← Тафсир

Тафсир · id 29882

نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (1 427 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

عطف الاسم على الاسم أولى، ولكن مجيء قوله تعالى (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) بالفعل فيهما يدل على خلاف ذلك. اهـ وقالَ الطَّيبي: فإن قلت لم لم يعطف على الفعل كما ذهب إليه الإمام ويكون الغرض إرادة الاستمرار فى الأزمنة المختلفة كما سبق في قوله تعالى (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) ليكون إخراج الحي من الميت أولى في القصد من عكسه، ولأن المناسبة في الصنعة البديعية تقتضي هذا لأنه من باب العكس والتبديل كقوله (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) ولورود سائر ما يشبه الآية على المنوال؟ قلت: يمنعه ورود الجملة الثانية مفصولة عن الأولى على سبيل البيان، ولو عطف الثالثة على الثانية كانت بيانية مثلها، لكنها غير صالحة له لأن (فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى) ليس متضمناً لإخراج الميت من الحي، فإن قلت: فقدر مبيناً مناسباً لها على تقدير (فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى)؟ قلت: يفوت إذن غرض التعميم الذي تعطيه الآية من إرادة تخرج الحيوان والنامي من النطف والبيض والحب والنوى، فإن هذا المعنى إنما يحصل إذا قدر (وَمخرِج) معطوفاً على (فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى) ثم يسري معنى العموم إلى قرينتها: فيصح أن يقال مخرج الحي من الميت أي: الحيوان والنامي من النطف والبيض والحب والنوى، ومخرج هذه الأشياء الميتة من الحيوان والنامي، ولو قدر معطوفاً على (تُخرِج) اختص بالحب والنوى. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: قد شاع في الكلام (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ)، وحسن التقابل كما في (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ)، وجاز عطف اسم الفاعل على الفعل المضارع لأنه في معناه، إذ سوق الآية على كون الصفات بلفظ اسم الفاعل وإنما عدل في إخراج الحي من

стр. 1297

الميت إلى المضارع استحضاراً له لكونه أدل في الوجود وأعظم في القدرة، ولكن لا يخفى أن قوله (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) في موقع البيان لـ (فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى) ولذا ترك العطف وَ (وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ) لا يصلح بياناً فلا يحسن عطفه عليه فلذا جعله عطفاً على (فَالِقُ الْحَبِّ). اهـ قوله: (أو به على أنَّ المراد منه جعل مستمر فى الأزمنة المختلفة ... ) إلى آخره. قال أبو حيان هذا ليس بصحيح لأنَّ اسم الفاعل إِذا كان لا يتقيد بزمان خاص وإنما هو للاستمرار فلا يجوز إعماله ولا لمجروره محل، وقد نصوا على ذلك. اهـ وقال ابن هشام في المغني: قد نص -يعني الزمخشري- في (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) على أنه إذا حمل على الزمن المستمر كان بمنزلته إذا حمل على الماضي وكانت إضافته محضة. اهـ وكذا قال الحلبي. وقال صاحب التقريب: ما قاله هنا بخلاف ما ذكره في (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ). وقال الشيخ سعد الدين: بين كلاميه تدافع. قال: وذكر في وجه التوفيق أنَّ الاستمرار لمّا تناول الماضي والحال والاستقبال، فبالنظر إلى حال الماضي تجعل الإضافة حقيقية كما في (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، وإلى الآخَرَين غير حقيقية كما في (وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا) لئلا يلزم مخالفة الظاهر بقطع (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) على الوصفية إلى البدلية، ويجعل (سَكنًا) منصوباً بفعل محذوف فليتأمل فإن هذا هو المشار إليه. اهـ وكذا قال الطَّيبي: إذا كان بمعنى الاستمرار يكون معناه موجوداً في جميع الأزمنة من الماضي والمستقبل والحال كالعالم والقادر فيكون في إضافته اعتباران: أحدهما: أنها محضة باعتبار معنى المضي فيه، وبهذا الاعتبار يقع صفة للمعرفة، والآخر: غير محضة باعتبار معنى الاستقبال، وبهذا الاعتبار يعمل فيما أضيف إليه، ونحوه قوله تعالى (أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) فإن (أَيًّا) من جهة كونها متضمنة لمعنى

стр. 1298

الشرط عامل في (تَدْعُوا)، ومن جهة كونها اسماً متعلق بـ (تَدْعُوا) معمول له. اهـ ثم قال الشيخ سعد الدين: وما يقال إنه لما بعد بمعنى المضي عن شبه الفعل فبمعنى الاستمرار بَعُدَ ليس بشيء، لأنَّ شبهه الخاص إنما هو بالمضارع وباعتباره يعمل، ولهذا يشترط معنى الحال أو الاستقبال الذي هو حقيقة المضارع عند الجمهور، والمضارع قد يجيء بمعنى الاستمرار كثيراً، فاسم الفاعل بالاستمرار لا يبعد عن شبه الفعل بخلاف معنى المضي، وأما أنَّ اللام الموصولة تدخل على الذي بمعنى المضى دون الذي بمعنى الاستمرار فلأن المعتبر في الكون صلة هو محض الحدوث الذي هو أصل الفعل حتى يقولون إنه فعل في صورة الاسم، كما أنَّ اللام اسم في صورة الحرف محافظةً على كون ما دخلته اللام التي في صورة حرف التعريف اسماً صورةً، والاستمرار يبعد عن معنى الحدوث للفعل فيكون محض مفرد فلا يقع صلة، بخلاف المضي. اهـ قوله: (ذكر مع ذكر النجوم (يعلمون) ... ) إلى آخره. قال الشيخ سعد الدين: يعني أن الفقه هو الفهم والحذاقة وتدقيق النظر فكان أليق بالاستدلال بالأنفس لما فيه من الدقة والخفاء، بخلاف الاستدلال بالآفاق ففيه الظهور والجلاء. اهـ وقال ابن المنيرِ: لا يتحقق الفرق، وإنما أريد أن يكون لكل آية فاصلة مستقلة بالمقصود بعداً عن التكرار وتفنناً بالبلاغة. اهـ قوله: ((وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ) عطف على (نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ)) . قال الطَّيبي: الأظهر أن يكون عطفاً على (حَبًّا) لأن قوله (نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ) مفصل يشتمل على كل صنف من أصناف النامي، والنامي: الحب والنوَى وشبههما. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: الأقرب لفظاً ومعنى أن يجعل عطفاً على (خَضِرًا)، و (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ) على (حَبًّا). اهـ

стр. 1299

قوله: (ولا يجوز عطفه على (قِنْوَانٌ) إذ العنب لا يخرج من النخل). قال الشيخ سعد الدين: يجاب بأنها لما كانت معروشة تحت أشجار النخل جاز وصفها بكونها مخرجة من النخيل مجازاً لكونها مدركة من خلالها كما يدرك القنوان. اهـ وذكر الطيبي نحوه. قوله: (حال من الرمان أو من الجميع). وقال أبو حيان: لا يجوز أن يكون حالاً منهما وإن أجازه بعضهم، لأنه لو كان حالاً منهما لكان التركيب: مشتبهين وغير متشابهين. اهـ قوله: (كيف يثمر ضئيلا لا يكاد ينتفع به). قال الشيخ سعد الدين: يشير إلى أن التقييد بقوله (قِنْوَانٌ) للإشعار بأنه حينئذ ضعيف غير منتفع به، فيقابل حال الينع، ويدل كمال التفاوت على كمال القدرة. اهـ قوله: (أو قالوا الله خالق الخير وكل نافع، والشيطان خالق الشر وكل ضار كما هو رأي الثنوية). قال الشيخ سعد الدين: فإن قيل: أليس هذا قول المعتزلة بعينه؟ قلنا: لا فإن المراد بكل ضار ما يعم الأعيان الضارة كالحيات والأفاعي، والمعتزلة لا يقولون بذلك. اهـ قوله: (والجن بدل من شركاء) . قال أبو حيان: هذا لا يجوز، لأنه لو أحل محله وقيل: وجعلوا لله الجن لم ينتظم. اهـ وتعقبه الحلبي والسفاقسي بأن ذلك لا يلزم في كل بدل، كما رد به على الزمخشري في قوله تعالى (مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ). ثم قال أبو حيان: وأحسن إعراب فيه ما قاله أستاذنا أبو جعفر بن الزبير أنه نصب بإضمار فعل جواب سؤال مقدر كأنه قيل: من جعلوا (لله شركاء)؟ فقيل:

стр. 1300

الجن، أي: جعلوا الجن، ويؤيده قراءة (الجنُّ) بالرفع على تقدير: هم الجن، جواباً لمن قال: من الذي جعلوه. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: قيل: الأولى أن ينتصب بمحذوف جواباً عن سؤال، وذلك لأنه لو كان بدلاً لكان التقدير: وجعلوا لله الجن، وليس له كبير معنى، اللهم إلا أن يقال: إن المبدل ليس في حكم التنحية بالكلية. اهـ قوله: (وبالجر على الإضافة للتبيين). قال أبو حيان: لا يتضح معنى هذه القراءة إذ التقدير: وجعلوا شركاء الجن لله. اهـ وقال الحلبي: معناها واضح بما فسره الزمخشري في قوله: والمعنى أشركوهم في عبادتهم لأنهم أطاعوهم كما يطاع الله، ولذلك سماها إضافة تبيين أي: بين الشركاء، كأنه قيل الشركاء المطيعين للجن. اهـ قوله: (أو إلى الظرف كقولهم: ثبت الغدر بمعنى عدم النظير فيهما). قال الشيخ سعد الدين: يعني أن الإضافة حقيقية بمعنى (في) على ما يراه البعض في ثبت الغدر، ثم بين وجه الظرفية على وجه لا يخل بالتنزه عن المكان والجهة وحاصله توفية معنى البداعة والتنزه وانتفاء المثل والنظير وهو لا يوجب كونه نفسه في السماوات. اهـ قوله: (وفى الآية استدلال على نفي الولد من وجوه ... ) ذكرها ثلاثة. وقال الشيخ سعد الدين: الظاهر أنَّ العلم بكل شيء وجه مستقل، فتكون الوجوه

