Полный текст (1 427 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
قوله: (وطارت به العنقاء)
قال أبو عبيد في " الأمثال ": من أمثالهم طارت به العنقاء (١)
قال الخليل: سميمتا عنقاء؛ لأنه كان في عنقها بياض كالطوق (٢).
وقال أبو البقاء الكعبري في " شرح المقامات ": كان بأرض أهل الرس جبل صاعد في السماء، قدر ميل، به طيور كثيرة، منها العنقاء، وهي عظيمة الخلق، لها وجه كوجه الإنسان، وفيها من كل حيوان شبه من أحسن الطير، وكانت تأتي هذا الجبل في السنة مرة قتلتقط طيره، فجاعت في بعض السنين وأعوزها الطير فانقضت على صبي فذهبت به، ثم ذهبت بجارية، فشكوا ذلك إلى نبيهم حنظلة بن صفوان في زمن الفترة، فدعا عليها فهلكت، وقطع نسلها (٣).
وفي " ربيع الأبرار ": عن ابن عباس خلق الله في زمن موسى ﵇ طائرا اسمها العنقاء، لها أربعة أجنحة من كل جانب، ووجهها كوجه الإنسان، وأعطاها من كل شيء، وخلق لها ذكرا مثلها، وأوحى إليه أني خلقت طائرين عجيبين، وجعلت رزقهما في الوحوش التي حول بيت المقدس، فتناسلا وكثر نسلهما، فلما توفي موسى ﵇ انتقلت فوقعت بنجد والحجاز، فلم تزل تأكل الوحوش وتخطف الصبيان، إلى أن نبئ خالد بن سنان العبسي (٤) قبل النبي صلى الله عليه
стр. 352
وسلم، فشكوا إليه، فدعا عليها، فانقطع نسلها وانقرضت (١).
وقال الغزويني (٢) في " عجائب المخلوقات ": العنقاء أعظم الطير جثة وأكبره، كان يخطف الفيل في قديم الزمان بين الناس (٣)، فتأذوا منه إلى أن سلب يوما عروسا بحليها، فدعا عليه حنظلة النبي ﵊، فذهب الله به إلى بعض جزائر البحر المحيط، تحت خط الاستواء، وهي جزيرة لا يصل إليها الناس (٤).
وما أحسن قول الصفي الحلي (٥):
لمَّا رَأَيْتُ بَنِيْ الزَّمَانِ وَمَا بِهِمْ. . . خِلٌّ وَفِيٌّ لِلشدَائِدِ اصطُفِيْ
أَيْقَنْتُ أنَّ المُسْتَحِيْلَ ثَلاثَةٌ. . . الغُولُ وَالعَنْقَاءُ والخِل الوَفِيْ (٦)
قوله: (والقسر) بسين مهملة ساكنة، الإكراه والقهر
قوله: (كقوله تعالى (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب) الآية) [سورة البينة ١].
قال الطيبي: فإنهم كانوا يقولون قبل البعثة: لا ننفك مما نحن عليه من ديننا حتى يبعث النبي الموعود به الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) [سورة البقرة ٩٠] فحكى الله ذلك عنهم، كما كانوا يقولون، على سبيل الوعيد والتهديد، ولو كان هذا ابتداء إخبار منه تعالى لكان الانفكاك متحققا موجودا عند مجيء الرسول ﷺ (٧). انتهى.
стр. 353
قوله: (ووحد السمع للأمن من اللبس، واعتبار الأصل، فإنه مصدر في أصله)
قال الطيبي: في " المغرب ": السمع الأذن، وأصله المصدر، قيل: وقد يطلق مجازا على القوة الحالّة في الغشاء المفترش عند الصماخ، بها تدرك الأصوات، فعلى هذا الوجه المراد بالسمع الآلة، ولم يلمح فيه الأصل (١).
وفي بعضر الحواشي: هذه العلة أوردها أكثر المفسرين على صورة يلحقها خلل، فأصلحها المصنف، وذلك أنهم قالوا: السمع مصدر، فلا يثنى ولا يجمع، والقلوب والأبصار أسماء أعضاء فجمعت.
واستشعر الزمخشري كان سائلاً يقول: ليس المراد بالسمع هنا المصدر، فإنه لا يختم على المصدر، وإنما (٢) يختم على العضو، فأصلح الجواب بأن قال: السمع في أصله مصدر (٣)، ثم نقل إلى هذه الجارحة المخصوصة، فروعي أصله مع نقله إلى العضو المخصوص، وملاحظة الأصل ليست ببعيد عند النحاة، فإنهم قالوا في قوله تعالى (نَزَّاعَةً لِلشَّوَى) [سورة المعارج ١٧] بالنصب: إنه حال، والعامل فيها (لظى) وهي اسم لجهنم، ولكن لما كان أصلها مأخوذا من التلظي روعي الأصل، فعملت لمحي الحال.
قوله: (أو على تقدير مضاف، مثل: وعلى حواس سمعهم)
قال الطيبي: فعلى هذا الوجه السمع مصدر، وليس بمعنى الأذن (٤).
قوله: (ويؤيده العطف على الجملة الفعلية)
قال الطيبي: أي واستقر على أبصارهم غشاوة (٥).
قوله: (وقرئ بالنصب)
قال الطيبي: القراءات كلها شواذ، والمشهور غِشاوة بكسر الغين المعجمة مع الألف بعد الشين، والرفع (٦).
قوله: (على تقدير: وجعل على أبصارهم غشاوة)
стр. 354
قال أبو حيان: يؤيده ظهوره في قوله (وجعل على بصره غشاوة) (١)
قوله: (أو على حذف الجار) إلى آخره.
قال أبو حيان: هذا ضعيف.
قال: ويحتمل عندي أن يكون اسما وضع موضع مصدر، من معنى ختم: غَشَّى، كأنه قيل: تغشية، على سبيل التأكيد، ويكون قلوبهم وسمعهم وأبصارهم مختوما عليها مُغَشَّاة (٢).
قوله: (وعشاوة بالعين غير المعجمة)
قال الطيبي: هو من قولهم: عشي يعشى إذا صار أعشى، وعشا يعشو إذا
جعل نفسه كأنه أعشى، قال الله تعالى (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ) [سورة الزخرف ٣٦].
قوله: (والعذاب كالنكال)
قال السجاوندي: العذاب إيصال الألم إلى الحي مع الهوان، فإيلام الأطفال والبهائم ليس بعذاب.
قوله: (ولذلك سمي نقاخا) أي الماء الحلو، وهو بضم النون، بعدها قاف، آخره خاء معجمة.
قال في " الكشاف ": " لأنه ينقخ العطش، أي يكسره " (٤).
وفي الصحاح: النقاخ الماء العذب الذي ينقخ الفؤاد ببرد (٥).
قال العرجي (٦):
وإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ. . . وإنْ شِئْتِ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاخاً وَلا بَرْدا (٧)
قوله: (وفراتا)
стр. 355
قال في " الكشاف ": " لأنه يرفته، على القلب " (١)
قال بعض أرباب الحواشي: يعني أن حق الاشتقاق أن يقال: فراتا؛ لأنه يفرته، فقلبوا وقدموا الفاء على الراء، كما قالوا: صعق، وصقع، وجذب، وجبذ، ففرت مقلوب رفت.
قال الشريف: وعلى هذا فوزن فرات عُفال (٢).
وفي " الأساس ": رفت الشيء فته بيده، كما يرفت المدر والعظم البالي (٣).
قوله: (فادح) بالفاء أوله، وآخره مهملة.
في " الصحاح ": فدحه الدَّين: أثقله، وأمر فادح إذا عاله وبهظه (٤). أي أثقله وشق عليه.
قوله: (فكما أن الحقير دون الصغير، فالعظيم فوق الكبير)
قال الطيبي: يعني إذا كان الحقير مقابلاً للعظيم، والصغير للكبير، يلزم أن يكون العظيم فوق الكبير؛ لأن العظيم لا يكون حقيرا؛ لأن الضدين لا يجتمعان، والكبير قد يكون حقيرا، كما أن الصغير قد يكون عظيما؛ لأن كلا منهما ليس بضد للآخر (٥).
قوله: (ومعنى التنكير في الآية) إلى آخره
قال الشيخ سعد الدين: يريد أنه للنوعية، والعذاب لما وصف بالعظيم كان المعنى نوعا عظيما منه، فليس القصد إلى تنكيره للتعظيم.
وذكر التعامي دون العمى وإن كانوا من أهل الطبع إشارة إلى أن ذلك من سوء اختيارهم، وشؤم إصرارهم (٦).
وذكر الشريف مثله، وزاد: وقيل: هو للتعظيم، أي غشاوة أيَّ غشاوة (٧).
قوله: (وهم أخبث الكفرة)
стр. 356
الإمام: اختلف في أن كفر الكافر الأصلي أقبح أم كفر المنافق؟
فقال قوم: الأصلي أقبح؛ لأنه جاهل بالقلب، كاذب باللسان.
وقال آخرون: بل النفاق؛ لأن المنافق أيضاً كاذب باللسان، فإنه يخبر عن كونه على ذلك الاعتقاد، مع أنه ليس عليه، وقد اختص بمزيد أمور منكرة.
منها: أنه قصد التلبيس، ورضي لنفسه بسمة الكذب، وضم إلى كفره الاستهزاء، والكافر الأصلي بخلاف ذلك (١).
قوله: (وقصتهم عن آخرها معطوفة على قصة المصرين)
قال الطيبي: يحتمل وجهين:
أحدهما: أن العطف من حيث حصول مضمون الجملتين في الوجود.
والثاني: أن الجهة الجامعة بين من محض الكفر ظاهرا وباطنا، وبين من أظهر الإيمان وأبطن الكفر التوافق في الكفر (٢).
وقال الشيخ سعد الدين: المراد أنه من عطف مجموع الكلام المسوق لغرض، على مجموع قبله، مسوق لغرض آخر، لا يشترط فيه إلا تناسب الغرضين، ولا يتكلف لجملة من هذا مناسبة مع جملة من ذلك.
