قوله: (ومن عادة العرب التفنن في الكلام، والعدول من أسلوب إلى آخر).
لم يصرح باسم هذا، وسماه في " الكشاف " بالالتفات (١)، فأفاد وأجاد؛ لأن هنا ثلاثة أنواع متقاربة، ينبغي التمييز بينها؛ لئلا تلتبس.
قال الشيخ بهاء الدين السبكي: في " عروس الأفراح ": اعلم أني لم أر من أوضح العبارة عن حقيقة الالتفات، وربما توهم قوم أنه لفظي، وربما أشكل التمييز بين حقيقته وحقيقة التجريد، وحقيقة وضع الظاهر موضع المضمر، وعكسه، ثم كونه حقيقة أو مجازا، فالكلام في أربعة أمور:
الأول: في كشف الغطاء عن حقيقته.
اعلم أن الالتفات نقل الكلام من أسلوب لغيره، وهو نقل معنوي، لا لفظي فقط، وشرطه أن يكون الضمير في المنتقل إليه عائدا في نفس الأمر إلى الملتف عنه، يحتوز عن مثل أكوم زيدا، وأحسن إليه، فضمير " أنت " الذي هو فاعل أكرم غير الضمير في " إليه " وليس التفاتا.
وإنما قلت: " في نفس الأمر " لأنه بطريق الادعاء، يعود لغيره، فحينئذ إذا كان الضمير الأول في محله باعتبار الواقع في نفس الأمر، فقلت: إني أخاطبك، فأجب المخاطب، كنتَ أعدت الضمير في المخاطب، وهو ضمير غيبة على نفسك، وليس ذلك وضعا لضمير الغائب موضع ضمير المتكلم، بل جردت منك مثل نفسك، وأمرته بأن يجيبه، فضمير الغيبة واقع موقعه (٢)، وكذلك (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [سورة يس ٢٢] جرد من نفسه حقيقة مثلها وخاطبها، وفي قوله:
طحا بِكَ قَلْبٌ في الحِسَاد طَرُوْبُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
على رأي السكاكي جرد من نفسه حقيقة مثلها وخاطبها، فالضمير واقع في محله، فهو التفات وتجريد، وعلى رأي غيره هو تجريد فقط.
وفي قوله بعده:
تكلفني ليلى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
التفات على القولين، ولا نقول: إنه أعاد الضمير على غير الأول، فيلزم أن
стр. 212
ْيكون الضميران، وهما الكاف والياء لشيئين، بل أعاده على الأول مدعيا أنه غير الثاني، فإن الحقيقة المجردة هي باعتبار الحقيقة عين المجرد عنها، وباعتبار التجريد غيرها، فذلك الذي جرده في قوله: " بك " هو في نفس الأمر نفسه، فالتفت له بهذا الاعتبار.
وبهذا علمنا أن الالتفات في " بك " على رأي السكاكي أوضح من الالتفات الذي في " تكلفني " لأن في " بك " خروجا عن ضمير المتكلم إلى شيء لا وجود له بالكلية، وفي " تكلفني " خروج عن الحقيقة المجردة إلى الحقيقة المجرد عنها، فهو عدول إلى الأصل، و " بك " عدول إلى الفرع.
وفي قوله تعالى (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) [سورة يونس ٢٢] جرد من المخاطبين مثلهم، وعاد (١) الضمير عليهم، فهو تجريد والتفات، فالضميران في نفس الأمر لشيء واحد، وبالادعاء لشيئين.
وقوله تعالى (والله الذي أرسل الرياح) [سوة فاطر ٩] في لفظ الجلالة - على رأي السكاكي - التفات، وتجريد، وعلى رأي غيره تجريد فقط.
وقوله تعالى (فسقناه) التفات عنى رأيهما؛ لأنه عائد على الله تعالى حقيقة، والكلام فيه كالكلام في:
تكلفني ليلى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
وقوله تعالى (الحمد لله) التفات على رأي السكاكي وتجريد، و (إياك) التفات لا تجريد.
الثاني: في الفرق بين التجريد والالتفات.
وقد علم مما سبق أن بينهما عموما وخصوصا من وجه، فيوجد التجريد دون الالتفات كقولك: رأيت منه أسدا، ومثل:
تطاول ليلك. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
على رأي الجمهور، والتفات دون تجريد نحو:
تكلفني ليلى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
ونحوه (فسقناه) والتفات وتجريد نحو (فصل لربك) ولا واحد منهما كغالب القرآن.
стр. 213
الثالث: وضع الظاهر موضع المضمر، وعكسه بالنسبة إلى الالتفات.
فعند السكاكي قد يجتمع وضع الظاهر موضع المضمر مع الالتفات في نحو (والله الذي أرسل الرياح) وأمير المؤمنين يأمرك بكذا، وقد ينفرد الالتفات نحو:
تطاول ليلك. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
وليس فيه وضع الظاهر موضع المضمر، بل وضع مضمر موضع مضمر، وقد ينفرد وضع الظاهر عن الالتفات كقوله تعالى (إن أبانا لفي ضلال مبين) [سورة يوسف ٨] فإن أصله " إنه " لتقدمه في قوله (أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا)
وأما وضع المضمر موضع الظاهر فينفرد عن الالتفات في نحو: نعم رجلا زيد " و " ربه رجلا " لأن الضمير والظاهر كلاهما على أسلوب الغيبة، وينفرد الالتفات عنه كثيرا، نحو (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ونحو: وبات وباتت له ليلة. . . . . ..
ويجتمعان في نحو قول الخليفة: نعم الرجل أمير المؤمنين.
وأما على رأي السكاكي فوضع الظاهر موضع المضمر والالتفات قد يجتمعان، مثل (فصل لربك وانحر) وقد ينفرد الالتفات، وهو الغالب، مثل (إياك نعبد) وقد ينفرد وضع الظاهر، مثل (الحمد لله) ونحو (والله الذي أرسل الرياح) ووضع المضمر (١) موضع الظاهر لا يجتمع مع الالتفات؛ لأن الالتفات لابد فيه من ضمير سابق يلتفت عنه، ومع ذلك فلا موقع للظاهر، ولكن ينفرد وضع المضمر في نحو: نعم رجلا زيد " وينفرد الالتفات في غير ذلك.
الرابع: في أن الالتفات حقيقة أو مجاز.
إذا تأملت ما سبق علمت أنه حقيقة حيث كان معه تجريد وحيث لم يكن، وقد صرح
الخطيبي (٢) بأن الالتفات تجريد، والتحقيق ما تقدم من التفصيل (٣). انتهى.
* * *
تنبيه: قال الشيخ بهاء الدين: قوله تعالى: (الحمد لله) وقوله (إياك نعبد) اتفقوا على أنه التفات واحد.
стр. 214
وفيه نظر؛ لأن الزمخشري ومن تابعه على أن الالتفات خلاف الظاهر مطلقا، يلزمهم أنه إن كان التقدير قولوا: (الحمد لله) ففيه التفاتان - أعني في الكلام المأمور بقوله -
أحدهما: في لفظ الجلالة، فإن الله تعالى حاضر، فأصله الحمد لك.
والثاني: (إياك) لمجيئه على خلاف الأسلوب السابق، وإن لم يقدر قولوا كان في (الحمد لله) التفات عن التكلم إلى الغيبة، فإن الله كأنه حمد (١) نفسه، ولا يكون في (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) التفات؛ لأن قولوا مقدرة معها قطعا، فأحد الأمرين لازم للزمخشري والسكاكي، إما أن يكون في الآية التفاتان، أو لا يكون فيها التفات بالكلية.
هذا إن فرعنا على رأي السكاكي، وهو مقتضى كلام الزمخشري؛ لأنه جعل في أبيات امرئ القيس ثلاثا، وإن فرعنا على رأي الجمهور، ولم نقدر قولوا: (الحمد لله) فلا التفات؛ لأنا نقدر قولوا (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) وإن قدرنا قولوا قبل (الحمد لله) كان فيه التفات واحل في (إياك) وبطل قول الزمخشري أن في أبيات امرئ القيس ثلاث التفاتات (٢) انتهى.
قوله: (تطرية له)
قال الشيخ بهاء الدين: أي إنه أشهى للقلب؛ لأن لذات النفوس في التنقلات؛ لما جبلت عليه من الضجر (٣).
قؤله: (وتنشيطا للسامع)
أي فيكون أكثر إصغاء.
وقال في " المثل السائر ": قول الزمخشري: إن الالتفات يحصل به الفرار من الملل لا يصح؛ لأن الكلام الحسن لا يملّ (٤).
ورده صاحب (٥) " الفلك الدائر " بأن المستلذ قد يملّ. . . . . . . . . . . .
стр. 215
لكثرته (١).
قوله: (فيعدل من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم، وبالعكس)
قال الشيخ بهاء الدين السبكي: قد قسموا الالتفات إلى ستة أقسام:
الأوّل: الالتفات من التكلم إلى الخطاب، ومثلوه بقوله تعالى (وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون) والأصل وإليه أرجع.
الثاني: التفات من التكلم إلى الغيبة، كقوله تعالى (إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك) [سورة الكوثر ١، ٢].
الثالث: التفات من الخطاب إلى التكلم كقوله:
طحا بِكَ قَلْبٌ فِي الحِسَانِ طَرُوبُ. . . بُعَيدَ الشَّبابِ عَصْرَ حَانَ مَشِيبُ
تُكَلِّفُنِيْ لَيْلَى وَقَد شَطّ وَلْيُهَا. . . وَعَادَتْ عَوَادٍ بَيْنَنَا وَحُرُوبُ (٢)
فالتفت في قوله: " تكلفني " عن قوله: " بك " من الخطاب إلى التكلم.
