← Тафсир

Тафсир · id 29882

نواهد الأبكار وشوارد الأفكار = حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي

الجلال السيوطي

Полный текст (1 427 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وجمع الصولي (١) أخبار أبي تمام في مجلد (٢). قوله: (فلا يبعد أن يجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه) أي لأنه موثوق به في الرواية، فلو لم يسمع من العرب لم يقل. قلت: ولا يخفى ما في هذا؛ إذ لو فتح هذا الباب لاحتج بكل ما وقع في شعر المحدثين بهذا الطريق. وكم أخذ النحاة، واللغويون على أبي تمام، والمتنبي، وأضرابهما من موضع ولَحَّنُوهُم (٣). وفي الحاشية المشار إليها: ما ذكره المصنف ممنوع؛ فإن الإنسان قد يتساهل فيما ينطق به، ولا يتساهل فيما ينقله إذا كان عدلا. ولو صح ما قاله لم يقتصر ذلك على أبي تمام، ولجاز الاستشهاد بقول الحريري، وغيره ممن جمع بين الأدب والعدالة، وليس كذلك. وقال الشيخ بهاء الدين ابن عقيل في تفسيره: الظاهر لزوم أظلم، فالأصل عدم الحذف، وكون الهمزة للنقل خلاف الظاهر، وقول أبي تمام ليس كروايته؛ لجواز صدور قوله عن اجتهاد أخطأ فيه، فالحجة فيما رواه، لا فيما رآه. وكذا قال الشيخ سعد الدين: قد يفرق بأن مبنى الرواية على الوثوق والضبط، ومبنى القول على الدراية والإحاطة بالأوضاع والقوانين، والإتقان في الأول لا يستلزم الإتقان في الثاني، فغاية الأمر أنه جمع في " الحماسة " أشعار من يستشهد بشعرهم، وصدق في ذلك، فمن أين يجب أن يكون ما يستعمله في شعره مسموعا

стр. 457

ممن يوثق به، أو مأخوذا من استعمالاتهم. والقول بأنه بمنزلة نقل الحديث بالمعنى ليس بسديد، بل هو بعمل الراوي أشبه، وهو لا يوجب السماع (١). قوله: (وإنما قال مع الإضاءة (كلما) ومع الإظلام (إذا) لأنهم حراص على المشي، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها، ولا كذلك التوقف) الفرصة النوبة والشرب، يقال: وجد فلان فرصة، أي نهزة، وجاءتك فرصتك في النهز، أي نوبتك. وفي " الصحاح ": انتهزت الفرصة إذا اغتنمتها (٢). وقد ذهب بعضهم إلى أن التكرار مراد في الإظلام أيضاً، وأنه ترك استغناء بذكره في الجملة الأولى، أو لاستفادة التكرار منها، فإن تكرار الإضاءة لا يتحقق إلا بتكرار الإظلام. وقال أبو حيان: لا فرق عندي بين (كلما) و (إذا) هنا من جهة المعنى إذ التكرار متى فهم من (كلما أضاء) لزم منه التكرار أيضاً في أنه (إذا أظلم عليهم قاموا) إذ الأمر دائر بين إضاءة البرق والإظلام، متى وجد ذا فُقِدَ ذا، ولزم من تكرار وجود ذا عدم ذا. على أن من النحاة من ذهب إلى أن " إذا " تدل على التكرار، كـ " كلما " وأنشد: إِذا وَجَدتُّ أُوَارَ الحُبِّ فِي كَبِدِي. . . أَقبَلْتُ نَحْوَ سِقاءِ القَوْمِ أبْتَرِدُ (٣) فمعناه معنى " كلما " (٤). والتكرار الذي يذكره أهل أصول الفقه والفقهاء في " كلما (٥) " إنما ذلك فيها من العموم، لا أن لفظ " كلما " وضع للتكرار، كما يدل عليه كلامهم، وإنما جاءت " كل " توكيدا للعموم المستفاد من " ما " الظرفية، فإذا قلت: " كلما جئتني أكرمتك " فالمعنى: أكرمك في كل فرد من جيأتك إليَّ.

стр. 458

قوله: (ومنه قامت السوق إذا ركدت) قال التفتازاني: أي سكنت. قال: وقد سبق قامت السوق، بمعنى نفقت، وكلاهما مذكور في كتب اللغة (١). قال الشريف: فهو من الأضداد (٢). قوله: (بقصيف الرعد) أي شدة صوته. قوله: (بوميض البرق) أي لمعانه. قوله: (ولقد تكاثر حذفه في شاء وأراد) في الحاشية المشار إليها: ليس على ظاهره، بل إنما يكون ذلك مع " إِنْ " الشرطية، و " لولا " الامتناعية، وما شاكلهما، ك " إذا " ونحوها، لافتقارها إلى جواب فيغني الجواب عن المفعول المضمر. فأمَّا إذا تجردا عن ذلك فحكمهما حكم سائر الأفعال في ظهور مفعولهما. وكذا قال الشريف: أي تكاثر حذف المفعول في شاء وأراد ومتصرفاتهما إذا وقعت في حيز الشرط؛ لدلالة الجواب على ذلك المحذوف، مع وقوعه في محله لفظا، ولأن في ذلك نوعا من التفسير بعد الإبهام (٣). قوله: (فَلَوْ شِئْتُ أن أَبْكِيَ دَماً لَبَكَيتُهُ. . . . . . . . . . . . . . . .) تمامه: . . . . . . . . . . . . . . . . . عَلَيكَ وَلَكِنْ سَاحَةُ الصَّبْرِ أَوْسَعُ (٤) قال الطيبي: أتى بالمفعول؛ لأن بكاء الدم مستغرب، ونصب " دما " باعتبار تضمين البكاء معنى الصب (٥). قلت: والبيت من قصيدة لأبي يعقوب الخريمي (٦)، يرثي بها خريم بن عامر

стр. 459

المري، وبعده - وهو آخرها -: وإنِّي وإنْ أَظهَرْتُ صَبْرًا وَحسبَةً. . . وَصَانَعْتُ أَعدَائِيْ، عَلَيكَ لَمُوْجَعُ قوله: (و " لو " من حروف الشرط، وظاهرها الدلالة على انتفاء الأول لانتفاء الثاني، ضرورة انتفاء الملزوم عند انتفاء لازمه) قال الشيخ سعد الدين: الظاهر أن " لو " هاهنا لمجرد الشرط، بمنزلة " إِنْ " لا بمعناه الأصلي من انتفاء الشيء لانتفاء غيره (١). وقال الشريف: كلمة " لو " هنا مستعملة لربط جزائها بشرطها مجردة عن الدلالة على أن انتفاء أحدهما لانتفاء الآخر، فهي بمنزلة " إن " وقد يقال: إنها باقية على أصلها وقصد بها التنبيه على أن مشقتهم بسبب الرعد والبرق وصلت غايتها، وقاربت إزالة الحواس بحيث لو تعلقت به المشيئة لزالت بلا حاجة إلى زيادة في قصيف الرعد وضوء البرق (٢). قوله: (وقرئ لأذهب بأسماعهم، بزيادة الباء) قال الطيبي: يعني دلت الهمزة على التعدية، والباء كعضادة للتعدية وتأكيدها، كما يعضد الباب بعضادتيه (٣). وفي الحاشية المشار إليها: القياس أن لا يجمع بين أداتي تعدية، بل إما الهمزة، أو الباء، وقد جاء الجمع بينهما قليلا، ومنه هذه القراءة. قوله: (وفائدة هذه الشرطية إبداء المانع) إلى آخره. قال الطيبي: وفائدته الراجعة إلى الممثل له هي أنه تعالى يمهل المنافقين فيما هم فيه؛ ليتمادوا في الغي والفساد؛ ليكون عذابهم أشد (٤). قوله: (والشيء يختص بالموجود) قال في " الانتصاف ": فإن قيل: إذا كان المعدوم لا يسمى شيئا، وإذا وجد صار شيئا لا تتعلق به القدرة؛ إذ القدرة إنما تتعلق بالشيء أول وجوده، فكيف يكون قادرا على كل شيء؟

