قال الشيخ سعد الدين: ليس الاحتياج إلى هذا التقدير لمجرد قبح عطف الإنشاء على الإخبار، بل لأن المعنى على ذلك، لأن هذا من كلام الملائكة قطعاً وإنما الكلام في (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) حيث يحتمل أن يكون من كلام الله تعالى. اهـ
قوله: (فلا يتوقع منهم إيمان).
قال الطَّيبي: يعني دل قوله (فَهُم لا يُؤمِنُونَ) لما فيه من بناء (لا يؤمِنُونَ) على (هم) المفيد لتقوي الحكم على عدم توقع الإيمان منهم وذلك لترتب هذه الجملة على قوله تعالى (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) حيث أوقع (الَّذِينَ كَفَرُوا) وهو معرفة خبراً لـ (إِنَّ) وجعل اسمه (شَرَّ الدَّوَابِّ). اهـ
قوله: (أن لا يمالؤا).
أي: يساعدوا.
قوله: (وعن عقبة بن عامر: سمعته ﵊ على المنبر يقول: ألا إن القوة الرمي، قالها ثلاثاً).
أخرجه مسلم.
قوله: ((وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) اسم للخيل التى تربط في سبيل الله تعالى).
قال الطَّيبي: قيل: فإذن يلزم من إضافته إضافة الشيء إلى نفسه. اهـ
قال الشيخ سعد الدين: وليس بشيء، بل في التحقيق الرباط: اسم للمربوطات إلا أنه لا يستعمل إلا في الخيل، فالإضافة باعتبار عموم المفهوم الأصلي. اهـ
قوله: (أو مصدر).
قال في الانتصاف: هذا هو المطابق للرمي. اهـ
قوله: (قال جرير:
إني وجدت من المكارم حسبكم ... أن تلبسوا خز الثياب وتشبعوا).
بعده:
وإذا تذوكرت المكارم مرة ... في مجلس أنتم به فتقنعوا
стр. 1402
قال الطَّيبي: حسبكم أي: محسبكم، وأن تلبسوا: فاعله، وخز الثياب: نفيسها، ويروى خز بالخاء والزاي المعجمتين وهو نوع من الإبريسم، وتقنعوا: أي غطوا رءوسكم ووجوهكم من الحياء، يهجوهم بأن همتهم مقصورة على المآكل والملابس. اهـ
قلت: ذكر الزمخشري في شرح شواهد سيبويه أنَّ هذين البيتين لعبد الرحمن بن حسان، وقيل: لسعيد بن عبد الرحمن بن حسان وأورد الأول بلفظ: إني رأيت، وقال: جعل (أن تلبسوا) أحد مفعولي (رأيت) و (حسبكم) المفعول الثاني، يهجو بني أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص وكانوا زوجوا أختهم من سليمان بن عبد الملك وحملوها إلى الشام فصحبهم وكانوا وعدوه بالقيام بحوائجه فقصروا فهجاهم.
قوله: ((وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) إما فى محل النصب على المفعول معه).
قال أبو حيان: هذا مخالف لكلام سيبويه فإنه قال: قالوا: حسبك وزيداً درهم لما كان فيه معنى كفاك وقبح أن يحملوه على المضمر نووا الفعل كأنه قيل: بحسبك وبحسب زيداً درهم.
قال: وفي ذلك الفعل المضمر ضمير يعود على الدرهم، والنية بالدرهم التقديم، فيكون من عطف الجمل، ولا يجوز أن يكون من باب الإعمال لأن طلب المبتدأ للخبر وعمله فيه ليس من قبيل طلب الفعل أو ما جرى مجراه ولا عمله فلا يتوهم ذلك فيه. اهـ
قوله: (فحسبك والضحاك سيفٌ مهند).
أوله: إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا.
قال الطيبي: انشقاق العصا عبارة عن التفرق، ونصب (الضحاكَ) بـ (حسبك) لأنه في معنى يكفيك، يقول: إذا كان يوم الحرب ووقع الخلاف بينكم فحسبك مع الضحاك سيف هندي.
وقال ابن يعيش في شرح شواهد الإيضاح: يروي (الضحاك) بالرفع والنصب والجر، فالرفع على أنه مبتدأ خبره (سيف) وخبر (حسبك) محذوف لدلالة الكلام عليه لأنه
стр. 1403
في معنى الأمر، أي: فلتكتف ولتثق والضحاك سيفك الأوثق، والنصب على أنه مفعول معه و (حسبك) مبتدأ و (سيف) خبره، والمعنى: كافيك سيف مع صاحبه الضحاك وحضوره، أي حضور هذا السيف المغني عن سواه، والجر على أن الواو واو قسم، أو عطفاً على الكاف في (حسبك).
قال: وكلاهما مخالف للمعنى، لأن القصد الإخبار بأن الضحاك نفسه هو السيف الكافي والإخبار بأن المخاطب يكفيه ويكفي الضحاك معه سيف. اهـ
قوله: (أو الرفع عطفاً على اسم الله).
زاد أبو البقاء: أو مبتدأ محذوف الخبر تقديره: كذلك، أي: حسبهم الله تعالى. اهـ
قوله: (أكلّ امرئ تحسبين امرأ ... ونار توقد بِاللَّيْلِ نَاراً)
هو لأبي داود جعفر بن الحجاج، وقيل: حارثة بن حمران الإيادي الحذاقي من أبيات أولها:
ودارٍ يقول لها الرائدو ... ن ويلُ امِّ دار الحذاقيّ دارا
يصف أيام لذته بالتقييد ثم مصيره إلى حال أنكرت عليه امرأته بمنزلته من السوء فأنبأها بجهلها بمكانه وأنه لا ينبغي أن يغتر بأمرئٍ من غير امتحانه.
قال ابن يعيش: سيبويه يحمل قوله: (ونار) على حذف مضاف تقديره: وكل نار، إلا أنه حذف ويقدرها موجودة، وأبو الحسن يحمله على العطف على عاملين، فيخفض (نارا) بالعطف على (امرئٍ) المخفوض بـ (كل)، وينصب بالعطف على (أمرأً) المنصوب، وهذا البيت من أوكد ما استشهد به أبو الحسن. اهـ
وقال غيره: يروي (وناراً) الأول بالنصب فراراً من العطف عاملين.
ووقع في كامل المبرد نسبة هذا البيت إلى عدي بن زيد.
قوه: (روي أنه ﵊ أُتي يوم بدر بسبعين أسير ... ) الحديث.
أخرجه أحمد وابن جرير وابن مردويه من حديث ابن مسعود، ومسلم من حديث ابن عباس بنحوه.
стр. 1404
قوله: (روي أنه ﵇ قال: لو نزل العذاب لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ).
أخرجه ابن جرير عن محمد بن إسحاق بلفظ: لو نزل من السماء عذاب لما نجا منه غير عمر بن الخطاب وسعد بن معاذ لقوله: كان الإثخان في القتل أحب إليَّ، وأخرجه ابن مردويه من حديث ابن عمر لكن لم يذكر فيه سعد بن معاذ.