الرابع: من الخطاب إلى الغيبة، كقوله تعالى (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم)
الخامس: من الغيبة إلى الخطاب، كقوله تعالى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ)
السادس من الغيبة إلى التكلم نحو (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ)
وقول امرئ القيس:
تَطَاوَلَ لَيلُكَ بِالأَثْمُدِ. . . وَنَامَ الخَلِيُّ وَلَمْ تَرْقُدِ
وَبَاتَ وَبَاتَتْ لَهُ لَيْلَةٌ. . . كَلَيْلَةِ ذِيْ العَائِرِ الأَرْمَدِ
وَذَلِكَ مِن نبَإٍ جَاءَنِيْ. . . وَخُبّرْتُهُ عَن أَبِيْ الأَسْوَدِ (٣)
هذه الأبيات مطلع قصيدة رواها الأصمعي، وأبو عمرو الشيباني (٤)
стр. 216
وأبو عبيدة، وابن الأعرابي لامرئ القيس بن حجر الكندي.
وقال الشيخ جمال الدين ابن هشام في " شرح الشواهد ": وهو الثابت في كتاب " أشعار الشعراء الستة (١).
ورواها ابن الكلبي لعمرو بن معديكرب (٢) في قتله بني مازن بأخيه عبد الله، وإخراجهم من بلادهم، ورواها ابن دريد (٣) لامرئ القيس بن عانس - بالنون - الصحابي (٤)، وبعد هذه الأبيات:
وَلَوْ عن نَثَا غَيْرِهِ جَاءَنِيْ. . . وَجُرحُ اللِّسَانُ كَجُرْحِ اليَدِ
لَقُلْتُ مِنَ القَوْلِ مَالا يَزَا. . . لُ يُؤْثَرُ عَنِّيْ يَدَ المُسْنَد
بِأيِّ عَلاقَتِنَا تَرْغُبُوْ. . . ن عَنْ دَمِ عَمْروٍ عَلَي مَرْثَدِ
فَإِن تَدْفِنُوْا الدَاءَ لا نَخْفِهِ. . . وَإن تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدِ
وَإنْ تَقْتُلُوْنَا نُقَتِّلْكُمْ. . . وَإنْ تَقصِدُوا لِدَمٍ نَقْصِدِ (٥)
قوله:
تطاول ليلك. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
كناية عن السهر
قال ابن هشام: وهو خطاب لنفسه، والأصل ليلي. والأثمد بفتح الهمزة، وسكون المثلثة، وضم الميم، ودال مهملة، اسم موضع. والخلي: الخالي (٦) من الهموم. والعائر بمهملة وهمزة.
стр. 217
قال ابن هشام: هو قذى العين، وقيل: العائر الرمد، قال: والأوّل أولى ليكون أشق للجمع بينهما، ويحصل الترقي أيضاً ما فإن الرمد أبلغ من قذى العين، ولعدم تكرره.
قال: واشتقاق العائر من العُوَّار بضم العين وتشديد الواو: قذى العين.
قال: والضمير في " بات " وفي " له " ملتفت بهما عن الخطاب إلى الغيبة، والواو في " وبات " للعطف، وفي " وباتت له ليلة " للعطف، أو للحال، وهو أولى، أي وبت والحال أن بيتوتتي كانت شديدة، ودلّ على شدتها بالتشبيه المذكور، وإسناد البيتوتة إليها مجازي و " بات ". فيهما تامة، فالجار والمجرور يتعلق بالثانية، لا باستقرار محذوف، هو خبر، فإن ذلك لا يحسن لزوال التطابق، ولأنه لو قيل: باتت ليلته كان كافيا " وذلك " إشارة إلى المذكور كله، و " من " لابتداء الغاية.
و " النبأ " قال الراغب: خبر ذو فائدة عظيمة، يحصل به علم أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر: نبأ حتى يتضمن ما ذكر (١)، فهو أخص من مطلق الخبر.
وأبو الأسود كنيته، واسمه ظالم بن عمرو، من بني الجون، آكل المرار، وهو ابن عم امرئ القيس، رثاه بهذه القصيدة، وقيل: بل " أبي " مضاف ومضاف إليه، و " الأسود " صفة للأب، وهو أفعل من السؤدد، أو من السواد (٢).
والنثا ما نثي عن الرجل من قبيح فعله، و " يؤثر عني " يُحَدَّثُ به، و " يد المسند " آخر الدهر.
قال القالي: (٣) لم يعرف الأصمعي، وأبو عمرو معنى " بأيّ علاقتنا ترغبون ".
وقال أبو عمرو: ولم يعرفه (٤) أحد ممن سألته (٥).
وقد اختلف في عدد الالتفات الذي وقع في هذه الأبيات، فذكر الزمخشري
стр. 218
أن فيها ثلاث التفاتات (١)، في " ليلك " لأن حقه أن يقول " ليلي، وفي " بات " لعدوله إلى الغيبة بعد الخطاب، وفى " جاءني " لعدوله بعدها إلى التكلم.
والمحققون على أن فيها التفاتينّ فقط، ما وأن الأول ليس بالتفات، بل هو تجريد، وقيل: إن الثاني والثالث " ذلك " و " جاءني "، ورجحه صاحب (٢) " الإيضاح (٣) "، أو " ذلك ".
" وخبرته "، ورجحه الشيخ بهاء الدين السبكي في " عروس الأفراح (٤) "، وقيل: فيها أربع التفاتات " ليلك " و " ذلك " و " وجاءني " و " خبرته ".
وقد بالغ قوم فقالوا: إن فيها سبع التفاتات " ليلك " و " ترقد " و " بات " و " له " و " ذلك " و " جاءني " و " خبرته ".
قوله: (وإيَّا ضمير) إلى آخره.
قال صاحب " البسيط ": اختلف العلماء في " إياك " على سبعة أقوال: فذهب سيبويه، والأخفش، وجمهور البصريين، وأبو علي من المتأخرين إلى أن الاسم المضمر هو " إيا " وما يتصل بها حروف تدل على أحوال المرجوع إليه من التكلم، والخطاب، والغيبة.
وذهب الخليل إلى أن " إيا " اسم مضمر، وما بعدها مضمر مضاف إليه.
وذهب المبرد، وابن درستويه (٥)، والسيرافي (٦)، إلى أنه اسم مبهم أضيف
стр. 219
للتخصيص.
وذهب الزجاج إلى أنه اسم ظاهر خص بالإضافة إلى المضمرات.
وذهب قوم من الكوفيين، وأبو الحسن ابن كيسان، من البصريين إلى أن الضمير ما بعد " إيا "، و " إيا " دعامة لها تعتمد عليها.
وذهب آخرون من الكوفيين إلى أن الكلمة بكمالها اسم مضمر.
وذهب الخليل - في قول آخر - إلى أنه اسم مظهر ناب مناب الضمير (١).
حجة القول الأول من وجهين:
أحدهما: أنها بمنزلة الضمير المنصوب المتصل في الدلالة على المفعول به (٢)، في قولك: ما أكرمني إلا أنت، وما أكرمتَ إلا إياي، فإذا ثبتت اسميتها لم يجز إضافتها؛ لأن الضمائر لا تضاف، وإذا امتنعت إضافتها تعين حرفية ما بعدها.
الثاني أنها لازمة للنصب، وليست ظرفا غير متمكن، ولا مصدرا غير متصرف، ولو كانت اسما ظاهرا لما لزمت النصب.
وحجة القول الثاني: أنه جاءت إضافته إلى الظاهر في قول العرب: " إذا بلغ الرجل الستين فإيَّاهُ وَإيَّا الشَّوَابِّ " ماذا ثبتت إضافته إلى الظاهر الذي يظهر فيه الإعراب وجب الحكم بإضافته إلى الضمير الذي لا يظهر فيه الإعراب.
وأما كون الضمائر لا تضاف فغير مانع من إضافة هذا النوع؛ لأن الأحكام العامة قد تتخلف في بعض الصور، بدليل تخلف " لدن " عن جر " غدوة "، وتخلف " لولا " عن وقوع ضمير المرفوع بعدها، وتخلف " عسى " عن اتصال ضمير المرفوع بها، فكذلك هذا النوع من المضمرات، تخلف عن حكم المضمرات في منع الإضافة.
وحجة القول الثالث: أنه مع إبهامه الغالب عليه الإظهار، فلا تمتنع إضافته، ولذلك تكلم في اشتقاقه.
وحجة القول الرابع: أنه ظاهر بدليل تحقق اشتقاقه، والظاهر لا تمتنع إضافته.
وأما لزومه للنصب فغير مستنكر، بدليل أن من الأسماء ما يلزم النصب، وهذا منها. وحجة القول الخامس: أن الياء والكاف والهاء في " إياي " و " إياك "،
стр. 220
و " إياه " هي الضمائر المتصلة بالفعل في " أكرمني " و " وأكرمك " و " وأكرمه " فوجب أن تكون هي الضمائر؛ لتحققها بالاسمية عند الاتصال بالفعل، إلا أنه لما لم يمكن قيامها بنفسها جعل قبلها ما تعتمد عليه، وتتصل به.
وأما كون " إيا " هي الضمير دون ما بعدها فضعيف؛ لأنه لم يعهد لها حالة يمكن حملها عليها، وقد عهد لهذه الضمائر الدلالة على الإضمار، فوجب الحمل على ما عهد، دون ما لم يعهد.
وأما كون ما تتصل به أكثر منها فغير مانع بدليل اتصالها بالفعل، وهو أكثر منها؛ لأن الغرض التوصل إلى جعلها منفصلة من الفعل، وهذا القول ليس ببعيد عن الصواب.
وحجة القول السادس: أن الحكم على بعض الكلمة بالاسمية، وعلى بعضها بالحرفية محض التحكم، لأنه لم يعهد كلمة واحدة بعضها اسم، وبعضها حرف، فوجب الحكم على جميع الكلمة بالاسمية.
