← Тафсир

Тафсир · id 29882

نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (1 427 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

فالمدح يقع غالباً بصفة يتميز بها الممدوح عن غيره، ولا يجوز أن يقتصر في مدح النبي ﷺ على كونه رجلاً مسلماً، والوجه أن الصفة تذكر لتعظيم في نفسها وينوه بها إذا وصف بها عظيم القدر كما يعظم الموصوف بالصفة، ومنه وصف الأنبياء بالصلاح في قوله تعالى (وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) ولذلك قال في الذين يحملون العرش (وُيؤمِنُونَ بِهِ) تعظيماً لقدر الإيمان وبعثاً للبشر على الدخول فيه ليساووهم فيه، وقد قيل أوصاف الأشراف أشراف الأوصاف وقال: ولئن مدحت محمد بقصيدتي ... فلقد مدحت قصيدتي بمحمد. اهـ قال العلم العراقي: ومن أمثلته ما يكرر في الصافات عقب ذكر نبي بعد نبي (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ). اهـ قال ابن المنير: فالنبوة أعظم من الإسلام، فلولا حملها على هذا لخرجنا عن قانون البلاغة في الترقي من الأدنى إلى الأعلى لا النزول من الأعلى إلى الأدنى، وقد قال المتنبي: شمس ضحاها هلال ليلتها ... در تقاصيرها زبرجدها فنزل عن الشمس إلى الهلال، وعن الدر إلى الزبرجد فمضغت الألسن عرض بلاغته ومزقت أديم صناعته لذلك. اهـ وقال الطَّيبي بعد حكاية كلام ابن المنير: الذي يقتضي العجب من هذا الفاضل قوله إنَّ الصفة ذكرت لتعظيم نفسها وتنويه شأنها إذا وصف بها عظيم القدر وليست بصفة مدح، فيقال: إذا لم تكن صفة مدح فهل تكون للتي للتفصيل والتمييز، أو للكشف والتوضيح، أو للتقرير والتوكيد إذ لا خامس، أم كيف يتسنى لك ما يقصد به من التعظيم أو التنويه وكونها مرغوباً بها إذا لم تحملها على المدح وتقول إذا كان النبيون صلوات الله وسلامه عليهم مع جلالة قدرهم ورفعة منصبهم يمدحون بوصف الإسلام فما بال الغير، فعند ذلك يحصل التنوية والترغيب.

стр. 1192

وإليه أشار صاحب المفتاح بقوله: لو أريد اختصاره لما انخرط في الذكر (وُيؤمِنُونَ بِهِ) إذ ليس أحد من مصدقي حملة العرش يرتاب في إيمانهم، ووجه حسن ذكره إظهار شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه. اهـ ولخص الشيخ سعد الدين الكلام فقال: اعترض عليه بأنَّ النبوة أعظم من الإسلام فكيف يمدح نبي بأنه رجل مسلم، فالوجه أنه للتنويه بشأن الصفة والتنبيه على عظيم قدرها حيث وصف بها عظيم كما في وصف الأنبياء بالصلاح والملائكة بالإيمان فإن أوصاف الأشراف أشراف الأوصاف، وإلا فلا خفاء في أنَّ النزول من الأعلى إلى الأدنى قصور في البلاغة. قال: والجواب أنَّ المراد أنَّها صفة أجريت عليهم على طريق المدح دون التخصيص أو التوضيح لكن لقصد المدح لئلا يلزم ما ذكرتم بل لقصد التعريض باليهود وأنهم برآء من ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء كلهم. اهـ قال الطَّيبي: ثم في إقران (الَّذِينَ أَسْلَمُوا) بقوله (لِلَّذِينَ هَادُوا) والإرادة أن الأنبياء المسلمين يحملون اليهود على أحكام التوراة تصريح فيما عرض به أولاً. قال: والحاصل أنَّ في كل من اللفظين واختصاصه بالذكر رمز إلى معنى وإشارة دقيقة على سبيل الإدماج. اهـ قوله: (و (مِن) للتبيين). قال الطَّيبي: هذا لا يوافق تفسيره حيث قال: بسبب ... إلى آخره، لأنَّ (من) التبينية تستدعي موصولة، وقد فسره بما ينبني عن كونها مصدرية لكن مراده تلخيص المعنى. اهـ قوله: (ويداهنوا فيها). في الأساس: ومن المجاز أدهن في الأمر وداهن: صانع ولاين. اهـ قوله: (كما قيل هذه في المسلمين لاتصالها بخطابهم، والظالمون في اليهود، والفاسقون فى النصارى).

стр. 1193

(قيل: يلزم على هذا أنَّ يكون المؤمنون أسوأ حالاً من اليهود والنصارى). قال الطيبي: ويمكن أن يقال إن المسلمين إذا نسب إليهم الكفر حمل على التشديد والتغليظ، والكافر إذا وصف بالظلم والفسق أشعر بعتوهم في الكفر وتمردهم فيه. اهـ قوله: (معطوفة على (أن) وما فى حيزها باعتبار المعنى) قال أبو حيان: هو من العطف على التوهم لا من العطف على المحل لأنه محصور وليس هذا منه إذ طلب الرفع في الأول مفقود. اهـ وعبارة الزجاج: العطف على موضع (أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) والعامل فيها المعنى، (وكتبنا عليهم) أي: قلنا لهم النَّفْس بِالنَّفْسِ. اهـ قوله: (العين مفقودة بالعين ... ) إلى آخره. قال أبو حيان: يحمل هذا على (تفسير المعنى لا على) تفسير الإعراب، لأن المجرور إذ وقع خبراً يكون العامل فيه الكون المطلق لا المقيد كما قرره هنا الحوفي وغيره، أي: يستقر أخذها بالعين ونحوه. اهـ قال الشيخ ولي الدين: وهذا من الزمخشري على حد ما قدره في البسملة من قوله اقرأ ولم يقدر ما قدره غيره. قوله: (أو على أن المرفوع منها معطوف على المستكن فى قوله (بِالنَّفْسِ)). قال الطَّيبي: المعنى أنَّ النفس هي مأخوذة بالنفس والعين معطوفة على هي. اهـ قوله: (أي: واتبعناهم على آثارهم [فحذف المفعول ... ) إلى آخره. قال الطَّيبي: إشارة إلى أنَّ الأصل: قفيناهم على آثارهم] كقولك: قفيته بفلان. اهـ وقال أبو حيان: هذا الكلام يحتاج إلى تأمل (١) فإنه جعل (وَقَفينَا) متعدياً لمفعول بنفسه

стр. 1194

ثم عداه لثان بالباء قَلَّ أَنْ يُوجَدَ حَتَّى زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ [لا يُوجَدُ] (١) وَلا يَجُوزُ، وقوله إن المفعول الأول محذوف والجار والمجزور كالساد مسده لا يتجه لأن المفعول به الصريح لا يسد مسده الظرف. اهـ قوله: (على أنَّ (أن) موصولة بالأمر). قال الشيخ سعد الدين: جرت عادة صاحب الكشاف بتجويز صلة (أن) بالأمر والنهي، ومعناه مصدر طلبي ولا بد له من موقع من الإعراب، وهو هنا بالنصب عطفاً على الإنجيل، كأنه قيل: آتيناه الإنجيل، والحكم الطلبي من أهل الكتاب وحاصله: أنا أمرنا بأن [يحكم أهل الكتاب فلذا قدره كذلك. قال: ولا يخفى أنَّ الكلام بعد موضع حقاً، وقد حققه في سورة نوح، قوله (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ) أنَّ أن الناصبة للمضارع، والمعنى: إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا بأَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ، أي بأن قلنا له أن أنذر قومك، أي الأمر بالإنذار، وعلى هذا يكون المعنى: وآتينا الأمر بأن يحكم أهل الإنجيل، وهو معنى أمرنا بأن] يحكم أهل الإنجيل. اهـ قوله: (وقرى ببنية المفعول). أي: ومهيمَناً بفتح الميم. قال الطَّيبي: فعلى هذا لا يكون فيه ضمير، والضمير في (عَلَيْهِ) يعود إلى الكتاب الأول، وعلى قراءة كسر الميم فيه ضمير يعود إلى الكتاب الأول وضمير (عَلَيْهِ) إلى الكتاب الثاني. اهـ قوله: (أو الحفاظ فى كل عصر). قال الطَّيبي: هذا أيضاً من حفظ الله سبحانه، وفي الحقيقة الحافظ هو الله وحده لقوله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ). اهـ قوله: (فـ (عن) صلة لـ (لا تتبع) (٢) لتضمنه معنى لا تنحرف).

стр. 1195

قال الطَّيبي: المعمول عليه في التضمين إيقاع الفعل المضمن فيه حالاً وإقامة المضمن مقامه لتعم الفائدة. قال صاحب الكشاف في سورة الكهف: الغرض في هذا الأسلوب إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى واحد. اهـ قال الطَّيبي: فإن قلت هلا حمله على الحال ليكون المعنى: لا تتبع أهواءهم منحرفاً عما جاءك من الحق؟ قلت: المقام يستدعي ذم القوم وهذا أدخل في الذم، كأنه نهى عن الانحراف عن الحق مطلقاً ثم أتى بما ظهر أن ذلك الانحراف هو متابعة أهواء أولئك الزائغين إيذاناً بأن أولئك أعلام في الانحراف عن الحق، ولا كذلك الحال فإنه قيد للفعل فيوهم أنه يجوز المتابعة إذا زال الانحراف، ويقرب منه قولك: هل أدلك على أفضل الناس وأكرمهم فلان، فإنه أبلغ من قولك: هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل. اهـ قوله: (واستدل به على أنا غير متعبدين بالشرائع المتقدمة). قال الشيخ سعد الدين: وجه الدلالة أنَّ الخطاب يعم الأمم، والمعنى لكل أمة لا لكل أحد من أفراد الأمة، فيكون لكل أمة دين يخصها، ولو كانت متعبدة بشريعة أخرى لم يكن ذلك الاختصاص. قال: والجواب بعد تسليم دلالة الإلزام على الاختصاص الحصري منع الملازمة لجواز أن نكون متعبدين بشرائع من قبلنا مع زيادة خصوصيات في ديننا بها يكون الاختصاص. اهـ قال الإمام: الخطاب في قوله تعالى (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً) الأمم الثلاث، أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد - صلى الله عليهم وسلم -، لأن الآيات السابقة واللاحقة فيهم. وقال: الشرعة: عبارة عن مطلق الشريعة، والمنهاج: عن مكارم الشريعة. وقال: فإن قيل كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا) إلى قوله تعالى (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) وقال تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)؟ فالجواب: أنَّ الثانية مصروفة إلى ما