قوله: (روي أنها نزلت في العبَّاس ... ) الحديث.
أخرجه الحاكم وصححه من حديث عائشة.
قوله: (تشبيهاً لها بالعمل والصناعة).
قال الشيخ سعد الدين: يريد أن (فعاله) بالكسر في المصادر إنما يكون في الصناعات وما يزاول كالكتابة والزراعة والحراثة والخياطة، والولاية ليست من هذا القبيل إلا على التشبيه. اهـ
قوله: (إلا تفعلوا ما أمرتم به) .
قال الطَّيبي: يريد أن الضمير في (تَفعَلُوهُ) بمنزلة اسم الإشارة الذي يشار به إلى جميع ما ذكر. اهـ
قوله: (من قرأ سورة الأنفال ... ) الحديث.
رواه الثعلبي عن أُبيٍّ وهو موضوع.
стр. 1405
سورة التوبة
قوله: (ولها أسماء أخر ... ) إلى آخره.
قلت: لبراءة أكثر من عشرة أسماء، وقد نظمتها في أبيات فقلت:
أسماء براءة تفوق العشرة ... فاضحة البحوث والمنقرة
وسورة العذاب والتوبة ... مع حافرة مثيرة مبعثرة
مخزية مقشقشة مدمدمة ... منكلة مشردة يا بررة
قوله: (والبحوث).
بفتح الباء، كذا ضبطه.
قوله: (لما فيها من التوبة للمؤمنين).
أي في قوله (لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ) إلى قوله تعالى (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا). قاله الطَّيبي.
قوله: (وقيل كان النبي ﷺ إذا نزلت سورة ... ) الحديث.
أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان والحاكم وصححه من حديث ابن عباس.
قوله: (روي أنها لما نزلت أرسل رسول الله ﷺ عليًّا ... ) الحديث.
هو ملفق من عدة أحاديث بعضها في مسند أحمد من حديث علي، وبعضها في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وبعضها في الدلائل للبيهقي من حديث ابن عباس، وبعضها في تفسير ابن مردويه من حديث أبي سعيد الخدري وغيره. الشيخ سعد الدين.
قوله: (أمرت بأربع).
стр. 1406
أي بأن أخبر وأنادي بها، وكان العلم بأن الكافر لا يدخل الجنة لم يكن حاصل للمشركين قبل ذلك، أو أريد الإعلام بأنه لا يقبل من المشركين بعد هذا إلا الإيمان، أو بأن التعادي والتباين بين النفسين المسلمة والكافرة ثابت في الدنيا والآخرة.
الطَّيبي.
قوله: (العضباء).
لقب لناقة رسول الله ﷺ ، وأصله المشقوقة الأذن، ولم تكن ناقته الشريفة كذلك.
قوله: (في بعض الروايات: لا ينبغى لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي).
أخرج هذه الرواية أحمد والترمذي وحسنه من حديث أنسٍ.
قوله: (روي أنه ﷺ وقف يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع فقال: هذا يوم الحج الأكبر).
أخرجه أبو داود والحاكم وصححه من حديث ابن عمر.
قوله: (الحج عرفة).
أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن يعمر.
قوله: ((ورسوله) عطفاً على المستكن في (بريء) لوجود الفاصل).
قال الشيخ سعد الدين: ويحتمل أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، أي ورسوله كذلك. اهـ
قوله: (أو على محل (إن) واسمها في قراءة من كسرها).
قال الطيبي: وذلك لأن المكسورة لما لم تغير المعنى جاز أن تقدر كالعدم فيعطف على
стр. 1407
محل ما عملت فيه، هذا معنى قولهم: يعطف على محلها مع اسمها، هذا على ما قرئ في الشاذة بكسر (إن)، وأما على المشهورة بفتح (أن) فقال أبو البقاء: إنه عند المحققين غير جائز لأن المفتوحة لها موضع غير الابتداء بخلاف المكسورة.
وقال ابن الحاجب: (وَرَسُولُهُ) بالرفع معطوف على (أنَّ) باعتبار المحل وإن كانت مفتوحة لأنَّها في حكم المكسورة، وهذا موضع لم ينبه عليه النحويون فإنَّهُم قالوا (إذا) يعطف على اسم (إنَّ) المكسورة دون غيرها، توهموا أنه لا يجوز العطف على المفتوحة، والمفتوحة تنقسم إلى قسمين: قسم يجوز العطف فيه على اسمها بالرفع، وقسم لا يجوز، فالذي يجوز هو أن يكون في حكم المكسورة كقولك: علمت أنَّ زيداً قائمٌ وعمرو، لأنه في معنى إنَّ زيداً قائم وعمرو فكما جاز العطف ثَمَّ جاز هنا، ألا ترى أنَّ (عَلمَ) لا تدخل إلا على المبتدأ والخبر، يدل على ذلك وجوب الكسر في قولك: علمتَ إنَّ زيداً القائم، وإنما انتصب بعدها توفيراً لما تقتضيه علمت من معنى المفعولية، وإذا تحقق أنها في حكم المكسورة جاز العطف على موضعها، وإن كانت المفتوحة على غير هذه الصفة لم يجز العطف على اسمها بالرفع مثل قولك: أعجبني أنَّ زيداً قائم وعمرو، فلا يجوز إلا النصب لأنَّها ليست مكسورة ولا في حكمها.
وقال في موضع آخر: إنما لم يعطف على المفتوحة لفظاً ومعنى لأنها واسمها وخبرها بتأويل جزء واحد، فلو قدرت أنها في حكم العدم لأخللت بموضعها بخلاف (إن) المكسورة لأنَّها لا تغير المعنى فجاز تقدير عدمها لكونها للتأكيد المحض كما جاز تقدير عدم الباء المؤكدة في قوله: فلسنا بالجبال ولا الحديدا. اهـ
قوله: (استثناء من المشركين) .
أي في قوله (إِلاّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
قوله: (أو استدراك).
أي: استثناء منقطع.
قال الشيخ سعد الدين: ولا يضره تخلل الفاصل -أعني قوله (وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ... ) إلى آخره- لأنه ليس بأجنبي بالكلية لكونه أمراً بالإعلام، كأنه قيل لهم: فقولوا لهم سيحوا واعلموا أن اللهَ بريء منهم لكن الذين عاهدتم ولم ينقضوا عهدهم أتموا إليهم عهدهم ولا تجعلوهم في حكم الناكثين الذين لا رخصة في إمهالهم أربعة أشهر.
стр. 1408
قال: وفي جعله استثناء متصلاً من (الْمُشْرِكِينَ) يلزم تخلل الفاصل الأجنبي مع منافاته لعموم المشركين في قوله تعالى (أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) إلا أن يحمل على المعهود أعني المشركين الذين استثنى منهم غير الناكثين، أو يخص عمومهم بهذه القرينة، لكن تأخر الاستثناء ينافي ذلك ولا محيص سوى أن يجعل من جهة المعنى من المشركين الثاني أيضاً.
