← Тафсир

Тафсир · id 29882

نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (1 427 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

لا محيد لهم إلا أن يقولوا الله (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ). اهـ قوله: (تقرير لهم). قال الشيخ سعد الدين: أي إلجاء إلى الإقرار بأن الكل لله، لأنَّ هذا من الظهور بحيث لا يقدر أحد أن ينكره. اهـ وحكاه الطَّيبي بـ (قيل) ثم قال: والأولى أنَّ يكون من تقرير الشيء إذا جعل في مكانه. قال الجوهري: قررت عنده الخبر حتى استقر. أي قرر الجواب لأجلهم، فكأنَّ قولُه قولهَم لأنه لا خلاف بينه وبينهم، وهذا هو المراد من (قوله: لا خلاف بيني وبينكم). اهـ قوله: (أنه المتعين للجواب بالاتفاق). قال الإمام: أمر الله تعالى رسوله ﷺ بالسؤال أولاً والجواب ثانياً، وهذا إنما يحسن في الموضع الذي يكون الجواب فيه قد بلغ من الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر ولا على دفعه مدافع. اهـ قوله: (أو رفع على الخبر، أي: وأنتم الذين). قال الحلبي: إنما قدر المبتدأ (أنتم) ليرتبط مع قوله تعالى (لَيَجْمَعَنَّكُمْ) وقوله تعالى (خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) من مراعاة الموصول. اهـ قوله: ((وله) عطف على (للهِ)). قال الشيخ سعد الدين: يجوز أنه يريد من عطف المفرد على المفرد، أعني الخبر على الخبر والمبتدأ على المبتدأ، كما تقول في له الملك وله الحمد: إنَّ (له) عطف على (له) و (الحمد) على (الملك)، وأنه يريد أن (وَلَهُ مَا سَكَنَ) عطف على لله

стр. 1262

ما في السماوات والأرض بعد حذف المبتدأ والخبر بقرينة السؤال، والأول أظهر، والمقصود أن يدخل هذا أيضاً تحت (قُل) ليكون احتجاجاً ثانياً على المشركين، أي: لله ما استقر في الأمكنة وله ما استقر فى الأزمنة، ولذا جعل (سَكَنَ) من السكنى دون السكون إذ لا وجه للسكون على التحريك في مقام البسط والتقرير وإظهار كمال الملك والتصرف. اهـ وقال صاحب التقريب: إنما أدرجه تحت (قل) ولم يجعله مستأنفاً كما هو السابق إلى الفهم ليكون احتجاجاً ثانياً على المشركين، وإيذاناً بأنَّ له ما استقر في الأمكنة وما استقر في الأزمنة. اهـ قوله: (من السكنى). قال الطَّيبي: مقصوده من جعله من السكنى دون السكون التعميم والشمول، إذ لو جعل من السكون الذي يقابل الحركة لفات الشمول. اهـ قوله: (وتعديته بـ (في) كما في قوله تعالى: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ)). قال الطَّيبي: يعني سكن من السكنى جاء متعدياً بنفسه وبـ (في). قال في الأساس: سكنوا الدار وسكنوا فيها، وأسكنتهم الدار وأسكنتهم فيها. اهـ قوله: (وهو (السميع) لكل مسموع (العليم) بكل معلوم). قال الطَّيبي: المناسب أن يكون مردوداً إلى المعطوف والمعطوف عليه، أي: يعلم كل معلوم من الأجناس المختلفة في السماوات والأرض، ويسمع هواجس كل ما يسكن في الليل والنهار من الحيوان وغيره. اهـ قوله: (فلذلك قدم وأولى الهمزة). قال الشيخ سعد الدين: يعني قدم المفعول للاختصاص، وأولى حرف الاستفهام ليدل على أنَّ الإنكار راجع إلى نفس المفعول لا إلى الفعل. اهـ قوله: (وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما: ما عرفت معنى (فاطر) حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها).

стр. 1263

أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن وابن جرير في تفسيره. قوله: (وجره على الصفة لله). خرجه أبو البقاء على البدل. قال أبو حيان: وكأنه رأى أن الفصل بين المبدل منه والبدل أسهل من الفصل بين المنعوت والنعت لأنه على تكرار العامل. اهـ قوله: (يَرزقُ ولا يُرزقُ). قال الشيخ سعد الدين: يعني ليس المعنى على خصوص المطعم بل مطلق النفع تعبيراً عن كل الشىء بمعظمه. اهـ قوله: (على أنَّ الضمير لغير الله) أي في قوله (وهو يُطعم) على البناء للمفعول. قال الطَّيبي: وفيه إشكال، لأنَّ الكلام مع عبدة الأصنام والأصنام لا توصف بأنها تطعم، وليس الكلام مع اليهود والنصارى ليقال المسيح وعزير يَطعم ولا يُطعم. قال: والجواب أنَّ المقصود من قوله تعالى (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ) إذا أخذ بمريديه أنه يُربَّى ولا يُربِّى كقوله تعالى (لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ). اهـ وقال الشيخ سعد الدين: صح ذلك بالنظر إلى إطلاق غير الله تعالى فإن منه من يُطعَم كالمسيح من معبودات الكفرة فغلب أو ورد على طريقتهم في إطعام الأصنام. اهـ قوله: (وقيل لي لا تكونن). قال الشيخ سعد الدين: عطفاً على (أُمِرْتُ) لظهور أنه لا يصح عطف (وَلا تَكُونَنَّ) على (أَنْ أَكُونَ) إذ لا وجه للالتفات، ولا معنى لقولك: أمرت أن لا تكونن. اهـ

стр. 1264

قوله: ((فقد رحمه) نجاه وأنعم عليه). قال الشيخ سعد الدين: لما اتحد ظاهر الشرط والجزاء احتيج إلى التأويل ليفيد. اهـ وقال صاحب الانتصاف: لو بقيت الرحمة على لفظها لما زاد الجزاء على الشرط، لأن صرف العذاب رحمة فاحتيج إلى التأويل. اهـ قوله: (فكان قادرًا على حفظه وإدامته). قال الشيخ سعد الدين: بيان لوجه ارتباط الجزاء بالشرط. اهـ وقال الطَّيبي: يريد أن قوله (فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) جواب للشرط مقابل لقوله تعالى (فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ) وكان الظاهر أَن يقال (فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ) كما في آية يونس، لكن جيء به هنا عاماً ليشتمل على ذلك وغيره وليتصل به قوله تعالى (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ). اهـ قوله: (تصوير لغيره). قال الشيخ سعد الدين: يعني أنه استعارة تخييلية فلا تلزم الجهة. اهـ قوله: (ويجوز أن يكون (الله شهيد) هو الجواب). قال الطَّيبي: أي المجموع، فعلى هذا هو من باب الأسلوب الحكيم، يعني: شهادته معلومة لا كلام فيها وإنما الكلام في أنه شاهد لي عليكم مبيِّن لدعواي بإنزال هذا الكتاب الكريم، وإذا ثبت أن الله تعالى شاهد لي يلزم، فأكبر شيء شهادةً شهيد له. اهـ

стр. 1265

وعبارة الشيخ سعد الدين: كأنه قيل: معلوم أن الله تعالى هو الأكبر شهادة، ولكن الكلام الأنسب بالمقام هو الإخبار بأن الله تعالى شهيد لي لينتج مع قولنا الله أكبر شهادة (أنَّ الأكبر شهادة) شهيد لي. اهـ وقال أبو حيان: هذا الوجه أرجح من الأول، لأنه لا إضمار فيه مع صحة معناه، وفي الأول إضمار أولاً وآخراً. اهـ قوله: (الذين خسروا أنفسهم من أهل الكتاب والمشركين). قال الشيخ سعد الدين: يعني ليس إشارة إلى (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) خاصة، ولذا كان مبتدأ خبره (فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)، لا نصباً على الذم أو رفعاً كما في ما تقدم. اهـ قوله: (وإنما ذكر (أو) وهم قد جمعوا بين الأمرين تنبيهاً على أنّ كلاً منهما وحده بالغ غاية الإفراط فى الظلم على النفس). قال الطَّيبي: يعني في مجيء (أو) وأنهم قد جمعوا بين الكذب والتكذيب إشارة إلى أنَّ كل واحد منهما بلغ في الفظاعة بحيث لا يمكن الجمع بينهما، فإنَّ الثابت أحد الأمرين، وهم في الجمع بينهما كمن جمع بين أمرين متناقضين. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: معنى جمعهم بين الأمرين أنَّهم ذهبوا إليهما جميعاً، لكن ورد في النظم كلمة (أو) لأنَّ المعنى أنه لا أظلم ممن ذهب إلى أحد الأمرين فكيف من جمع بينهما. اهـ قوله: ((وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ) منصوب بمضمر). زاد في الكشاف: متأخر تقديره: ويوم نحشرهم كان كيت وكيت، فترك ليبقى على الإبهام الذي هو داخل في التخويف. هـ والذي ذكره ابن عطية وأبو البقاء أنه بإضمار (اذكر).