стр. 1301

أربعة، إلا أنه أدرجه وجعله مع (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) وجهاً واحداً لأن المعنى إنما يتحقق بالإيجاد الاختياري وذلك بالعلم، ولأنه ربما يناقش في لزوم كون الولد كالوالد في العلم بكل شيء. اهـ وقال الإمام بعد ما طول في تقرير الوجوه: ولو أن الأولين والآخرين اجتمعوا على أن يذكروا في هذه المسألة كلاماً يساويه أو يدانيه في القوة والكمال لعجزوا عنه. اهـ قوله: (ويجوز أن يكون البعض بدلاً أو صفة). لم يجز ذلك في الكل لأنَّ الله عَلَمٌ لا يجوز أن يقع صفةً لاسم الإشارة. نبه عليه الشيخ سعد الدين. قوله: (وهي للنفس كالبصر للبدن). قال الطَّيبي: فيه بيان لربط هذه الآية بما قبلها، كما نفى إدراك البصر عن المكلفين أثبت لهم البصيرة ومنَّ عليهم بها. اهـ قوله: (فلنفسه أبصر). قال أبو حيان: الأولى تقدير المصدر أي: فالإبصار لنفسه والعمى عليها وذلك لوجهين: أحدهما: أنَّ المحذوف يكون مفرداً لا جملة، ويكون الجار والمجرور عمدة لا فضلة، وفي تقديره هو المحذوف جملة، والجار والمجرور فضلة، والثاني: وهو أقوى أنه لو كان المقدر فعلاً لم تدخل الفاء سواء كانت (من) شرطاً أم موصولة لامتناعها في الماضي. اهـ وقال الحلبي: الذي قدره المصنف سبقه إليه الكلبي، وقوله إن الفاء لا تدخل فيما ذكر قد ينازع فيه. اهـ وقال السفاقسي: أما الترجيحان الأولان فمعارضان بأن تقدير الفعل يترجح لتقدم فعل ملفوظ به وكان أقوى في الدلالة، وبأن تقديره فيه تقديم المعمول المؤذن بالاختصاص، وأما الثالث فلا يلزم لأنه لم يقدر الفعل موالياً لفاء الجواب بل قدر معمول الفعل الماضي مقدماً ولا بد فيه من الفاء، لو قلت: من أكرم زيداً فلنفسه أكرمه، لم يكن بد من

стр. 1302

الفاء. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: قدر الفعل متأخراً لكون المعنى على الاختصاص، واللفظ على الفاء، تقول: من جاء فللإكرام جاء، ولا تقول: فجاء للإكرام إلا بتأويل. اهـ قوله: ((فعليها) وباله) . قلت: كذا قدره المصنف هنا خلاف ما قدره الزمخشري حيث قال: فعلى نفسه عمى، ولا أدري أغاير بين الموضعين فلا هو قدر الفعل فيهما كالزمخشري ولا المبتدأ فيهما كأبي حيان، وكأنه أشار إلى جواز الأمرين. قوله: (والله هو الحفيظ). قال الشيخ سعد الدين: يعني أنَّ تقديم الضمير وإيلاءه حرف النفي للحصر وإن كان الخبر صفة لا فعلاً، أي: الحفيظ غيري وهو الله لا أنا. اهـ قوله: (وهو كلام ورد على لسان الرسول). قال الشيخ سعد الدين: كأنه قيل: قل ذلك. اهـ قوله: ((ودُرِست) على البناء للمفعول بمعنى: قرئت، أو عُفِيَتْ). قال أبو حيان: أما قُرِّئت فظاهر، لأن دَرَّس بمعنى: كرر القراءة متعدٍ، وأما بمعنى بلي وانمحى فلا أحفظه متعدياً ولا وجدناه فيمن وقفنا على شعره من العرب إلا لازماً. اهـ وقال السفاقسي: بل حفظ أيضاً متعدياً، قال الزبيدي: درس الشيء يدرس درساً: عفا، ودرسته الريح. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: جاء درس لازماً ومتعدياً بالمعنيين. اهـ قوله: ((لا إله إلا هو) اعتراض أكد به إيجاب الاتباع). قال الطَّيبي: لما في كلمة التوحيد من التمسك بحبل الله والاعتصام به والتبري والإعراض عما سواه، ولأنَّ الموحى ليس إلا التوحيد قال تعالى (إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ

стр. 1303

أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ). اهـ قوله: (أو حال مؤكدة). قال صاحب التقريب: فيه نظر، إذ شرط المؤكدة تقدم جملة اسمية. اهـ وقال الطَّيبي: هذا لحذف العامل كما تقدم لي مراراً. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: على تجويزها بعد الجملة الفعلية كما سبق في (قَائِمًا بِالْقِسْطِ). اهـ قوله: (وما يدريكم ... ) إلى آخره. قال ابن المنير: إذا قيل لك: أكرم زيداً يكافئك، قلت في إنكاره: وما يدريك أنني إذا أكرمته يكافئني، فإن قيل: لا تكرم زيداً فإنه لا يكافئك، قلت في إنكاره: وما يدريك أنه لا يكافئني، تريد وأنا أعلم منه المكافأة، فكان مقتضى حسن ظن المؤمنين بهؤلاء المعاندين أن يقال لهم: وما يدريكم أنَّها إذا جاءت يؤمنون، وإثبات (لا) يعكس المعنى إلى أن المعلوم لك الثبوت، وأنت تنكر على من نفى، فلهذا حملها بعض العلماء على زيادة (لا)، وبعضهم على معنى (لعل)، والزمخشري أبقاها على وجهها بطريق موضحة بمثالنا المذكور، فإذا قيل لك: أكرم زيداً يكافئك فلك فيه حالتان: حالة تنكر عليه ادعاءه العلم لما تعلم خلافه، وحالة تعذره في عدم العلم بأنه لا يكافئ، وإنكار الأول بحذف (لا)، وإنكار الثاني يجوز معه ثبوت (لا) بمعنى: ومن أين تعلم أنت ما علمته أنا من أنه لا يكافئ، فالآية أقيم فيها عذر المؤمنين في عدم علمهم بالغيب الذي علمه الله، وهو عدم إيمان هؤلاء، واستقام دخول (لا). اهـ قوله: (أنكر السبب مبالغة في نفى المسبب).

стр. 1304

قال الطَّيبي: يعني أنكر الدراية بهذا العلم وأريد إنكار إظهار الحرص على إيمانهم، أي: أنتم لا تدرون هذه المسألة فلذلك تطمعون في إيمانهم. اهـ قوله: ((وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ) عطف على (لا يؤمنون)). قال أبو حيان: الظاهر أنَّها استئناف أخبار. اهـ وقال الحلبي: الظاهر ما قاله المصنف، ويساعده ما جاء في التفسير عن ابن عباس ومجاهد وابن أبي زيد. اهـ قوله: (أو لام الأمر، وضعفه أظهر). حيث لم يحذف آخر الفعل المعتل. قوله: (أو خطاب الرسول كخطاب الأمة). قال الطَّيبي: يريدون أن قوله (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) من باب تلوين الخطاب، فيجوز أن يراد به رسول الله ﷺ خاصة مزيداً للثبات على اليقين والتجنب عن الامتراء تهييجاً وإلهاباً، ولأمته عامة بالطريق الأولى وأن يراد به جميع الناس ابتداء، وأنَّ يراد جميع الناس لكن على سبيل التبعية تعظيماً للمخاطب لأن الرسول ﷺ رئيس أمته وعليه تدور رحى الأمة كقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ). اهـ قوله: (ونصبهما يحتمل التمييز والحال). قال الطَّيبي: إما من (رَبك) أو من الكلمة على الإسناد المجازي. اهـ قوله: (لا أحد يبدل شيئاً منها بما هو أصدق). أي أخباراً. (أو أعدل) أي: أمراً ونهياً ووعداً ووعيداً. قال الشيخ سعد الدين: قال: والباء في قوله (بما) ليست في موقعها، لأن معنى

стр. 1305

بدَّله بخوفه أمناً: أزال خوفه إلى الأمن. اهـ قوله: ((إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) ... ) إلى آخره. قال الشيخ سعد الدين: ظاهر تقديره أنَّ (ما) موصولة فلا يستقيم سوى أن يجعل الاستثناء منقطعاً، ولك أن تجعله استثناء من ضمير (حَرَّمَ)، و (ما) مصدرية في معنى المدة، أي: الأشياء التي حرمت عليكم إلا وقت الاضطرار إليها. اهـ قوله: (وقيل: الزنا في الحوانيت واتخاذ الأخذان). قال الطيبي: فعلى هذا قوله (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ) معطوف على قوله (فَكُلُوا) وداخل في حكم التسبب على إنكار اتباع المضلين في تحليل ما حرمه الله وتحريم ما أحله من أكل الميتة ومن الزنا، لكن الذي يقتضيه النظم أن تكون معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه وهو قوله (وَلا تَأْكُلُوا) (فَكلُوا) ومعناه ما قال أولاً ما نعلن وما نسر، أو بالجوارح وما بالقلب توكيداً للإنكار في قوله (وَمَا لَكُمْ أَلاّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ). اهـ قوله: (وقال مالك والشافعى بخلافه) قال الشيخ سعد الدين: ذكر صاحب الانتصاف -وهو مالكي- أنَّ مالكاً يوافق أبا حنيفة. اهـ قوله: (لقوله ﵊: ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله عليه). أخرجه عبد بن حميد عن راشد بن سعد مرسلاً. قوله: (وأوَّله بالميتة أو بما ذكر غير اسم الله عليه). قال الشيخ سعد الدين: التأويل بذلك إنما يتم على مذهب الشافعي حيث لم يفرق بين العمد والنسيان، وأما على مذهب أبي حنيفة فالناسي ليس بتارك، لأن تسمية الله تعالى في قلب كل مؤمن على ما روي أنه ﵊ سئل عن متروك التسمية ناسياً فقال: كلوه فإن تسمية الله في قلب كل مؤمن. ولم يلحق به العامد إما لامتناع تخصيص الكتاب بالقياس وإن كان منصوص العلة،