وأما اختلافها فبحسب اختلاف الإضمار إلى التكلم والخطاب والغيبة، لأنه جعل ما يدل على كل نوع من المضمرين في آخر الكلمة.
وأما القول السابع فهو يناسب قول من قال بالإظهار. انتهى.
قوله: (واحتج بما حكاه عن بعض العرب: " إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشوابّ ").
قال سيبويه: حدثني من لا أتهم عن الخليل أنه سمع أعرابيا يقول: فذكره (١).
قال الطيبي: الشوابّ جمع شابة، كدواب جمع دابة، أي فليحذر نفسه أن يتعرض للشواب، وليحذر الشواب أن يَفْتِنَّهُ (٢).
قال صاحب " البسيط " في النحو: وروي: " فإياه وإيا السوآت " قال: وهذا أبلغ في التحذير من الجماع عند الكبر.
قال الزركشي (٣) في حاشية كتبها على هذا الموضع: هذا يرد على من ادعى
стр. 221
أن هذا تصحيف.
قوله: (وهو شاذ لا يعتمد عليه)
قال الشيخ سعد الدين: هو وإن كان شاذا من حيث الإضافة إلى المظهر، لكن فيه دلالة على أن بين " إيا " واللواحق إضافة (١).
قوله: (والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل)
هو كلام الراغب، وزاد أنها ضربان:
عبادة بالتسخير، كما في قوله تعالى (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ)
[سورة الإسراء ٤٤] وعبادة بالاختيار، وهي لذي النطق، وهو المأمور به في نحو قوله تعالى (اعبدوا ربَّكم) (٢) [سورة البقرة ٢١].
قوله: (والمراد طلب المعونة في المهمات كلها، أو في أداء العبادات)
الأول هو الصواب، فإنه الوارد عن ابن عباس (٣)، والأوفق للعموم المراد في ألفاظ الفاتحة.
قوله: (في عبادتهم) أي أثنائها
قوله: (وقدم المفعول للتعظيم، والاهتمام به والدلالة على الحصر)
نازع أبو حيان في دلالة التقديم على الحصر (٤) مستندا إلى قول سيبويه: إذا
стр. 222
قلت: ضربت زيدا، وزيدا ضربمّا فالتقديم والتأخير فيه سواء (١).
وتعقبه الشيخ ولي الدين العراقي في " حاشيته على الكشاف " بأنه ليس في كلام سيبويه ما يرد ذلك، بل هو أمر مسكوت عنه، زاده البيانيون، وكم في كلام أهل البيان في دقائق العربية مما لم يصرح بذكره النحاة.
وعبر الزمخشري بدل الحصر بالاختصاص.
قال الشيخ ولي الدين: والمتبادر إلى الفهم من الاختصاص هو الحصر (٢).
وقال الإمام تقي الدين السبكي: إنه غيره، فإن صح لم يكن بين كلام الزمخشري وأبي حيان تعارض.
وقال الشيخ بهاء الدين السبكي في " عروس الأفراح ": سلك الوالد في الاختصاص حيث وقع، إما بتقديم الفاعل المعنوي، أو بتقديم المعمول مسلكا غير ما هو ظاهر كلام البيانيين، وألف في ذلك تصنيفا لطيفا سماه " الاقتناص في الفرق بين الحصر والاختصاص (٣) ".
قال فيه: قد اشتهر كلام الناس في أن تقديم المعمول يفيد الاختصاص، ومن الناس من ينكر ذلك، ويقول: إنما يفيد الاهتمام.
وقد قال سيبويه في كتابه: " وهم يقدمون ما هُم به أعنى (٤) ".
والبيانيون على إفادته الاختصاص.
ويفهم كثير من الناس من الاختصاص الحصر، فإذا قلت: زيدا ضربت، يقول: معناه ما ضربت إلا زيدا، وليس كذلك، وإنما الاختصاص شيء والحصر شيء آخر، والفضلاء لم يذكروا في ذلك لفظة الحصر، وإنما قالوا: الاختصاص.
قال الزمخشري - في تفسير قوله تعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) -: " وتقديم المفعول لقصد الاختصاص، كقوله تعالى (أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ)
стр. 223
[سورة الزمر ٤٦] (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا) [سورة الأنعام ١٦٤] والمعنى نخصك بالعبادة، ونخصك بطلب المعونة (١) ".
وقال في قوله تعالى (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ): " معناه أفغير الله أعبد بأمركم " (٢) وقال في قوله تعالى (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا): " الهمزة للإنكار، أي منكرا أن أبغي ربا غيره (٣) ".
وقال في قوله تعالى (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي) [سورة الزمر ١٤] "
إنه أمر بالإخبار بأنه يختص الله تعالى وحده دون غيره بعبادته، مخلصا له دينه " (٤).
وقال في قوله تعالى (أفغير دين الله يبغون) [سورة آل عمران ٨٣] " قدم المفعول الذي هو (غير دين الله) على فعله؛ لأنه أهمّ من حيث إن الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود بالباطل " (٥).
وقال في قوله تعالى (أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ) [سورة الصافات ٨٦]: " إنما قدم المفعول على الفعل للعناية به، وقدم المفعول له على المفعول به؛ لأنه كان الأهمّ عنده أن يكافحهم؛ لأنهم على إفك وباطل في شركهم، ويجوز أن يكون إفكا مفعولا به، يعني أتريدون إفكا، ثم فسر الأوّل بقوله (آلِهَةً دُونَ اللَّهِ) على أنها إفك في أنفسها، ويجوز أن يكون حالا " (٦).
فهذه الآيات كلها لم يذكر الزمخشري لفظ الحصر في شيء منها، ولا يصح إلا في الآية الأولى فقط، والقدر المشترك في الآيات الاهتمام، ويأتي الاختصاص في أكثرها.
ومثل قوله تعالى (أَئِفْكًا آلِهَةً) قوله تعالى (أهؤلاء إيَّاكم كانوا يعبدون) [سورة سبأ ٤٠] وما أشبههما لا يأتي فيه إلا الاهتمام؛ لأن ذلك منكر من غير اختصاص، وقد يتكلف لمعنى الاختصاص في ذلك كما في بقية الآيات، وأما الحصر فلا.
стр. 224
فإن قلت: ما الفرق بين الاختصاص والحصر؟
قلت: الاختصاص افتعال من الخصوص، والخصوص مركب من شيئين:
أحدهما: عام مشترك بين شيئين، أو أشياء.
والثاني: معنى منضم إليه، يفصله عن غيره، كضرب زيد، فإنه أخص من مطلق الضرب، فإذا قلت: ضربت زيدا، أخبرت بضرب عام وقع منك، على شخص خاص، فصار ذلك الضرب المخبر به خاصا لما انضم إليه منك، ومن زيد، وهذه المعاني الثلاثة: أعني مطلق الضرب، وكونه واقعا منك، وكونه واقعا على زيد، قد يكون قصد المتكلم بها ثلاثتها على السواء، وقد يترجح قصده لبعضها على بعض، ويعرف ذلك بما. ابتدأ به كلامه، فإن الابتداء بالشيء يدل على الاهتمام به، وأنه هو الأرجح لغرض المتكلم.
فإذا قلت: زيدا ضربت، علم أن خصوص الضرب على زيد هو المقصود، ولاشك أن كل مركّب من خاص وعام له جهتان، فقد يقصد من جهة عمومه، وقد يقصد من جهة خصوصه، فقصده من جهة خصوصه هو الاختصاص، وأنه هو الأهم عند المتكلم، وهو الذي قصد إفادته للسامع من غير تعرض ولا قصد لغيره بإثبات ولا نفي.
وأما الحصر فمعناه نفي غير المذكور، وإثبات المذكور، ويعبر عنه ب " ما "، و " إلا "، أو ب " إنما ".
فإذا قلت: ما ضربت إلا زيدا كنت نفيت الضرب عن غير زيد، وأثبته لزيد، وهذا المعنى زائد على الاختصاص.
وإنما جاء هذا في (إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين) للعلم بأنه لا يعبد غير الله، ولا يستعان بغيره، ألا ترى أن بقية الآيات لم يطرد فيها ذلك، " فإن قوله تعالى (أفغير دين الله يبغون) لو جعل غير دين الله يبغون في معنى ما يبغون إلا غير دين الله، وهمزة الإنكار داخلة عليه، لزم أن يكون المنكر الحصر، لا مجرد بغيهم غير دين الله، ولاشك أن مجرّد بغيهم غير دين الله منكر، وكذلك بقية الآيات إذا تأملتها، ألا ترى أن (أفغير الله تأمرونّي أعبد) وقع الإنكار فيه على عبادة غير الله من غير حصر، وأن (أبغي رَبًّا) غيره منكر من غير حصر، ولكن الخصوص، وهو غير الله هو المنكر وحده، ومع غيره.
وكذلك (إياكم كانوا يعبدون) عبادتهم إياهم منكرة من غير حصر، وكذلك قوله تعالى (آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ) المنكر إرادتهم آلهة دون الله من غير حصر.
стр. 225
فمن هذا كله يعلم أن الحصر في (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) من خصوص المادة، لا من موضوع اللفظ. بل أقول: إن المصلي قد يكون مقبلا على الله وحده، لا يعرض له استحضار غيره بوجه من الوجوه، وغيره أحقر في عينه من أن يشتغل ذلك الوقت بنفي عبادته، وإنما قصد الإخبار بعبادة الله.
وأول ما حضر في ذهنه عظمة من هو واقف بين يديه فقال (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ليطابق اللفظ المعنى، ويتقدم ما تقدم حضوره في القلب، وهو الرب ، ثم بنى على ما أخبر به من عبادته.