стр. 1266

قوله: (وإنما سماه فتنة لأنه كذب). قال الطيبي: يعني إنما سمي الجواب فتنة لأنَّ قولهم (مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) كان كذباً، والكذب سبب لإيقاع الإنسان في الفتنة وورطة الهلاك، فعلى هذا قولهم (وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) مجرىً على ظاهره، و (ثُمَّ) للتراخي في الرتبة، يعني أن جوابهم هذا أعظم في تشويرهم من توبيخنا إياهم بقولنا (أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ)، وهذا الداعي إلى وضع الفتنة موضع الجواب، وعلى الأول -وهو تفسير الفتنة بالكفر- قولهم (وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) كناية عن التبري عنهم، وانتفاء التدين به، و (ثُمَّ) مجرىً على ظاهره، كقوله: ثم لم تكن عاقبة كفرهم. اهـ قوله: (والتأنيث للخبر كقولهم: من كانت أمك). قال صاحب التقريب: في الاستشهاد به نظر، لأنَّ (من) تذكر أو تؤنث. اهـ قال الطَّيبي: وأجيب أنَّ (من) إنما يذكر ويؤنث باعتبار مدلوله وإيهامه وشيوعه كالمشترك، وأما لفظه فليس إلا مذكر. اهـ قوله: (وقيل معناه: وما كنا مشركين عند أنفسنا). قال الجبائي: فيه مستند إلى أنَّ أهل المحشر لا يجوز إقدامهم على الكذب لأنهم يعرفون الله تعالى بالاضطرار فيلجؤن إلى ترك القبيح. والجمهور على خلافه وإن الكذب عليهم في الآخرة جائز بل واقع واستدلوا بآيات كثيرة، وحمل هذه الآية على أنَّ المراد: ما كنا مشركين في ظنوننا واعتقادنا مخالفةٌ للظاهر. قوله: (وحمله على كذبهم فى الدنيا تعسف). قال الشيخ سعد الدين: أي أخذٌ على غير الطريق، لأن الآية لا تدل على هذا المعنى بوجه ولا تنطبق عليه لأنَّها في شأن حشرهم وأمرهم في الآخرة لا في الدنيا، بل تنبو

стр. 1267

عنه أشد نبو لأنَّ أول الكلام (ويومَ نَحْشُرُهمْ) وآخره (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) وذلك في أمر القيامة لا غير. اهـ قوله: (يخل بالنظم). قال الطَّيبي: لما فيه من صرف أول الآية إلى أحوال القيامة وآخرها إلى أحوال الدنيا. اهـ قوله: (خرافات). قال الشيخ سعد الدين: قيل أصل الخرافة: ما اخترف من الفواكه من الشجر، ثم جعل اسماً لما يتلهى به من الأحاديث. وفي المستقصى: أنه رجل من خزاعة استهوته الجن فرجع إلى قومه وكان يحدثهم بالأباطيل، فكانت العرب إذا سمعت ما لا أصل له قالت: حديث خرافة، ثم كثر حتى قيل للأباطيل: خرافات. اهـ قلت: روى البزار عن عائشة أن النبي ﷺ حدث ذات ليلة نساءه حديثاً، فقالت امرأة منهن: هذا حديث خرافة. قال: أتدرون ما خرافة؟ كان رجلاً من عذرة أسرته الجن فمكث فيهم دهراً ثم ردوه إلى الإنس، فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب، فقال الناس: حديث خرافة. وفي الصحاح: الخرافات بتخفيف الراء الأباطيل والأكاذيب جمع خرافة، اسم رجل من عذره استهوته الجن وكان يحدث بما رأى فكذبوه وقالوا حديث خرافة، ويروي عن النبي ﷺ أنه قال: وخرافة حق. والراء فيه خفيفة، ولا تدخل الألف واللام لأنه معرفة علم إلا أن يراد به الخرافات الموضوعة في حديث الليل.

стр. 1268

قوله: (ويجوز أن تكون الجارة (وإذا جاءوك) في موضع الجر) . قال الشيخ سعد الدين: هذا مبني على أنَّ (إذا) عنده ليس بلازم بالظرفية بل يجري عليه إعراب الأسماء. اهـ وقال أبو حيان: ما جوزه في (إذا) بعد (حتى) من كونها مجرورة تبعه عليه ابن مالك في التسهيل، وهو خطأ كما بينّاه في شرحه. اهـ قوله: (استئنافُ كلام منهم على وجه الإثبات). قال الشيخ سعد الدين: أي دون التمني يريد أنه ليس عطفاً على (نُرَدُّ) ليدخل تحت التمني ويكون المعنى: ليتنا لا نكذب، بل هو عطف على التمني عطف أخبار على إنشاء وهو جائز باقتضاء المقام. اهـ وقال الطَّيبي: قال صاحب المرشد: التقدير يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب ونحن من المؤمنين رددنا أو لم نُرد، فلا يدخلان في جملة التمني، ويرتفعان على أنه استئناف خبر. اهـ قوله: (كقولهم: دعنى ولا أعود). قال الطَّيبي: قال صاحب الإقليد: وهو كالشرح لكلام ابن الحاجب، وإنما ذكر هذا الرفع لتعذر النصب والجزم على العطف، أما النصب فيفسد المعنى، إذ المعنى على هذا: يجتمع تركك لي وتركي لما تنهاني عنه، وقد علم أن طلب هذا المتأدب لترك المؤدب إياه إنما هو في الحال بقرينة ما عداه من ألمه بتأديب مؤدبه، وغرض المؤدب الترك لما نهى عنه في المستقبل، ولا يحصل هذا الغرض بترك المتأدب المنهي عنه في الحال، وإنما يحصل بالترك للعود في المستقبل، ولا يستقيم الجزم لأنه إذا جزم عطفاً أدى إلى عطف المعرب على المبني وهو ممتنع إذ العطف لاشتراك الشيئين في الإعراب ولا موضع للأول حتى يحمل عليه، وأما امتناع الجزم في (ولا أعود)

стр. 1269

فلما فيه من عطف الجملة المنهية على الأمرية، فكأنه قال: دعني، ثم شرع في الجملة الأخرى ناهياً لنفسه عن العود، لأنه لا يلزم من النهي تحقق الامتناع والمقصود نفي وقوع العود في المستقبل ولا يحصل هذا إلا بالخبر. اهـ قوله: (أو عطف على (نرد)). قال الشيخ سعد الدين: والمعنى على تمني مجموع الأمرين الرد وعدم التكذيب. اهـ قوله: (على الجواب بإضمار (أن) بعد الواو). (قال أبو حيان: ليس كذلك فإن نصب الفعل بعد الواو ليس على جهة الجواب لأن الواو لا تقع جواب الشرط، فلا ينعقد مما قبلها ولا مما بعدها شرط وجواب، وإنما هي واو مع يعطف ما بعدها على المصدر المتوهم قبلها، وهي واو العطف يتعين مع النصب أحد محاملها الثلاثة: وهي المعية ويميزها (من الفاء) تقدير موضعها كما أن فاء الجواب إذا كان بعدها فعل منصوب ميزها تقدير شرطٍ قبلها أو حالٍ مكانها، وشبهة من قال إنَّها جوابٌ أنَّها تنصب في المواضع التي تنصب فيها الفاء فتوهَّم أنَّها جواب. قال: ويوضح لك أنَّها ليست بجواب انفراد الفاء دونها بأنها إذا حذفت انجزم الفعل بعدها بما قبلها لما تضمنه من معنى الشرط. اهـ وقال الحلبي: سبق الزمخشري إلى هذه العبارة أبو إسحاق الزجاج فقال: نصب على الجواب بالواو في التمني. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: أما قراءة النصب فعلى تقدير: ليت لنا ردٌ أو عدم تكذيب

стр. 1270

، فإن إضمار (أن) بعد الواو كإضمارها بعد الفاء، وما ذكر من معنى الجزائية والسببية أي: إن رددنا لم نكذب، ففيه نظر. اهـ قوله: (أو على (إنهم لكاذبون)). قال الطَّيبي: هو من عطف الخاص على العام. اهـ قوله: ((وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ) مجاز عن الحبس للسؤال). قال الشيخ سعد الدين: لاستحالة حقيقتة. اهـ وقال الطَّيبي: لا يجوز أن يقال وقفوا على الله حقيقة ولا كناية، لأنَّ الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة، فوجب الحمل على المجاز، أي الاستعارة التمثيلية. اهـ قوله: (غاية لـ (كذبوا) لا لـ (لخسر)، لأن خسرانهم لا غاية له). قال الطَّيبي: ويمكن أن يحمل على قوله تعالى (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ)، أي: إنك مذموم مدعو عليك باللعنة إلى يوم الدين ثم إذا جاء ذلك اليوم لقيت ما تنسى اللعن معه، أي: خسر المكذبون إلى قيام الساعة بأنواع من المحن والبلاء فإذا قامت الساعة يقعون في ما ينسون معه هذا الخسران وذلك هو الخسران المبين. قال: وهذا أقرب مما قاله المصنف، لأن قوله (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ) مقارن بالتحسر المذكور في الآية وهو غير مناسب إلا بالحشر. اهـ قوله: (أضمرت وإن لم يجر لها ذكر). قال الشيخ سعد الدين: يعني في هذا المقال وبالنسبة إلى هؤلاء القائلين، وأما قوله (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) فمقالٌ آخر وقوم آخرون. اهـ وقال الطَّيبي: فإن قلت: أما سبق قُبيل هذا (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا)

стр. 1271

وضع الظاهر موضع المضمر؟ قلت: لا ارتياب أن القائلين لقوله (إِنْ هِيَ إِلاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) هم الناهون عن رسول الله ﷺ من كفار قريش، وإن قوله (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ) إلى قوله (أَفَلا تَعْقِلُونَ) كالاعتراض والتوكيد لما يتضمن معنى الكلام السابق واللاحق من التهديد والوعيد لاشتماله على جميع من أنكر الحشر وسوء مغبتهم وإظهار حسرتهم وندامتهم ووخامة أمر حياة الدنيا، وليس المقام من مجاز وضع المظهر موضع المضمر لأن الاعتراض مستقل بنفسه ولا تعلق له بالسابق إلا من حيثُ المعنى. اهـ قوله: ((وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ) تمثيل لاستحقاق آصار الآثام). قلت: بل هو على حقيقته كما وردت به الآثار. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ) قال: ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره إلا جاءه رجل قبيح الوجه أسود اللون منتن الريح عليه ثياب دنسه حتى يدخل معه قبره، فإذا رآه قال له: ما أقبح وجهك؟ قال: كذلك كان عملك قبيحاً. قال: ما أنتن ريحك؟ قال: كذلك كان عملك منتناً. قال: ما أدنس ثيابك؟ فيقول: إن عملك كان دنساً. قال: من أنت؟ قال: أنا عملك. قال فيكون معه في قبره، فإذا بعث يوم القيامة قال له: إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات فأنت اليوم تحملني، فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخله النار، فذلك قوله (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عمرو بن قيس الملائي: أن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله عمله في أحسن صورة وأطيبه ريحاً، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلا أنَّ الله قد طيب ريحك وحسن صورتك. فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم، وتلا (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا).