стр. 460

فجوابه أنه من باب " قتل قتيلا " أي تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه، كأنه قال: قادر على كل ما يصير شيئا (١). قال في " الإنصاف ": وفيه نظر، فإن القدرة تتعلق به في أول زمن وجوده، وهو في أول زمن وجوده شيء، بلا خلاف بين المسلمين؛ إذ لو لم يكن شيئا في أول زمن وجوده لم يكن شيئا في ثاني الأحوال (٢). قوله: (أطلق بمعنى شاء تارة) قال الطيبي: أي مريد. (وبمعنى مشيء أخرى) هو بفتح الميم، اسم مفعول كمبيع. قال ابن عقيل: فالأول بمعنى الفاعل، والثاني بمعنى المفعول. قوله: (وقول امرئ القيس: كَأنَّ قُلُوْبَ الطَّيْرِ رَطْباً وَيابِساً. . . لَدَى وَكرِهَا العُنَّابُ والحَشَفُ البَالِيْ) قال الشيخ سعد الدين: يصف العقاب، وهو مخصوص بأنه لا يأكل قلب الطير. و " رطبا " و " يابسا " حال، أي رطبا بعضها، ويابسا بعضها، وكذا " لدى وكرها " وقد شبه الرطب بالعناب، واليابس بالحشف البالي، أي أراد التمر اليابس (٤). وقال ابن قتيبة (٥) في " أبيات المعاني ": قلوب الطير أطيب ما فيها، فهي تأتي به تزق به - فراخها (٦). وأول القصيدة: أَلا عِمْ صَبَاحاً أَيُّهَا الطَّلَلُ البَالِيْ. . . وَهَلْ يَعِمْنَ مَنْ كَانَ فِي العُصُرِ الخَالِيْ وَهَلْ يَعِمْنَ إِلا سَعِيدٌ مُخَلَّدُ. . . قَلِيْلُ الهُمُوْمِ مَا يَبيْتُ بِأوْجَالِيْ كَأنِّيْ بِفَتْخَاءِ الجَنَاحَينِ لِقْوَةٍ. . . عَلىَ عَجَلٍ مِنْهَا أطأْطِئُ شِمْلالِ تَخَطَّفُ خِزَّانَ الأَنيعمِ بِالضُّحَى. . . وَقَدْ حَجَرَتْ منها ثَعَالِبُ أَوْرالِ

стр. 461

كأن قلوب الطير رطبا ويابسا (١). . . . . . . . . . . . البيت وفتخاء الجناحين لينتها. واللقوة بكسر اللام العقاب. وقال المبرد في " الكامل ": هذا البيت - بإجماع الرواة - أحسن ما جاء في تشبيه شيء في حالين مختلفين بشيئين مختلفين (٢). وقال ابن عساكر في " تاريخه ": يقال: إن لبيدا قدم المدينة فسأل رسول الله ﷺ من أشعر الناس؟ فقال: " يا حسان أعلمه " فقال حسان: الذي يقول: كأن قلوب الطير رطبا ويابسا. . . لدى وكرها العناب والحشف البالي فقال: هذا امرؤ القيس. قال رسول الله ﷺ : " لو أدركته لنفعته " ثم قال: " معه لواء الشعراء يوم القيامة حتى يتدهدى بهم في النار (٣) " وفي " أمالي القالي ": عن روح بن زنباع (٤) قال: أشعر الشعراء الذي يقول: كأن قلوب الطير رطبا ويابسا. . . لدى وكرها العناب والحشف البالي (٥) والعناب بضم العين بوزن رمان. ذكره في القاموس (٦). قوله: (خفقة) من خفق البرق، أي لمع. قوله: (انتهزوها فرصة)

стр. 462

قال الشريف: الانتهاز يتعدى إلى مفعول واحد، فقوله: " فرصة " حال (١). قال الشيخ سعد الدين: والأحسن أن يكون مفعولا ثانيا على تضمين معنى الاتخاذ، أي اتخذوا الخفقة فرصة (٢).

стр. 463

تابع سورة البقرة الآية (٢١) من سورة البقرة قوله: (فالناس يعم الموجودين وقت النزول لفظاً ومن سيوجد) إلى آخره. أما العموم في الحكم: فمجمع عليه. وهل هو بالصيغة؟ أو بدليل آخر من قياس أو غيره؟. خلاف محكي في الأصول. والأصح: الثاني وهو: لفظي. قال الإمام: والأقرب: إنه لا يتناول من سيوجد لأن (يا أيها

стр. 464

الناس) خطاب مشافهة، وخطاب المشافهة مع المعدوم لا يجوز. وتناوله: له: لدليل منفصل. وهو: ما تواتر من دينه ﵇ أن أحكامه ثابتة في حق من سيوجد إلى قيام الساعة.؟. قوله: (وما روى عن علقمة، والحسن: أن كل شيء نزل فيه، (يا أيها الناس): فمكي. و (يا أيها الذين آمنوا): فمدني)، إلى آخره. فيه: أمور. أحدها: قول علقمة، أخرجه أبو عبيد. في فضائل القرآن، وأخرجه أيضاً عن ميمون ابن مهران. ولم أقف على قول الحسن مسنداً. الثاني: قوله: (إن صح رفعه)، صوابه: إن صح، بدون (رفعه) لأن المرفوع: قول النبي (أو قول الصحابي فيما يتعلق بالنزول. وعلقمة والحسن ليسا من الصحابة.

