآن لما كتبت في أوائل السور. ولم نسمع أحدا من العلماء، ولا من الجهّال ذكر أن ابن مسعود لم يكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أوائل السور. وقد نظرت في المصحف الذى يذكر أنه مصحف ابن مسعود - وهو خلاف تأليف مصاحف الآفاق - فرأيت في أوائل كل سورة من ذلك المصحف مكتوبا

стр. 79

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كما قد كتب في مصاحفنا، فالعلم محيط عند من سمع قول ابن مسعود: " جردوا القرآن، ولا تلبسوا به ما ليس منه " أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أوائل كل سورة من القرآن كان عنده من القرآن؛ إذ لو لم يكن عنده من القرآن لما لبس القرآن بغيره، ولجرد القرآن، وجرد أصحابه الذين كانوا يرونه قدوة، لا يرون مخالفته واتباع غيره من أصحاب النبي ﷺ . ومحال أن يكره عالم التعشير في المصحف كراهية أن يكون قد ألحق بالقرآن ما ليس منه، ثم يكتب ما ليس بقرآن في مائة موضع، وأكثر من عشرة مواضع حروفا منظومة. هذا ما لا أظنّه يخفى على عاقل (١). قوله: (والباء متعلقة) الشريف: الأدوات التي تفضي معاني الأفعال إلى ما بعدها فروع لها ومتعلقة بها، وكذلك المعمول من حيث هو معمول فرع على عامله ومتعلق به، فلذلك قال: " متعلقة " وتراهم يقولون: أحوال مُتَعَلِّقاتِ الفعل بكسر اللام. وإذا نظر إلى جانب المعنى قيل: تعلق الفعل بكذا، إما بنفسه أو بواسطة حرف (٢). قال: ثم إنه تارة يذكر تعلق الجار وحده، وتارة تعلق المجرور وحده، وتارة مجموع الجار والمجرور؛ وذلك لأن الجار أداة لإفضاء معنى الفعل، والمجرور معمول بواسطة الجار، فكل واحد منهما متعلق به، فكذا المجموع (٣). وقال شيخنا العلامة محيي الدين الكافيجي في " شرح القواعد " له: فإن قلت: الجار له تعلق بمعنى الفعل، والمجرور له تعلق به، فما الفرق بينهما؟ قلت: تعلق الجار من جهة الإفضاء، وتعلق المجرور من جهة المعمولية، فمعلوم أن محلّ الإعراب إنما يتصور في الجهة الثانية فقط. قوله: (بمحذوف) قال شيخنا العلامة الكافيجي: هذا المحذوف ثابت لغة، ساقط لفظا وذكرا،

стр. 80

وإلا فلا يكون الحذف من الأبحاث المتعلقة باللغة (١). قوله: (تقديره بسم الله أقرأ) تابع فيه " الكشاف (٢) "، وقد ظن قوم أن الزمخشري تفرد به، وأنه خالف فيه طائفتي البصريين والكوفيين معا. وليس كما ظنوه، فقد سبقه إلى ذلك إمام المفسرين ابن جرير (٣). قال الإمام ناصر الدين ابن المنير في " الانتصاف ": الذي يقدره النحاة - وهو أبتدئ - هو المختار؛ لوجوه: منها: أن فعل الابتداء يصح تقديره في كل تسمية ابتدئ بها فعل من الأفعال، بخلاف فعل القراءة، والعام لعموم صحة تقديره أولى، ألا تراهم يقدرون متعلق الجار الواقع خبرا، أو صفة، أو صلة، أو حالا بالكون والاستقرار حيثما وقع، ويؤثرونه لعموم صحة تقديره. ومنها: أن تقدير فعل الابتداء مستقل بالغرض المقصود من التسمية، فإن الغرض منها أن تقع مبتدأ، فتقدير فعل الابتداء أوقع بالمحل، وأنت إذا قدرت " أقرأ " قدرت " أبدأ بالقراءة " لأن الواقع في أثناء القراءة قراءة أيضاً، والبسملة غير مشروعة فيها. ومنها: ظهور فعل الابتداء في قوله ﷺ : " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بسم الله فهو أقطع (٤) ". وأما ظهور فعل القراءة في قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك) فإنما ظهر ثم؛ لأن الأهمّ هو القراءة، غير منظور فيه إلى ابتدائها، ولهذا قدم الفعل فيها على متعلقه؛ لأنه الأهمّ، ولا كذلك في التسمية، فإن الفعل المقدر كائنا ما كان يقع بعدها، إذ لو قدر قبل الاسم لفات الغرض من قصد الابتداء، فدل على أنه الأهمّ، فوجب تقديره (٥).

стр. 81

وأجاب الإمام علم الدين العراقي في " الإنصاف " بأن قال: ما ذكره الزمخشري أصح؛ لأنه أمسّ وأخص بالمقصود، وأتم شمولا؛ فإنه يقتضي أن القراءة واقعة بكمالها مقرونة بالتسمية، مصاحبة لها، أو أن القراءة كلها بالله تعالى على اختلاف المذهبين الآتي ذكرهما، بخلاف تقدير أبدأ؛ فإنه يقتضي مصاحبتها بأول القراءة دون باقيها، أو أن ابتداء قراءته بالله تعالى غير متعرض إلى تمامها. وأما استشهاده بتقدير النحاة الكون والاستقرار فليس بجيد، فإنهم إنما فعلوه تقريبا وثمثيلا. ولو قلت: زيد على الفرس، أو زيد من العلماء، أو زيد في حاجتك، أو زيد في البصرة، لقدرت: راكب، ومعدود، ومهتم، ومقيم، وكان أمسّ من الاستقرار، فقد استبان لك أن تمثيل النحاة بالكون والاستقرار إنما هو حيث لا يقصدون عاملا بعينه، بل يريدون الكلام على العامل من حيث هو عامل، كتمثيلهم بزيد وعمرو، لا لخصوصيتهما، بل ليقع الكلام على مثال، فيكون أقرب إلى الفهم، ثم لا يقال: الفاعل إذا أبهم يقدر بزيد وعمرو. وأما ما ذكره ثانيا من أن فعل البداية مستقل بالغرض لا نسلمه، فالقراءة أمسّ وأشمل كما سبق. وقوله: الغرض أن تقع التسمية مبتدأ فنقول بموجبه، وأن ذلك يقع بالبداية بها فعلا، لا بإضمار الابتداء ولا بنيته، فإن ذلك يحصل بالبداية بالتسمية، غير مفتقر إلى شيء، فإن من صلى فبدأ بتكبيرة الإحرام، أو توضا فبدأ بغسل وجهه لا يحتاج في كونه بادئا بذلك إلى إضمار بدأت، لكنه مفتقر إلى بركة التسمية وشمولها لجميع فعله. وأما ما ذكره ثالثا من ظهور فعل البداية في الحديث فجوابه: أن كون التسمية مبتدأ بها حاصل بالفعل، لا بإضمار فعلها، ولم يقل في الحديث: كل أمر ذي بال لم يقل أبدأ، ولم يضمر فيه، بل طلب وقوعها فعلا. فإن قلت: الباء في بسم الله في الحديث متعلق بيبدأ بلا خلاف، وهذا وجه الدليل قلت: لا تغفل عما قررته، فإن الحديث فيه حث على البداية، وأما امتثال ذلك فهو بنفس البداية، لا بلفظها، وأما شمول بركة التسمية فذلك بالله، لا بفعلنا (١). انتهى.