وذهب صاحب الانتصاف إلى أنه لا حاجة إلى تقدير القول في (فَسِيحُوا) وإنما هو تفنن وذهاب من خطاب المسلمين إلى خطاب المشركين ثم رجوع إلى خطاب المسلمين بقوله تعالى (إِلاّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ). اهـ
وعبارة الانتصاف: يجوز أن يكون (فَسِيحُوا) خطاباً من الله تعالى ولا يضمر قبله قولوا، ويكون استثناء من قوله (إِلاّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ)، والمعنى: براءة من الله ورسوله إلى المعاهدين لا الباقين على العهد، ويكون فيه خروج من خطاب المسلمين في (عَاهَدْتُمْ) إلى خطاب المشركين في (فَسِيحُوا)، والتفات بقوله (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ ... ) وقياسه: غير معجزي وأني، فيه افتنان وتفخيم للشأن، ثم يعود إلى خطاب المؤمنين في قوله تعالى (إِلاّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ). اهـ
قوله: (وانتصابه على الظرف).
قال أبو حيان: سبقه إلى ذلك الزجاج، ورده أبو علي، لأنَّ المرصد: المكان الذي يرصد فيه العدو، فهو مكان مخصوص لا يحذف الحرف منه إلا سماعاً.
قال أبو حيان: وأقول يصح انتصابه على الظرف لأن قوله (وَاقْعُدُوا لَهُمْ) ليس معناه حقيقة القعود بل المعنى: أرصدوهم في كل مرصد يرصد فيه، ولما كان المعنى هذا جاز قياساً أن يحذف منه (في) لأن العامل في الظرف المختص إذا كان من لفظه أو معناه جاز أن يصل إليه بغير وساطة (في). اهـ
وقال صاحب الانتصاف: يحتمل أن يكون المرصد مصدراً لأن اسم الزمان والمكان والمصدر من فعله واحد. اهـ
قوله: (وَخَبَّرتماني أَنَّما الموْتُ بِالقُرَى ... فَكَيْفَ وَهَاتَا هَضْبَةٌ وَقَلِيبُ).
стр. 1409
هو لكعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه وقبله:
لعمركما إن البعيد الذي مضى ... وإن الذي يأتي غداً لقريب
الهضبة: الجبل المنبسط على وجه الأرض، والقليب: البئر.
قال الزمخشري في شرح شواهد سيبويه: أي قلتما لي إن من سكن القرى مرض للوباء الذي فيها فكيف مات أخي في برية وهذه هضبة أي جبل وقليب أي بئر، أشار إلى هضبة وبئر في الموضع الذي مات فيه أخوه ومن أبيات هذه القصيدة قوله:
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجب عند النداء مجيب
فقلت ادع أخرى وارفع الصوت ثانيا ... لعل أبا المغوار منك قريب
قوله: (قال حسان: لَعَمْرُكَ إِنَّ إِلَّكَ مِنْ قُرَيْش ... كَإِلَّ السَّقْبِ مِنْ رَأَلِ النَّعَامِ).
السقب: ولد الناقة الذكر، والرأل: ولد النعام.
قوله: (وهو الجؤار).
بضم الجيم والهمز: رفع الصوت.
قوله: ((وأكثرهم فاسقون) متمردون).
قال الطَّيبي: الكافر إذا وصف بالفسق دل على نهاية ما هو فيه من الكفر. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: أشار بقوله متمردون إلى دفع ما يقال إن الكفر أقبح من الفسق كله فما وجه إخراج البعض بقوله (وَأَكْثَرُهُمْ)؟. اهـ
قوله: (من التفادي).
بالفاء، يقال: تفادى الرجل من كذا، إذا تحاماه. قاله الطيبي.
قوله: ((وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) اعتراض).
قال الشيخ سعد الدين: بين (فَإن تَابُوا) (وَإِنْ نَكَثُوا). اهـ
قوله: (وإظهار الياء لحن).
قال الحلبي: لأنه إنما اشتهر من القراء التسهيل بين بين لا الإبدال المحض حتى إن الشاطبي جعل ذلك مذهباً للنحويين لا للقراء فقال: وفي النحو إبدالاً. اهـ
стр. 1410
قلت: فقوله: لحن مراده اللحن الخفي عند القراء لا الجلي الذي هو خلاف مما تقتضيه قواعد النحو، فاندفع ما أورد عليه من أنه خلاف ما ذكره النحاة ومنهم الزمخشري في المفصل حيث قال: إذا التقت همزتان في كلمة واحدة فالوجه قلب الثانية إلى حرف لين على حسب حركتها.
قال ابن الحاجب في شرحه: كقولك أيمة بياء محضة. هذه عبارته.
قوله: (فإن قضية الإيمان أن لا يخشى إلا منه).
قال الطَّيبي: وذلك أن المؤمن إذا اعتقد أن لا ضار ولا نافع إلا الله وإن أحداً لا يقدر أن يضره وينفعه إلا بإذنه ومشيئته فلا يخاف إلا ربَّه. اهـ
قوله: (روي أنه لما أُسر العبَّاس. .) إلى آخره.
أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه، وأخرجه ابن جرير وأبو الشيخ عن الضحاك بلفظه.
قوله: (عن النبي ﷺ قال الله تعالى إن بيوتي في أرضي المساجد ... ) الحديث.
أخرجه الطبراني من حديث سلمان بلفظ: من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد فهو زائر الله وحق على المزور أن يكرم زائره، وعبد الرزاق وابن جرير في تفسيريهما والبيهقي في شعب الإيمان عن عمرو بن ميمون قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: إن بيوت الله في الأرض المساجد، وإن حقاً على الله أن يكرم من زاره فيها.
قوله: (وإنما لم يذكر الإيمان بالرسول لما علم أن الإيمان باللهِ تعالى قرينه ... ) إلى آخره.
قال الشيخ سعد الدين: يعني أنه مذكور بطريق أبلغ لما اشتهر من تقارنهما وعدم إنفكاك أحدهما عن الآخر.
وقال الطَّيبي: خلاصة الجواب أن في الكلام دلالة على ذكره وليس فيه بيان الفائدة في
стр. 1411
طي ذكره، ويمكن أن يقال: إن المراد بـ (مَنْ آمَنَ) الرسول ﷺ وأصحابه لأنهم الأحق بعمارة مساجد الله، وهو الذي يدعو الناس إلى توحيد الله تعالى وعبادته وذكره، فلما كان داخلاً في لفظ (من) لم يحسن أن يقال ورسوله. اهـ
قوله: (نزلت فى المهاجرين ... ) إلى آخره.
أخرجه الثعلبي عن ابن عباس.
قوله: (وقيل نزلت نهياً عن مولاة التسعة الذين ارتدوا ولحقوا بمكة).
رواه الثعلبي عن مقاتل.
قوله: (وموطن يوم حنين ... ) إلى آخره.