ولا يرد باشتمال أحد المجموعين على ما لا يناسب المذكور في المجموع الآخر (٣).
وقال الشريف: أي ليس هذا من عطف جملة على جملة ليطلب بينهما المناسبة المصححة لعطف الثانية على الأولى، بل من عطف مجموع جمل متعددة مسوقة لغرض على مجموع جمل أخرى، مسوقة لغرض آخر، فيشترط فيه التناسب بين الغرضين، دون آحاد الجمل الواقعة في المجموعين.
قال: وهذا أصل عظيم في باب العطف، لم يتنبه له كثيرون، فأشكل عليهم الأمر في مواضع شتى (٤).
* * *
قوله (والناس أصله أناس)
قال ابن الشجري في " أماليه ": وزن أناس فعال، وناس منقوص منه عند أكثر
стр. 357
النحويين -، فوزنه عال، والنقص والإتمام فيه متساويان في كثرة الاستعمال ما دام منكورا، فإذا دخلت الألف واللام التزموا فيه الحذف، فقالوا: الناس، ولا يكادون يقولون: الأناس إلا في الشعر، كقوله:
إِنَّ المَنَايَا يَطْلَعـ. . نَ عَلى الأنَاسِ الآمِنِيْنَا (١)
وحجة هذا المذهب وقوع الأنس على الناس، فاشتقاقه من الأنس نقيض الوحشة؛ لأن بعضهم يأنس ببعض.
وذهب الكسائي إلى أن الناس لغة مفردة، وهو اسم تام، وألفه منقلبة عن واو.
واستدل بقول العرب في تحقيره نويس.
قال: ولو كان منقوصا من أناس لرده التحقير إلى أصله، فقيل: أنيس.
وقال بعض من وافق الكسائي في هذا القول: إنه مأخوذ من النوْس، مصدر ناس ينوس إذا تحرَّك، ومنه قيل لملك من ملوك حمير: ذو نواس؛ لضفيرتين كانتا تنوسان على عاتقه.
قال الفراء: والمذهب الأول أشبه، وهو مذهب المشيخة.
وقال أبو عليٍّ: أصل الناس الأناس، فحذفت الهمزة التي هي فاء، ويدلك على ذلك الإنس والأناسي، فأمَّا قولهم في تحقيره: نويس فإن الألف لما صارت ثانية زائدة أشبهت ألف ضارب، فقيل: نويس، كما قيل: ضويرب.
وقال سلمة بن عاصم (٢) - وكان من أصحاب الفراء -: الأشبه في القياس أن يكون كل واحد منهما أصلا بنفسه، وأناس من الأنس، وناس من النوس، لقولهم في تحقيره: نويس، كبويب في تحقير باب (٣). انتهى.
وقال ابن جني في " الخصائص ": الناس أصله أناس، قال الشاعر (٤):
وإنَّا أُنَاسٌ لا نَرَى القَتْلَ سُبَّةً. . . إذا ما رَأَتْهُ عَامِرٌ وَسَلُوْلُ
ولا تكاد الهمزة تستعمل مع لام التعريف، غير أن أبا عثمان أنشد:
стр. 358
إِنَّ المَنَايَا يَطْلَعـ. . نَ عَلى الأنَاسِ الآمِنِيْنَا (١)
وقال ابن يعيش في " شرح المفصل ": أصله أناس حذفوا الهمزة، وصارت الألف واللام في " الناس " عوضا منها، ولذلك لا يجتمعان، فأمَّا قولهم:
إِنَّ المَنَايَا يَطْلَعـ. . نَ عَلى الأنَاسِ الآمِنِيْنَا
فمردود لا يعرف قائله (٢).
وقال ابن يعيش في " شرح التصريف الملوكي ": أصل ناس أناس، ووزنه عال، محذوف الفاء، وهو فعال من الأنس، واشتقاقه من آنست الشيء إذا رأيته، كأنهم سموا بذلك لظهورهم، أو من آنست، أي علمت، كأنهم سموا بذلك لعلمهم.
وإنسان فعلان مثه، وجمعه أناسي، قال تعالى (وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا) [سورة الفرقان ٤٩] قلبوا النون ياء.
ومثله ظِرْبَانٌ وظِرَابِي.
وقيل: أناسي جمع أنسي، كبختي وبخاتي.
وقيل: أصله ناس، ووزنه فعل في الأصل، من ناس ينوس إذا اضطرب، والهمزة في أناس زائدة، دل على ذلك قولهم في التصغير نويس.
وقال الكسائي: هما لغتان ليس أخدهما أصلا للآخر، والوجه الأول، وهو مذهب سيبويه (٣). انتهى.
قوله (فحذفت الهمزة، حذفها في لوقة)
في " الصحاج ": اللوقة بالضم الزبدة، وفيها لغتان، لُوْقَةٌ، وَأَلُوْقَةٌ قال الشاعر:
وَإنِّيْ لِمَنْ سَألَتُمْ لأَلُوْقَةٌ. . . وإنِّيْ لِمَنْ عَادَيْتُمْ سُمٌّ أَسْوَدِ (٤)
قوله: (وقوله: إِن المَنَايَا يَطلِعْـ. . . نَ على الأنَاسِ الآمِنِيْنَا)
ذكر ابن يعيش أنه لا يعرف قائله، وبعده:
فَتَذَرْهُمُ شَتَّى وَقَدْ. . . كَانُوْا جَمِيْعاً وَافِرِيْنَا
стр. 359
قوله: (وهو اسم جمع)
زاد غيره: لإنسان وإنسانة.
الطيبي: الفرق بين الجمع الحقيقي، وبين اسم الجمع، أن اسم الجمع في حكم الأفراد بدليل جواز التصغير فيه، ولا يجوز تصغير الجمع الحقيقي إذا كان جمج الكثرة. مثال اسم الجمع ركْب وسَفْر، وصَحْب، يجوز أن يقال: رُكَيب، سُفَير، صُحَيب، ولا يجوزون في جمع الكثرة، بل يجب أن يرد إلى واحده، أو إلى جمع قلة إن وجد (١).
قوله: (كرخال) هو بضم الراء، وبكسرها أيضاً، الواحد رخل بكسر الخاء، الأنثى من أولاد الضأن، والذكر حَمَل.
وفي " الصحاح ": إن الرخال جمع الرخل (٢).
قال الطيبي: وكذا عن صاحب " الكشاف " في أبيات له (٣).
قال: وهو مخالف لما ذكره هنا (٤)، وفي الأعراف (٥) من كونه اسم جمع.
والأبيات المذكورة قوله:
مَا سَمِعْنَا كَلِماً غَيْرَ ثَمانٍ. . . هُنَّ جَمْعٌ وهي فِي الوَزْنِ فُعالٌ
فَرُبَاب وفُرَارٌ وتُوَءامٌ. . . وعُراقٌ وعُرَامٌ ورُخَال
وظوار جَمْعُ ظِئْرٍ، وبُسَاطٌ. . . جَمْعُ بِسْط، هكذا في ما يُقالٌ
الرباب جمع رُبَّى، على فعلى بالضم، وهي الشاة التي وضعت حديثا. والفرار جمع فرير، وهو ولد البقرة الوحشية. والتُّؤام جمع توأم، على فوعل. والعُراق جمع عَرْق بفتح العين، العظم الذي أخذ عنه اللحم. والعرام بمعناه. والظؤار جمع ظئر، وهي المرضعة. والبساط جمع بسط بكسر الباء، وهي الناقة تخلى مع ولدها، لا يمنع منها.
قلت: قال ابن خالويه (٦) في كتابه " ليس ": لم يجمع على فُعال إلا نحو عشرة
стр. 360
أحرف، فذكر من هذه الثمانية ستة، وزاد: ثِنى وثُناء، وهو الولد الذي بعد البكر، ورَذْلٌ، ورُذَال، وهو الشيء الرديء، ونَذْلٌ ونُذال، وهو الخسيس (١).
وقال القالي في " أماليه ": لم يأت من فُعال إلا أحرف قليلة جدا، فذكر بعض ما تقدم، وزاد قولهم: نعم جُفال للكثيرة، ونعم كُثاب كثيرة، وبراء جمع بريء (٢).
وقد حصل مما زاده (٣) ستة ألفاظ، وقد نظمتها مذيلا على أبيات الزمخشري، فقلت:
قلت: قد زيد ثُناء وبُراء. . . ونُذال ورُذال وجُفال
وكُثاب في كتابي (٤) ليس مَعْ. . . كتب القالي، هيا يا رجال
وقل عرف بذلك أن قول المصنف: (إذ لم يثبت فعال في أبنية الجمع) منقوض بما ذكرناه.
قوله: (مأخوذ من أنِسَ أو آنَسَ)
اقتصر عليهما بناء على ما ذكره من أن أصله أناس، وذكر غيره قولين آخرين:
أنه مأخوذ من النسيان، أو من ناس ينوس نوسا إذا تحرّك، فلا همزة ولا حذف.
والقول بأنه من النسيان هو الصحيح الوارد عن ابن عباس، كما أخرجه الطبراني وغيره (٥).
وعليه فأصله نَسَيٌ، قلبت اللام قبل العين فصار نَيَساً، تحرّكت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، فصارت ناسا.
فإن قلت: قوله: (مأخوذ من أنس) مشكل من وجهين: ()
стр. 361
أحدهما: أن الاشتقاق إنما يكون في (١) الأفعال والصفات، والناس، والإنسان اسم عين، لا فعل، ولا صفة، فكيف يصح اشتقاقه؟.
والثاني: أن أنس فعل، والفعل لا يشتق منه إلا على رأي الكوفيين.
قلت: هذه غفلة عن معنى الأخذ، وظن أنه مرادف للاشتقاق، وليس كذلك كما تقرر في أصولي الفقه والنحو من أن دائرة الأخذ أو سع من دائرة الاشتقاق.
