من النقل أيضاً، وكان في ترك المفعول نوع إشارة إليه (١).
وقال أبو حيان: " رب " على هذا القول اسم فاعل حذفت ألفه، فأصله راب، كما قالوا: رجل بار وبر (٢).
قوله: (ولا يطلق على غيره تعالى).
قال الشريف وغيره: يعنى به " غالباً، وإلا فقد جاء في شعر الحارث بن حلزة (٣) يمدح ملكا:
وَهُوَ الرَّبُّ وَالشَّهِيدُ عَلَيَّ يو. . . مِ الحِيَارَيْنِ وَالبَلاْءُ بَلاءُ (٤).
قلت: الظاهر أن مراد المصنف نفي إطلاقه شرعا، والحارث من شعراء الجاهلية.
وقال الشيخ سعد الدين: المراد أن لفظ الرب بدون الإضافة لا يذكر إلا في حق الله تعالى، بخلاف الجمع كـ " الأرباب " كما يقال: رب الأرباب، وفي التنزيل (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ) [سورة يوسف ٣٩].
قوله: (إلا مقيدا كقوله (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ) [سورة يوسف ٥٠].
قال الطيبي: هذا يرده ما رواه الشيخان عن أبي هريرة مرفوعاً " لا يقل أحدكم أطعم ربك، ولا وضئ ربك، ولا اسق ربك، ولا يقل أحدكم: ربي، وليقل: سيدي ".
قال: وأما قول يوسف ﵇ (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ) و (إِنَّهُ رَبِّي) * ونحوه فهو ملحق بقوله تعالى (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) [سورة يوسف ١٠٠] في الاختصاص بزمانه.
قلت: جوابه أن النهي في الحديث للتنزيه.
قوله: (والعالم اسم لما يعلم به كالخاتم).
قال الشريف: يريد كما أن الخاتم - مع كونه مشتقا من الختم - اسم لما يختم
стр. 177
به كذلك العالم - مع اشتقاقه من العلم - اسم لكل ما علم به الخالق.
قوله: (غلب فيما يعلم به الصانع).
قلت: اشتهر عند المتكلمين إطلاق الصانع عليه تعالى، وقد اعترض بأنه لم يرد، وأسماؤه تعالى توقيفية.
وأجاب الشيخ تقي الدين السبكي بأنه قرئ شاذا (صَنَعه الله) بلفظ الماضي، فمن اكتفى في الإطلاق بورود الفعل اكتفى بذلك.
وأجاب غيره بأنه مأخوذ من قوله (صُنْعَ اللَّهِ) وهو أيضاً جار على طريقة من يكتفي في لإطلاق بورود المصدر.
أقول: وقد ظفرت بحديث صحيح ورد فيه إطلاقه عليه تعالى، وهو ما أخرجه الحاكم في " المستدرك " وصححه، والبيهقي في كتاب " الأسماء والصفات " من حديث حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله صانع كل صانع وصنعته " (١)
стр. 178
ثم ظفرت بحديث ثان صحيح، وهو ما أخرجه الطبراني في " الكبير " والحاكم في " المستدرك " عن خباب قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو مضطجع تحت شجرة، واضع يده تحت رأسه، فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله على هؤلاء القوم الذين قد خشينا أن يصرفونا عن ديننا، فصرف وجهه عني، ثلاث مرات، في كل ذلك أقول له، فيصرف وجهه عني، فجلس في الثالثة، ثم قال: " أيها الناس اتقوا الله، فوالله إن كان " الرجل من المؤمنين قبلكم ليوضع المنشار على رأسه فيشق باثنين، وما يرتد عن دينه، اتقوا الله فإن الله فاتح لكم وصانع " (١).
قوله: (وإنما جمع ليشمل ما تحته من الأجناس المختلفة).
قال في " الانتصاف ": تعليله الجمع بإفادة الاستغراوا فيه نظر، فإن العالم - كما ذكر - اسم جنس، وعرف بلام الجنس، فصار مفردا أدل على الاستغراق منه جمعا.
قال إمام الحرمين: التمر أحرى باستغراق الجنس من التمور؛ فإن اسم التمر يسترسل على الجنس لا بصيغة لفظية، والتمور ترده (٢) إلى تخيل الوحدان، ثم الاستغراق بعده بصيغة الجمع، وفي صيغة الجمع مضطرب.
قال صاحب " الانتصاف ": والتحقيق فيه وفي كل ما يجمع من أسماء الأجناس (٣)، ثم يعرف تعريف الجنس أنه يفيد أمرين:
стр. 179
أحدهما: أن ذلك الجنس تحته أنواع مختلفة.
والآخر: أنه مستغرق لجميع ما تحته منها، فالمفيد لاختلاف الأنواع الجمع، والمفيد للاستغراق التعريف؛ إذ لو جمع مجردا (١) عن تعريف أفاد اختلاف الأنواع، ولو عرف مجردا عن الجمع أفاد الاستغراق، فظهر ضعف قوله: (جمع ليشمل) إذ الشمول من التعريف، لا من الجمع، وضعف قول الإمام: إن الجمع يوهي الإشعار بالاستغراق، فإن اختلاف الأنواع الذي قصد به الجمع لا ينافيه.
وقال صاحب " الانتصاف ": بنى كلامه على أن المفرد المعرف باللام يفيد الاستغراق، وهو مذهب المبرد، والمختار أنه لا يفيده، وأن الجمع المعرف يفيده.
وقال الطيبي: فإن قلت: أليس هذا مخالفا لقولهم: الاستغراق في المفرد أشمل.
قلت: لا، لأنهم يريدون أن الجمع قد يحتمل غير الشمول في بعض المقامات، والمفرد وإن دل على الشمول والاستغراق لكن الغرض استغراق الأجناس المختلفة، فلو أفرد وقيل: رب العالم لاحتمل الاستغراق شمول أفراد كل ما يصح عليه إطلاق اسم العالم، فلا تعلم نصوصية تعدد الأجناس وكثرتها كالجن والإنس والملائكة وغيرها كما تعلم من الجمعية، فجمع ليشمل ذلك المعنى.
قال: وأما ما ذكره صاحب " الانتصاف " فمندفع؛ لأن السؤال وارد على الجمع المحلى باللام، وتقريره ما سبق (٢).
وقال الشيخ أكمل الدين: ليس المراد بالجنس في قوله: (ليشمل كل جنس) ما هو المصطلح؛ لأنه إن أراد الأجناس العالية التي حصرها المقولات العشرة لا يكون العالمين شاملا للأجناس المتوسطة، وهي الأنواع الإضافية، ولا للأنواع السافلة؛ لعدم دلالة الأعم على الأخص، وإن أراد الأجناس المتوسطة لم يشمل الأنواع السافلة، والأصناف، والأفراد، فلا بد من شيء يصح به الكلام، فقال بعضهم: لما فسر العالم بمجموع الموجودات العالمة، أو بمجموع الموجودات
стр. 180
المعلومة، وذلك لا يتعدد توجه أن يقال: فلم جمع؟ فقال: ليشمل كل جنس من أجناس الموجودات المسماة بالعالم، نحو عالم الأجسام، عالم الأعراض، عالم الحيوان، إلى غير ذلك، وهذا غير مفيد ما هو المراد من الجنس على ما ذكرنا على أن العالم إن كان أحد المجموعين لم يحتمل الجمع؛ إذ ليس ما وراء المجموع شيء، على أنه اعترض عليه بأمور:
منها أن الجمع يقتضي اتفاق الأفراد في الحقيقة، وهاهنا ليس كذلك.
ومنها: أنه لا حاجة إلى الجمع؛ لأن استغراق المفرد أشمل.
ومنها: أن الشمول مقتضى اللام، لا الجمعية، فإن اسم الجنس إذا جمع دل على إرادة الأنواع كزيوت، أو الأفراد كرجال، لا على الشمول.
وقال بعضهم: أراد بقوله: (كل ما علم به الصانع) أن العالم يطلق على كل واحد واحد من أنواع ما يعلم به الخالق، وعلى للمجموع؛ إذ لو كان المجموع فقط لاستحال جمعه، وإذا صح إطلاقه على كل واحد واحد من الأنواع، فلو أفرد لأوهم أن المراد استغراق أفراد نوع مما يطلق عليه، لا الأنواع كلها مع أفرادها.
وأما إذا جمع واستغرق الأنواع بالتعريف فقد ارتفع ذلك الوهم.
هذا حاصل كلامه، وهو ليس شرحا لكلام المصنف، أما
أولاً: فلأنه فسر الجنس بالنوع، ولا دلالة للأعم على الأخص، وأما
ثانيا: فلأنه جعل اللام مفيدة لاستغراق الأنواع، والجمع لاستغراق الأفراد، واللام لا تفيد الاستغراق عند الزمخشري، والجمع لا يفيد استغراق الأفراد بالاتفاق.
ولعل الصواب أن يقال: المراد بالجنس الحقيقة، ومعناه رب هذه الحقيقةِ، أي حقيقة ما يعلم به الخالق، ولما كانت ذات أفراد جمع ليشمل كل واحد واحد بالمطابقة.
ووما قيل: لو قيل: إن العالم والعالمين كعرفة وعرفات لم يبعد، ليس بشيء؛ لأنه قياس فيما يعرف بالسماع (١). انتهى كلام الشيخ أكمل الدين.
وقال الشيخ سعد الدين: معنى الكلام أن العالم اسم لكل جنس يعلم به الخالق، يقال: عالم الملك، وعالم الإنس، وعالم الجن، وعالم الأفلاك، وعالم
стр. 181
النبات، وعالم الحيوان، وليس اسما لمجموع ما سوى الله تعالى بحيث لا يكون له أفراد، بل أجزاء فيمتنع جمعه (١).