فمعنى اختصاصه بالعبادة اختصاصه بالإخبار بعبادته، وغيره من الأكوان لم يخبر عنه بشيء، بل هو معرض عنها.
وإذا تأملت مواقع ذلك في الكتاب والسنة، وأشعار العرب تجده كذلك، ألا ترى قول الشاعر (١):
أَكُلَّ امرِئٍ تَحَسَبِيْنَ امرءًا. . . ونَارٍ تَوَقَّدُ بِالليلِ نَارًا
لو قدرت فيه الحصر ب " ما " و " إلا " لم يصح المعنى الذي أراده.
وقد قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى (وبالآخرة هم يوقنون): " وفي تقديم الآخرة، وبناء (يوقنون) على (هم) تعريض بأهل الكتاب، وما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته، وأن قولهم ليس بصادر عن إيقان، وأن اليقين ما عليه من آمن بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك (٢) ".
وهذا الذي قاله الزمخشري في غاية الحسن.
وقد اعترض عليه بعض الناس فقال: تقديم الآخرة أفاد أن إيقانهم مقصور على أنه إيقان بالآخرة، لا بغيرها.
وهذا الذي قاله هذا القائل بناه على ما فهمه من أن تقديم المعمول يفيد الحصر، وليس كذلك، لما بيناه.
ثم قال هذا القائل: وتقديم (هم) أفاد أن هذا القصر مختص بهم، فيكون إيقان غيرهم بالآخرة إيمانا بغيرها، حيث (قالوا لن يدخل) [سورة البقرة ١١١] و (لن تمسنا) [سورة البقرة ٨٠].
стр. 226
وهذا من هذا القائل استمرار على ما في ذهنه من الحصر، أي أن المسلمين لا يوقنون إلا بالآخرة، وأهل الكتاب يوقنون بها وبغيرها، وهذا فهم عجيب.
ثم قال هذا القائل: ثم إن التعريض في قوله: " بأهل الكتاب " " وبما كانوا " " وأن قولهم " ظاهر معني قول الزمخشري.
قال هذا القائل: وأما في قوله: " وأن اليقين " فمشكل؛ لأنه ليس فيه تعريض بأن اليقين ما عليه من آمن، بل تصريح.
قلت: مراد الزمخشري أن التصريح بأن من آمن يوقنون تعريض بأن أهل الكتاب لا يوقنون، فكيف يرد عليه هذا؟
ثم قال هذا القائل: فالوجه أن يقال: " وأن اليقين " عطف على قوله: " تعريض " لا على معمولاته من " بأهل الكتاب " إلى آخره، فكأنَّه قال: وفي تقديم الآخرة وبناء يوقنون على (هم) تعريض، وأن اليقين. . ..
قلت: مراد الزمخشري أنه تعريض بنفي اليقين عن أهل الكتاب، وكأنه قال: دون غير من آمن، فلا يرد عليه، ولا يحتاج إلى تقدير العطف على ما ذكره هذا القائل، وهو إما أن يقدر: " دون غيرهم " أولا، فإن قدر فهو تعريض، لا تصريح، وإن لم يقدر فلا يحتاج إلى بناء (يوقئون) على (هم).
فحمل كلام الزمخشري على ما زعمه هذا القائل لا يصح بوجه من الوجوه، وهذا القائل فاضل، وإنما ألجأه إلى ذلك فهمه الحصر، وهو ممنوع، وعلى تقدير تسليمه فالحصر على ثلاثة أقسام:
أحدها: ب " ما " و " إلا " كقولك: ما قام إلا زيد، صريح في نفي القيام عن غير زيد، ويقتضي إثبات القيام لزيد، قيل: بالمنطوق، وقيل: بالمفهوم، وهو الصحيح، لكنه أقوى المفاهيم؛ لأن " إلاّ " موضوعة للاستثناء، وهو الإخراج، فدلالتها على الإخراج بالمنطوق، لا بالمفهوم، ولكن الإخراج من عدم القيام ليس هو عين القيام، بل قد يستلزمه، فلذلك رجحنا أنه بالمفهوم، والتبس على بعض الناس لذلك، فقال: إنه بالمنطوق.
والثاني: الحصر ب " إنما " وهو قريب من الأول فيما نحن فيه وإن كان جانب الإثبات فيه أظهر، فكأنَّه يفيد إثبات قيام زيد - إذا قلت: إنما قام زيد - بالمنطوق، ونفيه عن غيره بالمفهوم.
والقسم الثالث: الحصر الذي قد يفيده التقديم، وليس هو على تقدير تسليمه مثل الحصرين الأولين، بل هو في قوة جملتين:
стр. 227
إحداهما: ما صدر به الحكم نفيا كان أو إثباتا، وهو المنطوق
والأخرى: ما فهم من التقديم، والحصر يقتضي نفي المنطوق فقط، دون ما دل عليه من المفهوم؛ لأن المفهوم لا مفهوم له، فإذا قلت: أنا لا أكرم إلا إياك، أفاد التعريض بأن غيرك يكرم غيره، ولا يلزم أنك لا تكرمه.
وقد قال (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة) [سورة النور ٣] أفاد أن العفيف.
قد ينكح غير الزانية، وهو ساكت عن نكاحه الزانية فقال بعده (والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك) بيانا لما سكت عنه في الأولى.
فلو قال (وبالآخرة هم يوقنون) أفاد منطوقُهُ إيقانهم بها، ومفهومُهُ عند من يزعم أنهم لا يوقنون بغيرها، وليس ذلك مقصودا بالذات، والمقصود بالذات قوة إيقانهم بالآخرة، حتى صار غيرها عندهم كالمدحوض، فهو حصر مجازي، وهو دون قولنا: يوقنون بالآخرة، لا بغيرها، فاضبط هذا، وإياك أن تجعل تقديره: لا يوقنون إلا بالآخرة.
إذا عرفت هذا فتقديم (هم) أفاد أن غيرهم ليس كذلك، فلو جعلنا التقدير لا يوقنون إلا بالآخرة كان المقصود المهم النفي، فيتسلط المفهوم عليه، فيكون المعنى إفادة أن غيرهم يوقن بغيرها، كما زعم هذا القائل، ويطرح إفهام أنه لا يوقن بالآخرة.
ولا شك أن هذا ليس بمراد (١)، بل المراد إفهام أن غيرهم لا يوقن بالآخرة، فلذلك حافظنا على أن الغرض الأعظم إثبات الإيقان بالآخرة، ليتسلط المفهوم عليه، وأن المفهوم لا يتسلط على الحصر؛ لأن الحصر لم يدل عليه بجملة (٢) واحدة، مثل " ما " و " إلا " ومثل " إنما " وإنما دل عليه بمفهوم مستفاد من منطوق، وليس أحدهما متقيداً بالآخر حتى نقول: إن المفهوم أفاد نفي الإيقان المحصور، بل أفاد نفي الإيقان مطلقا عن غيرهم.
وهذا كله إنما احتجنا إليه على تقدير تسليم ما ادعاه هذا القائل من الحصر، وقد سبق إلى فهم كثير من الناس، ونحن قد منعنا ذلك أولا، وبينا أنه لا حصر
стр. 228
في ذلك، وإنما هو اختصاص، وفرقنا بين الاختصاص والحصر. وقول هذا القائل: تقديم (هم). من أين له أن هذا تقديم، فإنك إذا قلت: هو يفعل، احتمل أن يكون مبتدأ خبره يفعل، واحتمل أن يكون أصله يفعل هو، ثم قدمت وأخرت، والزمخشري لم يصرح بالتقديم، وإنما قال: " بناء (يوقنون) على (هم) " ولكنا مشينا مع هذا الفاضل على كلامه، وكل ذلك أوجبه (١) الوهم والتباس الاختصاص بالحصر (٢). انتهى كلام الشيخ تقي الدين.
وقال الشيخ بهاء الدين السبكي: قال ابن الحاجب في " شرح المفصل ": الاختصاص الذي يتوهمه كثير من الناس من تقديم المعمول وهم.
واستدل على دْلك بقوله تعالى (فاعبد الله مخلصا له الدين) ثم قال تعالى (بل الله فاعبد)
قال: وهو استدلال ضعيف؛ لأن (مخلصا له الدين) أغنى عن إرادة الحصر في الآية الأولى، ولو لم يكن فما الذي يمنع من ذكر المحصور في محل بغير صيغة الحصر، كما تقول: عبدت الله، وتقول: ما عبدت إلا الله، كل سائغ.
قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ) [سورة الحج ٧٧]، وقال تعالى (أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) [سورة يوسف ٤٠] بل قوله تعالى (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ) من أقوى أدلة الاختصاص؛ فإن قبلها (لَئِنْ أَشْرَكْتَ) فلو لم تكن للاختصاص، وكان معناها: أعبد الله لما حصل الإضراب الذي هو معنى (بل).
قال: وقد رد الشيخ أبو حيان على مدعي الاختصاص، ونقل عن سيبويه أنه قال: " يقدمون ما هو الأهم من كلامهم، وهم به أعنى "
قال: وربما يعترض على مدعي الاختصاص بنحو قوله تعالى (أفغير الله تأمروني أعبد).
وجوابه: أنه لما كان من أشرك بالله غيره كأنه لم يعبد الله، كان أمرهم بالشرك كأنه أمر بتخصيص غير الله بالعبادة.
стр. 229
قال: ورد صاحب الفلك الدائر " بقوله (١) تعالى (كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ) (٢).
وجوابه: أنا لا ندعي اللزوم، بل الغلبة، وقد يخرج الشيء عن الحقيقة، وعن الغالب (٣). انتهى.
قوله: (ولذلك قال ابن عباس: معناه نعبدك، ولا نعبد غيرك)
أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم (٤) من طريق الضحاك عنه.