تبع الزمخشري في تقدير موطن في الثاني، أو تفسير موطن بالوقت في الأول ليكون من عطف الزمان على المكان، (وقد قال صاحب الانتصاف متعقباً عليه: لا مانع من عطف الزمان على المكان كعطف أحد المفعولين على الآخر تقول: ضرب زيد عمرواً يوم الجمعة وفي المسجد، كما تقول: ضربت زيداً وعمروا.
وقال الحلبي: لا أدري ما حمل الزمخشري على تقدير أحد المضافين أو على تأويل الموطن بالوقت ليصح عطف زمان على زمان أو مكان على مكان إذ يصح عطف أحد الطرفين على الآخر. اهـ
وقال الطَّيبي في توجيه صنع صاحب الكشاف: قيل يعني أن الفعل كما يقتضي ظرف المكان يقتضي ظرف الزمان فلا يجوز أن يجعل أحدهما تابعاً للآخر كما لا يعطف المفعول به على المفعول فيه ولا الفاعل على المفعول ولا المصدر على شيء من ذلك ولا بالعكس.
ثم قال الطَّيبي: والزمخشري إنما راعى المناسبة وهي واجبة عند علماء البيان دون النحويين. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: لا ينبغي أن يذهب في وجه ذلك لأنه ليس بينهما من المناسبة ما يصلح معه العطف فإنه ظاهر الفساد، بل وجهه إن كلاً منهما متعلق بالفعل بلا توسط العاطف كسائر المتعلقات لا يعطف بعضها على بعض، وإنما تعطف على البعض
стр. 1412
ما هو من جنسه ولا يتعلق معه استقلالاً مثل: ضربت زيداً وعمرواً، وصمت يوم الخميس ويوم الجمعة، وصليت في الدار وفي المسجد، ونحو ذلك، فاحتاج إلى أن يجعله من عطف المكان على المكان بتقدير المضاف، أو الزمان على الزمان كذلك، أو يجعل الموطن اسم زمان على ما يجوزه القياس وإن كان بعيداً من الفهم قليلاً في الاستعمال، كأنه قيل: في أزمنة أوقات مواقف الحروب. اهـ
قوله: (ولا يمنع إبدال قوله: (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) منه أن يعطف على موضع (في مَواطِنَ) فإنه لا يقتضي تشاركهما فيما أضيف إليه المعطوف حتى يقتضي كثرتهم وإعجابها إياهم في جمع المواطن).
هذا ردٌّ لقول الكشاف على أن الواجب أن يكون (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ) منصوباً بفعل مضمر لا بهذا الظاهر، وموجب ذلك أن قوله (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ) بدل من (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ) فلو جعل ناصبه هذا الظاهر لم يصح لأن كثرتهم لم تعجبهم في جميع تلك المواطن، ولم يكونوا كثيراً في جميعها، فنفى أن يكون ناصبه فعلاً خاصاً به إلا إذا كان نصبت (إذ) بإضمار اذكر.
وقد تكلم الناس على كلام الزمخشري هذا فمن متعقب ومن مقرر، فقال صاحب الانتصاف: ما ذكره غير لازم، تقول: اضرب زيداً حين يقوم وحين يقعد، والناصب للظرفين واحد، وهما متغايران، إنما يمتنع أن ينتصب الفعل الواحد بظرفي زمان مختلفين عند عدم العطف. اهـ
قال الطَّيبي بعد أن حكاه: وعليه قول القاضي: ولا يمتنع إبدال قوله (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ) ... إلى آخره.
وقال صاحب التقريب تقريراً لقول الزمخشري: الواجب أن ينصب (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ) بـ
(نصر) مضمراً لئلا يعطف زمان على مكان بل يكون عطف جملة على جملة لا بهذا
الظاهر إن جعل (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) بدلاً من (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ) لا منتصباً بـ (اذكر) إذ التقدير على البدلية نصركم في مواطن كثيرة زمان أعجبتكم كثرتكم، ولا يصح لأن الإعجاب والكثرة لم يكونا في جميع تلك المواطن، وقد يقال: يمكن أن ينصب بهذا الظاهر مطلقاً لا مقيداً بالظرف، وغاية الجواب أنه إذا تقدم فعل مقيد بحال على ظرف نحو: صليت قائماً في المسجد، فالمعنى أن الصلاة المقيدة بالقيام
стр. 1413
وقعت في المسجد، والحال في المعنى ظرف فيعتبر في الثاني ذلك الظرف كما يعتبر في الحال وللبحث فيه مجال.
قال الطَّيبي: وتمام التقرير أنَّ الأصوليين ذكروا أن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه فِى المتعلقات كالحال والشرط وغيرهما هذا هو المراد من كلام الزمخشري وصاحب التقريب.
قال: فالواجب أن يقال: ما في الآية ليس من باب عطف المفرد على المفرد بل هو من باب عطف الجملة على الجملة، إما على تقدير ناصب من جنس المذكور، أو تقدير اذكر من غير إبدال لئلا يلزم المحذور، وبيانه أن (نصر) مطلق وتقييده بحسب كل واحد من الظرفين فإن الأحوال والظروف كلها مقيدات للفعل المطلق، فإذا قيد أحدهما بقيد لزم تقييد الفعل به، لأن القيد بيان المراد من المطلق فيسري منه إلى الآخر، لعل هذا هو المعنى من قول صاحب التقريب: إذا تقدم فعل مقيد بحال عنى ظرف نحو: صليت قائماً في المسجد فيعتبر في الثاني ذلك القيد قريب من قولهم المتعقب للحمل للجميع. اهـ
وقال الحلبي: كلام الزمخشري حسن، وتقديره أن الفعل مقيد بظرف المكان، فإذا جعلنا (إِذ) بدلاً من (ويوْم) كان معمولاً له، لأن البدل يحل محل المبدل منه، فيلزم أنه نصرهم إذ أعجبتهم كثرتهم في مواطن كثيرة، والفرض أنَّهم في بعض المواطن لم يكونوا بهذه الصفة، إلا أنه قد ينقدح فإنه تعالى لم يقل في جميع المواطن حتى يلزم ما قاله. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين في تقرير كلام الكشاف: الواجب أن ينتصب (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ) بفعل مضمر وهو (نَصَرَكُمُ) ليكون من عطف الجملة على الجملة، لا بقوله (لَقَدْ نَصَرَكُمُ) ليكون عطفاً على (فِي مَوَاطِنَ) بالتأويل وبدون التأويل وذلك لأن (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) بدل من (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ) فيكون زمان الإعجاب بالكثرة ظرفاً للنصرة الواقعة في المواطن الكثيرة لأن الفعل واحد، ولأن الأصل في العطف أن يتقيد المعطوف بما يتقيد به المعطوف عليه وبالعكس مثل: أعجبني قيام زيد يوم الجمعة وقيام عمرو، وبالعكس، و (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ) مقيد بزمان الإعجاب بالكثرة لأن العامل
стр. 1414
منسحب على البدل والمبدل منه جميعاً وكذا المواطن، واللازم باطل إذ لا إعجاب بالكثرة في المواطن، وبهذا التقرير يندفع ما يقال: هذا إنما يلزم لو كان المبدل منه في حكم التنحية مع حذف حرف العطف ليؤول إلى: نصركم الله في مواطن كثيرة إذ أعجبتكم، وليس كذلك، بل يؤول إلى: نصركم في مواطن إذ أعجبتكم، وعلى ما ذكره الزمخشري منع ظاهر مرجعه إلى أن الفعل في المعطوف والمعطوف عليه لا يلزم أن يكون واحداً بحيث لا يكون له تعدد أفراد، ألا ترى إلى قولنا: ضرب زيد اليوم وعمرو غداً، وأضربه حين يقوم وحين يقعد، وأضرب زيداً قائماً وعمرواً قاعداً، إلى غير ذلك ولا يلزم من تقييده في حق المعطوف بقيد تقييده في حق المعطوف عليه بذلك، ولا نسلم أن هذا هو الأصل حتى يفتقر خلافه إلى الدليل. اهـ
قلت: وهذا المنع هو تقرير ما مشى عليه البيضاوي.