стр. 1306

وإما لأنه لما ترك التسمية عمداً فكأنه نفى ما في قلبه، واعترض بأن تخصيص العام الذي خص منه البعض جائز بالقياس المنصوص العلة وفاقاً، وبأننا لا نسلم أن التارك عمداً بمنزلة الناسي لما في قلبه، بل ربما يكون ذلك لوثوقه بذلك وعدم افتقاره إلى الذكر، فذهبوا إلى أنَّ الناسي خارج بقوله (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) إذ الضمير عائد إلى عدم ذكر التسمية لكونه أقرب المذكورات، ومعلوم أن الترك نسياناً ليس بفسق لعدم التكليف والمؤاخذة، فتعين العمد، وقد عرفت ما فيه، وللشافعية وجوه: الأول: أن التسمية على ذكر المؤمن وفي قلبه ما دام مؤمناً فلا يتحقق منه عدم الذكر، فلا يحرم من ذبيحته إلا ما أُهلَّ به لغير الله، الثاني: أن قوله تعالى (لَفِسْقٌ) على وجه التحقيق والتأكيد لا يصح في حق أكل ما لم يذكر اسم الله عليه عمداً كان أو سهواً إذ لا فسق بفعل ما هو في محل الاجتهاد، الثالث: أن قوله (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) في موقع الحال إذ لا يحسن عطف الأخبار على الإنشاء وقد بين الفسق بقوله (أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ) فيكون النهي عن الأكل مقيداً بكون ما لم يذكر اسم الله عليه وقد أهل به لغير الله، فيحل ما ليس كذلك إما بطريق مفهوم المخالفة وإما بحكم الأصل وإما بالعمومات الواردة في حل الأطعمة، واعترض بأن التأكيد بـ (إن) واللام ينفي كون الجملة حالية لأنه إنما يحسن فيما قصد الإعلام بتحققه ألبتَّة والرد على المنكر تحقيقاً أو تقديراً على ما بين في علم المعاني، والحال الواقع في الأمر والنهي مبناه على التقدير، كأنه قيل: لا تأكلوا منه إن كان فسقاً، فلا يحسن وإنه لفسق بل وهو فسق، والجواب: أنه لما كان المراد بالفسق ههنا الإهلال به لغير الله كان التأكيد مناسباً، كأنه قيل: لا يأكلوا منه إذا كان هذا النوع من الفسق الذي الحكم به متحقق والمشركون ينكرون. اهـ قوله: (والضمير لـ (ما)). قال الشيخ سعد الدين: أي إلى ما لم يذكر إما بحذف المضاف، أي: إن أكله، وإما بجعل ما لم يذكر نفس الفسق على طريقة: رجل عدل، ولم يجعل الضمير للمصدر المأخوذ من مضمون (لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) أي: إنَّ تَرْك اسم الله عليه فسق، لأن كون ذلك فسقاً سيما على وجه التحقيق والتأكيد مما لم يذهب إليه أحد، ولا يلائم قوله تعالى (أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ) مع أن القرآن يفسر بعضه بعضاً سيما في حكم واحد، ولأنَّ ما لم يذكر اسم الله عليه يتناول الميتة مع القطع بأن

стр. 1307

ترك التسمية عليها ليس بفسق. اهـ قوله: (فإن من ترك طاعة الله إلى طاعة غيره واتبعه في دينه فقد أشرك). قال الشيخ سعد الدين: أي صار مشركاً بالله تعالى جاعلاً له شريكاً في استحقاق الطاعة وشرعية الدين والملة ونحو ذلك مما هو من خواص الإلهية للاتفاق على أنه لا حاكم في أمر الدين سواه. اهـ قوله: (مثل به من هداه (الله وأنقذه من الضلال ... ) إلى آخره. قال الطَّيبي: في الآية استعارتان تمثيليتان، وتشبيه تمثيلي، أما الاستعارة الأولى فشأنها ما قال: مثل به من هداه ... إلى آخره، والثانية: مثل من بقي على الضلالة بالخابط في الظلمات لا ينفك منها، والاستعارة الأولى بجملتها مشبهة والثانية مشبه به. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: الظاهر أن (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا) و (كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ) من قبيل الاستعارة التمثيلية إذ لا ذكر للمشبه صريحاً، ولا دلالة بحيث ينافي الاستعارة وهذا كما تقول في الاستعارة الإفرادية: أن يكون الأسد كالثعلب أي الشجاع كالمحتال. اهـ قوله: (أي كما جعلنا فى مكة أكابر مجرميها ... ). قال الطَّيبي: مشعر بأن قوله (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا ... ) الآية متصلة بقوله (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)، لأن الضمير المرفوع للمسلمين والمنصوب للمشركين وهم الذين قيل فيهم (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ). اهـ قوله: (ومفعولاه (أكابر مجرميها) على تقديم المفعول الثاني، أو فى كل قرية أكابر، ومجرميها بدل). قال أبو حيان: هذان التخريجان خطأ وذهول عن قاعدة نحوية، وهو أن أفعل التفضيل يلزم إفراده إذ كان بـ (من) ظاهرة أو مقدرة أو مضافاً إلى نكرة،

стр. 1308

و (أَكَابِرَ) هنا جمع وهو غير مضاف على هذين التخريجين. قال: وقد نبه لذلك الكرماني فقال: أضاف أَكَابِرَ إلى مجرميها لأنَّ أفعل لا يجمع إلا مع (أل) والإضافة. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: الذي يقتضيه النظر الصائب والتأمل الصادق في عبارة المصنف أن (فِي كُلِّ قَرْيَةٍ) لغو، و (أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا) مفعول أول، و (لِيَمْكُرُوا) هو الثاني. اهـ قوله: (كفرسي رهان). أي سابقين إلى غاية. قوله: (استئناف للرد عليهم). قال الطيبي: أي جواب عن سؤال مورده قوله (لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ) يعني لما قالوا ذلك سئل: فما كان جواب الباري سبحانه لهم؟ قيل: أجيبوا بأن النبوة فضل من الله يختص بها من يشاء. اهـ قوله: (وهو أعلم بالمكان الذي يضعها فيه). قال الشيخ سعد الدين: يشعر بأن تعلق (حَيث) بـ (أعلم) تعلق المفعول به، وفيه إعمال أفعل التفضيل في المفعول به، وإخراج (حيث) عن الظرفية. اهـ قوله: (وإليه أشار ﵊ حين سئل عنه فقل: نور يقذفه الله). الحديث أخرجه الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير من حديث أبي جعفر مرسلاً، وأخرجه الحاكم والبيهقي في شعب الإيمان موصولاً من حديث ابن

стр. 1309

مسعود نحوه. قوله: (وَهُوَ وَلِيُّهُمْ ... ) إلى آخره. قال الطيبي: يريد أنَّ الولي إذا كان بمعنى المحب والناصر فالوجه أن تكون للباء سببية أي يحبهم وينصرهم بسبب أعمالهم، وإذا كان بمعنى متولي الأمور فالباء للملابسة، والمعنى: يتولاهم ملتبساً بجزائهم، أي: يُعد لهم الثواب. اهـ قوله: (ولكل من المكلفين). قال الطَّيبي: أي المطيعين والعاصين اهـ. قوله: (درجات: مراتب). قال الشيخ سعد الدين: على ما يعم الدرجات والدركات تغليباً أو نظراً إلى أصل الوضع. اهـ قوله: ((وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ) ... ) إلى آخره). قال الإمام: اعلم أنه تعالى لما بين ثواب أصحاب الطاعات وعقاب أصحاب المعاصي وذكر أنَّ لكل قوم درجة مخصوصة ومرتبة معينة تبين أن تخصيص المطيعين بالثواب والمذنبين بالعقاب ليس أنه يحتاج إلى طاعة المطيعين أو ينتقص لمعصية المذنبين فإنه تعالى غني لذاته عن جميع العالمين، ومع كونه غنياً فإن رحمته عامة شاملة، ولا سبيل إلى تربية المكلفين وإيصالهم إلى درجات الأبرار المقربين إلا بعد الترغيب في الطاعات والترهيب عن المحظورات. اهـ قال الطَّيبي: وإلى هذا المعنى أشار المصنف بقوله: يترحم عليهم بالتكليف ... إلى آخره. اهـ قوله: (وفيه تنبيه على أن ما سبق ... إلى آخره).

стр. 1310

قال الطَّيبي: يعني أنه تعالى إنما ذكر الرحمة وقرن به الغنى لأمرين: أحدهما: ليشير إلى أنَّ ذلك الإرسال المذكور لم يكن إلا لمحض رحمة العباد لأنه غني مطلقاً، وثانيهما: أن يكون تخلصاً إلى خطاب العصاة من أمة محمد ﷺ بقوله (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) لأجل ذلك الاقتران، يعني أنه تعالى مع كونه ذا الرحمة بإرسال المرسل كذلك غني عن العالمين وعنكم خاصة أيها العصاة أن يشأ يذهبكم ويأت بآخرين، ولذلك عقبه بقوله (إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ). اهـ قوله: (على غاية تمكنكم) . قال الشيخ سعد الدين: بأن يكون المكانة على حقيقة معناها المصدري، أو على ناحيتكم وجهتكم بأن يكون مجازاً عن التي بمعنى المكان. اهـ قوله: (كالمأمور به). قال الشيخ سعد الدين: يريد أن الأمر للتهديد من قبيل الاستعارة تشبيهاً لذلك المعنى بالمعنى المأمور به الواجب الذي لابد أن يكون. اهـ قوله: (العاقبة الحسنى التي خلق الله تعالى لها هذه الدار) هذه عبارة الكشاف. قال الطيبي: وتفسيره ما ذكره في القصص أنَّ الله وضع الدنيا مجازاً إلى الآخرة، وأراد بعباده أن لا يعملوا فيها إلا الخير ليتلقوا خاتمة الخير، ومن عمل خلاف ما وضعه الله فقد حرف، فإذاً عاقبتها الأصلية هي الخير، وأما عاقبة الشر فلا اعتداد بها لأنَّها من نتائج تحريف الفجار. قال الطَّيبي: وهذا بناءً على مذهبه، والحق أن عبارة الدار كناية عن خاتمة الخير فكأنه قيل: من تكون له عاقبة الخير سواءً كان الظفر في الدنيا أو الجنة في العقبى. اهـ قوله: (وفيه مع الإنذار إنصاف فى المقال). قال الشيخ سعد الدين: حيث ذكر العملين بطريق واحد حيث قال (اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ) أي: على مكانتي، وحسن الأدب حيث لم يخاشن في