стр. 465

(فقد يقال: إن قولهما في ذلك: في حكم المرفوع المرسل). الثالث: هذا توقف من المصنف في صحته، وكذا قال الطيبي: (هذا مذكور في معالم التنزيل والبسيط والكواشي، ولم أجده في كتب الحديث) وقد تقدم تخريجه. وصح عن ابن مسعود أيضاً. أخرجه البزار في مسنده، والحاكم في المستدرك

стр. 466

والبيهقي في دلائل النبوة. الرابع: لم يستدل أحد بهذا الأثر على اختصاص الآية بالكفار حتى يحتاج المصنف إلى رفعه، وغاية ما استدل به، على أن الآية مكية، أي نزلت بمكة مع قصد العموم للمؤمنين والكفار. وأن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: مدني أي نزل بالمدينة. الخامس، في الحاشية المشار إليها: هذا وإن كان مشهوراً ومنقولاً عن ابن عباس وابن مسعود ﵄: فهو مشكل، لأن سورة البقرة مدنية. وقد قال هنا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ وفيها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾. وكذلك سورة النساء: مدنية، وأولها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وفي أثنائها: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾ و ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ﴾ و ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قد جاء في سورة الحج وهي مكية بالاتفاق. وفيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا

стр. 467

وَاسْجُدُوا﴾ فإن أرادوا به أن الأغلب كذا فهو صحيح لا سيما في نداء الذين آمنوا. وإن أرادوا به الحصر: فهو منقوض بما ذكرنا. انتهى. قلت: وقد أجيب عنه بأوجه ذكرتها في أول الاتقان. قوله: (وقرئ من قبلكم على إقحام الموصول الثاني بين الأول وصلته)، توكيداً، قال أبو حيان: هذا الذي قاله: مذهب لبعضهم، إنك إذا أتيت بعد الموصول بموصول آخر في معناه مؤكداً لم يحتج الموصول الثاني إلى صلة. وهذا باطل. لأن القياس: إذا أكد الموصول (بمثله) أن تكرره مع صلته. لأنها من كماله، وإذا كانوا إذا أكدوا حرف الجر أعادوه مع ما يدخل عليه لافتقاره إليه ولا يعيدونه وحده إلا في ضرورة، فالأحرى أن يفعل مثل ذلك بالموصول الذي الصلة بمزلة جزء منه. وخرج أصحابنا هذه القراءة أن يكون قبلكم صلة من، ومن خبر مبتدأ محذوف، وذلك

стр. 468

المبتدأ وخبره صلة للموصول الأول، وهو اللذين. التقدير: والذين هم من قبلكم. وذكر السفاقسي مثل ما قاله أبو حيان. وحكى الحلبي هذا التخريج الذي قاله أبو حيان، ثم قال: ولا يخفى ما فيه من التعسف. وقال الشيخ سعد الدين: لم يعهد التأكيد اللفظي إلا بإعادة اللفظ الأول، ومع ذلك فقد صرحوا بامتناعه قبل الصلة وإن أريد التأكيد من جهة المعنى: عاد المحذور، واحتيج إلى بيان وجه اجتماع الموصولين. ألا ترى إنهم لم يذهبوا في مثل قول الشاعر: فصيروا مثل كعصف مأكول. إلى أن الكاف تأكيد؟ بل مزيدة - فالأولى أن يقال ههنا: إن كلمة (من) مزيدة، على ما هو مذهب الكسائي، أو موصوفة أو موصولة،

стр. 469

واقعة موقع خبر مبتدأ محذوف. والجملة: صلة الذين، أي الذين هم من قبلكم. وذكر الشريف مثله، وزاد في تقدير كونها موصوفة. إنها موصولة بالظرف، وخبر لمبتدأ محذوف، أي الذين هم أشخاص كائنون قبلكم، ثم قالا: ونقل عن صاحب الكشاف هنا سؤال، وهو: أن الموصول بدون الصلة غير مفيد، فكيف يؤكد بمن؟ وأجاب بأنه يفيد مبهماً، كاسم الإشارة، ولهذا صح عود الضمير إليه في مثل الذي قام، مع أن الضمير إنما يرجع إلى المفيد. فقيل عليه: إن التأكيد اللفظي لما لم يستبعد في الحرف ففي الموصول أولى. وأجيب بأن وجه الاستبعاد هو أن الموصول لا يتم جزءا إلا بصلة وعائد، فهو وحده بمنزلة جزء من الاسم، كالزاي من زيد. ولا كذلك الحرف وإن توقف على ذكر شيء فلا يصير معه بمنزلة

стр. 470

كلمة واحدة. قال الشريف: وأنت خبير بأن جعل الموصولات في الإفادة الاستقلالية دون الحرف خروج عن الإنصاف. قوله: (كما أقحم جرير في قوله: يأتَيَّمُ تَيْمَ عدي لا أبالكم. تَيْماً الثاني بين الأول وما أضيف إليه). قال الشيخ سعد الدين والشريف: الإقحام إدخال شيء على شيء بشدة وعنف، يعني أن تَيْماً الأول مضاف إلى عدى المذكور، وتَيْمَ الثاني: مقحم بين المضاف والمضاف إليه، كما أقحم اللام في لا أبا لك بين المضاف والمضاف إليه تأكيداً للام الإضافة المقدرة فإن قلت: كيف جاز الفصل بغير الظرف؟ وما وجه حذف التنوين من تيم الثاني؟ قلت: لما تكرر المضاف بلفظه وحركته صار كان الثاني هو الأول من غير فصل، كما في قولك: إن أن زيداً قائم مع امتناع الفصل بين أن واسمها بغير الظرف والتأكيد اللفظي في الأغلب حكمه حكم الأول، وحركته حركته، إعرابية كانت أو بنائية. فكما حذف التنوين من الأول حذف من الثاني، لأنه كأنه باشره حرف النداء. انتهى. وما ذكره المصنف من أن الثاني مقحم وأن الأول مضاف إلى ما

стр. 471

بعد الثاني هو مذهب سيبويه. وذهب المبرد إلى أن الثاني مضاف لما يليه وأن الأول حذف منه المضاف إليه، لدلالة الثاني عليه، والمراد ياتيم عدى. والبيت: من قصيدة هجا بها جرير عمر بن بـ٨٢ لجأ التيمي وتمامه: لا يوقعنكم في سوءة عمر وأول القصيدة: هاج الهوى وضمير الحاجة الدكر ... واستعجم اليوم من سلومة الخبر قوله: (أو مبتدأ خبره: فلا تجعلوا). قال أبو حيان: هذا ضعيف لوجهين، أحدهما أن صلة الذي وما عطف عليها قد مضيا فلا يناسب دخول الفاء في الخبر. الثاني: أن ذلك لا يتمشى إلا على مذهب أبي الحسن لأن من الروابط عنده تكرار المبتدأ بمعناه. فالذي، مبتدأ وفلا تجعلوا لله أندادا، جملة خبرية، والرابط لفظ (الله) من (لله)، كأنه قيل: فلا تجعلوا له أنداداً، وهذا من تكرار المبتدأ بمعناه، ولا يعرف إجازة ذلك إل عن أبي الحسن،

стр. 472

فإنه أجاز أن يقال: زيد قام أبو عمرو إذا كان أبو عمرو كنية لزيد. ونص سيبويه على منع ذلك. قوله: بمعنى صار وطفق فلا يتعدى. كقوله: فقد جعلت قلوص بني سهيل ... من الأكوار مرتعها قريب قال التبريزي في شرح الحماسة: جعلت يمعنى طفقت، ولذلك لا يتعدى (ومرتعها قريب): في موضع الحال أي: أقبلت قلوص هذين الرجلين قريبة المرتع من رحالهم لما بها من الإعياء، وقال غيره: ليست جعلت هنا بمعنى المقاربة وإنما هي بمعنى صيرت، وفيها ضمير يعود على المذكورة. وقلوص: بالنصب، مفعول أول، ومرتعها قريب: جملة في موضع المفعول الثاني - وقيل: فيها ضمير الشأن. وقيل: هو، على إلغاء جعلت مع تقدمها، لأن الرواية الشهيرة: برفع قلوص. قوله: (ويتعدى إلى مفعولين، كقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ﴾ يجوز كونها هنا متعدية إلى مفعول واحد، وفراشاً: حال. قوله: (بيتا كان) هو من الطين واللبن والشعر وغير ذلك. قوله: (أوقبة)، هي مثل الخيمة. قوله: (أو خباء)، هو البيت من وبر أو صوف كما أن