وقال أبو حيان: جمع العالم شاذ، وجمعه بالواو والنون أشذ للإخلال ببعض الشروط التي لهذا الجمع (٢).
قوله: (وغلب العقلاء منهم فجمع بالياء والنون).
أحسن من قول " الكشاف ": " وجمع بالواو والنون إشعارا بالصفة؛ لما قيل من أن الجماد يعلم به أيضاً (٣) ".
قال صاحب " الفرائد ": لا يلزم من الوصفية جواز الجمع بالواو والنون؛ لما عرف من اختصاصه بصفات أولي العلم، فالوجه التغليب بعد اعتبار الوصفية؛ لأن كل عالم يعلم من حيث إنه دل على الخالق تعالى وتقدس.
وقال الطيبي: إنما جمع بالواو والنون جمع قلة، والظاهر مستدع للإتيان بجمع الكثرة تنبيها على أنهم وإن كثروا قليلون في جنب عظمته وكبريائه (٤).
قوله: (كسائر أوصافهم).
تقرير لكونه وصفا بعد جعله اسما، وذلك بتأويل كونه دالا على صانعه.
قوله: (وقيل: اسم وضع لذوي العلم).
هو على هذا مشتق من العِلْمِ، وعلى الأول من العلامة.
قوله: (والثقلين) أي الجن والإنس، سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض.
قال الطيبي: فيستدل به على أن الجن أجسام (٥).
قوله: (وقيل: عني به الناس هاهنا، فإن كل واحد منهم عالم من حيث إنه يشتمل على نظائر ما في العالم الكبير من الجواهر والأعراض) إلى آخره.
قال الغزالي في كتابه " الانتصار لما في الإحياء من الأسرار ": اعلم أن آدم مخلوق على مضاهاة صورة العالم الأكبر، لكنه مختصر صغير، فإن العالم إذا فصلت أجزاؤه وفصلت أجزاء آدم بمثله وجدت أجزاء آدم مشابهة للعالم الأكبر.
стр. 182
فمن ذلك أن العالم ينقسم قسمين:
أحدهما: ظاهر محسوس كعالم الملك.
والثاني: باطن معقول كعالم الملكوت، والإنسان كذلك انقسم إلى ظاهر محسوس كاللحم والعظم والدم وسائر أنواع الجواهر المحسوسة، وإلى باطن كالروح والعقل والعلم والإرادة والقدرة، وأشباه ذلك.
وقسمة أخرى: وذلك أن العالم قد انقسم بالعوالم إلى عالم الملك، وهو الظاهر للحواس، وإلى عالم الملكوت، وهو الباطن في العقول، وإلى عالم الجبروت، وهو المتوسط الذي أخذ بطرف من كل عالم منها، والإنسان كذلك انقسم إلى ما يشابه هذه القسمة، فالمشابه لعالم الملك الأجزاء المحسوسة، وقد علمتها، والمشابه لعالم الملكوت مثل الروح والعقل والقدرة والإرادة وأشباه ذلك، والمشابه لعالم الجبروت كالإدراكات الموجودة بالحواس، والقوى الموجودة بأجزاء البدن (١).
وقسمة أخرى: وذلك أن العالم إن حلل إلى ما علم به من أجزائه بالاستقراء فرأس الإنسان يشبه سماء العالم من حيث إن كل ما علاك فهو سماؤك، وحواسه تشبه الكواكب والنجوم من حيث إن الكواكب أجسام مشعة تستمد من نور الشمس، فتضيء بها، والحواس أجسام لطيفة مشفهّ تستمد من الروح فتضيء بذلك المدركات وروح الإنسان مشابهة للشمس، فضياء العالم، ونمو نباته، وحركة حيوانه وحياته فيما يظهر بتلك الشمس، وكذلك روح الإنسان به حصل في الظاهر نمو أجزاء بدنه ونبات شعره، وخلق حيوانه، وجعلت الشمس وسط العالم، وهي تطلع بالنهار، وتغرب بالليل، وجعلت الروح وسط جسم الإنسان، وهي تغرب بالنوم، وتطلع باليقظة، ونفس الإنسان تشابه القمر من حيث إن القمر يستمد من الشمس، ونفسه تستمد من الروح، والقمر خالف الشمس، والروح خالف النفس، والقمر آية ممحوة، والنفس مثلها، ومحو القمر في أن لا يكون ضياؤه منه، ومحو النفس في أن ليس عقلها منها، ويعتري الشمس والقمر وسائر الكواكب كسوف، ويعتري النفس والروح وسائر الحواس غيب وذهول.
وفي العالم نبات ومياه ورياح وجبال وحيوان ما وفي الإنسان نبات، وهو
стр. 183
الشعر، ومياه، وهو العرق والدموع والريق والدم، وفيه جبال وهي العظام، وحيوان، وهي هوام الجسم فحصلت المشابهة على كل حال.
ولما كانت أجزاء العالم كثيرة، ومنها ما هي لنا غير معروفة، ولا معلومة كان في استقصاء مقابلة جميعها تطويل، وفيما ذكرناه يحصل به لذوي العقول تشبيه وتمثيل.
ثم قال: ولا يناقض ما ذكرناه هنا من التفرقة بين الروح والنفس قولنا في " الإحياء (١) ": إنهما شيء واحد؛ لأن لها معنى يسمى بالروح تارة، وبالنفس أخرى، وبغير ذلك (٢). انتهى.
وقال بعضهم: سمي الإنسان بالعالم الصغير؛ لأن الله تعالى أوجد المخلوقات خمسة ضروب: الجماد، والنبات، والحيوان، والشيطان، والملك، وكلها مجموعة في الإنسان، فهو جماد حيث يكون نطفة لا حركة فيه ولاحس، وهو نبات حيث ينمي ويغتذي، وهو حيوان حيث يلذ ويتألم، وهو شيطان حيث يغوي ويضل،
стр. 184
وهو ملك حيث يعرف الله تعالى ويعبده.
ومنها أنه يصور كل شيء بيده، ويحكي كل صوت بفيه، وينهش اللحم كما تنهشه السباع، ويأكل البقول كما تأكله البهائم، ويقضم الحبّ كما يقضمه الطير (١)، ولهذا قالوا: لا متفرق لو جمع كان منه إنسان إلا العالم، ولا مجتمع لو فرق كان منه العالم إلا الإنسان، فهو إنسان بالفعل، عالم أكبر بالقوة، والعالم الأكبر عالم أكبر بالفعل، إنسان بالقوة.
ومنها أن الله خلق المخلوقات في عالم الأجسام على أربعة أصناف: قائم كالأشجار، وراكع كالبهائم، وساجد كالحيات والحيتان، وقاعد كالجبال، والإنسان له الصفات الأربع.
ويقال: إنما لقب بالعالم الصغير؛ لأنهم مثلوا رأسه بالفلك، وروحه بالشمس - إذ لا قوام للعالم إلا بها كما لا قوام للجسد إلا بالروح - وعقله بالقمر؛ لأنه يزيد وينقص ويذهب ويعود، وحواسه ببقية الكواكب السيارة، وآراءه بالنجوم الثابتة (٢)، ودمعه بالمطر، وصوته بالرعد، وضحكه بالبرق، وظهوه بالبر، وبطنه بالبحر ولحمه بالأرض، وعظامه بالجبال، وشعره بالنبات، وأعضاءه بالأقاليم، وعروقه بالأنهار، وصغار عروقه بالعيون (٣).
стр. 185
قوله: (وقرئ رب العالمين بالنصب على المدح).
قال أبو حيان: وهي فصيحة لولا خفض الصفات بعدها، فضعفت إذ ذاك، على أن الأهوازي (١) حكى في قراءة زيد بن علي (٢) (رب العالمين الرحمن الرحيم) بنصب الثلاث، فلا ضعف، وإنما الضعف في قراءة نصب رب، وخفض الصفات بعدها؛ لأنهم تصّوا على أنه لا اتباع بعد القطع في النعوت، لكن تخريجها على أن يكون الرحمن بدلا، ولا سيما على مذهب الأعلم (٣)؛ إذ لا يجيز في الرحمن أن يكون صفة، وحَسَّنَ ذلك (٤) - على مذهب غيره - كونه وصفا خاصا، وكون البدل على نية تكرار العامل، فكأنَّه مستأنف من جملة أخرى، فحسن النصب (٥).
قوله: (أو النداء).
قال أبو حيان: هذا ضعيف للفصل بقوله (الرحمن الرحيم (٦)).
стр. 186
قوله: (أو بالفعل الذي دلَّ عليه الحمد)
قال أبو حيان: كأنه قيل: نحمد الله رب العالمين، قال: وهذا ضعيف؛ لأنه من مراعات التوهم، وهو من خصائص العطف، ولا ينقاس فيه.
قوله: (وفيه دليل على أن الممكنات كما هي مفتقرة إلى المحدث حال حدوثها، فهي مفتقرة إلى المبقي خال بقائها)
هذا مأخوذ من كلام الإمام، فإنه قال: إنما قال: رب العالمين، ولم يقل: خالق العالمين؛ لأن الناس أطبقوا على أن الحوادث مفتقرة إلى الموجد حال حدوثها، واختلفوا في أنها حال بقائها هل تبقى محتاجة إلى المبقي، أم لا؟
والمربي هو القائم بإبقاء الشيء، وإصلاح حاله حال بقائه فقوله (رب العالمين) تنبيه على أن جميع العالمين مفتقرة إليه في حال بقائها، فخصه بالذكر؛ لأنه الذي وقع الخلاف فيه، بخلاف افتقارها إليه حال حدوثها، فإنه أمر متفق عليه (١).
* * *
قوله: (وقرأ الباقون ملك ، وهو المختار).
عبارة غير حسنة؛ لأن كلتا القراءتين متواترة (٢)، فلا يحسن أن يقال في إحداهما: إنها المختارة؛ لما يشعر به من أن الأخرى بخلاف ذلك.