(ثم قال الشيخ سعد الدين: وأما ما يقال إن هذه النكتة تدفع ما تقدم أيضاً) لأن الزمان إنما لا يعطف على المكان لو كان زمان ذلك الفعل وهو ليس بلازم لجواز تغاير الفعلين ففيه نظر لأن مراده الامتناع فيما إذا كان معمولي فعل واحد في اللفظ نحو: ضربت زيداً وعمرواً في الدار ويوم الجمعة، حتى يجري فيما إذا تحقق التغاير مثل: أكرمت أول الزائرين وآخرهم في الدار ويوم الجمعة. اهـ
قوله: (وحنين واد ... ) إلى آخره.
الحديث أخرجه مسلم من حديث العبَّاس بنقص يسير، وروى البيهقي في الدلائل عن الربيع بن أنس أن رجلاً قال يوم حنين: لن نغلب اليوم من قلة، فشق ذلك على رسول الله ﷺ فأنزل الله (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ).
قال الربيع: وكانوا اثني عشر ألفاً منهم ألفان من أهل مكة.
قوله: (الطلقات).
قال الشيخ سعد الدين: هم الأسارى الذين أخذوا يوم الفتح وأطلقوا. اهـ
قوله: (لن نغلب اليوم من قلة).
قال الطَّيبي: ليس نفياً للمغلوبية بل نفي للقلة، يعني متى غلبنا كان سببه غير القلة. اهـ
стр. 1415
وقال الشيخ سعد الدين: هو نفى للقلة وإعجاب بالكثرة، يعني إن وقعت مغلوبية فليس عنها. اهـ
قوله: (فقال العبَّاس وكان صيتاً).
أي عالي الصوت.
روى ابن سعد في الطبقات عن كذا.
قوله: (يا أصحاب الشجرة).
أي أصحاب بيعة الرضوان المذكورين في قوله تعالى (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ).
قوله: (يا أصحاب سورة البقرة).
قال الطَّيبي: قيل: أريد المذكورون في قوله (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ)، وقيل: الذي أنزل عليهم سورة البقرة. اهـ
قلت: الظاهر أن المراد الذين حفظوا سورة البقرة فإنَّهُم عظماء الصحابة، قال أنس بن مالك: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا.
قوله: (فكرُّوا عنقاً واحداً).
قال الزمخشري: أي رجعوا جماعة واحدة واحدة، أي دفعة، منه قوله (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ) أي رؤساءهم وجماعاتهم. اهـ
قوله: (حمى الوطيس).
قال في النهاية: الوطيس: التنور.
وهو كناية عن شدة الأمر واضطرام الحرب، ذكر ابن دريد في المجتبى وغيره أن أول من قاله النبي ﷺ لما اشتد البأس يومئذ، ولم يسمع قبله.
стр. 1416
قال الطَّيبي: وهو من أحسن الاستعارات. اهـ
قوله: (رُوي أن ناساً جاءوا إلى رسول الله ﷺ ... ) الحديث.
ذكره الثعلبي بلفظ المصنف بغير إسناد، وأصله عند البخاري من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم بنحوه.
قوله: (ما نعدل بالأحساب شيئاً).
قال في الأساس: الحسب ما يعده الرجل من مفاخر آبائه. اهـ
قال الشيخ سعد الدين: كنوا بذلك عن اختيار الذراري والنساء على استرجاع الأموال لأن تركهم في ذل الأمر يقضي إلى الطعن في أحسابهم. اهـ
قوله: (فشأنه).
قال الشيخ سعد الدين: أي فيلزم أمره وشأنه. اهـ
قوله: (وأكثر ما جاء تابع لرجس) .
قال الطَّيبي: أي أكثر ما جاء نجس بكسر النون اهـ.
في الصحاح: قال الفراء: إذا قالوه مع الرجس أتبعوه إياه قالوا رجس نجس بالكسر. اهـ
قوله: (أهل تبالة).
هي بفتح التاء وتخفيف الموحدة بلدة صغيرة باليمن.
قوله: (وجُرَش).
بضم الجيم وفتح الراء: مخلاف من مخاليف اليمن، والمخلاف في اليمن كالرستاق في العراق.
قوله: (مواتية).
أي: موافقة.
стр. 1417
قوله: (أو عن يد قاهرة).
قال في الانتصاف: هدا الوجه أملأ بالفائدة.
قوله: (ويؤيده أن عمر لم يكن يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أنه ﵊ أخذها من مجوس هجر).
أخرجه البخاري إلى هنا، وأما قوله: وقال سنوا بهم سنة أهل الكتاب، فحديث آخر أخرجه مالك في الموطأ والشافعي في الأم عنه عن جعفر عن أبيه عن عمر أنه قال: ما أدري ما أصنع في أمرهم؟
فقال له عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول لم الله ﷺ يقول سنوا هم سنة أهل الكتاب.
قوله: (ووى الزهري أنه ﷺ صالح عبدة الأوثان إلا من كان من العرب).
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عنه.
قوله: (أو لأن الابن وصف والخبر محذوف مثل معبودنا أو صاحبنا، وهو مزيف لأنه يؤدي إلى تسليم النسب وإنكار الخبر المقدر).
قال الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز طاعناً في هذا الوجه: الاسم إذا وصف بصفة ثم أخبر عنه فمن كذبه انصرف التكذيب إلى الخبر وصار ذلك الوصف مسلماً، فلو كان المقصود بالإنكار قولهم عزير ابن الله معبودنا لتوجه الإنكار إلى كونه معبوداً لهم وحصل تسليم كونه ابناً لله وذلك كفر. اهـ
وقال الإمام: هذا الطعن ضعيف، أما قوله إنه يتوجه الإنكار إلى الخبر فمسلم، وأما قوله ويكون ذلك تسليماً للوصف فممنوع لأنه لا يلزم من كونة مكذباً لذلك الخبر كونه مصدقاً لذلك الوصف إلا أن يقال تخصيص ذلك الخبر يدل على أن ما سواه لا يكذبه وهذا بناء على دليل الخطاب وهو ضعيف. اهـ
وقال الطَّيبي: هذا الكلام يحتمل أمراً آخر وهو أن يقال إنَّ المراد من إجراء تلك الصفة على الموصوف بناء الخبر عليه فحينئذ يرجع التكذيب إلى جعل الوصف علة للخبر، قال
стр. 1418
: فبطل ما ذكره المصنف من التزييف. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: القول بالوصفية ليكون حذف التنوين من اللفظ والألف من الخط قياساً كما في قولك زيد بن عمرو حاضر يوهم بل يدل بدليل الخطاب وشهادة الاستعمال أن الوصف -أعني النبوة- ثابتة وإنما الكذب والخطأ في الحكم وهو كونه معبوداً، مثلاً إذا أنكرت على من قال زيد بن عمرو سيدنا كان إنكارك راجعاً إلى كونه سيداً لا إلى كونه ابن عمرو.