стр. 1272

وإن الكافر يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحاً، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلا أن الله قد قبح صورتك ونتن ريحك. فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الذي طالما ركبتني في الدنيا، وأنا اليوم اركبك، وتلا (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ). وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن قيس عن أبي مرزوق مثله. قوله: (وقوله (للذين يتقون) تنبيه على أن ما ليس من أعمال المتقين لعب ولهو). قال الطَّيبي: وذلك أن الظاهر أن يقال: وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وما الدار الآخرة إلا جد وحق لا باطل زائل، فوضع موضعه (خَيْرٌ لِلَّذِينَ) إطلاقاً لاسم المسبب على السبب. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: لأنه لما خص خيرية أعمال الآخرة بالمتقين -وهي في مقابلة أعمال الدنيا- أي لعب ولهو، فما ليس من أعمال المتقين ليس من أعمال الآخرة وما ليس من أعمال الآخرة فهو من أعمال الدنيا، وأعمال الدنيا لعب ولهو، فما ليس من أعمال المتقين لعب ولهو. اهـ قوله: (معنى (قد) زيادة الفعل وكثرته). قال أبو حيان: هذا قول غير مشهور للنحاة وإن قال به بعضهم، وما استشهدوا به عليه فالتكثر فيه لم يفهم من (قد)، وإنما فهم من سياق الكلام، لأن الفخر والمدح إنما يحصلان بكثرة وقوع المفتخر به والممدوح به، وعلى تقدير أن تكون (قد) للتكثير في الفعل وزيادته لا يتصور ذلك في قوله (قَدْ نَعْلَمُ) لأنَّ علمه تعالى لا يمكن فيه الزيادة والتكثير. اهـ

стр. 1273

وقال الحلبي: قد يجاب عن هذا بأن التكثير في متعلقات العلم لا في العلم. اهـ ولذا قال السفاقسي: قد تصبح الكثرة باعتبار المعلومات. اهـ وقال الطَّيبي: يعني أن لفظة (قد) للتقليل ثم يراد به في بعض المواضع ضده وهو الكثرة كقوله تعالى (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ)، والنكتة ههنا تصبير رسول الله ﷺ من أذى قومه وتكذييهم، يعني من حقك وأنت سيد أولي العزم أن لا تكثر الشكوى من أذى قومك وأن لا يعلم الله من إظهارك الشكوى إلا قليلاً، أو يكون تهكماً بالمكذبين وتوبيخاً لهم لقوله تعالى (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ). اهـ قوله: (كما في قوله: وَلَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المَالَ نَائِلُهْ) هو لزهير ابن أبي سلمى من قصيدة يمدح بها حصين بن حذيفة بن بدر الفزاري وأولها: صحى القلب عن سلمى واقصر باطله ... وعرى أفراس الصبا ورواحله قال ابن قتيبة في طبقات الشعراء: مما يستجاد له قوله: وذي نعمة تممتها وشكرتها ... وخصم يكاد يغلب الحق باطله دفعت بمعروف من القول صائب ... إذا ما أضل القائلين تفاضله وذي خطل في القول يحسب أنه ... مصيب فما يُلْمِمْ به فهو قائله عبأت له حلمي وأكرمت غيره ... وأعرضت عنه وهو باد مقاتله وأبيض فياض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغب نوافله غدوة عليه غدوة فوجدته ... قعوداً لديه بالصريم عواذله يفدِّينه طوراً وطوراً يلمنه ... وأعيا فما يدرين أين مخاتله فأعرضن منه عن كريم مرزإٍ ... جموع على الأمر الذي هو فاعله أخي ثقة لا تهلك الخمر رأسه ... ولكنه قد يهلك المال نائله تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله

стр. 1274

ولو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله قال الطَّيبي والشيخ سعد الدين: يريد جوده ذاتي ليس مما يحدث بالسكر. قوله: (ولكنهم يجحدون بآيات الله ويكذبونها). قال الشيخ سعد الدين: لما كان ظاهر الكلام كالمتناقض بناءً على أنَّ الجحود بالآيات المنزلة لصدق النبي ﷺ تكذيب له فيما يدعيه من النبوة والشرائع أجيب بأنَّ المراد ليس قصدهم تكذيبك لأنك عندهم موسوم بالصدق وإنما يقصدون تكذيبي والجحود بآياتي. اهـ قوله: (روي أنَّ أبا جهل كان يقول: ما نكذبك ... ). الحديث أخرجه الترمذي والحاكم وصححه من حديث علي. قوله: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ) تسلية لرسول الله ﷺ ، وفيه دليل على أن قوله (لا يُكَذِّبُونَكَ) ليس بنفى تكذيبه مطلقاً). قال ابن المنير: لا يدل لأنه لا يصح أيضاً مع نفي التكذيب، أي: هؤلاء لم يكذبوك فحقك أن تصبر لأن من قبلك كذبوا وصبروا فأنت أجدر ولكنه أقرب من وجه آخر إذ قد ورد مثل هذه التسلية صريحاً في قوله (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ). اهـ قوله: ((وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) أي: من قصصهم). قال أبو حيان: هو تفسير معنى لا تفسير إعراب، لأنَّ (من) لا تكون فاعلة، والذي يظهر لي أن الفاعل ضمير عائد على ما دل عليه المعنى من الجملة السابقة، أي: وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ أي: ولقد جاءك هذا الخبر من تكذيب أتباع الرسل للرسل والصبر والإيذاء إلى أن نُصروا. اهـ

стр. 1275

وقال ابن عطية: الصواب عندي أن يقدر جلاء أو بيان. اهـ وقال الرماني: تقديره ولقد جاءك نبأ. قوله: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ) . قال الشيخ سعد الدين: وإنما أتى فيه بلفظ كان ليبقى الشرط على المضي ولا ينقلب مستقبلاً، لأن كان لقوة دلالته على المعنى لا تقلبه كلمة (إن) إلى الاستقبال بخلاف سائر الأفعال. اهـ قوله: (وصفه به قطعاً لمجاز السرعة) قال الشيخ سعد الدين: للقوم كلام في أنَّ هذا من قبيل الصفة أو التأكيد أو عطف البيان، والأول هو الوجه، وكذا في قوله (لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ). قوله: (روي أنه يأخذ للجماء من القرناء). أخرجه البخاري ومسلم. قولة: (وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: حشرها موتها). أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم. قوله: (بل الفعل معلق أو المفعول محذوف). اختار أبو حيان أنَّ المسألة من باب التنازع، وأنَّ (أَرَأَيْتَكُمْ) والشرط تنازعا في عذاب الله تعالى فأعمل الثاني وهو (أَتَاكُمْ) فارتفع (عَذَابُ اللهِ) به فاعلاً، ولو أعمل الأول لنصب مفعولاً أول، وأما المفعول الثاني لـ (أَرَأَيْتَكُمْ) فهو الجملة الاستفهامية (أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ) والرابط لها بالمفعول الأول محذوف تقديره: أغير الله تدعون لكشفه، والمعنى: قل أرأيتكم عذاب الله إن أتاكم أو الساعة إن أتتكم أغير الله سبحانه تدعونه لكشفه أو كشف نوازلها.

стр. 1276

تنبيه: لم يتعرض المصنف لبيان جواب الشرط وهو (إِنْ أَتَاكُمْ)، وقد جعله الحوفي (أَرَأَيْتَكُمْ)، قُدم لدخول الهمزة عليه، ورُدَّ بأن تقديم جواب الشرط عليه ممنوع عند البصريين، وجعله الزمخشري محذوفاً تقديره: فمن تدعون، وقدره غيره: دعوتم الله، ودل عليه (أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ)، و جوز الزمخشري كونه جملة (أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ)، ورده أبو حيان بأن جملة الاستفهام المصدرة بالهمزة لا يجوز أن تقع جواباً للشرط، قال: والذي عندي أنه محذوف تقديره: فأخبروني عنه، دل عليه (أَرَأَيْتَكُمْ) لأنه بمعناه. قوله: (وتتركون آلهتكم في ذلك الوقت لما ركز في العقول على أنه القادر على كشف الضر دون غيره، أو وتنسونه من شدة الأمر وهوله). قال الشيخ سعد الدين: يريد أن (وَتَنسَوْن) مجاز عن الترك، أو هو حقيقة. اهـ ونقل الإمام أنَّ بعض الزنادقة أنكر الصانع عند جعفر الصادق فقال له جعفر: هل ركبت البحر؟ قال: نعم. قال: هل رأيت أهواله؟ قال: نعم، هاجت يوماً رياح هائلة فكسرت السفن، وغرق الملاحون، فتعلقت ببعض ألواحها ثم ذهب عني اللوح فدفعت إلى تلاطم الأمواج حتى وصلت الساحل. قال جعفر: قد كان اعتمادك من قبل على السفينة والملاح وعلى اللوح فلما ذهبت هل سلمت نفسك إلى الهلاك أم كنت ترجو السلامة بعد؟ قال: بل رجوت السلامة. قال: ممن؟ فسكت، فقال جعفر: إن الصانع هو الذي كنت ترجوه ذلك الوقت، وهو الذي أنجاك، فأسلم الرجل. قوله: (مراوحة) بالراء والحاء المهملة: وهو العمل بأحد العملين بمرة وبالآخر أخرى، من راوح بين الرِّجْلين: قام على إحداهما مرة وعلى الأخرى أخرى.