قوله: (ولا يستتب له)
في الصحاح: استتب له الأمر: تهيأ واستقام.
الشيخ سعد الدين: يستتب، أي يتم، من التبات، وهو الهلاك (٥).
قال في " الأساس ": والتبات يتبع التمام (٦).
قوله: (وأصله أن يعدى باللام) إلى آخره
قال الزمخشري في غير " الكشاف ": " يقال: هداه لكذا، أو إلى كذا، إذا لم يكن في ذلك، فيصل إليه بالاهتداء، وهداه كذا بغير حرف محتمل للحالين، بين أن يكون فيه، وبين أن لا يكون، حتى لا يجوز أن يقال في قوله (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) [سورة العنكبوت ٦٩] لسبلنا، أو إلى سبلنا " انتهى (٧).
стр. 230
وللخويِّي فرق آخر ذكرته في " أسرار التنزيل (١) "
قوله: (وهداية الله تتنوع أنواعا) إلى آخره
نوعها الراغب إلى أربعة غير هذه:
الأولى: الهداية التي عم بها كل شيء، بحسب حاله، كما قال (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) [سورة طه ٥٠].
الثاني: الهداية التي جعلها للناس، بدعائه إياهم على ألسنة الأنبياء، وإنزال القرآن، وهو المقصود بقوله (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) [سورة الأنبياء ٧٣].
الثالث: التوفيق الذي يختص به من اهتدى، وهو المعني بقوله (والذين اهتدوا زادهم هدى) [سورة محمد ١٧] (ومن يؤمن بالله يهد قلبه) [سورة التغابن ١١].
الرابع: الهداية في الآخرة إلى الجنة، وهو المعني بقوله (الحمد لله الذي هدانا لهذا) [سورة الأعراف ٤٣] سيهديهم ويصلح بالهم (٢)) [سورة محمد ٥].
قوله: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)
قال الطيبي: تقرير الاستشهاد به أنه تعالى أثبت لهم الجهاد على لفظ الماضي، وأوقع ضمير التعظيم ظرفا له، على المبالغة، أي في سبيلنا ووجهنا مخلصين لنا، ولا يكون مثل هذا الجهاد إلا هداية، لا غاية بعدها، ثم قال (لنهدينهم سبلنا) على الاستقبال.
وصرّح بلفظ (سبلنا) ولا يستقيم تأويله إلا بما ذكر من طلب الزيادة بمنح الألطاف (٣).
قوله: (ويميط) بضم أوله، أي تبعد وتنحي.
стр. 231
قوله: (غواشي) جمع غاشية.
قوله: (والأمر والدعاء يتشاركان لفظا)
أي صيغة ومعنى، أي فإن كلا منهما دال على الطلب
قوله: (ويتفاوتان بالاستعلاء والتسفل، وقيل: بالرتبة)
في مغايرة القول الثاني للأول نظر لا يخفى
قوله: (السابلة) هم المختلفون (١) في الطرقات لحوائجهم
قوله: (وهو كالطريق في التذكير والتأنيث)
أما في المعنى فيينهما فرق لطيف، أشار إليه الخُوَيِّي قال: الطريق كل ما يطرقه طاروا معتادا كان أم (٢) غيره، والسبيل من الطرق ما هو معتاد السلوك، والصراط من السبيل ما لا التواء فيه ولا اعوجاج، فلا يذهب يمنة ولا يسرة، بل يكون على سمت القصد (٣)، فهو أخص الثلاثة.
قال: فإن قيل: فما فائدة وصفه بالمستقيم حينئذٍ؟
أجيب بأن الصراط يطلق على ما فيه صعود أو هبوط، والمستقيم ما لا ميل فيه إلى شيء من الجوانب الأربعة، وأصل الاستقامة في قيام الشخص أن لا يكون منحنيا ولا مُقْعَنْسِساً، ولا مائلا إلى يمين أو يسار.
قوله: (والمراد به طريق الحق، وقيل: ملة الإسلام)
القولان مرويان عن ابن عباس، أخرجهما ابن جرير (٤)، وليسا متغايرين (٥) كما يفهمه إيراد المصنف، بل مؤداهما واحد.
قال ابن تيمية: الخلاف بين السلف في التفسير قليل جدا، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد، وذلك كأن يعبر أحدهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمى، غير المعنى الآخر، مع اتحاد المسمى، مثال ذلك تفسير هم (الصراط المستقيم) فقال بعضهم: هو القرآن، أي اتباعه،
стр. 232
وقال بعضهم: هو الإسلام، فهذان القولان متفقان؛ لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر، كما أن لفظ صراط يشعر بوصف ثالث، وكذلك قول من قال: هو السنة والجماعة، وقول من قال: هو طريق العبودية، وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله، كلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها (١). انتهى.
ولاشك أن ملة الإسلام هي طريق الحق.
قوله: (وفائدته التوكيد) إلى آخره.
قال الطيبي: يعني أن البدل فيه معنى التكرير، ومعنى التوضيح، فالتوضيح يرفع الإبهام عن نفس المتبوع، والتوكيد يرفع إبهام ما عسى أن يتوهم في النسبة، فهو في توضيح المتبوع كالبيان، وفي تأكيد أمر المتبوع في النسبة كالتأكيد، ويزيد بأنه توكيد لنفس النسبة (٢).
قوله: (طريق المؤمنين) إلى آخره.
حكي في تفسير (الذين أنعمت عليهم) ثلاثة أقوال ، كلها قاصرة.
والذي أخرجه ابن جرير عن ابن عباس أن المراد بـ (الذين أنعمت عليهم) الأنبياء والملائكة والصديقون والشهداء ومن أطاعه وعبده (٣).
هذا لفظ ابن عباس، وهو يشمل الأقوال الثلاثة، ويزيد عليها، وهو الموافق لقوله تعالى (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين) الآية
قال الطيبي: وهو الأنسب للعموم المقصود في ألفاظ السورة (٤).
قوله: (وقرئ (صراط من أنعمت عليهم)
أخرجه أبو عبيد في " فضائله " عن ابن الزبير (٥).
قوله: (والإنعام إيصال النعمة)
هو كلام الراغب، وزاد: ولا يقال: إلا إذا كان الواصل إليه من العقلاء، لا يقال: أنعم على فرسه (٦).
стр. 233
وقال الخويي: الإنعام نفع العالي من دونه بأمر عظيم، خاليا عن العوض والتبعة.
قوله: (والمراد هنا القسم الأخير)
قال الطيبي: الأشبه الحمل على الإطلاق، كما قال في " الكشاف: " أطلق ليشمل كل إنعام، فإن من أنعم عليه بنعمة الإسلام لم تبق نعمة إلا أصابته، واشتملت عليه (١).
قوله: (بدل من (الذين)
قال أبو حيان: هو ضعيف؛ لأن " غير " أصل وضعه الوصف، والبدل بالوصف ضعيف (٢).
قوله: (على معنى أن المنعم عليهم هم الذين سلموا من الغضب والضلالة).
قال الطيبي: يعني إنما يصح إبدال هذا من ذاك إذا اعتبر مفهوم أحدهما مع منطوق الآخر ليتفقا.
قو له: (أو صفة)
قال أبو حيان: هو قول سيبويه (٣)
قوله: (وَلَقَدْ أَمُرُّ على اللَّئِمِ يَسُبُّنِيْ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .)
هو لرجل من بني سلول، وتمامه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فَأَعِفُّ ثُمُّ أقُوْلُ: لا يَعْنِينِيْ
وأورده طائفة بلفظ فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ: لا يَعْنِيِنيْ (٤)
وبعده قوله:
غَضْبانَ مُمْتَلِئاً عَليَّ إِهَابُهُ. . . إِنَيْ وحَقِّكَ سَخْطُهُ يُرْضِيْنِيْ
قال الطيبي: لم يرد باللئيم لئيما بعينه، ولا كل اللئام لاستحالته، ولا الحقيقة لاستحالة أن يمر على مجرد الحقيقة لعدمها في الخارج، بل لئيما من اللئام، واللام للعهد الذهني المعبر عنه بتعريف الجنس (٥).
стр. 234
قال ابن الحاجب: الحقيقة الذهنية معرفة في الذهن، نكرة في الخارج (١).
وفي " الخصائص " لابن جني قوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني. . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
أي: ولقد مررت (٢)، أوقع المستقبل موقع (٣) الماضي.
وقال في موضع آخر: إنما حكى فيه الحال الماضية، والحال لفظها أبدا بالمضارع (٤).
وفي بعض حواشي. " الكشاف ": فإن قيل: فهلا جعلت جملة " يسبني " حالا، لكونها جملة بعد معرفة، والتقدير: ولقد أمر عليه في حال سبه لي.
قيل: ما ذكرته محتمل، لكن الأحسن أن يكون المراد: ولقد أمر على اللئيم السابّ لي، سواء كان في حال المرور سابا، أم لا، فيكون أعم وأشمل.
وقال الطيبي: أجيب أنه لا يحتمل الحال؛ لأن (٥) القائل يمدح نفسه، ويصف أناته وتُؤَدَتَهُ وأن الحلم دأبه وعادته، لا أنه مر على لئيم مُعُيَّن مرة، وأنه احتمل مساءته ومسبته، ودل عطف " فمضيت " و " قلت " وهما ماضيان على " أمر " وهو مضارع على إرادة استمرار المورث للعادة، وعلى أن المسبة والتغافل إنما يحدثان منه عند مروره عليه (٦).