وقد أنكر جماعة من الأئمة على من رجح قراءة على قراءة.
قال السمين: ما ذكر في ترجيح مالك على ملك، وبالعكس غير مرضي؛ لأن كلتا القراءتين متواترة، وقد روى أبو عمر الزاهد (٣) عن ثعلب أنه قال: إذا اختلف
стр. 187
الإعراب في القرآن عن السبعة لم أفضل إعرابا على إعراب في القرآن، فإذا خرجت إلى كلام الناس فضلت الأقوى (١).
وقال أبو شامة: أكثر المصنفون من الترجيح بين هاتين القراءتين حتى إن بعضهم يبالغ (٢) في ذلك إلى حد يكاد يسقط وجه القراءة الأخرى، وليس هذا (٣) بمحمود بعد ثبوت القراءتين، وصحة اتصاف الرب تعالى بهما. والأولى أن يعبر بدل الاختيار بالأمدح والأبلغ (٤).
قوله: (ولقوله تعالى (لمن الملك اليوم) [سوة غافر: ١٥].
قال الشيخ أكمل الدين: وجهه أن المراد باليوم يوم الدين، وقد ذكر فيه الملك والملك يؤخذ منه.
قوله: (والمالك هو المتصرف في الأعيان المملوكة كيف يشاء من المِلْكِ، والمَلِكُ هو المتصرف بالأمر والنهي في المأمورين من المُلْك).
حاصله أن بين المِلْكِ بالكسر والمُلكِ بالضم عموما وخصوصا مطلقاً، فكل ملك مالك، وليس كل مالك ملكا، وهو ما جنح إليه الراغب والزمخشري، وقيل: إن بينهما عموما وخصوصا من وجه، فالمضموم التسلط على من يتأتى منه الطاعة، ويكون باستحقاق وغيره، والمكسور التسلط على من يتأتى منه الطاعة وغيره، ولا يكون إلا باستحقاق، وفي ثالث: هما بمعنى، كحاذر وحذر، وفاره وفره.
قوله: (وقرئ ملك بالتخفيف) أي بسكون اللام.
قوله: (وملك بلفظ الفعل) أي الماضي.
قال أبو حيان: وهي على هذه القراءة جملة خبرية، لا موضع لها من الإعراب (٥).
قوله: (ومالك بالنصب على المدح أو الحال).
قال أبو حيان: أو على النداء، قال: والقطع أعرب؛ لتناسق الصفات.
стр. 188
قوله: (ومليك مضافا)
زاد أبو حيان: وملاّك، قال: وهو محول من مالك للمبالغة، قال: وكذا مليك، أو يكون بمعنى ملك، فعلى الأوّل يأتي في إضافته ما في مالك، وعلى الثاني لا إشكال؛ لأنه وصف معرفة.
قال: وإضافة، الملك إلى يوم الدين على معنى اللام، لا على معنى " في "، خلافا لمن أثبت الإضافة بمعنى " في "
قوله: (ويوم الدين يوم الجزاء)
قال الخويي (١) في تفسيره: بين الدين والجزاء فرق لطيف، فإن الدين اسم للجزاء المحسوب المقدر بقدر ما يقتضيه الحساب إذا كان ممن معه وقع الأمر المجزي به، فلا يقال لمن جازى (٢) عن غيره، أو أعطى كثيرا في مقابلة قليل: دين، ويقال: جزاء.
قوله: (ومنه كما تدين تدان)
قلت: هو مثل مشهور، وحديث مرفوع، أخرجه ابن عدي في الكامل بسند ضعيف من حديث ابن عمر مرفوعاً (٣)، وله شاهد مرسل.
قال عبد الرزاق في المصنف: أنبأنا معمر (٤)، عن أيوب (٥)، عن أبي قلابة (٦) قال قال رسول الله ﷺ : " البر لا يبلى، والإثم لا ينسى،
стр. 189
والديان لا يموت، فكن كما شئت، كما تدين تدان (١) ".
أخرجه البيهقي في كتاب " الأسماء والصفات " من طريقه، وشاهد موقوف، أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في كتاب " الزهد " عن مالك بن دينار (٢) قال: مكتوب في التوراة، كما تدين تدان، وكما تزرع تحصد (٣).
وأخرج الديلمي في " مسند الفردوس " عن فضالة ابن عبيد (٤) قال قال رسول الله ﷺ : " مكتوب في الإنجيل كما تدين تدان، وبالكيل الذي تكيل تكتال (٥) ".
قال الميداني في " الأمثال ": معناه كما تعمل تجازى، فسمى العمل المبتدأ دينا وجزاء، للمطابقة، على حد (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) [سورة البقرة ١٩٤]. قال: ويجوز أن يجري على ظاهره، أي كما تجازي أنت الناس على صنيعهم
стр. 190
كذلك تجازى أنت على صنيعك، والكاف في " كما " في محل نصب نعتا للمصدر، أي تدان دينا مثل دينك (١).
وأخرج الخرائطي (٢) في كتاب " اعتلال القلوب " من طريق ابن الأعرابي (٣)، عن بعض شيوخه قال: كان الحارث بن أبي شمر الغساني (٤) إذا أعجبته امرأة بعث إليها، فاغتصبها نفسها، فبعث إلى الزاهرية بنت خويلد بن نفيل بن عمرو بن كلاب فاغتصبها، فأتاه أبوها، فقال في ذلك:
يَاْ أيّها الملكُ المخوفُ أما ترى. . . ليلا وصبحا كيف يختلفانِ
هل تستطيع الشمسَ أن تأتي بها. . . ليلا وهل لك بالمليك يدانِ
فاعلم وأيقن أن ملكك زائل. . . واعلم بأنَّ كما تدين تدانُ
فتذمم وخاف العقوبة، فردها وأعطاه ثلاثمائة بعير (٦).
قوله: (وبيت " الحماسة ":
ولم يَبقَ سِوَى العُدْوا. . . ن دِنُّاهم كما دانوا
" الحماسة " كتاب لأبي تمام الطائي (٧) جمع فيه أشعارا انتقاها من كلام
стр. 191
العرب، وصدره بما يتعلق بالحرب، ثم أتى بالنسيب، والمدح، والهجو، والأدب، وغلبت التسمية بالمصَدَّرِ بِه، والحماسة هي الشدة والشجاعة، يقال: حَمِسَ الرجل يحمس حماسة إذا تشدد.
قال بعض شراح " الحماسة ": لما قفل أبو تمام حبيب بن أوس الطائي من نيسابور متوجها نحو (١) العراق دخل همذان والزمان شتاء (٢)، فحال الثلج بينه وبين المصير، فأضافه أبو الوفاء محمد بن عبد العزيز بن سهل (٣)، وكان أديبا من أولاد الرؤساء، وله شعر ترتضيه الشعراء، فلما طال مقام أبي تمام عنده أحضره كتبه، فاختار أبو تمام منها هذا الاختيار، وشخص أبو تمام، وبقية الكتب عند أبي الوفاء لا يمكن أحدا منها إلى أن مات، ووقعت (٤) كبته إلى رجل من أهل الدينور يعرف بأبي العواذل، فنسخ هذه الكتب الثلاثة، وحملها إلى أصبهان فانتشرت النسخ بها، وعني أهل أصبهان بتصحيحها، وصار هذا الكتاب في الآفاق، فلهذا لا تجد أحدا يرويه مسندا إلى أبي تمام.
قلت: قد وقع لنا مرويا بالإسناد من طريق أبي غالب محمد بن أحمد بن سهل الواسطي المعروف بابن بشران (٥)، عن أبي عبد الله الحسين بن علي النمري (٦)، عن أبي رياش أحمد
ابن أبي هاشم بن شبيل (٧)، عن أبي المطرف الحسن بن يوسف الأنطاكي (٨)،
стр. 192
عن أبي تمام.
وقد رواها من وجه آخر عن أبي رياش أبو بكر محمد بن علي ابن الفخار الجذامي (١) في فهرسته المسمى " صوان النخب في أسماء الشيوخ والكتب "
والبيت المذكور لِلْفِنْدِ، واسمه شهل - بالشين المعجمة - بن شيبان بن ربيعة بن زمان الزماني. قالها في حرب البسوس.
قال الخطيب التبريزي: وإنما سمي فندا لأن بكر بن وائل بعثوا إلى بني حنيفة في حرب البسوس يستنصرونهم، فأمدوهم به، فلما أتى بَكْراً وهو مسن جدا قالوا: وما يغني هذه العَشَبَةُ (٢) عنا؟ قال: أو ما ترضون أن أكون لكم فندا تأوون إليه.
قال الخطيب: والفند القطعة من الجبل (٣).
وقال غيره من شراح " الحماسة ": الفند شمراخ من الجبل، وقد لقب به لعظم خلقه تشبيها بالجبل، وأول القصيدة:
صَفَحْنَا عن بَني ذُهْلِ. . . وقلنا القوم إخوانُ
عسى الأيّامُ أن يرجعـ. . . ن قوما كالذي كانوا
فلما صرح الشر. . . فأمسى وهو عريان
ولم يبق سوى العدوا. . . ن دِنَّاهم كما دانوا
مشينا مشية الليث غداً. . . والليث غضبان
بضرب فيه تفجيع. . . وتخضيع وإقران
وطعن كفم الزّقّ. . . غذا والزق ملآن
وبعض الحلم عند الجـ. . . هل للذلة إذعان
وفي الشر نجاة حيـ. . . ن لا ينجيك إحسان (٤)
стр. 193
قوله: صرح الشر، أي ظهر كل الظهور، وأكل ذلك بقوله: فأمسى وهو عريان، أي مكشوف. ودناهم كما دانوا، أي جازيناهم مثل ما ابتدءونا به.