وتحقيقه - على ما يؤخذ من " الخصائص " لابن جني وغيره - أن كل مادة ثلاثية فإن لها تقاليب ستة، منها المستعمل والمهمل، فالمستعمل منها يشترك في أمر عام يرجع إليه الأخذ.
مثاله مادة الكلام، ك ل م، فهذه الحروف الثلاثة بتقاليبها تدل على التأثير بشدة، فمنه الكَلامُ؛ لتأثيره في النفس، والكَلْمُ، وهو الجرح؛ لتأثيره في البدن، والمِلْكُ، لتأثيره في التضرّف في الأعيان، والمُلْكُ؛ لتأثيره في التصرف فيما زاد على المِلك، والمَلْكُ بالفتح، وهو شدة التأثير في العجين، واللَّكْمُ، وهو أشد الضرب، وتأثيره واضح، والكَمَال؛ لتأثيره في المعنى المقصود له، فهذه أربع تقاليب مستعملة.
وبقي اثنان مهملان، مَكْلٌ، لَمْكٌ، وكلها راجعة إلى مادة ك ل م، أعني الحروف الثلاثة، فهذا هو معنى الأخذ، وليس فيه اشتقاق (٢).
والحاصل أن حروف المادة كالخشب مثلا يتخذ منه سرير، وباب، وكرسي، إلى غير ذلك، فأسماؤها وصيغها مختلفة، ومادتها المأخوذة منها شيء واحد، وهو في الألفاظ كذلك من غير اشتقاق، ولا موافقة في معنى، ولا عمل.
قوله: (ولذلك سموا بشرا)
في بعض الحواشي: أراد أن بشرتهم ظاهرة، وبشرة غيرهم مستترة بصوف، أو ريش، أو غيره.
قوله: (واللام فيه للجنس، و " من " موصوفة؛ إذ لا عهد، كأنه (٣) قال: ومن الناس ناس يقولون، وقيل: للعهد، والمعهود هم الذين كفروا، أو " من " موصولة مرادا (٤)
стр. 362
بها ابن أبي وأصحابه).
قال ابن هشام في " المغني ": قال الزمخشري: إن قدرت " ال " في الناس للعهد فموصولة، مثل (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ) [سورة التوبة ٦٣] أو للجنس فموصوفة، مثل (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ) [سورة الأحزاب ٢٤] ويحتاج إلى تأمل (١).
يعني في تخصيص الموصولة بالعهد، والموصوفة بالجنس.
قال ابن المنير في " تفسيره ": يحتمل أن يكون رأى أن العهد بالموصولة أشبه؛ لأن تعريف الموصول عهدي، وأما إذا كانت اللام للجنس فلا عهد ولا تعريف، فناسب ذلك الموصوفة؛ لأنها نكرة، فاستبعد أن يكون المنكور بعض المعهود.
وقال الشيخ سعد الدين: فإن قيل: ما وجه هذا التخصيص؟ ولم لا يجوز أن تكون موصولة على تقدير الجنس، وموصوفة على تقدير العهد؟
قلنا: مبناه على المناسبة، والاستعمال.
أما لمناسبة فلأن الجنس لإبهامه يناسب الموصوفة، لتنكيرها (٢)، والعهد لتعينه يناسب الموصولة؛ لتعرفها.
وأما الاستعمال فلأن الشائع في مثل هذا المقام هو النكرة الموصوفة، إذا
جعل بعضا من الجنس، كقوله تعالى (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا) والموصول مع الصلة إذا كان بعضا من المعهود، كقوله تعالى (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ) والقرآن يفسر بعضه بعضا.
وقد يقال: إن العلم بالجنس لا يستلزم العلم بأبعاضه، فتكون باقية على التنكير، فيكون المعبر بها عن البعض نكرة موصوفة، وعهدية، الكل يستلزم عهد أبعاضه، فتكون موصولة، وهذا أيضاً - بعد تسليمه - إنما يتم بما ذكرنا من وجه المناسبة، وإلا فلا امتناع في أن يعبر عن المعين بلفظ النكرة؛ لعدم القصد إلى تعيينه، وفي أن يتعين بعض من الجنس الشائع، فيعبر عنه بلفظ المعرفة (٣). انتهى.
ولخصه الشريف فقال: وجعل " من " موصوفة مع الجنس، موصولة مع العهد،
стр. 363
رعاية للمناسبة والاستعمال.
أما المناسبة فلأن الجنس مبهم لا توقيت فيه، فناسب أن يعبر عن بعضه بما هو نكرة، والمعهود معين، فناسب أن يعبر عن بعضه بمعرفة.
وأما الاستعمال فكما في الآيتين، لما أريد بالمؤمنين الجنس عبر عن بعضهم بالنكرة، ولما أريد بضمير (منهم) جماعة معينة من المنافقين عبر عن بعضهم بالمعرفة.
قيل: والسر في ذلك أنك إذا قلت: من هذا الجنس طائفة شأنها كذا كان التقييد بالجنس مفيدا، بخلاف ما إذا قلت: من هذا الجنس الطائفة الفاعلة كذا؛ لأن من عرفهم عرف كونهم من الجنس أولاً.
وإذا قلت: من هؤلاء الذي فعل كذا كان جنسا؛ إذ فيه زيادة تعريف له، ولا يحسن كل الحسن أن يقال: فاعل كذا؛ لأنه عرفهم كلهم إلا إذا كان في تنكيره غرض، كستر عليه، أو تجهيل (١). انتهى.
وقال صاحب " الفرائد ": الوجه أن يكون اللام للعهد، ولا وجه أن تكون للجنس؛ لأن (من الناس) خبر (من يقول) فلو كان للجنس لكان المعنى من يقول من الناس، والظاهر أنه لا فائدة فيه.
وأما إن كانت للعهد فمعناه: ومن الناس المذكورين جماعة يقولون كذا، ولم يلزم أن تكون موصولة في العهد، بل يجوز كلا هما.
وكذا قال صاحب " التقريب ": يحتمل أن تكون موصولة إن جعل التعريف للجنس، وموصوفة إن جعل للعهد (٢).
وأجاب بعضهم عما ذكره صاحب " الفرائد " من عدم الفائدة بأنها موجودة، وهي استعظام أن يختص بعفمن الناس بمثل تلك الصفات، فإنها تنافي الإنسانية بحيث كان ينبغي أن لا (٣) يعد المتصف بها من جنس الناس.
قال الشيخ سعد الدين: وهذا الجواب ضعيف؛ لأن مثل هذا التركيب شائع ذائع في مواضع، لا يتأتى فيها مثل هذه الاعتبارات، ولا يقصد فيها إلا الإخبار بأن من هذا الجنس طائفة تتصف بكذا.
стр. 364
قال: فالوجه أن يجعل مضمون الجار والمجرور مبتدأ، يعني وبعض الناس من هو كذا وكذا، فيكون مناط الفائدة تلك الأوصاف (١). انتهى
وأورده الشريف ثم قال: ولا استبعاد في وقوع الظرف بتأويل معناه مبتدأ، يرشدك إلى ذلك قول الحماسي (٢):
مِنْهُمْ لُيُوْثٌ لا تُرَامُ، وبَعْضُهمْ. . . مِمَّا قَمَشْتَ وضَمَّ حَبلُ الحَاطِبِ
حيث قابل لفظ " منهم " بما هو مبتدأ، أعني لفظة " بعضهم "
قال: وقد يقع الظرف موقع المبتدإ بتقدير الموصوف، كقوله تعالى (وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ) [سورة الجن ١٢] (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ) [سورة الصافات ١٦٥] فالقوم قدروا الموصوف في الظرف الثاني، وجعلوه مبتدأ، والظرف الأول خبرا، وعكسه أولى بحسب المعنى.
أي جمع منا دون ذلك، وما منا أحد إلا له مقام معلوم، لكن وقوع الاستعمال على " أنَّ من الناس رجالا كذا وكذا " دون " رجال " يشهد لهم (٣).
وقال الطيبي: قد منع بعضهم أن يكون اللام للعهد، و " من " موصولة، وقال: بل اللام للجنس، و " من " موصوفة، فإن المراد بالذين كفروا الذين محضوا الكفر ظاهرا وباطنا، وبينهم وبين المنافقين تناف، فلم يكونوا نوعا تحت ذلك الجنس.
وكيف وقد حكم على أولئك بالختم على القلوب وغيره، فعلم كفرهم الأصلي، وعلى هؤلاء بقوله (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى) وأشار إلى تمكنهم من الهدى وتنور فطرتهم.
قال الطيبي: وأقول: إن التقصي عن هذا المقام لا يستتب إلا ببيان كيفية نظم الآيات، فإنه مَحَكُّ البلاغة، ومنتقد البصيرة، ومضمار النُّظَّار، ومتفاضل الأنظار، ولا يهتدي إليه من ديدنه المجادلة، ودأبه المماراة، ولم يتكلم عن مقتضى الحال، ولم يعين لكل مقام مقالا، وليس كل ما يصح تقديره بحسب اللغة، أو النحو يعتبر عند علماء هذا الفن، فإن ذلك قد يعد من النعيق في بعض المقامات.
ألا ترى إلى صاحب " الكشاف " في سورة طه في قوله (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي
стр. 365
التَّابُوتِ) [سورة طه ٣٩] كيف بالغ فيه، حيث قال: " حتى لا تفرق الضمائر، فيتنافر عليك النظم الذي هو أم إعجاز القرآن، والقانون الذي وقع عليه التحدي، ومراعاته أهم ما يجب على المفسر " (١).
وفي سورة الحاقة في قوله (فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ) [سورة الحاقة ٥، ٦]
كيف ذهب إلى المعنى بقوله (بالطاغية)
بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة، ليطابق قوله (صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ) وعدل عن حمله على المصدر، وأنه الظاهر؛ لأن الطاغية كالعافية، أي بطغيانهم (٢)؛ لأن الواجب رعاية حسن النظم بين آي التنزيل.