стр. 1196

يتعلق بأصول الدين، والأولى بفروعه. اهـ قال الراغب في الجمع بين الآيتين: الذي استوى فيه الشرائع هو أصل الإيمان والإسلام أعني التوحيد والصلاة والزكاة والصوم، فإن أصول هذه الأشياء لا ينفك منها شرع بوجه، وأما الذي ذكر أنه تفرد كل واحد من الأنبياء به ففروع العبادات من كيفياتها وكمياتها فإن ذلك مشروع على حسب مصالح كل واحد وعلى مقتضى الحكمة في الأزمنة المختلفة. اهـ قوله: (استئناف فيه تعليل الأمر ... ) إلى آخره. قال الطَّيبي: يعني هو جواب ما تعقبه بسؤال مورده (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) ما هو مترتب عليه بالفاء يعني أنه تعالى لما خاطب الأمم من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم بقوله (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً) أي شريعة بحسب ما تقتضيه الأوقات من المصالح لنختبركم أيكم يعتقد أنَّها حكمة من الله تعالى، وإن خفي عليه وجه الحكمة فيستبق إلى ما شرعه الله تعالى في كل وقت وأيكم لا يتبع هواه، واتجه لهم أن يسألوا ما تلك الحكمة ومن يعلم حقيقتها؟ فأجيبوا إذا ما رجعتم إلى الله تعالى في دار الجزاء فيجازيكم إما بالثواب أو بالعقاب ليفصل بين المحق والمبطل وبين العالم والمفرط فحينئذ تعلمون وجه الحكمة فيه ولا تشكون فيه. اهـ قوله: (عطف على (الكتاب) ... ) إلى آخره. قال الطَّيبي: لو جعل عطفاً على (فاحكم) من حيث المعنى ليكون التكرير لإناطة قوله تعالى (واحذرهم أن يفتنوك) كان أحسن. اهـ قوله: (روي أن أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد ... ) الحديث. أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس. قوله: (وفيه دلالة على التعظيم كما في التكرير). قال الطَّيبي: يعني كما يدل التكرير على ذلك كذلك حكم البعض، وهو استعارة

стр. 1197

تمليحية ضد التهكمية. اهـ قوله: (ونظيره قوله لبيد: أو يرتبط بعض النفوس حمامها). هو من معلقته المشهورة وصدره: تَرَّاكُ أمكنةٍ إذا لم أَرضَها وقبله: أو لم تكن تدري نوار بأنني ... وصالُ عقد حبائلٍ جَذامُها. قال الطيبي: تراك: مرتفع تباعاً لوصال وجذام، أو يرتبط: عطف على أرضها، أي ألم تدر المحبوبة أني وصال عقد من يحاول مودتي، وقطاع لمن يقطع محبتي، وأني جوال الفيافي قطاع المهامه، وأني تراك أمكنه إذا لم أرضها ولم يقدر أني أموت فيها، يعني أنه يجتهد في الرحلة إذا لم تعق العوائق. وقال الزوزني: المعنى أترك الأماكن أجتويها إلا أن أموت. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: المعنى أترك الأمكنة على تقدير انتفاء الرضى والموت جميعاً أما إذا حصل الرضى أو الموت فلا ترك. اهـ وقال أبو جعفر النحاس في شرح المعلقات: المعنى أني أترك الأمكنة إذا رأيت فيها ما أكره إلا أن يدركتي الموت فيحبسني ترتبط نفسي، والحمام: الموت، ويقال: القدر. وجزم يرتبط عطفاً على قوله إذا لم أرضها، هذا أجود الأقوال، والمعنى على هذا: إذا لم أرضها وإذا لم يرتبط بعض النفوس حمامها. وقيل: إن يرتبط في موضع رفع إلا أنه أسكنه لأنه رد الفعل إلى أصله لأن أصل الأفعال أن لا تعرب، وإنما أعربت للمضارعة. وقيل: في موضع نصب ومعنى (أو) معنى (إلا أن)، والمعنى: إلا أن يرتبط

стр. 1198

بعض النفوس حمامها، إلا أنه أسكن لأنه رد الفعل أيضاً إلى أصله. قال: وإنما اخترنا القول الأول لأن أبا العباس قال: لا يجوز للشاعر أن يسكن الفعل المستقبل لأنه قد وجب له الإعراب لمضارعته الأسماء، وصار الإعراب فيه يفرق بين المعاني فلو جاز أن يسكنه لجاز أن يسكن الاسم ولو جاز أن يسكن الاسم لما بينت المعاني. اهـ قوله: (واستضعف ذلك في غير الشعر). قال أبو حيان: حسنه في الآية شبه (يَبْغُونَ) برأس الفاصلة. اهـ قوله: (أي عندهم). قال أبو البقاء: (لقوم) هو في المعنى: عند قوم يوقنون، وليس المعنى أن الحكم لهم وإنما المعنى أنَّ الموقن يتدبر حكم الله تعالى فيحسن عنده، ومثله (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ). وقيل: هي على أصلها، أي: حكم الله تعالى للمؤمنين على الكافرين. اهـ قال الطَّيبي: فقول المصنف (هم الذين يتدبرون الأمور ... ) إلى آخره هو معنى قول أبي البقاء: إنَّ الموقن يتدبر حكم الله تعالى فيحسن عنده، أي: هم الذين ينتفعون به. اهـ قوله: (لا أحسن حكماً من الله تعالى). قال الطَّيبي: إشارة إلى أنَّ الاستفهام في قوله تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ) للإنكار، والجملة حال مقررة لجهة الإشكال، والخطاب عام، أي: أتبتغون حكم أهل الجاهلية والحال أنه لا أحسن حكماً من الله تعالى لمن له إيقان يتدبر حكم الله ويعلم أنه لا أعدل من الله تعالى. اهـ قال أبو البقاء: (وَمَنْ أَحْسَنُ) مبتدأ وخبر، وهو استفهام في معنى النفي. اهـ قوله: (قال ﵊: (لا تتراءى ناراهما ... )). أخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن جرير بن عبد الله أن رسول الله ﷺ بعث

стр. 1199

سرية إلى خثعم فاعتصم ناس بالسجود فأسرع فيهم القتل فبلغ ذلك النبي ﷺ فأمر لهم بنصف العقل، وقال أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. قالوا: يا رسول الله ولم؟ قال: لا تراءى ناراهما. قال في النهاية: الترائي: تفاعل من الرؤية، يقال: تراءى القوم، إذا رأى بعضهم بعضاً، وإسناد الترائي إلى النار مجاز، من قولهم داري تنظر إلى دار فلان، أي: تقابلها. يقول: ناراهما مختلفتان، هذه تدعوا إلى الله تعالى، وهذه تدعوا إلى الشيطان فكيف يتفقان، والأصل في تراءى: تتراءى، فحذف إحدى التاءين تخفيفاً، والمعنى: لا ينبغي لمسلم أن ينزل بالموضع الذي إذا أوقدت فيه ناره تظهر لنار المشرك إذا أوقدها منزله، ولكنه ينزل مع المسلمين في دارهم. اهـ قوله: (وتكون الدولة للكفار). قال الطَّيبي: لم يفرق المصنف بين الدولة والدائرة، وفرق بينهما الراغب حيث قال: الدائرة: عبارة عن الخط المحيط، ثم عبر بها عن الحادثة، وإنما يقال في المكروه، ويقال دولة في المحبوب. اهـ قوله: (روي أن عبادة ابن الصامت قال لرسول الله ﷺ : إن لى موالى ... ) الحديث. أخرجه ابن جرير من حديث عطية، وأخرجه ابن إسحاق عن عبادة بن الصامت. قوله: (يقطع شأفة اليهود). قال الجوهري: الشأفة: قرحة تخرج في أسفل القدم فتكوى فتذهب، يقال في المثل: استأصل الله شأفته، أي: أذهبه الله تعالى كما أذهب تلك بالكي. اهـ قوله: (أو الأمر بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم). قال الطَّيبي: عطف على قوله (أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ) يقطع شأفة اليهود، فعلى الأول

стр. 1200

الأمر بمعنى الشأن، وعلى الثاني أحد الأمور. اهـ قوله: (على أنه كلام مبتدأ). قال الطَّيبي: المعنى عسى الله أن يأتي بالفتح فيصير الكافرون نادمين، ويقول الذين آمنوا تشفياً عن الغيظ: أهولاء الذين أقسموا وكيت وكيت. اهـ قوله: (عطفاً على (أَنْ يَأْتِيَ) باعتبار المعنى) . اقتصر في الكشاف على قوله: عطفاً على (أَنْ يَأْتِيَ)، فزاد المصنف قوله: باعتبار المعنى تحقيقاً لما هو المراد. قال الحلبي: في إعرابه لم يعترض أبو حيان على الكشاف بشىء، وقد رد ذلك بأنه يلزم عطف ما لا يجوز أن يكون خبراً على ما هو خبر، وذلك أن قوله تعالى (أَنْ يَأْتِيَ) خبر (عسى) وهو صحيح، لأنَّ فيه رابطاً عائداً على اسم (عسى) وهو ضمير الباري تعالى، وقوله (ويقُول) ليس فيه ضمير يعود على اسم (عسى) فكيف يصح جعله خبراً؟ وقد اعتذر من أجاز ذلك عنه بثلاثة أوجه: أحدها: أنه من باب العطف على المعنى، والمعنى: فعسى أن يأتي الله بالفتح ويقول الذين آمنوا، فتكون (عسى) تامة لإسنادها إلى (أنْ) وما في حيزها فلا تحتاج حينئذ إلى رابط، وهذا قريب من قولهم العطف على التوهم نحو (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ). الثاني: أن يأتي بدل من اسم الله تعالى لا خبر، وتكون (عسى) حينئذ تامة، كأنه قيل: فعسى أن يقول الذين آمنوا. وهذان الوجهان منقولان عن أبي علي الفارسي، إلا أنَّ الثاني لا يصح لأنهم نصوا على أن عسى واخلولق وأوشك من بين سائر أخواتها يجوز أن تكون تامة بشرط أن يكون مرفوعها (أن يفعل)، قالوا: ليوجد في الصورة مسند ومسند إليه كما قالوا ذلك في ظن وأخواتها إنَّ (أنْ) و (أنَّ) تسد مسد مفعوليها.

