Полный текст (1 427 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وأهل السنة يقولون: الكذب للمصلحة مباح، وقد يكون واجبا كما إذا اختفى مظلوم، وسئل عنه فإنه يحرم الصدق في الإعلام به، ويجب الكذب (١). انتهى.
وهذا الموضع مما مشى على (٢) البيضاوي من " الكشاف "، فلم يتنبه أنه على مذهبه، وما تنزه عن الغفلة إلا الله سبحانه.
قوله: (وما روي أن إبراهيم ﵊ كذب ثلاث كذبات)
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ في حديث الشفاعة: " فيقول إبراهيم إني كذبت ثلاث كذبات (٣) " وفي رواية: " وذكر قوله في الكوكب: هذا ربي، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله: إني سقيم (٤) "
وروى الترمذي عن أبي سعيد في حديث الشفاعة: " فيأتون إبراهيم فيقول: إني كذبت ثلاث كذبات " ثم قال رسول الله ﷺ : " ما منها كذبة إلا ما حل بها عن دين الله "
وفي رواية عند أحمد، وأبي يعلى: " إني كذبت في الإسلام ثلاث كذبات والله إن أجادل بهن إلا عن دين الله: قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله لامرأته حين أتى على الملك: أختي (٥) "
стр. 387
وفي الحاشية المشار إليها: حكى ابن خطيب الريِّ أنه باحث رجلا في هذا الحديث فقال: يجب القطع بكذب الراوي؛ لأنه قد ثبت عصمة الأنبياء، فقال له الرجل: كيف يكذب الراوي، والحديث ثابت في الصحيحين؟ فقال: تكذيب الراوي حتى يصدق إبراهيم أولى (١).
قال صاحب الحاشية: وهذا البحث فاسد من ابن الخطيب.
قوله: (فالمراد التعريض)
قال الشيخ أكمل الدين: اختلف في معنى التعريض هاهنا، فقيل: هو خلاف التصريح، وهو تضمين الكلام دلالة ليس لها فيه ذكر، وقيل: هو اللفظ المشار به إلى جانب، والغرض جانب آخر، وسمي تعريضا لما فيه من التعرج عن المطلوب (٢).
وبهذا الأخير جزم الطيبي، وقال: يقال: نظر إليه بعرض وجهه، أي بجانبه، ومنه المعاريض في الكلام، وهي التورية بالشيء.
قال: ونوع من التعريض يسمى الاستدراج، وهو إرخاء العنان مع الخصم في المجاراة؛ ليعثر حيث يراد تبكيته، فسلك إبراهيم ﵇ مع القوم هذا المنهج.
أما قوله في الكوكب: (هذا ربي) فكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب، فأراد أن ينبههم على الخطإ في دينهم، ويرشدهم إلى أن شيئا منها لا يصلح للإلاهية؛ لقيام دليل الحدوث فيها، وأن وراءها محدثا أحدثها.
وأما قوله: (بل فعله كبيرهم) فتنبيه على أن الإلاه الذي لم يقدر على دفع المضرة عن نفسه كيف يرجى منه دفع الضرر عن الغير.
стр. 388
وأما قوله: (إني سقيم) فإنه ﵇ أوهمهم أنه استدل بأمارة علم النجوم على أنه سيسقم ليتركوه، فيفعل بالأصنام ما أراد أن يفعل، أو سقيم لما أجد من الغيظ والحنق باتخاذكم النجوم آلهة (١)
قال الشيخ سعد الدين: وأما قوله: هذه أختي فالغرض منه الأخوة في الدين، تخليصا من يد الظالم. (٢)
قال الطيبي: فإن قلت: فإذا شهد له الصادق المصدوق بالبراءة فما باله (٣) يشهد على نفسه بها؟
قلت: نحن وإن أخرجناها عن مفهوم الكذبات باعتبار التورية، وسميناها معاريض فلا ننكر أن صورتها صورة التعريج عن المستقيم، فالحبيب قصد إلى براءة ساحة الخليل عما لا يليق بها، فسماها معاريض، حيث قال: ما حل، أي جادل، وهو معنى التعريض؛ لأنه نوع من الكناية، والخليل لمح إلى مرتبة الشفاعة هنالك، وأنها مختصة بالحبيب، فتجوز في الكذبات.
ويمكن أن يقال: إنهم من هول ذلك اليوم، وما بهم من شأن أنفسهم يدفعونهم بذلك.
هكذا ينبغي أن يتصور هذا المقام؛ فإنه من مزال الأقدام، ألا ترى إلى الإمام كيف ذهل عن ذلك، وطعن في الأئمة، وقال في سورة يوسف: الأولى أن لا يقبل مثل هذه الأحاديث؛ لئلا يلزمنا تكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا شك أن صونهم عن نسبة الكذب إليهم أولى من صون الرواة. (٤) انتهى.
قلت: قد وقع مثل ذلك (٥) للإمام في غير ما حديث صحيح أنكره اعتمادا على صعوبة ظاهره، وكذا وقع أيضاً للقاضي أبي بكر الباقلاني، ولإمام الحرمين، ولابن فورك (٦)، وللقاضي عياض، وللغزالي، وآخرين أجلاء، أنكروا أحاديث، وهي صحيحة
стр. 389
ثابتة في الصحيحين وغيرهما، قابلة للتأويل، وتعجب منهم أئمة الحديث في ذلك، وأرجو أن أجمعها في جزء، وسيمر بك في هذه الحاشية أشياء منها.
قوله: (عطف على (يكذبون) أو (يقول)
فيه أمور:
الأول: قال أبو حيان: إذا كان عطفا على (يكذبون) كان موضعه نصبا؛ لأنه معطوف على خبر كان، والمعطوف على الخبر خبر، وهي إذ ذاك جزء من السبب الذي استحقوا به العذاب الأليم.
وإذا كان عطفا على (يقول) فلا محل له من الإعراب؛ لأنه معطوف على صلة (من) والصلة لا محل لها، ولا يكون جزءا من السبب (١).
الثاني: قال في " الكشاف ": " والأول أوجه (٢) "
قال صاحب " التقريب ": لأنه أقرب، وليفيد تسببه للعذاب أيضاً (٣).
زاد الطيبي: وليؤذن أن صفة الفساق يحترز منها؛ لقبحها، كما يحترز من الكذب (٤).
زاد الشيخ أكمل الدين، والشيخ سعد الدين: ولئلا يلزم تخلل البيان، أو الاستئناف فيما بين أجزاء الصلة، أو الصفة (٥).
قال القطب، والطيبي، والتفتازاني، والشريف: ويمكن أن يقال: إن الثاني أوجه؛ لأن في العطف على (يقول آمنا) تصييرا للآيات على سننن تعديد قبائحهم، فيفيد صفة أخرى لهم على الاستقلال، ولأن قوله (وإذا قيل لهم) (وإذا لقوا) معطوفان على قوله (وإذا قيل لهم لا تفسدوا) فلو عطف على (يكذبون) كانا أيضا معطوفين عليه، فيدخلان في حيز تسبب العذاب، فتنتفي فائدة اختصاص الكذب بالذكر بالكلية (٦).
стр. 390
وعبارة الشيخ سعد الدين: وقد يقال: بل الثاني أوجه؛ لتكون الآيات على سنن تعديد قبائحهم، وتفيد اتصافهم بالأوصاف المذكورة قصدا واستقلالا، وتدل على أن العذاب لاحق بهم من أجل كذبهم الذي هو أدنى حالهم في الكفر والنفاق، فكيف بسائر الأحوال؟
قال: فإن قيل: فالعطف على الاسمية - أعني (من الناس من يقول) - أوفى بتأدية هذه المعاني، فلم لا يعتد به؟
قلنا: لأنه لا يفيد دخول هذه الأحوال في ذكر المنافقين، وبيان قصتهم وحالهم، ولا يحسن عود الضمائر إليهم عند من له معرفة بأساليب الكلام (١).
الثالث: قال أبو حيان: ما أجازه الزمخشري من العطف على (يكذبون) أجازه أيضاً أبو البقاء (٢).
وهذا خطأ إن كانت " ما " في قوله (بما كانوا يكذبون) موصولة بمعنى الذي، وذلك أن المعطوف على الخبر خبر، و (يكذبون) قد حذف منه العائد على (ما)
* * *
وقوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ) إلى آخر الآية لا ضمير فيه يعود على (ما) فبطل أن يكون معطوفا عليه؛ إذ يصير التقدير: ولهم عذاب أليم بالذي كانوا (إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون) وهذا كلام غير منتظم، لعدم العائد، وإن كانت مصدرية فعلى مذهب الأخفش يكون هذا الإعراب أيضاً خطأ؛ إذ عنده أن ما المصدرية اسم يعود عليها من صلتها ضمير، والجملة المعطوفة عارية منه، وأما على مذهب الجهور فهذا الإعراب شائع (٣). انتهى.
الرابع: قال أبو حيان: لم يذكر الزمخشري، وأبو البقاء في إعراب هذا سوى أن يكون معطوفا على (يكذبون) أو (يقول) (٤).
وزعما أن الأول أوجه، وقد ذكرنا ما فيه.
والذي نختاره أن يكون من باب عطف الجمل، وأن هذه الجملة مستأنفة، لا موضع لها من الإعراب؛ إذ هذه الجملة، والجملتان بعدها، هي من تفاصيل الكذب، ونتائج التكذيب.
стр. 391
ألا ترى قولهم (إنما نحن مصلحون) وقولهم (أنؤمن كما آمن السفهاء) وقولهم عند لقاء المؤمنين (آمنا) كذب محض، فناسب جعل ذلك جملا مستقلة، ذكرت لإظهار كذبهم ونفاقهم، ونسبة السفه للمؤمنين واستهزائهم، فكثر بهذه الجمل واستقلالها ذمهم، والرد عليهم.