стр. 1277

قوله: (روي أنه ﵊ قال: مكر بالقوم ورب الكعبة). لم أقف عليه مرفوعاً إنما هو من قول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم عنه بزيادة: أعطوا حاجتهم ثم أخذوا، لكن روى أحمد والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان من حديث عقبة بن عامر مرفوعاً: إذا رأيت الله يعطي العبد في الدنيا وهو مقيم على معاصيه فإنما هو استدراج ثم تلى رسول الله ﷺ (فلما نسوا ما ذكروا به) الآية والتي بعدها. قوله: (نعمة جليلة يحق أن يحمد عليها). قال الطَّيبي: هذا يؤذن أن (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) كما قال الكواشى إخبار بمعنى الأمر، أي: احمدوا الله، وكذا كل ما ورد في القرآن من هذا. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: لأن مثل هذا تعليم للعباد ومقول على ألسنتهم. اهـ (قوله: (يأتيكم به) أي: بذلك). قال الشيخ سعد الدين: يريد أن ضمير (به) عائد إلى السمع والإبصار والقلوب بتأويل اسم الإشارة، وإفراد اسم الإشارة بتأويل المذكور. اهـ قوله: ((بَغْتَةً) من غير مقدمة ... ) إلى آخره. قال الطَّيبي: (جَهْرَةً) لا تقابل (بَغتة) من حيث اللفظ، لأنَّ مقابل الجهرة الخفية، لكن معنى (بَغتَة): وقوع الأمر من غير شعور، فكأنها في معنى خفية، فحسن لذلك أن يقال (بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً). اهـ قوله: (أي: ما يهلك به هلاك سخط وتعذيب). قال الشيخ سعد الدين: قيد بذلك ليستقيم الحصر، إذ غير الظالمين أيضاً يهلكون لكن لا تعذيباً وسخطاً بل إثابة ورفع درجة. اهـ

стр. 1278

قوله: (ولم نرسلهم (١) ليقترح عليهم ويتلهى بهم). قال الطَّيبي: يعني: يلعب بهم ويسخر. قال: وهو إشارة إلى اتصال هذه الآية بقوله تعالى (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ). اهـ قوله: (جعل العذاب ماساً لهم، كأنه الطالب للوصول إليهم). قال الطَّيبي: يجوز أن يريد أن الاستعارة واقعة في المس فتكون تبعية، أو في العذاب فتكون مكنية، والظاهر الثاني. اهـ وبذلك جزم الشيخ سعد الدين فقال: جعل العذاب من قبيل الأحياء استعارة بالكناية. اهـ قوله: (وهو من جملة المفعول). قال أبو حيان: الظاهر أنه معطوف على (لا أَقُولُ) لا معمول له، فهو أُمر أن يخبر عن نفسه بهذه الجمل الثلاث، فهذه معمولة للأمر الذي هو (قُل). اهـ وقال الحلبي: في الإعراب الأول نظر من حيث أنه يؤدي إلى أن يصير التقدير: ولا أقول لكم لا أعلم الغيب، وليس بصحيح. اهـ قلت: كلا بل التقدير: ولا أقول لكم أعلم الغيب، فالقول صحيح مضمر بين (لا) و (أَعْلَمُ)، لا بين الواو و (لا). قال الشيخ سعد الدين: لا فائدة في الإخبار بأني لا أعلم الغيب، وإنما الفائدة في الإخبار بأني لا أقول ذلك، ليكون نفياً لادعاء الأمرين اللذين هما خواص الإلهية، ليكون المعنى: إني لا أدعى الإلهية ولا الملكية، ويكون تكرير (إِنِّي مَلَكٌ) دون (لا أَعْلَمُ) إشارة إلى هذا المعنى، و (لا) في (وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) مزيدة مذكرة للنفي، وفي (لا أَقُولُ) يحتمل المذكرة والنافية. اهـ قوله: (تبرأ عن دعوى الإلهية والملكية).

стр. 1279

قال الطَّيبي: جعل مجموع قوله (عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ) و (وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) عبارة عن معنى الإلهية، لأن قسمة الأرزاق بين العباد ومعرفة علم الغيب مخصوصتان به، ولهذا كرر في الملكية لفظ (لا أَقُولُ). قال: وهذا يهدم قاعدة استدلال الزمخشري في قوله تعالى (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) على تفضيل الملك على البشر، لأنَّ الترقي لا يكون من الأعلى إلى الأدنى يعني من الإلهية إلى الملكية. اهـ قوله: (مثل للضال والمهتدي). قال الطَّيبي: يريد أنَّ هذه الخاتمة كالتذييل الذي يقع في آخر الكلام على سبيل التمثيل، وقوله (أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ) كالتتميم للتذييل والتنبيه على مكان التذييل، ثم المذيَّل إما ما سبق من أول هذه السورة وجميع ما جرى له مع القوم من الدعوة إلى الحق وإبائهم إلا الباطل وإما ما سبق من قوله (إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) فالبصير من يتبع ما يوحى إليه، والأعمى من لا يرفع به رأساً، أو من قوله (لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) فالأعمى من يدعي هذا والبصير من يتبع الوحي ويدعي النبوة. اهـ قوله: (أو مدعى المستحيل كالألوهية والملكية). قال ابن المنير: دعوى الملكية من الممكنات، لجواز أن يجعل الله تعالى البشر ملكاً والملك بشراً ويدل عليه قوله تعالى (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً)، ولأن الجواهر متماثلة والمعاني القائمة ببعضها يجوز أن تقوم بكلها. اهـ قال العلم العراقي: ومن البين في ذلك قوله تعالى (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ) أطمع آدم في أن يصير مَلَكاً والنبي لا يطمع في مستحيل. اهـ وحكى ذلك الطَّيبي وأقره.

стр. 1280

وقال الشيخ سعد الدين: فإن قيل دعوى الملكية من الممكنات، أي من دعوى الأمور الممكنة، لأنَّ الجواهر متماثلة يجوز أن يقوم بكلها ما يقوم ببعضها، ولهذا لما قيل لآدم (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ) أقدم على الأكل طمعاً في الملكية مع أن النبي لا يطمع في المحال فالجواب: أنَّ المقدمات على تقدير تمامها إنما تفيد إمكان أن يصير البشر ملكاً، وأما أن يكون ملكاً فلا، لتمايزهما بالعوارض المتنافية بلا خلاف، وهذا كما أنَّ كلاً من العناصر يجوز أن يصير الآخر لا أن يكون، وعلى هذا ينبغي أن يحمل طمع آدم لو سلم نبوته، وكونه نبياً عند الأكل. اهـ قوله: (هم المؤمنون المفرطون في العمل ، أو المجوزون للحشر ... ). قال الشيخ سعد الدين: لا خفاء في أن الإنذار بالقرآن والوحي لقصد ترتب التقوى عليه إنما ينجع ويؤثر في من يكون له تقصير ويتوقع فيه اعتقاد أن يحشر من غير ولي ولا شفيع، فلذا فسر (الَّذِينَ يَخَافُونَ) المفرطين في العمل، أو بالكفرة الخائفين من الحشر، وجعل قوله (لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ) حالاً من الحشر، إذ لا يتصور حصول الاتقاء للمؤمنين المتقين، ولا يؤثر الإنذار في الكفرة المتمردين، ولا في الذين يعتقدون مجرد الحشر من غير اعتقاد أن لا ولي سوى الله تعالى ولا شفيع. اهـ قوله: (ينجع). أي: يؤثر. قوله: (روي أنهم قالوا: لو طردت هؤلاء الأعبد). الحديث أخرجه هكذا وفيه قول عمر ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة مرسلاً، وأخرجه بنحوه ابن أبي شيبة وأبو يعلى والبيهقي في الذيل من حديث خباب وليس فيه ذكر قول عمر.

стр. 1281

قوله: (والمراد بذكر الغداة والعشي الدوام) . قال الطَّيبي: يقولون أنا عند فلان صباحاً ومساء، ويريدون الدوام. اهـ قوله: (وإن كان لهم باطن غير مرضي). قال أبو حيان: فكيف يفرض هذا وقد أخبر الله تعالى بإخلاصهم في قوله تعالى (يريدون وجهه) وإخباره هو الصدق الذي لا شك فيه. اهـ قوله: (ويجوز عطفه على (فتطردهم) على وجه التسبب). قال الشيخ سعد الدين: دفع لما يتوهم من أنه لو جعل عطفاً على جواب النفي لصح أن يقع جواباً للنفي، وليس كذلك إذ لا معنى لقولك: ما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين. اهـ قوله: (وفيه نظر). قال الطَّيبي: وجه النظر هو أن قوله تعالى (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) حينئذ مؤذن بأن عدم الظلم لعدم تفويض أمر الحساب إليه، فيفهم منه أن لو كان حسابهم عليه وطردهم كان ظالماً وليس كذلك، لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه. قال: والجواب أنه أراد بذلك المبالغة في معنى الطرد، يعني لو قدر تفويض الحساب إليك مثلاً ليصح منك طردهم لم يصح أيضاً، فكيف والحساب ليس إليك، نظيره في إرادة المبالغة قول عمر: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه. اهـ قوله: (وقيل إن قوماً جاءوا إلى النبى ﷺ فقالوا: إنا أصبنا ذنوباً عظاماً؟ فلم يرد عليهم شيئاً، فنزلت). أخرجه الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن ماهان مرسلاً. قوله: (أي من عمل ذنباً جاهلاً ... ) إلى آخره. قال الطَّيبي: فالجهالة على الأول حقيقة وعلى الثاني مجاز. اهـ قوله: (ومثل ذلك التفصيل الواضح).