стр. 1311

الكلام ولم يصرح العذاب، ومع هذا (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) وعيد شديد، ويدل على أن المنذر واثق بأن العاقبة الحسنة له لا لهم، يعني: إني عالم بذلك اليوم وأنتم غداً ستعلمونه. اهـ قوله: (ومثل ذلك التزيين) . قال الطَّيبي: يعني المشار إليه بقوله: ذلك ما يعلم من قوله (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ ... ) الآية. اهـ قوله: (وقرأ ابن عامر (زُيِّنَ) على البناء للمفعول الذي هو القتل، ونصب الأولاد، وجر الشركاء بإضافة القتل إليه مفصولاً بينهما بمفعوله، وهو ضعيف في العربية معدود من ضرورات الشعر). تبع في ذلك الزمخشري، وقد أطبق الناس على الإنكار عليه في ذلك. قال ابن المنير: نبرأ إلى الله تعالى ونبرئ حملة كتابه وحفظة كلامه عما رماهم به، فقد ركب عمياء، وتخيل القراءة اجتهاداً أو اختياراً لا نقلاً وإسناداً، وزعم أن مستنده ما وجده مكتوباً في بعض المصاحف شركائهم بالياء وجعل قراءته سمجة، ونحن نعلم أنَّ هذه القراءة قرأها النبي ﷺ على جبريل كما أنزلها عليه، وبلغت إلينا بالتواتر عنه، فالوجوه السبعة متواترة عن أفصح من نطق بالضاد جملةً وتفصيلاً، ولا مبالاة بقول الزمخشري وأمثاله، ولولا عذر أنَّ المُنكِر ليس من أهل علمي القراءة والأصول لخيف عليه الخروج من ربقة الإسلام بذلك، ثم مع ذلك هو في عهدة خطرة وزلة منكرة، والذي ظن أنَّ تفاصيل الوجوه السبعة فيها ما ليس متواتراً غالط، ولكنه أقل غلطاً من هذا، فإن هذا جعلها موكلة إلى الآراء، ولم يقل بذلك أحد من المسلمين، ظناً منه اطراد الأقيسة النحوية الذي يحرم برد من خالفها، ثم يبحث معه فإنَّ إضافة المصدر إلى معموله مقدر بالفعل وهذا عمل، وهو وإن كانت إضافته محضة مشبهة بما إضافته غير محضة حتى قال بعض النحاة: هي غير محضة، والحاصل أنَّ اتصاله بالمضاف إليه ليس كاتصال غيره، وجاء الفصل في غيره بالظرف فتميز المصدر على غيره بجوازه في غير الظرف، ويؤيده

стр. 1312

أيضاً أنَّ المصدر يضاف تارة إلى الفاعل وتارة إلى المفعول، وقد التزم بعضهم اختصاص جواز الفصل بالمفعول بينه وبين الفاعل لوقوعه في غير مرتبته، كما جاز تقديم المضمر على الظاهر في غير رتبته، وأنشد أبو عبيد: وحلق الماذي والقوانس ... فداسهم دوس الحصاد الدائس وأنشد: يفركن حب السنبل الكنافج ... بالقاع فرك القطن المحالج ففصل بين الفاعل والمفعول، ويقوي عدم توغله في الإضافة جواز العطف على موضع مخفوضه نصباً وجراً، فهذه شواهد من العربية يجمع شملها هذه القراءة، وليس القصد تصحيح القراءة بالعربية بل تصحيح العربية بالقراءة. اهـ قال الكواشي: كلام الزمخشري يشعر أن ابن عامر قد ارتكب محظوراً، وأن قراءته قد بلغت من الرداءة مبلغاً لم ييلغه شيء من جائز كلام العرب وأشعارهم، وأنه غير ثقة لأنه يأخذ القراءة من المصحف لا من المشايخ ومع ذلك أسندها إلى النبي ﷺ ، وهو جاهل بالعربية، وليس الطعن في ابن عامر طعناً فيه وإنما هو طعن في علماء الأمصار حيث جعلوه أحد القراء السبعة المرضية، وفي الفقهاء حيث لم ينكروا عليهم إجماعهم على قراءته، وأنهم يقرءونها في محاريبهم، والله أكرم من أن يجمعهم على الخطأ. اهـ وقال أبو حيان: أعجب لعجمي ضعيف في النحو يرد على عربي صريح محض قراءة متواترة موجود نظيرها في كلام العرب في غير ما بيت، وأعجب لسوء ظن هذا الرجل بالقراء الأئمة الذين تخيرتهم هذه الأمة لنقل كتاب الله شرقاً وغرباً، وقد اعتمد المسلمون على نقلهم لضبطهم ومعرفتهم وديانتهم. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: هذا عذر أشَد من الجرم حيث طعن في إسناد القراء السبعة

стр. 1313

وروايتهم وزعم أنَّهم إنما يقرءون من عند أنفسهم، وهذه عادته يطعن في تواتر القراءات السبع وينسب الخطأ تارة إليهم كما في هذا الموضع، وتارة إلى الرواة عنهم، وكلاهما خطأ لأن القراءات متواترة، وكذا الروايات عنهم وهى ما يستشهد بها لها، وقد وقع الفصل فيها بغير الظرف ينبغي أن يحكم بالجواز كما قالوا في قوله: تمر على ما تستمر وقد شفت ... غلائلَ عبدُ القيس منها صدورِها فعبد القيس فاعل شفت وقع فصلاً بين المضاف وهو غلائل والمضاف إليه وهو صدورها. وقوله: تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدراهم تنقاد الصياريف فالدراهم بالنصب فصل بين نفي وتنقاد، أو يحمل على حذف المضاف إليه من الأول وإضمار المضاف من الثاني على ما ذهب إليه صاحب المفتاح، لأن تخطئة الثقات والفصحاء أبعد من ذلك، أو يعتذر لمثله بما ذكر صاحب الانتصاف من أن إضافة المصدر إلى معموله وإن كانت محضة لكنها تشبه غير المحضة، واتصاله بالمضاف إليه ليس كاتصال غيره وقد جاز في الغير الفصل بالظرف فيتميز هو عن الغير بجواز الفصل بغير الظرف. اهـ قال الطَّيبي: ذهب هنا إلى أن مثل هذا التركيب ممتنع، وخطأ إمام أئمة المسلمين، وضعفه في قوله (فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ)، فبين كلاميه تخالف. وقال مكى: لم أر أحداً تحمل قراءته إلا على الصحة والسلامة، وقراءته أصل يستدل به لا له. وقال الإمام: وكثيراً أرى النحوين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن فإذا استشهد في تقريره ببيت مجهول فرحوا به، وأنا شديد التعجب منهم لأنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقه دليلاً على صحته فلأن يجعلوا ورود القرآن به دليلاً على صحته كان أولى.

стр. 1314

وقال السكاكي: لا يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف، ونحو قوله: بين ذراعي وجبهة الأسدِ محمول على حذف المضاف إليه من الأول، ونحو قراءة من قرأ (قتلَ أولادَهم شركائِهم) و (مخلفَ وعدَه رسله) لإسنادها إلى الثقات، وكثير نظائرها من الأشعار -ومن أرادها فعليه بخصائص ابن جني- محمولةٌ عندي على حذف المضاف إليه من الأول وإضمار المضاف في الثاني على قراءة من قرأ (والله يريد الآخرةِ) بالجر أي عرض الآخرة، وما ذكرت وإن كان فيه نوع بُعد فتخطئة الثقات والفصحاء أبعد. اهـ وقال ابن مالك في كافيته: وظرف أو شبيهه قد يَفْصِلُ ... جزأيْ إضافةٍ وقد يُستعمَل فصلانِ في اضطرار بعض الشعرا ... وفي اختيار قد أضافوا المصدرا لفاعلٍ من بعد مفعول حجز ... كقول بعضِ القائلين للرجز يفرك حب السنبل الكنافج ... بالقاع فرك القطن المحالج وعمدتي قراءة ابن عامر ... وكم لها من عاضد وناصر وقال في الشرح: إضافة المصدر إلى الفاعل مفصولاً بينهما بمفعول المصدر جائزة في الاختيار إذ لا محذور فيها مع أن الفاعل كجزء من عامله فلا يضر فصله لأن رتبته منبهة عليه، والمفعول بخلاف ذلك، فعلم بهذا أن قراءة ابن عامر غير منافية لقياس العربية، على أنَّها لو كانت منافية له لوجب قبولها لصحة نقلها، كما قبلت أشياء تنافي القياس بالنقل، وإن لم تساو صحتها صحة القراءة المذكورة ولا قاربتها، كقولهم: استحوذ، وقياسه استحاذ، وكقولهم: بنات ألببه، وقياسه ألبه، وكقولهم: هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ، وقياسه خربٌ، وكقولهم: لدن غدوةً، بالنصب، وقياسه الجر، وأمثال ذلك كثير. اهـ قوله: (فَزَجَجْتُهَا متمكناً ... زَجَّ القلوصِ أَبِي مُزَادَه). قال الطَّيبي: أورده في المفصل بلفظ فزججتها بمزجة، الزج: الطعن، والمزجة: بكسر الميم الرمح القصير كالمزراق، والقلوص: الشابة من النوق، وأبو مزادة: كنية رجل. ونقل صاحب الإقليد عن الزمخشري أن وجهه أن يجر القلوص على الإضافة، ويقدر

стр. 1315

مضاف إلى أبي مزادة محذوفاً بدل عن القلوص، تقديره: زج القلوص قلوص أبي مزادة. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: ضمير زججتها للكتيبة. اهـ وقال ابن يعيش في شرح المفصل: هذا البيت أنشده الأخفش ولا يثبته أهل الرواية. اهـ قال الثمانيني: أنشده الكوفيون ولا يعرفه البصريون. قوله: ((افْتِرَاءً عَلَيْهِ) نصب على المصدر ... ) إلى آخره. قال الطَّيبي: الحال أولى الوجوه لملائمته قوله (بِزَعمِهم) لأنه حال من فاعل (قالوا)، أي: قالوا زاعمين مفتريين. اهـ قوله: (لخفة عقلهم). قال الشيخ سعد الدين: يشير إلى أن (سَفَهاً) مفعول له لكن عطف وجهلهم عليه إنما هو لبيان المعنى، وإلاّ فقوله (بِغَيْرِ عِلْمٍ) في موضع الحال. اهـ وقال الطَّيبي: وقوله لخفة عقلهم: تفسير لقوله (سَفَهاً) وهو مفعول له، وقوله (وجهلهم) عطف على خفة وتفسير لقوله (بِغَيْرِ عِلْمٍ). اهـ قوله: (ويجوز نصبه على الحال أو المصدر). زاد أبو البقاء: لفعل محذوف. اهـ قوله: (أو للنخل، والزرع داخل فى حكمه لكونه معطوفاً عليه). قال الطَّيبي: لأنَّ الأصل أن يطلق الأُكل على الثمرة والجنات بالحقيقة فغلّب فيه الزرع. اهـ وقال أبو حيان: ليس هذا بجيد، لأن العطف بالواو لا يجوز إفراد ضميره.