стр. 82

وقد أورد ذلك الطيبي (١)، ولم يزد عليه، والشريف، وزاد: قال الفاضل اليمني (٢) - تقوية للمجيب -: النحويون يقدرون في الظرف المستقر فعلا عاما إذا لم توجد قرينة الخصوص، وأما إذا وجدت فلا بد من تقديره؛ لأنه أكثر فائدة (٣). قال الشريف: وأقول: تحقيقة أن هذا القسم من الظرف إنما سمي مُسْتَقَرًّا؛ لأنه استقر فيه عامله، وفهم منه، فإن لم يفهم منه سوى الأفعال العامة كان المقدر منها، وإن فهم منه معها شيء من خصوص الأفعال كان المقدر بحسب المعنى فعلا خاصا كما في الأمثلة السابقة، وذلك لا يخرجها عن كونها ظرفا مستقرا؛ لأن معنى ذلك الفعل الخاص استقر فيها أيضاً، وجاز تقدير الفعل العام لتوجيه الإعراب فقط. ولما كان تقدير الأفعال العامة ضابطا مطردا اعتبره النحاة، وفسروا المستقرَّ بما عامله محذوف وعام. هذا. وقد يتوهم من قول " الكشاف " فيما بعد: " فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله تعالى بالابتداء (٤) " أن المقدر هو أبتدئ، فكأنه جوز كل واحد من التقديرين. انتهى (٥). وهذا الكلام الأخير سبقه إليه الشيخ سعد الدين فإنه قال: فإن قيل: ينبغي أن يقدر بسم الله أبتدئ، لأن المفهوم من الحديث وجوب الابتداء بها، ولأن الابتداء لعمومه أولى بالتقدير، كما يقدر في الظرف المستقر الحصول والكون. قلنا: آثر ذلك لما فيه من الدلالة على تلبس الفعل كله بسم الله، بخلاف تقدير أبتدئ، ولأن المذكور عند عدم الحذف هو القراءة، دون الابتداء بها، كما في قوله

стр. 83

تعالى (اقرأ باسم ربك) والنحويون إنما يقدرون متعلق الظرف المستقر عاما إذا لم توجد قرينة الخصوص. هذا. ولكن قوله بعد ذلك: فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص الله بالابتداء " يشعر بأن المقدر أبتدئ، فكأنَّه أشار في الموضعين إلى استواء الأمرين (١). وقال الشريف بعد ذلك: فإن قلت: قوله: اختصاص اسم الله بالابتداء " يدل على أن المقدر أبتدئ (٢). قلت: أراد بالابتداء الفعل الذي يبتدئ به ويشرع فيه كالقراءة ونحوها، لا مفهومه الحقيقي، ولذلك قال عقبه: وتأخير الفعل، ولم يقل: وتأخير الابتداء. وقال شيخنا العلامة الكافيجي: ما ذهب إليه صاحب " الكشاف " هاهنا هو المختار، فإن فيه قلة الحذف، ورعاية حق خصوصية المقام، ودلالة على اختصاص القراءة ببسم الله، وتعليما للمؤمنين بأن طريقهم هو الحق والصواب، وتعريضا للكفار بأن سبيلهم هو الخطأ والطغيان، فمعلوم أن هذه الاعتبارات تناسب نظم القرآن، وتشهد بفصاحته، وغاية إعجازه. وأما ما ذهب إليه البصريون والكوفيون فهو خال عما ذكر، بل غاية جل أمره بيان المتعلق من غير رعاية المقام، وأنت خبير بأن التقدير مهما كان أوجز كان أولى، لا سيما مع تلك الدقائق اللطيفة. فإن قلت: تقدير أبتدئ يلائم مفتتح الكتاب (٣)، ويناسب منطوق الحديث. قلت: نعم، لكن رعاية مقتضى المقام أمر راجح، وشاهد يكشف أسرار بلاغة نظم القرآن (٤) (٥)؟. وقال شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني في " الكشاف ": وأما كون الفعل مضارعا فقدره الطبري (٦)، ويعزى إلى الزجاج (٧)،. . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 84

وخالف فيه قوم منهم الفراء (١) وقالوا: المقدر فعل أمر؛ لأن الله تعالى قدم التسمية حثا للعباد على فعل ذلك في القراءة وغيرها، فيكون التقدير ابتدئوا واقرأوا. واحتج الطبري للأول بأثر عن ابن عباس فقال: مفهوم أنه أريد بذلك أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، وكذلك قوله: بسم الله عند نهوضه للقيام، أو عند قعوده وسائر أفعاله تنبئ عن معنى مراده بقوله: بسم الله، وأنه أراد أقوم بسم الله، وأقعد بسم الله، وكذلك سائر الأفعال. وهذا الذي قلناه في تأويل ذلك هو معنى قول ابن عباس الذي: حدثنا به أبو كريب (٢) قال: حدثنا عثمان بن سعيد (٣)، حدثنا بشر بن عمارة (٤)، حدثنا أبو روق (٥)، عن الضحاك (٦)، عن ابن عباس قال: " إن أول ما نزل به جبريل على محمد ﷺ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يقول: اقرأ بذكر الله، وقم واقعد بذكر الله " (٧) وما ذكره الطبري والفراء (٨) أرجح. وقد استأنس بعضهم لتقديره فعلا خاصا ماضيا مؤخرا بقوله ﷺ " باسمك ربي وضعت جنبي " (٩) انتهى.

стр. 85

قلت: يشير بذلك إلى عبارة الشيخ جمال الدين ابن هشام، فإنه قال في " المغني ": تنبيه: عبارة " الكشاف ": تقديره باسم الله أقرأ، أو أتلو " (١). قال الشريف: وهو تنبيه على أن المعتبر خصوص المعنى، لا اللفظ (٢). انتهى. وقد أسقط المصنف قوله: " أو أتلو " ففاتته هذه الفائدة. قوله: (لأن الذي يتلوه مقروء) قال الطيبي: هذا تعليل لتعيين المقدر؛ لأن حروف الجر وإن لم تنفك عن متعلق لأن وضعها لإفضاء معاني الأفعال إلى الأسماء، غير أنها تدل على مطلق الفعل، ولابد في تخصيصه من قرينة، وفيما نحن فيه القرينة ما يتبع التسمية، وهو قوله (الحمد لله) وهو مقروء ومتلوّ، فدلّ ذلك على أن المضمر أقرأ، أو أتلو. وقال: وكان الأنسب أن يقال: الذي يتلو التسمية القراءة؛ لأن الابتداء بالتسمية إنما يكون في الفعل الذي يريد أن يفعله المسمِّي، يدل عليه قوله: " كل فاعل يبدأ في فعله ببسم الله كان مضمرا ما جعل التسمية مبدأ له " والمضمر الفعل لا المفعول، كما أن تسمية الذابح إنما يتلوها الذبح لا المذبوح (٣). قال الشيخ أكمل الدين، والجواب أن القراءة علة المقروء، ولا يحصل إلا بها، وهما في الوجود الخارجي معا، فيجوز أن يقال: إن كل واحد منهما يتلو التسمية، إذ المقصود - وهو بيان القرينة الخاصة - حاصل بذلك (٤). وبسطه الشريف فقال: أجيب بأن المقصود من تلو المقروء تلو القراءة؛ لاستلزامه إياه، وإنما ترك ذكره ودلّ عليه رعاية للمجانسة بين التالي والمتلو إذا أمكنت. وبيانه أن المراد بالتسمية من هذه العبارة المخصوصة التي عدت آية، لا