стр. 1282

قال الطَّيبي: إشارة إلى ما سبق من أحوال الطوائف الثلاث من لدن قوله تعالى (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) لأنَّ هذه الطائفة هم المطبوع على قلوبهم، والذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم هي الطائفة التي يرى فيها أمارة القبول لأنَّها هي المنذرة التي يرجى إسلامها لقوله (يَخَافُونَ) وقوله تعالى (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)، والتي في قوله (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) هي الطائفة التي دخلت في الإسلام إلا أنها لا تحفظ حدوده، ومن ثم خوطبوا بقوله (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ) فعلى هذا قوله (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) إذا قدر المعلل فصلنا ذلك التفصيل بدلالة السابق عطف جملة على جملة. اهـ قوله: ((وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) أي فى شيء من الهدى). قال الطَّيبي: قالوا في تفسير هذا بهذا نظر لأن هذا الأسلوب في الإثبات يوجب أن يكون المدخول ليس من له حظ قليل في ذلك الوصف بل له حظوظ وافرة إلا أنه غير محظوظ منه، وفي السلب يوجب أن يكون المدخول ممن له حظ ما فيه. قال صاحب الكشاف في قوله تعالى (إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ): قولك: فلان من العلماء أبلغ من قولك: فلان عالم، لأنك تشهد له بكونه معدوداً في زمرتهم ومعرفه مساهمة لهم في العلم. وأجيب: بأن إفادة معنى الاستغراق في نفي الهدى ليست من هذا القبيل بل من قبيل كون قوله (قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) جوابًاً وجزاءً لما دل عليه قوله تعالى (قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ) على سبيل التعريض، كأنه قيل: إن اتبعتُ أهواءكم قد ضللتُ إذن وكنتُ مثلكم متوغلاً في الضلال منغمساً فيه ولا أكون من الهدى في شيء كما أنتم عليه. اهـ قوله: (ويجوز أن يكون صفة لـ (بينة)). قال الشيخ سعد الدين: على معنى كائنة من ربي صادرة عنه. اهـ قوله: (أو للبينة باعتبار المعنى).

стр. 1283

قال الزجاج: لأن البينة والبيان في معنى واحد. اهـ قوله: (مستعار من المفاتح) . قال الطَّيبي: يمكن أن تكون الاستعارة مصرحة تحقيقية، استعير العلم للمفاتح لعلم الله لأن المفاتح هي التي يتوصل بها من علم بها وبكيفية فتح المخازن المستوثق منها بالأغلاق وإلى ما في المخازن من المتاع، فعلم منه أنه تعالى أراد بهذه العبارة أنه هو من المتوصل إلى المغيبات وحده، وأن يكون استعارة تمثيلية بأن يجعل الوجه منتزعاً من أمور متوهمة وهوماً يتوهم من تمكن تحصيل شيء مستوثق منه يختص حصوله بمن عنده ما يتوصل به، وأنه مركب من أمور متعددة، وإن شئت جعلت الاستعارة في الغيب على سبيل المكنية والقرينة إضافة المفتاح إليه على التخييلية. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: هي استعارة بالكناية تشبيهاً للغيب بالأشياء المستوثق منها بالأقفال، وإثبات المفاتح تخييلية كأظفار المنية، وكذا على جعلها جمع مَفتح -بفتح الميم- بمعنى المخزن هي مكنية أيضاً، جعل للغيب مخازن أودعها هو وهي عنده فلا يطلع على الغيب غيره، فهو أيضاً عبارة عن علمه بالمغيبات كما دل عليه قوله تعالى (لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُوَ) لا عن قدرته على جميع الممكنات كما قال الإمام الرازي. اهـ قوله: (والمعنى أنه المتوصل إلى المغيبات). قال ابن المنير: لا يجوز إطلاق المتوصل على الله تعالى لما يوهم من تجدد الوصول. اهـ وقال الطَّيبي: لا بأس إن أريد الاستمرار الدائم. اهـ قال الشيخ سعد الدين: وما قيل من أنَّ إطلاق التواصل على الله تعالى ولو بطريق

стр. 1284

التجوز بعيدٌ لما ينبئ من تجدد الوصول ليس ببعيد. اهـ قلت: هذه العبارة تعطي مساعدة ابن المنير، ولا شك في منع ذلك لعدم الورود، والألفاظ المطلقة عليه سبحانه توقيفية. قوله: ((إِلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) بدل من الاستثناء الأول). قال أبو البقاء: (إِلاّ فِي كِتَابٍ) إلا هو في كتاب، ولا يجوز أن يكون استثناء يعمل فيه (يَعلَمُهَا) لأنَّ المعنى يصير: وما تسقط من ورقة إلا يعلمها إلا في كتاب، فينقلب معناه إلى الإثبات أي: لا يعلمها إلا في كتاب، وإذا لم يكن إلا في كتاب وجب أن يعلمها في كتاب، فإذاً يكون الاستثناء بدلاً من الأول، أي: وما تسقط من ورقة (ولا حبة ولا رطب ولا يابس) إلا في كتاب وما يعلمها (إلا هو). اهـ قال الشيخ سعد الدين: هو صفة للمذكورات، كما أن (إِلاّ يَعْلَمُهَا) صفة لـ (وَرَقَة)، وأما ما يقال إنه تأكيد للاستثناء الأول أو بدل منه وأنه ليس استثناء من (إِلاّ يَعْلَمُهَا) للزوم كونه نفياً في الإثبات لكون (إِلاّ يَعْلَمُهَا) إثباتاً من النفي فمما لا ينبغي أن يصغي إليه المحصل. اهـ قوله: (وَكَتِيبَهٌ لَبسْتُهَا بِكَتِيبَة ... حَتَّى إِذَا التَبَسَتْ نَفَضْتُ لَهَا يَدَي). قال الطَّيبي: ألحق الهاء بالكتيبة لأنه جعله اسماً للجيش، وهو من تكتبت الخيل إذا تجمعت، يقول: رب جيش خلطتها بجيش فلما اختلطت نفضت يدي وتركتهم وشأنهم، وفي البيت كنايات: إحداها: أنه مهياج للحروب، وثانيتها: قوله: نفضت لها يدي، فإنه يدل على أنه خلاهم والفتنة، وثالثتها: أنه فتان جبان. اهـ قوله: (ولا يجوز عطفه على محل (من شىء) لأن (من حسابهم) يأباه).

стр. 1285

قال أبو البقاء: (من) في (من شيءٍ) زائدة، و (مِن حِسَابِهم) حال تقديره: شيء من حسابهم. اهـ يعني: شيء كائن من حسابهم، فإذ عطف (ذِكرَى) على محل (من شيءٍ) لرجع المعنى إلى ما يلزم المتقين الذكرى الذي من حسابهم لأن (من شيءٍ) مقيد بقيد (مِن حِسَابِهم) فإذا عطف عليه لا بد من تقييده به. قال الطَّيبي: واعترض صاحب التقريب وقال: لا يلزم من وصف المعطوف عليه بشيء وصف المعطوف به، وأجيب: أن ذلك في عطف الجملة على الجملة، وأما في عطف مفردات الجمل فملتزم. اهـ وقال الشيخ سعد الدين في توجيه قوله (يأباه): لأنه حال (من شيءٍ) قدم عليه فصار قيداً للعامل، فإذا عطف (ذكرَى) على (شيءٍ) عطف المفرد على المفرد كان جهة القيد معتبرة فيه، ويؤول المعنى إلى أنَّ عَليك من حسابهم ذكرى وذكرى ليس من حسابهم، فإن قيل: لا يلزم من وصف المعطوف عليه بشيء وصف المعطوف به، قلنا: نحن لا ندعي ذلك، بل إنه إذا عطف مفرد على مفرد لا سيما بحرف الاستدراك فالقيود المعتبرة في المعطوف عليه السابقة في الذكر عليه معتبرة في المعطوف ألبتَّة بحكم الاستعمال، تقول: ما جاءني يوم الجمعة أو في الدار أو راكباً أو من هذا القوم رجل ولكن امرأة يلزم أن يكون مجيء المرأة في يوم الجمعة وفي الدار وبصفة الركوب وتكون هي من ذلك القوم ألبتَّة، لا يجوز الاستعمال بخلافه ولا يفهم من الكلام سواه بخلاف مثل: ما جاءني رجل من العرب ولكن امرأة، فإنه لا يبعد كون المرأة من غير العرب. اهـ قال أبو حيان: كأنه تخيل أنه يلزم في العطف القيد الذي في المعطوف عليه وهو

стр. 1286

(مِن حِسَابِهم) لأنه قيد في (شيءٍ) فيصير التقدير: ولكن ذكرى من حسابهم، وليس المعنى عليه، وهذا الذي تخيله ليس بشيء، لأنه لا يلزم في العطف بـ (لكن) ما ذكر، تقول: ما عندنا رجل سوء ولكن رجل صدق، وما عندنا رجل من تميم ولكن رجل من قريش، وما قام رجل عالم ولكن رجل جاهل، فعلى هذا الذي قررناه يجوز أن يكون من عطف الجمل كما تقدم، ويجوز أن يكون من عطف المفردات، والعطف إنما هو الواو، ودخلت (لكن) للاستدراك. اهـ وقال الحلبي: هذه الأمثلة التي ذكرها لا ترد على الزمخشري، لأن أهل اللسان والأصوليين يقولون إن العطف ظاهر في التشريك، فإن كان في المعطوف عليه قيد فالظاهر تقييد المعطوف عليه بذلك القيد إلا أن تجيء قرينة صارفة فيحال الأمر عليها فإذا قلت: ضربت زيداً يوم الجمعة وعمرواً فالظاهر اشتراك عمرو مع زيد في الضرب مقيداً بيوم الجمعة، فإن قلت: وعمرواً يوم السبت، لم يشاركه في قيده، والآية الكريمة من قبيل النوع الأول، أي لم يؤت مع العطف بقرينة تخرجه فالظاهر مشاركته للأول في قيده وحينئذ يلزم ما ذكره الزمخشري، وأما الأمثلة التي أوردها أبو حيان فالمعطوف مقيد بغير القيد الذي قُيد به الأول. قال: وقوله على محل (من شيءٍ) ولم يقل على لفظه لفائدة حسنة تعسر معرفتها وهي أن (لكن) حرف إيجاب فلو عَطف ما بعدها على المجرور لفظاً لزم زيادة (من) في الواجب والأكثر يمنعونه، ويدل على اعتبار الإيجاب في (لكن) أنَّهم إذا عطفوا بعد خبر (ما) الحجازية أبطلوا النصب لأنَّها لا تعمل في المنتقض النفي، و (بل) كـ (لكن) في ذلك. اهـ وقال السفاقسي: المنع صحيح، وهو أنه لا يلزم في المعطوف من التقييد ما في المعطوف عليه، وتقييده بـ (لكن) فيه نظر بل ولا في غيرها، والمثال أيضاً فيه نظر فتدبره. اهـ قوله: (وهذا بسل عليك، أي: حرام) . قال الراغب: البسل: ضم الشيء، ومنعه، ولتضمنه معنى الضم استعير لتقطيب