وهذا أولى من جعلها سيقت " صلة جزء كلام؛ لأنها إذ ذاك لا تكون مقصودة لذاتها، إنما جيء بها معرفة للموصول إن كان اسما، ومتممة لمعناه إن كان حرفا (١).
قوله: (وما روي عن سلمان أن أهل هذه الآية لم يأتوا بعد)
أخرجه ابن جرير من طرق عنه (٢).
قوله: (فلعله أراد به أن أهله ليس الذين كانوا فقط، بل وسيكون من بعد من حاله حالهم)
هو جواب ابن جرير، ولفظه: لعله قال ذلك بعد فناء الذين كانوا بهذه الصفة على عهده ﷺ خبرا منه عمن هو جاء منهم بعدهم، ولما يجئ (٣).
قوله: (وكان من فسادهم في الأرض)
قال التفتازاني، والشريف: أي من الفساد الناشئ من جهتهم، لا فسادهم في أنفسهم.
والأولى أن يقول: إفسادهم؛ لأن الممالأة ونحوها إفساد، لا فساد (٤).
قوله: (هيج الحروب)
يقال: هاج الشيء هيجا وهيجاناً، أي ثار، وهاجه غيره يتعدى، ولا يتعدى.
قال الشيخ سعد الدين والشريف: والأنسب أن يحمل هنا على غير المتعدي؛ لأن المتعدي إفساد، لا فساد (٥).
قوله: (وممالأة الكفار)
الراغب: مالأته: عاونته وصرت من ملئه، أي جمعه، كشايعته، أي صرت من
стр. 392
شيعته (١)
قوله: (فإن ذلك يؤدي إلى فساد ما في الأرض)
قال التفتازاني، والشريف: توجيه لإطلاق الفساد على هيج الحروب والفتن.
قالا: ولما كان حقيقة الإفساد جعل الشيء فاسدا، ولم يكن صنيعهم كذلك، بل مؤديا إليهم جعل الكلام من قبيل المجاز باعتبار المآل، أي لا تفعلوا ما يؤدي إلى الفساد، وليس معنى الإفساد الإتيان بالفساد وفعله ليصح حمل الكلام على الحقيقة (٢).
قوله: (الهرج والمرج)
الهرج الفتنة والاختلاط، والمرج كذلك، وهو بفتح الراء، وإنما سكن لأجل الهرج ازدواجا للكلام. قاله الجوهري في الصحاح (٣).
قوله: (والقائل هو الله تعالى، أو الرسول، أو بعض المؤمنين)
هو كلام الإمام قال: إن كل ذلك محتمل، وإن الأقرب أن القائل ذلك من شافههم، إما الرسول، أو بعض الصحابة (٤).
قلت: والثاني أقربهما.
قوله: (والمعنى أنه لا تصح مخاطبتنا) إلى آخره.
قال الشيخ سعد الدين: يعني أنه قصر إفراد؛ لأن نهيهم عن الإفساد يشعر بأن فيهم إفسادا، فنفوا ذلك، بادعاء أنهم مقصورون على الإصلاح، من غير شائبة إفساد.
وآثروا (إنما) دلالة على أن ذلك ظاهر بين، لا ينبغي أن يشك فيه، فرد الله عليه ذلك بقوله (ألا إنهم هم المفسدون) قصر قلب، أي هم مقصورون على الإفساد، لا ينتظمون في جملة المصلحين أصلا، مع المبالغة بالاستئناف المقصود به تمكين الحكم في ذهن السامع فضل تمكن؛ لحصوله بعد السؤال والطلب، وبالتأكيد بحرفي التنبيه والتحقيق المقصود بهما تنبيه السامع للحكم، وتقرره عنده بحيث لا مجال فيه للريبة، وبتعريف الخبر المفيد للحصر، وبتوسط ضمير الفصل المؤكد لذلك، وبقوله (ولكن لا يشعرون) الدال على أن كونهم مفسدين مما ظهر ظهور المحسوس، لكن لا إحساس لهم ليدركوه.
стр. 393
بقي هاهنا بحث: وهو أن ضمير الفصل إنما يفيد قصر المسند على المسند إليه، وكذا
تعريف الخبر - على ما ذكره صاحب " المفتاح " (١) وشهد به الاستعمال - مثل (إن الله هو الرزاق) [سورة الذاريات ٥٨] أي لا رازق سواه، فكيف يدل (إنهم هم المفسدون) على أنهم مقصورون على صفة الإفساد، لا يتجاوزونه إلى الإصلاح؟
والجواب: أنه إذا كان في الكلام ما يفيد القصر فضمير الفصل إنما يفيد تأكيده، سواء كان قصر المسند على المسند إليه، أو بالعكس.
وقد ذكر في " الفائق " أن تعريف المسند يفيد قصر المسند إليه على المسند، وأن معنى " إن الله هو الدهر " (٢) أنه الجالب للحوادث، لا غَيْرُ الجالِبِ (٣) فيكون المعنى هاهنا أنهم المفسدون، لا المصلحون.
فالوجه أن يقال: تعريف الخبر قد يكون لقصر المسند إليه، وقد يكون لقصر المسند بحسب المقام. انتهى (٤).
قوله: (وإنما قالوا ذلك لأنهم تصوروا الفساد بصورة الصلاح)
هو أحد احتمالات الإمام، وهو أوجهها من حيث المعنى وأعمها.
زاد الإمام: وإن فسرنا (لا تفسدوا) بمداراة الكفار كان معنى قولهم (مصلحون) أن هذه المداراة سعي في الإصلاح بين المسلمين والكفار (٥).
قلت: وهو الوارد عن ابن عباس، أخرج ابن جرير عنه في قوله (إنما نحن مصلحون) أي إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب (٦).
* * *
قوله: (للإستئناف به)
قال الطيبي: أي ترك العاطف ليفيد ضربا من المبالغة (٧).
قوله: (فإن همزة الاستفهام التي للإنكار إذا دخلت على النفي أفادت تحقيقا،
стр. 394
ونظيره (أليس ذلك بقادر) [سورة القيامة ٤٠]
عبارة الكشاف " ألا مركبة من همزة الاستفهام، وحوف النفي لإعطاء معنى التنبيه على تحقيق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقا، كقوله (أليس ذلك بقادر) (١) قال أبو حيان: والذي نختاره أن " ألا " التنبيهية حرف بسيط؛ لأن دعوى التركيب على خلاف الأصل، ولأن ما زعم من أن همزة الاستفهام دخلت على " لا " النافية دلالة على تحقيق ما بعدها. . . إلى آخره خطأ؛ لأن مواقع " ألا " تدل على أن " لا " ليست للنفي، فيتم ما ادعاه.
ألا ترى أن قولك: ألا إن زيدا منطلق، ليس أصله لا إن زيدا منطلق؛ إذ ليس من تراكيب العرب، بخلاف ما نَظَّرَ به من قوله تعالى (أليس ذلك بقادر) لصحة تركيب " ليس ذلك بقادر " ولوجودها قبل " رب "، وقبل " ليت "، وقبل النداء، وغيرها مما لا يتعقل فيه أن " لا " نافية (٢).
وقال الشيخ سعد الدين في عبارة " الكشاف ": يريد أن الهمزة للاستفهام بطريق الإنكار، و " لا " للنفي، وإنكار النفي في قوة تحقيق الإثبات، لكن بعد التركيب صارت كلمة تنبيه، تدخل على ما لا تدخل عليه كلمة " لا " مثل ألا إن زيدا قائم، ولا تقول: لا إن زيدا قائم، وكذا الكلام في " أما ".
والأكثرون على أنهما حرفان موضوعان، لا تركيب فيهما. انتهى (٣).
وممن جزم بأنها غير مركبة ابن مالك في " شرح الكافية " فقال: " ألا " المقصود بها العرض، نحو ألا تزورنا، مركبة (٤) من " لا " والهمزة.
وأما " ألا " المستفتح بها فغير مركبة.
وذكر مثل ذلك أيضاً صاحب (٥) كتاب " رصف المباني في حروف المعاني (٦) "
стр. 395
وتابع الزمخشري على أنها مركبة ابن يعيش في " شرح المفصل " (١) وابن القواس (٢) في " شرح الكافية " (٣).
وقال الشيخ أكمل الدين: مذهب الأكثر أنها مركبة، ومنهم من قال: إنها حرف بسيط مشترك بين التنبيه والاستفتاح (٤).
قوله: (ولذلك لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بما يتلقى به القسم)
قال الشيخ سعد الدين: يعني " إنَّ " والنفي، وذلك لمشاركتهما القسم في كونهما للتأكيد (٥).
وقال أبو حيان: هذا غير صحيح، ألا ترى أن الجملة بعدها تستفتح برب، وبليت، وبفعل الأمر، وبالنداء، وبحبذا في قوله (٦):
ألا حَبّذَا هِنْدٌ وأَرْضٌ بِهَا هِنْدٌ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
ولا يتلقى بشيء من هذا القسم (٧).
قلت: قد أشار المصنف إلى هذه الصور النادرة بقوله: (لا تكاد)
قوله: (وأختها " أما " التي هي من طلائع القسم)
قال الطيبي: جمع طليعة، وهي ما يتقدم الجيش، فاستعيرت هنا للمقدمة (٨).
قوله: (وما مصدرية - أو كافة مثلها في ربما)
قال أبو حيان: تبعه في ذلك أبو البقاء (٩).
стр. 396
وينبغي أن لا تجعل كافة إلا في المكان الذي لا تتقدر فيه مصدرية؛ لأن إبقاءها مصدرية مبق للكاف على ما استقر فيها من العمل، وتكون الكاف إذ ذاك مثل حروف الجر الداخلة على " ما " المصدرية، وقد أمكن ذلك في (كما آمن الناس) فلا ينبغي أن تجعل كافة (١).