قال: وقد يتمحل فيجاب بأن الصفة هنا للعلمية أو للمدح فإنكار العبودية يتضمن إنكارها، ولو سلم فلا يستلزم تسليمها.
قال: وذكر بعضهم أن القول ههنا بمعنى الوصف فلا حاجة إلى تقدير الخبر، كما أنَّ أحداً إذا قال مقالة ينكر منها البعض فحكيت ذلك المنكر فقط.
قال: وهو مع كونه مخالفاً لظاهر قوله (ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا) ليس دفعاً للتزييف المذكور بل وجهاً آخر. اهـ
قوله: (إما تأكيد لنسبة هذا القول إليهم ونفي للتجوز عنها).
لم يذكر هذا الوجه في الكشاف، وقال أصحاب الحواشي إنه غير مناسب.
قال الطَّيبي: فإن قلت: فهلا يعتبر التأكيد نحو رأيته بعيني وقلته بفمي وكتبته بيدي؟
قلت: المقام يأباه، لأن المقصود الإخبار عن ذلك القول الشنيع الذي يخرج من أفواههم من غير تحاش ولا مبالاة (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) ولا يقال ذلك الأسلوب إلا في أمر يعظم مثاله ويعز الوصول إليه ليؤذن بنيله وحصوله. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: لا خفاء في أن جعل (ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ) من قبيل كتبته بيدي وأبصرته بعيني وسمعته بأذني غير مناسب للمقام، فلذا حمله صاحب الكشاف على وجهين حاصل الأول: أنه مجرد ملفوظ لا معقول له كالمهملات، وحاصل الثاني: أنه رأي ومذهب لا أثر له في قلوبهم، وإنما يرونه ويتكلمون به جهلاً وعناداً. اهـ
قوله: (ومنه قولهم: امرأة ضهياء على فعيل).
стр. 1419
قال أبو البقاء: الأشبه أن لا يكون مشتقاً منه، لأنَّ الياء في (ضهياء) أصلية والهمزة زائدة. اهـ
وقد قال الزجاج إن وزن ضهياء فعلاء والهمزة زائدة.
قوله: (وقيل إنه تمثيل لحالهم ... ) إلى آخره.
قال الطَّيبي: هو استعارة مصرحة تمثيلية، والمستعار جملة الكلام، لأنَّ حالهم في محاولة إبطال نبوة محمد ﷺ بالتكذيب هو المشبه وهو مطوي، والمشبه به حال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبث في الآفاق المعنى بقوله تعالى (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) وهو الظرف المذكور، وقوله (وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) ترشيح للاستعارة، لأنَّ إتمام النور زيادة في استنارته ونشر ضوءه فهو تفريع على الأصل أي المشبه به، وقوله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) تجريد للاستعارة وتفريع على الفرع، وروعي في كل من الممثل والممثل به معنى الإفراط والتفريط حيث شبه الإبطال بالإطفاء بالفم، ونسب النور إلى الله تعالى، وما شأن نور يضاف إلى الله تعالى؟، وكيف السبيل إلى إطفائه لا سيما بالفم؟، ومن ثم قال: في نور عظيم منبث في الآفاق، وتمم كلاً من الترشيح والتجريد بقوله تعالى (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)، وأوهم التناسب بين الكفر والإطفاء، لأن الكفر التغطية والستر، وبين الشرك ودين الحق، لأنَّ دين الحق التوحيد.
قال: ويجوز أن يجعل (نُورَ اللهِ) استعارة تحقيقية، والقرينة الإضافة، والمراد بالنور رسول الله ﷺ لقوله تعالى (وَسِرَاجًا مُنِيرًا)، شبه بذلك لما جلى الله سبحانه به ﷺ من ظلمات الشرك وهدى به الضالين، ثم أطلق اسم النور والسراج على المشبه المتروك، ثم رشح الاستعارة لأنه صفة ملائمة للمشبه به وهو السراج ولذلك قال (بِأَفْوَاهِهِمْ)، وأما قوله تعالى (وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) وقوله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ) فكما سبق في الاستعارة الأولى. اهـ
قوله: (نور عظيم).
قال الشيخ سعد الدين: مستفاد من الإضافة إلى الله تعالى. اهـ
قوله: (منبث).
стр. 1420
قلت: الظاهر أنَّها بالنون ثم الموحدة ثم المثلثة المشددة، أي: منتشر.
قوله: (لأنه فى معنى النفي).
أي: لا يرضى ولا يريد.
قوله: (لما نزل كبر على المسلمين فذكر عمر لرسول الله ﷺ ... ) الحديث.
أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس كذا.
قوله: (ما أدي زكاته فليس بكنز) .
أخرجه الطبراني في الأوسط وابن عدي الكامل وابن مردويه من حديث أبي ذر، والطبراني من حديث أبي أمامة.
قوله: (أربعة آلاف وما دونها نفقة، وما فوقها كنز).
أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن حبان عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه موقوفاً عليه.
قوله: (قانون التمول).
في الصحاح: القوانين: الأصول، الواحد قانون وليس بعربي.
قوله: (أو للفضة ... ) إلى آخره.
قال الراغب: أعيد الضمير للفضة دون الذهب لأن جنس الفضة عن الناس أعظم ضرراً
стр. 1421
، والحاجة إليها أمس، ومنعها للمضرة أجلب. اهـ
قوله: (وعن عطاء).
قال الشيخ سعد الدين: إذا أطلق عطاء فهو ابن أبي رباح. اهـ
قوله: (وقيل الضمير للرسول ﷺ .
قال الشيخ سعد الدين: وعلى الأول لله تعالى. اهـ
وقال في الانتصاف: يريد الثاني في قوله عقبه (إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ). اهـ
قوله: (أي إن لم تنصروه فسينصره الله ... ) إلى آخره.