قوله: (أضاف اسم الفاعل إلى الظرف) أي على قراءة مالك.
قال الشريف: وأما إضافة ملك فلا إشكال فيها؛ لأنها إضافة الصفة المشبهة إلى غير معمولها، كما في رب العالمين، فتكون حقيقية، لا لفظية، فإنها إضافتها إلى الفاعل.
قال: فإن قيل: المضاف إليه فيهما مفعول به في المعنى، فتكون إضافتهما غير محضة.
قلنا: الصفة المشبهة لا تعمل النصب أصلاً (١).
وقال أبو حيان: من قرأ بلفظ ملك، على فعل مكسور العين أو ساكنها، أو مليك بمعناه فظاهر؛ لأنه وصف معرفة، ومن قرأ مالك، أو ملاك، أو مليك محولين من مالك للمبالغة فإن كان بمعنى الماضي كانت إضافته محضة، فيكون إذ ذاك من وصف المعرفة بالمعرفة، ويدل عليه قراءة. من قرأ (مَلَكَ يوم الدين) فعلا ماضيا، وإن كان بمعنى الاستقبال - وهو ظاهر، لأن اليوم لم يوجد - فهو مشكل؛ لأن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال فإنه تكون إضافته غير محضة فلا يتعرف بالإضافة، وإن أضيف إلى معرفة فلا يكون إذ ذاك صفة؛ لأن المعرفة لا توصف بالنكرة، ولا بدل نكرة من معرفة؛ لأن البدل بالصفات ضعيف.
قال: وحل هذا الإشكال أن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال جاز فيه وجهان:
أحدهما: ما قدمناه من أنه لا يتعرف بما أضيف إليه إذ يكون منويا فيه الانفصال من الإضافة، وكأنه عمل النصب لفظا.
الثاني: أن يتعرف به إذا كان معرفة، فيلحظ فيه أن الموصوف صار معروفا بهذا الوصف، وكان تقييده بالزمان غير معتبر.
قال: وهذا الوجه غريب النقل لا يعوفه إلا من له اطلاع على كتاب سيبويه.
стр. 194
قال سيبويه: وزعم (١) يونس (٢) والخليل أن الصفات المضافة التي صارت صفة للنكرة قد يجوز فيهن كلهن أن يكن معرفة (٣). انتهى.
قوله: (إجراء له مجرى المفعول به)
قال الطيبي: روي بضم الميم من المزيد، والرواية الصحيحة بالفتح، بمعنى الإجراء، كقوله (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا) [سورة نوح ١٧] أو بمعنى المكان (٤).
وقال الشريف: يروى بالضم والفتح إما مصدرا، وإما مكانا (٥).
وما ذكره المصنف من أنه على إجرائه مجرى المفعول هو المشهور في الآية،
وقد قيل: إنه مضاف إلى المفعول به حقيقة، والمعنى أنه تعالى يملك يوم الدين،
أن (٦) يأتي به، ويؤيده قراءة مالك - منونا - يوم بالنصب، وعلى هذا مشى ابن
السراج (٧)، فقال: هي إضافة حقيقية، والمراد مالك نفس اليوم، لا يقدر على
الإتيان به إلا الله تعالى، كقوله تعالى: (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ) [سورة الأعراف ١٨٧].
قال: وحمله على الحقيقة أولى من حمله على المجاز.
قوله: (على الاتساع).
قال الطيبي: أي جعل المفعول فيه بمنزلة المفعول به (٨).
стр. 195
وقال الشريف: الاتساع في الظرف أن لا يقدر معه " في " توسعا، فينصب نصب المفعول به، كقوله:
ويوم شهدناه سليما وعامراً (١). . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
قوله: (يا سارق الليلة أهل الدار).
وجه الاستشهاد أنه جعل الليلة مسروقة، وإنما هي مسروق فيها.
قال الشريف: وأهل الدار منصوب بسارق، لاعتماده على حرف النداء، كقولك: يا ضاربا زيدا، ويا طالعا جبلاً (٢).
قوله: (ومعناه مالك الأمور يوم الدين)
قال الشريف: يعني أن الظرف وإن قطع في الصورة عن تقدير " في " وأوقع موقع المفعول به إلا أن المقصود الذي سيق الكلام لأجله على الظرفية؛ لأن كونه مالكا ليوم الدين كناية عن كونه مالكا فيه للأمر كله، فإنَّ تملك الزمان كتملك المكان يستلزم تملك جميع ما فيه (٣).
قوله: (أوله الملك في هذا اليوم على جهة الاستمرار لتكون الإضافة حقيقية بعده، لوقوعه صفة للمعرفة).
قال الشيخ سعد الدين: فإن قيل: قد ذكر في " الكشاف " في قوله (وجعل الليل سكنا) [سورة الأنعام ٩٦] أنه إذا قصد باسم الفاعل زمان مستمر كانت الإضافة لفظية.
قلنا: الاستمرار يحتوي على الأزمنة الماضية والآتية والحال، فتارة يعتبر جانب الماضي فتجعل الإضافة حقيقية، وتارة جانب الآتي والحال فتجعل لفظية، والتعويل على القرائن والمقامات.
فإن قيل: التقييد بيوم الدين ينافي الاستمرار لكونه صريحا في الاستقبال.
قلنا: معناه الثبوت والاستقرار من غير اعتبار حدوث في أحد الأزمنة، ومثل هذا المعنى لا يمتنع أن يعتبر بالنسبة إلى يوم الدين، كأنه قيل: هو ثابت المالكية في يوم الدين، أو المراد أنه يجعل يوم الدين لتحقق وقوعه بمنزلة الواقع،
стр. 196
فتستمر مالكيته في جميع الأزمنة.
فإن قيل: ما ذكر من الاتساع وجعل الظرف يجري مجرى المفعول به صريح في أن هذه إضافة الصفة إلى معمولها، فتكون لفظية قطعاً.
قلنا: المراد أنه إضافة إلى ما هو مفعول من جهة المعنى، كما يقال: في مالك عبيده أمس: إنه إضافة إلى المفعول، أي إلى ما يتعلق به تعلق المملوكية بحيث لو كانت الصفة على شرائط العمل كانت عاملة فيه (١). انتهى.
قوله: (وتخصيص اليوم بالإضافة إما لتعظيمه، أو لتفرده تعالى بنفوذ الأمر فيه).
قال الطيبي: في اختصاص يوم الدين دون يوم القيامة وغيره من أساميه فائدتان:
إحداهما: مراعاة الفاصلة.
وثانيتهما: العموم المطلوب في الألفاظ، فإن الجزاء يشتمل على جميع أحوال، القيامة، من ابتداء النشور إلى السرمد الدائم، بل يكاد يتناول أحوال النشأة الأولى بأسرها، فظهر من هذا الاختصاص ومن مآل معنى القراءتين في الصورتين إفادة التعميم المطلوب من ألفاظ هذه السورة الكريمة، والدلالة على التسلط والغلبة والتصرف والملكة، فسبيل ملك يوم الدين ومالك يوم الدين، سبيل رب العالمين في الحمل على المفهومين، فانظر إلى حسن هذا الترتيب السري، وهذا النظم الأنيق تدهش منه.
وذلك أن رب العالمين آذن بالتصرف العام في الدنيا ملكا وتربية، ومالك يوم الدين دل على ذلك في العقبى تسلطا وقهراً، وتوسيط الرحمن الرحيم بينهما مناد بترجيح جانب الرحمة، وأنه تعالى رحمن الدنيا، ورحيم الآخرة (٢).
قوله: (وإجراء هذه الأوصاف على الله تعالى من كونه ربا للعالمين) إلى آخره.
قال الشريف: أي لما دل بلامي التعريف والاختصاص على أن جنس الحمد مختص به تعالى، وحق له أجري عليه تلك الأوصاف العظام ليكون حجة واضحة،
стр. 197
ودلالة قاطعة على انحصار الحمد فيه واستحقاقه إياه، فذكر أولا ما يتعلق بالابتداء من كونه ربا مالكا للأشياء كلها لا يخرج شيء منها من ملكوته، أي سلطنته الشاملة، ومن ربوبيته الكاملة، يتصرف فيها على وفق مشيئته ويربيها، أي يرقيها في مدارج الكمال على مقتضى عنايته بإفاضة الجود، وإعداد أسباب الكمالات.
وثانيا: ما يتعلق بالبقاء من إسباغه علينا نعما ظاهرة وباطنة جليلة ودقيقة.
وثالثا: ما يتعلق بالإعادة من كونه مالكا للأمر كله يوم الجزاء، كأنه قيل: الحمد لله الذي منه الابتداء والانتهاء، فهو الحقيق بالثناء (١).
قوله: (لا يستأهل لأن يحمد)
قلت: وقد عد الحريري (٢) في " درة الغواص " هذه الكلمة من جملة أوهام الخواص فقال: يقولون: فلان يستأهل الإكرام، وهو مستأهل للإنعام، ولم تسمع هاتان اللفظتان في كلام العرب، ولا صوّب التلفظ بهما أحد من أعلام الأدب، ووجه الكلام أن يقال: فلان يستحق المكرمة، وهو أهل لإسداء المكرمة.
وأما قول الشاعر:
لا، بل كلي يا أم واستأهلي. . . إن الذي أنفقت من ماليه (٣).
فإنه عنى بلفظ استأهلي اتخذي الإهالة، وهي ما يؤتدم به من السمن (٤).
وقال الجوهري في " الصحاح ": تقول: فلان أهل لكذا، ولا تقل: مستأهل،
стр. 198
والعامة تقوله (١).
لكن في " القاموس " استأهل كذا استوجبه، لغة جيدة، وإنكار الجوهري باطل (٢).