وكم له أمثال ذلك، فالواجب على من يخوض في هذا الكتاب أن يستوعب معرفة جميع المقامات، وجميع خواص التركيب، لينزل كلا في مقامه.
إذا علم هذا فنقول: إذا كان النظم هو ما ذكر افتتح بذكر الذين أخلصوا دينهم لله تعالى، ثم ثنى بذكر الذين محضوا الكفر ظاهرا وباطنا، وثلث بالذين آمنوا بأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم، فالواجب حمل التعريف في الأقسام الثلاثة إما على الجنس بأسرها، وإما العهد برمتها.
وإذا حمل على الجنس فلا يجوز أن يقال: مَن في (مَن يقول) موصولة، كما قال أبو البقاء: هذه الآيات استوعبت أقسام الناس، فالآيات الأوَّلُ تضمنت ذكر المخلصين في الإيمان، وقوله (إن الذين كفروا) تضمن من أبطن الكفر وأظهره، وهذه الآية تضمنت ذكر من أظهر الإيمان، وأبطن الكفر، و " مِن " للتبعيض، و " مَنْ " نكرة موصوفة، ويضعف أن تكون بفعنى الذي؛ لأن " الذي " يتناول قوما بأعيانهم، والمعنى هاهنا على الإبهام (٣). تم كلامه.
فإن قلت: آثرت الموصوفة على الموصولة، وهي أيضاً محتملة للجنس، فيلزم الإبهام أيضاً كما في قوله (الذين كفروا).
قلت: الموصوفة نص في الشياع، بخلاف الموصولة، لاحتمال الأمرين فيها.
بقي أن يقال: فما معنى قوله: من يقول من الناس، وأي فائدة فيه؟
стр. 366
فيقال: إنه تعالى نظم الآيات الثلاث في سلك واحد، لكن خص كل صنف بفن من الفنون، لا سيما خصَّ هذا الصنف بمبالغات وتشديدات لم يخص الصنفين بها، وأبرز أيضاً نفس التركيب إبرازا غريبا، حيث قدم الخبر على المبتدإ، وأبهمه غاية الإبهام ونكر المبتدأ، ووصفه بصفات عجيبة؛ ليشوق السامع إلى ذكر ما بعده من قبائحهم، ونكرهم نعيا عليهم، وتعجيبا من شأنهم
يعني انظروا إلى هؤلاء الخبثة، وقبيح ما ارتكبوه كيف اختصوا من بين سائر الناس بما لم يرض العاقل أن ينتسب إليه.
نعم لم يفد شيئا أن لو أريد مجرد الإخبار، ونظيره قوله تعالى (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) [سورة الأحزاب ٢٣] أي امتاز من بين سائر المؤمنين بهذه المناقب الشريفة رجال كرماء، فدل التنكير في (رجال) على تعظيم جانبهم، كما دل الإبهام في (من يقول) على خلاف ذلك هاهنا.
وأما إذا حمل التعريف في الناس على العهد فيقال: المراد بالمتقين من شاهد حضرة الرسالة من الصحابة المنتخبين، وينصره تقدير إرادة أهل الكتاب - أعني عبد الله بن سلام وأصحابه - من قوله تعالى (والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك) معطوفا على قوله (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة)
فعلى هذا يحمل قوله تعالى (إن الذين كفروا) على قوم بأعيانهم، كأبي جهل، وأبي لهب، وأضرابهم، وأن يراد بقوله (ومن الناس من يقول آمنا) عبد الله بن أبي، ومعتب بن قشير، وجد بن قيس، وأشباههم، فلا وجه إذن لقول من قال: ويحتمل أن تكون موصوفة إن جعلت التعريف للعهد؛ لأن المراد بقوله (من يقول) حينئذ قوم بأعيانهم وأشخاصهم، كعبد الله بن أبي وأصحابه، فكيف تجعل موصوفة؛ لأن " من " نكرة، والقوم معهودون.؟
قال: ثم إني بعد برهة من الزمان وقفت على قول صاحب " الكشاف " في قوله تعالى (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا) [سورة النحل ٧٦] " الظاهر أن " من " موصوفة، كأنه قيل: وحرا رزقناه ليطابق عبدا، ولا يمتنع أن تكون موصولة " (١)
يريد أن الآية من باب التضاد، فالظاهر أن تراعى المطابقة بين كلمات
стр. 367
القرينتين، فإذا قلت: عبدا مملوكا، والحر الذي رزقناه ذهبت المطابقة، وفاتت الطلاوة، فلا يذهب إليه إلا الكز الجافي، والغليظ الجاسي (١).
وأما الجواب عن قول من قال: بينهم وبين المنافقين تناف: فهو عين ما ذكره صاحب " الكشاف ": في الجواب عن سؤاله " كيف يجعلون بعض أولئك، والمنافقون غير المختوم على قلوبهم "؟ (٢)
وحاصل جوابه أن كون هؤلاء مخصوصين بحكم النفاق لا يخرجهم من جنس المصممين، بل يفيد تميزهم عنهم بما لم يتصفوا به، وإليه الإشارة بقوله: " بزيادة زادوها على الكفر الجامع بينهما " فالتعريف في قوله: " الكفر جمع الفريقين " وقوله: " الكفر الجامع بينهما " للعهد، وهو الكفر الخاص؛ لأنه جنس أيضا باعتبار النوعين.
وهذا من فصيح الكلام ووجيزه؛ لأن الجنس إذا أطلق شاع في جميع متناولاته إن لم تنتهض قرينة على إرادة البعض، فإذا حصلت القرينة قيدت، فإذا كررت كرر، فإنه تعالى لما قال (إن الذين كفروا) تناول جميع الفرق من الكفرة، فقيد بقوله (سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم) بالمصممين، ثم قيده مرة أخرى مع ذلك القيد (ومن الناس من يقول)
ونحوه قول الأصوليين: يجوز تخصيص ما بقي غير محصور.
قال: ثم إني عثرت بعد هذا التقرير على كلام من جانب الإمام أفضل المتأخرين، القاضي ناصر الدين، تغمده الله برحمته ما شَدَّ بعضده:
قال: (واللام فيه للجنس) وساق كلام البيضاوي إلى آخره (٤).
وقال أبو حيان (مَن) في قوله تعالى (من يقول) نكرة موصوفة، مرفوعة بالابتداء، والخبر الجار والمجرور المتقدم (٥) الذكر، و (يقول) صفة.
هذا اختيار أبي البقاء، وجوز الزمخشري هذا الوجه، وكأنه قال: ومن
стр. 368
الناس ناس يقولون كذا، كقوله (من المؤمنين رجال صدقوا)
قال: إن جعلت اللام للجنس، يعني في قوله (ومن الناس)
قال: وإن جعلتها للعهد فموصولة، كقوله (ومنهم الذين يؤذون النبي) (١)
واستضعف أبو البقاء أن تكون موصولة، قال: لأن " الذي " تتناول قوما بأعيانهم، والمعنى هنا على الإبهام، والتقدير: ومن الناس فريق يقول (٢).
وما ذهب إليه الزمخشري من أن اللام في (الناس) إن كانت للجنس كانت (من) نكرة موصوفة، وإن كانت للعهد كانت موصولة أمر لا تحقيق له، كأنه أراد مناسبة الجنس للجنس، والعهد للعهد.
ولا يلزم ذلك، بل يجوز أن تكون اللام للجنس، و (من) موصولة، ويجوز أن تكون للعهد، و (من) نكرة موصوفة، فلا تلازم بين ما ذكر.
وأما استضعاف أبي البقاء كون (من) موصولة، وزعمه أن المعنى على الإبهام فغير مسلم، بل المعنى أنها نزلت في ناس بأعيانهم معروفين، وهم عبد الله بن أبي وأصحابه.
قال: والذي نختاره أن تكون (من) موصولة، وإنما اخترنا ذلك لأنه الراجح من حيث المعنى، ومن حيث التركيب الفصيخ، ألا ترى جعل (من) نكرة موصوفة إنما يكون إذا وقعت في مكان يختص بالنكرة في أكثر كلام العرب، وهذا المكان ليس من المواضع التي تختص بالنكرة في أكثر كلام العرب، وأما أن تقع في غير ذلك فهو قليل جدا، حتى إن الكسائي أنكر ذلك (٣). انتهى.
قوله: (تمويها) من موهت الشيء، إذا طليته وزينته.
قوله: (والقول هو التلفظ بما يفيد)
يحتمل أن يريد به مطلق الإفادة احترازا عن المهمل، كديز مقلوب زيد، فإنه لا يسمى قولا، وإنما يسمى لفظا، بخلاف الكلام، والكلم، والكلمة فإن كلا من الثلاثة يسمى (٤) قولا، وهذا هو المشهور عند المتأخرين، وجزم ابن مالك في " الألفية " (٥)
стр. 369
ويحتمل أن يريد الفائدة التامة احترازا من الكلمة، والمركب الذي لا يفيد، فلا يسمى قولا، وهو أحد الأقوال في المسألة.
قال الخويي في تفسيره: القول حقيقة في المركب المفيد، وإطلاقه على المفود والمركب الذي لا يفيد مجاز.
والقول الثالث فيه: أنه حقيقة في المفرد، وإطلاقه على المركب مجاز، وعليه ابن معط (١).
والرابع: أنه حقيقة في المركب سواء أفاد أم لا، وإطلاقه على المفرد مجاز.
ونقل ابن الصائغ (٢) في " في شرح الألفية " عن سعيد بن فلاح (٣) أنه قال في " الكافي ": دلالة القول بالنسبة إلى المفرد وضعية، وبالنسبة إلى المركب عقلية على قول من قال: المركب غير موضوع.
وقال الشيخ جمال الدين بن هشام في شرحه الكبير المسمى " رفع الخصاصة عن قراء الخلاصة " (٤): قول ابن مالك:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والقول عم
أي أنه يطلق على الكلام، والكلمة، والكلم، وظاهر كلامه أن إطلاقه على الثلاثة على حد سواء، وهو المشهور.