وذكر مثل ذلك ابن هشام (٢)، والحلبي (٣)، والسفاقسي (٤).
وعبر عن الأخير بقوله: وأيضاً فإن غيرها من حرف الجر إذا دخل على " ما " قدرت معه مصدرية، فكذلك الكاف.
واستحسنه الشيخ بدر الدين ابن الدماميني في " حاشية المغني (٥) "
ْوفي الحاشية المشار إليها: الأحسن أن يقال في " ما ": إنها كافة مهيئة؛ لأنها دخلت على ما يجوز أن يعمل بها الجر.
وقال الشيخ أكمل الدين: أعترض على جعلها كافة بأنه لا ضرورة تدعو إلى ذلك؛ لأن جعلها مصدرية مبق للكلام على ما عهد لها من العمل (٦).
وأجيب بأن الكافة أيضاً معهودة، فجاز الحمل عليها.
وقال الشريف: إن كانت " ما " كافة عن العمل، مصححة لدخولها على الجملة كان التشبيه بين مضموني الجملتين: أي حققوا إيمانكم كما تحقق إيمانهم.
وإن كانت مصدرية فالمعنى: آمنوا إيمانا مشابها لإيمانهم (٧).
قوله: (واللام في الناس للجنس، والمراد به الكاملون في الإنسانية) إلى آخره مأخوذ هو من كلام الراغب قال: كل اسم نوع فإنه يستعمل على وجهين:
أحدهما: فى دلالة على المسمى، وفصلا بينه وبين غيره.
والثاني: لوجود المعنى المختص به، وذلك هو الذي يمدح به في نحو:
стр. 397
. . . . . . . . . . . . إِذِ النَّاسُ ناسٌ، والزُّمانُ زَمانُ.
وذلك أن كل ما أوجده الله تعالى في هذا العالم جعله صالحا لفعل خاص، ولا يصلح لذلك العمل سواه، فالفرس للعدو الشديد، والبعير لقطع الفلاة البعيدة، وعلى ذلك الجوارح كاليد، والرجل، والعين.
والإنسان أُوجدَ لأن يعلم، ويعمل بحسبه، فكل شيء لم يوجد كاملا لما خلق له لم يستحق اسمهَ مطلقا، بل ينفى عنه، كقولهم: فلان ليس بإنسان، أي لا يوجد فيه المعنى الذي قد خلق لأجله، فقوله تعالى (ومن الناس من يقول آمنا بالله) هو اسم جنس، لا غير، وقوله (كما آمن الناس) معناه كما يفعل من وجد فيه تمام معنى الإنسانية، الذي يقتضيه العقل والتمييز، وهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم (١).
قوله: (. . . . . . . . . . . . . . إِذ الناسُ ناسٌ، والزمانُ زمانُ)
أورده في " الحماسة البصرية " هكذا:
أَلا هَلْ إِلَىْ أجْبَالِ سَلْمَى بِذِي اللِّوَى. . . لِوَىْ الرَّمْلِ مِنْ قَبْلِ المَمَاتِ مَعَادُ
بِلادَ بِهَا كَنَّا وكُنَّا نُحِبُّهَا. . . إِذِ النَّاسُ نَاسٌ والِبلادُ بِلادٌ (٢)
ولم يسم قائله.
وقال في " الأغاني ": هو لرجل من عاد، فيما ذكر.
ثم أخرج عن حماد الراوية (٢) قال: حدثني ابن أخت لنا من مراد قال: وليت صدقات قوم من العرب، فقال لي رجل منهم: ألا أريك عجبا، فأدخلني في شعب من جبل، فإذا أنا بسهم من سهام عاد، من قنا، قد نشب في ذروة من الجبل، عليه مكتوب:
أَلا هَلْ إِلَى أَبْيَاتِ شَمْخٍ إِلَى اللِّوَى. . . لِوَى الرَّمْلِ يَوْماً لِلْنُّفُوسِ مَعَادُ
بِلادٌ بِهَا كُنَّا وكُنَّا مِنْ أهْلِهَا. . . إِذِ النُّاسُ نَاسٌ والبِلادُ بِلادُ
ثم أخرجني إلى ساحل البحر فإذا أنا بحجر عليه مكتوب: يا ابن آدم، يا عبد
стр. 398
ربه اتق الله، ولا تعجل في أمرك، فإنك لن تسبق رزقك، ولا ترزق ما ليس لك (١).
قوله: (أو للعهد، والمراد به الرسول ومن معه)
قلت: يؤيده ما أخرجه ابن جرير وغيره عن ابن عباس في قوله " كما آمن الناس " قال: أصحاب محمد (٢).
وقال أبو حيان: الأولى حملها على العهد، وأن يراد به ما سبق قبل قول ذلك لهم، فيكون حوالة على ما سبق إيمانه؛ لأنهم معلومون معهودون عند المخاطبين بالأمر بالإيمان (٣).
قوله: (من أهل جلدتهم)
قال الطيبي: أي جملتهم.
الجوهري: أجلادُ الرجل جسمه وبدنه (٤). كقولهم: فلان بضعة مني، وفي الحديث " لحمه لحمي ودمه دمي " (٥) أي هو مني ومن جملتي (٦).
قوله: (وأن الإقرار باللسان إيمان)
هذا ذكره الإمام، وأجاب عنه، فترك المصنف الجواب.
وعبارته: لقائل أن يستدل بهذه الآية على أن مجرد الإقرار إيمان، فإنه لو لم يكن إيمانا لما تحقق مسمى الإيمان إلا إذا حصل فيه الإخلاص، فكان قوله (آمنوا) كافيا في تحصيل المطلوب، وكان ذكر قوله (كما آمن الناس) لغواً
والجواب: أن الإيمان الحقيقي عند الله هو الذي يقترن به الإخلاص، أمَّا في الظاهر فلا سبيل إليه إلا بالإقرار الظاهر، فلا جرم افتقر فيه إلى تأكيده (كما آمن الناس) (٧).
قوله: (الهمزة فيه للإنكار)
стр. 399
قال الشيخ سعد الدين: أي لا يكون ذلك (١).
قوله: (واللام مشار بها إلى الناس)
قال الشريف: أي اللام في السفهاء للعهد، وهو الناس سواء أريد به معهودون، أو الجنس (٢).
قال الطيبي: ويتغير معنى السفهاء بتغير إرادة معنى الناس من كونه جنسا، أو عهدا (٣).
قوله: (أو الجنس بأسره)
قال الشيخ سعد الدين: أي جنس السفيه على ما يراه بعض الأصوليين من بطلان الجمعية، وتعين الجنسية، أو جنس السفهاء بوصف الجمعية على ما هو قانون العربية (٤).
قوله: (وإنما سمهوهم لاعتقادهم فساد رأيهم، أو لتحقير شأنهم) إلى قوله: (أو للتجلد وعدم المبالاة) إلى آخره
ذكر الطيبي: أن الأول مبني على أن اللام في " السفهاء " للجنس، وأن الثاني والثالث على أنها للعهد (٥).
وقال التفتازاني، والشريف: الأولان على تقديري العهد والجنس، وأما الثالث فمختص بالعهد.
زاد الشريف: أعني بكون اللام في (السفهاء) مشاراً بها إلى الناس، المراد به هؤلاء فقط، وإنما عطف ب " أو " لأن معنى كلامه أنهم أرادوا بالسفهاء جميع المؤمنين، وسموهم بذلك اعتقادا لأحد الوجهين، أو أرادوا به بعضهم، وسموهم بذلك تجلدا وترقيا مع علمهم بأنهم من السفه بمعزل (٦).
قوله: (وسخافة رأي)
هي الرقة، يقال: ثوب سخيف، أي غير صفيق.
стр. 400
قوله: (والحلم) هو الأناة.
قوله: (وإنما فصلت الآية)
قال القطب: بالتخفيف من الفصل، وبالتشديد من التفصيل (١).
وقال الطيبي: التفصيل من الفاصلة، كالتقفية من القافية، وفصلت الآية إذا جعل لها فاصلة (٢).
قوله: (لأنه أكثر طباقا، لذكر السفه)
زاد الإمام: وهو جهل، فطباقه العلم (٣).
وقال الطيبي: هو من باب المطابقة المعنوية؛ إذ لو كانت لفظية لقيل، لا يرشدون، فإن الرشد مقابل للسفه، أو قيل: ألا إنهم الجهلاء؛ ليقابل (لا يعلمون) (٤)
قوله: (ولأن الوقوف على أمر الدين) إلى آخره
قال الطيبي: تلخيص المعنى أن أمر الديانة أمر أخروي يحتاج إلى دقة نظر، فلذلك فصلت الآية التي اشتملت على الإيمان بقوله (لا يعلمون)
وأما أمر البغي والفساد فأمر دنيوي، فهو كالمحسوس المشاهد، لا يحتاج إلى دقة نظر، فلذلك فصلت الآية ب (لا يشعرون) (٥)
الراغب: أصل الشعور من الشعر، ومنه الشعار الثوب الذي يلي الجسد، وشعرت كذا يستعمل على وجهين:
تارة يؤخذ من مس الشعر، ويعبر به عن اللمس، وعنه استعمل المشاعر للحواس، فإذا قيل: فلان لا يشعر فذلك أبلغ في الذم من قولهم: إنه لا يسمع ولا يبصر؛ لأن حس اللمس أعم من حس السمع والبصر.
وتارة يقال: شعرت كذا، أي أدركت شيئا، وقالوا: فلان يشق الشعر في كذا إذا دقق النظر فيه، ومنه أخذ الشاعر؛ لإدراكه دقائق المعاني (٦).