стр. 86

المعنى المصدري، ويتلوها هاهنا شيآن: أحدهما: من جنسها، ويتلو ذكره ذكرها، وهو المقروء، أعني (الحمد لله) مثلا. والثاني: من غير جنسها ويتلو وجوده ذكرها، وهو القراءة، وتلو كل واحد منهما يستلزم تلو الآخر، فصرّح بتلو الأول ليفهم الثاني مع المحافظة على التجانس. وإنما قلنا: " هاهنا " لأن تسمية الذابح مثلا لا يتلوها إلا الذبح، فإنه يتبع وجودُهُ ذكرَهَا، وأما المذبوح فلا يتبع ذِكْرها، لا في الوجود، ولا في الذكر، فلا يستقيم أن يقال: الذي يتلو التسمية مذبوح (١). ولخص الشيخ سعد الدين العبارة فقال: يعني أن حرف الجر يدلّ على أن له متعلقا، وليس بمذكور، فيكون محذوفا، وقرينة تعيين المحذوف في بسم الله هو ما يتلوه ويتحقق بعده، وهو هاهنا القرآن؛ لأن الذي يتلوه في الذكر مقروء مثل (الحمد لله)، فيكون الفعل هو القراءة، فلما كان للمتلو هاهنا تال من جنسه حسنت هذه العبارة، بخلاف ما إذا قيل في تسمية الذابح: إن الذي يتلو التسمية مذبوح، فإنه لا يستقيم؛ لأن التسمية لا تالي لها هاهنا إلا في الوجود، وهو الذبح، وفيما نحن فيه لها تال في الذكر، وهو المقروء، وفي الوجود وهو القراءة (٢). قوله: (وكذلك يضمر كل فاعل ما يجعل التسمية مبدأ له) قال الشيخ أكمل الدين: قيل: وفي هذا الكلام تسامح؛ لأن ما جعل التسمية مبدأ له هو فعله، ولا يضمره، بل يضمر ما اشتق منه. قال: ويمكن أن يجاب عنه بذلك الجواب بعينه (٣) يعني الذي تقدم من قول الطيبي: إن الذي يتلو التسمية القراءة، لا المقروء. وقال الشيخ سعد الدين: لا خفاء في أن المضمر هو الفعل النحوي، والتسمية إنما جعلت مبدأ للفعل الحسي، ففي الكلام حذف مضاف، أي لفظ ما جُعِل. وتابعه الشريف (٤).

стр. 87

قوله: (أو ابتدائي لزيادة إضمار فيه) أي لأنه يحوج إلى تقدير كائن، أو ثابت، أو نحوه. والبصريون قالوا: إن إضمار ابتدائي أولى، على أنه من باب حذف المبتدإ، والمتعلِّق به الجار، وهو كائن أو نحوه، ورجحوه بأن فيه بقاء أحد ركني الإسناد، وبأن الأسماء أصل، وغيرها فرع، والأصل أحق بالتقدير، وبأن المحذوف يكون مفردا، بخلاف تقدير الفعل فإنه يكون المحذوف جملة، وقلة الحذف أولى، وبأن الاسم المقدر إما مضاف، وإما معرّف بلام التعريف فيفيد العموم، بخلاف تقدير الفعل. وما يقع في عبارات المعربين من أن البصريين يقولون: التقدير: ابتدائي بسم الله تعقب ظاهره؛ فإنه يوهم أن ابتدائي متعلق الجار، وليس كذلك، إذ يلزم أن يحتاج بعده إلى خبر، وهو ثابت أو موجود، وانما البصريون يقولون: إن الجار في مثل هذا متعلق بكائن، أو مستقر، والمبتدأ محذوف، وهو ابتدائي، على ما تقدمت الإشارة إليه. قوله: (وتقديم المعمول هاهنا أو قع) قال البلقيني: وأما كون الفعل متأخرا فهو خلاف ما عليه الأكثرون من تقديره متقدما. وقد استأنس بعضهم لتقديره فعلا ماضيا مؤخرا بقوله ﷺ : " باسمك ربي وضعت جنبي " وأما كون المتعلُّق به مقدما على الرحمن الرحيم فقضية البداية بالاسم وإفادة الاختصاص التي ادعاها أن يكون المقدر مؤخرا عن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بكمالها، لئلا يقع الفصل بين الموصوف والصفة بما لم يتعين تقديره في هذا الموضع. قال: ولم أر من تعرض لها. وقال ابن المنير: لو قدرنا العامل متقدما لفات الغرض من كون التسمية مبدأ (١). وقال الشريف: هذا لا يختص بتسمية القارئ، بل يتناول تسمية المسافر

стр. 88

والذابح، وكل فاعل جعل التسمية مبدأ لفعله، فإنه يجعل فيه المقدر مؤخرا (١) (٢). قوله: (كما في (بسم الله مجراها ومرساها) [سورة هود ٤٢] قال الشيخ أكمل الدين: هذا على تقدير أن يكون (باسم الله مجراها ومرساها) - أي إرجاؤها وإرساؤها - جملة مقتضية من مبتدإ وخبر، وأما إذا كان معمول (اركبوا) فليس مما نحن فيه (٣). وتابعه الشيخ سعد الدين والشريف (٤). قوله: (لأنه أهم) قال الشيخ سعد الدين: يشير إلى ما ذكره الشيخ عبد القاهر من أنا لم نجدهم اعتمدوا في التقديم شيئا يجري مجرى الأصل غير العناية والاهتمام إلا أنه لا يكفي أن يقال: قدم للاهتمام، بل ينبغي أن تبيّن أنه لم كان أعنى به، ولم كان أهمّ، ثم إن بعض وجوه الاهتمام الاختصاص (٥). قوله: (وأدل على الاختصاص) الفرق بين الاهتمام والاختصاص أن الثاني يستدعي الرد على مدعي الشركة، بخلاف الأول فإنه للتبرك، لا للرد. وقال الشيخ سعد الدين: معنى اختصاص اسم الله بالابتداء جعله من بين الأسامي منفردا بذلك. قال: والظاهر أنه قصر إفراد (٦)؛ لأن ابتداء المشركين باسم اللات والعزى كان لمجرد الاهتمام، دون الاختصاص، فعلى الموحد قطع شركة الأصنام (٧). وقال البلقيني " أما كون الابتداء بالمتعلِّق أهمَّ فالمتعلق إنما هو الجار،

стр. 89

والاسم إنما هو ذكر المجرور، وأما إفادة الاختصاص في ذلك فممنوع، ولا يقوم على إفادة الاختصاص دليل من جهة اللفظ، ولكن حال الموحد يقتضي ذلك ولو كان المتعلَّقُ به مقدما. وقال الشريف: دلالة التقديم على الاختصاص بالفحوى وحكم الذوق (١). وقال الشيخ أكمل الدين: اعلم أن صاحب " الكشاف " أشار إلى أن تقديم بسم الله للاهتمام، ثم أعقبه بذكر الاختصاص، والشارحون بنوا كلامهم على أن المراد بالاختصاص هو التخصيص، فتكلموا في كونه قصر إفراد، أو قصر قلب (٢). ولاشك أن كلا من الاهتمام والاختصاص ينفك عن معنى التخصيص، فإن علماء المعاني يقولون: إن الحالة التي تقتضي تأخير المسند ما إذا كان ذكر المسند إليه أهم، كقولك: زيد في الدار، وليس فيه فائدة التخصيص. واتفقوا على أن قولهم: الجل للفرس يفيد الاختصاص، ولا تخصيص فيه؛ لأنه ليس على الطرق المذكورة للقصر، ولانتفاء شرطه، وهو ردّ الخطإ إلى الصواب. فإما أن يكون قد اصطلح على أن الاختصاص بمعنى الاهتمام، ولا نزاع في جوازه فيكون كلام الشارحين في القصر في غير محله، وفيما ليس مرادا، وإما أن يكون قد اصطلح على أن الاختصاص بمعنى التخصيم، والاهتمام مراد فيهما، وهو ملبس وقصور في حفظ الأوضاع، لا لنكتة (٣). قوله: (كيف وقد جعل آلة لها) إشارة إلى أن الباء للاستعانة. قال في " الكشاف ": " لما اعتقد المؤمن أن فعله لا يجيء معتدا به في الشرع، واقعا على السنة حتى يصدر بذكر الله، وإلا كان فعلا كلا فعل، جعل فعله مفعولا باسم الله، كما يفعل الكاتب بالقلم ". قوله: (لقوله ﷺ " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بسم الله فهو