стр. 1201

والثالث: أن ثَمَّ ضميراً محذوفاً هو مصحح لوقوع (ويقُول) خبراً عن (عسى)، والتقدير: ويقول الذين آمنوا به، أي: بالله، ثم حذف للعلم به. ذكر ذلك أبو البقاء. وقال ابن عطية بعد حكايته نصب (وَيَقُول) عطفاً على (يَأْتِيَ): وعندي في منع (عسى الله أن يقول المؤمنون) نظرٌ، إذ الله تعالى يُصيرهم يقولون ذلك بنصره وإظهار دينه. قال الحلبي: قول ابن عطية في ذلك يشبه قول أبي البقاء في كونه قدر ضميراً عائداً على اسم عسى يصح به الربط. اهـ وقال الطَّيبي: فإن قيل: كيف يجوز أن يقال: عسى الله أن يقول الذين آمنوا، لأنَّ (أَنْ يَأْتِيَ) خبر (عسى) والمعطوف عليه في حكمه فيفتقر إلى ضمير يرجع إلى اسم (عسى) ولا ضمير في قوله تعالى (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا) فيصير كقولك: عسى الله أن (يأتي بالفتح) ويقول الذين آمنوا؟ قيل: هو محمول على المعنى، لأنّ معنى (فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ) ومعنى عسى الله أن يأتي بالفتح واحد، كأنه قال: عسى أن يأتي الله بالفتح ويقول الذين آمنوا، كما قال (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ)، وأن يبدل (أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ) من اسم الله تعالى كما أبدل (أَنْ أَذْكُرَهُ) من الضمير في قوله تعالى (وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)، أو يعطف على لفظ (أَنْ يَأْتِيَ) على حذف الضمير، أي: ويقول الذين آمنوا به، أو يعطف على الفتح، أي: عسى الله أن يأتي بالفتح وبأن يقول الذين آمنوا، وقريب من كل ذلك ما ذكره أبو البقاء. اهـ قوله: (أو على الفتح ... ) إلى آخره. قال أبو حيان: هذا لا يصح لأنه قد فصل بينهما بقوله (أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ)،

стр. 1202

والمعطوف على المصدر من تمامه فلا يفصل بينهما، وبقوله (فَيُصْبِحُوا) [إلى آخره وذلك أجنبي من المتعاطفين لأن الظاهر عطف (فَيُصْبِحُوا)] على (يَأْتِيَ) والفصل بالأجنبي لا يجوز. اهـ قوله: (وهو كذلك في الإمام). قال الحلبي: نقل غيره أنها في مصاحف الشام والمدينة (يرتدد) بدالين، وفي الباقية (يرتد) بدال واحدة، وكل قارئ وافق مصحفه. اهـ قوله: (وذو الخمار). قال الشيخ سعد الدين: لأنه كان له حمار يقول له قف فيقف وسر فيسير، وكانت النساء يتعطرن بروث حماره، وقيل يعقدن روث حماره بخمورهن، فسمي ذو الخمار بالخاء المعجمة. اهـ قوله: (الأسود العنسي). بفتح العين وسكون النون، منسوب إلى عنس وهو يزيد بن مدحج بن أزد بن زيد بن يشجب. قوله: (مسيلمة تنبأ وكتب إلى رسول الله ﷺ (من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله أما بعد: فإنّ الأرض نصفها لي ونصفها لك. فأجاب: من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب أما بعد: فإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ). قوله: (طليحة بن خويلد تنبأ فبعث إليه رسول الله ﷺ خالد ... ). الصواب: فبعث إليه أبو بكر خالد. قوله: (جبله بن الأيهم تنصر وسار إلى الشام). الجمهور أنه مات على ردته، وذكرت طائفة أنه عاد إلى الإسلام. وروى الواقدي: أنَّ عمر بن الخطاب كتب كتاباً إلى أجناد الشام أن جبلة ورد إليّ في سراة قومه وأسلم فأكرمته ثم سار إلى مكة فطاف فوطئ إزاره رجل من بني فزارة فلطمه جبلة فهشم أنفه وكسر ثناياه فاستعدى الفزاري على جبلة إليَّ فحكمت إما العفو وإما القصاص فقال: اتقتص مني وأنا ملك وهو سوقة، فقلت: شملك

стр. 1203

وإياه الإسلام فما تفضله إلا بالعاقبة، فسأل جبلة التأخير إلى الغد فلما كان من الليل ركب في بني عمه ولحق بالشام مرتداً، وفي رواية أنه ندم على ما فعل وأنشد: تنصرت بعد الحق عاراً للطمة ... ولم يك فيها لو صبرت لها ضرر فأدركني فيها لجاج حمية ... فبعت لها العين الصحيحة بالعور فيا ليت أمي لم تلدني وليتني ... صبرت على القول الذي قاله عمر. قوله: (روي أنه ﵊ أشار إلى أبي موسى وقال: هم قوم هذا). أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده والطبراني والحاكم وصححه من حديث عياض بن عمر الأشعري. قوله: (وقيل: الفرس، لأنه ﵊ سئل عنهم فضرب يده على عاتق سلمان فقال: هذا وذووه). قال الشيخ ولي الدين العراقي: لم أقف عليه هكذا، ولعله وهم، وإنما ورد ذلك في قوله تعالى آخر سورة القتال (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ) أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة. اهـ قوله: (واستعماله مع على). قال الطَّيبي: أي استعير على بدل اللام ليؤذن بأنهم علوا غيرهم من المؤمنين في التواضع حتى علوهم بهذه الصفة. اهـ قوله: (أو حال بمعنى أنهم مجاهدون وحالهم خلاف حال المنافقين). قال الحلبي: تبعه الشيخ أبو حيان ولم ينكر عليه، وفيه نظر لأنهم نصوا على أن المضارع المنفي بـ (لا) أو (ما) كالمثبت في أنه لا يجوز أن تباشَره واو الحال وهذا كما ترى مضارع منفي بـ (لا)، إلا أن يقال إنَّ ذلك الشرط غير مجمع عليه. اهـ وقال الطَّيبي: فإن قلت: أي فرق بين أن يكون قوله (وَلا يَخَافُونَ) حالاً وبين أن يكون عطفاً؟ قلت: إذا جعل حالاً كان قيدا لـ (يُجَاهِدُونَ) فيكون تعريضاً

стр. 1204

بمن يجاهد ولم يكن حاله كذلك، ومن ثم قال: وحالهم خلاف حال المنافقين، وإذا جعل عطفا كان تتميماً لمعنى (يجاهدون) فيفيد المبالغة والاستيعاب. اهـ قوله: (وفيها وفي تنكير (لائم) مبالغان). قال الطَّيبي: لأنه ينتفي بانتفاء الخوف من اللومة الواحدة خوف جميع اللومات لأن النكرة في سياق النفي تعم، ثم إذا انضم معها تنكر فاعلها يستوعب انتفاء خوف جميع اللوام، وهذا تتميم في تتميم، أي: لا يخافون شيئاً من اللوم من أحد من اللوام. اهـ قوله: (لما نهى موالاة الكفرة ذكر عقبه من هو حقيق بها). قال الطَّيبي: إشارة إلى اتصال قوله (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ) بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) وما توسط بينهما من الآيات لشد من المضاد النهي. اهـ قوله: (وإنما قل (وليكم) ولم يقل أولياؤكم للتنبيه على أنّ الولاية لله على الأصالة، ولرسوله وللمؤمنين على التبع). قال صاحب الفرائد: وما ذكره بعيد عن قاعدة الكلام، لأنه جعل ما يستوي فيه الواحد والجمع جمعاً وهو الولي، ويمكن أن يقال التقدير: إنما وليكم الله وكذلك رسوله والمؤمنون، فحذف الخبر لدلالة السابق عليه، وفائدة التفصيل في الخبر هي التنبيه على أن كونهم أولياء بعد كونه ولياً لهم لجعله إياهم أولياء ففي الحقيقة هو الولي. اهـ وقال الطَّيبي: مراد المصنف غير ما قدره لا أن قوله (وَلِيُّكُمُ اللهُ) جمع لأنه هرب من هذا المعنى إلى التبعية فكأنه قال إنما وليكم الله وكذلك رسوله والمؤمنون لتصح التبعية، ففيه ما ذكر صاحب الفرائد رعاية حسن الأدب مع حضرة الرسالة، لأن ذكر المؤمنين بعد ذكر الرسول حينئذ لم يكن للتبعية بل لمجرد الأفضلية. اهـ

стр. 1205

قلت: وبهذا التقرير يعلم أنَّ قول الحلبي: ويحتمل وجهاً آخر وهو أنَّ ولي بزنة فعيل، وفعيل قد نص أهل اللسان أنه يقع للواحد والاثنين والجمع تذكيراً وتأنيثاً بلفظ واحد كصديق، غيرُ واقع موقعه، لأن الكلام في سر بياني وهو نكتة العدول من لفظ إلى لفظ. قوله: (صفة للذين آمنوا). لم يذكره الزمخشري بل اقتصر على البدل. وقال أبو حيان: لا أدري ما الذي منعه من الصفة إذ هى المتبادر إلى الذهن، ولأنَّ المبدل منه في نية الطرح ولا يصح هنا طرح الذين آمنوا لأنه الوصف الذي يترتب عليه صحة ما بعده من الأوصاف. اهـ وقال الحلبي: لا نسلم أن المتبادر إلى الذهن الوصف، بل البدل هو المتبادر أيضاً فإن الوصف بالموصول على خلاف الأصل، لأنه مؤول بالمشتق وليس بمشتق، ولا نسلم أن المبدل منه على نية الطرح وهو المنقول عن سيبويه. اهـ وقال الطَّيبي: إنما عدل عن الوصف لأنَّ الموصول وصلة إلى وصف المعارف بالجمل، والوصف لا يوصف إلا بالتأويل، ولذلك قال القاضي: (الذِينَ يُقِيمُونَ) صفة للذين آمنوا فإنه جرى مجرى الاسم. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: لم يجعله وصفاً لاشتراك الموصلين في كونهما وصفين، والوصف لا يوصف إلا إذا أجري مجرى الاسم كالمؤمن مثلاً. اهـ قوله: (نزلت فى عليٍّ حين سأله سائل ... ) الحديث. أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس وعمار بن ياسر، وابن أبي حاتم عن سلمة بن كهيل، والثعلبي عن أبي ذر، والحاكم في علوم الحديث عن علي. قوله: (نزلت فى رفاعة ... ) إلى آخره.