وفى " الأساس " فلان أهل لكذا، واستأهل لذلك، وهو مستأهل له، وقد سمعت أهل الحجاز يستعملونه استعمالا واسعاً (٣).
قوله: (فضلا عن أن يعبد).
قال أبو حيان: سئلت عن قولهم: إن زيدا لا يملك درهما، فضلا عن دينار، بم انتصب " فضلا "، وما المعنى في ذلك؟
فقلت: الذي نقول في ذلك - بعد تسليم أن هذا الكلام من لسان العرب -: إن (٤) بعض الناس قد نسب (٥) ذلك إلى العرب، فأمَّا أبو علي الفارسي فقال في تعليق جمع فيه مسائل من المشكلات: إن قول القائل: إن زيدا لا يملك درهما فضلا عن دينار، ثم وجه النصب بما سنذكره، فقوله: إن قول القائل كذا ليس بنص أنه من كلام العرب.
وقد طالعت من دواوين العرب جاهليتها وإسلاميتها الجملة الكثيرة فلم أر مثل هذا وقع في كلامها، وقد جرت بيني وبين بعض فضلاء أصحابنا هذه المسألة فقال: كان الأستاذ أبو الرضي مساعد بن محمد بن عبد الواحد الأنصاري المرسي (٦) قد جرت عنده هذه المسألة، فأنشدنا عن بعض النحاة، فيها ما يدل على أنها مسموعة، وهو قول الشاعر:
قَلَّمَا يَبْقَى عَلَى هَذَا القَلَقِ. . . صَخْرَةٌ صَمّاءُ فَضْلاً عَنْ رَمَقِ (٧)
стр. 199
فظاهر هذا البيت يقتضي أن ذلك من لسان العرب.
وينبغي في إثبات مثل هذا إلى صحة نقل، ولا تغتر بكلام من قدمنا ذكره أن ذلك من لسان العرب، فليس بقول من هو ضابط في هذه الصناعة.
ونتكلم عليها - على تقدير أنها من كلام العرب - فنقول: القول على الإعراب مترتب على فهم المعنى، ومعنى هذا الكلام الإخبار أنه لا يملك درهما ولا ديناراً، وأن عدم ملكه للدينار (١) أولى، وكأنه قال: لا يملك درهما، فكيف يملك دينارا، أي إذا انتفى ملكه لدرهم كان أحق أن ينتفي ملكه لدينار؛ لأن من قدر على دينار كان في العادة قادرا على درهم؛ لأن القليل مندرج في الكثير، وكذلك إذا انتفى بقاء الصخرة الصماء على هذا القلق فكيف يبقى الرمق الذي عادته أن يفنى بأدنى شيء.
هذا شرح المعنى الذي يريده من يتكلم بهذا الكلام.
وأما الإعراب فنقل عن الفارسي أن " فضلا " يجوز نصبه على المصدر، أو الحال. انتهى ما نقل عنه. ونحن نقرر ذلك فنقول: " فضلا " ظاهره أنه من الفضلة، التي هي البقية، ومنه الفضالة، وهي الباقي من الشيء، يقال: فضل منه شيء، أي بقي، أو من فضل على زيد، أي زاد عليه في الخير.
قال الشاعر:
فكفى بنا فضلا على مَنْ غَيْرُنا. . . حب النبي محمد إيَّانا (٢)
أي زيادة على ناس غيرنا، ويقال منه لمن صار ذلك سجية له: فضل الرجل، بضم الضاد.
ويحتمل أن يخرج (٣) على هذين الاشتقاقين، وهما معنى البقية، ومعنى الزيادة، فإذا جعلناه مصدرا فلابد له من عامل، ولم يتقدمه ما يصلح أن يكون عاملا فيه، فيحتاج إلى إضماره، وتقديره: يفضل فضلا عن دينار، ففي " يفضل " ضمير يعود إلى الدرهم، ويفضل في موضع الصفة، ويصير المعنى أنه لا يملك
стр. 200
درهما فاضلا عن دينار، أي باقيا عن دينار، أو زائدا عن دينار، بل يملك الدرهم، ولا يكون فاضلا عن دينار، وإنما كان كذلك لأن النفي إذا دخل على شيء مقيد إنما يتسلط على ذلك القيد، فإذا قلت: ما قام رجل عاقل، فمنطوقه انتفاء القيام عن رجل عاقل، ومفهومه أنه قام رجل غير عاقل، وكذلك ما جاء زيد ضاحكاً، منطوقه انتفاء مجيء زيد في حال ضحك (١)، ومفهومه أنه جاء غير ضاحك.
وقد تقدم شرح المعنى في هذا الكلام، وأن المقصود به نفي ملكه الدرهم والدينار، وأن عدم ملكه للدينار أولى، لكن يتخرج ذلك على قاعدة للعرب، وهي أنه متى نفي شيء مقيد (٢) فقد قدمنا أن النفي يتسلط على ذلك القيد، هذا هو الأكثر في كلامهم.
ولهم طريقة أخرى، وهي أنهم يقصدون نفي المحكوم عليه بانتفاء صفته، فيقولون: ما قام رجل عاقل، أي لا رجل عاقل فيقوم، وهي طريقة معروفة لهم، قال امرؤ القيس:
على لاحبٍ لا يهتدى بمناره (٣). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
لا يريد أن يثبت لهذا الطريق مناراً، وينفي عنه الاهتداء، إنما يريد نفي المنار، أي فتنتفي الهداية به، أي لا منار لهذا الطريق فيهتدى به.
وقال الأَفْوَهُ الأَوْدِيُّ (٤):
بِمَهْمَهٍ مَاِ لأنيِسٍ بِهِ. . . حِسٌّ فَمَا فِيْهِ لَهُ مِنْ رَسِيْسِ (٥)
لا يريد أن بهذا القفر أنيسا لا حس له، إنما يريد لا أنيس به، فيكون له حس، وعلى هذه الطريقة يخرج قوله تعالى (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) [سورة المدثر ٤٩] أي لا شافع فتنفعهم شفاعته، وكذلك قوله تعالى (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) [سورة البقرة ٢٧٤] أي لا سؤال فيكون إلحافاً.
стр. 201
وإذا تقررت هذه الطريقة فيتخرج قولك: هذا لا يملك درهما عن دينار، على هذه الطريقة، أي لا درهم له، فيفضل عن دينار له، وإذا انتفى ملكه للدرهم كان انتفاء ملكه للدينار أولى.
وإنما جعله أبو عليّ منصوبا على المصدر، فاحتيج في ذلك إلى إضمار فعل، وذلك الفعل في موضع الصفة، ولم يجعل " فضلا " صفة للدرهم؛ لأنه لا يكون المصدر صفة إلا إذا كان فيه معنى المبالغة، فلكثرة وقوع المصدر من الموصوف جعل كأنه وصف له، نحو قولهم: رجل صوم، أي كثير الصوم، ورجل زور، أي كثير الزيارة، وهذا المعنى مفقود هاهنا.
وأما من تأوّل المصدر بمعنى مطلق اسم الفاعل، أو على حذف ذي، أي صائم، وزائر، أو ذو صوم، وذو زور فإنه يجوّز في هذه المسألة أن يكون التقدير في " فضلا " فاضلاً، أو ذا فضل، وليس ذلك قول من تحقق في العربية، بل الصحيح أن المصدر لا يوصف به إلا إذا أريد به المبالغة.
وإذا جعلنا " فضلا " منصوبا على الحال فلا يكون حالا من زيد؛ لأن فضلا عن دينار ليس من أحوال (١) زيد، ولا من صفاته، إنما يكون من أوصاف الدرهم، ويحتمل تخريجه على الحال وجهين:
أحدهما: أن يكون حالا من درهم وإن كان نكرة؛ لأن الحال قد تأتي من النكرة، وخصوصا إذا قبح الوصف بها، وقد قبح بما قدمناه من أن المصدر في أجود الأقوال لا يوصف به حتى يراد به المبالغة، وقد جاءت الحال من النكرة في قولهم: مررت بماء قعدة رجل، وقوله تعالى (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) [سورة البقرة ٢٦٥] وقد قاس سيبويه ذلك في كتابه (٢).
والوجه الثاني: أن يكون حالا من المصدر المضمر في الفعل، على ما قرره سيبويه في قولهم: ساروا سريعا، لم يجعل سريعا نعتا لمصدر محذوف، أي سيرا سريعا، إنما جعله حالا من الضمير الذي للمصدر، كأنهم قالوا: ساروه، أي ساروا السير سريعا، أي في حال سرعته، فكذلك لا يملك درهما، أي لا يملكه، أي الملك في حال كونه فاضلا عن دينار، أي عن ملك دينار.
стр. 202
وهذا التخريج الثاني قلَّ من يعرفه، وإنما يذهب معربوا النحاة في قولهم: ساروا سريعا إلى أن سريعا نعت لمصدر محذوف، أي سيرا سريعا، وإضمار المصدر لدلالة الفعل عليه كثير في لسان العرب قال الله تعالى (اعدلوا هو أقرب للتقوى) [سورة المائدة ٩] أي العدل، وقالت العرب: من كذب كان شرًّا له، أي كان هو، أي الكذب (١).
وتقرير اختيار سيبويه هذا التخريج على تخريج النحاة له مكان غير هذا، والمعنى الذي قررناه حالة إعرابه مصدرا يجري فيه حالة إعرابه حالا، وهو أن المقصود بذلك انتفاء الحال، وذي الحال، كما كان المعنى انتفاء الصفة والموصوف.
وقد صنف بعض معاصرينا في هذه المسألة جزءا وهو شهاب الدين أحمد بن إدريس المالكي المعروف بالقرافي (٢)، وجوز في إعراب " فضلا " نيفا وأربعين وجهاً، يوقف عليها من كتابة، وفيها (٣) غاية التمحل، والفضلاء لا يذكرون من الأعاريب إلا ما سهل مأخذه في (٤) لسان العرب. انتهى كلام أبي حيان.