стр. 90

أبتر " أخرجه الحافظ عبد القادر بن عبد الله الرُّهاوِي (١) في كتاب " الأربعين " له قال: أخبرنا محمد بن حمزة بن محمد القرشي (٢) قال: أخبرنا هبة الله بن أحمد بن محمد الأكفاني (٣) قال: أخبرنا أحمد بن علي الحافظ (٤)، أخبرنا محمد بن علي بن مخلد الوراق (٥)، ومحمد بن عبد العزيز بن جعفر البرذعي (٦) قالا: حدثنا أحمد بن محمد بن عمران (٧)، حدثنا محمد بن صالح البصري (٨)، حدثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك (٩)، أخبرنا يعقوب بن كعب الأنطاكي (١٠)، حدثنا مبشر بن

стр. 91

إسماعيل (١)، عن الأوزاعي (٢)، عن الزهري (٣)، عن أبي سلمة (٤)، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فهو أقطع " إسناده حسن. وقد أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأبو القاسم البغوي (٥)، وأبو سعيد ابن الأعرابي (٦) من طرق عن الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن بن حَيْوِيل (٧) عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. ولفظ ابن ماجه: " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع " ولفظ ابن الأعرابي " بالحمد لله أقطع " ولفظ البغوي ((بحمد الله))

стр. 92

ولفظ أبي داود والنسائي " كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد فهو أجذم " (١).

стр. 93

والبال الحال والشأن، وأمر ذو بال، أي شريف يحتفل به ويهتم، والبال في غير هذا القلب، وقيل: إنما قال: " ذو بال " لأنه من حيث أنه يشغل القلب كأنه مَلَكَهُ، وكان صاحب بال. قال الشريف: وشبه بذي قلب على الاستعارة المكنية. قال: وفي هذا الوصف فائدتان: إحداهما رعاية تعظيبم اسم الله بأن يبتدأ به في الأمور المعتد بها. والأخرى: التيسير على الناس في محقرات الأمور (١). قال الشيخ سعد الدين: وليس معنى يبدأ فيه " بسم (٢) الله " أنه يجب أن يكون ابتداء الأمر اسما من أسماء الله، بل أن يذكر اسم الله تعالى. قال: وبهذا يندفع ما خطر ببعض الأذهان أن الابتداء بالتسمية ليس ابتداء بسم الله؛ لأن اسمه هو لفظ " الله " لا لفظ " اسم (٣) ". وقال الشريف: تصدير الفعل " بسم الله " لا يكون إلا بذكر اسمه ويقع على وجهين: أحدهما: أن يذكر اسم خاص من أسمائه كلفظ " الله " مثلا. والثاني: أن يذكر لفظ دالّ على اسمه كما في التسمية فإن لفظ " اسم " مضافا إلى " الله " يراد به اسمه، فقد ذكر هاهنا أيضاً اسمه، لكن لا بخصوصه، بل بلفظ دال عليه مطلقا، فيستفاد أن التبرك أو الاستعانة بجميع أسمائه، وأن الباء والاسم وسيلة إلى ذكره على وجه يؤذن بجعله مبدأ للفعل، فهي من تتمة ذكره على الوجه المطلوب، فاندفع ما يتوهم من أن الابتداء بالتسمية ليس ابتداء بسم الله؛ لأن الباء

стр. 94

ولفظ " اسم " ليس شيء منهما اسما لله (١). وقال شيخنا العلاّمة محيي الدين الكافيجي: فإن قلت إن حديث الابتداء بالتسمية يعارض حديث الابتداء بالحمد (٢)، فإن الابتداء بأحدهما يفوّت الابتداء بالآخر. قلت: يحمل حديث التسمية على ابتداء الكلام بحيث لا يسبقه أمر من الأمور، ويحمل حديث الحمد على ابتداء ما عدا التسمية. فإن قلت: أرى كثيرا من الأمور يبتدأ فيها بسم الله مع أنه لا يتم، وأرى كثيرا بالعكس. قلت: المراد من الحديث أن لا يكون معتبرا في الشرع، ألا ترى أن الأمر الذي ابتدئ فيه بغير اسم الله غير معتبر شرعا وإن كان تاما حسا (٣). قوله: (وقيل: الباء للمصاحبة، والمعنى متبركا باسم الله أقرأ) قال الطيبي: في هذا التعلُّق بحث؛ لأن " أقرأ " حينئذٍ ليس بعامل في الجار والمجرور، فهو إما أن يحمل على اللغوي، فإن للحال تعلقا بعاملها فسلك به طريق المشاكلة، أو على الإفضاء كما نص عليه في قوله تعالى (كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا (٤)) [سورة يونس ٢٧]. ونحوه قول ابن عقيل: لما كان المذكور معمولا لفعل القراءة صح أن يجعل مُتَعَلَّقاً به مجازا. وقال الشيح أكمل الدين: قوله: " على معنى متبركا باسم الله " يدلّ على أن الباء متعلّق بمحذوف، وهو " متبركا "، فإن متبركا ليس معنى المصاحبة، فليس مما نحن فيه (٥). وقال الشيخ سعد الدين: يعني أن التقدير ملتبسا بسم الله، ليكون المقدر من الأفعال العامة، لكن المعنى بحسب القرينة على هذا، فلهذا يجعل الظرف مستقرا،

стр. 95

لا لغوا (١). وقال البلقيني: قوله: " على معنى متبركا باسم الله ". شاححه فيه صاحب الحاشية من جهة دلالته على أن الباء تتعلق بمحذوف وهو " متبركا " فإن التبرك ليس معنى الباء، وحينئذ لا تكون الباء للملابسة. والأولى أن تقول: ملتبسا (٢) بسم الله، أي مع اسم الله. قال البلقيني: ويقال - على ما في الحاشية - قد جمعت بين الحرف والحرف، وليس هذا بالأولى، بل الأولى أن يقال: على اسم الله أقرأ (٤). تنبيه: ظاهر صنيع المصنف اختيار الوجه الأوّل حيث جزم به، وحكى الثاني بقيل. والذي في " الكشاف " ترجيح الوجه الثاني، فإنه قال بعد ذكره: " وهذا أعرب وأحسن ". قال الطيبي: قوله: " أعرب " أي أفصح، من قولهم: كلام عربي، أي فصيح، وقيل: أبين، قيل: إنما كان أعرب وأحسن؛ لأن باء المصاحبة تقتضي الاستدامة في قصد المتكلّم، فمعناه كل حرف مما أتكلّم به بعد التسمية أقدر فيه بسم الله، ففيه تعميم الفعل مع التسمية، كما في قوله (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) [سورة المؤمنون ٢٥] أي تنبت ثمارها وفيها الدهن، ويناسبه ما روي في الحديث: " تسمية الله تعالى في قلب كل مسلم سمى أو لم يسم (٥) " وقيل: إنّما كان أحسن؛ لأن التبرك مؤذن برعاية حسن الأدب، واسم الآلة بخلافه، وفيه نظر؛ لأن القارئ في قوله تعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) إنما يطلب من الله المعونة والتوفيق على عبادته في جميع أفعاله، ولا يلزم من كون الله معينا ما تصوّر في القلم، كأنه يقول: أقرأ باستظهاره ومكانتة عند مسماه، وفي الحقيقة الله المعين في كل حرف.