فظهر أن شعرتُ يستعمل بمعنى أحسست، وبمعنى أدركت، وفطنت.
стр. 401
فقوله (وما يشعرون) في الآية الأولى نفي الإحساس عنهم، وفي هذه الآية نفي الفطنة؛ لأن معرفة الصلاح والفساد يدرك بالفطنة.
وفي الآية التي بعدهما نفي العلم، وفي نفيهما على هذه الوجوه تنبيه لطيف، ومعنى دقيق، وذلك أنه بين في الأول أن في استعمالهم الخديعة نهاية الجهل الدال على عدم الحس، وفي الثاني أنهم لا يفطنون تنبيها على أن ذلك أيضا لازم لهم؛ لأن من لا حس له لا فطنة له، وفي الثالث أنهم لا يعلمون تنبيها على أن ذلك أيضاً لازم لهم؛ لأن من لا فطنة له لا علم له (١).
* * *
قوله: (فليس بتكرير)
قال الشريف: يريد أنه إذا نظر إلى جزاء الشرطية الأولى - أعني (قالوا آمنا) - توهم أن هناك تكرارا، مع قوله أول قصة المنافقين (ومن الناس من يقول آمنا)
وإذا لوحظ أنه مقيد بلقائهم المؤمنين، وأن الشرطية الثانية معطوفة على الأولى، لا على أن كلا منهما شرطية مستقلة كالشرطيتين السابقتين، بل على أنهما بمنزلة كلام واحد، ظهر أن هذه الآية سيقت لبيان معاملتهم مع المؤمنين وأهل دينهم، كما أن صدر القصة مسوق لبيان نفاقهم، فاضمحلَّ ذلك التوهم (٢).
قوله: (روي أن ابن أُبَيِّ وأصحابه استقبلهم نفر من الصحابة) الحديث
أخرجه الثعلبي، والواحدي من طريق السدي الصغير (٣)، عن الكلبي، عن أبي صالح (٤)، عن ابن عباس (٥).
قال الحافظ ابن حجر في كتابه " أسباب النزول ": أبو صالح ضعيف، والكلبي متهم بالكذب، والسدي الصغير كذاب.
стр. 402
قال: وهذا الإسناد سلسلة الكذب، لا سلسلة الذهب.
قال: وآثار الوضع لائحة على هذا الكلام، وسورة البقرة أنزلت في أوائل ما قدم النبي ﷺ المدينة، كما ذكره ابن إسحاق وغيره.
وعليٌّ إنما تزوج فاطمة رضي الله تعالى عنها في السنة الثانية من الهجرة. انتهى.
قوله: (واللقاء المصادفة) إلى آخره.
الراغب: اللقاء مقابلة الشيء ومصادفته معا، وقد يعبر به عن كل واحد منهما (٢).
الإمام: اللقاء أن تستقبل الشيء قريبا منه (٣).
قوله: (من خلوت بفلان، وإليه، إذا انفردت معه)
الراغب: خلا فلان بفلان صار معه في خلاء، وخلا إليه، انتهى إليه في خلوته (٤).
قوله: (أو من خلوت به إذا سخرت منه، وعدي ب " إلى " لتضمنه (٥) معنى الإنهاء)
أي على هذا الوجه.
قال في " الكشاف ": " ومعناه إذا أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم، وحدثوهمْ بها، كما تقول: أحمد إليك فلانا، وأذمه إليك (٦) "
قال الشيخ سعد الدين، والشريف: أي أنهي حمده وذمه إليك.
قالا: وهذا بيان لحاصل المعنى.
وأما تقدير الكلام: فهو هكذا: (واذا خلوا) أي سخروا منهين إليهم (٧).
قال أبو حيان: يتعدى خلا بالباء، وبـ " إلى " والباء أكثر استعمالا، وعدل إلى
стр. 403
" إلى " لأنها إذا عديت بالباء احتملت معنيين:
أحدهما: الانفراد.
والثاني: السخرية؛ إذ يقال في اللغة: خلوت به، أي سخرت منه، و " إلى " لا يحتمل إلا معنى واحدا.
و " إلى " هنا معناها انتهاء الغاية، على معنى تضمين الفعل، أي صرفوا خلاهم إلى شياظينهم، وقيل: يقال: خلوت إليه إذا جعلته غاية حاجته (١).
قوله: (والمراد بشياطينهم الذين ماثلوا الشياطين) إلى آخره
قال القطب: فهو استعارة، وإضافة الشياطين إليهم قرينة الاستعارة (٢).
قوله: (ومن أسمائه الباطل)
قال الشريف: نوع تقوية للاشتقاق (٣)
قوله: (خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية) إلى آخره
قال الشيخ سعد الدين: يعني أن قولهم للمؤمنين (آمنا) كلام مع المنكر، وقد ترك التأكيد، وقولهم لشياطينهم (إنا معكم) كلام مع غير المنكر، وقد أكد بـ " إنّ " واسمية الجملة، مع أن مقتضى البلاغة عكس ذلك.
والجواب: أن ترك التأكيد كما يكون لعدم الإنكار فقد يكون لعدم الباعث والمحرك من جهة المتكلم، ولعدم الرواج والقبول من جهة السامع، وكذلك التأكيد كما يكون لإزالة الشك، ونفي الإنكار من السامع، فقد يكون لصدق الرغبة، ووفور النشاط من المتكلم، ونيل الرواج والقبول من السامع، فلذا جاء (آمنا) بالجملة الفعلية من غير تأكيد، و (إنا معكم) بالجملة الاسمية مؤكدة ب " إنّ " (٤).
قوله: (تأكيد لما قبله) إلى آخره.
قال الشريف: لا شبهة في أن معنى قولهم (إنا معكم) هو الثباب على اليهودية، وليس (إنما نحن مستهزؤون) بظاهره تقريرا وتأكيدا لهذا المعنى، فاعتبر منه لازما يؤكده، وهو أنه رَد ونَفيٌ للإسلام، فيكون مقررا للثبات عليها؛ لأن رفع نقيض الشيء
стр. 404
تأكيد لثباته (١).
قوله: (أو بدل منه) إلى آخره
قال الشريف: بيانه أنهم قصدوا تصلبهم في دينهم، وكان في الكلام الأول نوع قصور عن إفادته؛ إذ كانوا في الظاهر يوافقون المؤمنين في بعض الأمور، فاستأنفوا القصد إلى ذلك بأنهم يعظمون كفرهم بتحقير الإسلام وأهله، فهم أرسخ قدما فيه من شياطينهم.
قال: والحمل على الاستئناف أوجه، لكثرة الفائدة، وقوة المحرك للسؤال.
قال: وهذه الوجوه الثلاثة بيان لترك العاطف بين الجملتين في كلامهم (٢).
قال الطيبي: الفرق بين هذا الوجه - وهو البدل - وبين الأول - وهو كونه تأكيدا - أنه اعتبر في الأول مفهوم الثاني، لتقرير المعنى الأول، واعتبر في هذه العبارةُ والمفهومُ معا، ولا بعد فيه؛ لأن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة (٣).
وقال الشيخ سعد الدين: لما لم يكن ظاهر كونهم مستهزئين تكريرا وتقريرا لموافقتهم الشياطين في الثبات على اليهودية أخذ منه لازما جعله باعتباره تقريرا وتأكيدا، وهو أنه نفي ورد للإسلام، فيكون إثباتا وقبولا للكفر، فيكون تأكيدا.
وأما البدل فلا يحتاج إلى اعتبار أخذ اللازم في أحد الجانبين، ويكفي تصادق الثابت على الباطل، والمستهزئين بالحق مع كون الثاني أوفى بالمقصود؛ لما في الأول من بعض القصور، حيث يوافقون المسلمين في بعض الأمور.
ثم الظاهر أنه بمنزلة بدل الكل.
وأرباب البيان لا يقولون بذلك في الجملة التي لا محل لها، ويعنون بما لا محل له ما لا يكون خبرا، أو صفة، أو حالا، وإن كان في موقع المفعول المقول، فلذا كان الأوجه الاستئناف، لظهور مظنة السؤال (٤). انتهى.
وفي الحاشية المشار إليها: لا يريد البدل الذي هو أحد التوابع الخمسة، فإن ذلك لا يكون في الجمل الاسمية، وقد جاء في الجمل الفعلية، في قوله تعالى (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ) [سورة الفرقان ٦٨] قوله:
стр. 405
(يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ) بدل من قوله (أَثَامًا)
ومراده بالبدل هنا أن الجملة الثانية - وهي قوله (إنما نحن مستهزؤون) - تحل محل قوله (إنا معكم) وتسد مسدها، وتغني عنها غناء البدل عن المبدل منه.
* * *
قوله: (والاستهزاء السخرية)
قال الإمام: حده أنه عبارة عن إظهار موافقة مع إبطان ما يجري مجرى السوء، على طريق السخرية (١).
الراغب: الاستهزاء طلب الهزء، والهزء مزح في خفية (٢).
قوله: (سمي جزاء الاستهزاء باسمه، كما سمي جزاء السيئة سيئة)
قال الشيخ سعد الدين: تسمية جزاء الشيء باسمه كثير في الكلام، إلا أنه مشكل من جهة المعنى.
وهو استعارة حيث أطلق الاستهزاء على ما يشبه صورته صورته، وهو مشاكلة (٣).
وقال الشريف: وجهه ما بين الفعل وجزائه من ملابسة قوية، ونوع سببية مع وجود المشاكلة المحسنة هاهنا (٤).
قوله: (أو ينزل بهم الحقارة والهوان)
قال الشيخ سعد الدين: يعني أنه مجاز عما هو بمنزلة الغاية للاستهزاء، فيكون من إطلاق السبب على المسبب نظرا إلى التصور، وبالعكس نظرا إلى الوجود (٥).