وقال الشيخ جمال الدين ابن هشام في رسالة ألفها في إعراب ألفاظ، منها هذا اللفظ:
أما قوله: فلان لا يملك درهما فضلا عن دينار، فمعناه أنه لا يملك درهما ولا ديناراً، وأن عدم ملكه الدينار أولى من عدم ملكه الدرهم، وكأنه قال: لا يملك درهما، فكيف يملك ديناراً.
وهذا التركيب زعم بعضهم أنه مسموع، وأنشد عليه:
قَلَّمَا يَبْقَى عَلَى هَذَا القلَقِ. . . صَخْرَةٌ صَمَاءُ فَضْلاً عَنْ رَمَقِ
стр. 203
الرمق بقية الحياة، ولا تستعمل " فضلا " هذه (١) إلا في النفي، وهو مستفاد في البيت من " قلما ".
قال بعضهم: حدث لـ " قلّ " حين كفت ب " ما " إفادة الاختصاص.
قال ابن هشام: وهذا خطأ: فإن قلّ تستعمل للنفي قبل الكفّ، يقال: قلّ أحد يعرف هذا إلا زيد، يعني لا يعرف هذا إلا زيد، ولهذا استعمل أحد، وصح إبدال المستثنى، وهو بدل إما من أحد، أو من ضميره، و " على " في البيت للمعية، مثلها في قوله تعالى (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ) [سورة الرعد ٧] (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) [سورة إبراهيم ٤٠].
وانتصاب " فضلا " على وجهين محكيين عن الفارسي:
أحدهما: أن يكون مصدرا لفعل محذوف، وذلك الفعل نعت للنكرة.
الثاني: أن يكون حالا من معمول الفعل المذكور.
هذا خلاصة ما نقل عنه، ويحتاج إلى بسط يوضحه.
اعلم أنه يقال: فضل عنه، وعليه، بمعنى زاد، فإن قدرته مصدرا بتقدير لا يملك درهما يفضل فضلا عن دينار، فذلك الفعل المحذوف صفة لدرهما. كذا حكي عن الفارسي.
ولا يتعيّن كون الفعل صفة، بل يجوز أن يكون حالا، كما جاز في " فضلا " أن يكون حالا، على ما سيأتي تقريره.
نعم، وجه الصفة (٢) أقوى؛ لأن نعت النكرة كيف كانت أقيس من مجيء الحال منها.
وإن قدرته حالا فصاحبها يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون ضمير المصدر محذوفاً، أي لا يملكه، أي لا يملك الملك، على حد قوله:
هذا سراقة للقرآن يدرسه (٣). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
أي يدرس الدرس؛ إذ ليس الضمير للقرآن، لأن اللام متعلقة ب " يدرس "
стр. 204
ولا يتعدى الفعل إلى ضمير اسم، وإلى ظاهره جميعا، ولهذا وجب في " زيدا ضربته " تقدير عامل على الأصح، وعلى هذا خرّج سيبويه والمحققون نحو قوله: " ساروا سريعا " أي ساروه، أي ساروا السير سريعاً، وليس سريعا عندهم نعتا لمصدر محذوف، لالتزام العرب تنكيره ولأن الموصوف لا يحذف إلا إذا كانت الصفة (١) مختصة بجنسه، كما في " رأيت كاتبا، أو حاسبا، أو مهندسا " فإنها مختصة بجنس الإنسان، ولا يجوز رأيت طويلا، ورأيت أحمر، وفي هذا الموضع بحث ليس هذا موضعه.
الثاني: أن يكون قوله: " درهما (٢) "
فإن قلت: كيف جاز مجيء الحال من النكرة؟
قلت: أما على قول سيبويه فلا إشكال؛ لأنه يجوز عنده مجيء الحال من النكرة وإن لم يمكن الابتداء بها (٣)، ومن أمثلته: فيها رجل فائما، ومن كلامهم: عليه مائة بيضا، وفي الحديث: " وصلى وراءه قوم قياما (٤) ".
وأما على المشهور من أن الحال. لا تأتي من النكرة إلا بمسوغ فلها هنا مسوغان:
أحدهما: كونها في سياق النفي، والنفي يخرج النكرة من حيز الإبهام إلى حيز العموم فيجوز حييئذ الإخبار عنها، ومجيء الحال منها.
الثاني: ضعف الوصف، ومتى امتنع الوصف بالحال، أو ضعف ساغ مجيئها من النكرة، فالأول كقوله تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) وقول الشاعر:
مضى زمن والناس يستشفعون بي (٥). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
فإن الجملة المقرونة بالواو لا تكون صفة، خلافا للزمخشري، وكقولك: هذا خاتم حديدا عند من أعربه حالا؛ لأن الجامد المحض لا يوصف به.
стр. 205
والثاني: كقولهم: مررت بماء قعدة رجل، فإن الوصف بالمصدر خارج عن القياس.
فإن قلت: هلا أجاز الفارسي في " فضلا " كونه صفة لـ " درهما "؟
قلت: زعم أبو حيان أن ذلك لأنه لا يوصف بالمصدر، إلا إذا (١) أريدت المبالغة؛ لكثرة وقوع ذلك الحدث من صاحبه، وليس ذلك بمراد هنا.
قال: وأما القول بأنه يوصف بالمصدر على تأويله بالمشتق، أو على تقدير المضاف فليس قول المحققين.
قال ابن هشام: هذا كلام عجيب، فإن القائل بالتأويل الكوفيون، ويؤولون عدلا بعادل، ورضى بمرضي، وكذا يقولون في نظائرهما، والقائل بالتقدير البصريون، يقولون: التقدير ذو عدل، وذو رضى، وإذا كان كذلك فمن المحققون؟
ثم اختلف النقل عن الفريقين، والمشهور أن الخلاف مطلق.
وقال ابن عصفور (٢): وهو الظاهر، إنما الخلاف حيث لا تقصد المبالغة، فإن قصدت فالاتفاق على أنه لا تأويل ولا تقدير (٣).
وهذا الذي قاله ابن عصفور هو الذي في ذهن أبي حيان، ولكنه نسي فتوهم أن ابن عصفور قال: إنه لا تأويل مطلقا، فمن هنا - والله أعلم - فى خل عليه الوهم.
والذي ظهر لي أن الفارسي إنما لم يجز في " فضلا " الصفة؛ لأنه رآه منصوبا أبدا سواء كان ما قبله منصوبا، كما في المثال، أم مرفوعا، كما في البيت، أم مخفوضاً، كما في قولك: فلانٌ لا يهتدي إلى ظاهر النحو فضلا عن دقائق البيان.
стр. 206
فهذا منتهى القول في توجيه إعراب الفارسي.
وأما تنزيله على المعنى المراد فعسير (١)، وقد خرّج على أنه من باب قوله:
على لاحبٍ لا يهتدى بمناره. . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
ولم يذكر أبو حيان سوى ذلك، وقال: وقد يسلطون النفي على المحكوم عليه بانتفاء صفته، فيقولون: ما قام رجل عاقل، أي لا رجل عاقل فيقوم، ثم أنشد بيت امرئ القيس المذكور، وقال: ألا ترى أنه لا يريد إثبات منار للطريق، ونفي الاهتداء به، إنما يريد نفي المنار، فتنتفي الهداية به، أي لا منار لهذا الطريق فيهتدى به، وقال الأفوه:
بمهمهٍ ما لأنيس به حس. . . فما فيه له من رسيس
لا يريد أن بهذا القفر أنيسا لا حس له، إنما يريد لا أنيس به، فيكون له حس، وعلى هذا خرّج (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) أي لا شافع لهم فتنفعهم شفاعته و (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) أي لا سؤال فيكون إلحافا، قال: وعلى هذا يتخرّج المثال المذكور أي لا يملك درهما فيفضل عن دينار، وإذا انتفى ملكه للدرهم كان انتفاء ملكه للدينار أولى.
قال ابن هشام: وهذا الكلام الذي ذكره لا تحرير فيه، فإن الأمثلة المذكورة من بابين مختلفين، وقاعدتين متباينتين، أميز كلا منهما عن الأخرى، ثم أذكر أن التخريج المذكور لا يتأتى على شيء منهما.
القاعدة الأولى: أن القضية السالبة لا تستلزم وجود الموضوع، بل كما تصدق مع وجوده تصدق مع عدمه، فإذا قيل: ما جاءني قاضي مكة، ولا ابن الخليفة صدقت القضية وإن لم يكن بمكة قاض، ولا للخليفة ابن، وهذه القاعدة هي التي تتخرج عليها (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) وبيت امرئ القيس، فإن شفاعة الشافعين بالنسبة إلى الكافرين غير موجودة يوم القيامة؛ لأن الله تعالى لا يأذن لأحد في أن يشفع لهم؛ لأنه لا يأذن فيما لا ينفع؛ لتعاليه عن العبث، ولا يشفع أحد عند الله إذا لم يأذن الله له (من ذا الذي يشقع عنده إلا بإذنه) [سورة البقرة ٢٥٦] وكذلك المنار غير موجود في اللاحب المذكور؛ لأن المراد التمدح بأنه يقطع الأرض المجهولة من غير هاد يهتدي به، فغرضه إنما تعلق بنفي وجود
стр. 207
ما يهتدي به في تلك الطريق التي سلكها، لا بنفي وجود الهداية عن شيء نصب فيها للاهتداء به.
وأما قول أبي حيان وغيره: المراد لا شافع لهم فتنفعهم شفاعته، ولا منار فيهتدى يه فليس بشيء؛ لأن النفي إنما يتسلط على المسند لا على المسند إليه، ولكئهم لما رأوا الشفاعة، والمنار غير موجودين توهموا أن ذلك من اللفظ، فزعموا ما زعموا.