стр. 1287

الوجه فقيل: هو باسل ومبتسل الوجه، ولتضمنه معنى المنع قيل للمُحَرَّم والمرتهن: بسل، والفرق بين الحرام والبسل أنَّ الحرام عام للممنوع منه حكماً وقهراً، والبسل هو الممنوع منه قهراً. اهـ قوله: (و (كل) نصب على المصدر). قال ابن المنير: لتعدي الفعل إليه بغير واسطة ولو كان مفعولاً به لقيل: بكل عدل. اهـ قوله: ((لا يؤخذ منها) الفعل مسند إلى (منها) لا إلى ضميره). زاد في الكشاف: لأنه مصدرٌ، وهو ليس بمأخوذ. قال الشيخ سعد الدين: نعم يمكن أن يراد بضميره الفدية على ما هو طريق الاستخدام فيصح الإسناد إليه، كما في قوله تعالى (وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) لكنه تكلف لا حاجة إليه مع صحة الإسناد إلى الجار والمجرور كما في قولك: سيرٌ من البلد وأخذٌ من المال. اهـ وقال أبو حيان: هو مسند إلى ضمير المعدول به المفهوم من السياق. اهـ قوله: (بخلاف قوله (وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) فإنه المفدى به). قال الطَّيبي: فإن قيل: كيف صح إسناده في هذه الآية على تأويل المفدى به ولم يصحِ في (كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا)؟ أجيب: بأنه فيها لم يقع مفعولاً مطلقاً ابتداءً بخلافه في الأخرى. اهـ قوله: (ومحل الكاف النصب على الحال ... ) إلى آخره. قال صاحب الفرائد: حاصل هذا الكلام: نُرَدُّ في حال أشباهنا، كقولك: جاء زيد راكباً، أي في حال ركوبه، والرد ليس في حال الأشباه كما أنَّ المجيء في حال الركوب.

стр. 1288

قال الطَّيبي: الحال مؤكدة كقوله تعالى (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) فلا يلزم ذلك. قال: والتشبيه على أن يكون حالاً من التمثيلي، شبه حال من خلص من الشرك ثم نكص على عقبيه بحال من ذهب به الغيلان في المهمه بعدما كان على الجادة المستقيمة، وعلى أن يكون مصدراً يكون من المركب العقلي. اهـ قوله: (واللام لتعليل الأمر). تابع في ذلك صاحب الكشاف. وقال ابن المنير: هذا منه بناءً على أن الأمر تلزمه الإرادة، وأما أهل السنة فيرون في هذه اللام وفي قوله (إِلاّ لِيَعبُدُوَا) إن كان تعليلاً أنَّهم بإزاحة العلل عوملوا معاملة من أريد منهم ذلك وإن لم تكن الطاعة مرادة. اهـ قوله: (أي أمرنا بذلك لنسلم، وقيل هي بمعنى الباء، وقيل زائدة). قال الزجاج: العرب تقول أمرتك أن تفعل وأمرتك بأن تفعل وأمرتك لتفعل، فعلى الأول الباء محذوفة وهى للإلصاق، أي: وقع الأمر بهذا الفعل، وعلى الثالث اللام للتعليل فقد أخبر بالعلة التي بها وقع هذا الأمر. اهـ قوله: (أو على موقعه، كأنه قيل: وأمرنا أن نسلم وأن أقيموا). هذا بناء على أن الكلام في (لِنُسْلِمَ) زائدة. وقال الطيبي: قوله على موقع (لِنُسْلِمَ) أي لو وقع موقعه (أن نسلم) بحذف الجار

стр. 1289

لصح العطف، فعطف عليه بذلك الاعتبار كما في (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ). اهـ وقال الشيخ سعد الدين: قيل: المراد أنه كثيراً ما يقع في هذا الموقع (أن نسلم)، فعطف عليه (وَأَنْ أَقِيمُوا) بهذا الاعتبار على طريقة (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ)، وبهذا يشعر قوله: كأنه قيل أمرنا أن نسلم وأن أقيموا، لكن لا يخفى أنَّ (أن) في (أن نسلم) مصدرية ناصبة للمضارع وفي (وَأَنْ أَقِيمُوا) مفسرة، وقيل لا حاجة إلى هذا الاعتبار بل المراد أنه عطف على مجموع اللام وما بعدها. اهـ قال الإمام: كان من الظاهر أن يقال: أمرنا لنسلم ولأن نقيم، وإنما عدل إلى قوله (وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ) (وَأَنْ أَقِيمُوا) ليؤذن بأن الكافر ما دام كافراً كان كالغائب الأجنبي فخوطب بما يخاطب به الغُيَّب، وإذا أسلم ودخل في زمرة المؤمنين صار كالقريب الحاضر فخوطب بما يخاطب به الحاضرون. قوله: (أي: قَوْلُهُ الْحَقُّ يوم يقول) . قال الشيخ سعد الدين: على أنَّ المراد به المعنى المصدري، يعني قضاؤه الحكمة والصواب ليصح الإخبار عنه بظرف الزمان أعني (وَيوْمَ يَقُولُ)، وتقدم الخبر يكون لكونه الشائع في الاستعمال مثل (عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)، وإن كان الحصر غير مناسب هنا. اهـ قوله: (أو بمحذوف دل عليه (بالحق)). زاد في الكشاف: كأنه قيل وحين يكون ويقدر ويقوم بالحق. اهـ قال أبو حيان: وهذا إعراب متكلف. اهـ قوله: (أو فاعل يكون). قال أبو البقاء: المعنى: فيوجد قوله الحق، فعلى هذا (قَوْلُهُ) بمعنى مقوله، أي:

стр. 1290

فيوجد ما قال له كن، فخرج. اهـ قوله: (تارح). قال ابن الأثير: هو بالتاء المثناة من فوق وفتح الراء وبالحاء المهملة. اهـ قوله: (ومثل هذا التبصير نبصره). قال أبو حيان: مقتضاه أنه من رأى بمعنى عرف، ويحتاج كون رأى بمعنى عرف يتعدى بالهمزة إلى مفعولين إلى نقل عن العرب، والذي نقل النحويون أنَّ رأى بمعنى عرف يتعدي لمفعول، وبمعنى علم إلى مفعولين. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: قد تقرر أنَّ اسم الإشارة (في مثل هذا المقام) إشارة إلى هذه الإرادة لا لشيء آخر يشبه هذه، وأورد بدل الإرادة التعريف والتبصير تصحيحاً لتذكير اسم الإشارة، وتنبيهاً على أنه من رؤية البصر، لكن استعيرت للمعرفة ونظر البصيرة لأنَّ الملكوت بمعنى الربوبية والإلهية ليس مما يبصر حساً. اهـ قوله: (فأراد أن ينبههم على ضلالهم ... ) إلى آخره. هذا القول أظهر لأنَّ قوله تعالى (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي) يدل على أنه كان عارفاً بأن له ربًّا يستحق العبادة ومنه الهداية وأن قومه على الضلال، ويشعر بأن محاجته كانت مع منكِرٍ مبالغ في الإنكار حيث احتيج إلى القسم فإن اللام في (لَئِنْ) موطئة وفي (لَأَكُونَنَّ) جواب قسم، وقوله (يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) صريح في أنَّ الكلام مع القوم، وحمله على حصول اليقين من الدليل خلاف الظاهر. قاله الشيخ سعد الدين. وقال الطَّيبي: أما حسن التأليف فإن قوله لأبيه وإنكاره عليه بقوله (أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا

стр. 1291

آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) إنما ينتظم انتظاماً مع قوله (يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) إذا كان الاستدلال لأجل القوم، لأن صرف الخطاب منه إلى القوم يستدعي أن لا يكون قد أشرك بالله تعالى طرفة عين. اهـ وقال الشيخ تقى الدين السبكى: تكلم الناس في تفسير هذه الآية كثيراً، وفهمت منها أن ذلك تعليم من الله تعالى لإبراهيم الحجة على قومه، فأراه ملكوت السماوات والأرض، وعلمه كيف يحاج قومه ويقول لهم إذا حاجهم في مقام بعد مقام على سبيل التنزل إلى أن يقطعهم بالحجة، ولا يحتاج مع هذا إلى أن نقول ألف الاستفهام محذوفة، ويؤخذ منه أنَّ القول على سبيل التنزل ليس اعترافاً وتسليماً مطلقاً. قال: وهذا الذي فهمته أرجو أنه أقرب من كل ما قيل فيها. اهـ قوله: (ذكر اسم الإشارة لتذكير الخبر). قال أبو حيان: يمكن أن يقال إن أكثر لغة الأعاجم لا يفرقون في الضمائر ولا في الإشارة بين المذكر والمؤنث، ولا علامة عندهم للتأنيث بل المذكر والمؤنث سواء عندهم، فأشار في الآية إلى المؤنث بما يشار به إلى المذكر حين حكى كلام إبراهيم ﷺ ، وحين أخبر الله تعالى عنها بقوله (بَازِغَة) و (أَفَلَت) أنث على مقتضى العربية إذ ليس ذلك بحكاية. اهـ قوله: (روي أنَّ الآية لما نزلت شق ذلك على الصحابة ... ). الحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي من حديث ابن مسعود. قوله: (ولبس الإيمان به ... ) إلى آخره. قوله جواب عن قول الكشاف: أبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس. قوله: (وقرأ الكوفيون ويعقوب بالتنوين).