قال الشريف: فيكون من قبيل المجاز المرسل، لعلاقة السببية في التصور، والمسببية في الوجود.
والفائدة المخصوصة بهذا المجاز التنبيه على أن مذهبهم حقيق بأن يسخر منه، ويسخر بهم لأجله (٦).
قوله: (أو يعاملهم معاملة المستهزئ) إلى آخره
стр. 406
قال الطيبي: شبه صورة صنع الله من إجراء أحكام المسلمين عليهم في الظاهر - وهو مبطن بادخار العذاب - بصورة صنع الهازئ مع المهزوء به، وهو من الاستعارة التبعية (١)
قوله: (وأما في الآخرة فبأن يفتح لهم - وهم في النار - باباً إلى الجنة) إلى آخره
قلت: هذا مأخوذ من حديث أخرجه ابن أبي الدنيا في " كتاب الصمت " عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : " إن المستهزئين يفتح لأحدهم باب من الجنة، فيقال: هلم هلم، فيجيء بكربه وغمه، فإذا جاء أغلق دونه، ثم يفتح لهم باب آخر، فيقال له: هلم هلم، فيجيء بكربه وغمه، فإذا أتاه أغلق دونه، فما يزال كذلك حتى إن الرجل ليفتح له الباب، فيقال: هلم لهم، فما يأتيه "
مرسل جيد الإسناد (٢).
قوله: (وإنما استؤنف به، ولم يعطف) إلى آخره
قال الشريف: أي ليس ترك العطف فيه لرفع توهم كونه معطوفا على (إنا معكم)
فيندرج حينئذ في مقول المنافقين، أو على (قالوا) فيتقيد بالظرف، أعني (إذا
стр. 407
خلوا) بل هو لكونه استئنافا (١).
قوله (لا يؤبه به)
في " الصحاح ": لا يبالى به (٢). وفي " النهاية ": أي لا يحفل به؛ لحقارته (٣).
قوله: (إيماء بأن الاستهزاء يحدث حالا فحالا)
قال الطيبي: أي على الاستمرار.
قال: وإفادة الفعل المضارع ذلك من اقتضاء المقام، فإنك إذا قلت في مقام المدح: فلان يقري الضيف، ويحمي الحريم، عنيت أنه اعتاده واستمر عليه، لا أنك تخبر عنه بأنه سيفعله، فكذا أنه تعالى يخبر أن معاملة هؤلاء القوم إنما تقع على هذه الحالة، وإليه الإشارة بقوله: " وهكذا كانت نكايات الله فيهم " (٤).
قال: ويمكن أن يقال: إن هذا الاستمرار أبلغ من الدوام الذي يعطيه معنى الجملة الاسمية؛ لأن النفس إذا اعتادت الشيء ألفته، ولا تحب مفارقته.
قال:
أَلِفْتُ الضَّنَا مِمَّا تَطَاوَلَ مُكثُهُ. . . فَلَوْ زَاْلَ عَنْ جِسْمِيْ بَكَتْهُ الجَوَارِحُ (٥)
قوله: (نكايات الله)
في " النهاية ": نكيت في العدو أنكي نكاية: إذا أكثرت فيه الجراح والقتل، فوهنوا لذلك (٦).
قوله: (من مد الجيش، وأمده)
ظاهره أن مدَّ، وأمدَّ واحد، وهو أحد المذاهب في المسألة، واختيار الزمخشري (٧).
والثاني: أن مد يستعمل في الشر، وأمد في الخير، نحو (ونمد له من العذاب مدا) [سورة مريم ٨١] (وأمددناهم بفاكهة) [سورة الطور ٢٣]
стр. 408
والثالث: أن مدّ لما كان من نفسه، وأمد لما كان من غيره، وهو اختيار ثعلب (١).
قوله: (والسماد) هو سرجين ورماد. قاله في " الصحاح " (٢).
قوله: (ويدل عليه قراءة ابن كثير (ويمدهم) ليست هذه القراءة في السبعة.
قوله: (ألطافه) جمع لطف
قال الطيبي: قال نجم الدين الزاهدي الخوارزمي (٣) في " كتاب الصفوة ": اللطف في عرف المتكلمين: هو ما يختار عنده المكلف الطاعة تركا وإتيانا، ثم إن اللطف إذا كان محصلا للواجب يسمى توفيقا، وإذا كان محصلا لترك القبيح يسمى عصمة، وإذا كان مقربا من الواجب، أو ترك القبيح يسمى لطفا مقربا.
قال: وفي " شرح مقامات المصنف ": الألطاف عند المتكلمين هي المصالح، وهي الأفعال التي عندها يطيع المكلف، أو يكون أقرب من الطاعة على سبيل الاختيار، ولولاها لم يطع، أو لم يكن أقرب، مع تمكنه في الحالين، والواحد لطف بضم اللام وسكون الطاء (٤).
وقال أهل السنة والجماعة في " مسألة خلق الأفعال ": إن لله تعالى لطفاً لو فعله بالكفار لآمنوا اختيارا، غير أنه لم يفعل، وهو في فعله متفضل، وفي تركه عادل.
وقال أبو القاسم القشيري (٥) في " كتاب مفاتيح الحجج ومصابيح النهج ": اللطف قدرة الطاعة على الصحيح، ويسمى ما يقرب العبد إلى الطاعة، ويوصل إلى الخير أيضاً لطفا.
قوله: (والطغيان) إلى قوله: (وأصله تجاوز الشيء عن مكانه)
стр. 409
قال الراغب: الفرق بين عدا، وطغى، وبغى أن العدوان تجاوز المقدار المأمور بالانتهاء إليه والوقوف عنده، وعلى ذلك قال (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه) [سورة البقرة ١٩٤] أي من تجاوز معكم المقدار المأمور بالانتهاء إليه فتجاوزوا معه قدره، لتكون العدالة محفوظة في المجازاة.
وأما الطغيان فتجاوز المكان الذي وقفت فيه، ومن أخَلَّ بمَا عيِّنَ له من المواقف الشرعية، والمعارف العقلية، فلم يرعها فيما يتحرَاه ويتعاطاه فقد طغى، وعلى ذلك (لما طغى الماء) [سورة الحاقة ١١] أي تجاوز الحد الذي كان عليه من قبل.
والبغي طلب تجاوز قدر الاستحقاق، تجاوزه أم لم يتجاوزه، وأصله الطلب، ويستعمل في التكبر؛ لأن المتكبر طالب منزلة ليس لها بأهل (١).
قوله: (والعَمَهُ في البصيرة كالعمى في البصر)
ظاهره اختصاص كل بما ذكر، وهو الذي ذكره ابن عطية (٢)، وكلام الإمام بخلافه، حيث قال: العمه مثل العمى إلا أن العمى عام في البصر والرأي، والعمه في الرأي خاصة، وكذا في " المفردات " للراغب (٣).
قوله: (قال:. . . . أَعْمَى الهُدَى بِالجَاهِلِيْنَ العُمَّهِ (٤))
هو لرؤبة يصف مضلة، وقبله:
ومَخْفِقٍ مِنْ لُهْلُهٍ ولُهْلُهِ (٥). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
ومَهْمَهٍ أطْرَافُهُ فِيْ مَهْمَهٍ (٦). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
المهمه المفازة، أراد أنها لا تنتهي سعة، بل أطرافها من جوانبها في مفازة أخرى.
стр. 410
وأعمى قيل: فعل ماض، أي أخفى طرق الهداية، وقيل: صفة من عَمِىَ الأَمْرُ: التبس، أي ملتبس الهداية، أي طرقها على من يجهل ويتحير فيها.
وقال الشريف: أي خَفِيُّ المنار بالقياس إلى من لا دراية له بالمسالك، جعل خفاء العلم عمى بها بطريق الاستعارة (١).
وقال الطيبي العُمَّهُ جمع عَمِهٍ، وعَامِهِ، أي المهمه طريقة مشتبهة على الغبي، إذ ليس فيه جادة، أو منار يهتدى به (٢).
قوله: (ومنه:
أَخَذْتُ بالجُمَّةِ رَأساً أَزْعَرَا. . . وبِالثَّنَايَا الوَاضِحَاتِ الدُرْدُرَا
وبِالطَّوِيْلِ العُمرِ عُمْراً جَبْذَرَا. . . كَمَا اشتَرَى المُسْلِمُ إِذْ تَنَصَّرَا) (٣)
هو لأبي النجم (٤) الباء للبدل. والجمة بالضم مجتمع شعر الرأس. والأزعر الأصلع الذي قلّ شعره. والدردر بضم الدالين المهملتين مغرز الأسنان الساقطة الباقية الأصول. والعمر عطف بيان للطويل. والجبذر بالجيم، والموحدة، والذال المعجمة القصير. والمسلم الذي اشترى النصرانية بالإسلام جبلة بن الأيهم (٥).
وفي الحاشية المشار إليها: معنى البيتين أنه استبدل بالشعر الطويل شعرا قصيرا، وبالثنايا البيض الصحيحة أسنانا مهتمة مكسرة الأطراف، وبالشابة التي يرجى لها طول العمر كبيرة على فم حفرتها.
وموضع الاستشهاد منه قوله:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كما اشترى المسلم. . . . . .
стр. 411
أي اشترى النصرانية بالإسلام حين تنصر.
قال أبو بكر ابن الأنباري في كتاب " الأضداد ": قال بعض أهل اللغة: كل من آثر شيئا على شيء فالعرب تجعل الإيثار له بمنزلة شرائه، واحتجوا بقول الشاعر. وذكر هذين البيتين (١).