стр. 473

الطراف بيت من أدم، والخيمة بيت من شعر. قوله: (مدرجاً) قال الشيخ سعد الدين: حال من فاعل إنشائها. قوله: (فإن المطر يبتدئ من السماء إلى السحاب ومنه إلى الأرض، على ما دلت عليه الظواهر) أي: ظواهر الآيات والآثار، كقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾، ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾، ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ وأخرج أبو الشيخ ابن حبان في العظمة. عن الحسن، أنه سنل: المطر من السماء، أم من السحاب؟ قال: من السماء إنما السحاب علم ينزل عليه الماء من السماء.

стр. 474

وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن خالد بن معدان، قال: المطر ما يخرج من تحت العرش، فينزل من سماء إلى سماء، حتى يجتمع في السماء الدنيا، فيجتمع في موضع يقال له الإبرام فتجيء السحاب السود (فتدخله) فتشربه مثل شرب الإسفنجة فيسوقها الله حيث يشاء، وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن عكرمة قال: ينزل الماء من السماء السابعة فتقع القطرة منه على السحاب مثل البعير، وأخرج ابن أبي حاتم، عن خالد بن يزيد، قال المطر: منه، من السحاب، ومنه ما يسقيه الغيم من البحر فيعذبه الرعد والبرق. فأما ما كان من البحر فلا يكون له نبات، وأما النبات: فمما كان من ماء السماء.

стр. 475

قوله: و (من) الثانية للتبعيض قال الشيخ سعد الدين: أما أولاً: فلموافقة الآيات الواردة في هذا المعنى، كقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ إذ لا وجه للبيان، لأنه لا ذكر لشيء مبهم يحتاج إلى البيان، وكقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ﴾ فإن التنكير لا سيما في جمع القلة يفيد البعضية على ما هو الظاهر. وأما ثانيا: فلدلالة السياق أعني ماء ورزقا فإن المخرج ببعض الماء لأجل بعض الرزق ولا يكون إلا لبعض الثمرات. وأما ثالثا: فلمطابقة المعنى في الواقع، فإن المنزل من السماء بعض الماء لأكله، والمخرج بماء السماء بعض الثمرات، وحقيقته شيئاً من الثمرات؛ لأن من حرف فلا اسم وكان رزقاً مستعملاً. في معناه المصدري واقعاً موقع المفعول له، ولكن مفعول رزقا، أي أخرج بعض الثمرات لأجل أن يرزقكم. قوله: (أو للتبيين)، قال الحلبي: فيه نظر، إذ لم يتقدم ما يبين هذا وكأنه يعني أنه بيان لرزقا من حيث المعنى. وقال التفتازاني، والشريف: إن كانت مبينة، فالأمر المبهم المحتاج للبيان، هو رزقا على أنه بمعنى المرزوق مفعولا به لأخرج،

стр. 476

ولكم صفة له، ومن الثمرات بيان له تقدم عليه فصار حالا منه، أي: أخرج مرزوقا لكم هو الثمرات. قوله: (كقوله: أنفقت من الدراهم ألفا)، في الحاشية المشار إليها ليس مراده أن يكون عنده أكثر من ألف وأنفق الألف منه لأن ذلك معنى التبعيض، بل المراد أن نفقته من هذا الجنس المعروف المسمى بالدراهم مقدارها ألف. قوله: (وإنما ساغ الثمرات، والموضع موضع الكثرة، لأنه أراد بالثمرات جمعة الثمرة) إلى آخره. قال القطب، والطيبي: يريد ن مفرد الثمرات الثمرة التي يراد بها الثمار، لأن الثمار إذا تلاحقت واجتمعت يطلق عليها الثمرة، كما يقال: كلمة الحويدرة: لقصيدة لأن القصيدة كلها مجتمعة متلاحق بعضها ببعض فصارت كأنها كلمة واحدة، فالكثرة المستفادة من الثمرات أكثر من الكثرة المستفادة من الثمار. وقال الشيخ سعد الدين: حاصل الجواب أن الثمرات جمع الثمرة التي في معنى الكثرة، لا الواحدة: وهي واقعة موقع جمع الكثرة، كما في قوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ لأن كم للتكثير، كما يقع جمع الكثرة موقع جمع القلة مثل ثلاثة قروء، فإن مميز الثلاثة لا يكون إلا جمع قلة.

стр. 477

هذا والحق أن جمع التصحيح إنما يكون للقلة إذا لم يعرف باللام. وقال أبو حيان: لا حاجة تدعو إلى ما ذكره الزمخشري، لأن جمع السلامة المحلي بأل التي للعموم يقع للكثرة فلا فرق إذا في الثمرات والثمار. وقال ابن عقيل: هذا الذي قاله الزمخشري، إن قصد به أن الثمرات للقلة ففيه نظر، لأن اللام تفيد الاستغراق، ولا فرق حينئذ بين جمع التصحيح وغيره، وإن قصد أنه عدل إلى التعبير بجمع قلة محلي بأل عن التعبير بذلك: ففيه نظر أيضاً لاستواء الجمعين في استغراق الأفراد من جهة أل. قوله: (ولكم صفة رزقا): إن أريد به المرزوق، ومفعوله، إن أريد به المصدر. قال أبو حيان: إن أريد بالرزق المصدر كانت الكاف، في لكن، مفعولا به واللام منوية لتعدي المصدر إليه، نحو: ضربت إبني تأديباً له أي: تأديبه، وإن أريد به المرزوق كن في موضع الصفة فتتعلق اللام بمحذوف، أي: كأننا لكم، وقال ابن عقيل: لا يمتنع عكس ذلك. قوله: (أو بلعل على أن نصب تجعلوا نصب فأطلع)، قال أبو حيان: هذا لا يجوز على مذهب البصريين بل على مذهب الكوفيين. لأنهم أجروا نعل مجرى هل في نصب الفعل جوابا له. قوله: (والمعنى أن تتقو لا تجعلوا لله أنداداً) قال الطيبي: هذا الوجه ذكره القاضي على غير ما في الكشاف لأنه لم يجعل لعل على تأويل الشرط، بل جعلها يمعنى كي على تشبيه الحالة بالحالة، في قوله: ﴿

