ويصير التقدير: أوفوا بالعقود في حال انتفاء كونكم محلي الصيد وأنتم حرم فإذا لم توجد هذه الحال فلا توفوا بالعقود. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: لا يخفى أن قول الأخفش أقرب معنى وإن كان أبعد لفظاً، وذلك لأن جعله حالاً من ضمير (لكم) إنما يصح إذا أريد ببهيمة الأنعام الظباء، وإذا أريد الأنعام المستثنى منها البعض ففي جعله حالاً من ضمير (لَكُم) تقييد للإحلال بهذه الحال وليس كذلك.
قال: ويمكن دفعه بأنَّ المراد بالأنعام أعم من الإنسي والوحشي مجازاً أو تغليباً أو دلالة أو كيف ما شئت، وإحلالها على عمومها مختص بحال كونكم غير محلين للصيد في الإحرام إذ معه تحريم البعض وهو الوحشي.
قال: ومنهم من جعله حالاً من فاعل أحللنا المدلول عليه بقوله (أُحِلَّتْ لَكُمْ) ويستلزم جعل (وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) أيضاً حالاً من مقدر أي: حال كوننا غير محلين الصيد لكم في حال إحرامكم.
قال: وليس ببعيد إلا من جهة انتصاب حالين متداخلين من غير ظهور ذي الحال في اللفظ. اهـ
وقال أبو حيان: جعل بعضهم صاحبَ الحالِ الفاعلَ المحذوف من (أُحِلَّتْ) المقام مقامه المفعول وهو الله تعالى، وهو فاسد لأنهم نصوا على أنَّ الفاعل المحذوف في مثل هذا يصير نسياً منسياً فلا يجوز وقوع الحال منه، وجعله بعضهم الضمير المجرور في (عَلَيكمْ) ويرده أن الذي (يُتلَى عَلَيكمْ) لا يتقيد بحال انتفاء إحلالهم الصيد وهم حرم بل هو يتلى عليكم في هذه الحال وفي غيرها.
ونقل القرطبي عن البصريين أن قوله (إِلاّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) استثناء من (بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ)، وقوله (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) استثناء مما يليه وهو الاستثناء، وأبطله بأنه يلزم عليه إباحة الصيد في الحرم لأنه مستثنى من الجرم الذي هو مستثنى من الإباحة.
قال ابن عطية: قد خلط الناس في هذا الموضع في نصب (غَيْرَ)، وقدروا تقديرات
стр. 1157
كلها غير مرضية لأن الكلام على اطراده متمكن استثناء بعد استثناء. اهـ
وقال أبو حيان: إنما عرض الإشكال في الآية حتى اضطرب الناس في تخريجها من كونه رسم (مُحِلِّي) بالياء، فظنوا أنه اسم فاعل من أحل، وأنه مضاف إلى الصيد إضافة اسم الفاعل المتعدي إلى المفعول، وأنه جمع حذف منه النون للإضافة وأصله: غير محلين الصيد، والذي يزول به الإشكال ويتضح المعنى أن يجعل قوله (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) من باب قولهم: حسان النساء، والمعنى النساء الحسان، وكذا هذا أصله: غير الصيد المحل، والمحل صفة للصيد لا للناس، ووصف الصيد بأنه محل إما على معنى: دخل في الحل، كما تقول أحل الرجل أي دخل في الحل، وأحرم الرجل: دخل في الحرم، أو على معنى صار ذا حل أي: حلالاً بتحليل الله، ومجيء (أفعل) على الوجهين المذكورين كثير في لسان العرب، فمن الأول: أعرق وأشأم وأيمن وأنجد وأتمم إذا حلوا هذه المواضع، ومن الثاني: أعشبت الأرض وأبقلت أي صارت ذا عشب وبقل، وكذا أغد البعير وألبنت الشاة وأحرم النخل وأحصد الزرع وأنجبت المرأة، وإذا تقرر أن الصيد يوصف بكونه محلاً باعتبار أحد الوجهين المذكورين من كونه بلغ الحل أو صار ذا حل اتضح كونه استثناء ثانياً، ولا يمكن كونه استثناء (من استثناء) لتناقض الحكم لأن المستثنى من المحرم حلال، ثم إن كان المراد ببهيمة الأنعام أنفسها فهو استثناء منقطع، أو الظباء ونحوها فمتصل على أحد تفسيري المحل، (استثنى الصيد) الذي بلغ الحل في حال كونهم محرمين.
فإن قلت: ما فائدة هذا الاستثناء بقيد بلوغ الحل، والصيد الذي في الحرم لا يحل أيضاً؟ قلت: الصيد الذي في الحرم لا يحل للمحرم ولا لغير المحرم، والقصد بيان تحريم ما يختص تحريمه بالمحرم.
فإن قلت: ما ذكرته من هذا التخريج الغريب يعكر عليه رسمه في المصحف بالياء
стр. 1158
والوقف عليه بها؟ قلت: قد كتبوا في المصحف أشياء تخالف النطق نحو (لا أذبحَنهُ) بالألف، و (بِأييد) بياءين إلى غير ذلك، والوقف اتبعوا فيه الرسم. اهـ
وأقول: هذا التخريج الذي خرجه أبو حيان فيه تكلف كبير، وهو خلاف ما يتبادر من اللفظ والسياق، والصواب تخريج الجمهور أنه حال من ضمير (لَكم)، وما رد به من لزوم تقييد الإحلال بهذه الحال لا يرد عند التأمل، وكم من حال وصفة لم يعتبر مفهومها، ثم رأيت السفاقسي ذكر مثل ما ذكرت فقال: هذا التخريج الذي ذكره أبو حيان فيه تكلف وتعسف لا يخفى على منصف من حيث زيادة الياء وفيها التباس المفرد بالجمع وهم يفرون منه بزيادة أو نقصان في الرسم فكيف يزيدون زيادة ينشأ عنها لبس؟ ومن حيث إضافة الصفة للموصوف وهو غير مقيس، ولا شك أن ما ذكره الجمهور من أن (غَيْرَ) حال وإن لزم منه الترك للمفهوم فهو أولى من تخريج ينبو عنه المفهوم، والمفهوم هنا متروك لدليل خارج، وكثير في القرآن مفهومات متروكة لعارض. اهـ
وقال الحلبي: هذا الذي ذكره أبو حيان وأجازه وغلط فيه الناس ليس بشيء وفيه خرق للإجماع، فإنَّهُم لم يعربوا (غَيْرَ) إلا حالاً حتى نقل عن بعضهم الإجماع على ذلك، وإنما اختلفوا في صاحب الحال.
قال: وقديماً وحديثاً استشكل الناس هذه الآية. اهـ
ثم قال السفاقسي: ويمكن فيه تخريجان:
أحدهما: أن يكون (غَيْرَ) استثناء منقطعاً، و (مُحِلِّي) جمع على بابه والمراد به: الناس الداخلون حل الصيد؛ أي: لكن إن دخلتم حل فلا يجوز لكم الاصطياد.
والثاني: أن يكون متصلاً من بهيمة الأنعام، وفي الكلام حذف مضاف إلى (مُحِلِّي) أي: أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا صيد الداخلين حل الاصطياد وأنتم حرم فلا يحل.
ويحتمل أن يكون على بابه من التحليل ويكون الاستثناء متصلاً والمضاف محذوف؛ أي: إلا صيد مُحِلِّي الاصطياد وأنتم حرم، والمراد بالمحلين: الفاعلون فعل من يعتقد التحليل فلا يحل، ويكون معناه: أن صيد الحرم كالميتة لا يحل أكله مطلقاً.
ثم قال السفاقسي: وعندي تخريج آخر حسن وهو أن يكون حالاً من ضمير (لَكم)
стр. 1159
وحذف المعطوف للدلالة عليه، وهو كثير وتقديره: غير محلي الصيد ومحليه كما قال تعالى (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) أي والبرد. اهـ
قوله: ((وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) حال عن ما استكن فى (مُحِلِّي)).
هي عبارة مكي.
قال الحلبي: وهي أصح من قول الكشاف حال عن (مُحِلِّي الصَّيْدِ) فإن فيه مجيء الحال من المضاف إليه في غير المواضع المستثناة. اهـ
قال الطَّيبي: والحالان متداخلتان. اهـ
قوله: (وهو اسم ما أشعر) .
قال الشيخ سعد الدين: التصريح في مثل هذا بلفظ الاسم لئلا يتوهم أنه صفة حيث له اشتقاق ظاهر ودلالة على معنى زائد على الذات، ودليل عدم الوصفية أنه لا يجري على الموصوف ولا يعمل عمل الفعل. اهـ
قوله: (كجدي فى جمع جدية السرج هى بالجيم والدال المهملة).
في الصحاح: الجَديَة: بتسكين الدال شيء محشو تحت دفتي السرج والرحل، وهما جديتان، والجمع جَدًى وجَدَيَات بالتحريك، وكذلك الجدية على فعيلة والجمع الجدايا. اهـ
قوله: (أو لحاء شجر).
بلام وحاء مهملة ومد: قشر الشجر.
قوله: (والجملة في موضع الحال من المستكن فى (آمِّينَ) وليست صفة له) إلى آخره. يشير إلى الرد على صاحب الكشاف حيث أعربه صفة.
وقال الشيخ سعد الدين: إنما أراد أن (آمِّينَ) و (يَبْتَغُون) صفتان لموصوف محذوف ولم يرد أن (يَبتَغُون) صفة لـ (آمِّينَ).
قوله: (روي أن الآية نزلت في عام القضية ... ) إلى آخره.
أخرجه ابن جرير عن عكرمة وسمى المذكور الحطم بن هند البكري.
стр. 1160
قوله: (قرئ بكسر الفاء).
قال أبو حيان: ليس عندي كسراً محضاً بل هو من باب الإمالة المحضة لتوهم وجود كسر همزة الوصل كما أمالوا الفاء في (فإذا) لوجود كسرة إذا. اهـ
وقال الطيبي: قيل كسر الفاء إمالة لإمالة ما بعده نحو (عمادا) على مذهب من يميله. اهـ
قوله: (لا يحملنكم أو لا يكسبنكم).