* * *
قوله: (ترشيح للمجاز)
قال الشيخ سعد الدين: هو من رشح الأم ولدها باللبن القليل، تجعله في فيه شيئا بعد شيء إلى أن يقوى على المص، وفلان يرشح للوزارة: أي يربى، ويؤهل لها (٢). كذا في " الصحاح ".
وفي " الأساس ": فلان يرشح للخلافة. وأصله ترشيح الظبية ولدها، تعوده بالمشي، فيرشح، وغزال راشح، ورشح إذا مشى ونزا (٣).
ومعناه عندهم أن يقرن بالمجاز صفة، أو تفريع كلام يلائم المعنى الحقيقي، وأكثر ما يكون في الاستعارة، كقولك: جاوزت بحرا يتلاطم أملاجه، وقد يكون في المجاز المرسل، كقولهم: له اليد الطولى، أي القدرة الكاملة.
قال: وقد ذكرنا في " شرح التلخيص " نبذا من الكلام في أن اللفظ الدال على الترشيح حقيقة، أو مجاز، وفي الفرق بينه وبين الاستعارة التخييلية؛ إذ في كل منهما إثبات لوازم المستعار منه وملائماته.
وأما اشتبهاهه بالاستعارة بالكناية فلا يخطر ببال من له مسكة في علم البيان، لكن ينبغي أن يكون متحققا عندك أن الترشيح إنما يكون بعد تمام الاستعارة بالقرينة في التصريحية، وبالتخييل في المكنية، وأنه قد يكون مجازا عن الشيء، وقل لا يكون (٤).
قوله: (وَلما رَأَيْتَ النَّسْرَ عَزَّ ابنَ دَاْيَةَ. . . وَعَشْعَشَ فِيْ وَكْرَيْهِ جَاشَ لَهُ صَدْرِيْ (٥))
قال الطيبي: النسر طائر، وابن داية الغراب.
стр. 412
استعار للشيب النسر، وللشباب الغراب، ثم رشحهما بالوكرين، وهما الرأس واللحية (١).
وقال الشيخ سعد الدين: معنى عَزَّ غلب. وجاش اضطرب. والوكران استعارة للرأس واللحية، أو للفودين أعني جانبي الرأس. والتعشيش للحلول والنزول، وهو ترشيح، والتعشيش أخذ العش، وعش الطير موضعه الذي يأخذه من دقاق العيدان وغيرها للتفريخ، وهو في أفنان الشجر، فإذا كان في جدار، أو جبل، أو نحوهما فهو وكر (٢).
وقال الشريف: استعار لفظ " النسر " للشيب، ولفظ " ابن داية " - وهو الغراب - للشعر الأسود، ورشح الاستعارتين بذكر التعشيش، وذكر الوكر.
واستعير لفظ الوكرين من معناه الحقيقي للرأس واللحية، أو للفودين، ولفظ التعشيش للحلول والنزول فيهما مع كونهما مستعارين، ترشيحا لتينك الاستعارتين، لا باعتبار المعنى المقصود بهما، بل باعتبار لفظهما، ومعناهما الأصلي (٣).
قوله: (يسمى شفا) بكسر المعجمة وتشديد الفاء.
في " الصحاح ": الشف بالكسر الفضل والربح، الشف أيضاً النقصان، وهو من الأضداد (٤).
قوله: (لما جاء بحقيقة حالهم عقبه) إلى آخره
قال الطيبي: يعني أن قوله تعالى (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر) إلى هنا جار مجرى الصفات الكاشفة عن حقيقة المنافقين، فلما فرغ منها عقبها ببيان تصوير تلك الحقيقة، وإبرازها في معرض المشاهد المحسوس تتميما للبيان (٥).
قوله: (لأنه يريك المتخيل متحققا، والمعقول محسوسا)
قال القطب: وهاهنا دقيقة أخرى أنيقة، وهي أن المعاني التي يراد تفهمها ربما
стр. 413
تكون معقولة صرفة، فالوهم ينازع العقل في إدراكها، حتى يحجبها عن العقل، فيضرب لها الأمثال، فيبرزها في معرض المحسوسات؛ ليساعد الوهم العقل في إدراكها؛ لأن شأن الوهم إدراك المحسوس والمحاكاة، ولهذا يبكت الخصم الألد بضرب المثل؛ لأن خصومته بسبب انقياده للوهم، ونُبُوُّ الوهم عن طاعة العقل، فإذا توافقا زالت الخصومة، لا محالة (١).
قوله: (ثم قيل للقول السائر)
قال الطيبي: ثم نقل هذا المعنى إلى القول السائر، أي المشهور الدائر بين الناس، الذي هو كالعلم للتشبيه، ولأجل كونه علما للتشبيه حوفظ عليه، وحمي عن التغيير.
قال الميداني: حقيقة المثل ما جعل كالعلم للتشبيه بالحال الأولى، قال كعب (٢):
كَانَتْ مَوَاعِيْدُ عُرْقُوْبٍ لَهَا مَثَلاً. . . وَمَا مَوَاعِيْدُها إَلاّ الأَبَاطِيْلُ (٣)
قوله: مواعيد عرقوب علم لكل ما لا يصح من المواعيد (٤)، والأعلام لا تغير (٥).
وقال الشيخ سعد الدين: السائر أي الفاشي الممثل موضع ضربه بموضع وروده.
قال: وهذا معنى قولهم: الاستعارة التمثيلية متى فشا استعمالها سميت مثلا (٦).
وقال الشريف: أي نقل من معناه اللغوي، إلى معنى آخر عرفي، يتفرع عليه معنى ثالث مجازي.
стр. 414
قال: والسائر هو الفاشي، ويعتبر فيه مع الفشو أن يكون تشبيها تمثيليا، على سبيل الاستعارة.
وإنما سمي مثلا لأنه جعل مضربه - وهو ما يضرب فيه ثَانِياً - مثلا لمورده - وهو ما ورد فيه أولاً (١) -.
وقال القطب: الفرق بين المثل والاستعارة التمثيلية أن في المثل شهرة بحيث يصير علما للحال الأولى التي هي المورد، بخلاف الاستعارة التمثيلية، فكل مثل استعارة تمثيلية، وليست كل استعارة تمثيلية مثلا (٢).
* * *
قوله: (المثل مضربه بمورده)
قال الطيبي: مورد المثل هو الحال التي صدر فيها المثل عن مرسله ما ومضربه الحال التي شبهت بها، أي شبه حالة مضربه بحالة مورده.
مثاله: قولهم: " في الصيف ضَيَّعَتِ اللَّبَنَ " مورد المثل هو أن دختنوس بنت لقيط بن زرارة كانت تحت عمرو بن عمرو، وكان شيخا كبيرا فكرهته (٣) فطلقها، ثم تزوجها فتى، وأجدبت، فبعثت إلى عمرو تطلب منه حلوبة، فقال عمرو: " في الصيف ضيعت اللبن " فذهبت مثلا (٤).
ومضرب المثل حصول حالة من يطلب شيئا قد فوته على نفسه في أوانه؛ لأن فحواه مشابه لذلك، فيستعار المثل بعينه من غير تغيير، وهو تذكير صيغة " ضيعت " لاستعماله في المذكر، بل يورد هكذا على صيغة المؤنث، وإلا لم يكن عارية لذلك (٥).
قوله: (ولا يضرب إلا لما فيه غرابة)
في " الغريب المصنف ": كلام نادر غريب خارج عن المعتاد.
وقال الطيبي: اعلم أن غموضة الكلام وكونه نادرا إما أن يكون بحسب المعنى، أو اللفظ.
أما الأول: فأن يرى فيه أثر التناقض، أو التنافي ظاهرا.
стр. 415
مثال الأول - في غير المثل - قوله تعالى (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) [سورة الأنفال ١٨] فأثبت الرمية لرسول الله ﷺ ؛ لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه؛ لأن أثرها فعل الله ، وكأنَّ الله هو فاعل الرمية على الحقيقة.
وقوله تعالى (ولكم في القصاص حياة) [سورة البقرة ١٨٠] للحياة قال الزمخشري: كلام فصيح؛ لما فيه من الغرابة، وهو أن القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل ظرفا ومكانا للحياة (١).
وفي المثل قول الحكم بن عبد يغوث: " رُبَّ رَمْيَةٍ مِنْ غَيْرِ رَام (٢) " أثبت الرمية، ونفى الرامي.
ومثال الثاني: ما في الحديث: " إن من البيان لسحرا (٣) " حكم بأن بعض البيان سحر، والمشبه مباح مندوب، والمشبه به حرام محظور.
وأما الثاني فإما أن يحصل فيه ألفاظ نادرة لا تستعملها العامة، نحو قول حباب بن المنذر (٤): " أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب (٥) " يضرب في المجرب الذي يستشفى برأيه وعقله، أو أن يكون فيه حذف، أو إضمار، كما في قوله: " رب رمية من غير رام " أي رب رمية مصيبة من رام مخطئ، أو مراعاة للمشاكلة، نحو: " كما تدين تدان " أي كما تجازي تجازى، أي كما تعمل تجازى، فسمى الابتداء جزاء، إلى غير ذلك.
وروى الميداني عن إبراهيم النظام (٦) قال: يجتمع في المثل أربع لا تجتمع
стр. 416
في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية.
وزاد ابن المقفع (١): والوسعة في شعوب الحديث (٢).
قوله: (ولذلك حوفظ عليه من التغيير)
قال الشيخ سعد الدين: ظاهره أن المحافظة على الأمثال وعدم تغييرها من جهة اشتمالها على غرابة.
والأظهر أن ذلك من جهة أن المثل استعارة، فيجب أن يكون هو اللفظ الدال على المشبه به (٣).