стр. 96

وقال صاحب التقريب: إنما كان أحسن لتقدير الموجود حسا في الأول كالمعدوم. لعلّ مراده منه قوله: " كان فعلا كلا فعل " وفيه نظر؛ لأن جعل الموجود كالمعدوم بسبب الجري، لا على المقتضى من محسنات الكلام ولطيف إشاراته (١). ومما يختص بهذا الموضع من النكتة هي أن شبه اسم الله تعالى - بناء على يقين المؤمن بما ورد من السنة والقطع بمقتضاها - بالأمر المحسوس، وهو حصول الكتب بالقلم، وعدم حصوله بعدمه، ثم أخرج مخرج الاستعارة على سبيل التبعية لوقوعها في الحرف. وقيل: المراد أن بسم الله موجود في القراءة، فإذا جعلت الباء للاستعانة كان سبيله سبيل القلم، فلا يكون مقروءا والحال أنه مقروء. فيقال: إنا بينا ضعف التشبيه بالقلم، وقيل: إنما كان أعرب؛ لأن فيه الإيجاز والتوصل بتقليل اللفظ إلى تكثير المعنى، وهذا أقرب. وبيانه أن الحال لبيان هيئة الفاعل هنا، وقد ثبت بالدليل أن لابد لكل فعل يتقرّب به إلى الله تعالى من إعانة الله وتسديده، فدلّ تقدير الحال على أمر زائد، فيكون أبين. وينكشف هذا المعنى كشفا تاما في قولك: تنبت هذه الشجرة بالماء، إذا أردت بالباء الصلة، كأن المعنى تنبت بواسطة الماء، وإذا أردت الحال رجع إلى أنها تنبت وهي ملتبسة بالماء، فأفاد أنها طرية رَيَّا. والتحقيق أن يقال - على تقدير الحال -: أقرأ وأنا متبرك باسم الله، ومتوسل بمكانته عند الله؛ لاستزادة التوفيق على إتمام ما شرعت فيه، وقبول ما تقربت به إليه، هذا كله يعطيه معنى التبرك المقدر لإرادة الحال. وقال: البركة كثرة الخير وزيادته. ولما كان مآل ذلك الوجه في الحقيقة إلى هذا، وكان هذا أبين منه قال: أعرب وأحسن (٢). انتهى. وقال الشيخ أكمل الدين: قوله: " أعرب " قيل: أفصح، وقيل: أبين، وقيل:

стр. 97

أدخل في لغة العرب، وذُكِرَ لذلك أوجه: قيل: لأن باء المصاحبة أكثر استعمالا من باء الاستعانة، وهذا يقتضي الاستقراء لأكثر كلامهم. وقيل: لأن الاستعانة تستدعي جعل اسم الله المقصود بالتقديم آلة غير المقصود، وقيل: لأن المصاحبة فعية، وفيها مصاحبة اسم الله من أول الفعل إلى آخره، بخلاف الاستعانة. وقيل: لأن الاستعانة تقتضي جعل الموجود حسا كالمعدوم، وفيه تعسف. قال الطيبي: على هذا الوجه يكون مجازا، وهو أبلغ (١). وقوله: " أحسن "، قيل: لأن فيه " متبركا "، وفيه رعاية الأدب، وفيه نظر؛ لأن تقديره ضعيف، ولعلّ كلما يصح أن يذكر في وجه الأعربية يصح أن يذكر في الأحسنية. وقال الشيخ سعد الدين: قوله: " أعرب "، أي أفصح وأبين وأدخل في العربية " وأحسن " أي أوفق لمقتضى الحال؛ لأن استعمال الباء في المصاحبة والملابسة أكثر من الاستعانة، ودلالتها على تلبس أجزاء الفعل بالتبرك أظهر، ولأن في التبرك باسم الله من التأدب ما ليس في جعله بمنزلة الآلة التي لا تكون مقصودة بالذات. وأما الترجيح بأن جعل في الأوّل الموجود كالمعدوم - وهو تكلّف - فليس على ما ينبغي؛ لأن مثل ذلك يعد من المحسنات (٢). وقال الشريف: أما كونه أعرب، أي أدخل في لغة العرب وأفصح وأبين فلأن باء المصاحبة والملابسة أكثر استعمالا من باء الاستعانة، لا سيما في المعاني وما يجري مجراها من الأقوال. وأما كونه أحسن، أي أوفق لمقتضى المقام فلوجوه: أحدها: أن التبرك باسم الله تعالى تأدب معه وتعظيم له، بخلاف جعله آلة فإنها غير مفيدة له، وغير مقصودة بذاتها. الثاني: أن ابتداء المشركين بأسماء آلهتهم كان على وجه التبرك بها، فينبغي أن يرد عليهم في ذلك.

стр. 98

الثالث: أن الباء إذا حملت على المصاحبة والمعية كانت أدلّ على ملابسة جميع أجزاء الفعل لاسم الله تعالى منها إذا حملت على الآلة. الرابع: أن التبرك باسم الله تعالى معنى مكشوف يفهمه كل أحد ممن يبتدئ في أموره، والتأويل المذكور في كونه آلة لا يهتدى إليه إلا بنظر دقيق. الخامس: أن كون اسم الله آلة للفعل ليس إلا باعتبار أنه يتوسل إليه ببركته، فقد رجع بالآخرة إلى التبرك، وليس في اعتباره زيادة معنى يعتد به. وقد يقال: جعله آلة يشعر بأن له زيادة مدخل في الفعل، ويشتمل على جعل الموجود - لفوات كماله - بمنزلة المعدوم، ومثله يعد من محسنات الكلام (١). وقال شيخنا العلامة محيي الدين الكافيجي: معنى الباء هاهنا المصاحبة والملابسة كما في قوله (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) ويجوز أن تكون للاستعانة كالباء في كتبت بالقلم، فالأوّل يناسب الدراية، والثاني يناسب الرواية، لكن الأوّل لما كان أظهر رجح على الثاني (٢). وقال البلقيني في " الكشاف ": قول " الكشاف " في المعنى الأوّل: " جعله مفعولا بسم الله كما يفعل الكتب بالقلم " يقال عليه: القراءة حاصلة وإن لم يسم، وأما الكتابة فلا تحصل إلا بالقلم فأين التسوية. قال: وقد استؤنس للمعية والمصاحبة بقوله ﷺ : " بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم (٣) " وفيه نظر، إذ المراد الخبر عن أنه لا يضرّ مع ذكر اسم الله شيء مخلوق. ويقال - على هذا الوجه -: المصاحبة تستدعي أمرا حاصلا عندها، نحو جاءكم الرسول بالحق، أي مع الحق، والقراءة لم تحصل حينئذ فتعذرت حقيقهّ المصاحبة فيما نحن فيه. قال: فإن قيل: فإذا كان كل من الوجهين عندك مخدوشا فهل من ثالث؟