أتى بـ (أو) وهو أحسن من تعبير الكشاف بالواو لأن أبا حيان قال: يمتنع أن يكون مدلول (جرم) حمل وكسب في استعمال واحد لاختلاف مقتضاهما، فيمتنع أن يكون (تَعْتَدُوا) في محل مفعول به ومحل مفعول على إسقاط حرف الجر. اهـ
قوله: (وهو مصدر).
جوزوا كونه وصفاً و (فعلان) بالفتح في الأوصاف موجود نحو حمار قطوان: عسر السير، وتيس عدوان: كثير العدو.
قوله: (أضيف إلى للمفعول أو الفاعل).
قال أبو حيان: الأظهر الأول. اهـ
قوله: (كليان).
مصدر لويت ذنبه لياناً.
قوله: (أو نعت).
وهو الأظهر.
قوله: (ثاني مفعولى يجرمنكم).
هذا إن كان بمعنى يكسبنكم، فإن كان بمعنى يحملنكم كان نصباً على نزع الخافض وهو (على).
قوله: (فإنه يتعدى إلى واحد وإلى اثنين).
هذان الاستعمالان معاً للذي بمعنى كسب، ومن تعديه إلى واحد: جرم فلان ذنباً أي: كسب.
قوله: (جعله منقولاً من المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين).
стр. 1161
قال الشيخ سعد الدين: ذهب إلى هذا نظراً إلى أنَّ الأصل هو أن تكون الهمزة للتعدية، وإلا فيجوز أن تكون من: جرمته ذنباً، للمبالغة. اهـ
قوله: (غفل).
أي لا سمة عليها.
قوله: (نزلت بعد عصر يوم الجمعة حجة الوداع) .
أخرجه الشيخان وغيرهما عن عمر.
قوله: (أو بالتنصيص ... ) إلى آخره.
قال الامام: المراد بإكمال الدين أنه تعالى بيَّن حكم جميع الوقائع بعضها بالنص وبعضها بطريق تعرف الحكم بها، وأمر بالاستنباط وتعبد المكلفين به وكان ذلك بياناً في الحقيقة. اهـ
قوله: (اخترته لكم).
قال الشيخ سعد الدين: المنصوب الثاني بعد (وَرَضِيت) يحتمل أن يكون حالاً أو تمييزاً، وأن يكون مفعولاً ثانياً على تضمين معنى التصيير. اهـ
قوله: (وما بينهما اعتراض).
قال الطَّيبي: هي سبع جمل أولها (ذَلِكُمْ فِسْقٌ).
قال: وفي هذا الاعتراض البليغ وتقديم بيان تحريم المطعوم على سائر الأحكام إيذان باهتمام أمر المطعوم، وأن قاعدة الأمر وأساس الدين مبني عليه، لأن به قوام البدن الذي به تمكن المكلف من العبادة. اهـ
قوله: (لما تضمن السؤال معنى القول أوقع على الجملة).
وقال أبو حيان: لا يحتاج إلى ذلك لأنه من باب التعليق كقوله (سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ)، فالجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني لـ (يَسْأَلُونَكَ)، ونصوا على أن فعل السؤال يعلق وإن لم يكن من أفعال القلوب لأنه سبب للعلم فكما يعلق العلم فكذا سببه. اهـ
стр. 1162
قوله: (على تقدير: وصيد ما علمتم).
قال الشيخ سعد الدين: أي مصيده فإنه الذي أُحل، فعطفه على الطيبات من عطف الخاص على العام. اهـ
قوله: (وجملة شرطية إن جعلت شرطاً).
قال أبو حيان: وهذا أجود لأنه لا إضمار فيه. اهـ
قال الطَّيبي: هي شَرطية على تقدير المضاف أيضاً.
قال: وروي عن صاحب الكشاف أنه سئل عنه وقيل: فإذاً يبطل كونها شرطية؟
فقال: لا، لأن المضاف إلى الاسم الحامل لمعنى الشرط في حكم المضاف إليه تقول: غلام من تضرب أضرب.
وقال صاحب الكتاب: فإن تقدم اسما الشرط الجار فالمعنى الموجب لها الصدر مقدر قبله لاتحاده بها، فعلى هذا يكون تقدير غلام من تضرب أضرب: إن تضرب غلام زيد أضرب، وفيه بحث لأنه ليس من مواضع وضع المظهر موضع المضمر في الجزاء، فمعنى قوله (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) وضع موضع ضمير صيد ما علمتم لما دل على التعظيم والفحامة، لكن هو من التكرير الذي لا يناط به حكم آخر من قوله (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللهَ ... ) الآية، ويمكن أن يقال إن السائل كأنه كان متردداً في حل ما أمسكته الضواري فقدم في الجواب (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) وعطف عليه صيد ما علمتم اختصاصاً له، ثم زيد في المبالغة بأن جعل الجزاء عين الشرط، ويجوز أن لا يقدر المضاف فتكون الجملة الشرطية معطوفة على قوله (أُحِلَّ لَكُمُ). اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: لا يحتاج على الشرطية إلى حذف المضاف وإن نقل عن صاحب الكشاف أنه قال: تقدير المضاف لا يبطل كون (ما) شرطية لأن المضاف إلى الاسم الشرطي في حكم المضاف إليه تقول: غلام من تضرب أضرب. اهـ
قوله: (ومضريها بالصيد).
قال الطيبي: التضرية: الإغراء.
في الأساس: سبع ضاري، وقد ضري بالصيد ضرواة، وأضرى الصائد الكلب والجارح، ومن المجاز: ضرى فلان بكذا، وعلى كذا: إذا لهج به، وأضريته وضريته وضريت
стр. 1163
عليه. اهـ
قوله: (مشتق من الكلب لأن التأديب يكون أكثر فيه أو لأن كل سبع يسمى كلباً).
قال أبو حيان: لا يصح هذا الاشتقاق لأن كون الأسد هو وصف فيه، والتكليب من صفة المعلم، والجوارح هي سباع بنفسها وكلاب بنفسها لا بجعل المعلم. اهـ
قال الحلبي: ولا طائل تحت هذا الرد. اهـ
قوله: (لقوله ﵊: اللهم سلط عليه كلباً من كلابك).
زاد في الكشاف: فأكله الأسد.
قال الطَّيبي: الحديث موضوع.
قلت: معاذ الله بل صحيح أخرجه الحاكم في المستدرك من حديث أبي نوفل ابن أبي عقرب عن أبيه قال: كان لهب ابن أبي لهب يسب النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : اللهم سلط عليه كلبك، فخرج في قافلة يريد الشام فنزلوا منزلاً فقال: إني أخاف دعوة محمد، فحطوا متاعه حوله وقعدوا يحرسونه فجاء الأسد فانتزعه منهم فذهب.
قال الحاكم: صحيح الإسناد.
قوله: ((تُعَلِّمُونَهُنَّ) حال ثانية).
قال الطَّيبي: دلت الحال الأولى على أن معلِم الكلب ينبغي أن يكون مدرباً في تلك الصنعة يعلم لطائف الحيل وطرق التأديب فيها، ولا شك أن ذلك لا يتم إلا بالإلهام والعقل الذي منحه الله تعالى، والحال الثانية على أنه ينبغي أن يكون فقيهاً عالماً بالشرائط المعتبرة في الشرع من اتباع الصيد بإرسال صاحبه وانزجاره بزجره وانصرافه بدعائه وإمساك الصيد عليه وأن لا يأكل منه، وفيه إدماج لتلك الفائدة
стр. 1164
الجليلة التي ذكرها مع الإشارة إلى العالم وإن كان أوحدياً متبحراً في العلوم ينبغي أن لِكون محدثاً ملهماً من عند الله، مجانباً مضارب علمه عن كدورة الهوى ولوث النفس الأمارة، مستعداً لفيضان العلوم الدينية، مقتبساً من مشكاة الأنوار النبوية. اهـ
قوله: (أو استئناف).
زاد أبو حيان: على تقدير أن لا تكون (ما) شرطية إلا إن كانت اعتراضاً بين الشرط وجوابه. اهـ
قوله: (أو مما علمكم الله أن تعلموه من اتباع الصيد).
قال الطَّيبي: (أن تعلموه) مفعول ثان لقوله (مما علمكم الله)، والضمير المنصوب في (تعلموه) عائد إلى (ما) والمفعول الثاني محذوف أي: مما علمكم الله أن تعلموه الكلب، وقوله (من اتباع) بيان (ما). اهـ
قوله: (لقوله ﵊ لعدي بن حاتم: وإن أكل منه فلا تأكل إنما أمسك على نفسه).
أخرجه الأئمة الستة من حديثه.
قوله: (وقال بعضهم: لا يشترط ذلك في سباع الطير لأن تأديبها إلى هذا الحد متعذر).
هو رأي إمام الحرمين.
قوله: (الضمير لما علمتم ... ) إلى آخره.
قال أبو حيان: الظاهر عوده إلى المصدر المفهوم من (فَكُلُوا) أي على الأكل. اهـ
قوله: (واستثنى عليٌّ نصارى بني تغلب).
أخرجه عبد الرزاق من طريق إبراهيم النخعي عن عليٍّ أنه كان يكره ذبائح نصارى
стр. 1165
بني تغلب ونسائهم ويقول هم من العرب.
وروى الشافعي بإسناد صحيح عن علي قال: لا تأكلوا ذبائح نصارى بني تغلب.
قوله: (لقوله ﵊: سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم).
أخرجه مالك في الموطأ والشافعي عنه عن جعفر بن أبيه عن عمر أنه قال: ما أدري ما أصنع في أمرهم (يعني المجوس)؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت من رسول الله ﷺ يقول: سنوا بهم سنة أهل الكتاب.
قال مالك: يعني في الجزية.
ولم يذكر فيه الجملة الأخيرة.
وروى عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي من طريق الحسن بن محمد بن علي قال: كتب رسول الله ﷺ إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام فمن أسلم قبل ومن أصر ضربت عليه الجزية على أن لا تؤكل لهم ذبيحة ولا تنكح لهم امرأة.
وفي رواية عبد الرزاق: غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم.
وهو مرسل وفي إسناده قيس بن الربيع وهو ضعيف.
قال البيهقي: وإجماع أكثر المسلمين عليه يؤكده.
قوله: (وقال ابن عباس: لا يحل الحربيات).