قال في الانتصاف: الفرق بين الوجهين عسير، وغايته أن في الأول وعد بنصر مستقبل أكد تحقيقه بوجود نصره من قبل، وفي الثاني إخبار باستمرار نصر ماضي، والأمر فيهما متقارب. اهـ
قال الطَّيبي: قوله (إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ) من باب قولك إن تكرمني الآن فقد أكرمتك أمس، فقوله: فسينصره الله كما نصره؛ إخبار على سبيل التوبيخ، والمقصود أن الله تعالى ناصره الآن كما كان ناصره فيما مضى، فهو مستغن عنكم ولا يضره خذلانكم، وقوله: وأوجب له النصر، إخبار بأن الله تعالى حكم بأنه منصور، والنصر على الأول وقع تحقيقاً، وهو إمارة النصر المستقبل، وعلى الثاني النصر محتوم مقدر وما قدره الله تعالى واجب الوقوع. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: الوجهان متقاربان، وحاصلهما أنَّ الجواب محذوف، والمذكور بمنزلة العلة له، والفرق عائد إلى جهة العِلِّية، فالأول بمنزلة القياس الجلي، أي: إن لا تنصروه فسينصره الله تعالى كما نصره، ولأنه نصره في وقت أصعب من هذا، والثاني بمنزلة الاستصحاب المعلوم للمخاطبين، أي: فلا يخذله الله تعالى بل ينصره، لأنه في حكم الله تعالى وفي سالف الزمان وسائر الأحوال من المنصورين لا من المخذولين، وأنتم عالمون بذلك. اهـ
وقال أبو حيان: الوجه الثاني لا يظهر منه جواب الشرط لأنَّ إيجاب النصر له أمر سبق،
стр. 1422
والماضي لا يترتب على المستقبل، فالذي يظهر الوجه الأول. اهـ
وقال السفاقسي: نصره له ثابت مستمر في المستقبل، فيصح حينئذ ترتبه على المستقبل، وقد أشار إليه بقوله: فلن نخذله في غيره، وقد ذكر الشيخ أبو حيان جواز ذلك إذا كان بهذا المعنى في البقرة. اهـ
قوله: (روي أن المشركين طلعوا فوق الغار ... ) الحديث.
أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي بكر إلى قوله: الله ثالثهما.
قوله: (فأعماهم الله تعالى عن الغار فجعلوا يترددون حوله فلم يروه).
أخرجه ابن سعد والبزار والطبراني وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل من حديث أنس وزيد ابن أرقم والمغيرة بن شعبة.
قوله: (وقيل لما دخلا الغار بعث الله تعالى حمامتين) الحديث.
أخرجه المذكورون من هذا الوجه.
قوله: (أو على صاحبه وهو الأظهر).
قال الشيخ سعد الدين: ولا ينافي كون ضمير (وَأَيَّدَهُ) للرسول ألبتة، لأنه عطف على (فَقَدْ نَصَرَهُ) لا على قوله (فَأَنْزَلَ اللهُ). اهـ
قوله: (والرفع أبلغ).
قال الطَّيبي: لأنه يدل على الدوام والثبوت، وأن الجعل لم يتطرق على كلمة الله، وأنها في نفسها غالبة، وفيه إشارة إلى قدم كلمة الله تعالى. اهـ
وقال أبو البقاء: النصب ضعيف لأنه فيه دلالة على أن كلمة الله كانت سُفلى فصارت عُليا، وليس كذلك، ولأن التوكيد بالضمير المرفوع للمنصوب بعيد إذ القياس يأباه. اهـ
стр. 1423
وقال الشيخ سعد الدين: إنما كان الرفع أبلغ لما في النصب من إيهام التقييد بالظروف السابقة أعني (إِذْ أَخْرَجَهُ) و (إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ) و (إِذْ يَقُولُ)، لكن لا يخفى أن هذا ورد على قوله (وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ) فالأَولى التعليل بأن جعل (وَكَلِمَةُ اللهِ) في حيز الجعل، والتصيير غير مناسب بل هو دائم ثابت، ولا كذلك تسفيل كلمة الذين كفروا فإنه عبارة عن جعل دعوتهم إلى الكفر مضمحلة مقهورة منكوسة فيما بين الناس، وأما التعليل بأن قولنا جعل الله كلمة الله هى العليا؛ بمنزلة: أعتق زيد غلام زيد؛ فمدفوع بأن في إضافة الكلمة إلى صريح اسم الله زيادة إعلاء لمكانها وتنويهاً بشأنها. اهـ
قوله: ((لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ) ساد مسد جوابى القسم والشرط).
قال أبو حيان: ليس هذا بجيد بل للنحويين في هذا مذهبان أحدهما: أن (لَخَرَجْنَا) هو جواب القسم وجواب (لَو) محذوف على قاعدة اجتماع القسم والشرط إذا تقدم القسم على الشرط، وهو اختيار ابن عصفور، والآخر: أنَّ (لَخَرَجْنَا) هو جواب (لَو)، وجواب القسم هو (لَو) وجوابها، وهذا اختيار ابن مالك، وأما أنه سد مسدهما فلا أعلم أحداً ذهب إليه.
قال: ويحتمل أن يتأول كلامه على أنه لما حذف جواب (لَو) ودل عليه جواب القسم جعل كأنه سد مسدهما. اهـ
قوله: (وهو بدل من (سيحلفون)).
قال أبو حيان: هذا بعيد لأنَّ الإهلاك ليس مرادفاً للحلف ولا هو نوع منه، ولا يجوز أن يبدل فعل من فعل إلا أن يكون مرادفاً له أو نوعاً منه. اهـ
وقال الحلبي: يصح على أنه بدل اشتمال، وذلك لأنَّ الحلف سبب للإهلاك فهو مشتمل عليه فأبدل المسبب من سببه لاشتماله عليه، وله نظائر كثيرة منها قوله:
إن عليَّ الله أن تبايعا ... تؤخذَ كرهاً أو تجيء طائعا
فـ (تؤخذ) بدل من (تبايعا) بدل اشتمال بالمعنى المذكور، وليس أحدهما نوع من الآخر. اهـ
قلت: وهذا معنى قول المصنف: لأن الحلف الكاذب إيقاع للنفس في الهلاك.
قوله: (كناية عن خطئه في الإذن لهم فإن العفو من روادفه) .
стр. 1424
تبع في هذه العبارة السيئة الزمخشري، وقد قال صاحب الانتصاف: هو بين أمرين: أن لا يكون هذا المعنى مراداً فقد أخطأ، أو يكون مراداً لكن كنى الله تعالى عنه إجلالاً ورفعاً لقدره، أفلا يتأدب بأدب الله تعالى لا سيما في حق المصطفى ﷺ . اهـ
وقال الطَّيبي: أخطأ الزمخشري في هذه العبارة خطأً فاحشاً، ولا أدري كيف ذهب عنه -وهو العَلَمُ في استخراج لطائف المعاني- أنَّ في أمثال هذه الإشارات وفي تقديم العفو إشعار بتعظيم المخاطب وتوقير حرمته. اهـ
وقال السجاوندي: (عَفَا اللهُ عَنْكَ) تعليم بعظمته صلوات الله وسلامه عليه، ولولا تصدير العفو في المقال لما قام بصولة الخطاب، وربما يستعمل في ما لم يسبق به ذنب ولا يتصور كما يقول لمن يعظمه: عفا الله عنك ما صنعت في أمري، ورضي الله عنك ما جوابك عن كلامي، ومنه قوله ﷺ : لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: ما كان ينبغي له أن يعبر بهذه العبارة الشنيعة بعدما راعى الله تعالى رسوله ﷺ بتقديم العفو وذكر الإذن المنبيء عن علو المرتبة وقوة التصرف وإيراد الكلام في صورة الاستفهام وإن كان القصد إلى الإنكار على أن قولهم: عفا الله عنك؛ قد يقال عند ترك الأولى والأفضل بل وفي مقام التعظيم والتبجيل مثل: عفا الله عنك ما صنعت في أمري. اهـ
وقال القاضي عياض في الشفا: قال مكي: هذا افتتاح كلام بمنزلة: أصلحك الله وأعزك الله. اهـ
وقد ألف في هذا الموضع رداً على الزمخشري الصدر حسن بن محمد بن صالح النابلسي الحنبلي كتاباً سماه جنة الناظر وجُنة المناظر في الانتصاف لأبي القاسم الطاهر ﷺ ، وبهذه النكتة وأمثالها اشمأز أهل الدين والورع من النظر في الكشاف
стр. 1425
ونهوا عن مطالعته وإقرائه.