стр. 99

قلت: جوّز بعضهم أن تكون باء الإلصاق، ويقال عليه: معنى الإلصاق يقع على وجهين: أحدهما: أن لا يصل الفعل إلى المفعول إلا به كمررت بزيد، وهذا لا يتأتى هاهنا؛ لأن الفعل يتوصل إليه هنا بنفسه تقول: أقرأ كذا. والثاني: ما دخل على المفعول المنتصب بفعله ليفيد المباشرة، نحو أمسكت بزيد، وهذا لا يتأتى هنا أيضاً. فإن قيل: فإذا كان كل من الأوجه الثلاثة عندك مخدوشا فهل من رابع؟ قلت: في فكري وجه رابع، وعندي فيه وقفة سأبينها: وهو أن الباء هنا بمعنى " على " ويشهد له قوله تعالى (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) [سورة الأنعام ١١٩] (ولا تاكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) [سورة الأنعام ١٢٢] (فاذكروا اسم الله عليها صوافّ) [سورة الحج ٣٧] والمعنى على اسم الله أقرأ. فإن قيل: إنما قال " على " في المواضع المذكورة من أجل فعل الذكر. قلنا: فعل الذكر يتعدى إلى مفعوله الثاني مرة بعلى، ومرة باللام نحو ذكرته لزيد، فلما عداه بـ " على " عرف أن المراد أن يكون الذبح على اسم الله تعالى، بأن يقول: بسم الله، أي على اسم الله أذبح. قال: فإن قيل: نقلتنا من حرف جر إلى حرف جر يحتاج أن يفسر معناه. قلنا: ذهب بعض النحاة إلى أن " على " اسم، وليس بحرف، ولئن قلنا: إنها حرف كما هو المشهور فالمعنى على اسم الله أقرأ، وهذا من الاستعلاء الدالّ على التمكن نحو على الله توكلت، ونحو قوله (أولئك على هدى من ربهم) [سورة البقرة ٦] ونحو " أنا على عهدك ووعدك ما استطعت (١) " قال: ولم أر من تعرّض لذلك. قال: ومن عجيب ما قيل في بسم الله الرحمن الرحيم: إنها قسم في أوّل كل سورة. ذكره صاحب كتاب الغرائب والعجائب (٢). . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 100

فعلى هذا تكون باء القسم (١). انتهى. وقال أبو الحسن ابن بابشاذ (٢) في شرح مقدمته: الباء من بسم الله الرحمن الرحيم معناها الإلصاق، وهو تارة إلصاق معنى شيء بشيء، وذلك الشيء يكون موجودا مثل تبركت بسم الله، وبدأت بسم الله، وفعلت بسم الله، ويكون تارة محذوفا في حكم الموجود مثل بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأن هذه الكلمة قد كثر استعمالها عند استفتاح الأذكار والأفكار والأفعال والأعمال قولا وفعلا واعتقادا، فأغنت دلالة الحال عن التلفظ بالأفعال، ولذلك تختلف تقدير الأفعال بحسب المقام، فإن ذكرت عند استفتاح قراءة، فتقديره: أقرأ بسم الله، أو عند ابتداء أكل أو شرب أو ذبح، أو نحر فتقديره: آكل بسم الله، وأشرب وأذبح وأنحر، وكذلك حكمها أبدا مع كل فعل، فالباء ملصقة تلك المعاني بالاسم الذي بعدها (٣). * * * تذنيب: قال الرضي (٤): إن الباء لا تكون بمعنى المصاحبة إلا مستقرا (٥). قال شيخنا الإمام تقي الدين الشمني في حاشية المغني: والظاهر أنه لا منع من كونها لغوا (٦). * * * تنبيه: قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام (٧) في أماليه: إن قيل: إن كان المراد التبرك كيف يحسن ذلك في القرآن؛ لأن البسملة هي كلام الله في الله،

стр. 101

والقراءة هي كلام الله في الله، أو كلام الله في غير الله، وأيا ما كان فيكون أشرف من البسملة، فكيف يبارك بالمشروف على الشريف؟. فالجواب: أن البركة هاهنا معناها: أن يدفع عنه الشيطان الذي يوسوسة في القراءة حتى يحمل القرآن على غير محمله، أو يلهو عنه، لا أنها توجب للقراءة صفة كمال وشرف، بل ذلك عائد على القارئ (١). قوله: (وهذا وما بعده مقول على ألسنة العباد) هي عبارة " الكشاف (٢) ". قال الطيبي: قال الزمخشري: مثاله: ما إذا أمرك إنسان أن تكتب رسالة من جهته إلى غيره فإنك تكتب " كتبت هذه الأحرف " وانما تفعل هذا على لسان آمرك. الراغب: إن قيل: لم لم يقل: الحمد لي؟ قيل: لأن ذلك تعليم منه لعباده، كأنه قال: قولوا: (بسم الله) و (الحمد لله)، وقيل: قولوا: غير مقدر؛ لأن الله حمد نفسه ليقتدى به، أو لأن أرفع حمد ما كان من أرفع حامد، وأعرفهم بالمحمود وأقدرهم على إيفاء حقه (٣)؛ ولهذا قال: " لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك (٤) " وقيل: كلما أثنى الله على نفسه فهو في الحقيقة إظهاره بفعله، فحمده لنفسه هو بث آلائه، وإظهار نعمائه بمحكمات أفعاله، وعلى ذلك قوله تعالى (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) [سورة آل عمران ١٨] فإن شهادته لنفسه إحداثه الكائنات دالّة على وحدانيته، ناطقةً بالشهادة له. قال ذو النون (٥): لما شهد الله لنفسه أنطق كل شيء بشهادته (وإن من شيء

стр. 102

إلا يسبح بحمده (١)) [سورة الإسراء ٤٤] * * * تنبيه: قال البلقيني: قول صاحب " الكشاف ". " هذا مقول على ألسنة العباد " دسّ فيه دسيسة الاعتزال من جهة القول بخلق القرآن. قال: والجواب أنه سبحانه يحمد نفسه ويقسم باسمه وبصفته نحو قوله (فورب السماء والأرض إنه لحق) [سورة الذاريات ٢٤] وفي الصحيح: " أنت كما أثنيت على نفسك " وفي مسند الدارمي عن النبي ﷺ " قرأ الله طه قبل أن يخلق السموات والأرض بألف عام (٢) " وظهر من ذلك الجواب. انتهى. ولم ينبه أحد من أرباب الحواشي على أن في هذا دسيسة سواه، وهو غير واضح؛ ولهذا لم يتجنبه المصنف. قوله: (ومن حق الحروف المفردة أن تفتح)

стр. 103

قال الزجاج: أصل الحروف التي يتكلم بها وهي على حرف واحد الفتح أبدا إلا أن تجيء علة تزيله؛ لأن الحرف الواحد لاحظ له في الإعراب (١) فيقع مبتدأ في الكلام، ولا يبتدأ بساكن فاختير له الفتح؛ لأنه أخفّ الحركات (٢). وعبارة غيره: لمّا بالغوا في تخفيفها بوضعها على حرف واحد ناسب ذلك بناؤها على الفتح؛ لأنه أخفّ الحكات. * * * تنبيه: عبارة " الكشاف ": " من حق حروف المعاني التي جاءت على حرف واحد (٣) ". وتعقبه البلقيني فقال: الحروف التي هي أحد أقسام الكلمة لا تكون إلا للمعاني، فقوله: " حروف المعاني " يوهم إثبات حروف ليست لمعان، وليس ذلك بموجود في الحروف التي هي قسيمة الأسماء والأفعال. انتهى. فكان المصنّف حذف هذه اللفظة لعدم الحاجة إليها، ولإزالة الإبهام. قوله: (لاختصاصها بلزوم الحرفية والجرّ). قال الطيبي: قيل: ينتقض بواو القسم، فإنها لازمة الحرفية والجر، وبنيت على الفتح. وأجيب أن هذه الواو إنما تجرّ لنيابتها عن الفعل، وعن هذه الباء، على ما صرّح به صاحب " الكشاف " في (والشمس) فاجريت على الأصل (٤). وقال الشيخ سعد الدين: كل من الحرفية والجرّ يناسب الكسر. أما الحرفية فلأنها تقتضي عدم الحركة، والكسر يناسب العدم لقلته؛ إذ لا يوجد في الفعل ولا في غير المنصرف من الأسماء، ولا في الحروف إلا نادرا ك " جَيْرِ " وأما الجر فللموافقة - أي لموافقة حركة الباء أثرها - كما أفصح به الشريف. وهذا بخلاف كاف التشبيه فإنها لا تلزم الحرفية وإن لزمت الجرّ، وبخلاف الواو فإنها لا تلزم الجر وإن لزمت الحرفية، إذ قد تكون عاطفة.