ومما يشبه هذا البيت ما أنشده الأصمعي لبعض الأعراب:
لا يَغْضَبُ الحُرُ على سِفْلَةٍ. . . والحُرُ لا يُغْضِبُهُ النَذْلُ
إذا لَئِيْمٌ سَبَنِيْ جَهْدَهُ. . . أَقولُ: زِدْنِيْ فَلِيَ الفَضْلُ (٧)
قوله: (وقولهم: إني لأمر على الرجل مثلك فيكرمني)
قال الطيبي: وهذا المثال أظهر من البيت؛ لأن البيت يحتمل الحال وإن كان الوصف فيه ظاهراً (٨).
стр. 235
وقال ابن جني في " الخصائص: وكان أبو علي يقول قول أبي الحسن في قولهم: إني لأمر بالرجل مثلك: إن اللام زائدة، حتى كأنه قال: إني لأمر برجل مثلك، لما لم يكن الرجل هنا مقصودا معينا على قول الخليل: إنه تراد اللام في المثل، جتى كأنه قال: إني لأمر بالرجل المثل لك.
قال: لأن الدلالة اللفظية أقوى من الدلالة المعنوية، أي أن اللام (١) ملفوظ بها، وهي في قول الخليل مرادة مقدرة.
قال: وهذا القول من أبي عليِّ غير مرضي عندي، وذلك أنه جعل لفظ اللام دلالة على زيادتها، وكيف يكون لفظ اللام دليلا على زيادتها؟ وإنما جعلت الألفاظ أدلة على إثبات معانيها، لا على سلبها.
وإنما الذي يدل على زيادة اللام هنا هو كونه مبهما، لا مخصوصا، ألا ترى أنك لا تفصل بين معنيي قولك: إني لأمر برجل مثلك، وإني لأمر بالرجل مثلك في كون كل واحد منهما منكورا غير معروف، ولا مُومَأً به إلى شيء بعينه، فالدلالة أيضاً من هذا الوجه - كما ترى - معنوية، كما أن إرادة الخليل اللام (٢) في مثلك إنما دعا إليها جريه صفة على شيء، هو في اللفظ معرفة، فالدلالة (٣) إذن كلتاهما معنويتان (٤) انتهى.
وقد جعل صاحب " الكشاف " هذا المثال لغزاً فقال في " أحاجيه ": أخبرني عن مُعَرَّفٍ في حكم التنكير.
وقال في شرحه: تقول ما دخلت على الرجل مثلك إلا أكرمني، كأنك قلت: على رجل مثلك.
والذي سوغ ذلك ما فيه من الإبهام؛ لوقوعه على غير معين، ألا ترى أن النكرة والمعرفة في نحو هذا الموقع لا يكاد يبين الفرق بينهما، ولا يتفاوت المعنيان تفاوتا ظاهرا، وذلك أن معنى على رجل مثلك: على واحد غير معين من جنس الرجال، ومعنى على الرجل مثلك: على الواحد من آحاد هذا الجنس، مشارا
стр. 236
باللام إلى معلوم المخاطب الثابت عنده، أن (١) الواحد من الرجال ما هو، ولا إشارة في الأول.
ومنه (غير المغضوب عليهم) لما كان المنعم عليهم مبهمين جرى عليهم (غير) الذي توصف به النكرات، وقال:
ولقد أمر على اللئيم يسبني. . . فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
وقال:
لَعَمرِي لأنتَ البَيْتُ أكْرِمُ أَهْلُه. . . وَأَقْعُدُ في أَفْنَائِهِ بِالأَصَائِلِ (٢)
كأنه قال: لأنت بيت (٣). انتهى.
قوله: (أو جعل غير معرفة بالإضافة؛ لأنه أضيف إلى ما له ضد واحد) إلى آخره.
وفي " شرح المفصل " للأندلسي: قال صدر الأفاضل (٤): اعلم أن " غيراً " لها ثلاثة مواضع:
أحدها: أن تقع موقعا لا تكون فيه إلا نكرة، وذلك إذا أريد به النفي الساذج في نحو مررت برجل غير زيد، تريد أن الممرور به ليس بهذا.
الثاني: أن تقع موقعا لا تكون فيه إلا معرفة، وذلك إذا أريد به شيء قد عرف بمضادة المضاف إليه في معنى لا يضاده فيه إلا هو، كما إذا قلت: مررت بغيرك، أي المعروف بمضادتك، إلا أنه في هذا لا يجري صفة، فيذكر غير جار على الموصوف.
وأما قولهم: الحركة غير السكون فمستكره؛ لأن غيراً هاهنا يجري مجرى الكناية، فلذلك يتعرّف، والمثال الجيد قول أبي الطيب (٥):
قوله: (على الحال من الضمير المجرور) زاد غيره: أومن (الذين)
قال أبو حيان: وهو خطأ؛ لأن الحال من المضاف إليه الذي لا موضع له لا يجوز (١).
قوله: (والعامل (أنعمت)
قال الشيخ سعد الدين: يشير إلى أن مثل هذا ليس من اختلاف العامل في الحال، وذي الحال؛ إذ العمل في مجموع الجار والمجرور عمل في المجرور، بمعنى أنه غير خارج عن المعمولية، على أن التحقيق أن المنصوب المحل، والمرفوع المحل هو المجرور فقط؛ لأن أثر الجار إنما هو في تعدية الفعل وإفضائه إلى الاسم، وبهذا يندفع ما يقال: إن الإسناد إليه من خواص الاسم، والجار مع المجرور ليس باسم (٢).
قوله: (أو بإضمار أعني)
قال أبو حيان: عزي إلى خليل، وهو تقدير سهل (٣).
قوله: (أو بالاستثناء)
قال الطيبي: منعه الفراء؛ لأنه حينئذٍ بمعنى سوى، فلا يجوز أن يعطف عليه بـ " لا "؛ لأنها نفي، فلا يعطف بها إلا على نفي (٤)، فلا يجوز جاءني القوم إلا زيدا، ولا عمراً، وأجازه الأخفش، وقال: معناه لا زيداً (٥)، فجاز العطف عليه بـ " لا " حملا على المعنى (٦).
وقال أبو حيان: النصب على الاستثناء، قاله الأخفش، والزجاج وغيرهما، وهو استثناء منقطع؛ إذ لم يتناوله اللفظ السابق، و " لا " على هذا القول صلة، أي زائدة، مثلها في قوله تعالى (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) [سورة الأعراف ١٢] انتهى.
стр. 239
قوله: (والغضب ثوران النفس إرادة الانتقام، فإذا أسند إلى الله تعالى أريد المنتهى والغاية)
قال الطيبي: الغضب تغير يحصل عند غليان دم القلب لإرادة الانتقام، وهو على الله تعالى محال، فيحمل على إرادة الانتقام
والقانون في أمثاله هو أن جميع الأعراض النفسانية مثل الرحمة، والفرح، والسرور، والغضب، والحياء، والمكر، والخداع، والاستهزاء، لها أوائل، وغايات، فإذا وصف الله تعالى بشيء منها يكون محمولا على الغايات، لا على البدايات.
مثاله الغضب ابتداؤه غليان دم القلب، وغايته إرادة إيصال الضرر إلى المغضوب عليه، فلفظ الغضب في حق الله تعالى يحمل على إرادة الانتقام - كما قاله - لا على غليان دم القلب (١).
وقال الشيخ أكمل الدين لهم: في الجواب عن مثل هذا وجهان:
أحدهما: أنه من باب إطلاق لفظ موضوع لأمر مع غايته على غايته فقط؛ فإن لفظ الغضب موضوع لغليان الدم لإرادة الانتقام، فاستعمل لإرادة الانتقام خاصة، وهو مطرد في أكثر الكيفيات النفسانية.
والثاني: أنه من باب التمثيل البياني.
قال: وأقول: يجوز أن يكون من باب الاشتراك اللفظي، بأن يكون الغضب موضوعا للأمرين جميعا، وللثاني خاصة، واستعماله فيمن يستحيل عليه غليان الدم قرينة لإرادة أحد المعنيين، كما يقال: الحي مشترك بين الله تعالى وبين غيره اشتراكا لفظيا، فيكون موضوعا لمن قامت به قوة يفيض عنها سائر القوى الحيوانية، ولباق لا سبيل للفناء عليه.
قال: ولقائل أن يقول: إذا دار اللفظ بين المجاز والاشتراك فالمجاز أولى؛ لأن الاشتراك يخل بالمقصود، والمرجوح عند الراجح كالمعدوم، فلا معنى لهذا الوجه.
والجواب - بعد إبطال دلائل ترجيح المجاز -: أن الترجيح موقوف على
стр. 240
وقوع التعارض بين كون اللفظ مجازا أو مشتركا، وذلك فاسد لا تحقق له، والبناء على الفاسد فاسد، ودْلك لأن ذلك لا يتحقق إلا إذا تعذر المدلول ولا قرينة ثمت، وحينئذ إن تردد الذهن كان مشتركا ليس إلا، وإن سبق إلى خلاف ما وضع له كان مجازا ليس إلا، وإن سبق إلى خلاف ما وضع له لا يكون مشتركا، لانتفاء لازمه، وهو تردد الذهن، ولا مجازا؛ لأنه إذ ذاك حقيقة.
نعم أطبق علماء البيان على أن المجاز لكونه دعوى الشيء ببينة أبلغ من الحقيقة، لكن لا يمنع أن يكون غيره بليغا، على أن كلامنا في المشترك، وقد يكون الفهم الإجمالي مرادا، فيكون استعمال المجاز خطأ، لكونه على خلاف مقتضى الحال (١).
قوله: (على ما مر) أي في الرحمن الرحيم
قوله: (و (عليهم) في محل رفع؛ لأنه نائب مناب الفاعل، بخلاف الأولى)
أي فإنها في محل نصب على المفعولية، كما أفصح به في " الكشاف " (٢) قال الشيخ أكمل الدين: اعترض عليه بأن الذي في محل الرفع والنصب هو المجرور، وأما الجار فهو آلة التعدية، كالتضعيف والهمزة، وليس لها في إعراب ما بعدها مدخل.