وقال الشريف: الأظهر - كما في " المفتاح " - أن المحافظة على المثل إنما هي بسبب كونه استعارة، فيجب لذلك أن يكون هو بعينه لفظ المشبه به، فإن وقع تغيير لم يكن مثلا، بل مأخوذا منه، وإشارة إليه، كما في قوله: " الصيف ضيعتَ اللبن " على صيغة التذكير (٤).
قوله: (ثم استعير لكل حال، أو قصة، أو صفة لها شأن وغرابة)
حاصله أن للمثل مفهوما لغويا، وهو النظير، وعرفيا، وهو القول السائر، ثم معنى مجازيا، وهو الحال الغريبة، استعير المثل لها لعلاقة الغرابة، فإن القول لا يكون سائرا إلا إذا كان فيه غرابة.
قوله: (والذي بمعنى الذين) إلى آخره
جواب سؤال مقدر تقديره: كيف مثلت الجماعة بالواحد؟
وحاصل ما أجاب به أوجه: استعمال الذي في موضع الذين على طريقة الحذف والتخفيف، أو إرادة الجنس، فلا يختص بالواحد؛ ليلزم المحذور، أو جعل موصوفه لفظا مفردا دالا على معنى الجماعة، كالفوج.
وبقي رابع ذكره الإمام، وقال: إنه أقوى الأجوبة، وهو أن المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد، وإنما شبهت قصتهم
стр. 417
بقصة المستوقد.
ومثله (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار) [سورة الجمعة ٦] (ينظرون إليك نظر المغشي عليه (١)) [سورة محمد ٢١]
وهذا مذكور في " الكشاف (٢) " في ذيل الكلام.
وقال الشيخ سعد الدين: لا خفاء في أنه لا يتوجه هذا السؤال بعد ما ذكر أن المثل مستعار للحال العجيبة الشأن، وأن المعنى أن حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد نارا، ولهذا قال (٣) آخراً " على أن المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد، حتى يلزم تشبيه الجماعة بالواحد ".
وقال أبو حيان: من زعم " أن الذي " هنا هو " الذين " وحذفت النون لطول الصلة فهو خطأ؛ لإفراد الضمير في الصلة، ولا يجوز الإفراد للضمير؛ لأن المحذوف كالملفوظ، ألا ترى جمعه في قوله تعالى (وخضتم كالذي خاضوا) [سورة التوبة ٧٠]
قال: والذي نختاره أنه أفرد لفظا وإن كان في المعنى نعتا لما تحته أفراد، فيكون التقدير: كمثل الجمع الذي استوقد نارا (٤).
قوله: (كما في قوله (وخضتم كالذي خاضوا)
فرق ابن عطية بين الآيتين بأن (الذي استوقد) وصف للذات، و (كالذي خاضوا) وصف لمصدر محذوف، تقديره كالخوض الذي خاضوا، فهو على بابه في الإفراد (٥)، ونحا إليه القطب (٦).
قوله: (وإنما جاز ذلك، ولم يجز وضع القائم موضع القائمين)
قال القطب: التخفيف في باب الذي مطلوب، بخلاف باب القائم
стр. 418
والقائمين؛ لأمور: كونه وضع وصلة إلى وصف المعارف بالجمل، فهو ليس مطلوبا بالذات، بل آلة للوصف بالمعارف، والآلة كلما كانت أخف كانت أحسن.
وأن باب الذي كثير الوقوع في كلام العرب، وما كان أكثر وقوعا فهو جدير بالخفة.
وأنه مستطال بصلته، والاستطالة مؤدية إلى الملالة، فالاختصار مطلوب، وأنه نهك بالحذف للياء، ثم الكسرة، ثم الذال واللام (١).
قوله: (وليس الذين جمعه المصحح، بل ذو زيادة زيدت لزيادة المعنى)
قال السفاقسي: تعقب ذلك بأنه إنما هو صحيح من جهة اللفظ، وأما من جهة المعنى فهو كالجمع بالواو والنون من حيث إنه لا يكون واقعا إلا على ما اجتمعت فيه شروط ما يجمع بالواو والنون، فلا فرق بين الذين يفعلون وبين الفاعلين، لكن لما كان مبنيا التزم فيه طريقة واحدة إلا عند هذيل، فإنها أتت بها على صيغة الجمع بالواو والنون رفعا، والياء والنون نصبا وجرا، وكلهم التزم الجمع في الضمير العائد عليه من صلته، كالجمع (٢). انتهى.
والمتعقب هو أبو حيان (٣).
قوله: (ولذلك بولغ فيه فحذف ياؤه (٤)، ثم كسرته، ثم اقتصر على اللام في أسماء الفاعلين والمفعولين)
قال الحلبي: اعتقد (٥) كون " أل " الموصولة بقية " الذي " وليس كذلك، بل هي موصول مستقل، على أن الراجح من جهة الدليل أنها موصول حرفي.
قال: وليس لمرجح أن يرجح قوله بأنهم قالوا: إن الميم في قولهم: " مُ اللهِ " بقية " أَيْمُنٌ " فإذا انتهكوا " أيمن " بالحذف حتى صار على حرف واحد فأولى أن يقال ذلك فيما بقي على حرفين؛ لأن " أل " زائدة على ماهية " الذي " فيكونون قد حذفوا جميع الاسم، وتركوا ذلك الزائد عليه، بخلاف ميم " أيمن ".
وأيضاً فإن القول بأن الميم بقية " أيمن " قول ضعيف مردود، يأباه قول
стр. 419
الجمهور (١).
وقال السفاقسي: قوله: " إنهم اقتصروا به على اللام وحدها في أسماء الفاعلين والمفعولين " سبقه إليه غيره.
ورُدَّ بأن اللام لو كانت بقية " الذي " في اسم الفاعل والمفعول لكان لها موضع من الإعراب، ولما تخطّاها العامل إلى الصلة، ولجاز وصلها بالجملة، ك " الذي "
قال السفاقسي: ويمكن أن يجاب بأنها أشبهت لام التعريف، فلهذا لم يكن لها موضع من الإعراب، وتخطاها العامل، ولم تدخل على الجمل، كلام التعريف (٢).
قوله: (أو قصد به جنس المستوقدين)
في بعض الحواشي: يريد به أن اسم الجنس وإن كان مفردا في اللفظ فقد يعامل معاملة الجمع، فيوصف بالجمع، كقوله (عاليهم ثياب سندس خضرٍ) [سورة الدهر ٢٢] بكسر الراء.
فشبه هنا جماعة المستوقدين بجنس المستوقد؛ لأنه وإن كان مفردا فالمراد به الكثرة.
قوله، (أو (٣) الفوج الذي استوقد)
أي يقدر موصوفه لفظا مفردا معناه الجماعة، كلفظ الجمع والفوج ونحوهما.
قوله: (والاستيقاد طلب الوقود)
الأكثر على أن استوقد هنا بمعنى أو قد، لا على الطلب.
قوله: (وهو سطوع النار)
هو حدة الوقود. ذكره الإمام أخذا من الراغب (٤).
وفي " الصحاح ": سطع يسطع سطوعا: ارتفع (٥).
قوله: (واشتقاق النار من نار ينور)
زاد في " الكشاف ": " والنار جوهر لطيف مضيء، حار، محرق "
الراغب: النار يقال للهب الذي يبدو للحاسة، وللحرارة المجردة (٦).
стр. 420
قوله: (إن جعلتها متعدية)
قال أبو حيان: الأولى في الآية أن تكون (أضاءت) متعدية (١).
قوله: (أو إلى ضمير النار، وما موصولة في معنى الأمكنة نصب على الظرف)
قال الطيبي: أي أضاءت النار في الأمكنة التي حول المستوقد (٢).
قو له: (وتأليف الحول للدوران)
في بعض الحواشي: أن تركيب هذه الحروف كيف كانت تدل على هذا المعنى، كما قالوا: إن الميم والكاف واللام تدل على القوة، فمنه كمل، وكلم، وملك، ومكل، ولكم.
قال الشيخ سعد الدين: يقال: حال الشيء، واستحال، أي تغير، وحال عن العهد انقلب، وحال وتحول إلى مكان آخر، تحرك، وحال الإنسان عوارضه التي تتغير عليه، والحوالة الاسم، من أحال عليه بدينه، والحويل الاسم من حاولت الشيء أردته، والمحالة بالفتح الحيلة، والاستحالة الخروج عن الاستقامة (٣).
قوله: (ذهب الله بنورهم) جواب (لمّا)
هذا هو الذي اختاره أبو حيان، والأكثرون (٤).
وقال الشريف: إنه الظاهر إلا أن فيه مانعا لفظيا، وهو توحيد الضمير في (استوقد) و (حوله) وجمعه في (بنورهم) ومعنويا، وهو أن المستوقد لم يفعل ما يستحق به إذهاب النور، بخلاف المنافق، فجعله جوابا يجتاج إلى تأويل.
وقد نبه على إزالة المانع اللفظي بقوله: " وجمعه للحمل على المعنى "
والمعنوي بقوله: " وإسناد الإذهاب إلى الله تعالى " إلى آخره (٥).
قوله: (أو بدل من جملة التمثيل على سبيل البيان)
قال الطيبي: أي يكون تفسيرا لمجموع قوله (كمثل الذي استوقد نارا فلما
أضاءت ما حوله) خمدت، فبقوا متحيرين متحسرين؛ لأن حاصله وتلخيصه: ذهب الله بنور المنافقين، وتركهم في ظلمات لا يبصرون، والبدل - كما قد علم - كالبيان
стр. 421
والتفسير للمبدل منه (١).
وقال أبو حيان: جملة التمثيل - وهي (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا) اسمية، و (ذهب) فعلية، ولا تبدل جملة فعلية من اسمية اتفاقا، وإنما تبدل من فعلية.
وأيضاً فالبدل على نية تكرار العامل، والجملة الأولى لا موضع لها من الإعراب؛ لأنها لم تقع موقع المفرد، فلا تكون الثانية بدلا منها (٢).