قوله: (يريد بالإيمان شرائع الإسلام).
زاد الكشاف: لأنَّ الكفر بالمُؤْمَن به لا بالإيمان نفسه.
قال الطَّيبي والشيخ سعد الدين: فهو كالتذييل لقوله (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) تعظيماً لشأن الإحلال والتحريم، وتحريضاً على المحافظة عليها، وتغليظاً على المخالفة.
стр. 1166
قوله: (إذا أردتم القيام ... ) إلى آخره.
قال الشيخ سعد الدين: لا خفاء ولا خلاف في أنه ليس المراد وجوب الوضوء في الصلاة حال القيام إلى الصلاة، ولأنه إذا أريد به مباشرة الصلاة فقط عقب القيام لزم في أن يكون الوضوء في الصلاة أو بعدها، وإن أريد القيام المنتهي إلى الصلاة أو متوجهاً إليها لزم أن يكون الوضوء متصلاً بالصلاة بعد القيام فلا يتمكن من الصلاة قط، فجعل القيام مجازاً عن إرادته بعلاقة كونه مسبباً عنها أو عن قصد الصلاة وإرادتها بعلاقة كونه من لوازم التوجه إلى الصلاة فعبر عن لازم الشيء بالقيام إليه والتوجه، فيكون من إطلاق أحد لازمي الشيء على لازمه الآخر لا من إطلاق اسم الملزوم على لازمه أو المسبب على سببه بناء على أنَّ إرادة الشيء لازم له وسبب. اهـ
قوله: (وإذا قصدتم الصلاة ... ).
قال الطَّيبي: قيل في الفرق إنَّ المعنى على الأول: إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وعلى هذا: إذا أردتم الصلاة وقصدتموها، وفيه نظر لأنَّ الإرادة هي القصد المخصوص ويجاب بأن المراد من القصد مطلق الميل من غير الداعية الخالصة التي تستلزم النية، وأيضاً يفهم من إرادة القيام إلى الصلاة الأخذ في مقدماتها وشرائطها ومن ثم عقبها بقوله (فاغسلوا) وليس كذلك القصد إلى مطلق الصلاة، والأول أوجه. اهـ
قوله: (وظاهر الآية توجب الوضوء على كل قائم).
قال الشيخ سعد الدين: نظر إلى عموم (الَّذِينَ آمَنُوا) من غير اختصاص المحدِثين وإن لم يكن في اللفظ دلالة على تكرار الفعل وإنما ذلك من خارج. اهـ
قوله: (والإجماع على خلافه لما روي أنه ﵊ صلى الخمس بوضوء واحد يوم الفتح ... ) الحديث.
أخرجه مسلم والأربعة من حديث بريدة.
стр. 1167
قوله: (فقيل: مطلق أريد به التقييد، والمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة محدِثين).
قال الشيخ سعد الدين: بقرينة دلالة الحال، واشتراط الحدث في البدل أعني التيمم.
قال: وهذا أولى مما يقال إن الخطاب على عمومه لكن خص بحال الحدث كأنه قيل: وأنتم محدثون، وذلك لأنه لا دلالة في اللفظ على عموم الأحوال ليخص بالبعض. اهـ
قوله: (وقيل: الأمر فيه للندب).
زاد في الكشاف: ويفهم الوجوب للمحدث من السنة.
قال الشيخ سعد الدين: وهذا بعيد جداً لما فيه من مخالفة ظاهر كون الأمر المطلق للإيجاب، وإطباق العلماء على أن وجوب الوضوء مستفاد من الآية، مع الافتقار إلى تخصيص الخطاب بغير المحدِثين من غير دليل ضرورة أنه لا ندب بالنسبة إلى المحدث، فالوجه هو الأول. اهـ
قال الطَّيبي: قال صاحب الفرائد: لا يجوز أن يكون للندب لأنَّ الإجماع منعقد على أنَّ الوضوء للصلاة فرض، ولأنَّ الأمر للوجوب إلا لمانع.
قال: وأما الجواب عن السؤال الذي في الكشاف فهو أن يقال: تقدير الآية: وأنتم محدثون لوجهين: أحدهما أنه يستحيل بدون هذا التقدير أن يتفصى المكلف عن عهدة التكليف لأنه إذا أراد القيام إلى الصلاة وجب عليه أن يتوضأ، فإذا توضأ وأراد القيام إلى الصلاة وجب عليه مرة أخرى أن يتوضأ وهلم جرا.
وثانيهما: أنَّ التيمم بدل من الوضوء لقوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) والبدل لا يمكن أن يكون مخالفاً للمبدل منه في السبب وإلا لا يكون البدل بدلاً، فلما كان موجب التيمم عند عدم الماء حالة الحدث كان كذلك في الوضوء لأنه إما سبب أو شرط. اهـ
قوله: (وقيل: كان ذلك أول الأمر ثم نسخ، وهو ضعيف).
قال الشيخ سعد الدين: من جهة أنه لا يظهر له ناسخ من الكتاب والسنة المتواترة. اهـ
وأقول: روى الإمام أحمد وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والحاكم في المستدرك والبيهقي عن عبد الله بن حنظلة ابن الغسيل أن رسول الله ﷺ -
стр. 1168
أمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً كان أو غير طاهر فلما شق ذلك على رسول الله ﷺ أمر بالسواك عند كل صلاة ووضع عنه الوضوء إلا من حدث.
قوله: (لقوله ﵊: المائدة آخر القرآن نزولاً فأحلوا حلاها وحرموا حرامها).
رواه أحمد والحاكم وصححه عن عائشة موقوفاً.
قال الشيخ ولي الدين العراقي: لم أجده مرفوعاً.
قوله: (لأنه ﵊ مسح على ناصيته).
أخرجه مسلم من حديث المغيرة بن شعبة.
قوله: (وجره الباقون على الجوار ... ) إلى آخره.
المعروف في النحو اختصاص الجر على الجوار بالنعت والتأكيد، وأنه في العطف ضعيف، وقد نبه عليه أبو حيان.
وقال ابن الحاجب: الخفض على الجوار ليس بجيد إذ لم يأت في الكلام الفصيح وإنما هو شاذ في كلام من لا يؤبه له من العرب.
لكن قال أبو البقاء في إعرابه: (وَحُورٍ عِينٍ) -على قراءة من جر- معطوف على قوله (بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ) والمعنى مختلف إذ ليس المعنى: يطوف عليهم ولدان مخلدون بحور عين، والجوار مشهور عندهم في الإعراب والصفات وقلب الحروف والتأنيث.
стр. 1169
فمن الإعراب ما ذكر، ومن الصفات قوله (فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ) وإنما العاصف الريح، ومن قلب الحروف: إنه ليأتينا بالغدايا والعشايا، ومن التأنيث: ذهبت بعض أصابعه، ومنه قولهم: قامت هند، ولم يجيزوا حذف التاء إذا لم يفصل بينهما فإن فصلوا أجازوا ولا فرق بينهما إلا المجاورة وعدمها. اهـ
وقال الطيبي: يمكن أن يجاب عن قول ابن الحاجب بأن العطف على الجوار إنما يكون محذوراً إذا وقع الإلباس، وأما إذا انتهضت القرينة على توخي المراد وارتفع بها اللبس فلا بأس، كما أنه تعالى لما عطف الأرجل على الرءوس وأوهم الكلام اشتراكاً في المسح استدرك ذلك بضرب الغاية في الأرجل ليؤذن أن حكمها حكم المغسولة مع رعاية الاقتصاد في صب الماء.
قال: وحمل الزجاج الجر على غير الجوار فقال: (وَأَرْجُلَكُمْ) بالخفض على معنى فاغسلوا، لأن قوله (إِلَى الْكَعْبَيْنِ) قد دل عليه لأن التحديد يفيد الغسل كما في قوله (إِلَى الْمَرَافِقِ) ولو أريد المسح لم يحتج إلى التحديد كما قال في الرءوس (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) من غير تحديد، وتنسيق الغسل على المسح كما قال الشاعر:
يا ليت بعلك قد غدا ... متقلداً سيفاً ورمحاً
أي متقلداً سيفاً وحاملاً رمحاً.
واختار صاحب الانتصاف هذا الوجه، وكذا ابن الحاجب في الأمالي ورد الأول قال: هذا الأسلوب أي عطف (وَأَرْجُلَكُمْ) على (بِرُءُوسِكُمْ) مع إرادة كونه مغسولاً من باب الاستغناء بأحد الفعلين عن الآخر، والعرب إذا اجتمع فعلان متقاربان في المعنى ولكل واحد متعلق جوزت ذكر أحد الفعلين وعطف متعلق المحذوف على المذكور على حسب ما يقتضيه لفظه حتى كأنه شريكه في أصل الفعل كقوله: علفتها تبناً وماءً بارداً
قال الطَّيبي: وهذا الوجه والعطف على الجوار متقاربان في المعنى، لأن صاحب المعاني إذا سئل عن فائدة إضمار قوله: (حاملاً) والاكتفاء بقوله (متقلداً) دون
стр. 1170
العكس لا بد أن يزيد على فائدة الإيجاز بأن يقول: إن الرمح صار في عدم الكلفة في حمله كالسيف، لا سيما إذا ورد مثل هذا التركيب في الكلام الحكيم ، وهنا مرادف منه وذلك أنه تعالى لما بين حد الأيدي راعى المطابقة بين الأيدي والمرافق بالجمع، وحين بين حد الأرجل وضع التثنية موضع الجمع، وأنت قد عرفت أن البلغاء إنما يعدلون عن مقتضى الظاهر إلى خلافه لنكته، والنكتة هاهنا: أنه تعالى لما قرن الأرجل مع الرأس الممسوح اهتم بشأنه وأخرجه هذا المخرج لئلا يتوهم متوهم أنَّ حكمه حكم الممسوح بخلاف المرفقين كأنه قيل: يا أمة محمد اغسلوا أيديكم إلى المرافق ويعمد كل واحد منكم إلى غسل ما يشمل الكعبين من الرجْل الواحدة. اهـ
قلت: وأحسن ما قيل في الآية أنه معطوف على الممسوح لإفادة مسح الخف، كما أفادت قراءة النصب غسل الرجلين المتجردة منه، فتكون كل قراءة أفادت حكماً مستقلاً، ومن ذهب من العلماء إلى أنه يخير في الرجل بين الغسل والمسح فلا إشكال، ويمكن أن يدعي لغيرهم أن ذلك كان مشروعاً أولاً ثم نسخ بتعين الغسل وبقيت القراءتان ثابتتين في الرسم كما نسخ التخيير بين الصوم والفدية بتعيين الصوم وبقي رسم ذلك ثابتاً.