стр. 1316

قال: فالظاهر عوده إلى أقرب مذكور وهو الزرع، ويكون قد حذفت حال النخل لدلالة هذه الحال عليها، التقدير: والنخل مختلفاً أكله (والزرع مختلفاً أكله). اهـ قوله: (ولا تسرفوا في التصدق). قال الشيخ سعد الدين: بقرينة القرب، ولو علقه بالأكل والصدقة بقرينة الإطلاق لكان أقرب، وأما إذا أريد بالحق الزكاة المفروضة فهي مقدرة لا تحتمل الإسراف. اهـ وقال الطَّيبي: علق (وَلا تُسْرِفُوا) بالقريب وهو (وَآتُوا حَقَّهُ) على طريقة التنازع، فيقدر مثله لقوله (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ). اهـ قوله: ((وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا) عطف على (جنات)). قال الطَّيبي: والجهة الجامعة إباحة الانتفاع بالنوعين في عرف الشرع، وذلك أنه تعالى لما حكى عن المشركين تحريم أجنة البحائر والسوائب وسجل عليهم بالخسران بسبب تحريمهم ما رزقهم الله تعالى افتراء على الله نص على ما خلق للمكلفين وأباح لهم أكله وحمل الأثقال عليه، وقدم أولاً ذكر الجنات المختلفة والزروع المتفاوتة وأمرهم بالأكل منها وأداء حقوق الله منها ثم ثنى بذكر الأنعام المختلفة ثم عم الخطاب في إباحة أكل سائر ما رزقهم الله تعالى ونهى عن اتباع خطوات الشيطان من تحريم ما أحله الله تعالى. اهـ قوله: (وهو بدل من (ثمانية)). قال الشيخ سعد الدين: الظاهر أن (مِنَ الضَّأْنِ) بدل من (الأنعام)، و (اثْنَيْنِ) من (حَمُولَةً وَفَرْشًا) أو من (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) إن جوزنا للبدل بدلاً. اهـ قوله: (والمعنى إنكار أن الله تعالى حرم الأجناس الأربعة ... ) إلى آخره.

стр. 1317

قال الشيخ سعد الدين: يعني أن المقصود إنكار فعل التحريم لكنه أورد في صورة إنكار المفعول ليطابق ما كانوا يدعونه من التفصيل في المفعول وللترديد فيه، فيكون الإنكار بطريق برهاني من جهة أنه لا بد للفعل من متعلق فإذا نفى جميع متعلقاته على التفصيل لزم نفيه. اهـ في حاشية الطَّيبي: قال صاحب المفتاح: قل في إنكار نفس الضرب: أزيداً ضربت أم عمرواً، فإنك إذا أنكرت من تردد الضرب بينهما تولد منه إنكار الضرب على وجه برهاني، ومنه قوله تعالى (آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ). وقوله (على وجه برهاني) يعني: أن الضرب يستلزم محلا، فإذا نفيت المحل نفي اللازم، وانتفاء اللازم مستلزم لانتفاء الملزوم. اهـ قوله: (ويجوز أن يكون فسقاً مفعولاً له من (أهل)، وهو عطف على (يكون) والمستكن فيه راجع إلى ما رجع إليه المستكن في (يكون)). قال أبو حيان: هذا إعراب متكلف جداً، وتركيبٌ على هذا الإعراب خارج عن الفصاحة وغير جائز على قراءة من قرأ (إلا أن تكون ميتةٌ) بالرفع فيبقى الضمير في (به) ليس له ما يعود عليه، ولا يجوز أن يتكلف محذوف حتى يعود الضمير عليه فيكون التقدير: أو شيء أُهلَّ لغير الله به، لأن مثل هذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر. اهـ قال الحلبي: يعني بذلك أنه لا يحذف الموصوف والصفة جملة إلا إذا كان في الكلام (من) التبعيضية، كقولهم: منا ظعن ومنا أقام، أي: منا فريق ظعن ومنا فريق أقام، فإن لم يكن فيه (من) كان ضرورة كقوله: ترمي بكفي كان مِنْ أرمى البشر أي بكفي رجل، وهذا رأي بعضهم، وأما غيره فيقول: متى دل دليل على الموصوف حذف مطلقاً، فقد يجوز أن يرى الزمخشري هذا الرأي. اهـ

стр. 1318

وقال السفاقسي: منعه من حيث رفعُ الميتة فيه نظر، لأنه يعود على ما يعود عليه ضمير (كان) بتقدير النصب، ورفعها لا يمنع من ذلك. اهـ وقال الطَّيبي: الإعراب الأول أولى ليحصل في الكلام الترقي، وليؤذن بأن ما أهل لغير الله به أقذر وأخبث من لحم الخنزير. اهـ قوله: (الثروب). قال الجوهري: الثروب شحم قد يغشى الكرش والأمعاء رقيق. اهـ قوله: (والإضافة لزيادة الربط). قال الطَّيبي: المراد إضافة الشحوم إلى الضمير، لأن الظاهر أن يقال: ومن البقر والغنم حرمنا عليهم الشحوم، فأضيف لزيادة الربط. اهـ قال الشيخ سعد الدين: يريد أن إضافة شحوم إلى ضمير البقر والغنم لزيادة الربط ًوإلا فأصل الربط حاصل بدونها، مثل: ومن البقر والغنم حرمنا عليهم الشحوم لأن (من) متعلق بهذا الفعل، وأما فيمن يجعل (وَمِنَ الْبَقَرِ) عطفاً على (كُلَّ ذِي ظُفُرٍ) و (حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا) تبييناً للمحرم منهما فالإضافة للربط المحتاج إليه. اهـ قوله: (وقيل: هو عطف على (شحومهما)، و (أو) بمعنى الواو). قال الشيخ سعد الدين: على الأول كان عطفاً على المستثنى، يعني: حرمنا جميع شحومهما إلا هذه الثلاثة، فكان المناسب هو الواو دون (أو) لأن المخرج من حكم التحريم ثلاثتها لا أحدها فقط، وأجيب بأن الاستثناء من الإثبات نفي، و (أو) في النفي تفيد العموم لكونه بمنزلة النكرة في سياق النفي، فيصير المعنى: لم يحرم واحداً من الثلاثة لا على التعيين وذلك ينفي المجموع ضرورة وهو معنى إباحة الكل، وفيه نظر لأنَّ الاستثناء إنما يفيد نفي الحكم من المستثنى بمنزلة قولك: انتفى التحريم

стр. 1319

عن هذا وذاك والعموم إنما يوجبه نفي الحكم عن هذا وذاك بمنزلة قولك انتفى تحريم هذا وذاك، والحاصل أن النكرة إذا تعلقت بالمنفى عمت ضرورة أنَّ نفى إيجاب المبهم لا يتحقق إلا بنفى الكل، وأما إذا تعلقت بالنفى كقولنا: الأمي من لا يحسن من الفاتحة حرفاً، فلا يفيد سوى تعلق النفي بفرد مبهم، وهذا ما يقال إن (أو) في النفي قد تكون لنفي أحد الأمرين فتعم، وقد تكون لأحد النفيين فلا تعم، فالوجه أن يقال: كلمة (أو) في العطف على المستثنى أيضاً من قبيل: جالس الحسن وابن سيرين كما ذكره في العطف على المستثنى منه يعني أنَّها لإفادة التساوي في الحكم فيحرم الكل، وتحقيقه أن مرجع التحريم إلى النهي كأنه قيل: لا تأكل أحد الثلاثة، وهو معنى العموم، وهذا ما نقل عن صاحب الكشاف أنَّ الجملة لما دخلت في حكم التحريم فوجه العطف بحرف التخيير أنَّها بليغة في هذا المعنى لأنك إذا قلت: لا تطع زيداً وعمرواً كان له أن يطيع زيداً على حده، وأما إذا قلت: لا تطع زيداً أو عمرواً أو خالداً فالمعنى أن هؤلاء كلهم أهل أن لا يطاع فلا تطع واحداً منهم ولا الجماعة، وبهذا يتبين فساد ما يتوهم من أنه يريد أن على تقدير العطف على المستثنى منه يكون المعنى: حرمنا عليهم شحومهما أو حرمنا عليهم الحوايا أو حرمنا عليهم ما اختلط بعظم فيجوز لهم ترك أكل أيها كان وأكل الآخرين، والظاهر أنَّ مثل هذا وإن كان جائزاً فليس من الشرع أن يحرم واحد مبهم من أمور معينة، وإنما ذلك في الواجب فقط. اهـ وقال الزجاج: يجوز أن تكون (الْحَوَايَآ) نسقاً على (شُحومَهُمَا) لا على المستثنى، المعنى: حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت الظهور فإنه غير محرم، ودخلت (أو) على طريق الإباحة كما قال (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) أي: هؤلاء أهل أن يعصى فاعص هذا أو اعص هذا،

стр. 1320

و (أو) بليغة في هذا المعنى، لأنك إذا قلت: لا تطع زيداً وعمرواً، فجائز أن تكون نهيت عن طاعتهما معاً، فإن أطيع زيد على حدته لم يكن معصية، فإذا قلت: لا تطع زيداً أو عمرواً أو خالداً، أي: هؤلاء كلهم أهل أن لا يطاع فلا تطع واحداً منهم ولا تطع الجماعة، ومثله: جالس الحسن أو ابن سيرين أو الشعبي، فليس المعنى الأمر بمجالسة واحد منهم بل المعنى كلهم أهل أن يجالس فإن جالست واحداً منهم فأنت مصيب. اهـ وقال ابن الحاجب: (أو) في قوله تعالى (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) بمعناها وهو أحد الأمرين، وإنما جاء التعميم من النهي الذي فيه معنى النفي، لأن المعنى قبل وجود النهي فيهما يطيع آثماً أو كفوراً، أي واحداً منهما، فإذا جاء النهي ورد على ما كان ثابتاً في المعنى، فيصير المعنى: ولا تطع واحداً منهما، فيجيء العموم فيهما من جهة النهى الداخل، بخلاف الإثبات فإنه قد يفعل أحدهما دون الآخر، وهو معنى دقيق. اهـ قال الطيبي: وحاصل ذلك أنك إذا عطفت (أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) على (شُحُومَهُمَا) دخلت الثلاثة تحت حكم النفي فيحرم الكل سوى ما استثنى منه، وإذا عطفت على المستثنى لم يحرم سوى الشحوم، و (أَو) على الأول للإباحة، وعلى الثاني للتنويع. وقال أبو البقاء: (أَو) هنا لتفصيل مذاهبهم لاختلاف أماكنها كقوله تعالى (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) فلما لم يفصل في قوله (وَقَالُوا) جاء بـ (أَو) للتفصيل إذ كانت موصوفة لأصل الشيئين. اهـ وقال أبو حيان: الأحسن في هذه الآية إذا قلنا إن ذلك معطوف على (شُحُومَهُمَا) أن تكون (أَو) فيه للتفصيل، فصل بها ما حرم عليهم من البقر والغنم. اهـ وقال ابن عطية متعقباً القول بأنه عطف على (شُحُومَهُمَا): وعلى هذا تدخل الحوايا في التحريم، وهذا قول لا يعضده اللفظ ولا المعنى بل يدفعانه ولم يبين وجه