стр. 478

لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾. قوله: (أو بالذي جعل، إن استأنفت به على أنه نهي وقع خبراً)، عبارة أبي حيان: ويجوز أن يكون متعلقاً بالذي، إذا جعلته خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الذي جعل لكم هذه الآيات العظيمة فلا تجعلوا له أنداداً، قال: والظاهر في هذا القول هو ما ذكرنا أولا من تعلقه بقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ قوله: (الند: المثل) الراغب: ند الشيء مشاركه في الجوهر، وذلك ضرب من المماثلة فإن المثل يقال في أي مشاركة كانت، وكل ند: مثل: ولا ينعكس قوله: (المناوئ): العادي. قاله: (قال جرير: أتيما تجعلون إلي ندا .... وا تيم لذي حسب نديد) قال الطيبي: ضمن تجعلون معنى تضمون، أي أتضمون إلي تيما وتجعلونه لي ندا؟ ويجوز أن يكون تيما مفعولا لفعل محذوف، أي أتضمون وتنسبون إلي تيماً تجعلونه ندا لي؟ وأن يكون إلى مع متعلقه المحذوف حالاً من تدا. وقال الشيخ سعد الدين: جعل هنا من دواخل المبتدأ والخبر،

стр. 479

والمعنى: أتجعلون تيما ندا إلى وهو لا يصلح ندا لمن هو دونه. وقوله: إلي: حال من ندا بمعنى مضموماً إلى ومنتسباً، والنديد الند. وقال الشريف: الجعل هنا بمعنى التصيير القولي والاعتقادي، من قبيل ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ ومعنى إلي: منسوباً إلي نداً فهو حال من (تيما)، وقيل: من (ندا) وفيه: أن ندا في حكم خبر المبتدأ فلا يكون ذا حال. والنديم المثل - أي لا يصلح مثلا لذي حسب فكيف بمثلي المشهور في الأحساب؟ قوله: (شابهت حالهم حال من يعتقد) إلى آخره. وقال الطيبي. حاصله، أنها استعارة مصرحة تحقيقية أصلية واقعة على سبيل التهكم. وقال التفتاواني: هي استعارة تمثيلية تهكمية، وقال الشريف: هي، استعارة تمثيلية وليست تهكمية اصطلاحية، إذ ليس فيها استعارة أحد الضدين للآخر، بل أحد المتشابهين لصاحبه، لكن المقصود منها

стр. 480

التهكم بهم بتنزيلهم منزلة الأنداد حتى أشبهت حالهم حاله. قوله: (بأن جعلوا أنداداً): قال الشريف: متعلق بشنع، أي شنع عليهم واستفظع شأنهم بذكر أنهم جعلوا. قوله: (قال موحد الجاهلية، زيد بن عمرو بن نفيل: أربا واحدا) إلى آخره. أخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق هشام بن عروة، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، قالت: قال زيد بن عمرو بن نفيل: أرباً واحداً أم ألف ربّ .... أدبن إذا تقسمت الأمور تركت اللات والعزى جميعاً .... كذلك يفعل الرجل البصير ألم تعلم بأن الله أفنى، رجالاً كان شأنهم الفجور وأبقى آخرين ببر قوم، فيربو منهم الطفل الصغير وبينا المرء يعثر ثاب يوماً، كما يتروح الغصن النضير. قال الشريف: أدين، أي: أطيع. من دان له: إنقاد، وقل الطيبي: إذا تقسمت الأمور أي: تفرقت الأحوال. قوله (أي: وحالكم أنكم من أهل العلم) إلى آخره.

стр. 481

قال الطيبي: يريد أن موقع (وأنتم تعلمون) موقع الحال المقررة لجهة الإشكال المتضمنة بمعنى التعجب، أي: لا تجعلوا لله أندادا والحال أنكم من صحة التمييز والمعرفة بمنزلة يعني جعلكم لله أنداداً مع هذا الصارف القوي مظنة تعجب وتعجيب. قوله: (من المقلة والمظلة) أي: الأرض والسماء. قوله: (فإن لكل آية ظهراً وبطناً ولكل حد مطلعا)، هذا لفظ حديث أخرجه الفريابي في تفسيره عن الحسن مرفوعاً مرسلاً، وفيه: ولكل حرف حد ولكل حد مطلع، وله شواهد مرفوعة وموقوفة عن ابن مسعود وغيره، وقد اختلف في معناه على أقوال أوضحتها في أواخر الإتفان، والذي جنح إليه المصنف في معنى الظهر والبطن أن الظهر ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر، والبطن ما تضمنه من الأسرار التي أطلع الله عليها أرباب الحقائق. وقال أبو عبيد: الأشبه بالصواب: أن القصص التي قصها الله تعالى عن الأمم الماضية وما عاقبهم به ظاهرها الأخبار بهلاك الأولين، وباطنها وعظ

стр. 482

الآخرين وتحذيرهم أن يفعلوا كفعلهم فيحل بهم ما حل بهم، وقال بعضهم: الظهر التلاوة والبطن الفهم والحد أحكام الحلال والحرام. والمطلع الإشراف على الوعد، والوعيد، ولكل حرف حد أي منتهى فيما أراد الله من معناه، وقيل: لكل حكم مقدار من الثواب/ والعقاب، ولكل حد مطلع، أي: لكل غامض من المعاني مطلع يتوصل به إلى معرفته، ويوقف على المراد به. وقيل: كل ما يستحقه من الثواب والعقاب يطلع عليه في الآخرة عند المجازاة. قوله: بدت، بالذال المعجمة (المشددة: أي سيئت). قوله: (منطيق) هو البليغ، كما في الصحاح. قوله: (وتهالكهم)، أي: تساقطهم والمعارة: بالراء المشددة. قوله: (وإنما قال مما نزلنا لأن نزوله نجما فنجما)، إلى آخره. قال الحلبي قال بعضهم: هذا الذي ذهب إليه في تضعيف الكلمة هنا: هو الذي يعبر عنه بالتكثير أي: يفعل مرة بعد مرة فيدل على ذلك بالتضعيف قال: وذهب على أن شروطه غالباً أن يكون في فعل متعد قبل التضعيف، نحو خرجب زيداً، وقد قيل في للازم نحو موت المال، وأيضاً فالتضعيف الدال على الكثرة لا يجعل القاصر متعدياً كما تقدم في موت المال. ونزل: كان قاصراً فصار بالتضعيف متعديا فدل على أن تضعيفه للنقل لا للتكثير، وأيضا فكان يحتاج قوله: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً

стр. 483

وَاحِدَةً﴾ إلى تأويل. وأيضاً فقد جاء التضعيف حيث لا يمكن فيه التكثر نحو قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ﴾، ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ إلا بتأويل ضعيف جداً إذ ليس المعنى على أنهم اقترحوا تكرير نزول آية ولا على أنه على تكرير نزول ملك رسول، على تقدير كون ملائكة في الأرض. قوله: (والسورة الطائفة من القرءان المترجمة التي أقلها ثلاث آيات)، قال الشيخ سعد الدين، يريد تفسير سورة القرءان، وإلا فالسورة أعم بدليل ما سبق من أن من سور الإنجيل سورة الأمثال وما سيجيء أن سائر كتب الله سورة. ومعنى المترجمة: المسماة باسم خاص، كسورة الفاتحة وسورة البقرة وبه يقع الاحتراز عن عدة آيات من سورة، كاعشر والحزب، ولا يرد مثل آية الكرسي لأنه مجرد إضافة لا تسمية وتلقيب. قال: وقوله: التي أقلها ثلاث آيات تنبيه على أن أقل ما تتألف منه السورة ثلاث آيات لا قيد في التعريف، إذ لا يصدق على شيء من السورة إنها طائفة مترجمة أقلها ثلاث آيات، وكذا قال الشريف، أراد بقوله: أقلها ثلاث آيات، إن تلك الطائفة المسماة، بالسورة تتفاوت قلة وكثرة في أفرادها. وغاية قلتها: ثلاث آيات، وبهذا ينكشف المقصود زيادة إنكشاف، فلا يرد أن هذا القيد يوجب أن لا يصدق التفسير على شيء من السور قوله: (على حيالها) أي: انفرادها. قوله:

стр. 484

ولرهط حراب وقد سوره ... في المجد ليس غرابها بمطار هو للنابغة وبعده. قوم إذا كثر الصياح رأيتهم ... وفرا غداة الروع والإنفار حراب بالحاء المهملة والراء المشددة، و (قد) بفتح القاف وتشديد الذال المعجمة، كذا ضبطه الطيبي، والشيخ أكمل الدين، هو ابن مالك الأسدي كان جوادا لا يبقي شيئاً. وقوله: ليس غرابها بمطار قال الطيبي كناية عن كثرة الرهطين ودوام المجدلهما، فإن النبات والشجر إذا كثر في موضع، قيل: لا يطير غرابه لأن الغراب، إذا وقع في الموضع الخصيب أصاب مالا يحتاج معه إلى أن ينتقل منه إلى مكان آخر. قال: والوجه (أن يراد) أنه لا يرام هذه المرتبة لكونها منيعة، وقال الشيخ سعد الدين: (حراب وقد) بالراء والدال المهملتين. وقد بالدال المهملة. وقد يظن بالمعجمة، وليس غرابها بمطار: أي هي مجد كامل ثابت لا يزول. يقال: أرض لا يطير غرابها أي مخصبة كثيرة الثمار، وقيل: كناية عن رفعة الشأن أي لا يصل إليها الغراب حتى يطار، أي لا غراب هناك ولا إطارة أو لا تصل الإشارة إلى غرابها حتى يطار مع أنه يطير بأدنى ريبة قال الشيخ أكمل الدين تخصيص الغراب لأنه ينفر بأدنى ريبة أو لأن أصل المثل فيه.

стр. 485

قوله: (وإن جعلت مبدلة من الهمزة)، قال الشريف: فيه ضعف من حيث اللفظ إذ لم يستعمل في المشهورة ولا في الشاذة المنقولة في كتاب مشهور. ومن حيث المعنى كأنها اسم ينبئ عن قلة وحقارة. وأيضاً استعماله فيما فضل بعد ذهاب الأكثر، ولا ذهاب ههنا. قوله: (متى حذقها): في الصحاح: حذق الصبي القرآن إذا مهر فيه. وفي الأساس حذق القرآن أتم قراءته وقطعها، من حذق السكين الشيء قطعه. قوله: (والضمير لما أنزلنا) هذا هو الصحيح، كما قال ابن جرير، وهو: قول قتادة ومجاهد لقوله في آية أخرى: ﴿فَأْتُوا

стр. 486

بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ وليس السورة مثل النبي. قال الإمام فخر الدين، في تفسيره: عود الضمير إلى ما نزلنا مروي عن الصحابة. ويدل على الترجيح وجوه، أحدها: أن ذلك مطابق لسائر الآيات الواردة في باب التحدي لا سيما ما ذكره في سورة يونس ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾. وثانياً: أن البحث إنما وقع في المنزل، لأنه قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ فوجب صرف الضمير إليه، ألا ترى أن المعنى: وإن ارتبتم في أن القرآن. منزل من عند الله فهاتوا أنتم شيئاً مما يماثله، وقضية الترتيب: لو كان الضمير مردودا إلى الرسول. أن يقال: وإن ارتبتم في أن محمداً منزل عليه فهاتوا قرآنا من مثله. وثالثها: أن الضمير إذا كان عائداً إلى القرآن يقتضي كونهم عاجزين عن الإتيان بمثله سواء اجتمعوا أو انفردوا. وسواء كانوا أميين أو كانوا عالمين. أما لو كان عائداً إلى محمد فذلك لا يقتضي إلا كون أحادهم من الأميين عاجزين عنه، لأنه لا يكون مثل محمد إلا الشخص الواحد الأمي وأما لو اجتمعوا وكانوا قارئين لم يكونوا مثل محمد، لأن الجماعة لا تمثل الواحد، والقارئ لا يكون مثل الأمي، ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى. رابعها: إنا لو صرفنا الضمير إلى القرآن فكونه معجزاً إنما يحصل لكمال حاله في الفصاحة، وأما لو صرفناه إلى محمد فكونه معجزاً إنما يكمل بتقرير كمال حاله في كونه أمياً بعيداً عن العلم، وهذا وإن كان معجزاً إلا أنه لما كان لا يتم إلا بتقدير نوع من النقصان في حق محمد كان الأول أولى.

стр. 487

خامسها: أنا لو صرفنا الضمير إلى محمد. لكان ذلك يوهم أن صدور مثل القرآن ممن لم يكن مثل محمد في كونه أمياً ممكن، ولو صرفنا إلى القرآن لدل على أن صدور مثله من الأمي وغير الأمي، ممتنع، فكان هذا أولى. قوله: (أوصلة فأتوا والضمير للعد)، قال القطب، والطيبي: لا يجوز على هذا عوده لما نزلنا، لأنه يستدعي كون من للبيان، والبيان يستدعي تقديم مبهم، ولا مبهم، فتعين أن تكون للابتداء أي: أنشئوا واستخرجوا من مثل العبد بسورة لأن مدار الاستخراج هو العبد لا غير، فلذلك تعين على هذا الوجه عود الضمير إلى العبد. قال القطب: وبهذا يضمحل وهم من لم يفرق بين فأتور بسورة من مثل ما نزلنا وبين فأتوا بسورة. وقال الطيبي: قد تصدى للسؤال بعض فضلاء العصر، وقال: قد استبهم قول صاحب الكشاف حيث جوز في الوجه الأول كون الضمير لما نزلنا تصريحاً، وحظره في الثاني تلويحاً، فليت شعري ما الفرق بين فأتوا بسورة كائنة من مثل ما نزلنا وفأتوا من مثل ما نزلنا بسورة؟ وأجيب بأن من إذا تعلق بالفعل يكون إما ظرفاً لغوا ومن للابتداء، أو مفعولاً به، ومن للتبعيض، إذ لا يستقيم أن يكون بياناً لا قتضائه أن يكون مستقراً والمقدر خلافه، وعلى تقدير أن يكون تبعيضاً، فمعناه: فأتوا ببعض مثل المنزل بسورة وهو ظاهر البطلان، وعلى أن يكون ابتداء لا يكون المطلوب بالتحدي الإتيان بالسورة فقط، بل يشترط أن يكون بعضا من كلام مثل القرآن وهذا على تقدير استقامته بمعزل عن المقصود واقتضاء المقام، لأن المقام يقتضي التحدي على سبيل المبالغة وأن القرآن بلغ في الاعجاز بحيث لا يوجد لأقله نظير فكيف للكل؟ فالتحدي إذا بالسورة الموصوفة بكونها من مثله في الإعجاز. وهذا إنما