قوله: (وقرئ بالرفع على وأرجلكم مغسولة).
قال الطَّيبي: دل على الإضمار قوله (فاغسلوا).
قال: ولا شك أن تغيير الجملة من الفعلية إلى الاسمية وحذف خبرها يدل على إرادة ثبوتها وظهورها وأن مضمونها مسلم الحكم ثابت لا يلتبس، وإنما يكون كذلك إذا جعلت القرينة ما علم من منطوق القراءتين ومفهومهما. اهـ
قوله: (أو ليتم برخصه إنعامه عليكم بعزائمه).
قال الطَّيبي: المعنى جعل الله تعالى نعمة الرخصة تتميماً لنعمة العزائم، ثم تمم بهما نعمة الإسلام وتخلص إلى قوله تعالى (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ). اهـ
قوله: (حين بايعهم رسول الله ﷺ على السمع والطاعة فى العسر واليسر والمنشط
والمكره).
стр. 1171
أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبادة ابن الصامت.
قال في النهاية: المنشط: مفعل من النشاط وهو الأمر الذي تنشط له وتؤثر فعله، وهو مصدر بمعنى النشاط. اهـ
قال ابن الجوزي: كانت هذه المبايعة في العقبة الثانية في سنة ثلاث عشرة من النبوة، وأما العقبة الأولى ففي سنة إحدى عشرة. اهـ
قوله: (أي العدل أقرب إلى التقوى).
قال الراغب: إن قيل كيف قال (أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) و (أفعل) إنما يقال في شيئين اشتركا في أمر واحد لأحدهما مزية، وقد علمنا أن لا شيء من التقوى ومن فعل الخير إلا وهو من جملة العدالة؟ قيل: إن (أفعْل) وإن كان كما ذكرت فقد يستعمل على تقدير بناء الكلام على اعتقاد المخاطب في الشيء في نفسه قطعاً لكلامه وإظهاراً لتبكيته، فيقال لمن اعتقد مثلاً في زيدٍ فضلاً وإن لم يكن فيه فضل ولكن لا يمكنه أن ينكر أن عمراً أفضل منه: أخدم عمروا فهو أفضل من زيد، وعلى ذلك قوله تعالى (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) وقد علم أن لا خير فيما يشركون. اهـ
قوله: (فإن الوعد ضرب من القول).
قال الزجاج: وَعَدَ بمنزلة قال، لأن الوعد لا ينعقد إلا بالقول. اهـ
وقال السفاقسي: إجراء وعد مجرى قال مذهب الكوفيين لا البصريين، لأنه لا تحكى الجمل عندهم إلا بصريح القول. اهـ
قوله: (روي أن المشركين رأوا رسول الله ﷺ وأصحابه بعسفان ... ) الحديث.
أخرجه مسلم من حديث جابر، والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة، وابن
стр. 1172
جرير من حديث ابن عباس.
قوله: (روي أنه ﵊: أتى قريظة ... ) الحديث.
أخرجه أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس، وأخرجه ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل عن يزيد بن رومان والذي في روايتهم أن للمقتولين عهداً بأنهما كانا مسلمين وأن الخروج إلى بني النضير لا إلى قريظة.
قوله: (وقيل نزل رسول الله ﷺ منزلاً وعلق سلاحه ... ) الحديث.
أخرجه الشيخان من حديث جابر.
قوله: (يقال بسط إليه يده: إذا بطش به، وبسط إليه لسانه: إذا شتمه).
قال الشيخ سعد الدين: أصل البسط فيهما المد، وإنما البطش والشتم حاصل المعنى فلا يكون (وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ) من الجمع بين المعنيين المختلفين للفظ واحد.
قوله: (ينقب عن أحوال قومه) .
قال الزجاج: النقب الطريق في الجبل، وإنما قيل نقيب لأنه يعلم دخيلة أمر القوم ويعلم مناقبهم، وهو الطريق إلى معرفة أمورهم.
ويقال فلان حسن النقيبة: أي جميل الخليقة، وهذا الباب كله معناه التأثير في الشيء الذي له عمق، ومن ذلك نقبت الحائط: أي بلغت في النقب إلى آخره. اهـ
قوله: (روي أن بنى إسرائيل لما فرغوا ... ) إلى آخره.
أخرجه ابن جرير عن السدي نحوه.
стр. 1173
قوله: (وأصله الذب).
قال الزجاج: (عَزَّرْتُمُوهُم): نصرتموهم، لأن العزر في اللغة: الرد، وعزرت فلاناً: أدبته، معناه: فعلت به ما يردعه عن القبيح، كما أن نكلت به معناه: فعلت به ما يجب أن ينكل معه عن المعاودة، والناصر يرد عن صاحبه عداه، وهو يستلزم التعظيم والتوقير، ومن فسر التعزير بالتعظيم أراد هذا. اهـ
قال الطَّيبي: فهو حقيقة في الرد والمنع، وكناية عن التعظيم والنصرة.
وقال الراغب: التعزير: النصرة مع التعظيم قال تعالى (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ)، والتعزير: ضربٌ دون الحد وذلك يرجع إلى الأول وأنه تأديب، والتأديب نصرةٌ ما، لكن الأول: نصرة بقمع العدو عنه، والثاني: نصره بقهره عن عدوه، فإن أفعال الشر عدو للإنسان فمتى قمعته عنها فقد نصرته، وعلى هذا قوله ﷺ : أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً.
فقال: انصره مظلوماً فكيف أنصره ظالماً؟ قال: تكفه عن الظلم. اهـ
قوله: (ومنه التعزير).
قال في الكشاف: التعزير والتأديب من واد واحد. اهـ
قال الشيخ سعد الدين: لاشتراكهما في معنى التأكيد والتقوية، وفي أكثر الحروف مع قرب مخرجي العين والهمزة. اهـ
قوله: (جواب للقسم المدلول عيه باللام فى لئن ساد مسد جواب الشرط).
قال أبو حيان: ليس كما ذكر، لا يسد (لَأُكَفِّرَنَّ) مسدهما، بل هو جواب للقسم فقط وجواب الشرط محذوف. اهـ
وقال الحلبي: إذا اجتمع قسم وشرط أجيب سابقهما إلا أن يتقدم ذو خبر فيجاب الشرط مطلقاً، وقوله (لَأُكَفِّرَنَّ) هذه اللام هي جواب القسم لسبقه وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، وهذا معنى كلام الكشاف لا كما فهمه أبو حيان
стр. 1174
ورده عليه. اهـ
قوله: (بعد ذلك الشرط المؤكد المعلق به الوعد العظيم).
عبارة الكشاف: المعلق بالوعد العظيم.
وقد أورد عليها أنَّ الوعد بتكفير السيئات وإدخال الجنات جزاء للشرط، والجزاء هو المتعلق بالشرط لا الشرط بالجزاء، فالعبارة مقلوبة فلذلك أصلحها المصنف.
وقال الطَّيبي: انظر إليهم كم خبطوا في الحواشي وكادوا يضلون كثيراً بعد أن ضلوا لولا أن الله تعالى أعطى القوس باريها، والحق أن الوعد العظيم في كلام الكشاف هو قوله (إِنِّي مَعَكُمْ) وأي وعد أعظم من ذلك لأنه مشتمل على جميع ما يصح فيه الوعد من النصرة وتكفر الذنوب وإدخال الجنة والغفران والرضوان والروية وغيرها، وتعلق الشرط به -وهو قوله تعالى (لَئِنْ أَقَمْتُمُ ... ) إلى آخره- من حيث المعنى كما تقول لصاحبك: أنا مُعنى في حقك جداً إن خدمتني لم أضيع سعيك، أفعل بك وأصنع بك كيت وكيت، فالشرط مع الجزاء مقرر لمعنى الجملة الأولى. اهـ
قوله: (وتركوا نصيباً وافياً)
يشير إلى أن التنكير في (حظاً) للتعظيم، قاله الطَّيبي.
قوله: (روي عن ابن مسعود قال: ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية).
أخرجه أحمد بن حنبل في الزهد نحوه، ولفظه: إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها.
قوله: (خيانة)
أي فيكون مصدراً كالعاقبة.
قال أبو حيان: ويدل على ذلك قراءة الأعمش (على خيانة). اهـ
стр. 1175
قوله: (وإنما قالوا إنا نصارى ... ).
قال الطَّيبي: يعني ما فائدة العدول من النصارى إلى الإطناب؟
وحاصل الجواب: أنه إنما عدل لتصور تلك الحالة في ذهن السامع، وتقرر عندهم أنهم ادعوا نصرة دين الله تعالى ونحوه قوله تعالى (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا) عدل عن اسمها زيادةً لتقرير المراودة. اهـ
في الانتصاف: لما كان المقصود من هذه الآية ذمهم بنقض الميثاق المأخوذ عليهم بنصرة الله أتى بما يدل على أنَّهم لم يوفوا بما عاهدوا عليه من النصرة، فحاصل ما صدر منهم قول بلا فعل. اهـ
قوله: (يعني القرآن فإنه الكاشف لظلمات الشك والضلال).
تعليل لتسمية القرآن بالنور، قاله الطَّيبي.
قوله (والكتاب الواضح الإعجاز).
تعليل لوصفه بالمبين على أنه من بَانَ الشيء، قاله الطيبي.
قوله: (وقيل يريد بالنور محمد ﷺ
هو اختيار الزجاج.
قال الطَّيبي: والأول أوفق لتكرير قوله (قد جاءكم) بغير عاطف فعلق به أولاً وصف الرسول وثانياً: وصف الكتاب.