стр. 1321

ذلك. اهـ قوله: (ذلك التحريم أو الجزاء). قال أبو حيان: ظاهر هذا أن ذلك منتصب انتصاب المصدر، وقد ذكر ابن مالك أن اسم الإشارة لا ينتصب مشاراً به إلى المصدر إلا وأتبع بالمصدر نحو: قمت هذا القيام وقعدت ذلك القعود، ولا يجوز: قمت هذا ولا قعدت ذاك، فعلى هذا لا يصح انتصاب ذلك على أنه إشارة إلى المصدر. اهـ وقال الحلبي: ما قاله ابن مالك غير صحيح لورود اسم الإشارة مشاراً به إلى المصدر غير متبوع به، قال الشاعر: ياعمرو إنك قد مللت صحابتي ... وصحابتيك إخال ذاك قليل قال النحويون: (ذاك) إشارة إلى مصدر (خال) المؤكدة له وقد أنشده هو على ذلك. اهـ قوله: (أي لو شاء خلاف ذلك مشيئة ارتضاء ... ) إلى آخره. قال الشيخ سعد الدين: الكفرة يحتجون بذلك على حقيقة الإشراك وتحريم الحلال وسائر ما يرتكبونه من القبائح وكونها ليست بمعصية لكونها موافقة للمشيئة التي تساوي معنى الأمر على ما هو مذهب القدرية من عدم التفرقة بين المأمور والمراد وإن كل ما هو مراد الله تعالى فهو ليس بمعصية نهى عنها، وأهل السنة وإن اعتقدوا أنَّ كل الكل بمشيئة الله لكنهم يعتقدون أن الشرك وجميع القبائح معصية ومخالفة للأمر يلحقهما العذاب بحكم الوعيد، ويعفو عن البعض بحكم الوعد، فهم في ذلك يصدقون الله تعالى فيما دل عليه العقل والشرع من امتناع أن يكون أكثر ما يجري في ملكه على خلاف ما يشاء، والكفرة يكذبونه في لحوق الوعيد على بعض ما هو بمشيئة الله تعالى، ويزعمون أن الكفر والمعاصي إذا كانت بإرادة الله تعالى لم يكن عليها عذاب ألبتة ولم يكن مخالفة للأمر، بل ربما كانت مرضية عنده. قال: وحاصل الكلام في هذا المقام ما قال الامام وهو أنَّ في كلام المشركين مقدمتين إحداهما: أنَّ الكفر بمشيئة الله تعالى، والثانية: أنه يلزم منه اندفاع دعوة النبي ﷺ ، وما ورد من الذم والتوبيخ إنما هو على الثانية إذ الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فله أن يشاء من الكافر الكفر ويأمره بالإيمان

стр. 1322

ويعذبه على الكفر، ويبعث الأنبياء دعاة إلى دار السلام وإن كان لا يهدي إلا من يشاء. اهـ وقال إمام الحرمين في الإرشاد: أنَّهم إنما استوجبوا التوبيخ لأنهم كانوا يهزؤن بالدين ويبغون رد دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكان قد قرع مسامعهم من شرائع الرسل تفويض الأمور إلى الله تعالى فلما طولبوا بالإسلام والتزام الأحكام تعللوا بما احتجوا به على النبيين وقالوا (لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا) ولم يكن غرضهم ذكر ما ينطوي عليه عقدهم، والدليل عليه (قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ) فكيف لا يكون الأمر كذلك والإيمان بصفات الله تعالى فرع الإيمان بالله والمقرعون بالآية كفرة. اهـ قوله: (وفعل يؤنث ويجمع عند بني تميم). قال الشيخ سعد الدين: سكت عن التثنية مع أنَّهم يقولون: هلمّا لأنه أراد بالجمع ما يعم المثنى. اهـ قوله: (فإن تسليمه موافقة لهم في الشهادة). قال الطيبي: تلخيصه أن قوله (فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ) أبلغ في النهي من قوله: فلا تصدقهم، فهو من باب الكناية، ويجوز أن يكون من باب المشاكلة. اهـ وقال الشيخ سعد الدين: ربما يشعر بأن (فَلا تَشْهَدْ) مسمتعار بمعنى: لا تسلم، استعارة تبعية، وقيل: مجاز من باب ذكر اللازم وإرادة الملزوم، لأن الشهادة من لوازم التسليم، وقيل: كناية، وقيل: مشاكلة. اهـ قوله: (والجملة). قال الشيخ سعد الدين: أي (حَرَّمَ) مع مفعوله المقدم. اهـ قوله: (مفعول (أَتْلُ)) . زاد غيره: على وجه التعليق، ورده أبو حيان بأن (أَتْلُ) ليس من أفعال القلوب

стр. 1323

فلا تعلق. وقال الشيخ سعد الدين: من حيث تضمنه معنى القول كأنه قيل: اتل أي شىء حرم. اهـ قوله: (أي لا تشركوا ... ) إلى آخره. يعني أنَّ (أن) مفسرة لا مصدرية فلذا عبر بـ (أي). قال الشيخ سعد الدين: نظم الكلام لا يخلو عن إشكال لأن (أن) إما أن تجعل مصدرية أو مفسرة، فإن جعلت مصدرية كانت في موقع البيان للمحرم بدلاً من (ما) أو من العائد المحذوف، وظاهر أنَّ المحرم هو الإشراك لا نفيه، وأن الأوامر الواردة بعد ذلك معطوفة على (تشرِكُوا) وفيه ارتكاب عطف الطلبي على الخبري وجعل المعاني الواجبة المأمور بها محرمة فاحتيج إلى تكلفات متل جعل (لا) مزيدة وعطف الأوامر على المحرمات باعتبار حرمة أضدادها وتضمين الخبر معنى الطلب، وأما جعل (لا) ناهية واقعة موقع الصلة لـ (أن) المصدرية فلا سبيل إليه هنا لأن زيادة (لا) الناهية مما لم يقل به أحد ولم يرد في كلام، وإن جعلت (أن) مفسرة على أن (لا) ناهية والنواهى بيان لتلاوة المحرمات توجه إشكالان: أحدهما: عطف (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا) على (أَلاّ تُشْرِكُوا) مع أنه لا معنى لعطفه على (أن) المفسرة مع الفعل، ثانيهما: عطف الأوامر المذكورة على النواهي فإنَّها لا تصلح بياناً لتلاوة المحرمات بل الواجبات، والمصنف اختار كون (أن) مفسرة لأن انعطاف الأوامر على المذكورات قرينة ظاهرة على أنَّها نواه ولا سبيل حينئذ إلى جعل (أن) مصدرية موصولة بالنهي لما عرفت فأجاب عن الإشكال بأن قوله (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا) ليس عطفاً على (أَلاّ تُشْرِكُوا) بل هو تعليل للاِّتباع متعلق بـ (اتبعوه) على حذف اللام وجاز عود ضمير (اتبعوه) إلى الصراط لتقدمه في اللفظ. فإن قيل: فعلى هذا يكون (اتبعوه) عطفاً على (أَلاّ تُشْرِكُوا) ويصير التقدير: فاتبعوا صراطي لأنه مستقيم، وفيه جمع يبن حرفي عطف أعني الواو والفاء و ليس بمستقيم، وإن جعلنا الواو استئنافية اعتراضية قلنا: ورود الواو مع الفاء عند تقديم المعمول فصلاً بينهما شائع في الكلام مثل (وَرَبَّكَ فَكبِّر) (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ

стр. 1324

لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا) فإن أبيت الجميع ألبتة ومنعت زيادة الفاء فاجعل المعمول متعلقاً بمحذوف والمذكور بالفاء عطفاً عليه مثل عطف (فَكبِّر) (فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا) وآثروه فاتبعوه، وعن الإشكال الثاني بأن عطف الأوامر على النواهي الواقعة بعد (أن) المفسرة لتلاوة المحرمات مع القطع بأنَّ المأمور به لا يكون محرماً دل على أن التحريم راجع إلى أضدادها، بمعنى أن الأوامر كأنها ذكرت وقصد لوازمها التي هي النهي عن الأضداد حتى كأنه قيل: أتلو ما حرم أن لا تسيؤا إلى الوالدين ولا تبخسوا الكيل والميزان ولا تتركوا العدل وتنكثوا العهد، ومثل هذا وإن لم يجز بحسب الأصل لكن ربما يجوز بطريق العطف، وأما انتصاب (أَلاّ تُشْرِكُوا) بـ (عَلَيْكُمْ) يعني: الزموا ترك الشرك، فيأباه عطف الأوامر إلا أن تجعل (لا) ناهية و (أن) المصدرية موصولة بالنواهي والأوامر. اهـ وقال أبو حيان: لا يتعين أن يكون جميع الأوامر معطوفة على جميع ما دخل عليه (لا) لأنا بينا جواز عطف (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) على (تعالوا)، وما بعده معطوف عليه، ولا يكون قوله (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) معطوفاً على (أَلاّ تُشْرِكُوا). قال: وقوله إنَّ التحريم راجع إلى أضداد الأوامر بعيد جداً، وإلغاز في المعاني ولا ضرورة تدعوا إلى ذلك. قال: وأما ما عطف عليه هذه الأوامر فتحتمل وجهين: أحدهما: أنَّها معطوفة لا على المناهي قبلها فيلزم انسحاب التحريم عليها حيثُ كانت في حيز (أن) التفسيرية بل هي معطوفة على قوله تعالى (أَتْلُ مَا حَرَّمَ)، أمرهم أولاً بأمر ترتب عليه ذكر مناه، ثم أمرهم ثانياً بأوامر، وهذا معنى واضح، والثاني: أن يكون الأوامر معطوفة على النواهي، وداخلة تحت (أن) التفسيرية، ويصح ذلك على تقدير محذوف تكون (أن) مفسرة له وللمعطوف قبله الذي دل على حذفه، والتقدير: وما أمركم به، فحذف وما أمركم به لدلالة (مَا حَرَّمَ) عليه، لأن معنى (مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ): ما نهاكم ربكم عنه، فالمعنى: قل تعالوا أتل ما نهاكم