стр. 1206

أخرجه بن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس. قوله: (أي اتخذوا الصلاة أو المناداة) . قال الحلبي: في الوجه الثاني بُعد إذ لا حاجة تدعو إليه مع التصريح بما يصلح أن يعود الضمير عليه بخلاف قوله تعالى (اعدلوا هو أقرب للتقوى). اهـ قوله: (وفيه دليل على أنَّ الأذان مشروع للصلاة). قال الشيخ سعد الدين: من جهة أنه لما دل على اتخاذ المناداة هزوًا من منكرات الشرع دل على أن المناداة المذكورة من معروفاته. اهـ وعبارة الكشاف: فيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب؛ لا بالمنام وحده. اهـ قال الطَّيبي: وذلك أنه تعالى أخبر أن نداء الصلاة سبب لاتخاذهم إياها هزواً، وعلله بجهلهم، فدلت الآية على سبيل الإدماج وإشارة النص على ثبوته. قال: ولقائل أن يقول إن قوله تعالى (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا) إخبار بحصول الاستهزاء عند النداء والظاهر أن يكون الأذان قبل نزول الآية، والواقع كذلك لأنَّ الأذان شرع عند مقدم النبي ﷺ المدينة. اهـ وكذا قال أبو حيان: لا دليل في ذلك على مشروعيته لأنه قال (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) ولم يقل ونادوا على سبيل الأمر وإنما هذه جملة شرطية دلت على سبق المشروعية لا على إنشائها بالشرط. اهـ وقال الشيخ ولي الدين العراقي: ولا شك أن فيه دليلاً على مشروعيته وإن لم يكن بصيغة الأمر، ولا يلزم من كونه دليلاً على المشروعية أن لا يفعل إلا بعد نزول الآية فنزول الآية على وفق ما فعل دليل على مشروعيته. قال: وهذا استنباط حسن لا ينبغي إنكاره.

стр. 1207

قلت: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب الزهري قال: قد ذكر الله الأذان في كتابه فقال (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ). قوله: (روي أنَّ نصرانياً بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله قال: أحرق الله الكاذب ... ) إلى آخره. أخرجه ابن جرير عن السدي. قوله: (وأن أكثركم فاسقون) عطف على (أن آمنا)). قال أبو حيان: ذكروا في موضع (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ) سبعة وجوه، ويظهر وجه ثامن ولعله يكون الأرجح وذلك أن (نقم) أصلها أن تتعدى بـ (على)، تقول: نقمت على الرجل أنقم ثم تبنى منها أفتعل فتعدى إذ ذاك بـ (من) وتضمن معنى الإصابة بالمكروه، قال تعالى (وَمَن عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنهُ)، ومناسبة التضمين فيها أنَّ من عاب على شخص فعله فهو كاره له لا محالة ومصيبه عليه بالمكروه إن قدر فجاءت هنا فعل بمعنى افتعل كقولهم: قدر واقتدر؛ ولذلك عدت بـ (من) دون (على (فصار المعنى: وما تنالون منا أو ما تصيبوننا بما نكره إلا أن آمنا أي لأن آمنا فيكون (أَنْ آمَنَّا) مفعولاً لأجله (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ) عطف عليه. اهـ تنبيه: الوجه السابع فات المصنف وهو أن تكون الواو بمعنى مع، و (أن) بصلتها في موضع نصب على المفعول معه. قوله: (أو رفع على الابتداء والخبر محذوف، أي: وفسقكم ثابت معلوم عندكم). قال الشيخ سعد الدين: في جواز حذف الخبر إن كان المبتدأ (أنَّ) المفتوحة مع اسمها وخبرها بحث لأنَّ علة امتناع وقوعها في أول الكلام وهو الالتباس بـ (أنَّ) التي بمعنى (لعل) قائمة هنا. قال: ثم ما قدر من الخبر متأخراً عن المبتدأ إنما هو لبيان المعنى وعلى تقدير التعبير عن المبتدأ بلفظ المصدر، وإلا فلابد أن يقدر الخبر مقدماً أي: ثابت معلوم أنكم فاسقون. اهـ

стр. 1208

وكذا قال أبو حيان: لا ينبغى أن يقدر الخبر إلا مقدماً أي: ومعلوم فسق أكثركم لأنَّ الأصح أن (أن) لا يبتدأ بها متقدمة إلا بعد أما فقط. اهـ وقال الطَّيبي: يمكن أن يقال يفتقر في الأمور التقديرية ما لا يفتقر في اللفظية لا سيما وهذا جار مجرى تفسير المعنى، والمراد إظهار ذلك الخبر كيف ينطق به. اهـ قوله: (والآية خطاب ليهود سألوا رسول الله ﷺ عمن يؤمن به ... ) إلى آخره. أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. قوله: (على طريقة قوله: تحية بينهم ضرب وجيع) قال الشيخ سعد الدين: أي في التهكم وإن كان ما في الآية استعارة لطي ذكر المشبه وما في البيت تشبيهاً انتزع وجهه من التضاد على طريق التهكم لذكر الطرفين بطريق حمل أحدهما على الآخر لكن على عكس قولك زيد أسد إذ التحية مشبه به والضرب مشبه. اهـ قوله: (بدل من (شر) على حذف مضاف). قال الطَّيبي: أي قيل ذلك، أو قيل (مَنْ لَعَنَهُ اللهُ) لأن الإيمان المشار إليه غير مطابق لقوله (مَنْ لَعَنَهُ اللهُ) في معنى يشترك فيه لفظ (شر) فيقدر (أهل) عند (ذَلِك)، أو (دين) عند (مَن) ليطابقه. اهـ قوله: (وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ... ) إلى آخره. ذكر فيه ثمان قراءات، ومجموع ما نقل فيه إحدى وعشرون قراءة ذكرتها موجهة في أسرار التنزيل ونظمتها في أبيات وهي هذه: عَبَد الطاغوتَ فيما نقلوا ... فوق عشرين قراءات تعد فثلاث بعدها نصب وجر ... عَبُدَ الطاغوت مع عَبْدٍ عَبَد عَبَدُوا أعبدُ عُبَّاد عِبَادَ ... وعُبيداً عُبُداً ثم عبِد عُبَدَ الطاغوت يتلو عُبدَت ... عُبدَ الطاغوت والرفع ورد عابدوا الطاغوت يتلو عابدي ... عَابُدُ مع عبدة فأحفظ بجد

стр. 1209

قوله: (جعل مكانهم شرًّا ليكون أبلغ). قال الطَّيبي: لأنه إذا نظر إلى أن التمييز فاعل في الأصل، أي: شر مكانهم كان إسناداً مجازياً، وإذا نظر إلى المعنى في إثبات الشر للمكان والمراد أهله كان من الكناية لأنَّ المكان من حيث هو لا يوصف بالشر بل بسبب من حلَّ فيه، فإذا وصف به يلزم إثباته للحال فيه بالطريق البرهاني. اهـ قوله: (والجملتان حالان من فاعل (قالوا)، و (به) و (بالكفر) حالان من فاعلي (دخلوا) و (خرجوا)). قال الطَّيبي: فعلى هذا في الكلام حالان مترادفان وكل واحدة منهما مشتملة على حال فتكونان متداخلتين. اهـ قوله: (دخلت لتقريب الماضي من الحال ليصح أن يقع حالاً). قال الشيخ سعد الدين: لتكسر سَوْرَة استبعاد ما بين الماضي والحال في الجملة، وإلا فـ (قد) إنما تقرب إلى حال التكلم. قال: والظاهر أنَّ هذا في (وَقَد دَّخَلُوا) وأما (وَهُم قَد خَرَجوا) أعني الجملة الاسمية التي خبرها ماض فلم يقولوا فيها بلزوم (قد) إذا وقعت حالاً، وإنما لم يحتج إلى الواو لكونها معطوفة على الحال ولكون الرابط في صدر الجملة. اهـ وما أشار إليه الشيخ سعد الدين من الفرق بين الحالتين أوضحه السيد في حاشية المتوسط فقال: قيل إنَّ الماضي إنما يدل على الانقضاء قبل زمان التكلم والحال الذي بين هيئة الفاعل أو المفعول قيد لعامله، فإنَّ كان العامل ماضياً كان الحال أيضاً ماضياً بحسب المعنى، وإن كان حالاً (كان حالاً)، وإن كان مستقبلاً (كان مستقبلاً) فما ذكروه غلط نشأ من اشتراك لفظ الحال بين الزمان الحاضر

стр. 1210

وهو الذي يقابل الماضي وبين ما (يبين الهيئة) المذكورة. قال: ويمكن أن يقال إنَّ الفعل إذا وقع قيداً لشيء يعتبر كونه ماضياً أو حالاً أو مستقبلاً بالنظر إلى ذلك القيد، فإذا قيل: جاءني زيد راكب، يفهم منه أنَّ الركوب كان متقدماً على المجيء فلا بد من قد حتى تقربه إلى زمان المجيء فتقارنه فتأمل. وقال شيخنا العلامة محي الدين الكافيجي في شرح القواعد عند قوله والخامس تقريب الماضي من الحال: ولهذا تلزم (قد) مع الفعل الماضي الواقع حالاً، والسبب الداعي إلى هذا دفع التدافع بين الماضي والحال بقدر الإمكان، فاعترض على هذا بأن لفظة الحال مشتركة بين معان، فيقال على قيد العامل سواء كان ماضياً أو مضارعاً أو غيرهما، ويقال على زمن التكلم بمعنى الآن، والمقصود هاهنا الأول لا الثاني، و (قد) إنما هي للتقريب من الحال بمعنى الآن. قال: وأجيب عن هذا الاعتراض بأنَّ المضي والحال والاستقبال أمور إضافية، فطوفان نوح ﵊ بالنسبة إلينا ماض وبالنسبة إليه حال، ونزول عيسى ﵊ مستقبل بالنسبة إلينا حال بالنسبة إلى قوم ذلك الزمان، فإذا تمهد هذا فالمضي والحال المستعملان هنا منسوبان إلى زمان وقوع الفعل لا إلى زمان تكلمنا، فإذا قلت: جاء زيد يركب، كان معناه أن الركوب يقارن المجيء، وإذا قلت: جاء زيد وقد ركب، كان معناه أنَّ الركوب قد مضى في وقت المجيء ولذلك اشترط فيه (قد) ليقرب الركوب إلى ذلك الوقت. قال: وحاصل الجواب أنَّ الحال قيد العامل، وأن زمان وقوع ذلك القيد وجب أن يكون مقترناً بزمان وقوع مضمون العامل تحقيقاً أو تقديراً سواء كان مقترناً بزمان التكلم أو لا. قال: وأما الاعتذار بأن تصدير الماضي المثبت بلفظة قد لمجرد استحسان لفظي فإنما هو تسليم لذلك الاعتراض فليس بمقبول ولا مرضي. انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى. قوله: (وقيل الكذب لقوله (عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ)). قال ابن المنير: هذا الاستدلال لا يصح لأنَّ الإثم مقولٌ يحتمل كونه كذباً وشركاً. اهـ