قال: وأحسن منه ما سلكه الراغب حيث قال: بين في الآية الأولى والثانية النعم الثلاث التي خص بها العباد وهي النبوة والعقل والكتاب، وذكر في الآية الثالثة ثلاثة أحكام يرجع كل واحد إلى نعمة مما تقدم، فقوله تعالى (يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ) يرجع إلى قوله تعالى (قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا) أي يهدي بالبيان إلى طريق السلام من اتبعه، وقرئ مرضاة الله، وقوله (وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ) يرجع إلى قوله تعالى (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ)، وقوله (وَيَهْدِيهِمْ إِلَى
стр. 1176
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) يرجع إلى قوله (وَكِتَابٌ مُبِينٌ) كقوله (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ). اهـ
قوله: (أو سبل الله).
قال الشيخ سعد الدين: على أن يكون السلام من أسماء الله تعالى وضع موضع المضمر رداً على اليهود والنصارى القائلين باتصافه بنقيصة شبه المخلوقين. اهـ
قوله: (فمن يمنع من قدرته ... ).
قال الشيخ سعد الدين: ظاهره أن (يَملِك) مجاز عن يمنع أو متضمن معناه، و (مِنَ اللهِ) متعلق به على حذف المضاف، لكن ذكر في الكشاف في سورة الأحقاف في قوله تعالى (فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئًا) [فلا تقدرون على كفه عن معاجلتي، ولا تطيقون دفع شيء من عقابه، ثم قال ومثله (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا)] وحقيقته: فمن يستطيع إمساك شيء من قدرة الله تعالى إن أراد أن يهلكه الله تعالى وإن لم يستطع إمساكه ودفعه عنهم فلن يمنعهم منه، فلذا أفسره بالمنع أخذاً بالحاصل، وحقيقة الملك: الضبط والحفظ عن حزم، تقول: ملكت الشيء إذا دخل تحت حفظك دخولاً تاماً، ولن أملك رأس البعير إذا لم تستطعه. اهـ
قوله: (كما قيل لأشياع ابن الزبير الخبيبون لأنه كان يكنى أبا خبيب باسم ابنه خبيب).
قال الشاعر: قدني من نصر الخبيبين قدى.
روى بلفظ التثنية يريد ابن الزبير وابنه، وبلفظ الجمع قال ابن السكيت: يريد أبا خبيب ومن كان على رأيه.
قال ابن المنير: ومنه قول الملائكة لأنهم خواص عباد الله تعالى (إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) إلى أن قالوا (إِلاّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ)
стр. 1177
والمقدر هو الله تعالى، وكذلك قول دابة الأرض لأنَّها من خواص آيات الله (أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ). اهـ
قوله: (على حين فتور).
قال الشيخ سعد الدين: يشير إلى أن يعلق بـ (جاءكم) تعلق الظرفية كما في قوله (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ)، وهذا أولى من جعله حالاً من ضمير (يُبَيِّنُ) على ما لا يحفى. اهـ
وزاد أبو البقاء أنه حال من الضمير المجرور في (لَكُم)، و (مِنَ الرُّسُلِ) نعت لـ (فَترَة).
قوله: (كراهة أن تقولوا).
قال الشيخ سعد الدين: يشير إلى أنه في موقع المفعول له، ولو لم يقدر المضاف جاز حذف اللام بلا تأويل لكن لا بد من تقدير لا، أي: لئلا يقولوا. اهـ
قولة: ((فقد جاءكم) متعلق بمحذوف).
قال الشيخ سعد الدين في فاء الفصيحة: إنَّها تفصح عن المحذوف، وتفيد بيان سببه كالتي تذكر بعد الأوامر والنواهي بياناً لسبب الطلب، لكن كمال حسنها وفصاحتها أن تكون مبنية على التقدير، منبئة عن المحذوف، بخلاف قولك: اعبد ربك فالعبادة حق له، ومبنى الفاء الفصيحة على الحذف اللازم بحيث لو ذكر لم تكن تلك الفصيحة، وتختلف العبارة في تقدير المحذوف، فتارة أمراً ونهياً كما في هذه الآية، وتارةً شرطاً كما في قوله تعالى (فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ)، وتارة معطوفاً عليه كما في قوله (فَانفَجَرَتْ)، وقد يصار إلى تقدير القول كما ذكر في قوله (فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ). اهـ
стр. 1178
(فائدة): قال الطيبي: يناسب هذا المقام ما قال الإمام في المعالم أن عند مقدم النبي ﷺ كان العالم مملوءاً من الكفر والضلالة، أما اليهود فكانوا في المذاهب الباطلة من التشبيه والافتراء على الأنبياء وتحريف التوراة، وأما النصارى فقد قالوا بالتثليث والأب والابن والحلول والاتحاد، وأما المجوس فأثبتوا إلهين، وأما العرب فانهمكوا في عبادة الأصنام والفساد في الأرض، فلما بعث محمد ﷺ انقلبت الدنيا من الباطل إلى الحق ومن الظلمة إلى النور، وانطلقت الألسن بتوحيد الله، واستنارت العقول بمعرفة الله، ورجع الخلق من حب الدنيا إلى حب المولى. اهـ
قوله: (وقيل لما كانوا مملوكين ... ) إلى آخره.
قال الشيخ سعد الدين: فيكون المجاز في لفظ الملوك، وعلى الأول في الإثبات للكل وإنما كان للبعض. اهـ
قوله: (وقيل المراد بـ (العالمين) عالمي زمانهم).
قال الطَّيبي: يعني إن جعلت العالمين عاما وجب تخصيص (ما) لئلا يلزم أنَّهم أوتوا ما لم تؤت هذه الأمة من الكرامة والفضل وغير ذلك، وإن خصصته بعالمي زمانهم فـ (ما) باقية على عمومها إذ لا محذور. اهـ
قوله: (ورفعه عطفاً على الضمير في (لا أملك)).
زاد في الكشاف: وجاز للفصل.
قال أبو حيان: يلزم من ذلك أن موسى وهارون لا يملكان إلا نفس موسى فقط، وليس المعنى على ذلك بل على إن موسى يملك أمر نفسه وأمر أخيه فقط.
قال الحلبي: هذا الرد ليس بشيء لأن القائل بهذا الوجه صرح بتقدير المفعول بعد الفاعل المعطوف، وأيضاً اللبس مأمون فإن كل أحد يتبادر إلى ذهنه أنه يملك أمر نفسه. اهـ
وقال السفاقسي: أراد بعطفه على الضمير المستكن أنه بتقدير فعل، فيكون من جملة فعلية، أي: ولا يملك أخي إلا نفسه، فلا يلزم ما ذكر. اهـ
стр. 1179
[وقال ابن هشام في شرح الشذور: في هذا الإعراب نظر، لأن المضارع المبدوء بالهمزة لا يرفع الاسم الظاهر، لا تقول: أقوم زيد، فكذلك لا يجوز أن يعطف الاسم الظاهر على الاسم المرفوع به. اهـ
قلت: يجاب عن هذا بأنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل.]
قوله: (عامل الظرف).
قال الطيبي: أي أربعين سنة إما محرمة (وإما يتيهون) فيكون التحريم مؤقتاً. اهـ قال الزجاج: نصبه بـ (محرمة) خطأ، لأنه جاء في التفسير أنَّها محرمة عليهم أبداً، فنصبه بـ (يتيهون). اهـ
قوله: (أو بدل على حذف مضاف، أي أتل عليهم نبأهما نبأ ذلك الوقت).
قال أبو حيان: هذا ممنوع لأن (إذ) لا يضاف إليها إلا الزمان، و (نبأ) ليس بزمان. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: إنما قدر المضاف ليصح كونه متلواً، وإلا فمجرد الظرفية كاف في الإبدال لحصول الملابسة. اهـ
قوله: (قال ﵊: كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل).
أخرجه بهذا اللفظ ابن سعد في الطبقات من حديث خباب ابن الأرت.
قوله: (وإنما قال (بباسط) فى جواب لأن بسطت ... ) إلى آخره.
في الكشاف: فإن قلت لم جاء الشرط بلفظ الفعل، والجزاء بلفظ اسم الفاعل؟ قلت: ليفيد أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع، ولذلك أكده بالباء المؤكدة للنفى. اهـ
стр. 1180
قال الطَّيبي: أي لا أفعل فعلاً يشتق منه هذا الوصف بأن يقال مثلاً: هو باسط اليد فإن الفعل الصادر عن الشخص ملزوم كونه فاعلاً، فإذا انتفى اللازم لينتفى الملزوم على الكناية كان أبلغ وأدل على شناعة الفعل. اهـ
في الانتصاف: صيغة الفعل لا تعطي إلا حدوث معناه من الفاعل لا غير، وأما اتصاف الذات به فذلك أمر يعطيه اسم الفاعل، تقول: قام زيد فهو قائم، تجعل اتصافه بالفعل ناشئاً عن صدوره، ومنه (لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ) (لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) عدل عن الفعل إلى الاسم تغليظاً، إذ يصير ذلك كالسمة والعلامة الثابتة. اهـ
قال أبو حيان: قوله (مَا أَنَا بِبَاسِطٍ) ليعر جزاءً للشرط بل هو جواب للقسم المحذوف قبل اللام في (لَئِنْ)، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه. اهـ
(قال السفاقسي: إنَّ مراد الزمخشري أنه جواب الشرط في المعنى لأنه دال عليه) لا من حيث الصناعة، وكثيراً ما يتكلم الزمخشري من حيث ما يعطيه المعنى. اهـ
وكذا قال الحلبي.
وقال الطيبي: في التركيب تأكيدٌ ومبالغةٌ، لأن اللام في (لَئِنْ) موطئة للقسم و (مَا أَنَا بِبَاسِطٍ) جواب القسم ساد مسد جواب الشرط. اهـ
قوله: (الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالا فَعَلَى الْبَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ).
أخرجة مسلم من حديث أبي هريرة.
قال الطَّيبي: (الْمُسْتَبَّانِ) مبتدأ وقوله (مَا قَالا فَعَلَى الْبَادِئِ) جملة شرطية خبر له، و (ما) في قوله (مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ) مصدرية فيها معنى المدة، وهي ظرف لمتعلق
стр. 1181
الجار والمجرور الذي هو خبر المبتدأ، المعنى: الْمُسْتَبَّانِ الذي قالا فيه استقر ضرورة على الذي بدأ بالسب مدة عدم اعتداء المظلوم، أي ما لم يجاوز المظلوم حد ما سبه البادئ، فإذا جاوز استقر ضرر ما قالاه عليهما معاً. اهـ
قوله: (وقيل معنى بإثمي ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: هنا معنى آخر رواه محي السنة عن مجاهد: أني أريد أن تكون عليك خطيئتي التي عملتها إذا قتلتني وإثمك فتبوء بخطيئتي ودمي جميعاً. اهـ
قوله: (و (له) لزيادة الربط).