وألف الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين السبكي كتاباً سماه (سبب الانكفاف عن إقراء الكشاف) قال فيه: وبعد فإن كتاب الزمخشري كنت قرأت منه شيئاً على الشيخ علم الدين عبد الكريم بن علي المشهور بالعراقي في سنة اثنين وسبعمائة وكنت أحضر قراءته عند قاضي القضاة شمس الدين السروجي وكان له عناية ومعرفة ثم لم أزل أسمع دروس الكشاف وأبحث فيه ولي فيه غرام لما اشتمل عليه من الفوائد والفضائل التي لم يسبق إليها، والنكت البديعة والدقائق التي تقر العيون عليها، وأتجنب ما فيه من الاعتزال، وأتخرج الكدر وأشرب الصفو الزلال، وفيه ما لا يعجبني مثل كلامه في قوله تعالى (عَفَا اللهُ عَنْكَ)، وطلب مني مرة بعض أهل المدينة بنسخة من الكشاف فأشرت عليه بأن لا يفعل حياءً من النبي ﷺ أن يحمل إليه كتاب فيه ذلك الكلام، ثم صار هذا الكتاب يقرأ عليَّ وأنا أبقر عن فوائده حتى وصلت إلى تفسير سورة التحريم وقد تكلم في الزلة فحصل لي بذلك الكلام غص، ثم وصلت إلى كلامه في سورة التكوير في قوله تعالى (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) إلى آخر الآية، والناس اختلفوا في هذا الرسول الكريم من هو، فقال الأكثرون: جبريل، وقال بعضهم: هو محمد ﷺ ، فاقتصر الزمخشري على القول الأول ثم قال: وناهيك بهذا دليلاً على جلالة مكان جبريل وفضله على الملائكة ومباينة منزلته لمنزلة أفضل الإنس محمد ﷺ إذا وازنت
بين الذكرين حين قرن بينهما وقايست بين قوله تعالى (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١). وبين قوله تعالى (وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ). فطرحت الكشاف من يدي، وأخرجته من خلدي، ونويت أن لا أقربه ولا أنظر فيه إن شاء الله تعالى، وذلك لأني أحب النبي ﷺ وأجله بحسب ما رزقني الله تعالى من محبته وإجلاله، وأمتنعت من هذه الموازنة والمقايسة التي قالها الزمخشري، وهب أن الملائكة أفضل البشر كما تقوله المعتزلة أما كان هذا الرجل يستحي من النبي ﷺ أن يذكر هذه المقايسة بينه وبين جبريل (١) بل بهذه
стр. 1426
العبارة، والذي أقوله إن كتاب الله تعالى المبين لا مرية فيه وفيه (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) و (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي) (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ) وغير ذلك مما القرآن طافح به وبتعظيمه ﷺ ، وأنا واحد الناس كل ما أنا فيه من خير أمور الدنيا والآخرة من الله تعالى بواسطة النبي ﷺ ، وأعلم أن الله سبحانه تعبدني بذلك، (ومقام جبريل) ﷺ مقام عظيم قُوانا وعلومنا تقصر عنه، والنبي ﷺ يعلم أكثر منا، فما لنا وللدخول في هذا المكان الضيق ولم يكلفنا الله تعالى بذلك، فحسب امرئ إذا لم يعرف تفضيل الملك على البشر ولا البشر على الملك أن يتأدب ويقف عند حده، ويعظم كلاً منهما بما يجب له من التعظيم، ويكف لسانه وقلبه عن فضول لا يعنيه ولم يكلف به، ويقدر في نفسه أنَّ هذين المخلوقين العظيمين حاضران وهو بين أيديهما ضئيل حقير والله تعالى رابعهم وهو عالم بما تخفي الصدور. اهـ
قوله: (أي ليس من عادة المؤمنين) .
قال الطَّيبي: نفي العادة مستفاد من نفي فعل المستقبل، والمراد به الاستمرار، على نحو: فلان يقري الضيف ويحمي الحريم. اهـ
وقال الشيخ سعد الدين: حمله على نفي الاستمرار، ولو حمله على استمرار النفي كما في أكثر المواضع أي عادتهم عدم الاستئذان لم يبعد. اهـ
قوله: (شهادة لهم بالتقوى وعدة لهم بثوابه).
قال الطَّيبي: أما الشهادة فمن وضع الظاهر موضع المضمر، أو إرادة الجنس بالمتقين فيدخلون فيه دخولاً أولياً، وأما العدة فإن مقتضى العلم بعد ذكر أعمال العباد خيراً أو شراً إما الوعد بالثواب أو الوعيد بالعقاب. اهـ
قوله: (وأخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا) .
стр. 1427
أوله: إن الخليط أجدوا البين فانجردوا.
الخليط: المخالط، والإنجراد: المضي في الأمر.
قوله: (ولا سرعوا ركائبهم بينكم بالنميمة).
قال الطَّيبي: يعني أنه من الاستعارة التبعية، شبه سرعة إفسادهم لذات البين بالنمائم بسرعة سير الركائب ثم استعير لها الإيضاع وهو إسراع البعير، وأصل الاستعارة: ولأوضعوا ركائب نمائمهم خلالكم، ثم حذف النمائم وأقيم المضاف إليه مقامهما لدلالة سياق الكلام على أن المراد النميمة، ثم حذف الركائب. اهـ
قال الشيخ سعد الدين: ولو قدر: ولأوضعوا النمائم، على أنَّها استعارة مكنية والإيضاع تخييل لكفى. اهـ
قوله: (أي أن الفتنة هى التى سقطوا فيها -إلى قوله- لا ما احترزوا عنه).
قال الطَّيبي: التخصيص يفيده معنى تقديم الظرف على عامله، والتحقيق من تصدير الجملة بأداة التنبيه فإنَّها تدل على تحقيق ما بعدها. اهـ
تم بفضل الله إلى نهاية الآية التاسعة والأربعين من سورة التوبة