стр. 1325

ربكم عنه وما أمركم به، وإذا كان التقدير هكذا صح أن تكون تفسيرية لفعل النهي الدال عليه التحريم وفعل الأمر المحذوف، ألا ترى أنه يجوز أن يقول: أمرتك أن لا تكرم جاهلاً وأكرم عالماً، إذ يجوز عطف الأمر على النهي والنهى على الأمر كقول امرئ القيس: يقولون لا تهلك أسىً وتجمل وهذا لا نعلم فيه خلافاً، بخلاف الجمل المتباينة بالخبر والاستفهام والإنشاء فإن في جواز العطف فيها خلافاً. اهـ قوله: (من أجل فقر ومن خشيته). قال الشيخ سعد الدين: هذا يخالف ما اشتهر من أن هذا الخطاب للفقراء من الذين لهم إملاق بالفعل ولذا قدم رزقهم فقيل (نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ)، والخطاب في (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) للأغنياء ولذا قدم رزق أولادهم فقيل (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ). اهـ قوله: ((إلا وسعها): أي ما يسعها). قال الشيخ سعد الدين: يعني أن الواسع فعل بمعنى فاعل، أي: أمر يسع النفس ولا تعجز النفس عنه. اهـ قوله: (عطف على (وصاكم)). قال الشيخ سعد الدين: يعني جملة (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ) لظهور أنه ليس عطفاً على الفعلية الواقعة خبر (ذَلِكُمْ). اهـ قوله: (و (ثم) للتراخى فى الأخبار، أو للتفاوت فى الرتبة) . قال الطَّيبي: يمكن الجمع بينهما إذ لا منافاة بين الاعتبارين، وذلك أن قوله (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ) من جملة ما وصاه الله تعالى قديماً وحديثاً ويكون قوله (ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ) مشاراً به إلى جميع ما ذكر من أول هذه السورة لا سيما هذه المنهيات المختتمة بقوله (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا)

стр. 1326

فالعطف على طريقة (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) لشرفهما على سائر ما وصاه الله تعالى وأنزل فيه كتاباً فحصل التراخي بحسب الزمان وبحسب المرتبة أيضاً. اهـ قوله: ((تماماً) للكرامة). قال الشيخ سعد الدين: يشير إلى أن (تَمَامًا) في موقع المفعول له وجاز حذف اللام لكونه في معنى إتماماً فيكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل وللكرامة في موقع المفعول به لـ (تَمَامًا). اهـ قوله: (على من أحسن القيام به ... ) إلى آخره. قال الشيخ سعد الدين: يريد أن (الَّذِي أَحْسَنَ) إما للجنس أو للعهد، والمعهود إما (مُوسَى) ففاعل (أَحْسَنَ) ضمير يعود إلى (الَّذِي) ومفعوله محذوف، وإما العلم والشرائع التي أحسنها موسى وأجاد معرفتها ففاعل (أَحْسَنَ) ضمير (مُوسى) ومفعوله محذوف هو العائد إلى الموصول، و (تَمَامًا) على هذا حال من (الكتاب)، وأما على قراءة (أحسنُ) بالرفع خبر مبتدأ محذوف فـ (الَّذِي) وصف لـ (الَّذِي)، أو للوجه الذي يكون عليه الكتاب، و (تَمَامًا) على الوجهين حال من (الكِتاب)، و (عَلَى الَّذِي) في الوجه الأول متعلق به وهو على معناه المصدري، وفي الثاني: مستقر حال بعد حال و (تَمَامًا) بمعنى تاماً، أي: حال كون الكتاب تاماً كاملاً كائناً على أحسن ما يكون، والأحسنية يجب أن تعتبر بالنسبة إلى غير دين الإسلام وإلى غير ما عليه القرآن. اهـ وقال الطَّيبي: قوله أو (آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا) أي: تاماً كاملاً على أحسن ما تكون عليه الكتب عطف على قوله (تَمَامًا) للكرامة، فعلى الوجه الأول (تَمَامًا) مفعول له، قال الزجاج: وكذلك (وَتَفصِيلا)، أي: آتيناه الكتاب للتمام وللتفصيل. وعلى الثاني حال من (الْكِتَابَ) ثم التعريف في (الَّذِي أَحْسَنَ) إما للجنس أو للعهد، فعلى الجنس يوافق معناه قوله تعالى (الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ

стр. 1327

هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) وإليه الإشارة بقوله: على من أحسن القيام به يريد جنس المحسنين، وعلى العهد (أَحْسَنَ) إما بمعنى الإحسان في الطاعة والامتثال لجميع ما أمر به كقوله تعالى (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، أو بمعنى الجودة في العمل والإتقان فيه، وفي هذا الوجه من المبالغة ما ليس في الأول لأنَّ الإحسان على الأول نفس الطاعة، وفي هذا زيادة عليها. اهـ قوله: (كراهة أن يقولوا) . قال الشيخ سعد الدين: لا خفاء أن نفس هذا القول لا يصلح مفعولاً له لـ (أنزلنا) بل عدمه، فحمله الكوفيون على حذف (لا) أي: لئلا يقولوا، والبصريون على حذف المضاف، أي: كراهة أن يقولوا. اهـ قوله: (أي: وإنه كنا). قال أبو حيان: ما ذهب إليه من أن أصله وإنه كنا يلزم منه أن (أن) المخففة من الثقيلة عاملة في مضمر محذوف حالة التخفيف، والذي نص عليه الناس أنها مهملة لا تعمل في ظاهر ولا مضمر لا مثبت ولا محذوف. اهـ وقال السفاقسي: لم يصرح المصنف بأنها عاملة حال التخفيف بل قدرها بالثقيلة، أتى بالضمير معها لأجل أن المثقلة لا تكون إلا عاملة فتوهم منه أنه ذهب إلى إعمال الخفيفة وليس كذلك. اهـ قوله: (وثقابة أفهامنا) بمثلثة ثم قاف ثم باء موحدة، والمثقب بكسر الميم: العالم الفطن. قال الطَّيبي: ويروى بالفاء بدل الموحدة يقال: غلام ثقف لقف أي: ذو فطنة

стр. 1328

وذكاء. اهـ قوله: (أو كل آياته). قال الشيخ سعد الدين: فسر إتيان الرب سبحانه ليقابل إتيان بعض الآيات، ولو حمل على حقيقته لابتني الكلام على إعتقاد الكفرة. اهـ قوله: (وعن حذيفة والبراء بن عازب: كنا نتذكر الساعة ... ) الحديث. قال الشيخ ولي الدين: إنما هو معروف من حديث حذيفة بن أسيد رواه مسلم في صحيحه. وجزيرة العرب: قال أبو عبيد: اسم صقع من الأرض وهو ما بين حَفَر أبي موسى الأشعري إلى أقصى اليمن في الطول وما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة في العرض. قال الأزهري: سميت جزيرة لأنَّ بحر فارس وبحر السودان أحاط بجانبيها وأحاط بالجانب الشمالي دجلة والفرات. اهـ قوله: (وقرئ (تنفع) بالتاء لإضافة الإيمان إلى ضمير المؤنث).

стр. 1329

زاد في الكشاف: الذي هو بعضه، كقولك: ذهبت بعض أصابعه. اهـ قال أبو حيان: هذا غلط لأنَّ الإيمان ليس بعضاً للنفس، ويحتمل أن يكون أنث على معنى الإيمان وهو المعرفة والعقيدة فيكون مثل: جاءته كتابي فاحتقرها على معنى الصحيفة. اهـ وقال الحلبي: يشهد لما قاله المصنف قول النحاس: في هذا شيء دقيق ذكره سيبويه وذلك أنَّ الإيمان والنفس كل منهما مشتمل على الآخر فأنث الإيمان إذ هو من النفس وبها، فالمراد البعضية المجازية. اهـ قوله: (وهو دليل لمن لم يعتبر الإيمان المجرد). قال الشيخ سعد الدين: أجيب عن التمسك بالآية بأنها من باب اللف التقديري، أي: لا ينفع نفساً إيمانها ولا كسبها في الإيمان لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فيه خيراً، فيوافق الآيات والأحاديث الشاهدة بأن مجرد الإيمان ينفع. اهـ وقريب منه ما قاله ابن الحاجب أنَّ المعنى: لا ينفع نفساً إيمانها ولا كسبها وهو العمل الصالح لم تكن آمنت من قبل ولم تعمل العمل الصالح قبل فاختصر للعلم به. وقال صاحب الانتصاف: هذا الفن من الكلام في البلاغة يلقب باللف، وأصله: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً لم تكن مؤمنة من قبل إيمانها بعد، ولا نفساً لم تكسب في إيمانها خيراً قبل ما تكسبه من الخير بعد، فلف الكلامين فجعلها كلاماً واحداً إيجازاً وبلاغة. قال: فظهر بذلك أنَّها لا تخالف مذهب الحق ولا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير وإن نفع الإيمان المتقدم في السلامة من الخلود، فهى بالرد على مذهب الاعتزال أولى من أن تدل له. اهـ وقال ابن هشام: بهذا التقدير تندفع هذه الشبهة، وقد ذكر هذا التأويل ابن عطية وابن الحاجب.

стр. 1330

قال الطَّيبي: وعند هذا البيان أمر الله تعالى حبيبه ﷺ أولاً بأن يقول انتظروا ذلك الموعود إنا منتظرون إقناطاً له عن إيمانهم، ثم ثنى بما ينبئ عن الإعراض عنهم بقوله (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ)، وثلث بالإقبال على من ينجع فيه الإنذار والوعظ بقوله (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)، وربع بما يسليه عن خاصة نفسه ﷺ بقوله (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، وخمس بخامسة شريفة مطابقة لما بدئت به السورة من المقاصد وهى قوله (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ). فإن فاتحة السورة ابتدئت بذكر بدء النشأة الأولى لبيان إثبات التوحيد ونفي الشرك، والخاتمة بذكر النشأة الأخرى والأمر بالاخلاص ونفي الشرك، فسبحانه ما أعظم شأنه وما أعجب بيانه وأعز سلطانه. اهـ قوله: (قال ﵊: افترقت اليهود ... ) الحديث. أخرجه أبو داود والترمذي وصححه وابن ماجة والحاكم وصححه من حديث أبي هريرة. قوله: ((مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) عطف بيان). قال الشيخ سعد الدين: لما في الإضافة من زيادة التوضيح. اهـ وقال الطيبي: يريد أن الدين القيم هو ملة إبراهيم بعينه. قال الراغب: الملة كالدين وهو اسم لما شرع الله تعالى على لسان الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يتوصلوا به إلى جوار الله تعالى، والفرق بينهما أنَّ الملة لا تضاف إلا إلى النبي الذي تسند إليه ولا تكاد توجد مضافة إلى الله تعالى ولا إلى آحاد أمة النبي، ولا تستعمل إلا في جملة الشرائع، وأصلها من أمللت الكتاب. اهـ قوله: (وما أنا عليه في حياتي ... ) إلى آخره.