وأجيب بأن المصنف لعله اختار ما ذكره أبو عليّ في " الحجة " من تعلقه بالجانبين، حيث قال: كثيرا ما يجتمع في الشيء الواحد الشبه من وجهين، ومن أصلين، فمن ذلك حروف الجر في مررت بزيد ونحوه، هو من جهة بمنزلة جزء من الفعل، ومن أخرى بمنزلة جزء من الاسم.
أما الجهة الأولى فلأنه قد أنفذ الفعل إلى المفعول وأوصله، كما أن الهمزة في نحو أذهبت قد فعلت ذلك، وكما أن تضعيف العين في خَرَّجْتُهُ قد فعل ذلك.
وأما الثانية فلأنه قد عطف عليه بالنصب في مررت بزيد وعمرا لما كان موضع الجار والمجرور نصبا، ومن ثم قدم الاسم (٣) في بمن تمرر أمرر به (٤).
واعترض عليه بأن العطف بالنصب لا دلالة له على أن الجار والمجرور
стр. 241
معطوف عليه؛ لجواز أن يكون العطف على محل المجرور خاصة.
وأقول: لعلة غير صحيح؛ لأن الإعراب المحلي إنما يستعمل فيما لم يكن له إعراب لفظي، والمجرور ليس كذلك، والجار والمجرور كذلك (١). انتهى.
قوله: (و (لا) مزيدة لتأكيد ما في (غير) من معنى النفي، فكأنه قال: لا المغضوب عليهم، ولا الضالين، ولذلك جاز أنا زيدا غير ضارب، كما جاز أنا زيدا لا ضارب وإن امتنع أنا زيدا مثل ضارب)
قال أبو حيان في إعرابه: و (لا) في قوله (ولا الضالين) لتأكيد معنى النفي؛ لأن غيرا فيه معنى النفي، كأنه قيل: لا المغضوب عليهم، ولا الضالين، وعين دخولها العطف على قوله (المغضوب عليهم) لمناسبة " غيرٍ " ولئلا يتوهم بتركها عطف (الضالين) على (الذين)
ولتقارب معنى " غير " من معنى " لا " أتى الزمخشري بمسألة ليبين بها تقاربهما فقال: " وتقول: أنا زيدا غير ضارب، مع امتناع قولك: أنا زيدا مثل ضارب؛ لأنه بمنزلة قولك: أنا زيدا لا ضارب "
يريد أن العامل إذا كان مجرورا بالإضافة فمعموله لا يجوز أن يتقدم عليه، ولا على المضاف، لكنهم تسمحوا في العامل المضاف إليه " غير " وأجازوا تقديم معموله على " غير " إجراء لـ " غير " مجرى " لا " فكما لا يجوز تقديم معمول ما بعدها عليها فكذلك " غير ".
وأورد الزمخشري هذه المسألة على أنها مسألة مقررة مفروغ منها ليقوي بها التناسب بين " غير " و " لا " إذ لم يذكر فيها خلافا.
وهذا الذي ذهب إليه الزمخشري مذهب ضعيف جدا، وبناه على جواز أنا زيدا لا ضارب، وفي تقديم معمول ما بعد " لا " عليها ثلاث مذاهب، وكون اللفظ يقارب اللفظ في المعنى لا يقضي له بأن تجري أحكامه عليه، ولا نثبت تركيبا إلا بسماع من العرب، ولم نسمع أنا زيدا غير ضارب، وذكر الأصحاب قول من جوزه، وردوه (٢). انتهى كلام أبي حيان.
وفي حاشية الطيبي: قال الزجاج: النحويون يجوزون أنت زيدا غير ضارب،
стр. 242
ولا يجوزون أنت زيدا مثل ضارب؛ لأن زيدا من صلة ضارب، فلا يتقدم عليه (١).
قال الطيبي: وذلك أن وقوع المعمول فيما لا يقع فيه عامله ممتنع، فامتنع قولك: أنا زيدا مثل ضارب؛ لأن " مثل " مضاف إلى ضارب، و " زيدا " معموله، فكما لا يجوز تقديم " ضارب " على المثل؛ لأنه مضاف إليه للمثل لا يجوز تقديم " زيدا " عليه، وقولك: أنا زيدا عْيز ضارب إنما يجوز لأن غير لما كان متضمنا معنى النفي كان بمنزلة أنا زيدا لا ضارب، والإضافة في " غير " كلا إضافة.
وقال الشيخ أكمل الدين: قالوا إن من الأصول المقررة عند النحاة أن وقوع المعمول في موضع لا يقع فيه عامله ممتنع، ففي قولك أنا زيدا مثل ضارب لا يجوز تقديم " ضارب " على " مثل "؛ لئلا يلزم تقديم المضاف إليه على المضاف، وفي قولك: أنا زيدا غير ضارب جاز؛ لأن " غيرا " بمعنى " لا "، وجاز أنا زيدا لا ضارب.
واعترض عليه بأنه مخالف للأصل المذكور؛ لوقوع المعمول في موضع لا يقع فيه عامله، حيث لا يجوز أنا زيدا ضارب لا، وهو غلط؛ لأن " لا " ليس بعامل في ضارب.
ومعنى قولهم: لا يقع فيه عامله، عامله الذي هو معمول (٢).
وقال الشيخ سعد الدين: قدم في المثال مفعول اسم الفاعل المنفي عليه، وامتناع تقديم ما في حيز النفي عليه إنما هو في " ما " و " إن " ما دون " لا " و " لم " و " لن " وذلك لأن " ما " تدخل على القبيلتين، فتشبه الاستفهام، و " لم " و " لن " يختصان بالفعل، ويكونان كالجزء منه، وأما " لا " وإن دخلت على القبيلتين إلا أنها حرف متصرف فيها جاز عمل ما قبلها فيما بعدها، مثل جئت بلا شيء، وأريد أن لا تخرج، فجاز العكس أيضاً (٣).
وقال بعض أرباب الحواشي: قول الزمخشري: " لما في غير من معنى النفي (٤) " إشارة إلى قاعدة، وهي أن الكلام إذا كان فيه نفي (٥) وفسر بمثبت جاز أن
стр. 243
تأتي في المثبت بالنفي " وأن تحذفه. أنشد ابن عطية " (١):
ما كان يَرْضَي رَسولُ اللهِ فِعْلَهُمُ. . . والطُّيِّبَانِ أَبُو بَكْر وَلا عُمَرُ (٢)
وقياسه: والطيبان أبو بكر وعمر، لكن لما صدر الكلام بقوله: " ما كان " جاز أن يقول: ولا عمر أيضا يرضى، وتقول: زيد ليس بظالم، يسبي الحريم، ويأخذ الأموال، فقولك: يسبي الحرام، ويأخذ الأموال جملتان صورتهما صورة المثبت، وهما منفيان بنفي ما فسرته بهما، فلك ثلاثة أوجه:
لك أن تدخل " لا " على كليهما فتقول زيد ليس بظالم، لا يسبي الحريم، ولا يأخذ الأموال، ولك أن تنفيهما عنهما كما مثلت أولا، ولك أن تحذفها عن الأول وتثبتها في الثاني، ولم أرَ القسم الرابع في كلامهم، والثالث أفصح الثلاثة، كما في قوله تعالى (إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ) [سورة البقرة ٧١] وقوله تعالى (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) [سورة الأحقاف ٩] وكما في البيت الذي أنشده ابن عطية انتهى.
قوله: (وقرئ وغير الضالين)
أخرجه سعيد بن منصور، وأبو عبيد، عن عمر بن الخطاب ﵁ (٣)
قوله: (وقيل (غير المغضوب عليهم) اليهود) إلى آخره
هذا من العجب العجاب (٤)، تضعيفه التفسير الوارد عن النبي ﷺ ، وجميع الصحابة والتابعين، واختراعه تفسيرا برأيه، وجعله أنه المتجه.
стр. 244
أخرج أحمد في " مسنده " والترمذي - وحسنه - وابن حبان في " صحيحه " وغيرهم، عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : " إن المغضوب عليهم هم اليهود، وإن الضالين النصارى (١) ".
وأخرجه ابن مردويه عن أبي ذر بلفظ سألت رسول الله ﷺ عن قول الله (غير المغضوب عليهم) قال: " هم اليهود " (ولا الضالين) قال: " النصارى (٢) ".
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم التفسير بذلك عن ابن عباس، وابن مسعود، والربيع بن أنس (٣)، وزيد بن أسلم (٤)، وابنه (٥) عبد الرحمن (٦).
قال ابن أبي حاتم: ولا أعلم في ذلك خلافا بين المفسرين (٧).
فهذه منه حكاية إجماع، فكيف يجوز العدول عنه، وعن النص المرفوع إلى قول بالرأي؟.
وأعجب من ذلك من حكى في تفسير الآية عدة أقوال، كالإمام (٨)، والماوردي (٩)،
стр. 245
وسليم (١)، وكل ذلك (٢) ساقط، لا يعول عليه.
قال الراغب: فإن قيل: كيف فسر على ذلك، وكلا الفريقين ضال، ومغضوب عليه؟
قيل: خص كل فريق منهم بصفة كانت أغلب عليهم وإن شاركوا غيرهم في صفات ذم (٣).
قوله: (وقرئ ولا الضألين بالهمزة)
قال ابن جني: قرأها أيوب السختياني، فسئل عن الهمزة فقال: هي بدل من المدة؛ لالتقاء الساكنين، ونظيره قراءة عمرو بن عبيد: إنس ولا جأنٌّ، وسمع شأبَّة، ومأدَّة (٤).