وفرق بين قولنا: الكلام صادق مع عدم المسند إليه، وقولنا: إن الكلام اقتضى عدمه.
القاعدة الثانية: إن القضية السالبة المشتملة على مقيد نحو ما جاءني رجل شاعر تحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون نفي المسند باعتبار القيد، فيقتضي المفهوم في المثال المذكور وجود مجيء رجل ما غير شاعر، وهذا هو الاحتمال الراجح المتبادر، ْألا ترى أنه لو كان المراد نفيه عن الرجل مطلقا لكان ذكر الوصف ضائعا، ولكان زيادة في اللفظ، ونقصا في المعنى المراد.
الثاني: أن يكون نفيه باعتبار المقيد، وهو الرجل، وهذا (١) احتمال مرجوح، لا يصار إليه إلا بدليل (٢)، فلا مفهوم حينئذ للقيد؛ لأنه لم يذكر للتقييد، بل ذكر لغرض آخر، كأن يكون المراد مناقضة من أثبت ذلك الوصف، فقال: جاءك رجل شاعر، فأردت التنصيص على نفي ما أثبته، وكان يراد التعريض، كما إذا أردت في المثال المذكور أن تعرّض بمن قال: جاء رجل شاعر، وهذه هي القاعدة التي يتخرّج عليها (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) فإن الإلحاف قيد في السؤال المنفي.
والمراد من الآية - والله أعلم - نفي السؤال البتة، بدليل (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) والتعفف لا يجامع المسألة، ولكن أريد بذكر الإلحاف - والله أعلم - التعريض بقوم ملحفين، توبيخا لهم على صنيعهم، أو التعريض بجنس الملحفين، وذمهم على الإلحاف؛ لأن النقيض للوصف الممدوح مذموم.
стр. 208
والمثال المبحوث فيه يتخرّج على هذه القاعدة - فيما زعموا - فإن " فضلا " مقيد للدرهم، فلو قدر النفي مسلطا على القيد اقتضى مفهومه خلاف المراد، وهو أنه يملك الدرهم، ولكنه لا يملك الدينار، ولما امتنع هذا تعيّن الحمل على الوجه المرجوح، وهو تسليط النفي على المقيد، وهو الدرهم، فينتفي الدينار؛ لأن الذي لا يملك الأقلّ لا يملك الأكثر، فإن المراد بالدرهم ليس الدرهم العرفي، لأنه يجوز أن يملك الدينار من لا يملكه، بل المراد ما يساوي من النقود درهما، فهذا توجيه التخريج.
وأما الاعتراض عليه فمن جهة أن القيد ليس نفس الدينار، حتى يصير المعنى لا يملك درهما فكيف ديناراً، وإنما القيد قولة " فضلا عن دينار " والكلام لم يسق لنفي ملك الزائد على الدينار، بل لنفي ملك الدينار نفسه، ثم يلزم عن ذلك انتفاء ملك ما زاد عليه.
والذي يظهر لي في توجيه هذا الكلام أن يقال: إنه في الأصل جملتان مستقلتان، ولكن الجملة الثانية دخلها حذف كثير وتغيير، حصل الإشكال بسببه.
وتوجيه ذلك: أن يكون هذا الكلام في اللفظ أو في التقدير جوابا لمستخبر قال: أيملك فلان ديناراً؟ أو ردًّا علي مخبر قال: فلان يملك دينارا، فقيل في الجواب: فلان لا يملك درهماً، ثم استأنف كلاما آخر، ولك في تقديره وجهان: أحدهما: أن يقال: أخبرتك بهذا زيادة عن الإخبار عن دينار استفهمت عنه، أو زيادة عن دينار أخبرتَ بملكه له، ثم حذفت جملة أخبرتك بهذا، وبقي معمولها، وهو " فضلا " كما قالوا: حينئذٍ، الآن، بتقدير: كان ذلك حينئذٍ، واسمع الآن، فحذفوا الجملتين، وأبقوا من كل منهما معمولها، ثم حذف مجرور " عن " وجار " دينار " وأدخلت " عن " الأولى على الدينار، كما قالوا: ما رأيت رجلا أحسن في عينيه الكحل من زيد، والأصل منه في عين زيد، ثم حذف مجرور " من " وهو الضمير، وجار العين، وهو " في " ودخلت " من " على العين.
الثاني: أن يقدر فضل انتفاء الدرهم عن فلان عن (١) انتفاء الدينار عنه. ومعنى ذلك أن يكون حال هذا المذكور في الفقر معروفة عند الناس، والفقير إنما ينفى عنه في العادة ملك الأشياء الحقيرة، لا ملك الأموال الكثيرة، فوقوع
стр. 209
نفي ملك الدرهم عنه في الوجود فاضل عن وقوع نفي الدينار عنه، أي أكثر منه، و " فضلا " على التقدير الأول حال، وعلى الثاني مصدر، وهما الوجهان اللذان ذكرهما الفارسي، لكن توجيه الإعرابين مخالف لما ذكر، وتوجيه المعنى مخالف لما ذكروا؛ لأنه إنما يتضح تطابق اللفظ والمعنى على ما وجهت، لا على ما وجهوا.
ولعل من لم يَقْوَ أُنسه بتجوزات العرب في كلامها يقدح فيما ذكرت؛ بكثرة الحذف وهو كما قيل:
إِذا لَمْ يَكُنْ إِلاَّ الأَسِنَّةُ مرْكَبٌ. . . فَلا رَأْى لِلْمُحْتَاجِ إِلا رُكُوبُهَا (١)
وقد بينت في التوجيه الأول أن مثل هذا الحذف والتجوز واقع في كلامهم.
قال أبو الفتح: قال لي أبو علي: من عرف ألف، ومن جهل استوحش (٢). انتهى كلام ابن هشام (٣).
وقال الشيخ سعد الدين: " فضلا " مصدر فعل محذوف، يقع متوسطا بين نفي وإثبات لفظا، نحو فلانٌ لا ينظر إلى الفقير فضلا عن إعطائه، أو معنى نحو تقاصرت الهمم عن أدنى العدد فضلا عن أن تترقاه، أي لم تبلغه فضلا عن الترقي، والقصد فيه إلى استبعاد الأدنى، أعنى ما دخله النفي، بمعنى عده بعيدا عن الوقوع، كالنظر إلى الفقير، وبلوغ الهمم، واستحالة ما فوقه، أعني ما دخلته " عن " بمعنى عده بمنزلة المحال الذي لا يمكن وقوعه، كالإعطاء والترقي، وهو من قولك: أنفقت الدرهم، والذي فضل منه كذا، أي بقي، وفاعل الفعل ضمير النفي، أي انتفى العطاء بالكلية، والذي بقي منه عدم النظر، وهكذا انتفى الترقي، وبقي التقاصر.
والأحسن أنه لا محل لهذه الجملة وإن جعلها بعضهم حالا.
ومن الخطأ في حل هذا التركيب ما يقال: إن " فضلا " بمعنى تجاوزا، وأن المستبعد هو عدم النظر وقصور الهمم (٤). انتهى.
* * *
قوله: (نخصك بالعبادة والاستعانة)
стр. 210
قال الشيخ أكمل الدين: اعترض عليه بأن المعنى نخص العبادة، ونخص طلب المعونة بك.
وكأن هذا المعترض إنما نظر إلى سياق الكلام بأن المعنى أنهم علموا أن العبادة لابد منها، وأنها ينبغي أن تكون لغير الله، أو له ولغيره، فقال: نخص العبادة بك، قصر قلب على الأول، وإفراد على الثاني، فوجب أن يحمل كلام المصنف على القلب.
وفيه نظر؛ لأن رد الخطأ * في باب القصر إنما يكون على المخاطب، وذلك فيما نحن فيه محال.
وأجيب بأنه على سبيل التعريض.
ورد بأنه ليس بصحيح على ما سيظهر.
وقيل: معنى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) نخصك بالعبادة، كما عبر عنه المصنف، لأن تقديره نعبدك، وتقديم المفعول أفاد أن يجعل المعنى نخصك بالعبادة، لا بغيرها من أفعالنا؛ لأن غيرها منها ما لا يصلح لك.
وليس بصحيح؛ لأنه من باب قصر الفعل على المفعول، دون عكسه، فليس لكلامه محمل صحيح سوى القلب، لكن النظر في دفع الخطأ لم يندفع (١). انتهى.
وقال الشيخ سعد الدين: قوله: " نخصك بالعبادة " أي نجعلك منفردا بها، لا نعبد غيرك، وهذا هو الاستعمال العربي، ولو قيل: نخص العبادة بك لكان استعمالا عرفيا (٢).
قوله: (ليكون أدلّ على الاختصاص).
قال الشريف: تصريح بأنه الغيبة لها دلالة ما على ذلك، لتقدم ذكر الصفات المشعرة بذلك (٣).
الشيخ أكمل الدين: لم يفرق بين التخصيص والاختصاص، ولا نزاع في الاصطلاح (٤).
стр. 211
قوله: (ومن عادة العرب التفنن في الكلام، والعدول من أسلوب إلى آخر).
لم يصرح باسم هذا، وسماه في " الكشاف " بالالتفات (١)، فأفاد وأجاد؛ لأن هنا ثلاثة أنواع متقاربة، ينبغي التمييز بينها؛ لئلا تلتبس.
قال الشيخ بهاء الدين السبكي: في " عروس الأفراح ": اعلم أني لم أر من أوضح العبارة عن حقيقة الالتفات، وربما توهم قوم أنه لفظي، وربما أشكل التمييز بين حقيقته وحقيقة التجريد، وحقيقة وضع الظاهر موضع المضمر، وعكسه، ثم كونه حقيقة أو مجازا، فالكلام في أربعة أمور:
الأول: في كشف الغطاء عن حقيقته.