وفي " فصول " ابن معط: والقول يعم الجميع، والأصل استعماله في المفرد (٥).
فعلى هذا يكون استعماله في الكلام، والكلم بطريق المجاز.
стр. 370
وقيل: إن القول خاص بالمركب، وقيل: خاص بالمركب المفيد، فهذه أربعة أقوال. انتهى.
وبقي قول خامس: أنه يطلق على المهمل أيضاً كاللفظ، حكاه أبو حيان في باب ظن من " شرح التسهيل ".
ونحوه قول أبي البقاء في " اللباب ": القول يقع على المفيد، وغير المفيد؛ لأن معناه التحرك والتقلقل، فكلما يمذل به اللسان ويحركه يسمى قولا (١).
وقال ابن إياز في " شرح الفصول ": اختلف الناس في القول، فذهب بعضهم إلى أنه عبارة عن كل ما نطق بها اللسان تاما كان أو ناقصا، مفيدا أو غير مفيد، وهو مصدر، قال تعالى (ما يلفظ من قول) [سورة ق ١٨] أي ما يطرح ويلقي، وهو اختيار المصنف يعني ابن معط غير أنه قال: والأصل استعماله في المفرد، وغيره، ممن اختار هذا لم يقل كذا (٢)، بل قال: استعماله في المفرد والمركب على حد سواء.
وذهب بعضهم إلى أنه لا فرق بين الكلام والقول.
وذهب آخرون إلى أن القول يطلق على المركب خاصة سواء كان مفيدا أو غير مفيد (٣). انتهى.
وقال الرضي: القول والكلام واللفظ من حيث أصل اللغة بمعنى، يطلق على كل حرف من حروف المعجم كان، أو من حروف المعاني، وعلى أكثر منه، مفيدا كان أولا، لكن القول اشتهر في المفيد، بخلاف اللفظ، واشتهر الكلام في المركب من جزئين فصاعدا (٤).
قوله: (ويقال بمعنى المقول)
أي، فيكون من باب إطلاق المصدر وإرادة المفعول.
قوله: (والمعنى المتصور في النفس المعبر عنه باللفظ، والرأي والمذهب مجازا)
قال ابن إياز في " شرح الفصول ": اعلم أنه قد يطلق القول على الآراء
стр. 371
والاعتقادات، فيقال: هذا قول الشافعي، وقول أبي حنفية، يراد بذلك رأيه وما ذهب إليه.
والذي سوغ هذا الإطلاق كون الرأي والاعتقاد خافيا، لا يظهره غالبا سوى القول، فلما كان القول سببا في إظهاره والإعلام به أطلق عليه.
فإن قيل: قد يطلق على الرأى والاعتقاد الكلام والقول، فأيهما أولى بالإطلاق عليهما؟
قلنا: قال شيخنا أبو جعفر (١): إن إطلاق القول عليهما أولى من إطلاق الكلام، وذلك لأن الرأي والاعتقاد كل منهما كما ذكرته خاف لا يظهر بنفسه، بل يحتاج إلى ما يظهره، كما أن القول قد لا يستقل بنفسه، بل يحتاج إلى ما يتممه (٢)، فقد اشتركا في الاحتياج، ولا كذلك الكلام، فإنه مستقل مستغن بنفسه.
قال: وقد يستعمل القول أيضاً لغير ذي لفظ تجوزا، قال الشاعر:
فَقَالَتْ لَهُ العَيْنَانِ سَمْعاً وَطَاعَةً. . . وَأَبْدَتْ كَمِثْلِ الدُّرِّ لِمَا يُثْقِبُ (٣)
وإنما جاز ذلك؛ لأن صورة حالهما قائمة مقام قولهما: سمعا وطاعة (٤).
قوله: (وما هم بمؤمنين) إنكار لما ادعوه)
قال الطيبي: يعني أن مقتضى المطابقة لقوله (آمنا) أن يقال: وما آمنوا، ليتحدا في ذكر شأن الفعل، فإن (وما هم بمؤمنين) في ذكر شأن الفاعل، لا الفعل.
والجواب: المصير إلى التأويل، والحمل على الكناية الإيمائية، ليفيد التأكيد، ويحصل التطابق.
بيانه: أنه تعالى لما أولى الضمير حرف النفي، وحكم عليهم بأنهم ليسوا بمؤمنين، وكان ذلك جوابا عن دعواهم أنهم اختاروا الإيمان بجانبيه على صفة الاستحكام، دلّ على إخراج ذواتهم وأنفسهم من أن يكونوا طائفة من طوائف المؤمنين، وإذا شهد عليهم بذلك لزم نفي ما ادعوه، على سبيل البت والقطع.
стр. 372
قال الطيبي: وهذا إنما يصح لو قيل: وما هم من المؤمنين؛ إذ ليس قوله (وما هم بمؤمنين) مثل ما هم من المؤمنين، لكن الأول أبلغ؛ لأنه نفى لأصل الإيمان، والثاني نفي للكمال (١).
وقال الشيخ سعد الدين: من قواعدهم أنهم يقدمون الذي شأنه أهمّ، وهم ببيانه أعنى، فقولهم " آمنا " بتقديم الفعل كلام في شأن الفعل، وأنه صادر عنهم متحقق، وقوله (ما هم بمؤمنين) كلام في شأن الفاعل، وأنه بحيث لم يصدر عنه الفعل، حتى إن تقديم الضمير، وإيلاءه حرف النفي ربما يفيد اختصاصه بنفي الفعل، كما سنذكر في قوله تعالى (وما أنت علينا بعزيز) [سورة هود ٩٢] وأمثاله، فكيف ما كان لا تكون الجملة الاسمية المشتملة على إيلاء الضمير حرف النفي مطابقة لمقتضى الحال في رد كلامهم.
والجواب أن هذا ليس من باب التقديم لإفادة الاختصاص، أو لجعل الكلام في شأن الفاعل أنه كذا، أو ليس كذا، بل من باب العدول إلى الجملة الاسمية، لرد كلامهم بأبلغ وجه وآكده، كأنه قيل: إنهم ليسوا في شيء من الإيمان، ولا يصدق هذا الوصف عليهم ألبتة.
لا يقال: الاسمية تدل على الثبات، فنفيها يفيد نفي الثبات، لا ثبات النفي
وتأكده، لأنا نقول: ذاك إذا اعتبر الثبات بطريق التأكيد والدوام، ونحو ذلك، ثم
نفي، وهاهنا اعتبر النفي أولا، ثم أكد، وجعل بحيث يفيد الثبات، أو الدوام، وذلك
كما أنَّ " ما أنا سعيت في حاجتك " لاختصاص النفي، لا لنفي الاختصاص،
وبالجملة ففرق بين تقييد النفي، ونفي التقييد (٢). انتهى.
وقال الشريف: الجواب أن العدول إلى الاسمية لسلوك طريق الكناية في رد دعواهم الكاذبة، فإن انخراطهم في سلك المؤمنين، وكونهم طائفة من طوائفهم من لوازم ثبوت الإيمان الحقيقي لهم، وانتفاء اللازم أعدل شاهد على انتفاء ملزومه، ففيه من التأكيد والمبالغة ما ليس في نفي الملزوم ابتداء.
وكيف لا، وقد بولغ في نفي اللإزم بالدلالة على دوامه المستلزم لانتفاء حدوث الملزوم مطلقا، وأكد ذلك النفي بالباء أيضاً، فليس في هذه الاسمية تقديم
стр. 373
لقصد الاختصاص أصلا، ولا لجعل الكلام في شأن الفاعل أنه كذا، أو ليس كذا قطعا، بل المقصود بها ما ذكرناه من سلوك طريق هو أبلغ وأقوى في رد تلك الدعوى (١).
وفي بعض الحواشي: ادعى صاحب " الكشاف " هنا أن قولنا: زيد ليس بقائم، أبلغ من قولنا: ما قام، وما يقوم، ولم يصرح بحجة تدل عليه.
ولعله يشير إلى أن قولنا: زيد لا يقوم وصف له بالامتناع من القيام، وذلك قد يكون مع القدرة عليه، ومع عدم القدرة، وقولنا: زيد ليس بقائم، فيه سلب الاتصاف، فكأنَّه أقوى في (٢) سلب أهلية الاتصاف.
وقال أبو حيان: لأجل التأكيد والمبالغة في نفي إيمانهم جاءت الجملة المنفية اسمية مصدرة ب " هم "، وتسلط النفي على اسم الفاعل الذي ليس مقيدا بزمان ليشمل النفي جميع الأزمان؛ إذ لو جاء النفي منسحبا على اللفظ المحكي الذي هو (آمنا) لكان وما آمنوا، فكان يكون نفيا للإيمان الماضي، والمقصود أنهم ليسوا متلبسين بشيء من الإيمان في وقت ما من الأوقات (٣).
قوله: (انتحلوا) في " الأساس ": انتحل شعر غيره إذا ادعاه لنفسه (٤).
قوله: (وأطلق الإيمان على معنى أنهم ليسوا من الإيمان في شيء، ويحتمل أن يقيد بما قيدوا به؛ لأنه جوابه)
في بعض الحواشي: هذا الاحتمال مطرد في التقييد بالمجرور، وظرف الزمان والمكان، والمفعول من أجله، والحال، وسين الاستقبال إذا عطف عليه ما خلا عن التقييد بها، كقولك: ضربت زيدا بعصى وعمرا، وأكرمت زيدا يوم الجمعة وعمرا، وضربت زيدا عندك وعمرا، وأكرمت زيدا وفاءً بحقه وعمرا، ولقيت زيدا راكبا وعمرا، وسيقوم زيد، ويكتسب (٥) مالا.
ومنه قوله تعالى (كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ) [سورة مريم ٧٩]
والذي يختص بهذه الآية أن الإطلاق فيها، والخلو عن التقييد أبلغ؛ لأنه يدخل
стр. 374
فيه المقيد وغيره، لعموم النفي، بخلاف هذه الأمثلة.