قوله: (على لغة من جدّ في الهرب)
قال الطيبي: لأن التقاء الساكنين فيما إذا كان أولهما حرف لين، والثاني مدغما فيه مغتفر، وإذا هرب عن هذا الجائز فقد جدّ في الهرب (٥).
وقال السمين: قد فعلوا ذلك حيث لا ساكنان، قال الشاعر:
وخِنْدِفٌ هَامة هذا العَأْلمَِ (٦)
بهمز العالم، والظاهر أنها لغة مطردة، فإنهم قالوا في قراءة ابن ذكوان (٧) (منسأْته) بهمزة ساكنة (٨): إن أصلها ألف، فقلبت بهمزة ساكنة (٩). انتهى.
стр. 246
قوله: (آمين ، اسم فعل الذي هو استجب)
الشيخ سعد الدين: هذا تحقيق لكونه اسما، مع أن مدلوله طلب الاستجابة، كاستجب، بمعنى أن دلالته على معنى استجب ليس من حيث إنه موضوع لذلك المعنى؛ ليكون فعلا، بل من حيث إنه موضوع لفعل دالٍّ على طلب الاستجابة، وهو استجب، كوضع سائر الأسماء لمدلولاتها.
وتحقيق ذلك أن كل لفظ وضع بإزاء معنى اسما كان، أو فعلا، أو حرفا، فله اسم علم، هو نفس ذلك اللفظ من حيث دلالته على ذلك الاسم، أو الفعل، أو الحرف، كما تقول في قولنا: خرج زيد من البصرة: " خرج " فعل، و " زيد " اسم، و" من " حرف جر، فتجعل كلا من الثلاثة محكوما عليه، لكن هذا وضع غير قصدي، لا يصير به اللفظ مشتركا، ولا يفهم منه معنى مسماه.
وقد اتفق لبعض الأفعال أن وضعت لها أسماء أخر غير ألفاظها، تطلق ويراد بها الأفعال من حيث دلالتها على معانيها، وسموها أسماء الأفعال، فآمين اسم موضوع بإزاء لفظ " استجب " أو ما يرادفه من صيغ طلب الاستجابة، لكن لا يطلق ويقصد به نفس اللفظ، كما في الأعلام المذكورة، بل ليقصد به " استجب " الدال على طلب الاستجابة، حتى يكون " آمين " مع أنه اسم لا ستجب كلاما تاما، بخلاف استجب الذي هو أمر.
ولما كانت اسمية أسماء الأفعال مبنية على هذا التدقيق ذهب بعض النحاة إلى أنها أسماء المصادر السادة مسد الأفعال، وإن جعلها أسماء الأفعال، ومفيدة لمعانيها قصرا للمسافة، ولهذا قال الزجاج: إن " آمين " حرف موضوع موضع الاستجابة، كما أن " صه " موضوع موضع السكوت، إلا أنهم احتاجوا إلى الفرق بينها وبين المصادر المنصوبة السادة مسد الأفعال، سيما التي لا أفعال لها، ولا تصرف فيها، حيث بنيت هذه، وأعربت تلك (١).
وقال ابن جني في " الخصائص: فإن قيل: ما الفائدة في وضع أسماء الأفعال؟
فالجواب من ثلاثة أوجه:
أحدها: السعة في اللغة للاحتياج في قافية، أو وزن
стр. 247
والثاني: المبالغة، وذلك أنك في المبالغة لابد أن تترك موضعا إلى موضع، إما لفظا إلى لفظ، وإما جنسا إلى جنس، كلما تعدل عن عويض إلى عراض، وعن حسن ووضيء وكريم إلى حسان، ووضاء، وكرام؛ لأنها أبلغ.
والثالث: ما في ذلك من الإيجاز والاختصار، وذلك أنك تقول صه للواحد والاثنين والجمع والمؤنث، بخلاف اسكت، فلما اجتمعت هذه الفوائد وضعت، ومع ذلك فإنهم أبعدوا أحوالها من أحوال الفعل المسمى بها، وتناسوا تصريفه لتناسيهم حروفه.
ويدل على ذلك أنه لا ينصب المضارع بعدها مقرونا بالفاء، لا تقول: صه فتسلم؛ لأنه إنما نصب في جواب الفعل لتصور معنى المصدر فيه؛ لأن معنى " زرني فأكرمك " لتكن زيارة منك، فإكرام مني، فزرني دل على الزيارة؛ لأنه من لفظه، وليس كذلك صه؛ لأنه ليس من الفعل في قبيل ولا دبير، وإنما هو صوت أوقع موقع حروف الفعل، فلما لم يكن فعلا، ولا من لفظه قبح أن يستنبط منها معنى المصدر؛ لبعدها عنه. انتهى (١).
قوله: (وعن ابن عباس سألت رسول الله ﷺ عن معناه فقال: افعل)
أخرجه الثعلبي من طريق الكلبي (٢)، عن أبي صالح (٣)، عنه (٤)
قوله: (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويَرْحَمُ اللهُ عَبْداً قَالَ آمِينَا
صدره:
يَا رَبِّ لا تَسْلُبَنِّيْ حُبَّهَا أَبَداً (٥). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 248
وقبله:
بَاتَتْ رَقُوْداً، وسَارَ الرَّكْبُ مُدَّلِجًا. . . وَمَا الأَوَاْنِسُ فِي فِكْرٍ لِسَارِيْنَا
كَأنَّ رِيْقَتَها مِسْكٌ عَلى ضَرَبٍ. . . شِيْبَتْ بِأصْهُبَ مِنْ بيع الشّأمِيْنَا
كذا. أورده صاحب (١) الحماسة البصرية (٢)، ولم يسم قائله
قوله: (. . . . . . . . . . . . . . . آمِيْنَ فَزادَ اللهُ مَا بَيْنَنَا بُعْدا)
قال البطليوسي في " شرح الفصيح (٣) ": هو لجبير بن الأضبط، وكان سأل الأسدي حمالة فَحَرَمَهُ، فقال:
تَبَاعَدَ مِنِّيْ فُطْحُلٌ أنْ (٤) سَألْتُهُ. . . أَمِيْنَ فَزادَ اللهُ مَا بَيْنَنَا بُعْداً
" قال: وفطحل اسم الأسدي، وفيه روايتان: روية الكوفيين بضم الفاء، ورواية البصريين بفتحها، وكان يجب أن يقع " أمين " بعد قوله:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فزاد الله ما بيننا بعدا
لأن التأمين يقع بعد الدعاء.
وذكر ابن درستويه أن القصر ليس بمعروف، وإنما قصره الشاعر في هذا البيت للضرورة، وروي البيت:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فآمين زاد الله ما بيننا بعدا
بالمد وتقديم الفاء، فلا يكون فيه احتجاج (٥). انتهى.
وقال التبريزي في " شرح أبيات إصلاح المنطق ": الوجه أن يقال:
" فزاد الله ما بيننا بعدا آمين " فقدم وأخر للضرورة (٦).
وقال غيره: الرواية:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فآمين زاد الله. . . . . . ..
وعلى هذا فلا شاهد فيه على القصر قوله (لقوله ﵊:
стр. 249
" علمني جبريل عند الفراغ (١) من قراءة الفاتحة، وقال: إنه كالختم على الكتاب ")
روى ابن أبي شيبة في " مصنفه " والبيهقي في " الدلائل ": عن أبي ميسرة أن جبريل أقرأ النبي ﷺ فاتحة الكتاب، فلما قال: (ولا الضالين) قال له: قل: آمين، فقال: آمين (٢).
وروى أبو داود في " سننه " عن أبي زهير النميري (٣) أحد الصحابة أنه قال: آمين مثل الطابع على الصحيفة، أخبركم عن ذلك: خرجنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة فاتينا على رجل قد ألح في المسألة، فقال النبي ﷺ : " أوجب إن ختم " فقال رجل من القوم: بأي شيء يختم؟ فقال: " بآمين (٤) "
وقد عرف بهذا أن المصنف أورد حديثين، لا حديثا واحدا، وأن الضمير في قوله وقال، للنبي ﷺ ، لا لجبريل.
قال الشيخ أكمل الدين، والشيخ سعد الدين في قوله: " كالختم على الكتاب ".
يعني أنه يمنع الدعاء من فساد الخيبة، كما أن الطابع على الكتاب يمنع فساد ظهور ما فيه على الغير.
زاد الشيخ أكمل الدين: ومعنى قوله: " أوجب " إجابة الدعاء (٥)
قوله: (وفي معناه قول علي رضي الله تعالى عنه عند آمين: خاتم رب العالمين، ختم به دعاء عبده)
لم أقف عليه عن علي، وإنما أخرجه الطبراني في " الدعاء " وابن عدي في " الكامل " وابن مردويه في " التفسير " بسند ضعيف عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " آمين خاتم رب العالمين على عباده
стр. 250
المؤمنين (١) "
قوله: (لما روي عن وائل بن حجر أنه ﷺ كان إذا قرأ (ولا الضالين) قال: " آمين " ورفع بها صوته).
أخرجه أبو داود، والترمذي، والدارقطني - وصححه - وابن حبان (٢).
قوله: (والمشهور عنه أنه يخفيه كما رواه عنه عبد الله بن مغفل، وأنس قال الشيخ ولي الدين العراقي: لم أقف عليه (٣).
وأخرج الطبراني في " الكبير " عن أبي وائل (٤) قال: كان علي، وعبد الله - يعني ابن مسعود - لا يجهران بالتأمين (٥)
قوله: (لقوله ﵊: " إذا قال الإمام: (ولا الضالين) فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، فمن وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (٦) ")
أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، ووقع في " أمالي الجرجاني (٧) " في آخر هذا الحديث زيادة (٨): " وما تأخر (٩) " وعليها اعتمد الغزالي في