стр. 1292

قال الشيخ سعد الدين: فـ (مَنْ نَشَاءُ) مفعول (نَرْفَعُ) و (دَرَجَاتٍ) نصب على المصدر أو الظرف أو التمييز إن جوزنا تقديمه. اهـ قوله: (الضمير لإبراهيم إذ الكلام فيه). قال الشيخ سعد الدين: هو المقصود بالذكر دلالة على أنه لما قرر حجة التوحيد وذب عنها أكرمه الله تعالى في الدارين برفع الدرجات وجعل مشاهير الأنبياء من ذريته كرامة باقية إلى يوم القيامة مع كون بعض آبائه أنبياء كنوح وإدريس وشيث. اهـ قوله: (وقيل لنوح لأنه أقرب، ولأن يونس ولوطاً ليسا من ذرية إبراهيم). قال الطَّيبي: يجاب بأن صاحب جامع الأصول ذكر أنَّ يونس من ذرية إبراهيم، وأنه كان من الأسباط في زمن شعياء، ولما كان لوط ابن أخيه وآمن به وهاجر معه أمكن أن يجعل من الذرية على سبيل التغليب. اهـ قوله: (رَأَيْتُ الوَلِيْدَ بن اليزيد مُبَارَكاً ... شَدِيداً بِأَعْبَاءِ الخِلاَفَةِ كَاهِلُهُ). هو لابن ميادة، واسمه الرماح بن أبرد من قصيدة يمدح بها الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، وقبل هذا البيت: هممت بقول صادق أن أقوله ... وإني على رغم العداة لقائله أضاء سراج الملك فوق جبينه ... غداة تناجي بالنحاة قوابله وأول القصيدة: ألا تسأل الربع الذي ليس ناطقاً ... وإني على أن لا يبين لسائله كم العام منه أو متى عهد أهله ... وهل يرجعن لهو الشباب وعاطله الأعباء: جمع عبىء بكسر المهملة وسكون الموحدة ثم همزة النقل، والكاهل: ما بين الكتفين، وهو مرفوع بـ (شديد)، وفي البيت شواهد: أحدها: زيادة الألف واللام في العَلَم وهو اليزيد، وقال ابن جرير: نكتة إدخالها في اليزيد الإتباع للوليد، الثاني: دخول (أل) للمح الصفة في العلم المنقول من الوصف وهو الوليد، الثالث: صرف ما لا ينصرف إذا دخلته (أل)، ولو كانت زائدة كما في اليزيد، الرابع: نصب (رأيت) بمعنى (علمت) مفعولين، وثانيهما مباركاً، فإن كانت بصرية فهو

стр. 1293

حال، الخامس: تعدد الخبر لأن جزئ باب علم أصلهما المبتدأ والخبر وهو هنا في شديد، السادس: إعمال فعيل لاعتماده على ذي خبر، السابع: الفصل بين فعيل ومعموله بالجار والمجرور، الثامن: الاستعارة بتنزيل المعقول منزلة المحسوس، ويصح أن يكون استعارة بالكناية، شبه أمور الخلافة الشاقة بالجسم الذي يثقل حمله، وإضافتها إلى الخلافة ترشيح، وذكر الكاهل تخييل. قوله: (فاختص طريقهم بالاقتداء) . قال الشيخ سعد الدين: أي: اجعله منفرداً بذلك بمعنى: اجعل الاقتداء مقصوراً عليه، فإن قيل: الواجب في الاعتقادات وأصول الدين هو اتباع الدليل من العقل والسمع، فلا يجوز - سيما للنبي ﷺ أن يقلد غيره، فما معنى أمره بالاقتداء بهداهم؟ قلنا: معناه الأخذ به لكن لا من حيث أنه طريقهم بل من حيث إنه طريق العقل والشرع، ففيه تعظيم لهم وتنبيه على أن طريقتهم هي الحق الموافق لدليل العقل والسمع. اهـ قوله: (على أنها كناية عن المصدر). قال الفارسي: أي: اقتد اقتداء. قوله: (وما عرفوه حق معرفته ... ) إلى آخره . قال الطَّيبي: يعني أن قوله تعالى (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ) يحتمل أن يكون صفة لطف وصفة قهر. اهـ قوله: (وإنما قرأ بالياء ... ) إلى آخره. قال الشيخ سعد الدين: فيكون على هذه القراءة التفاتاً حيث جعلوا غيباً لارتكابهم شناعة ذلك الفعل. اهـ قوله: (روي أن مالك بن الصيف ... ). الحديث أخرجه ابن جرير عن سعيد ابن جبير. قوله: ((ولتنذر أم القرى) عطف على ما دل عليه (مبارك)، أي: للبركات ولتنذر). قال الشيخ سعد الدين: لا أرى حاجة إلى هذا التكلف لجواز أن يكون عطفاً على

стр. 1294

صريح الوصف، أي: كتاب مبارك وكائن للإنذار، ومثل هذا أعني عطف الظرف على المفرد في باب الخبر والصفة كثير. اهـ قوله: (كعبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب ... ). الحديث أخرجه ابن جرير عن السدي بدون قصة (فَتَبَارَكَ اللهُ ... ) الآية. قال الحافظ فتح الدين بن سيد الناس في سيرته: تشفع ابن أبي سرح بعثمان فقبله ﵊ بعد تلوم، وحسن بعد ذلك إسلامه حتى لم ينقم عليه في شيء، ومات ساجداً. اهـ قوله: (كالمتقاضي الملظ) أي: الملازم لغريمه لا يفارقه. قال ابن المنير: جعله من مجاز التشبيه، والأولى حمله على الحقيقة. اهـ قلت: وبها ورد الأثر. قوله: (والمعنى: وقع التقطع بينكم) . قال الشيخ سعد الدين: يريد أن الفعل المبني للفاعل اللازم أسند إلى ضمير مصدره، بمعنى: وقع التقطع، كما أن المبني للمفعول يسند إليه مثل: جمع بينكم، أي: جمع الجمع؛ بمعنى: أوقع الجمع، واعترض بأنه واقع في الكلام مثل (وَحِيل بَينهم) بخلاف هذا، فالأولى أنه أسند إلى ضمير الأمر لتقرره في النفوس، أي: تقطع الأمر بينكم، كما تحمل عليه قراءة من قرأ (تقطع ما بينكم) على أن (ما) موصولة أو موصوفة، وأما على قراءة رفع (بينُكم) فإن جعل بمعنى الوصل

стр. 1295

ولا يكون من الظروف فظاهر، وكذا إن جعل ظرفاً غير لازم الظرفية. اهـ وقال أبو حيان: ما ذكر الزمخشري من أنه أسند إلى ضمير المصدر ليس بجيد، لأن شرط الإسناد مفقود فيه وهو تغاير الحكم والمحكوم عليه، ولذلك لا يجوز: قام ولا جلس، وأنتَ تريد قام هو أي القيام. اهـ وقال السفاقسي: هذا لا يرد، لأن الزمخشري تجوز بـ (تَقَطَّعَ) وجعله عبارة عن وقع، والتغاير حاصل بهذا الاعتبار، لأن وقع أعم من التقطع، ولو سلم فالتقطع معرف بلام الجنس و (تَقَطَّعَ) منكر فكيف يقال اتحد الحكم والمحكوم عليه ثَمَّ؟. اهـ قال أبو حيان: وقيل يقدر ضمير الاتصال الدال عليه قوله (شُرَكَاءُ)، أي: لقد تقطع الاتصال بينكم. قال: والذي يظهر أن المسألة من باب التنازع (مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) (تَقَطَّعَ) و (وَضَلَّ) فأعمل الثاني وهو (وَضَلَّ)، وأضمر في (تَقَطَّعَ) ضمير (ما) فالمعنى: لقد تقطع بينكم ما كنتم تزعمون وضل عنكم. قال: وهذا إعراب سهل لم يتنبه له أحد. اهـ قوله: (ذكره بلفظ الاسم حملاً على (فالق الحب) فإن قوله (يخرج الحي) واقع موقع البيان له) . قال ابن المنير: تكرر في القرآن (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ) فيبعد قطعها عن نظائرها، والوجه أنََّ قياس الآية أن تَكون الصفات باسم الفاعل كقوله (فَالِقُ الْحَبِّ) (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ) (وَجَاعِلُ اللَّيْلِ) (١) وإنما عدل إلى صيغة المضارع في (مُخْرِجُ) للدلالة على تصوير ذلك وتمثيله واستحضاره، وإخراج الحيِ من الميت أولى في الوجود وأعظم في القدرة فإن العناية به أتم، ولذلك جاء مقدماً في مواضعه، وحسن عطف الاسم على المضارع لأنه في معناه. اهـ وقال ابن هشام في المغني: لم يجعله معطوفاً على (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) لأن