قال أبو حيان: يعني أنه لو جاء: فطوعت نفسه قتل أخيه، لكان كلاماً جارياً على كلام العرب، وإنما جيء به على سبيل زيادة الربط للكلام، إذ الربط يحصل بدونه كما أنك لو قلت: حفظت مال زيد، كان كلاماً تاماً. اهـ
قوله: (عقبة حِراءٍ).
(بكسر الحاء) والمد والتنوين.
قوله: (روي أنه لما قتله تحير في أمره ... ) إلى آخره.
أخرجه عبد بن حميد عن عطية العوفي.
قوله: ((فَأُوَارِيَ) عطف على (أكون) وليس جواب الاستفهام ... ) إلى آخره.
يشير إلى الرد على صاحب الكشاف حيث جعله منصوباً على جواب الاستفهام.
قال أبو حيان: هذا خطأ فاحش، لأن الفاء الواقعة جواب للاستفهام تنعقد من الجملة الاستفهامية، والجواب شرط وجزاء، وهنا (لا تنعقد)، تقول: أتزورني فأكرمك، والمعنى: إن تزرني أكرمك، وقال تعالى (فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا)، ولو قلت هنا: أن أعجز أن أكون مثل هذا الغراب أواري سوءة أخي لم يصح، لأن المواراة لا تترتب على عجزه. اهـ
стр. 1182
وسبقه إلى ذلك أبو البقاء، وتابعه ابن هشام والحلبي والسفاقسي.
وقال الشيخ سعد الدين: الظاهر هو العطف على (أكُون)، لا جواب الاستفهام إذ من شرطه كون الأول سبباً للثاني، والعجز لا يصلح سبباً للمواراة، ولا يصح: أن عجزت واريت. اهـ
قوله: (أو على تسكين المنصوب تخفيفاً).
قال أبو حيان: الفتحة لا تستثقل حتى تحذف تخفيفاً، وتسكين المنصوب عند النحويين ليس بلغة كما زعم ابن عطية، وليس بجائز إلا في الضرورة فلا تحمل القراءة عليها إذا وجد حملها على وجه صحيح، وقد وجد وهو في الاستئناف، أي: فأنا أواري. اهـ
وقال الطَّيبي: قال المبرد هذا من الضرورات الحسنة التي يجوز مثلها في النثر. اهـ
قوله: (روي أنه لما قتله أسود جسده).
قوله: (أي: مفسدين).
يعني أنَّ (فسادا) نصب على الحال بجعله في معنى اسم الفاعل.
قوله: (وفي الحديث (الوسيلة منزلة في الجنة)).
أخرجه مسلم.
قوله: (واللام متعلقة بمحذوف تستدعيه (لو) ... ) إلى آخره.
وهو على رأي الزمخشري من أنَّ (أنَّ) إذا وقعت بعد (لو) كانت فاعلاً يثبت مقدراً، وهو خلاف مذهب سيبويه.
ولذا قال أبو حيان: أن اللام متعلقة بما تعلق به خبر (أنَّ) وهو (لهم).
قوله: (أو لأن الواو فى (ومثله) بمعنى مع).
قال أبو حيان: هذا ليس بشيء لأنه يصير التقدير: مع مثله معه، وإذا كان ما في
стр. 1183
الأرض مع مثله (كان مثله) معه ضرورةً، فلا فائدة في ذكره معه لملازمة معية كل منهما للآخر. اهـ
وأجاب الطَّيبي بأنَّ (مَعَهُ) على هذا تأكيد.
وقال السفاقسي: جوابه أنَّ التقدير ليس كالتصريح، والواو مضمنة معنى مع، وإنما يقبح لو صرح بمعنى مع، وكثيراً ما يكون التقدير بخلاف التصريح كقولهم: رب شاة وسخلتها، لم يجز. اهـ
وقال الحلبي: قد يجاب بأنَّ الضمير في (مَعَهُ) عائد على (مِثلَهُ)، ويصير المعنى مع مثلين، وهو أبلغ من أن يكون مع مثل واحد. اهـ
قوله: (والجملة تمثيل للزوم العذاب لهم).
قال الشيخ سعد الدين: لا يريد به الاستعارة التمثيلية، بل إيراد مثالٍ وحكمٍ يفهم منه لزوم العذاب لهم، أي لم يقصد بهذا الكلام إثبات هذه الشرطية بل انتقال الذهن منه إلى هذا المعنى.
قال: ويمكن تنزيله على التمثيل الاصطلاحي بأن يقال: حالهم في عدم التفصي عن الجواب بمنزلة حال من يكون له أمثال ما في الأرض جميعاً يحاول بها التخلص من العذاب ولا يتقبل منه ولا يخلص. اهـ وقال الطَّيبي: أي إذا أخذته بجملته [كان كناية عن أنَّ الوسائل حينئذ غير نافعة، فيكون وزان الآية مع قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) وزان قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
قوله: (وجملة عند المبرد ... ) إلى آخره.
إنما لم يجز عند سيبويه ذلك لأن الموصول لم يوصل بجملة تصلح لأداة الشرط ولا بما
стр. 1184
قام مقامها من ظرف أو مجرور، بل الموصول هنا (ال) وصلة (ال) لا] تصلح لأداة الشرط، وقد امتزج الموصول بصلته حتى صار الإعراب في الصلة بخلاف الظرف والمجرور فإن العامل فيها جملة لا تصلح لأداة الشرط.
قوله: (وقرئ بالنصب، وهو المختار في أمثاله لأنّ الإنشاء لا يقع خبراً إلا بإضمار وتأويل) .
زاد في الكشاف: وقولك زيداً فاضربه أحسن من قولك زيدٌ فاضربه. اهـ
وعلله خارج الكشاف بأنَّ الفاء لمعنى الشرط، والشرط يختص بالفعل، والمنصوب أدعى للفعل من المرفوع، فتقدير المثال زيداً أي شيء كان فلا تدع ضربه.
وقال الزجاج: الجماعة أولى بالاتباع، ولا أحب القراءة بالنصب لأن اتباع القراءة سنة، والذي يدل على أن الرفع أجود في (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) و (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) قوله تعالى (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا). اهـ
وقال المبرد: الاختيار أن يكون (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) رفعا بالابتداء، لأن القصد لا إلى واحد بعينه، وليس هو مثل: زيدا فاضربه وإنما هو كقولك: من سرق فاقطع يده، ومن زنى فاجلده.
وقال الطَّيبي: قال شارح اللب في قوله: وقائلة خولان فانكح فتاتهم، أن (خولان) مبتدأ، (فانكح) خبره وقد دخل عليه الفاء، والتقدير: هؤلاء خولان فانكح، كما تقول: زيد فلتقم إليه، أي: هذا زيد، فدخول الفاء يدل على أن وجود هذه القبيلة علة لأن يتزوج منها ويتقرب إليها لحسن نسائها وشرفها.
قال الطَّيبي: فرجع معنى قوله زيد فاضربه بالرفع إلى استحقاق زيد للضرب بما اكتسب ما يستوجبه، فإن ذلك معهود بين المخاطب والمتكلم فيكون من باب ترتب الحكم على الوصف المناسب مثل قوله (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا)، وليس كذلك زيدا فاضربه لأنه من باب الاختصاص مع التأكيد كما في قوله (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)، فصح قول المبرد وليس هو مثل زيداً فاضربه.
стр. 1185
وقال صاحب الفرائد: الأمر لا يصح أن يكون خبراً فيؤول إما بتقدير: فمقول فيهما اقطعوا، أو أنَّ المبتدأ لما كان متضمناً للشرط وأنه جواب له صح أن يكون خبراً كأنه قال: إن سرق فاقطعوا.
وقال ابن المنير: الاستقراء يدل على أنَّ العامة لا تتفق في القراءة على غير الأفصح، وجدير بالقرآن ذلك وهو أحق به من كلام العرب، وسيبويه يحاشي عن اعتقاد ورود القرآن عن الأفصح وحمله على الشاذ، وهذا لفظ سيبويه لتعلم براءته من ذلك.
قال في باب الأمر والنهى بعد أن ذكر المواضع التي يختار فيها النصب وتلخيصه: أنَّ من بنى الاسم على فعل الأمر فذاك موضع اختيار النصب، ثم قال: كالموضح لامتياز هذه الآية عما اختار فيه النصب وأما قوله (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا) و (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا) فلم يبن على الفعل لكنه على مثال (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) ثم قال بعد (فِيهَا أَنْهَارٌ). يريد سيبويه تمييز هذه الآية عما يختار فيه النصب فإنه في هذه الآية ليس الاسم مبيناً على الفعل بخلاف غيرها، ثم قال سيبويه: وإنما وقع المثل للحديث الذي ذكر بعده، فكأنه قال: ومن القصص مثل الجنة فهو محمول على هذا فكذلك (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) لما قال تعالى (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا) قال في جملة الفرائض (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) ثم جاء (فَاجْلِدُوا) بعد أن قضى فيهما الرفع، يريد سيبويه إنه لم يكن الاسم مبنياً على الفعل المذكور بعد، بل بني على محذوف وجاء الفعل طارئاً عليه.
قال سيبويه: وقد جاء:
وقائلةٍ خولان فانكح فتاتهم
جاء بالفعل بعد أن عمل فيه المضمر، كذلك (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) أي: فيما فرض عليكم، وقد قرأ ناس (وَالسَّارِقَ وَالسَّارِقَةَ) بالنصب وهو في العربية على ما ذكرت لك من القوة ولكن أبت العامة إلا الرفع.