* * *
قوله: (الخدع)
هو بفتح الخاء وكسرها كما في " الصحاح " (١) واقتصر بعضهم على الكسر.
قوله: (أن توهم)
قال الشيخ سعد الدين: هو متعد إلى مفعولين، يقال: وهمت الشيء، أهمه، أي وقع في خلدي، وأوهمته غيري وَوَهَّمتُهُ (٢).
قوله: (الخارش) أي الصائد
قال القطب: الخرش مخصوص بصيد الضباب (٣).
وفي " الصحاح ": فلان يخرش لعياله، أي يكتسب ويطلب الرزق (٤)
قوله: (وأصله الإخفاء) أخذه من الإمام (٥).
وقال ابن عطية نقلا عن أهل اللغة: أصله الفساد، ثم حكى الأول بصيغة التمريض (٦) في كلام الراغب ما يوهم أن أصله التلون (٧).
وقال الطيبي: قد يكون الخداع حسنا إذا كان الغرض استنزال الغير من ضلال إلى رشد، ومن ذلك استدراجات التنزيل على لسان الرسل في دعوة الأمم، وهذا يناسب أن يكون أصله الإخفاء (٨).
قوله: (ومنه المخدع) وهو بضم الميم وكسرها.
قال ابن السكيت: والأصل الضم، وإنما كسر استثقالا (٩).
قوله: (والأخدعان لعرقين خفيين)
قال الراغب: الخداع إنزال الغير عما هو بصدده بأمر يبديه على خلاف ما
стр. 375
يخفيه، ومنه خدع الضب إذا استتر في جحره، و " أخدع من ضب " (١) وطريق خادع، وخيدع مضل، كأنه يخدع سالكه، والمخدع بيت في بيت، كأنَّ بانيه جعله خادعا لمن رام تناول ما فيه، وخدع الريق إذا قلَّ، يتصور منه هذا المعنى، والأخدعان يتصور منهما الخداع لاستتارهما تارة، وظهورهما أخرى.
وفي الحديث " بين يدي الساعة سنون خداعة " (٢) أي محتالة؛ لتلونها بالجدب تارة، وبالخصب تارة. (٣) انتهى.
قوله: (وخداعهم مع الله ليس على ظاهره)
قال الإمام: لقائل أن يقول: مخادعة الله ممتنعة من وجهين:
أحدهما: أنه تعالى يعلم الضمائر والسرائر، فلا يمكن أن يخادع، بأن يخفى منه خلافه ما يبدى.
والثاني: أن المنافقين لم يعتقدوا أن الله بعث الرسول إليهم، فلم يكن قصدهم في نفاقهم مخادعة الله (٤).
قوله: (بل المراد إما مخادعة رسوله على حذف المضاف)
قال الراغب: نسبة الخداع إلى الله تعالى من حيث إن معاملة الرسول كمعاملته، وجعل ذلك خداعا تفظيعا لفعلهم وتعظيما، وتنبيها على عظم الرسول وعظم أوليائه.
وقول أهل اللغة: إن هذا على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، فيجب أن يعلم أن المقصود بمثله في الحذف لا يحصل لو أتي بالمضاف المحذوف؛ لما ذكرنا من التنبيه على أمرين:
أحدهما: فظاعة فعلهم فيما تحروه من الخديعة، وأنهم بمخادعتهم إياه يخادعون الله.
стр. 376
والثاني: التنبيه على عظم المقصود بالخداع، وأن معاملته كمعاملة الله. (١) انتهى.
قوله: (أو على أن معاملة الرسول معاملة الله من حيث إنه خليفته)
قال الشيخ سعد الدين: حاصل هذا الوجه أن المراد بخدع الله خدع الرسول، فالمجاز في التحقيق يكون في الهيئة التركيبية، والنسبة الإيقاعية، لا في لفظ " الله " وإطلاقه على الرسول؛ للإطباق على أن لفظ " الله " لا يطلق على غيره، لا حقيقة، ولا مجازا (٢).
وفي بعض الحواشي: حاصل هذا الوجه يرجع إلى إطلاق اسم السبب على المسبب.
بيانه أن الملك إذا أمر بالقتل، فالقا تل هو المباشر، وأمر الملك هو السبب، فإذا قيل: قتل الملك فلانا، أطلقوا على المسبب اسم السبب.
قوله: (وإما أن صورة صنعهم مع الله) إلى آخره
قال الشيخ سعد الدين: حاصل هذا الوجه أن المراد بالخداع المعاملة الشبيهة به، فيكون استعارة تبعية تمثيلية (٣).
وقال الشريف: الحاصل أن بينهم من الجانبين معاملة شبيهة بالمخادعة، فقوله: (يخادعون) استعارة تبعية، وليس في هذا اعتبار هيئة مركبة من الجانبين، وما يجري بينهما مشبهة بهيئة أخرى مركبة من الخادع والمخدوع والخدع؛ ليحمل الكلام على الاستعارة التمثيلية (٤).
стр. 377
قوله: (بإجراء أحكام المسلمين عليهم)
قال الطيبي: يعني به جريان التوارث، وإعطاء السهم من المغنم، وغيرهما (١).
قوله: (لأنه بيان لـ (يقول) أو استئناف)
زاد في " الكشاف ": " كأنه قيل: ولم يَدَّعُون الإيمان كاذبين، وما رفقهم في ذلك؟
فقيل: يخادعون " (٢)
قال أبو حيان: وعلى كلا الوجهين لا موضع للجملة من الإعراب. (٣)
قوله: (والفعل متى غولب فيه)
قال الشيخ سعد الدين: أي عورض، وجرى بينه وبين صاحبه مباراة ومقابلة (٤).
قوله: (كان أبلغ)
زاد في " الكشاف ": " لزيادة قوة الداعي إليه (٥) "
قوله ": (وُيخْدَعُوْنَ وُيخَادَعُونَ على البناء للمفعول، ونصب أنفسهم بنزع الخافض)
قال ابن جني في " المحتسب ": وما يُخدعون قراءة عبد السلام بن شداد (٦)، والجارود بن أبي سبرة (٧).
وهذا على قولك: خدعت زيدا نفسه، ومعناه عن نفسه، فإن شئت قلت: حذف حرف الجر، فوصل الفعل، كقوله تعالى (واختار موسى قومه) [سورة الأعراف ١٥٥]
أي من قومه، وإن شئت قلت: حمله على المعنى، فأضمر له ما يناسبه.
стр. 378
وذلك أن قولك: خدعت زيدا عن نفسه يدخله معنى انتقصته نفسه، فلما تضمن معناه أجري مجراه في الاستعمال.
وعليه قوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) [سورة البقرة
١٨٧] وأنت لا تقول: رفثت إلى المرأة، وإنما تقول: رفثت بها، لكن لما ضمن معنى الإفضاء عدي ب " إلى "، كما يعدى أفضيت ب " إلى " (١)
وقال أبو حيان: ومن قرأ (وما يُخَادَعُوْنَ) أو (يُخْدَعُوْنَ) مبنيا للمفعول فانتصاب ما بعد إلاّ على ما انتصب عليه " زَيْدٌ غُبنَ رَأيَهُ " إما على التمييز على مذهب الكوفيين، صماما على التشبيه بالمفعول به، عَلى ما زعم بعضهم، وإما على إسقاط حرف الجر، أي في أنفسهم، أو عن أنفسهم، أو ضمن الفعل معنى ينتقصون ويسلبون، فينتصب على أنه مفعول به، كما ضمن الرفث معنى الإفضاء، فعدي ب " إلى "، ولا يقال: رفث إلى كذا، وكما ضمن (هل لك إلى أن تزكى) [سورة النازعات ١٨] معنى أدعوك، ولا يقال إلا: هل لك في كذا (٢).
قوله: (والنفس ذات الشيء، وحقيقته) زاد الإمام: ولا تختص بالأجسام (٣).
قوله: (ثم قيل للروح) إلى آخره
قال الشيخ سعد الدين، والشريف: ظاهر هذا الكلام أن لفظ النفس حقيقة في الذات، مجاز فيما عداها.
وكذا قال القطب، وعلله بأن الذات تقوم بالروح، وبالقلب وبالدم، وبالماء (٤).
وقال الطيبي: قوله: " ثم قيل للقلب: نفس " متفرع على الأول، وقوله: " للدم نفس " متفرع على الثاني، يدل عليه " لأن قوامها " أي قوام الروح بالدم (٥).
وقال الشريف: إطلاق النفس على الرأي من قبيل تسمية المسبب باسم السبب، أو استعارة مبنية على المشابهة (٦).
قوله: (جعل اللحوق وبال الخداع) إلى آخره.
стр. 379
قال الشيخ سعد الدين: يعني أن قوله (لا يشعرون) أبلغ وأنسب من (لا يعلمون " (١)
قوله: (لأنها مانعة من نيل الفضائل) إلى آخره.
بيان لعلاقة المجاز، وهو مأخوذ من كلام الراغب (٢).
قوله: (والآية تحتملهما).
أقول: الذي عليه أهل التفسير حمل الآية على الثاني، وهو المجاز، فقد أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود، وابن عباس، وأبي العالية، ومجاهد، وعكرمة (٣)، والحسن، والربيع، وقتادة (٤)، ولم يحكيا خلافه عن أحد. والتفسير مرجعه النقل.
والعجب من المصنف، وصاحب " الكشاف " أنهما في أكثر المواضع القرآنية والحديثية يحملان ما ظاهره الحقيقة على المجاز والاستعارة، مع عدم الداعية إليه، ومع تصريح أئمة الحديث والأجلاء بأن المراد الحقيقة على ظاهره، ويساعدهما الشريف، ومن جرى مجراه على ذلك، ويتركون أئمة الحديث بقولهم: زعم أهل الظاهر! ولا مستند لهم في ذلك إلا قولهم: إن المجاز أبلغ من الحقيقة.