стр. 488

يتأتى إذا جعل الضمير لما نزلنا، ومن مثله صفة لسورة، ومن بيانية فلا يكون المأتي به مشروطاً بذلك الشرط، لأن البيان والمبين كشيء واحد. انتهى. والفاضل الذي أشار إليه: هو، العلامة العضد، ونص سؤاله، قوله: يا أدلاء الهدى، ومصابيح الدجا حياكم الله وبياكم. وألهمنا الحق بتحقيقه وإياكم ها أنا من نوركم مقتبس وبضوء ناركم (للهدى) ملتبس ممتحن بالقصور لا ممتحن ذو غرور، ينشد بأنطق لسان وأرق جنان: ألا قل لسكان وادي الحما ... هنيئا لكم في جنان الخلود أفيضوا علينا من الماء فيضا ... فنحن عطاش وأنتم ورود قد استبهم قول صاحب الكشاف - أفيضت عليه سجال الألطاف -: من مثله، متعلق بسورة أي بسورة كائنة من مثله، والضمير لما نزلنا، أو لعبدنا، ويجوز أن يتعلق بقوله: فأتوا، والضمير للعبد. حيث جوز في الوجه الأول كون الضمير لما نزلنا تصريحاً وحظره في الوجه الثاني تلويحاً، فليت شعري ما الفرق بين فأتوا بسورة كائنة من مثل ما نزلنا وفأتوا من مثل ما نزلنا بسورة، وهل ثم حكمة خفية، أو نكتة معنوية؟ أو هو تحكم بحت؟، بل هذا مستبعد من مثله، فإن رأيتم كشف الريبة وإماطة الشبهة

стр. 489

والإنعام بالجواب أثبتم جزيل الاجر والثواب، وقد دار هذا السؤال بين العضد، والفخر الجار بردي، فكتب الجار بردي على هذا السؤال كتابة تتضمن الغض منه فكتب العضد عليها بما هو أبلغ في الغض من الجار بردي وتصدى إبراهيم. ولد الجار بردي لنصرة والده في رسالة سماها: السيف الصارم في قطع العضد الظالم. وقد سقت الجميع في الجزء الخامس من تذكرتنا المسماة بالفلك المشحون ونذكر هنا أجوبة المحققين من هذا السؤال. قال العلامة، أمين الدين التبريزي: إن قيل: ما وجه تخصيص الضمير بالعبد على تقدير تعلق من مثله بفأتوا مع تجويز كونه له وللمنزل على تقدير تعلقه بالسورة؟ قلنا: الجواب يقتضي تقديم مقدمتين: الأول: أن (مثله) يحتمل وجهين: الأول: أن يكون المراد من مثل الكلام المنزل، والعبد المذكور

стр. 490

نفس ذلك العبد، فيكون معنى المثل ملغي، كما في قول الشاعر: حاشا لمثلك أن تكون بخيلة ... ولمثل وجهك أن يكون عبوساً وحينئذ يجب تقدير المثل في السورة ليستقيم المعنى وإلا لزم أن يكون التحدي بإتيان سورة كائنة، من القرآن أو صادرة من النبي وهو محال. الثاني: أن يكون معنى المثل بحاله ويكون المراد منه كلاماً آخر مثل القرآن أو شخصا آخر مثل النبي وهو ظاهر. الثانية: أن الأقسام على ما ذكره صاحب الكشاف أربعة، لأن من مثله إما متعلق بسورة أو بالإتيان. وعلى التقديرين فالضمير إما للعبد أو للمنزل فهذه أربعة وإذا تقرر ذلك: فنقول: القسم الأول صحيح على الوجهين لأن التقدير حينئذ فأتوا بسورة صادرة من النبي أو بسورة صادرة من مثل النبي وهما: مستقيمان، والثاني صحيح على الأول دون الثاني، وإلا لم يكن التحدي بإتيان السورة فقط، بل يشترط أن يكون بعضاً من كلام مثل القرآن، وهو باطل، والثالث صحيح على الثاني دون الأول، لأن تقديره حينئذ فأتوا من مثل هذا العبد بمثل سورة، وهو لغو، فيكون القسم الرابع فاسداً على الوجهين انتهى. وقال الإمام قوام الدين الشيرازي: ولقائل أن يقول: إذا جعل

стр. 491

مثل القرآن يحسب الفرض والتقدير فالمثل مفروض حينئذ، ولا يبعد أن يقال: فأتوا من مثل المفروض بسورة، كما قيل: فأتوا بسورة كائنة مثل ما نزلنا، على ان من بيانية، أو هي بعض ما نزلنا على أن من تبعيضية، ومن مثله متعلق بسورة هذا وكما أن مثل القرآن لا يوجد، مثل بعضه لا يوجد، والأمر هنا للتعجيز، فلا يقتضي الإتيان بالمأمور. وقال كما الدين عبد الرزاق لما قال جار الله العلامة: من مثله، متعلق بسورة صفة لها، أي بسورة كائنة من مثله والضمير: لما نزلنا، أو لعبدنا. ويجوز أن يتعلق بقوله: فأتوا والضمير للعبد: أو هم قوله إن الضمير، إذا كان لما نزلنا، كان الكلام مشعراً بثبوت مثل له حتى يأتوا بسورة من جملة ذلك المثل. فاحترز عن ذلك بما معناه: أن من بيانية، لا تبعيضية، والمراد بمثل ما هو على صفته من جنس النظم، أي بسورة من جنس كلام هو على صفته من غير قصد إلى مثل له كما ذكر يعني بسورة هي كلام موصوف بصفته. كقولك: عندي ما من الماشية، أي: مال هو الماشية فعلى هذا، إذا علق من مثله بفأتوا كان المعنى على تقدير عود الضمير إلى المنزل. فأتوا من جنس كلام موصوف بصفته بسورة، فيكون من مثله إما حالا من السورة مبينة لهيآتها بأنها مثل هذا المنزل، والحال من المعمول يفيد عامله. وإما صلة للإتيان، وكيف كان يقيد الفعل فيكون الإتيان المأمور إتيانا مقيداً بأنه كائن من كلام مثله بسورة، فإن كان المراد به السورة كما قررنا: كان المعنى فأتوا إتيانا مقيدا بكونه من سورة مثله بسورة، وذلك فاسد لا شك فيه، وإن كان المراد فأتوا من جملة كلام يماثله بسورة واحدة، فإن كان ذلك المثل موجودا لزم المحذور وهو: ثبوت المثل وكذا إن