يريد أن قراءة النصب جاء الاسم فيها مبنياً على الفعل غير معتمد على ما تقدم، فكان قوياً بالنسبة إلى الرفع حيث بنى الاسم على الفعل لا على الرفع حين يعتمد الاسم على المحذوف المتقدم، فقد سبق منه أنه يخرجه عن الباب الذي يختار فيه النصب، والتبس على الزمخشري لأنه ظن الكل باباً واحداً ألا تراه قال: زيداً
стр. 1186
فاضربه أحسن من رفع زيد، رجح النصب مطلقاً، وسيبويه صرح بأن الكلام في الآية مع الرفع مبني على كلام متقدم، وحققه بأن الكلام واقع بعد قصص وأخبار، ولو كان كما ظنه الزمخشري لم يحتج سيبويه إلى تقدير إضمار خبر بل يرفعه بالابتداء والأمر خبره، فتلخص أنَّ النصب له وجه واحد وهو بناء الاسم على الفعل، والرفع على وجهين أضعفهما: بناء الكلام على الفعل، وأقواهما: رفعه بخبر مبتدأ محذوف، فتحمل القراءة المشهورة على القوي. اهـ
وذكر أبو حيان نحو ذلك فقال: وأما قوله يعني الزمخشري في قراءة عيسى أن سيبويه فضلها على قراءة العامة فليس بصحيح، وتعليله بقوله: فإن زيداً فاضربه أحسن من زيد فاضربه تعليل ليس بصحيح، بل الذي ذكر سيبويه في كتابه أنهما تركيبان أحدهما زيداً والثاني زيد فاضربه، فالتركيب الأول اختار فيه النصب ثم جوز الرفع بالابتداء، والتركيب الثاني منع أن يرتفع بالابتداء، وتكون الجملة الأمرية خبراً له لأجل الفاء، وأجاز نصبه على الاشتغال أو على الإغراء، وذكر أنه يستقيم رفعه على أن يكون جملتين، ويكون زيد خبر مبتدأ محذوف، أي هذا زيد فاضربه، ثم ذكر الآية فخرجها على حذف الخبر، ودل كلامه على أن هذا التركيب لا يكون إلا على جملتين الأولى ابتدائية، ثم ذكر قراءة ناس بالنصب ولم يرجحها على قراءة العامة إنما قال: وهي في العربية على ما ذكرت لك من القوة، أي نصبها على الاشتغال أو على الإغراء وهو قوي لا ضعيف، وقد منع سيبويه رفعه على الابتداء والجملة الأمرية خبر لأجل الفاء، وقد ذكرنا الترجيح بين رفعه على أنه مبتدأ حذف خبره أو خبر حذف مبتدأه وبين نصبه على الاشتغال بأن الرفع يلزم منه حذف خبر واحد، والنصب فيه حذف جملة وإضمار أخرى وزحلقة الفاء عن موضعها. اهـ
قوله: (لقوله ﵊: القطع فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا ... ) الحديث.
أخرجه الشيخان من حديث عائشة بلفظ: تُقْطَعُ اليَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا.
стр. 1187
قوله: (ويؤيده قراءة ابن مسعود (أيمانهما)).
أخرجه ابن جرير وابن المنذر.
قوله: (ولذلك ساغ وضع الجمع موضع المثنى كما في قوله تعالى (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) اكتفى بتثنية المضاف إليه).
قال الزجاج: وحقيقة هذا الباب أن ما كان في الشيء منه واحد لم يثن ولفظ به على الجمع لأنَّ الإضافة تبينه فإذا قلت: أشبعت بطونهما، علم أنَّ للاثنين بطنين فقط. اهـ
قال الطَّيبي: فعلى هذا لا يستقيم تشبيه ما في الآية بقوله تعالى (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) لأنَّ لكل من السارق والسارقة يدين اثنين فيجوز الجمع وأن تقطع الأيدي كلها جميعاً من حيث ظاهر اللغة. اهـ
وكذا قال أبو حيان: لا يصح هذا التنظير لأن باب (صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) يطرد فيه وضع الجمع موضع التثنية، لأنه ليس في الجسد منه إلا واحد بخلاف اليدين لا يطرد. اهـ
وقال الحلبي: هذا الرد ليس بشيء لأنَّ الدليل دل على أن المراد اليمنيان. اهـ
وقال السفاقسي: التنظير صحيح لأن الدليل الشرعي قد قام على أنَّ محل القطع اليمين، وليس في الجسد إلاّ يمين واحدة فجرت مجرى آحاد الجسد، فجمعت كما جمع الوجه والظهر والقلب. اهـ
قوله: (لأنه ﵊ أتى بسارق فأمر بقطع يمينه).
أخرجه البغوي وأبو نعيم في معرفة الصحابة من حديث الحارث بن عبد الله بن ربيعة.
قوله: ((جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللهِ) منصوبان على المفعول له).
قال أبو حيان: هذا ليس بجيد، لأن المفعول له لا يتعدد إلا بحرف العطف إلا إذا كان الجزاء هو النكال فيكون ذلك على طريق البدل. اهـ
стр. 1188
قوله: (قدم التعذيب على المغفرة إيتاءً على ترتيب ما سبق).
قال الطَّيبي: يريد أنَّ في الآية لفاً ونشراً. اهـ
قوله: (أو لأن استحقاق التعذيب مقدم).
قال ابن المنير: إنما قُدم لأن السياق للوعيد. اهـ
قال الطَّيبي: وهذا هو الحق لأن قوله تعالى (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) تذييل للكلام السابق من لدن قصة موسى ﵊ ومقاتلته الجبارين، وقصة قابيل وهابيل، وأحكام قطاع الطريق، وتحريض المؤمنين على الجهاد، وقطع السارق، وقد تخلص إلى نوع آخر من الكلام كأنه قيل: له الحكم سبحانه في ملكه كيف يشاء، منع أو أعطى عذب أو عفا، وهو على كل شيء قدير. اهـ
قوله: (والباء متعلقة بـ (قالوا) لا بـ (آمنا)).
قال الشيخ سعد الدين: لفساده لفظاً ومعنى.
قال: وهو من الظهور بحيث لم يكن به حاجة إلى ذكره. اهـ
قوله: (أي إن أوتيتم هذا المحرف).
زاد الكشاف: المُزال عن مواضعه.
قال الطَّيبي: هذا ليس بمقول لهم، بل المصنف وضعه موضع مقولهم كقولهم (إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ). اهـ
وأقول: ما المانع أن يكون ذلك مقولهم، فإنَّهُم كانوا عالمين بأنهم حرفوه ومعترفين بذلك فيما بينهم.
قوله: (روي أنَّ شريفاً من خيبر زنا بشريفة ... ) الحديث.
أخرجه البيهقي في الدلائل عن أبي هريرة لكن ليس فيه أنهما من خيبر.
стр. 1189
والتحميم: تسويد الوجه، من الحمَمَة وهي الفحمة.
قوله: (وقرئ بفئتح السين على لفظ المصدر).
قال الشيخ سعد الدين: وهو بمعنى المفعول. اهـ
قوله: (بين الحكم والإعراض).
أحسن من قول صاحب الكشاف: بين أن يحكم بينهم وبين أن لا يحكم.
قال الطَّيبي: لأنَّ الحريري منع مثل هذا التكرير في درة الغواص.
قال: يقولون: المال بين زيد وبين عمرو بتكرير (بين) فيوهمون فيه، والصواب: بين زيد وعمرو كما قال تعالى (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ)، والعلة فيه أن لفظة (بَيْنِ) تقتضي الاشتراك، ولا تدخل إلا على مثنى أو مجموع كقولك: المال بينهما والدار بين الإخوة، وأظن أنَّ الذي أوهمهم لزوم تكرير (بين) مع الظاهر وجوبَ تكريره مع المضمر في مثل قوله تعالى (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) وقد وهموا في المماثلة بين الموطنين (وخفي عليهم الفرق الواضح بين الموضعين) وهو أنَّ المعطوف على الضمير المجرور من شرط جوازه تكرير الجار فيه نحو مررت بك وبزيد. اهـ
قوله: ((وفيها حكم الله) حال من التوراة إن رفعتها بالظرف).
زاد أبو البقاء: والعامل ما في (عند) من معنى الفعل، و (حُكمُ اللهِ) مبتدأ أو معمول الظرف. اهـ
قال الشيخ سعد الدين: وجَعْلُ (التَّوْرَاةُ) مرفوعاً بالظرف المصدر بالواو الحالية محل نظر. اهـ
стр. 1190
وإن جعلتها مبتدأ فمن ضميرها المستكن في الظرف الخبر، قاله الطَّيبي.
قوله: (وتأنيثها ... ) إلى آخره.
قال الشيخ سعد الدين: يعني أن التوراة اسم أعجمي وتاء التأنيث إنما تكون في العربي. اهـ
قوله: (كموماة).
قال الجوهري: هي المفازة، وأصلها مؤموة على وزن فعللة، وهو مضاعف قلبت واوه ألفاً. اهـ
قوله: (ودوداة).
قال الطَّيبي: ما وجدتها في كتب اللغة، وفي الحاشية: أنَّها أرجوحة الصبي. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: هي الأرجوحة التي يلعب بها الصبيان.
قوله: (وبهذه الآية تمسك القائل به).
قال الإمام: وتقريره أنه سبحانه قال في التوراة هدى ونور، والمراد هدى ونور في أصول الشرع وفروعه، ولو كان الحكم غير معتبر بالكلية لما كان فيه هدى ونور، ولأنَّ هذه الآية نزلت في مسألة الرجم فيجب أن تدخل الأحكام أيضاً في الهدى والنور. اهـ
وقال الطَّيبي: هذا استدلال ضعيف لأنه يكفي في صدق كونها هدى (أن تكون
هدى) قبل النسخ، وأما مسألة الرجم فإنه ﷺ أمر أولاً بالرجم فلما أبوا دعا بالتوراة تقريراً. اهـ
قوله: ((الذين أسلموا) صفة أجريت على النبيين مدحاً لهم).