стр. 1211

وقال الطَّيبي: قولهم (آمنا) قرينة على أن المراد الكذب فخُصَّ به. اهـ قوله: (وغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود) . قال الشيخ سعد الدين: يعني في من لا تصلح له الحقيقة أصلا كما في هذا المقام، بخلاف قولك: يد فلان مغلولة أو مبسوطة فإنه كناية عن ذلك. اهـ وكذا قاله الطيبي جامعاً بين ما هنا وما في سورة طه. وقال ابن المنير: حكمة هذا المجاز تصوير الحقيقة بصورة حسية تلازمها غالباً، والصور الحسية أثبت في الذهن من المعاني، والجود والبخل معنيان فمُثِّلا للحس. اهـ قوله: (ولذلك يستعمل حيث لا يتصور ذلك كقوله: جاد الحمى بسط اليدين بوابلٍ ... شكرت نداه تلاعه ووهاده) بسط اليدين: هو السحاب، والتلاع: جمع تلعة وهي ما ارتفع من الأرض، والوهاد: جمع وهدة وهي ما اطمأن منها. قوله: (كقوله: سبنى سبَّ اللهُ دابره). أي: فإنَّ المطابقة فيه من حيث اللفظ فإن المراد من سبِّ اللهِ: قَطعُ الدابرِ. قال الطَّيبي: وهذا نوع من المشاكلة لطيف المسلك بخلافه في قول الشاعر: قلت اطبخوا لي جبة وقميصاً. فإنه وضع (اطبخوا) موضع (خيطوا) لمجرد مراعاة اللفظ دون المعنى. اهـ قوله: ((ينفق كيف يشاء) تأكيد لذلك، أي: هو مختار في إنفاقه يوسع تارة ويضيق أخرى ... ) إلى آخره. قال الطَّيبي: هذا تقييد للمطلق وهو ينفق كيف يشاء يعني من مقتضى الحكمة أن لا يؤدي بسط اليدين في العطاء إلى التبذير والإسراف والاصطناع إلى غير الأهل وهو شرط السخاء في الشاهد، وهذا تكميل لا تأكيد كقوله:

стр. 1212

حليم إذا ما الحلم زين أهله ... مع الحلم في عين العدو مهيب والتأكيد أن يقال: ينفق كيف يشاء لا يمنعه مانع ولا يكفه من الإنفاق نقص ولا إعدام. اهـ قوله: (ومقتضى حكمته). قال الشيخ سعد الدين: وجه الدلالة على أنه لا ينفق إلا على مقتضى الحكمة التعليق بمشيئة الحكيم الذي لا يشاء إلا ما هو حكمة ومصلحة. اهـ قوله: (ولا يجوز جعله حالاً ... ) إلى آخره. ذكرِ الحوفي أنه يجوز أن يكون حالاً من الضمير في (مَبسُوطَتَان) وأن يكون خبراً بعد خبر. قال أبو حيان: ويحتاج في هذين الإعرابين إلى أن يكون الضمير العائد على ذي الحال أو المبتدأ محذوفاً، والتقدير: ينفق بهما. قال: والأولى أن يكون جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. اهـ قوله: (والآية نزلت في فنحاص بن عازوراء فإنه قال: ذلك). أخرجه أبو الشيخ ابن حيان في تفسيره عن ابن عباس، وأخرجه ابن جرير عن عكرمة. قوله: (فطرس الرومي) بالفاء والراء، قاله الطَّيبي. قوله: (أي يبين ما تعملونه، وفيه معنى التعجب، أي: ما أسوأ عملهم). قال الشيخ سعد الدين: هو مستفاد من المقام. اهـ قوله: (فما أديت شيئاً منها، لأن كتمان بعضها يضيع ما أدي منها كترك بعض أركان

стр. 1213

الصلاة، فإن غرض الدعوة ينتقض به، أو فكأنك ما بلغت شيئاً منها ... ) إلى آخره. قال الشيخ سعد الدين: حاصل الجواب الأول أن ترك تبليغ أدنى شيء يستوجب عذاب كتمان الكل من جهة أن كتمان البعض يضيع ما أدى منها لعدم حصول غرض الدعوة، بمنزلة من ترك بعض أركان الصلاة، وحاصل الثاني أن ترك تبليغ أدنى شيء كترك التبليغ بالكلية وهو في غاية الشناعة، وهذا ما قاله ابن الحاجب إذا اتحد الشرط والجزاء كان المراد بالجزاء المبالغة، كأنه قيل: وإن لم تبلغ فقد ارتكبت أمراً عظيماً. قال الشيخ سعد الدين: وهذا الجواب هو الوجه، والأول قد يناقش فيه. اهـ وقال الإمام: الآية على حد قوله: وشعري شعري، أي: شعري الذي يبلغ مبلغاً بحيث أنه لا يوصف بأعظم من أن يقال فيه إنه شعري، وكذلك لا وعيد على ترك التبليغ أعظم من أن يقال أنه لم يبلغ. اهـ قوله: (وعن النبي ﷺ قال: بعثني الله برسالته فضقت بها ذرعاً ... ) الحديث. أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده من حديث أبي هريرة، وأخرجه أبو الشيخ ابن حيان في تفسيره من مرسل الحسن. قوله: (وعن أنس كان رسول الله ﷺ يحرس حتى نزلت، فأخرج رأسه من قبة من أدم فقال: انصرفوا يا أيها الناس فقد عصمني الله من الناس). أخرجه الترمذي والحاكم وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في دلائل النبوة من حديث عائشة، وأخرجه الطبراني من حديث أبي سعيد الخدري وعصمة بن مالك الحطمي، وأخرجه أبو نعيم في الدلائل من حديث أبي ذر، وله طرق أخرى، ولم يرد من حديث أنس وقد نبه عليه الطَّيبي والشيخ سعد الدين.

стр. 1214

قوله: (فإن من الأسرار الإلهية ما يحرم إفشاؤه). هذا منزع صوفي، قال أرباب المعرفة: قال تعالى (بلغ ما أنزل إليك) ولم يقل ما تعرفنا به إليك. قوله: (والصابئون رفع بالابتداء وخبره محذوف والنية به التأخير). قال الشيخ جمال الدين بن هشام في شرح الشواهد: قد يستبعد هذا التخريج لأنَّ فيه تقديم الجملة المعطوفة على بعض الجمل المعطوف عليها وإنما يتقدم المعطوف على المعطوف عليه في الشعر فكذلك ينبغى أن يكون تقديمه على بعض المعطوف عليه. قال: ويجاب بأنَّ الواو للاستئناف كسائر الواوات المقترنة بالجملة المعترضة كقوله تعالى (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ). قوله: (فإني وقيار بها لغريب). هو لضابئ -بالضاد المعجمة والباء الموحدة بعدها همزة- ابن الحارث البرجمي بالجيم. كان عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه حبس ضابياً هذا حين تعدى عليه فقال: من يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقياراً بها لغريب وما عاجلات الطير يدنين بالفتى ... رشاداً ولا عن ريثهن يخيب ورُبَّ أمور لا تضيرك ضيرة ... والقلب من مخشاتهن وجيب ولاخير في من لا يوطن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب وفي الشك تفريط وفي الحزم قوة ... ويخطئ في الحدس الفتى ويصيب ولست بمستبق صديقاً ولا أخاً ... إذا لم يعد الشيء وهو يريب قال الشيخ جمال الدين بن هشام في شرح الشواهد: قوله (من يك) روي بالفاء وبإسقاطها على الجزم، وقوله (أمسى بالمدينة رحله): كناية عن السكنى بالمدينة واستيطانها، وقيار: اسم فرسه، عن الخليل، وقال أبو زيد: اسم جمله. قال: والحذف في هذا البيت من الثاني، لأنَّ (غريب) خبر لأن لا للمبتدأ لاقترانها باللام، والتقدير: فإني بها لغريب وقيار كذلك، وقيل هو خبر عن الاسمين جميعا لأنَّ فعيلا يعبر به عن الواحد فما فوقه نحو (وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ).