стр. 492

كان المراد إتيانا مستنداً من كلام مثله بسورة وإن لم يكن موجودا كان الفعل المقيد بإتيانه منه ممتنعاً، فإن الممكن المقيد وجوده بوجود المعدوم ممتنع الوجود، وذلك ينافي التحدي، لأن التحدي إنما يكون إذا كان أصل الفعل ممكنا مقدورا مطلقاً للنوع، لكنه اختص بشيء من زيادة أو تعلق بمفعول لا يسع أحداً من بناء نوع ذلك أن الفاعل مثل ذلك الفعل المختص بتلك الزيادة أو بذلك الفعل فيدل على أن ذلك الاختصاص إنما هو لمزية وتأييد من عند الله تعالى لصاحبه، وهنا أصل الفعل ليس بممكن وإن جعل الأصل مطلق الإتيان والمعجزة الإتيان المقيد كان المتحدي به هو الفعل لا المفعول والمقدور خلافه، فإنه إتيان مقيد بوجود معدوم، لا نفس الإتيان، فتبين أن كون الضمير عائدا إلى المنزل على تقدير تعلق من مثله بفاتوا لا يخلو عن أقسام كلها باطلة، سواء كانت من ابتدائية أو تبعيضية أو بيانية. وقال المولى عز الدين التبريزي: إن في جعل من مثله صفة لسورة، وإن كان الضمير للمنزل، فمن للبيان، وإن كان للعبد فمن للإبتداء، وهو ظاهر. فعلى هذا إن تعلق مثله بقوله: فأتوا. فلا يكون الضمير للمنزل لأنه يستدعي كونه للبيان والبيان يستدعي تقديم مبهم، فإذا تعلق بالعبد فلا يتقدم مبهم فتعين أن تكون للابتداء لفظاً أو تقديراً أي: أصدروا وأنشئوا واستخرجوا من مثل العبد بسورة، لأن مدار الاستخراج هو العبد لا غير، فتعين في الوجه الثاني عود الضمير إلى العبد. وقال المولى همام الدين، قوله: ويجوز أن يتعلق بقوله فاتوا والضمير للعبد لأنه إذا كان ظرفا

стр. 493

مستقراً على أنه صفة سورة بمعنى سورة كائنة من مثله لم يتعين الضمير للعبد بل كما احتمل العود إلى العبد احتمل العود إلى المنزل، أما إذا كان ظرفاً لغواً متعلقاً بقوله: (فأتوا) لم يحتمل العود إلا إلى العبد لأنك لما علقته به فقد جعلته مبتدأ الاتيان بالسورة ومنشأها فيكون هو المنشيء لها والآتي بها والمصدر أو المملي () حتى يتحقق الابتداء فيه حقيقة كما إذا قلت: ايتني بشعر من فلان كان هو المملى والمنشيء على ما لا يخفى، ولو رجعت الضمير على هذا إلى المنزل أجدت، وأما نحو قولك: إيتني بماء من دجلة وثمر من بستانك وآية من القرآن وبيت من الحماسة فليس منه على أن في الحمل عليه فساداً لأنه يفيد ثبوت المثل للقرآن أو يوهم، والغرض نفى المثل على ما قلنا ولا قصد إلى مثل ونظير هنالك. قال: وفي ثبوت التحدي؛ لأن المعنى: فأتوا من مثل القرآن، أي من كلام، مثل القرآن في الأسلوب والفصاحة، بخلاف ما إذا علقته بالسورة لأن حقيقة المعنى على إقحام كلمة (من)، فكأنه قيل: بسورة مماثلة نظماً وأسلوباً، فلا يلزم فيه ما يلزم في الأول، وهذا كما إذا قلت: إئتني بدرهم كائن من مثل هذه الدراهم المضروبة كان المعنى أن يأتي بما ينطبع على وجهها ويتكون من مثلها مطلقاً، لا أن يأتي من مثلها الموجود. وقال بعض أرباب الحواشي: هذا كلام مشكل قد استشكله قوم ولم يتضح لهم وجهه والذي يمكن فيه أنا إذا قلنا بالأول كانت رتبة من مثلها التقديم. فيصير التقدير: فاتوا من مثله بسورة فيكون مثله كالموجود المحقق، وإنما التعجيز في أن يخرج منه سورة كما لو قلت: أصنع في مثل هذه القطعة من الحديد درعاً أو أصنع من هذه الخشبة كرسياً، فمثل الحديد والخشب موجود، وإنما التعجيز في تحصيل الدرع والكرسي

стр. 494

منهما. ومثل القرآن مستحيل الوجود، فلا يمكن أن يقال: ائتوا من مثله بسورة، لأنهم يقولون: لا مثل للقرآن حتى نأتي منه بسورة ومثل الرسول في البشرية موجود، فيمكن أن يقال: هاتوا من مثله في كونه عربياً أمياً بسورة. وأما إذا جعلته صفة بسورة فالتعجيز وقع بأن يأتوا بسورة موصوفة بكونها من مثله والتعجيز بالموصوف يكون تارة بفقد الموصوف وتارة بفقد الوصف مع وجود الموصوف عارياً من الوصف فكأنه يقول: لا قدرة لكم على أن تأتوا بسورة موصوفة بكونها من مثل محمد ﷺ ولا على أن تأتوا بسورة موصوفة بكونها من مثل القرآن، وقال الشيخ تقي الدين السبكي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾. قال الزمخشري، من مثله، متعلق بسورة صفة لها أي بسورة كائنة من مثله. وليس مراده التعلق الصناعي، لأن الصفة: إنما تتعلق بمحذوف وقد صرح هو به، ومراده أنه لا يتعلق بقوله: ﴿فَأْتُوا﴾، ثم قال: والضمير لما نزلنا أو لعبدنا - والأحسن عندي أن يتعلق بعبدنا، وإن علق بما نزلنا فيكون بالنظر إلى خصوصيته فيشمل صفة المنزل في نفسه والمنزل عليه. وإنما قلت ذلك: لأن الله تعالى تحدى بالقرآن في أربع سور، في ثلاث منها بصفته في نفسه. فقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾

стр. 495

الآية وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾. وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ والسياق في ذكر القرآن من حيث هو هو، ولذلك لم يذكر في هاتين السورتين لفظ (من) المحتملة للتبعيض ولإبتداء الغاية فمن هنا تعين الضمير للقرآن، وفي سورة البقرة، لما قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ قال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ فتكون من لابتداء الغاية، والضمير في مثله للنبي ﷺ ، ويكون قد تحداهم فيها بنوع آخر من التحدي غير المذكور في السور الثلاث. وذلك أن الإعجاز من وجهين: إحداهما: من فصاحة القرآن وبلاغته وبلوغه مبلغا تقصر قوى الخلق عنه، وهو المقصود في السور الثلاث المتقدمة المتحدى به فيها، والثاني: من إتيانه من النبي الأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب وهو المتحدى به في هذه السورة، ولا يمتنع إرادة المجموع كما قدمناه، فإن أراد الزمخشري بعود الضمير على ما نزلنا المجموع بالطريق التي أشرنا إليها فصحيح، وحينئذ يكون ردد بين ذلك وعود الضمير على الثاني فقط. وإن لم يرد ذلك فما قلناه أرجح، ويعضده أنه أقرب، وعود الضمير على الأقرب أوجب ويعضده أيضاً أنهم قد تحدوا قبل ذلك، فظهر عجزهم عن الإتيان بسورة من مثل القرآن، لأن سورة يونس
следующие страницы →