قال ابن المنير: لما كانت النبوة تستلزم الإسلام حملها على المدح، وفيه نظر،
стр. 1191
فالمدح يقع غالباً بصفة يتميز بها الممدوح عن غيره، ولا يجوز أن يقتصر في مدح النبي ﷺ على كونه رجلاً مسلماً، والوجه أن الصفة تذكر لتعظيم في نفسها وينوه بها إذا وصف بها عظيم القدر كما يعظم الموصوف بالصفة، ومنه وصف الأنبياء بالصلاح في قوله تعالى (وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) ولذلك قال في الذين يحملون العرش (وُيؤمِنُونَ بِهِ) تعظيماً لقدر الإيمان وبعثاً للبشر على الدخول فيه ليساووهم فيه، وقد قيل أوصاف الأشراف أشراف الأوصاف وقال:
ولئن مدحت محمد بقصيدتي ... فلقد مدحت قصيدتي بمحمد. اهـ
قال العلم العراقي: ومن أمثلته ما يكرر في الصافات عقب ذكر نبي بعد نبي (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ). اهـ
قال ابن المنير: فالنبوة أعظم من الإسلام، فلولا حملها على هذا لخرجنا عن قانون البلاغة في الترقي من الأدنى إلى الأعلى لا النزول من الأعلى إلى الأدنى، وقد قال المتنبي:
شمس ضحاها هلال ليلتها ... در تقاصيرها زبرجدها
فنزل عن الشمس إلى الهلال، وعن الدر إلى الزبرجد فمضغت الألسن عرض بلاغته ومزقت أديم صناعته لذلك. اهـ
وقال الطَّيبي بعد حكاية كلام ابن المنير: الذي يقتضي العجب من هذا الفاضل قوله إنَّ الصفة ذكرت لتعظيم نفسها وتنويه شأنها إذا وصف بها عظيم القدر وليست بصفة مدح، فيقال: إذا لم تكن صفة مدح فهل تكون للتي للتفصيل والتمييز، أو للكشف والتوضيح، أو للتقرير والتوكيد إذ لا خامس، أم كيف يتسنى لك ما يقصد به من التعظيم أو التنويه وكونها مرغوباً بها إذا لم تحملها على المدح وتقول إذا كان النبيون صلوات الله وسلامه عليهم مع جلالة قدرهم ورفعة منصبهم يمدحون بوصف الإسلام فما بال الغير، فعند ذلك يحصل التنوية والترغيب.
стр. 1192
وإليه أشار صاحب المفتاح بقوله: لو أريد اختصاره لما انخرط في الذكر (وُيؤمِنُونَ بِهِ) إذ ليس أحد من مصدقي حملة العرش يرتاب في إيمانهم، ووجه حسن ذكره إظهار شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه. اهـ
ولخص الشيخ سعد الدين الكلام فقال: اعترض عليه بأنَّ النبوة أعظم من الإسلام فكيف يمدح نبي بأنه رجل مسلم، فالوجه أنه للتنويه بشأن الصفة والتنبيه على عظيم قدرها حيث وصف بها عظيم كما في وصف الأنبياء بالصلاح والملائكة بالإيمان فإن أوصاف الأشراف أشراف الأوصاف، وإلا فلا خفاء في أنَّ النزول من الأعلى إلى الأدنى قصور في البلاغة.
قال: والجواب أنَّ المراد أنَّها صفة أجريت عليهم على طريق المدح دون التخصيص أو التوضيح لكن لقصد المدح لئلا يلزم ما ذكرتم بل لقصد التعريض باليهود وأنهم برآء من ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء كلهم. اهـ
قال الطَّيبي: ثم في إقران (الَّذِينَ أَسْلَمُوا) بقوله (لِلَّذِينَ هَادُوا) والإرادة أن الأنبياء المسلمين يحملون اليهود على أحكام التوراة تصريح فيما عرض به أولاً.
قال: والحاصل أنَّ في كل من اللفظين واختصاصه بالذكر رمز إلى معنى وإشارة دقيقة على سبيل الإدماج. اهـ
قوله: (و (مِن) للتبيين).
قال الطَّيبي: هذا لا يوافق تفسيره حيث قال: بسبب ... إلى آخره، لأنَّ (من) التبينية تستدعي موصولة، وقد فسره بما ينبني عن كونها مصدرية لكن مراده تلخيص المعنى. اهـ
قوله: (ويداهنوا فيها).
في الأساس: ومن المجاز أدهن في الأمر وداهن: صانع ولاين. اهـ
قوله: (كما قيل هذه في المسلمين لاتصالها بخطابهم، والظالمون في اليهود، والفاسقون فى النصارى).
стр. 1193
(قيل: يلزم على هذا أنَّ يكون المؤمنون أسوأ حالاً من اليهود والنصارى).
قال الطيبي: ويمكن أن يقال إن المسلمين إذا نسب إليهم الكفر حمل على التشديد والتغليظ، والكافر إذا وصف بالظلم والفسق أشعر بعتوهم في الكفر وتمردهم فيه. اهـ
قوله: (معطوفة على (أن) وما فى حيزها باعتبار المعنى)
قال أبو حيان: هو من العطف على التوهم لا من العطف على المحل لأنه محصور وليس هذا منه إذ طلب الرفع في الأول مفقود. اهـ
وعبارة الزجاج: العطف على موضع (أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) والعامل فيها المعنى، (وكتبنا عليهم) أي: قلنا لهم النَّفْس بِالنَّفْسِ. اهـ
قوله: (العين مفقودة بالعين ... ) إلى آخره.
قال أبو حيان: يحمل هذا على (تفسير المعنى لا على) تفسير الإعراب، لأن المجرور إذ وقع خبراً يكون العامل فيه الكون المطلق لا المقيد كما قرره هنا الحوفي وغيره، أي: يستقر أخذها بالعين ونحوه. اهـ
قال الشيخ ولي الدين: وهذا من الزمخشري على حد ما قدره في البسملة من قوله اقرأ ولم يقدر ما قدره غيره.
قوله: (أو على أن المرفوع منها معطوف على المستكن فى قوله (بِالنَّفْسِ)).
قال الطَّيبي: المعنى أنَّ النفس هي مأخوذة بالنفس والعين معطوفة على هي. اهـ
قوله: (أي: واتبعناهم على آثارهم [فحذف المفعول ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: إشارة إلى أنَّ الأصل: قفيناهم على آثارهم] كقولك: قفيته بفلان. اهـ
وقال أبو حيان: هذا الكلام يحتاج إلى تأمل (١) فإنه جعل (وَقَفينَا) متعدياً لمفعول بنفسه
стр. 1194
ثم عداه لثان بالباء قَلَّ أَنْ يُوجَدَ حَتَّى زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ [لا يُوجَدُ] (١) وَلا يَجُوزُ، وقوله إن المفعول الأول محذوف والجار والمجزور كالساد مسده لا يتجه لأن المفعول به الصريح لا يسد مسده الظرف. اهـ
قوله: (على أنَّ (أن) موصولة بالأمر).
قال الشيخ سعد الدين: جرت عادة صاحب الكشاف بتجويز صلة (أن) بالأمر والنهي، ومعناه مصدر طلبي ولا بد له من موقع من الإعراب، وهو هنا بالنصب عطفاً على الإنجيل، كأنه قيل: آتيناه الإنجيل، والحكم الطلبي من أهل الكتاب وحاصله: أنا أمرنا بأن [يحكم أهل الكتاب فلذا قدره كذلك.
قال: ولا يخفى أنَّ الكلام بعد موضع حقاً، وقد حققه في سورة نوح، قوله (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ) أنَّ أن الناصبة للمضارع، والمعنى: إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا بأَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ، أي بأن قلنا له أن أنذر قومك، أي الأمر بالإنذار، وعلى هذا يكون المعنى: وآتينا الأمر بأن يحكم أهل الإنجيل، وهو معنى أمرنا بأن] يحكم أهل الإنجيل. اهـ
قوله: (وقرى ببنية المفعول).
أي: ومهيمَناً بفتح الميم.
قال الطَّيبي: فعلى هذا لا يكون فيه ضمير، والضمير في (عَلَيْهِ) يعود إلى الكتاب الأول، وعلى قراءة كسر الميم فيه ضمير يعود إلى الكتاب الأول وضمير (عَلَيْهِ) إلى الكتاب الثاني. اهـ
قوله: (أو الحفاظ فى كل عصر).
قال الطَّيبي: هذا أيضاً من حفظ الله سبحانه، وفي الحقيقة الحافظ هو الله وحده لقوله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ). اهـ
قوله: (فـ (عن) صلة لـ (لا تتبع) (٢) لتضمنه معنى لا تنحرف).
стр. 1195
قال الطَّيبي: المعمول عليه في التضمين إيقاع الفعل المضمن فيه حالاً وإقامة المضمن مقامه لتعم الفائدة.
قال صاحب الكشاف في سورة الكهف: الغرض في هذا الأسلوب إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى واحد. اهـ
قال الطَّيبي: فإن قلت هلا حمله على الحال ليكون المعنى: لا تتبع أهواءهم منحرفاً عما جاءك من الحق؟ قلت: المقام يستدعي ذم القوم وهذا أدخل في الذم، كأنه نهى عن الانحراف عن الحق مطلقاً ثم أتى بما ظهر أن ذلك الانحراف هو متابعة أهواء أولئك الزائغين إيذاناً بأن أولئك أعلام في الانحراف عن الحق، ولا كذلك الحال فإنه قيد للفعل فيوهم أنه يجوز المتابعة إذا زال الانحراف، ويقرب منه قولك: هل أدلك على أفضل الناس وأكرمهم فلان، فإنه أبلغ من قولك: هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل. اهـ
قوله: (واستدل به على أنا غير متعبدين بالشرائع المتقدمة).
قال الشيخ سعد الدين: وجه الدلالة أنَّ الخطاب يعم الأمم، والمعنى لكل أمة لا لكل أحد من أفراد الأمة، فيكون لكل أمة دين يخصها، ولو كانت متعبدة بشريعة أخرى لم يكن ذلك الاختصاص.
قال: والجواب بعد تسليم دلالة الإلزام على الاختصاص الحصري منع الملازمة لجواز
أن نكون متعبدين بشرائع من قبلنا مع زيادة خصوصيات في ديننا بها يكون الاختصاص. اهـ
قال الإمام: الخطاب في قوله تعالى (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً) الأمم الثلاث، أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد - صلى الله عليهم وسلم -، لأن الآيات السابقة واللاحقة فيهم.
وقال: الشرعة: عبارة عن مطلق الشريعة، والمنهاج: عن مكارم الشريعة.
وقال: فإن قيل كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا) إلى قوله تعالى (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) وقال تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)؟ فالجواب: أنَّ الثانية مصروفة إلى ما