стр. 1215

قال: ورده الخلخالي بأنه لا يكون للاثنين وإن جاز كونه للجمع، وكذلك قال في فعول: لا يقال رجلان صبور، وإن صح في الجمع. قال الشيخ حمال الدين ابن هشام: وقد قيل في قوله تعالى (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ) إن المراد قعيدان، قال: ثم كلامه يوهم أن ذلك يقال بالقياس، وليس كذلك وإنما المانع في البيت من أن يكون (غريب) خبراً عن الاسمين لزوم توارد عاملين على الخبر، وإنما يصح هذا على رأي الكوفيين لقولهم إنَّ الخبر على ما كان عليه. اهـ قوله: (وقوله: وَإِلا فَاعْلَمُوا أَنَّا وَأَنْتُم ... بُغَاةٌ مَا بَقينا فِي شِقَاق). قال الشيخ جمال الدين بن هشام: هو لبشر بن أبي خازم -بالخاء والزاي المعجمتين- الأسدي، وقبله: إذا جزت نواصي آل بدر ... فأدوها وأسرى في الوثاق وسبب قوله ذلك أن قوماً من آل بدر جاوروا الفزاريين من بني لأم من طي فجزوا نواصيهم وقالوا مننا عليكم ولم نقتلكم، فغضب بنو فزارة لذلك، فقال بشرٌ ذلك، ومعناه: إذ قد جززتم نواصيهم فاحملوها إلينا، واحملوا الأسرى معهم، وإلا فإنا متعادون أبدا، و (ما) في البيت مصدرية ظرفية. اهـ قوله: (وهو كاعتراض دل به على أنه لما كان الصابئون مع ظهور ضلالهم وميلهم عن الأديان كلها يتاب عليهم إن صح منهم الإِيمان والعمل الصالح، كان غيرهم أولى بذلك). قال الطَّيبي: إنما كان جارياً مجرى الاعتراض لا إياه لأن الاعتراض هو ما يتخلل في أثناء الكلام لتأكيد مضمون المعترض فيه، وهذا تأكيد لما يلزم من إيراد الكلام لا من مضمونه فجرى مجراه لكونه جملة في أثناء الكلام لقصد التأكيد وهو استطراد. اهـ قوله: (ويجوز أن يكون (والنصارى) معطوفاً عليه و (مَنْ آمَنَ) خبرهما، وخبر (إنَّ) مقدر دل عليه ما بعده).

стр. 1216

(إنَّ) مقدر دل عليه ما بعده). قال الشيخ جمال الدين ابن هشام: قد يستبعد هذا لأنَّ فيه حذفاً من الأول لدلالة الثاني. قال: ويجاب بأنه واقع وإن كان عكسه أكثر. اهـ قوله: (كقوله: نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا ... عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ). هذا لرجل من الأنصار، وقيل لقيس بن الخطم -بالخاء المعجمة- بن عدي الظفري شاعر جاهلى، وقيل لعمرو بن امرئ القيس الأنصاري من أبيات أولها: أبلغ بني جحجبى وقومهم ... خطمة أنا وراءهم أُنُف وإنا دون ما يسومهم ... الأعداء من ضيم خطة نكف الحافظو عورة العشرة لا ... يأتيهم من ورائنا وكف يا مال والسيد المعمم قد ... يبطره بعد رأيه الشرف نحن بما عندنا ... جحجبى: بفتح الجيمين بينهما حاء مهملة ساكنة آخره موحدة مقصور بطن من الأنصار، وخطمة: بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء بطن من الأنصار أيضاً، وأُنُف: بضم الهمزة والنون: محامون واحدهم آنف كضارب وهو مأخوذ من الأنفة وهي الحمية، ويسومهم: أي يكلفهم، وضيم: ظلم، وخطة: أي أمر وشأن، ونكف: بضم النون والكاف جمع ناكف من نكف بمعنى إستنكف وأنف، والعورة: ما لم تُحمَ، وقال الثعلبي: كل مخوف عورة، ومن وارئنا: أي عيبنا والوكف العيب، وقيل: الإثم، وقيل: الخوف، وقيل: المكروه، وقيل: النقص، ومال: ترخيم مالك، والسيد المعمم: ذكر العمامة لأنَّها من مناقب العرب، وقد وصف أبو الأسود الدؤلي العمامة فقال: جنة في الحرب ومكنة في الحر ومدفأة من القر ووقار في الندى ووقاية من الأحداث وزيادة في القامة وعادة من عادات العرب. ذكره الجاحظ في البيان. قوله: (ولا يجوز عطفه على محل (إنَّ) واسمها -إلى قوله- فيجتمع عليه عاملان). قال الطَّيبي: معناه أنه لو رفع (وَالصَّابِئُونَ) بالابتداء بأن يكون عطفاً على محل (إنَّ) واسمها لكان العامل في المبتدأ التجريد وفي الخبر (إنَّ) فيلزم أن يكون العامل في

стр. 1217

واسمها لكان العامل في المبتدأ التجريد وفي الخبر (إنّ) فيلزم أن يكون العامل في المبتدأ غير العامل في الخبر والواجب أن يكون الخبر مرفوعاً بما ارتفع به المبتدأ ولا يمكن تقدير عاملين فيه بأن يقال إنه مرفوع بـ (إنَّ) والابتداء معاً للقطع بأنَّ اسما واحداً لا يكون فيه رفعان. اهـ وقال صاحب الفرائد وتبعه الشيخ سعد الدين: في هذا نظر، لأنه إنما يلزم ذلك لو لم ينو التأخير وكان المذكور خبراً عنهما، وأما على نية التأخير واعتبار معنى الخبر تقديراً فيكون المذكور معمول (إنَّ) فقط وخبر المعطوف محذوف. قال: ولو تم ما ذكر لجرى في جميع صور معنى الخبر تقديراً. اهـ قوله: (وقيل: (إنَّ) بمعنى نعم). قال أبو حيان: هذا ضعيف، لأنَّ ثبوت (إنَّ) بمعنى نعم فيه خلاف بين النحويين، وعلى تقدر ثبوته فيحتاج إلى شيء يتقدمها فيكون تصديقاً له ولا تجيء أول الكلام. اهـ قوله: (على البدل من اسم (إنَّ) وما عطف عليه). زاد في الكشاف: أو من المعطوف عليه. اهـ قال الطَّيبي: قالوا أراد أنَّ (مَنْ آمَنَ) إما بدل من المجموع في المعطوف عليه والمعطوف أو بدل من اسم (إنَّ) فحسب. قال: فإذا كان بدلاً من المجموع فالمعنى على ما سبق: إنَّ الصابئين أشَد غياً، وأما إذا كان بدلاً من اسم (إنَّ) وحده لزم أنَّ يكون حكم (وَالذِين هَادُوا) و (النَّصَارَى) حكم (وَالصَّابِئُونَ) في الرفع وتقدير الخبر على ما سبق في (وَالصَّابِئُونَ) وحده، كأنه قيل: إنَّ الذين آمنوا من آمن منهم فلا خوف عليهم والذين هادوا والصابئون والنصارى كذلك، فحينئذ يخرج الكلام عن المقصود. اهـ قوله: (جواب الشرط). قال أبو حيان: سمى (كلما) شرط، وليس بشرط بل (كل) نصب على الظرف

стр. 1218

قال السفاقسي: سماها ظرفاً من حيث المعنى لاقتضائها جواباً كالشرط. اهـ قوله: (وقيل: الجواب محذوف). قال ابن المنير: يدل عليه مجيئه ظاهراً في الآية التي هي توأمة هذه الآية (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ ... ) إلى آخره. قال: الأولى أن يقدر المحذوف: استكبروا، لظهوره في هذه الآية. اهـ قوله: (على أن الله عماهم). قال الشيخ سعد الدين: يعني على تقدير فعل متعد بكون (عموا) بالضم مبيناً للمفعول منه. اهـ قوله: (كما يمنع المحرم ... ). قال الطَّيبي: أي (حَرَّمَ) هاهنا استعارة تبعية من المنع. اهـ قوله: (و (من) مزيدة للاستغراق). قال صاحب الإقليد: إفادة (من) الاستغراقية للاستغراق لأنَّها تدخل لابتداء الجنس إلى انتهائه، فقولك: هل من رجل؟ تقديره: هل من واحد هذا الجنس إلى أقصاه، إلا أنه اكتفى بذكر (من) عن ذكر (إلى) لدلالة إحدى الغايتين على الأخرى، وإنما قيل: إن مثل لا رجل متضمن لمعنى (من) الاستغراقية لأنَّ لا رجل في الدار أبلغ في النفي من (لا رجل في الدار) بالرفع، ومن (ليس رجل في الدار) ولا يمكن تقدير ما يكون به كذلك إلا صرف مؤكد مثبت للاستغراق فوجب تقدير (من)، ولو كانت (لا) مفيدة للاستغراق لذاتها لما جاز قولهم لا رجل في الدار بل رجلان. اهـ قال الإمام: قدر النحويون لا إله في الوجود وذلك غير مطابق للتوحيد الحق لأن هذا نفي لوجود الإله الثاني ولو لم يضمر هذا الإضمار لكان لا إله نفى لماهية الإله الثاني ومعلوم أن نفي الماهية أقوى بالتوحيد الصرف من نفي الوجود.

стр. 1219

وقال غيره: لو ترك التقدير ليبقى مطلقاً فيتناول الوجود والإمكان وما يجري مجراها لكان أولى. قوله: (كسائر النساء اللاتي يلازمن الصدق أو يصدقن الأنبياء) . قال الحلبي والسفاقسي: القياس يقتضي أنه من صَدَق الثلاثي المجرد لأن أمثلة المبالغة تطرد منه دون المزيد. قوله: (أي لا ينهى بعضهم بعضاً). قال الطَّيبي: فوضع يتفاعلون موضع يفعلون للمبالغة. قال: وإنما احتيج إلى هذه التأويلات لأنَّ التناهي من منكر قد سبق ومضى محال. اهـ قوله: (هو المخصوص بالذم). قال أبو حيان: لا يصح هذا الإعراب إلا على مذهب الفراء والفارسي من أن (ما) موصولة، أو على مذهب من جعل في (بئس) ضميرًا، أو جعل (ما) تمييزاً بمعنى شيئاً وقدمت صفة للتمييز، وأما على مذهب سيبويه فلا يتأتى ذلك لأنَّ (ما) عنده اسم تام معرفة بمعنى الشيء والجملة بعده صفة للمخصوص المحذوف، والتقدير: لبئس الشيء شيء قدمت لهم أنفسهم فيكون على هذا (أَنْ سَخِطَ) في موضع رفع على البدل من المخصوص المحذوف، وعلى أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هو أن سخط. اهـ قوله: (والمعنى: موجب سخط الله). قال الحلبي: في تقدير هذا المضاف من المحاسن ما لا يخفى على متأمله، فإن نفس السخط المضاف إلى الباري تعالى لا يقال هو المخصوص بالذم إنما المخصوص بالذم أسبابه، وذهب إليه أيضاً الواحدي ومكي وأبو البقاء. اهـ قوله: (والفيض (١) انصباب ... ) إلى آخره. قال ابن المنير: هنا عبارات أولها: فاض دمع عينه وهو الأصل، والثانية: المحولة فاضت عينه دمعا حول الفاعل تمييز مبالغة، والثالثة: فاضت عينه من الدمع