اعلم أن الالتفات نقل الكلام من أسلوب لغيره، وهو نقل معنوي، لا لفظي فقط، وشرطه أن يكون الضمير في المنتقل إليه عائدا في نفس الأمر إلى الملتف عنه، يحتوز عن مثل أكوم زيدا، وأحسن إليه، فضمير " أنت " الذي هو فاعل أكرم غير الضمير في " إليه " وليس التفاتا.
وإنما قلت: " في نفس الأمر " لأنه بطريق الادعاء، يعود لغيره، فحينئذ إذا كان الضمير الأول في محله باعتبار الواقع في نفس الأمر، فقلت: إني أخاطبك، فأجب المخاطب، كنتَ أعدت الضمير في المخاطب، وهو ضمير غيبة على نفسك، وليس ذلك وضعا لضمير الغائب موضع ضمير المتكلم، بل جردت منك مثل نفسك، وأمرته بأن يجيبه، فضمير الغيبة واقع موقعه (٢)، وكذلك (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [سورة يس ٢٢] جرد من نفسه حقيقة مثلها وخاطبها، وفي قوله:
طحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسَاد طَرُوْبُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
على رأي السكاكي جرد من نفسه حقيقة مثلها وخاطبها، فالضمير واقع في محله، فهو التفات وتجريد، وعلى رأي غيره هو تجريد فقط.
وفي قوله بعده:
تكلفني ليلى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
التفات على القولين، ولا نقول: إنه أعاد الضمير على غير الأول، فيلزم أن
стр. 212
ْيكون الضميران، وهما الكاف والياء لشيئين، بل أعاده على الأول مدعيا أنه غير الثاني، فإن الحقيقة المجردة هي باعتبار الحقيقة عين المجرد عنها، وباعتبار التجريد غيرها، فذلك الذي جرده في قوله: " بك " هو في نفس الأمر نفسه، فالتفت له بهذا الاعتبار.
وبهذا علمنا أن الالتفات في " بك " على رأي السكاكي أوضح من الالتفات الذي في " تكلفني " لأن في " بك " خروجا عن ضمير المتكلم إلى شيء لا وجود له بالكلية، وفي " تكلفني " خروج عن الحقيقة المجردة إلى الحقيقة المجرد عنها، فهو عدول إلى الأصل، و " بك " عدول إلى الفرع.
وفي قوله تعالى (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) [سورة يونس ٢٢] جرد من المخاطبين مثلهم، وعاد (١) الضمير عليهم، فهو تجريد والتفات، فالضميران في نفس الأمر لشيء واحد، وبالادعاء لشيئين.
وقوله تعالى (والله الذي أرسل الرياح) [سوة فاطر ٩] في لفظ الجلالة - على رأي السكاكي - التفات، وتجريد، وعلى رأي غيره تجريد فقط.
وقوله تعالى (فسقناه) التفات عنى رأيهما؛ لأنه عائد على الله تعالى حقيقة، والكلام فيه كالكلام في:
تكلفني ليلى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
وقوله تعالى (الحمد لله) التفات على رأي السكاكي وتجريد، و (إياك) التفات لا تجريد.
الثاني: في الفرق بين التجريد والالتفات.
وقد علم مما سبق أن بينهما عموما وخصوصا من وجه، فيوجد التجريد دون الالتفات كقولك: رأيت منه أسدا، ومثل:
تطاول ليلك. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
على رأي الجمهور، والتفات دون تجريد نحو:
تكلفني ليلى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
ونحوه (فسقناه) والتفات وتجريد نحو (فصل لربك) ولا واحد منهما كغالب القرآن.
стр. 213
الثالث: وضع الظاهر موضع المضمر، وعكسه بالنسبة إلى الالتفات.
فعند السكاكي قد يجتمع وضع الظاهر موضع المضمر مع الالتفات في نحو (والله الذي أرسل الرياح) وأمير المؤمنين يأمرك بكذا، وقد ينفرد الالتفات نحو:
تطاول ليلك. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
وليس فيه وضع الظاهر موضع المضمر، بل وضع مضمر موضع مضمر، وقد ينفرد وضع الظاهر عن الالتفات كقوله تعالى (إن أبانا لفي ضلال مبين) [سورة يوسف ٨] فإن أصله " إنه " لتقدمه في قوله (أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا)
وأما وضع المضمر موضع الظاهر فينفرد عن الالتفات في نحو: نعم رجلا زيد " و " ربه رجلا " لأن الضمير والظاهر كلاهما على أسلوب الغيبة، وينفرد الالتفات عنه كثيرا، نحو (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ونحو: وبات وباتت له ليلة. . . . . ..
ويجتمعان في نحو قول الخليفة: نعم الرجل أمير المؤمنين.
وأما على رأي السكاكي فوضع الظاهر موضع المضمر والالتفات قد يجتمعان، مثل (فصل لربك وانحر) وقد ينفرد الالتفات، وهو الغالب، مثل (إياك نعبد) وقد ينفرد وضع الظاهر، مثل (الحمد لله) ونحو (والله الذي أرسل الرياح) ووضع المضمر (١) موضع الظاهر لا يجتمع مع الالتفات؛ لأن الالتفات لابد فيه من ضمير سابق يلتفت عنه، ومع ذلك فلا موقع للظاهر، ولكن ينفرد وضع المضمر في نحو: نعم رجلا زيد " وينفرد الالتفات في غير ذلك.
الرابع: في أن الالتفات حقيقة أو مجاز.
إذا تأملت ما سبق علمت أنه حقيقة حيث كان معه تجريد وحيث لم يكن، وقد صرح
الخطيبي (٢) بأن الالتفات تجريد، والتحقيق ما تقدم من التفصيل (٣). انتهى.
* * *
تنبيه: قال الشيخ بهاء الدين: قوله تعالى: (الحمد لله) وقوله (إياك نعبد) اتفقوا على أنه التفات واحد.
стр. 214
وفيه نظر؛ لأن الزمخشري ومن تابعه على أن الالتفات خلاف الظاهر مطلقا، يلزمهم أنه إن كان التقدير قولوا: (الحمد لله) ففيه التفاتان - أعني في الكلام المأمور بقوله -
أحدهما: في لفظ الجلالة، فإن الله تعالى حاضر، فأصله الحمد لك.
والثاني: (إياك) لمجيئه على خلاف الأسلوب السابق، وإن لم يقدر قولوا كان في (الحمد لله) التفات عن التكلم إلى الغيبة، فإن الله كأنه حمد (١) نفسه، ولا يكون في (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) التفات؛ لأن قولوا مقدرة معها قطعا، فأحد الأمرين لازم للزمخشري والسكاكي، إما أن يكون في الآية التفاتان، أو لا يكون فيها التفات بالكلية.
هذا إن فرعنا على رأي السكاكي، وهو مقتضى كلام الزمخشري؛ لأنه جعل في أبيات امرئ القيس ثلاثا، وإن فرعنا على رأي الجمهور، ولم نقدر قولوا: (الحمد لله) فلا التفات؛ لأنا نقدر قولوا (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) وإن قدرنا قولوا قبل (الحمد لله) كان فيه التفات واحل في (إياك) وبطل قول الزمخشري أن في أبيات امرئ القيس ثلاث التفاتات (٢) انتهى.
قوله: (تطرية له)
قال الشيخ بهاء الدين: أي إنه أشهى للقلب؛ لأن لذات النفوس في التنقلات؛ لما جبلت عليه من الضجر (٣).
قؤله: (وتنشيطا للسامع)
أي فيكون أكثر إصغاء.
وقال في " المثل السائر ": قول الزمخشري: إن الالتفات يحصل به الفرار من الملل لا يصح؛ لأن الكلام الحسن لا يملّ (٤).
ورده صاحب (٥) " الفلك الدائر " بأن المستلذ قد يملّ. . . . . . . . . . . .
стр. 215
لكثرته (١).
قوله: (فيعدل من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم، وبالعكس)
قال الشيخ بهاء الدين السبكي: قد قسموا الالتفات إلى ستة أقسام:
الأوّل: الالتفات من التكلم إلى الخطاب، ومثلوه بقوله تعالى (وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون) والأصل وإليه أرجع.
الثاني: التفات من التكلم إلى الغيبة، كقوله تعالى (إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك) [سورة الكوثر ١، ٢].
الثالث: التفات من الخطاب إلى التكلم كقوله:
طحا بِكَ قَلْبٌ فِي الحِسَانِ طَرُوبُ. . . بُعَيدَ الشَّبابِ عَصْرَ حَانَ مَشِيبُ
تُكَلِّفُنِيْ لَيْلَى وَقَد شَطّ وَلْيُهَا. . . وَعَادَتْ عَوَادٍ بَيْنَنَا وَحُرُوبُ (٢)
فالتفت في قوله: " تكلفني " عن قوله: " بك " من الخطاب إلى التكلم.
الرابع: من الخطاب إلى الغيبة، كقوله تعالى (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم)
الخامس: من الغيبة إلى الخطاب، كقوله تعالى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ)
السادس من الغيبة إلى التكلم نحو (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ)
وقول امرئ القيس:
تَطَاوَلَ لَيلُكَ بِالأَثْمُدِ. . . وَنَامَ الخَلِيُّ وَلَمْ تَرْقُدِ
وَبَاتَ وَبَاتَتْ لَهُ لَيْلَةٌ. . . كَلَيْلَةِ ذِيْ العَائِرِ الأَرْمَدِ
وَذَلِكَ مِن نبَإٍ جَاءَنِيْ. . . وَخُبّرْتُهُ عَن أَبِيْ الأَسْوَدِ (٣)
هذه الأبيات مطلع قصيدة رواها الأصمعي، وأبو عمرو الشيباني (٤)