стр. 1296

عطف الاسم على الاسم أولى، ولكن مجيء قوله تعالى (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) بالفعل فيهما يدل على خلاف ذلك. اهـ وقالَ الطَّيبي: فإن قلت لم لم يعطف على الفعل كما ذهب إليه الإمام ويكون الغرض إرادة الاستمرار فى الأزمنة المختلفة كما سبق في قوله تعالى (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) ليكون إخراج الحي من الميت أولى في القصد من عكسه، ولأن المناسبة في الصنعة البديعية تقتضي هذا لأنه من باب العكس والتبديل كقوله (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) ولورود سائر ما يشبه الآية على المنوال؟ قلت: يمنعه ورود الجملة الثانية مفصولة عن الأولى على سبيل البيان، ولو عطف الثالثة على الثانية كانت بيانية مثلها، لكنها غير صالحة له لأن (فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى) ليس متضمناً لإخراج الميت من الحي، فإن قلت: فقدر مبيناً مناسباً لها على تقدير (فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى)؟ قلت: يفوت إذن غرض التعميم الذي تعطيه الآية من إرادة تخرج الحيوان والنامي من النطف والبيض والحب والنوى، فإن هذا المعنى إنما يحصل إذا قدر (وَمخرِج) معطوفاً على (فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى) ثم يسري معنى العموم إلى قرينتها: فيصح أن يقال مخرج الحي من الميت أي: الحيوان والنامي من النطف والبيض والحب والنوى، ومخرج هذه الأشياء الميتة من الحيوان والنامي، ولو قدر معطوفاً على (تُخرِج) اختص بالحب والنوى. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: قد شاع في الكلام (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ)، وحسن التقابل كما في (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ)، وجاز عطف اسم الفاعل على الفعل المضارع لأنه في معناه، إذ سوق الآية على كون الصفات بلفظ اسم الفاعل وإنما عدل في إخراج الحي من

стр. 1297

الميت إلى المضارع استحضاراً له لكونه أدل في الوجود وأعظم في القدرة، ولكن لا يخفى أن قوله (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) في موقع البيان لـ (فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى) ولذا ترك العطف وَ (وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ) لا يصلح بياناً فلا يحسن عطفه عليه فلذا جعله عطفاً على (فَالِقُ الْحَبِّ). اهـ قوله: (أو به على أنَّ المراد منه جعل مستمر فى الأزمنة المختلفة ... ) إلى آخره. قال أبو حيان هذا ليس بصحيح لأنَّ اسم الفاعل إِذا كان لا يتقيد بزمان خاص وإنما هو للاستمرار فلا يجوز إعماله ولا لمجروره محل، وقد نصوا على ذلك. اهـ وقال ابن هشام في المغني: قد نص -يعني الزمخشري- في (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) على أنه إذا حمل على الزمن المستمر كان بمنزلته إذا حمل على الماضي وكانت إضافته محضة. اهـ وكذا قال الحلبي. وقال صاحب التقريب: ما قاله هنا بخلاف ما ذكره في (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ). وقال الشيخ سعد الدين: بين كلاميه تدافع. قال: وذكر في وجه التوفيق أنَّ الاستمرار لمّا تناول الماضي والحال والاستقبال، فبالنظر إلى حال الماضي تجعل الإضافة حقيقية كما في (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، وإلى الآخَرَين غير حقيقية كما في (وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا) لئلا يلزم مخالفة الظاهر بقطع (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) على الوصفية إلى البدلية، ويجعل (سَكنًا) منصوباً بفعل محذوف فليتأمل فإن هذا هو المشار إليه. اهـ وكذا قال الطَّيبي: إذا كان بمعنى الاستمرار يكون معناه موجوداً في جميع الأزمنة من الماضي والمستقبل والحال كالعالم والقادر فيكون في إضافته اعتباران: أحدهما: أنها محضة باعتبار معنى المضي فيه، وبهذا الاعتبار يقع صفة للمعرفة، والآخر: غير محضة باعتبار معنى الاستقبال، وبهذا الاعتبار يعمل فيما أضيف إليه، ونحوه قوله تعالى (أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) فإن (أَيًّا) من جهة كونها متضمنة لمعنى

стр. 1298

الشرط عامل في (تَدْعُوا)، ومن جهة كونها اسماً متعلق بـ (تَدْعُوا) معمول له. اهـ ثم قال الشيخ سعد الدين: وما يقال إنه لما بعد بمعنى المضي عن شبه الفعل فبمعنى الاستمرار بَعُدَ ليس بشيء، لأنَّ شبهه الخاص إنما هو بالمضارع وباعتباره يعمل، ولهذا يشترط معنى الحال أو الاستقبال الذي هو حقيقة المضارع عند الجمهور، والمضارع قد يجيء بمعنى الاستمرار كثيراً، فاسم الفاعل بالاستمرار لا يبعد عن شبه الفعل بخلاف معنى المضي، وأما أنَّ اللام الموصولة تدخل على الذي بمعنى المضى دون الذي بمعنى الاستمرار فلأن المعتبر في الكون صلة هو محض الحدوث الذي هو أصل الفعل حتى يقولون إنه فعل في صورة الاسم، كما أنَّ اللام اسم في صورة الحرف محافظةً على كون ما دخلته اللام التي في صورة حرف التعريف اسماً صورةً، والاستمرار يبعد عن معنى الحدوث للفعل فيكون محض مفرد فلا يقع صلة، بخلاف المضي. اهـ قوله: (ذكر مع ذكر النجوم (يعلمون) ... ) إلى آخره. قال الشيخ سعد الدين: يعني أن الفقه هو الفهم والحذاقة وتدقيق النظر فكان أليق بالاستدلال بالأنفس لما فيه من الدقة والخفاء، بخلاف الاستدلال بالآفاق ففيه الظهور والجلاء. اهـ وقال ابن المنيرِ: لا يتحقق الفرق، وإنما أريد أن يكون لكل آية فاصلة مستقلة بالمقصود بعداً عن التكرار وتفنناً بالبلاغة. اهـ قوله: ((وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ) عطف على (نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ)) . قال الطَّيبي: الأظهر أن يكون عطفاً على (حَبًّا) لأن قوله (نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ) مفصل يشتمل على كل صنف من أصناف النامي، والنامي: الحب والنوَى وشبههما. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: الأقرب لفظاً ومعنى أن يجعل عطفاً على (خَضِرًا)، و (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ) على (حَبًّا). اهـ

стр. 1299

قوله: (ولا يجوز عطفه على (قِنْوَانٌ) إذ العنب لا يخرج من النخل). قال الشيخ سعد الدين: يجاب بأنها لما كانت معروشة تحت أشجار النخل جاز وصفها بكونها مخرجة من النخيل مجازاً لكونها مدركة من خلالها كما يدرك القنوان. اهـ وذكر الطيبي نحوه. قوله: (حال من الرمان أو من الجميع). وقال أبو حيان: لا يجوز أن يكون حالاً منهما وإن أجازه بعضهم، لأنه لو كان حالاً منهما لكان التركيب: مشتبهين وغير متشابهين. اهـ قوله: (كيف يثمر ضئيلا لا يكاد ينتفع به). قال الشيخ سعد الدين: يشير إلى أن التقييد بقوله (قِنْوَانٌ) للإشعار بأنه حينئذ ضعيف غير منتفع به، فيقابل حال الينع، ويدل كمال التفاوت على كمال القدرة. اهـ قوله: (أو قالوا الله خالق الخير وكل نافع، والشيطان خالق الشر وكل ضار كما هو رأي الثنوية). قال الشيخ سعد الدين: فإن قيل: أليس هذا قول المعتزلة بعينه؟ قلنا: لا فإن المراد بكل ضار ما يعم الأعيان الضارة كالحيات والأفاعي، والمعتزلة لا يقولون بذلك. اهـ قوله: (والجن بدل من شركاء) . قال أبو حيان: هذا لا يجوز، لأنه لو أحل محله وقيل: وجعلوا لله الجن لم ينتظم. اهـ وتعقبه الحلبي والسفاقسي بأن ذلك لا يلزم في كل بدل، كما رد به على الزمخشري في قوله تعالى (مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ). ثم قال أبو حيان: وأحسن إعراب فيه ما قاله أستاذنا أبو جعفر بن الزبير أنه نصب بإضمار فعل جواب سؤال مقدر كأنه قيل: من جعلوا (لله شركاء)؟ فقيل:

стр. 1300

الجن، أي: جعلوا الجن، ويؤيده قراءة (الجنُّ) بالرفع على تقدير: هم الجن، جواباً لمن قال: من الذي جعلوه. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: قيل: الأولى أن ينتصب بمحذوف جواباً عن سؤال، وذلك لأنه لو كان بدلاً لكان التقدير: وجعلوا لله الجن، وليس له كبير معنى، اللهم إلا أن يقال: إن المبدل ليس في حكم التنحية بالكلية. اهـ قوله: (وبالجر على الإضافة للتبيين). قال أبو حيان: لا يتضح معنى هذه القراءة إذ التقدير: وجعلوا شركاء الجن لله. اهـ وقال الحلبي: معناها واضح بما فسره الزمخشري في قوله: والمعنى أشركوهم في عبادتهم لأنهم أطاعوهم كما يطاع الله، ولذلك سماها إضافة تبيين أي: بين الشركاء، كأنه قيل الشركاء المطيعين للجن. اهـ قوله: (أو إلى الظرف كقولهم: ثبت الغدر بمعنى عدم النظير فيهما). قال الشيخ سعد الدين: يعني أن الإضافة حقيقية بمعنى (في) على ما يراه البعض في ثبت الغدر، ثم بين وجه الظرفية على وجه لا يخل بالتنزه عن المكان والجهة وحاصله توفية معنى البداعة والتنزه وانتفاء المثل والنظير وهو لا يوجب كونه نفسه في السماوات. اهـ قوله: (وفى الآية استدلال على نفي الولد من وجوه ... ) ذكرها ثلاثة. وقال الشيخ سعد الدين: الظاهر أنَّ العلم بكل شيء وجه مستقل، فتكون الوجوه
следующие страницы →