стр. 1220

فلم يحول عن الأصل كما في الثانية بل أبرز تعليلاً وهذا أبلغ لأنَّ التمييز قد اطرد وضعه في هذا الباب موضع الفاعل والتعليل لم يعهد فيه ذلك. اهـ قوله: ((ونطمع) عطف على (نؤمن)). هو أصوب من قول الزمخشري: عطف على (لا نُؤمِنُ) لفساد المعنى إذ يصير التقدير إنكار عدم الإيمان وإنكار الطمع وليس كذلك، وإنما المراد إنكار عدم الطمع أيضاً وذلك بالعطف على (نُؤمِن) المنفي فيكون النفي متعيناً على المعطوف عليه. قوله: (أو خبر محذوف والواو للحال، أي: ونحن نطمع والعامل فيهما عامل الأول). قال أبو حيان: هذا ليس بجيد لأنَّ الأصح أنه لا يعمل عامل واحد في حالين بلا عطف إلا أفعل التفضيل. قال: والأحسن والأسهل أن يكون استئنافاً. اهـ وقال السفاقسى: أما تعدد الحال واتحاد صاحبها فالحق جوازه. اهـ قوله: (مقيداً بها). قال الطَّيبي: فيعود المعنى: أي شىء حصل لنا غير مؤمنين طامعين (أي لو لم نكن مؤمنين طامعين). اهـ قوله: (أو نؤمن). قال الطَّيبي: فالحالان على هذا متداخلان، وعلى الأول مترادفان، والمعنى: أي شيء حصل لنا غير مؤمنين في حال الطمع، وتحريره: ما لنا لا نوحد الله ونطمع من ذلك في مصاحبة الصالحين. اهـ قوله: (روي أنها نزلت في النجاشي وأصحابه، بعث إليه الرسول ﷺ بكتابه فقرأه، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه وأحضر الرهبان والقسيسين، فأمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة مريم فبكوا وآمنوا بالقرآن). قال الشيخ ولي الدين: لم أقف عليه. قلت: قد أخرجه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والواحدي من طريق ابن شهاب عن

стр. 1221

سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعروة بن الزبير مرسلاً. قوله: (وقيل نزلت في ثلاثين أو سبعين رجلاً من قومه وفدوا على رسول الله ﷺ فقرأ عليهم سورة مريم فبكوا وآمنوا.). أخرجه بن جرير عن سعيد بن جبير. قوله: (روي أن رسول الله ﷺ وصف القيامة ... ) الحديث. ذكره الواحدي في أسباب النزول بلفظ المصنف عن المفسرين، وروى ابن جرير معناه بزيادة ونقص عن مجاهد وعكرمة والسدي، وللقصة شاهد في الصحيحين من حديث عائشة. وعثمان بن مظعون يكنى أبا السائب قرشي جمحي أسلم بعد ثلاثة عشر رجلاً وهاجر الهجرتين وشهد بدراً وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة على رأس ثلاثين شهراً من الهجرة وقيل بعد اثنين وعشرين شهراً ودفن بالبقيع، ومظعون: بالظاء المعجمة وعين مهملة، والمسوح: جمع مِسْح وهو البلاس. قوله: (أو صفة لمصدر محذوف). قال الطَّيبي: هذا أولى أي: أكلاً حلالاً ليكون توسعة في الكل ودفعاً للتضييق سيما إذا اعتبر معنى (طَيِّبًا) معه وذلك أن ورود هذا الأمر عقب النهي عن التحريم للطيبات والتشديد فيه بقوله تعالى (لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) يقتضى ما يقابله من التوسعة، وسياق النظم ما أشار إليه

стр. 1222

الراغب قال: لما ذكر حال الذين قالوا إنا نصارى وأن منهم قسيسين ورهباناً ومدحهم بذلك، وكانت الرهبان قد حرموا على أنفسهم طيبات ما أحل الله لهم ورأى الله قوماً تشوفوا إلى حالهم وهمّوا أن يقتدوا بهم نهاهم عن ذلك. اهـ قوله: (لقوله ﵊: من حلف على يمين ... ) الحديث. أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة. قوله: (من أقصده). في الأساس: من المجاز قصد في معيشته واقتصد وقصد في الأمر: إذا لم يجاوز فيه الحد ورضي بالتوسط. اهـ قوله: (أو من أوسط إن كان بدلاً). قال الطَّيبي: نقل في الحواشي عن صاحب الكشاف: ووجهه أن يكون (مِنْ أَوْسَطِ) بدلاً من (إِطْعَامُ) والبدل هو المقصود، ولذلك كان البدل منه في حكم المنحى، فكأنه قيل: فكفارته من أوسط ما تطعمون. وقال صاحب التقريب: قول صاحب الكشاف إنما يصح إذا كان محله مرفوعاً إما بدلاً من (إِطْعَامُ) على حذف موصوف، أي: إطعام من أوسط، أو خبر مبتدأ محذوف، أو خبر بعد خبر، والأظهر أنَّ (كِسْوَتُهُمْ) عطف على (إِطْعَامُ) لأن المشهور التخيير بين الخصال الثلاث وعدوا الكسوة منها، و (مِنْ أَوْسَطِ) إما منصوب على صفة المصدر المقدر أي إطعاماً من أوسط، أو على المفعول بإضمار أعني، أو على المفعول الثاني لـ (إِطْعَامُ) أي أن نطعمهم من الأوسط، أو مرفوع كما سبق، ولعله إنما عدل عن الأظهر لأنَّ الكسوة اسم ظاهر لا مصدر. قال الراغب: الكساء والكسوة اللباس، فلا يليق عطفه على المصدر أو لأدى به إلى ترك ذكر كيفية الكسوة وهي كونها أوسط، ويمكن أن يجاب عن الأول بأن الكسوة إما مصدر قال الزجاج في تفسيره: والكسوة أن يكسوهم نحو إزار. أو يضمر مصدراً نحو واللباس الكسوة، وعن الثاني بأن يقدر أو كسوتهم من أوسط ما

стр. 1223

الكسوة إما مصدر قال الزجاج في تفسيره: والكسوة أن يكسوهم نحو إزار. أو يضمر مصدراً نحو واللباس الكسوة، وعن الثاني بأن يقدر أو كسوتهم من أوسط ما تكسون فحذف لقرينة ذكرها في المعطوف عليه، أو بأن تترك على إطلاقها، أو بإحالة بيانها إلى غيره (أي غير ما ذكر)، وأيضاً العطف على محل (مِنْ أَوْسَطِ) لا يفيد هذا المقصود وهو تقدير الأوسط في الكسوة فالإلزام مشترك ويؤدي إلى صحة إقامته مقام المعطوف عليه وهو غير سديد. انتهى كلام صاحب التقريب. قال الطَّيبي: ويمكن أن يقال إنما يصار إلى البدل إذا اعتبر معنى المبدل نحو: زيد رأيت غلامه رجلاً صالحاً، لا أن ينحى معناه كما في الحواشي، ولأنَّ أهل المعاني يعتبرون معنى المبدل وجوباً والنحوي يقول إن البدل ليس في حكم المنحى من جميع الوجوه ولذا يوجبون ضمير المبدل في بدل البعض والاشتمال، والتقدير: فكفرته إطعامٌ من أوسط ما تطعمون أهليكم لعشرة مساكين، أو كسوة عشرة مساكين من أوسط ما تكسون أهليكم، هذا وإن المصير إلى البدل يورث الكلام إبهاماً وتبييناً وتوكيداً وتقريراً بخلافه إذا أخلى عنه. اهـ وقال العلم العراقي: قول الكشاف (أو كسوتهم): عطف على محل (مِن أوسَطِ)؛ غلط لم يتنبه له ابن المنير، وصوابه أنه عطف على قوله (إِطعَام). اهـ وقال الحلبي: ما ذكره الزمخشري إنما يتمشى على وجه وهو أن يكون (مِنْ أَوْسَطِ) خبراً لمبتدأ محذوف يدل عليه ما قبله، تقديره: طعامهم من أوسط، فالكلام تام على هذا عند قوله (عَشَرَةِ مَسَاكِينَ)، ثم ابتدأ إخباراً آخر بأن الطعام يكون من أوسط كذا، وأما إذا قلنا إن (مِنْ أَوْسَطِ) هو المفعول الثاني فيستحيل عطف (كِسْوَتُهُمْ) عليه لتخالفهما إعراباً. اهـ قوله: (والكاف فى محل الرفع). قال أبو حيان: هذا إن قدر (مِنْ أَوْسَطِ) في محل رفع وإلا فهي في محل نصب مثله. اهـ قوله: (وتقديره: أو إطعامهم كأسوتهم). قال الشيخ سعد الدين: ولا خفاء في زيادة الكاف وفي أنَّ التخيير على هذا بين

стр. 1224

الإطعام والتحرير. اهـ وقال أبو حيان: هذه القراءة تنفي الكسوة. اهـ وقال السفاقسى: قدر أبو البقاء أي: مثل أسوة أهليكم في الكسوة، وعلى هذا لا تكون الآية عارية منها. اهـ قلت: في هذا التقدير نظر لأنه لم يتقدم ما يدل عليه. قوله: (فإن مثل هذا التبيين يسهل لكم المخرج منه). قال الطَّيبي: قيل الضمير المجرور عائد إلى الحنث. اهـ وأقول: الظاهر عوده إلى الحلف أو إلى الشكر في قوله: ونعمه الواجب شكرها. قوله: ((رجس) قذر تعاف منه العقول). قال الراغب: الرجس والنجس متقاربان، لكن النجس يقال فيما يستقذر بالطبع، والرجس أكثر ما يقال فيما يستقذر بالعقل. اهـ قوله: (وإفراده لأنه خبر للخمر، وخبر المعطوفات محذوف). قال الحلبي: ويجوز على هذا عكسه وهو أن يكون خبراً عن الآخر وحذف خبر ما قبله لدلالة خبر ما بعده عليه لأن لنا في نحو قوله تعالى (وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) هذين التقديرين. اهـ قوله: (أو المضاف محذوف، كأنه قال: إنما تعاطي الخمر والميسر). قال أبو حيان: لا حاجة إلى تقدير هذا المضاف بل الحكم على هذه الأربعة أنفسها أنَّها رجس أبلغ من تقدير ذلك المضاف لقوله تعالى (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ). اهـ

стр. 1225

قال الحلبي: وهو كلام حسن. اهـ قوله: (شرٌّ بحْت). بفتح الموحدة وبسكون الحاء المهملة ومثناة فوقية، أي: خالص. قوله: (شارب الخمر كعابد الوثن). أخرجه البزار من حديث عبد الله بن عمرو، وهو عند ابن ماجه وابن حبان بلفظ: مدمن الخمر، قال ابن حبان: يشبه أن يكون فيمن استحلها. قوله: (وخص الصلاة من الذكر بالإفراد للتعظيم). قال الطَّيبي: هذا من باب قوله تعالى (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ) من حيث الاختصاص بالذكر، ومن حيث التكرير، لأنَّ تكرير (عن) في قوله تعالى (عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ) كتكرير (رَأَيْتُهُمْ). اهـ قوله: (روي أنه لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة فكيف بإخواننا ... ) إلى آخره. أخرجه ابن جرير من حديث ابن عباس بلفظه، وأحمد في مسنده من حديث أبي هريرة بمعناه، وأصله في الصحيحين من حديث أنس. قوله: (نزلت عام الحديبية ... ) إلى آخره.