وهاهنا ورد التفسير عن الصحابة والتابعين بالمجاز، ليس إلا، فلم يقتصروا عليه، وزادوا الحقيقة.
وليس في المتكلمين على الكشاف أكثر مشيا على طريقة المحدثين من الطيبي، فإنه كان - مع إمامته في المعقولات - محدثا صوفيا قوله: (أليم) أي مؤلم)
قال أبو حيان: وفعيل بمعنى مفعل مجاز (٥).
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كل شيء في القرآن أليم فهو
стр. 380
الموجع (١).
قوله: (يقال: ألم، فهو أليم) إلى آخره
في بعض الحواشي: هذا فرار مما قاله الأكثرون، أن أليما بمعنى مؤلم، وجعلوه مثل (بديع السموات والأرض) [سورة البقرة ١١٧] أي مبدعهما.
وقول الشاعر (٢):
أَمِنْ رَيحَانَةَ الدَّاعِيْ السَّمِيْعُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
أي المسمع
والزمخشري يقول: إن فعيلا إنما يكون بمعنى فاعل، أو مفعول من الثلاثي، فأمَّا الرباعي فلا يجيء منه فعيل، فلا يقال: فعيل في " أحسن " ولا في " أعطى " فجعل أليما مأخوذا من " ألم " الثلاثي.
ونَظَّرَهُ بقولهم: وجع الرجل، فهو وجيع.
واحتاج إلى مجاز في الإسناد، وهو أن المتوجع والمتألم هو الإنسان، وقد ينسب ذلك إلى المصدر الحالِّ به، فيقال: ضرب وجيع، والوجع إنما هو للمضروب، ويقال: عذاب أليم، والألم إنما هو للمُعَذَّبِ، ونَظَّرَهُ بقولهم: جَدَّ جِدُّهُ، والجد في الأمر هو الاجتهاد، وهو على التحقيق فعل الجادِّ، لا فعل الجِدِّ (٣).
وأما قوله (بديع السموات والأرض) فقد فسره الزمخشري في مكانه بأنه من باب الصفة المشبهة (٤)، بديع السموات كقولك: جميل الوجه، وكريم الأب، وليس المعنى مبدع السموات، بل المعنى بديعة سمواته، كما أن المعنى جميل وجهه، وكريم أبوه.
وأما قوله:
أمن ريحانة الداعي السميع. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
فقد ذكر الزمخشري - فيما علّق عنه، ورأيته بخطه على حاشية " الكشاف " - أن المراد من ريحانة داع من قلبي، سميع لدعاء داعيها، لا بمعنى مسمع منها.
стр. 381
ويؤيده قوله:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يُؤَرِّقُنِيْ وَأَصْحَاْبِيْ هُجُوْعُ
فإن أكثر القلق والأرق إنما يكون من دواعي النفس وأفكارها. انتهى.
وهذه الحاشية التي أنقل عنها على الإبهام وقع لي منها مجلد على سورة البقرة، ولم يكتب عليه اسم مؤلفه، فانا أنقل عنه مبهما، وأظن أنها حاشية الجابردي (١)
قوله: (. . . . . . . . . . . . . . . . . . . تَحِيِّةُ بَيْنهِمْ ضرْبٌ وَجِيْعُ)
قال الطيبي: أنشد أوله الزجاج:
وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهُمْ بِخَيْلٍ (٢). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ..
أي أصحاب خيل.
دلفت: دنوت، يقال: دلفت الكتيبة في الحرب، أي تقدمت. والتحية مصدر حييته تحية، أي رب جيش قد تقدمت إليهم بجيش، والتحية بينهم الضرب بالسيف، لا القول باللسان، كما هو العادة. والوجيع في الحقيقة المضروب، لا الضرب (٣).
وقال الشريف: يقال: دلفت الكتيبة تقدمت، ودلف الشيخ إذا قارب الخطو، وكلا المعنيين حسن هنا، والباء في " بخيل " للتعدية (٤).
وفي " شرح شواهد سيبويه " للزمخشري: أن هذا البيت لمعدي كرب (٥).
قوله: (على طريقة قولهم: جَدَّ جدُّهُ)
قال الطيبي: أي طريقة الإسناد المَجازي (٦).
وقال الشيخ سعد الدين: ظاهر هذا الكلام أنه من قبيل الإسناد إلى المصدر مثل جد جده، لكن لا يخفى أنه ليس مصدر الفعل المسند، وإنما يكون كذلك لو
стр. 382
قيل: أَلَمٌ أَلِيْمٌ، وَوَجَعٌ وَجِيْعٌ، فمن هنا قد يتكلف فيقال: العذاب هو الألم الفادح، والضرب أعني المضروبية هو الوجع (١).
قوله: (والمعنى بسبب كذبهم)
قال الشريف: أشار بذلك إلى أنَّ لفظة " ما " مصدرية (٢).
وقال أبو حيان: زعم أبو البقاء أن كون " ما " موصولة أظهر، قال: لأن الهاء المقدرة عائدة إلى " الذي " دون المصدر (٣).
ولا يلزم أن يكون ثَمَّ هاء مقدرة، بل من قرأ (يَكْذِبُوْنَ) بالتخفيف فالفعل غير متعد، ومن قرأ بالتشديد (٤) فالمفعول محذوف، لفهم المعنى، تقديره بكونهم يُكَذَّبُوْنَ اللهَ في أخباره، والرسولَ فيما جاء به (٥).
قوله: (من كَذَّبَهُ)
أي على أنه للتعدية، بمعنى يُكَذِّبُوْنَ النبيَّ، أي يعتقدونه كاذبا.
قوله: (أو من كَذَّبَ الذي هو للمبالغة أو التكثير)
قال الطيبي: الفرق بين الكثرة والمبالغة أن الكثرة تفيد صدور هذا المعنى من الشخص مرارا كثيرة، والمبالغة لا تستدعي المرات، بل المراد أن الشخص في نفسه بليغ في كذبه، كأنه بمنزلة مرار كثيرة (٦).
وقال الشيخ سعد الدين: المبالغة الزيادة في الكيفية، أي يكذبون كذبا عظيما، والتكثير الزيادة في الكمية من جهة كثرة الفاعلين (٧).
قوله: (مِثْلُ بَيَّنَ الشيْءُ) أي اتضح، بمعنى بأن، غير أن بَيَّنَ أبلغ؛ لأنه يدل على كمال ظهور الشيء واتضاحه.
قوله: (وَمَوَّتَتِ البَهَائِم) هو بمعنى ماتت، غير أنه يفيد الكثرة (٨).
стр. 383
ففي كلام المصنف لف ونشر مرتب؛ فإن بين الشيء راجع إلى المبالغة، وموتت البهائم راجع إلى التكثير، كما أفصح به في " الكشاف " (١)
قوله: (أو من كَذَّبَ الوَحْشِيُّ) إلى آخره
قال الطيبي: فعلى هذا هو استعارة تبعية واقعة على التمثيل (٢).
وقال الشيخ سعد الدين، والشريف: هو مجاز عن كَذَّبَ الذي هو للتعدية، كأنه يَكْذِبُ رأيه وظنه، فيتردد (٣).
زاد الشريف: ولما كثر استعماله في هذا المعنى وكان حال المنافق شبيهة به جاز أن يستعار لها وإن كان ما تقدم أولى (٤).
قوله: (والكذب هو الخبر عن الشيء على خلاف ما هو به، حرام كله)
تبع في ذلك " الكشاف (٥) " وليس كما قالاه، بل من الكذب ما هو مباح، وما هو مندوب، وما هو واجب، كما هو مقرر في كتب الفقه.
وفي الحديث: " كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا ثلاثا (٦): الرجل يكذب في الحرب؛ فإن الحرب خدعة، والرجل يكذب على المرأة فيرضيها، والرجل يكذب بين الرجلين فيصلح بينهما " (٧)
стр. 384
رواه الطبراني في " الكبير " من حديث النواس بن سمعان (١).
وروى الطبراني في " الأوسط ": حديث " الكذب كله إثم إلا ما نفع به مسلم، أو دفع به عن دين " (٢)
قال النووي في " الأذكار ": وأما المستثنى منه فقد روينا في الصحيحين عن أم كلثوم (٣) أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ليس الكذاب الذي
стр. 385
يصلح بين الناس، فينمي خير أو يقول خيرا "
زاد مسلم قالت أم كلثوم: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، والمرأة زوجها (١).
فهذا الحديث صريح في إباحة بعض الكذب للمصلحة.
وقد ضبط بعض العلماء ما يباح منه، وأحسن ما رأيته في ضبطه ما ذكره أبو حامد الغزالي فقال: الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا، فالكذب فيه حرام؛ لعدم الحاجة إليه، وإن أمكن التوصل إليه بالكذب ولم يمكن بالصدق، فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحا، وواجب إن كان المقصود واجبا.
فإذا اختفى مسلم من ظالم وسأل عنه وجب الكذب بإخفائه، وكذا لو كان عنده، أو عند غيره وديعة، وسأل ظالم يريد أخذها منه وجب عليه الكذب بإخفائها، ولو استحلفه عليها لزمه أن يحلف، وُيوَرِّيْ في يمينه، وكذا لو كان المقصود حربا، أو إصلاح ذات البين، أو استمالة قلب المجني عليه في العفو عن الجناية لا يحصل إلا بالكذب، فالكذب ليس بحرام، وكذلك كلما ارتبط به غرض صحيح له أو لغيره، فالذي له مثل أن يأخذه ظالم ويسأله عن ماله ليأخذه فله أن ينكره، أو يسأله السلطان عن فاحشة بينه وبين الله تعالى ارتكبها فله أن ينكرها ويقول: ما زنيت، أو ما سرقت مثلا.
وقد اشتهرت الأحاديث بتلقين الذين أقروا بالحدود الرجوع عن الإقرار.
وأما غرض غيره فمثل أن يسأل عن سر أخيه فينكره، أو نحو ذلك.