стр. 1331

قال الشيخ سعد الدين: يريد أن المحيا والممات مجازان عما يقارنهما ويكون معهما من الإيمان والعمل الصالح لأنه مناسب للحكم لكونه خالصاً لوجه الله تعالى كالصلاة وسائر العبادات. اهـ قوله: (وهو جواب عن دعائهم). قال الطَّيبي: لأنَّ كل تقديم إما للاهتمام أو جواب إنكار، وكذا ما فيه أداة الحصر، ولهذا قال (وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْهَا) جواب عن قولهم (اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ). اهـ قوله: (لأنَّ ما هو آتٍ قريب) . قال الطَّيبي: أي الموعود سريع الوصول فإن سرعة العقاب تستدعي سرعة إنجاز الوعد. اهـ قوله: (أنزلت عليَّ سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد) أخرج هذا القدر الطبراني في المعجم الصغير، وأبو نعيم في الحلية، وابن مردويه في تفسيره من حديث ابن عمر. قوله: (فمن قرأ الأنعام صلى عليه واستغفر له أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من سورة الأنعام يوماً وليلة). هذا أورده الثعلبي عن أبي كعب وهو موضوع كما تقدم، والله أعلم. تمت سورة الأنعام يتلوها سورة الأعراف. * * *

стр. 1332

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم سورة الأعراف قوله: (فإن الشك حَرج الصدر) . قال الطَّيبي: أي أطلق الحرج وأريد الذي هو لازمه الشك فيكون كناية. اهـ قوله: (وتوجيه النهي إليه للمبالغة). قال العلم العراقي: لأنَّ الحرج منهي والمراد المنهى عنه. اهـ قوله: (كقولهم: لا أريتك هاهنا). قال الطَّيبي: أي هو من الكناية، ظاهره يقتضي أنَّ المتكلم ينهى نفسه عن أن يرى المخاطب هناك، والمراد نهي المخاطب، أي: لا تكن هاهنا حتى لا أراك فيه فإنَّ كينونتك هاهنا مستلزم لرؤيتي إياك، المعنى: أنَّ الحرج لو كان مما ينهى لنهيناك عنه (فانته عنه) بترك التعرض له. اهـ قوله: (والفاء تحتمل العطف والجواب). قال الطَّيبي: وأقول إن الفاء أذنت بترتب النهي على كون الكتاب منزلاً، وتقريره على الشك أن يقال: إذا تيقنت أن الكتاب منزل من عند الله تعالى فلا ينبغي أن تشك فيه لأن اليقين والشك لا يجتمعان، فالنهي من باب التهييج والإلهاب ليداوم على اليقين ويزيد فيه كقوله تعالى (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ) وقوله تعالى (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)، وعلى نفي الضيق والحرج أن يقال: إن (المص) إما وارد على قرع العصا لمن تحدى بالقرآن وبغرابة نظمه أو هو تقدمة لدلائل الإعجاز، والمعنى: (المص) هو كتاب منزل من عند الله بالغ حد الإعجاز فكن منشرح الصدر فسيح البال قوي الجأش ولا تبال بهم وأنذرهم به فإن الغلبة لك عليهم

стр. 1333

والسلطان وهم مقهرون، فالنهى من باب التشجيع هذا هو الوجه معنى ونظماً. اهـ قوله: (متعلق بـ (أُنْزِلَ) أو بـ (لا يَكُنْ)). قال أبو حيان: في تعليق المجرور والظرف مكان الناقصة خلاف، مبناه على أنَّها هل تدل على حدث أم لا؟ فمن قال: نعم، جوزه، ومن قال: لا، منعه. اهـ وقال الحلبي: الصحيح دلالتها على الحدث. قال: ثم إنه ليس في عبارة الزمخشري ما يدل على أنه متعلق بـ (فَلا يَكُنْ) فإنه قال بالنهي فقد يريد بما تضمنه من المعنى. اهـ قوله: (يحتمل النصب بإضمار فعلها). قال الطَّيبي: روي عن صاحب الكشاف أنه قال: لم أزعمه معطوفاً على محل (لِتُنذِرَ) لأن المفعول له يجب أن يكون فاعله وفاعل الفعل المعلل واحداً حتى يجوز حذف اللام منه. اهـ قوله: (والرفع عطفاً على (كتاب)، أو خبر محذوف). قال الزجاج: التقدير: هو ذكرى. اهـ قال الطَّيبي: فإن قلت: ما الفرق بينه إذا كان عطفاً على (كِتَاب) وبينه إذا كان خبر مبتدأ محذوف؟ قلت: المعنى على الأول هو جامع بين كونه كتاباً وكونه ذكرى للمؤمنين لتنذر به، وعلى الثاني عطف جملة على جملة، أي: هو كتاب منزل من عند الله لإنذار الكافرين وهو ذكرى للمؤمنين وبشارة لهم، فيكون كل من الوصفين مستقلاً بنفسه والتركيبان مستبدين برأسهما. اهـ قوله: (وإن جعلت مصدرية لم ينتصب (قليلاً) بـ (تذكرون)). قال أبو البقاء: لا يجوز أن تكون (ما) مصدرية، لأنَّ (قَلِيلاً) لا يبقى له ناصب. اهـ

стр. 1334

قوله: (وإنما حذفت واو الحال استثقالاً لاجتماع حرفي عطف، فإنها واو عطف استعيرت للوصل). قال أبو حيان: هذا التعليل ليس بصحيح لأنَّ واو الحال ليس حرف عطف فيلزم من ذكرها اجتماع حرفي عطف لأنها لو كانت للعطف للزم أن يكون ما قبل الواو حالاً حتى يعطف حالاً على حال، فمجيئها فيما لا يمكن أن يكون حالاً دليل على أنَّها ليست واو عطف، ولا لحظ فيها معنى واو عطف، تقول: جاء زيد والشمس طالعة، فجاء زيد ليس بحال فيعطف عليه جملة حالية وإنما هذه الواو مغايرة لواو العطف بكل حال، وهي قسم من أقسام الواو كما تأتي للقسم وليست فيه للعطف. اهـ ًوقال السفاقسي: تعقبه عليه ليس بطائل لأن الزمخشري إنما قال إنَّها واو العطف على الأصل ثم استعيرت للحال لما فيها من الربط، فقد صرح بخروجها عن أصله، فكيف يلزمه وقوع حال قبلها؟ وقوله: استثقالاً لاجتماع حرفي العطف، يعني في واو الحال اعتباراً بأصلها. اهـ وقال الحلبي: لم يدع الزمخشري في واو الحال أنها عاطفة بل ادعى أن أصلها العطف، ويدل على ذلك قوله: استعيرت للوصل، فلو كانت عاطفة على حالها لما قال: استعيرت، فدل قوله ذلك على أنَّها خرجت عن العطف واستعملت لمعنى آخر لكنها أعطيت حكم أصلها في امتناع مجامعتها لعاطف آخر، وأما تسميتها حرف عطف فباعتبار أصلها، ونظر ذلك أيضاً واو مع فإنَّهُم نصوا على أن أصلها واو العطف ثم استعملت في المعية، فكذلك واو الحال. قال: وقد سبقه في تسمية هذه الواو حرف عطف الفراء وابن الأنباري. قال الفراء: (أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) فيه واو مضمرة، المعنى: أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ، فاستثقلوا نسقاً على إثر نسق، ولو قيل لكان صواباً. وقال أبو بكر ابن الأنباري: أضمرت واو الحال لوضوح معناها، ومن أجل أنَّ (أو) حرف عطف والواو كذلك فاستثقلوا جمعاً بين حرفين من حروف العطف فحذفوا الثاني.

стр. 1335

قال الحلبي: فهذا تصريح من هذين الإمامين بما ذكره الزمخشري. قال: وإنما ذكرت نصها لأعلم اطلاعه على أقوال الناس، وأنه لا يأتي بغير مصطلح أهل العلم كما يرميه به غير مرة. اهـ وقال الطَّيبي: قوله: واو عطف استعيرت للوصل، صريح في أنَّ واو الحال غير العاطفة الصرفة، وتحقيق ذلك ما قال صاحب المفتاح: وحق النوعين أي الحال بالإطلاق والحال المؤكدة أن لا يدخلهما الواو؛ نظراً إلى إعرابهما الذي ليس بتبع؛ لأنَّ هذه الواو وإن كنا نسميها واو الحال أصلها العطف، وقال أيضاً: الأصل في الجملة إذا وقعت موقع الحال أن لا يدخلها الواو، ولكن النظر لها من حيث كونها جملة مفيدة مستقلة بفائدة غير متحدة بالأولى وغير منقطعة عنها كجهة جامعة بينهما يبسط العذر في أن يدخلها واو الجمع بينها وبين الأولى، مثله في نحو: قام زيد وقعد عمرو. اهـ قوله: (لا اكتفاء بالضمير فإنه غير فصيح). قال أبو حيان: تبع في ذلك الفراء، وليس بشاذ بل هو كثير وقوعه في القرآن وفي كلام العرب نثرها ونظمها، وهو أكثر من رمل بيرين ومها فلسطين. قال: وقد رجع الزمخشري عن هذا المذهب إلى مذهب الجماعة. اهـ قوله: (وقت دعة). قال الجوهري: الدعة: الخفض، والهاء عوض من الواو، ويقال: ودع الرجل -بالضم- فهو وديع، أي: ساكن. اهـ قوله: (روي أنّ الرجل يؤتى به إلى الميزان فينشر عليه تسعة وتسعون سجلاً ... ) الحديث. أخرجه الترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بنحوه. قال الطَّيبي: البطاقة: رقعة صغيرة، وهي ما يجعل في طي الثوب يكتب فيها ثمنه. اهـ
следующие страницы →