стр. 1226

أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان. قوله: (والتقليل والتحقير في (بشيء) للتنبيه على أنه ليس من العظائم ... ) إلى آخره. قال ابن المنير: ورد مثل هذه الصيغة في الفتن العظيمة في قوله تعالى (بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ) بل هو إشارة إلى أنما يقع به الابتلاء من هذه الأمور فهو بعض من كل بالإضافة إلى مقدور الله تعالى فإنه قادر على أن يبتليكم بأعظم وأهول منه ليبعثهم بذلك على الصبر، ويدل على ذلك أنه سبق الوعد به قبل حلوله ليوطن النفس عليه فإن المفاجأة بالشدائد شديدة الألم، فإذا فكر العاقل وجد ما صرف عنه من البلاء أكثر مما وقع به بأضعاف لا تقف عنده غاية فسبحان اللطيف بعباده. اهـ قوله: (كرداح ... ). في الصحاح: الرداح: المرأة الثقيلة الأوراك، والجفنة العظيمة، وكتيبة رداح: ثقيلة السير لكثرتها. اهـ قوله: (ويؤيده قوله ﵊ خمس يقتلن في الحل والحرم ... ) الحديث. أخرجه الشيخان من حديث عائشة. قوله: (وفي رواية: الحية، بدل العقرب). أخرجها مسلم. قوله: (واختلف في هذا النهي هل يلغى حكم الذبح فليلحق مذبوح المحرم بالميتة ومذبوح الوثنى أو لا؟). الأصح من المذهب الأول. قوله: (روي: أنه عنَّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فطعنه أبو اليسر برمحه فقتله فنزلت) . إنما هو أبو قتادة والحديث مخرج في الصحيحين من روايته وأنه هو الذي فعل.

стр. 1227

قال الطَّيبي: وما وجدت حديث أبو اليسر في الأصول. اهـ قوله: (واللفظ للأول أوفق). قال الطَّيبي: لأنَّ قوله (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) حقيقة فيه، وفي جعله القيمة ارتكاب المجاز، ويؤيده قراءة ابن مسعود (فجزاءه مثل ما قتل من النعم). اهـ قوله: (أو من (جزاء)). قال الطَّيبي: إنما يستقيم على مذهب الأخفش وهو أن يكون التقدير: فعليه جزاء مثل ما قتل هدياً، فهو حال من فاعل الجار والمجرور من غير اعتماد. اهـ قوله: (وإن نون لتخصيصه بالصفة). قال الحلبي: وكذا خصصه الشيخ أبو حيان، وهذا غير واضح، بل الحالية جائزة مطلقاً سواء قرئ مرفوعاً أو منصوباً منوناً أم مضافاً. اهـ قوله: (وقرأ نافع واين عامر (كَفَّارَةُ طَعَامُ) بالإضافة للتبيين). قال الإمام: إنه تعالى لما خير المكلف بين ثلاثة أشياء الهدي والطعام والصيام حسنت الإضافة فكأنه قيل: كفارةُ طعامٍ لا كفارةُ صيامٍ. اهـ وإليه الإشارة بقول الكشاف: وهذه الإضافة مبينة. قوله: (كقولك: خاتمُ فضةٍ). قال أبو حيان: ليست هذه الإضافة من هذا الباب، لأنَّ خاتم فضة من باب إضافة الشيء إلى جنسه، والطعام ليس جنساً للكفارة إلا بتجوز بعيدٍ جداً. قال: وإنما هي إضافة الملابسة لأنَّ الكفارة تكون كفارة هدي وكفارة طعام وكفارة صيام. اهـ قوله: (وقرئ بكسر العين ... ) إلى آخره. قال الراغب: العَدْل والعِدْل متقاربان، لكن العَدل يستعمل فيما يدرك بالبصيرة

стр. 1228

كالأحكام، وعلى ذلك قوله (أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا)، والعدل والعديل فيما يدرك بالحاسة كالموزونات والمعدودات والمكيلات، فالعدل: هو التقسيط على سواءٍ وعلى هذا روي: بالعَدل قامت السماوات، تنبيهاً على أنه لو كان ركن من الأركان الأربعة في العالم زائداً على الآخر أو ناقصاً عنه على خلاف مقتضى الحكمة لم يكن العالم منتظماً. اهـ قوله: ((لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ) متعلق بمحذوف، أي: عليه الجزاء). قال أبو حيان: هذا لا يجوز إلا على قراءة من أضاف (فَجَزَاءٌ) أو نون ونصب، وأما على قراءة من نون ورفع (مِثْلُ) فلا يجوز أن تتعلق اللام به، لأنَّ (مِثْلُ) صفة لجزاء وإذا وصف المصدر لم يجز لمعموله أن يتأخر عن الصفة، لو قلت: أعجبني ضربُ زيدٍ الشديدَ عمروا لم يجز، فإنْ تقدم المعمول على الوصف جاز ذلك، والصواب أن يتعلق على هذه القراءة بفعل محذوف، التقدير: جوزي بذلك ليذوق وبال أمره، ووقع لبعض المعربين أنَّها تتعلق بـ (عَدْلُ ذَلِكَ) وهو غلط. اهـ قال الحلبي: وكذا لو جعله بدلاً أيضاً أو خبراً لما تقدم من أنه يلزم أن يُتبعَ الموصول أو يُخبرَ عنه قبل تمام صلته وهو ممنوع. قال الحلبي: وقد أفهم كلامُ الشيخ أبي حيان بصريحه أنه على قراءة إضافة الجزاءِ إلى (مِثْلُ) يجوز ما قاله صاحب الكشاف، وأنا أقول: لا يجوز ذلك أيضاً، لأنَّ (لِيَذُوقَ) من تمام صلة المصدر وقد عطف عليه قوله (أَوْ كَفَّارَةٌ) (أَوْ عَدْلُ) فيلزم أن يعطف على الموصول قبل تمام صلته وذلك لا يجوز، لو قلت: جاء الذي ضرب وعمروٌ زيداً لم يجز للفصل بين الصلة -أو أبعاضها- والموصول بأجنبي فتأمل فإنه موضع حسن. اهـ وقال السفاقسي: تنظير أبي حيان بقوله أعجبني ضرب زيد الشديد عمروا ليس بسديد؛ لأنَّ عمروا مفعول به وليس هو كالمجرور. اهـ قوله: (فهو ينتقم الله منه).

стр. 1229

قال الطَّيبي: يعني (ينتقم) خبر مبتدأ محذوف (فهو جملة اسمية تحتاج إلى الفاء ولو لم تكن خبر مبتدأ محذوف لم يحتج إلى الفاء، لأنَّ الشرط إذا كان ماضياً والجزاء مضارعاً جاز الرفع وترك الفاء. اهـ قوله: (وليس فيه ما يمنع الكفارة على العائد كما حكى عن ابن عباس ... ). قال الإمام: دليل ابن عباس من أنه أعظم من أن يُكفَّر بالتصدق بل الله ينتقم منه لأن قوله تعالى (فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ) جزاء والجزاء كاف وكونه كافياً يمنع من وجوب شيء آخر. اهـ قوله: (لقوله ﵊ فى البحر: هو الطهور ماؤه الحلُّ ميتته). أخرجه مالك والشافعي وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني وصححوه من حديث أبي هريرة. قوله: (نصب على الغرض). أي المفعول له كما عبر به في الكشاف. قوله: (لقوله ﵊: لحم الصيد حلال لكم، ما لم تصطادوه أو يصد لكم). أخرجه أحمد والحاكم وصححه من حديث جابر. قوله: ((جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ): صيرها). أقول: فسر (جَعَل) بمعنى صير، وقال بعد ذلك: إن نصب (قِيَامًا) على المصدر

стр. 1230

أو الحال، والذي ذكره أبو البقاء أنه إن كان (جَعَل) بمعنى صير فـ (قِيَامًا) مفعول ثان، أو بمعنى خلق فهو حال. قوله: (وإنما سمي البيت كعبة لتكعبه). (روى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد قال: إنما سميت الكعبة لتربيعها)، (ورويا أيضاً عن عكرمة قال: إنما سميت الكعبة لتربعها). قوله: (البيت الحرام عطف بيان على جهة المدح). قال أبو حيان: ليس كما ذكر، لأنهم شرطوا في عطف البيان الجمود، والجامد ليس فيه إشعار بمدح إنما يشعر بالمدح المشتق إلا أن يقال إنه لما وصف عطف البيان بقوله (الحرام) اقتضى المجموع المدح فيمكن ذلك. اهـ قوله: (انتعاشاً لهم). في الصحاح: نعشه الله: رفعه، وانتعش العاثر: نهض من عثرته. قوله: (وأشياء اسم جمع كطرفاء ... ) إلى آخره. قال ابن الشجري في أماليه: ذهب الأخفش والفراء إلى أن أصل أشياء أَشْيِئاء بوزن أَفْعلاء فحذفت الهمزة التي هي لام فوزنها الآن أفعاء، فعورضا بأنَّ الواحد مثاله (فَعْل) وليس قياس (فَعْل) أن يجمع على (أفعلاء)، فاحتجا بقولهم في جمع سمح سمحاء. وروي عن الفراء أنه قال: أصل شيء شيِّءٌ، كهين، وخفف كما خفف هين إلا أن
следующие страницы →