وينبغي أن يقابل بين مفسدة الكذب، والمفسدة المترتبة على الصدق، فإن كانت المفسدة في الصدق أشد ضررا فله الكذب، وإن كان عكسه، أو شك حرم عليه الكذب. (٢) انتهى.
وفي الحاشية المشار إليها: هذا الذي ذكره الزمخشري بناء على مذهبه في التحسين والتقبيح، فهم يقولون: الكذب كله قبيح وإن تضمن مصلحة بناء على أن الأحكام تابعة لأوصاف في الذات.
стр. 386
وأهل السنة يقولون: الكذب للمصلحة مباح، وقد يكون واجبا كما إذا اختفى مظلوم، وسئل عنه فإنه يحرم الصدق في الإعلام به، ويجب الكذب (١). انتهى.
وهذا الموضع مما مشى على (٢) البيضاوي من " الكشاف "، فلم يتنبه أنه على مذهبه، وما تنزه عن الغفلة إلا الله سبحانه.
قوله: (وما روي أن إبراهيم ﵊ كذب ثلاث كذبات)
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ في حديث الشفاعة: " فيقول إبراهيم إني كذبت ثلاث كذبات (٣) " وفي رواية: " وذكر قوله في الكوكب: هذا ربي، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله: إني سقيم (٤) "
وروى الترمذي عن أبي سعيد في حديث الشفاعة: " فيأتون إبراهيم فيقول: إني كذبت ثلاث كذبات " ثم قال رسول الله ﷺ : " ما منها كذبة إلا ما حل بها عن دين الله "
وفي رواية عند أحمد، وأبي يعلى: " إني كذبت في الإسلام ثلاث كذبات والله إن أجادل بهن إلا عن دين الله: قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله لامرأته حين أتى على الملك: أختي (٥) "
стр. 387
وفي الحاشية المشار إليها: حكى ابن خطيب الريِّ أنه باحث رجلا في هذا الحديث فقال: يجب القطع بكذب الراوي؛ لأنه قد ثبت عصمة الأنبياء، فقال له الرجل: كيف يكذب الراوي، والحديث ثابت في الصحيحين؟ فقال: تكذيب الراوي حتى يصدق إبراهيم أولى (١).
قال صاحب الحاشية: وهذا البحث فاسد من ابن الخطيب.
قوله: (فالمراد التعريض)
قال الشيخ أكمل الدين: اختلف في معنى التعريض هاهنا، فقيل: هو خلاف التصريح، وهو تضمين الكلام دلالة ليس لها فيه ذكر، وقيل: هو اللفظ المشار به إلى جانب، والغرض جانب آخر، وسمي تعريضا لما فيه من التعرج عن المطلوب (٢).
وبهذا الأخير جزم الطيبي، وقال: يقال: نظر إليه بعرض وجهه، أي بجانبه، ومنه المعاريض في الكلام، وهي التورية بالشيء.
قال: ونوع من التعريض يسمى الاستدراج، وهو إرخاء العنان مع الخصم في المجاراة؛ ليعثر حيث يراد تبكيته، فسلك إبراهيم ﵇ مع القوم هذا المنهج.
أما قوله في الكوكب: (هذا ربي) فكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب، فأراد أن ينبههم على الخطإ في دينهم، ويرشدهم إلى أن شيئا منها لا يصلح للإلاهية؛ لقيام دليل الحدوث فيها، وأن وراءها محدثا أحدثها.
وأما قوله: (بل فعله كبيرهم) فتنبيه على أن الإلاه الذي لم يقدر على دفع المضرة عن نفسه كيف يرجى منه دفع الضرر عن الغير.
стр. 388
وأما قوله: (إني سقيم) فإنه ﵇ أوهمهم أنه استدل بأمارة علم النجوم على أنه سيسقم ليتركوه، فيفعل بالأصنام ما أراد أن يفعل، أو سقيم لما أجد من الغيظ والحنق باتخاذكم النجوم آلهة (١)
قال الشيخ سعد الدين: وأما قوله: هذه أختي فالغرض منه الأخوة في الدين، تخليصا من يد الظالم. (٢)
قال الطيبي: فإن قلت: فإذا شهد له الصادق المصدوق بالبراءة فما باله (٣) يشهد على نفسه بها؟
قلت: نحن وإن أخرجناها عن مفهوم الكذبات باعتبار التورية، وسميناها معاريض فلا ننكر أن صورتها صورة التعريج عن المستقيم، فالحبيب قصد إلى براءة ساحة الخليل عما لا يليق بها، فسماها معاريض، حيث قال: ما حل، أي جادل، وهو معنى التعريض؛ لأنه نوع من الكناية، والخليل لمح إلى مرتبة الشفاعة هنالك، وأنها مختصة بالحبيب، فتجوز في الكذبات.
ويمكن أن يقال: إنهم من هول ذلك اليوم، وما بهم من شأن أنفسهم يدفعونهم بذلك.
هكذا ينبغي أن يتصور هذا المقام؛ فإنه من مزال الأقدام، ألا ترى إلى الإمام كيف ذهل عن ذلك، وطعن في الأئمة، وقال في سورة يوسف: الأولى أن لا يقبل مثل هذه الأحاديث؛ لئلا يلزمنا تكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا شك أن صونهم عن نسبة الكذب إليهم أولى من صون الرواة. (٤) انتهى.
قلت: قد وقع مثل ذلك (٥) للإمام في غير ما حديث صحيح أنكره اعتمادا على صعوبة ظاهره، وكذا وقع أيضاً للقاضي أبي بكر الباقلاني، ولإمام الحرمين، ولابن فورك (٦)، وللقاضي عياض، وللغزالي، وآخرين أجلاء، أنكروا أحاديث، وهي صحيحة
стр. 389
ثابتة في الصحيحين وغيرهما، قابلة للتأويل، وتعجب منهم أئمة الحديث في ذلك، وأرجو أن أجمعها في جزء، وسيمر بك في هذه الحاشية أشياء منها.
قوله: (عطف على (يكذبون) أو (يقول)
فيه أمور:
الأول: قال أبو حيان: إذا كان عطفا على (يكذبون) كان موضعه نصبا؛ لأنه معطوف على خبر كان، والمعطوف على الخبر خبر، وهي إذ ذاك جزء من السبب الذي استحقوا به العذاب الأليم.
وإذا كان عطفا على (يقول) فلا محل له من الإعراب؛ لأنه معطوف على صلة (من) والصلة لا محل لها، ولا يكون جزءا من السبب (١).
الثاني: قال في " الكشاف ": " والأول أوجه (٢) "
قال صاحب " التقريب ": لأنه أقرب، وليفيد تسببه للعذاب أيضاً (٣).
زاد الطيبي: وليؤذن أن صفة الفساق يحترز منها؛ لقبحها، كما يحترز من الكذب (٤).
زاد الشيخ أكمل الدين، والشيخ سعد الدين: ولئلا يلزم تخلل البيان، أو الاستئناف فيما بين أجزاء الصلة، أو الصفة (٥).
قال القطب، والطيبي، والتفتازاني، والشريف: ويمكن أن يقال: إن الثاني أوجه؛ لأن في العطف على (يقول آمنا) تصييرا للآيات على سننن تعديد قبائحهم، فيفيد صفة أخرى لهم على الاستقلال، ولأن قوله (وإذا قيل لهم) (وإذا لقوا) معطوفان على قوله (وإذا قيل لهم لا تفسدوا) فلو عطف على (يكذبون) كانا أيضا معطوفين عليه، فيدخلان في حيز تسبب العذاب، فتنتفي فائدة اختصاص الكذب بالذكر بالكلية (٦).
стр. 390
وعبارة الشيخ سعد الدين: وقد يقال: بل الثاني أوجه؛ لتكون الآيات على سنن تعديد قبائحهم، وتفيد اتصافهم بالأوصاف المذكورة قصدا واستقلالا، وتدل على أن العذاب لاحق بهم من أجل كذبهم الذي هو أدنى حالهم في الكفر والنفاق، فكيف بسائر الأحوال؟
قال: فإن قيل: فالعطف على الاسمية - أعني (من الناس من يقول) - أوفى بتأدية هذه المعاني، فلم لا يعتد به؟
قلنا: لأنه لا يفيد دخول هذه الأحوال في ذكر المنافقين، وبيان قصتهم وحالهم، ولا يحسن عود الضمائر إليهم عند من له معرفة بأساليب الكلام (١).
الثالث: قال أبو حيان: ما أجازه الزمخشري من العطف على (يكذبون) أجازه أيضاً أبو البقاء (٢).
وهذا خطأ إن كانت " ما " في قوله (بما كانوا يكذبون) موصولة بمعنى الذي، وذلك أن المعطوف على الخبر خبر، و (يكذبون) قد حذف منه العائد على (ما)
* * *
وقوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ) إلى آخر الآية لا ضمير فيه يعود على (ما) فبطل أن يكون معطوفا عليه؛ إذ يصير التقدير: ولهم عذاب أليم بالذي كانوا (إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون) وهذا كلام غير منتظم، لعدم العائد، وإن كانت مصدرية فعلى مذهب الأخفش يكون هذا الإعراب أيضاً خطأ؛ إذ عنده أن ما المصدرية اسم يعود عليها من صلتها ضمير، والجملة المعطوفة عارية منه، وأما على مذهب الجهور فهذا الإعراب شائع (٣). انتهى.
الرابع: قال أبو حيان: لم يذكر الزمخشري، وأبو البقاء في إعراب هذا سوى أن يكون معطوفا على (يكذبون) أو (يقول) (٤).
وزعما أن الأول أوجه، وقد ذكرنا ما فيه.
والذي نختاره أن يكون من باب عطف الجمل، وأن هذه الجملة مستأنفة، لا موضع لها من الإعراب؛ إذ هذه الجملة، والجملتان بعدها، هي من تفاصيل الكذب، ونتائج التكذيب.
следующие страницы →