وأجاب السفاقسي: بأنه لم يرد البدل الصناعي، وإنما أراد أن جملة (ذهب) مبينة لجملة المثل، وأطلق عليها اسم البدل لما كانت مبينة للأولى، كما أن البدل مبين للمبدل منه (٣).
قال: ثم له أن يمنع أن البدل على نية تكرار العامل، بل العامل في البدل هو العامل في المبدل منه، وهو ظاهر كلام سيبويه، ولو سلم فإنما ذلك حيث يكون المبدل منه عاملا، كما في المفردات، أو ما جرى مجراها، وإلا لامتنع عطف جملة على جملة لا موضع لها؛ لأن العطف أيضاً قد قيل: إنه على نية تكرار العامل، ولو لم يكن على نية تكرار العامل فهم يقولون: إن حروف العطف للتشريك في الإعراب، مع تسويغهم عطف جملة على جملة لا محل لها من الإعراب، فدل على أن ذلك حيث يكون للأول عامل. انتهى (٤).
وفي بعض الحواشي: ليس يعني به البدل النحوي التابع للأول في إعرابه، بل يعني به أن تكون الثانية مفسرة للأولى، قائمة مقامها في المعنى موضحة لها؛ لأنهم أشبهوا مستوقد النار في ذهاب نورهم بعد ظهوره.
قوله: (والجواب محذوف)
أي خمدت وانطفأت.
قوله: (كما في قوله تعالى (فلما ذهبوا به) [سورة يوسف ١٥] للإيجاز وأمن الإلباس).
عبارة " الكشاف ": " لاستطالة الكلام مع أمن الإلباس (٥) "
стр. 422
قال أبو حيان: ولا نسلم استطالة الكلام هنا، بخلاف قوله (فلما ذهبوا به) فإن الكلام طال بذكر المعاطيف على الفعل ومتعلقاتها (١).
قلت: ولذلك عدل المصنف عن ذكر الاستطالة إلى ذكر الإيجاز؛ لأن هذا القدر لا يرد عليه، كما هو واضح؛ إذ الإيجاز موجود في كل حذف، سواء كان في الكلام استطالة أم لم تكن.
ثم قال أبو حيان: وقوله: " مع أمن الإلباس " ممنوع، فأي أمن، ولا شيء يدل على المحذوف.؟
والذي يقتضيه ترتيب الكلام وصحته ووضعه مواضعه أن جوابه (ذهب الله بنورهم) فإذا جعل غيره الجواب مع قوة ترتيب ذهاب الله بنورهم على الإضاءة كان لغزا؛ إذ ترك شيءٌ يتبادر، وأضمر شيء يحتاج إلى وحي يسفر عنه؛ إذ لا دلالة على حذفه (٢). انتهى.
قوله: (ولذلك عدي الفعل بالباء دون الهمزة) إلى آخره.
ما ذكره من أن التعدية بالباء أبلغ من الهمزة ذكره المبرد (٣)، ثم السهيلي (٤)، ثم صاحب " المثل السائر ".
قال: من ذهب بشيء فقد أذهبه، وليس كل من أذهب شيئا فقد ذهب به؛ لأن قولنا: ذهب به يفهم منه أنه استصحبه معه، وأمسكه عن الرجوع إلى حالته الأولى، وليس كذلك أذهبه (٥).
وتوقف فيه صاحب " الفلك الدائر " باستوائهما في معنى التعدية (٦).
ورده الطيبي بأن ذلك لا يمنع أن تفيد مع التعدية معنى سواها، وليس النزاع إلا فيه، فإن الهمزة للإزالة، والباء للمصاحبة، وصاحب المعاني لا ينظر إلا إلى الفرق بينهما، واستعمال كل منهما في مقامه، لا إلى التعدية نفسها، فإن البحث عنها وظيفة النحوي (٧).
стр. 423
وقال أبو حيان: الباء عند جمهور النحويين ترادف الهمزة، فإذا قلت: خرجت بزيد، فمعناه أخرجت زيدا، ولا يلزم أن تكون أنت خرجت.
وقال المبرد: إذا قلت: قمت بزيد دلّ على أنك قمت، وأقمته، وإذا قلت: أقمت زيدا لم يلزم أنك قمت. ففرق بين الباء والهمزة في التعدية.
ورد عليه بهذه الآية ونحوها، ألا ترى أن المعنى أذهب الله نورهم، والله تعالى لا يوصف بالذهاب مع النور.
وأجيب أنه لا يلزم ذلك؛ إذ يجوز أن يكون الله وصف نفسه بالذهاب على معنى يليق به، كما وصف نفسه بالمجيء في قوله (وجاء ربك) [سورة الفجر ٢٣]
والذي يفسد قول المبرد من التفرقة. بين الباء والهمزة قول الشاعر (١):
دِيَارُ الَّتِي كَانَتْ وَنَحنُ عَلَى مِنَى. . . تَحِلُّ بِنَا لَوْلا نَجَاءُ الرَكَائِبِ
أي تُحِلُّنا.
المعنى: تصيرنا حلالا غير محرمين، وليست تدخل معهم في ذلك؛ لأنها لم تكن حراما فتصير حلالا بعد ذلك (٢). انتهى.
قوله: (وما أخذه وأمسكه فلا مرسل له) (٣)
في بعض الحواشي: يريد أن نسبة الذهاب إلى الله تعالى أفاد في الكلام قوة في امتناع عود النور، لا تحصل عند فقد ذلك.
قوله: (ولذلك عدل عن الضوء) إلى آخره.
ما أشار إليه من أن الضوء أبلغ من النور ذكره جماعة.
وقال صاحب " الفلك الدائر ": هذا غير صحيح؛ فإنا تصفحنا كتب اللغة فلم نجدها شاهدة لما ذكروا، والاصطلاح (٤) العرفي مساعد له.
وقد قال ابن السكيت: في " إصلاح المنطق ": النور الضياء، فجعلهما شيئا واحدا، قال: وليس في قوله تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا)
стр. 424
[سورة يونس ٦] ما يدل على الاختلاف (١).
وأجاب الطيبي: بأن ابن السكيت بين معناه الحقيقي بحسب الوضع، لا الاستعمال، والاعتبار المذكور في التفرقة بحسب الاستعمال.
قال: وأما قوله: وليس في الآية المذكورة ما يدل على الاختلاف فيقال له: أفلا نقابل الآية بقوله (فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة) [سورة الإسراء ١٣] وقوله تعالى (وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا) [سورة نوح ١٧]
حتى يعلم الاختلاف للاستعمال (٢).
قوله: (فذكر الظلمة التي هي عدم النور)
زاد الإمام: عما من شأنه أن يستنير (٣). وهي على هذا أمر عدمي.
وزاد " في الكشاف: " وقيل: عرض ينافي النور (٤) "
قال الطيبي: فعلى هذا أمر وجودي (٥).
قال: ويدل عليه قوله تعالى: (وجعل الظلمات والنور) [سورة الأنعام ١]
قوله: (وترك في الأصل بمعنى طرح وخَلَّى، وله مفعول واحد، فضمن معنى صير)
قال الطيبي: يوهم أن تقدير الآية مقصور على الثاني، دون الأول.
وقد ذكر ابن الحاجب في " أماليه ": أن على الأول مفعول ترك هم و (في ظلمات) و (لا يبصرون) حالان مترادفان من المفعول (٦).
فيقال: إن المصنف إنما ترك ذكره لظهوره (٧).
قوله: (وقول الشاعر (٨):
فتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّبَاع ينشنه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .)
стр. 425
وتمامه. . . . . . . . . . . . . . . . . . مَا بَيْنَ قُلَّةِ رَأسِهِ والمِعصَمِ
هو من معلقة عنترة المشهورة، وقبله
فَشَكَكْتُ بِالرُّمحِ الطَّوِيلِ ثِيَابَهُ. . . لَيسَ الكَريمُ عَلَى القَنَا بِمُحرَّمِ
ويروى: فتركنه بالنون، والضمير للقنا. والجزر جمع جزيرة، وهي الشاة التي أعدت للذبح. والنوش التناول.
يقول: قتلته فجعلته عرضة للسباع.
قال الشيخ سعد الدين: البيت نص في كون " ترك " بمعنى صير؛ لأن جزر السباع معرفة لا تحتمل الحال، بخلاف الآية؛ لجواز أن يكون ترك بمعنى طرح، و (في ظلمات) و (لا يبصرون) حالين مترادفين، أو متداخلين (١).
قوله: (والظلمة مأخوذة من قولهم: ما ظلمك أن تفعل كذا، أي ما منعك)
قال الشيخ سعد الدين: هذا بعيد جدا (٢).
قوله: (أو مثل لإيمانهم من حيث إنه يعود عليهم بحقن الدماء) إلى آخره.
هذا هو الوارد، أخرجه ابن جرير عن ابن عباس (٣).
قوله: (كأنما إيفت مشاعرهم)
بالبناء للمفعول، أي أصابتها آفة.
والمشاعر الحواس الخمس.
قوله: ْ (صُمٌّ إِذا سَمِعُوا خَيرًا ذُكِرتُ بِهِ. . . وإن ذُكِرْتُ بسُوءٍ (٤) عِندَهُمْ أَذِنُوا)
هو لقعنب بن أم صاحب (٥)، من بني عبد الله ابن غَطفان، وقبله:
إِن يَسْمَعُوا رِيْبَةً طَاروا بِهَا فَرَحاَ. . . مِنِّي، وَمَا سَمِعُوا مِن صَالِح دَفَنُوا
وَأَذِنُوا من أذنت للشيء: أصغيت إليه.
وأول القصيدة:
следующие страницы →