стр. 104

ومن اعتذر بأن واو القسم لا تلزم الجرّ في نفسها؛ لأنها إنما تجرّ لنيابتها عن الباء، فقد اعتبر خصوصية القسمية، وليس بلازم، وحينئذ لا يحتاج إلى هذا الاعتذار في تاء القسم؛ لأنها بدون الخصوصية، لا تلزم الجرّ ولا الحرفية، إذ قد تكون اسما كضمير الخطاب. ولا يخفى حينئذ أن الكاف أيضاً لا تلزم الجر ما لم تعتبر خصوصية التشبيه. وكلام الزجاج: أن الباء إنما كسرت للفصل بين ما يجرّ وقد يكون اسما كالكاف، وبين ما يجر ولا يكون إلا حرفا كالباء (١). ويشبه أن يكون هذا مراد المصنف. انتهى كلام الشيخ سعد الدين (٢). * * * تنبيهان: الأوّل: المراد بلزوم الحرفية والجر - كما قال الشيخ سعد الدين والشريف - كونها ملاصقة لهما غير منفكة عنهما، بمعنى أنها لا توجد بدونهما (٣). وعبار الشريف: أي غير مفارقة لهما، بمعني أنها لا توجد بدونهما، يقال: لزم فلان بيته إذا لم يفارقه، ولم يوجد في غيره، ومنه قولهم: أم المتصلة لازمة لهمزة الاستفهام. الثاني: قال الشريف: لزوم الحرفية والجر قيل: هما وجهان، وثقض الأوّل بواو العطف وفائه اللازمين للحرفية، والثاني بكاف التشبيه اللازمة للجرّ، وقيل: المجموع دليل واحد فاندفعا، وبقي النقض بواو القسم وتائه. وأجيب بأن عملهما بنيابة الباء، وكان الجرّ ليس أثرا لهما. لا يقال: اعتبار الحرفية احترازا. عن كاف التشبيه مستدرك؛ لأن الكاف إذا كانت اسما لا تعمل جرا في المضاف إليه، إذ العامل فيه هو الحرف المقدر، على ما ذكره في المفصل (٤)؛ لأنا نقول: احترز عنها دفعا للانتقاض بها على مذهب من جعل المضاف عاملاً. ومن الناس من دفع النقض بواو القسم وتائه بأن اعتبار خصوصيته ليس بلازم، فالواو وإن لزمت الحرفية لكن لا تلزم الجرّ، إذ قد تكون عاطفة، والتاء لا تلزم شيئا منهما؛ لأنها قد تكون اسما كضمير الخطاب، فورد عليه أن الكاف أيضاً لا

стр. 105

تعتبر فيها خصوصية التشبيه، فلم تكن لازمة للجر أيضاً كضمير المخاطب، فيلغو قيد لزوم الحرفية؛ لأنه احتراز عن الكاف اتفاقا، فالتجأ إلى كلام الزجاج: أن الباء بنيت على الكسر فصلا بين ما تجرّ، وقد تكون اسما كالكاف، وبين ما تجر ولا تكون إلا حرفا كالباء. وقال: ويشبه أن يكون هذا مراد المصنف. وفيه بعد؛ لأن القوم اعتبروا خصوص المعاني فقالوا: كاف التشبيه إما حرف، وإما اسم بمعنى مثل، ولم يلتفتوا إلى مجرّد صورة الكاف، ولم يقولوا: إنها أيضاً تكون ضميرا، أو حرف خطاب (١). وقول " الكشاف ": " نحو كاف التشبيه ولام الابتداء (٢) " إلى آخره يدلّ على خصوصيات المعاني، وكيف لا وبذلك يظهر تعدد اللامين، وكون أحدهما مفتوحة، والأخرى مكسورة (٣). انتهى. يشير بقوله: ومن الناس إلى الشيخ سعد الدين في كلامه السابق. وقال مكي في إعرابه: كسرت الباء من بسم لتكون حركتها مشبهة لعملها، وقيل: كسرت ليفرق بين ما يخفض، ولا يكون إلا حرفا نحو الباء واللام، وبين ما يخفض وقد يكون اسما نحو الكاف (٤). وهذا ما أشار إليه الشريف بقوله: قيل: وهما وجهان. وقال الشيخ أكمل الدين - بعد إيراد النقض والجواب -: والحق أن التعليلات الصرفية واقعية مستخرجة بعد الوقوع، فلا تقبل النقض، وإنما هي أمور مناسبة لا بأس بذكرها للتدرب في أوضاع الصرف، وأما ذكرها في مثل هذا الكتاب وإيراد النقض عليها فليس بمناسب، والاعتماد على التوقيف (٥). قوله: (ولام الإضافة) قال الزمخشري: " حروف الجر كلها تسمى حروف الإضافة؛ لأنها تضيف

стр. 106

معاني الأفعال إلى الأسماء (١) ". قوله: (داخلة على المظهر) بخلاف ما إذا دخلت على المضمر فإنها لا تكسر؛ لعدم الإلباس؛ لأن لام الابتداء لا تدخل إلا على المضمر المرفوع المتصل. قوله: (والاسم عند البصريين من الأسماء التي حذفت أعجازها) زاد في " الكشاف ": وصف الأسماء بالعشرة (٢) قال الطيبي: وهي ابن، وابنة، وابنم - بمعنى ابن - واسم، واست، واثنان، واثنتان، وامرؤ وامرأة، وأيمن الله. قال: وأما أيم الله فمحذوف فيها نون أيمن (٣) وقال الشيخ سعد الدين: كأنه لم يعتد بأيم الله؛ لأنه منقوص أيمنٌ، واعتد بابنم مع أنه مزيد ابن؛ لأن الزيادة توجب تعدد الصيغة كضارب من ضرب، بخلاف الحذف كدم في دموٌ، ولا يخفى ضعفه (٤). وقال الشيخ أكمل الدين: عدها في " الكشاف " عشرة، وفي " المفصل " جعلها أحد عشر، بزيادة أيم الله، قيل: وهو الصواب (٥). وقال الشريف: عدها في " الكشاف " عشرة، وفي " المفصل ": جعلها أحد عشر، فإما أن لا يعتد بأيم الله؛ لأنه منقوص أيمن، وإما أن لا يعتد بابنم؛ لأنه مزيد ابن، والأوّل أولى؛ لأن المنقوص قد يوزن بوزن أصله، فيقال: أيم أفعل، كأيمن، فكأنَّه هو، بخلاف المزيد، إذ لا يوزن ابنم بوزن ابن أصلا (٦) قوله: (وبنيت أوائلها على السكون) قال الشيخ أكمل الدين: غير معلل بشيء؛ لأن أوائل هذه الأسماء وغيرِها من حروف المباني، وحقها السكون، فيحتاج غيرها إلى بيان ما ترك الأصل لأجله، وإلا لزم الترجيح بلا مرجح، وما فيه مرجح، فالاعتماد على التوقيف (٧).

стр. 107

وقال الشريف: أي بنوها كذلك تحقيقا واستعمالا وإن كان يعتبر تحرّك أوائلها تقديرا وقياسا، كما قال: أصله سمو، كما يقال: أصل ابن بنوٌ. ولعلّ الحكمة في وضعها كذلك التفنن في الوضع، وتطلب الخفة فيها؛ لكثرة استعمالها في الدرج (١). وقال البلقيني في " الكشاف ": ما جزم به من بناء أول الاسم على السكون هو طريقة بعض البصريين، وذهب كثير منهم إلى أنهم أدخلوا الهمزة على المتحرك، ثم سكنوا السين تخفيفا. قال: ويزاد في العدة إيمن بكسر الهمزة، فإنها ليست جمعا بلا خلاف، والهمزة فيه همزة وصل بلا خلاف. قال: وإذا عددت ما فيها من اللغات مع همزة الوصل كثر العدد. قوله: (وأدخل عليها مبتدأ بها همزة الوصل) قال الشريف: وجه خصوصيتها لينجبر بقوتها، وكونها من أقصى المخارج (٢). قوله: (لأن من دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرك، ويقفوا على الساكن) قال الطيبي: هذا يشعر أن الابتداء بالساكن ممكن، وموجود في اللغة، لكنه مستكره، وبه صرّح صاحب " المفتاح " في الصرف قال: دعوى امتناع الابتداء بالساكن فيما سوى حروف المد واللين ممنوعة، اللهم إلاّ إذا حكيت عن لسانك، لكن ذلك غير مجد عليك (٣). وقال الشريف: التعليل بذلك دون الامتناع إشارة إلى جواز الابتداء بالساكن، وهو الحق، ومن قال بامتناعه لا يسمع منه إلا حكايته عن لسانه. نعم يمتنع الابتداء بالمدات، إلا أن ذلك لذواتها، لا لسكونها. وإذا استقريت لغة العجم وجدت الابتداء بالساكن المدغم. وقد يستدل على الجواز بأنه لو لم يجز لكان التلفظ بالحرف موقوفا على التلفظ بالحركة فيدور؛ لأن الحركة موقوفة على الحرف في التلفظ توقف العارض على المعروض.

стр. 108

ويجاب بأن امتناع الابتداء بالساكن يستلزم امتناع انفكاك الحركة عن الحرف المبتدإ به، وأما توقفة على الحركة فلا، لجواز أن تكون الحركة تابعة له، غير منفكة عنه. قال: واعلم أن الحركة والسكون بالمعنى المشهور مختصان بالأجسام، وأن المراد بالحركة كونه بحيث يمكن أن يتلفظ بعده بإحدى المدات الثلاث، وبسكونه كونه بحيث لا يمكن فيه ذلك (١). وقال الشيخ سعد الدين: التعليل بذلك مشعر بأنه ليس لامتناع الابتداء بالساكن، اللهم إلاّ إذا حكيت عن لسانك. صرّح بذلك في صرف " المفتاح (٢) ". وأما في المدات فالامتناع لذاتها، لا لسكونها، وإذا نظرت وجدت الابتداء بالساكن غير مرفوض في لغة العجم. وقد يستدل على الإمكان بأنه لو امتنع لتوقف التلفظ بالحرف على التلفظ بالحركة ابتداء ضرورة تقدم الشرط على المشروط، لكن التلفظ بالحركة موقوف على التلفظ بالحرف ضرورة توقف وجود العارض على وجود المعروض. وجوابه منع الشرطية؛ لجواز أن تكون الحركة لازما غير متقدم للحرف المبتدإ بها، لا شرطا سابقا. على أنك إذا تحققت معنى حركة الحرف لم يكن هناك عارض ومعروض (٣). وقال الشيخ أكمل الدين: في هذا التعليل إشعار بأن الابتداء بالساكن ممكن، وهو قول بعضهم، وذلك لأن نقيضه محال؛ لأنه لو لم يمكن توقف التلفظ بالحرف في الابتداء على التلفظ بالحركة، والحركة عارضة للحرف، فيتوقف التلفظ بها على التلفظ بالحرف، وذلك دور. فإن قيل: الحرف مع الحركة عند التلفظ، فكان التوقف توقف معية، ولا دور فيه. أجيب بأنهما وإن كانا في الوجود عند التلفظ مقارنين، ولكن وجود المعروض بالذات سابق على العارض، فكان توقف تقدم، وهو الدور.

стр. 109

وردّ بأن كلامنا في الحروف الملفوظ بها ابتداء، لا في الحروف المعقولة، وهما في التلفظ معا بلا خلاف. وإذا ظهر هذا ثبت قول من يقول بالامتناع. وهذا ظاهر للمتأمل في الحروف الملفوظ بها ابتداء (١) وقال شيخنا العلامة محيي الدين الكافيجي: فإن قلت: الابتداء بالساكن ممتنع أو ممكن. قلت: الحق هاهنا هو التفصيل، بأن يقال: إن كان السكون للساكن لازما لذاته فيمتنع كالألف، وإلاّ فيمكن، لكنه لم يقع في كلامهم لسلامة لغتهم من كل لكنة وبشاعة (٢). وقال بعض أرباب الحواشي (٣): من زعم امتناع الابتداء بالساكن يحتج بالاستقراء، وهو - وإن كان تاما - لا يدلّ إلا على عدم الوقوع، وعدم الوقوع لا يستلزم الامتناع. وقال البلقيني في " الكشاف ": ما استدل به من قال بإمكان الابتداء بالساكن قول غير صحيح، وممن حكاه ابن الخطيب في تفسيره (٤). والصحيح القطع بأن ذلك لا يمكن، ومقابله غلط، ومكابرة للحس. قلت: وممن صرح بأن الابتداء بالساكن غير ممكن صاحب (٥) " البسيط " في النحو، والشلوبين (٦). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 110

في " شرح الجزولية (١) "، لكن ذكر ابن يعيش (٢) خلافه فقال: في " شرح المفصل ": اعلم أن أصحابنا يقولون: إن الابتداء بالساكن لا يكون في كلام العرب، وقد أحاله بعضهم، ومنع من تصوره، ولا شبهة في الإمكان، ألا ترى أنه يجوز الابتداء بالساكن إذا كان مُدْغَمًا، نحو اثَّاقلتم في تثاقلتم. ويؤيد ذلك وأنه من لغة العرب أنهم لم يخففوا الهمزة إذا وقعت أولا بأيّ حركة تحركت نحو أحمد وإبراهيم، ونحو قوله (٣): أأن رأت رجلا أعشى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. لأن في تخفيفها تضعيفا للصوت، وتقريبا له من الساكن، فامتناعهم من تخفيف الهمزة مع إمكان تخفيفها والنطق بها دليل على أن ذلك من لغة العرب، وذلك من قِبَلِ أن المبتدئ بالنطق مُسْتَجمٌّ مستريح فيعظم صوته، والواقف تعب حسر يقف للاستراحة فيضعف صوته (٤). * * * تنبيه: قال السهيلي (٥): قولهم حرف متحرك، وتحركت الواو، ونحو ذلك تساهل منهم، فإن الحركة عبارة عن انتقال الجسم من حَيِّزٍ إلى حيز، والحرف جزء من الصوت، ومحال أن تقوم الحركة بالحرف؛ لأنه عرض، والحركة لا تقوم بالعرض، وإنما المتحرّك في الحقيقة هو العضو من الشفتين، أو اللسان، أو الحنك الذي يخرج منه الحرف، فالضمة عبارة عن تحريك الشفتين بالضم عند النطق، فيحدث من ذلك صوت خفي مقارن للحرف، إن امتدّ كان واوا، وإن قصر كان ضمة، والفتحة عبارة عن فتح الشفتين عند النطق بالحرف، وحدوث الصوت الخفي الذي يسمى فتحة، وكذا القول في الكسرة، والسكون عبارة عن خلوّ
следующие страницы →