Полный текст (1 427 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
مثل القرآن يحسب الفرض والتقدير فالمثل مفروض حينئذ، ولا يبعد أن يقال: فأتوا من مثل المفروض بسورة، كما قيل: فأتوا بسورة كائنة مثل ما نزلنا، على ان من بيانية، أو هي بعض ما نزلنا على أن من تبعيضية، ومن مثله متعلق بسورة هذا وكما أن مثل القرآن لا يوجد، مثل بعضه لا يوجد، والأمر هنا للتعجيز، فلا يقتضي الإتيان بالمأمور.
وقال كما الدين عبد الرزاق لما قال جار الله العلامة: من مثله، متعلق بسورة صفة لها، أي بسورة كائنة من مثله والضمير: لما نزلنا، أو لعبدنا. ويجوز أن يتعلق بقوله: فأتوا والضمير للعبد: أو هم قوله إن الضمير، إذا كان لما نزلنا، كان الكلام مشعراً بثبوت مثل له حتى يأتوا بسورة من جملة ذلك المثل.
فاحترز عن ذلك بما معناه: أن من بيانية، لا تبعيضية، والمراد بمثل ما هو على صفته من جنس النظم، أي بسورة من جنس كلام هو على صفته من غير قصد إلى مثل له كما ذكر يعني بسورة هي كلام موصوف بصفته.
كقولك: عندي ما من الماشية، أي: مال هو الماشية فعلى هذا، إذا علق من مثله بفأتوا كان المعنى على تقدير عود الضمير إلى المنزل. فأتوا من جنس كلام موصوف بصفته بسورة، فيكون من مثله إما حالا من السورة مبينة لهيآتها بأنها مثل هذا المنزل، والحال من المعمول يفيد عامله.
وإما صلة للإتيان، وكيف كان يقيد الفعل فيكون الإتيان المأمور إتيانا مقيداً بأنه كائن من كلام مثله بسورة، فإن كان المراد به السورة كما قررنا: كان المعنى فأتوا إتيانا مقيدا بكونه من سورة مثله بسورة، وذلك فاسد لا شك فيه، وإن كان المراد فأتوا من جملة كلام يماثله بسورة واحدة، فإن كان ذلك المثل موجودا لزم المحذور وهو: ثبوت المثل وكذا إن
стр. 492
كان المراد إتيانا مستنداً من كلام مثله بسورة وإن لم يكن موجودا كان الفعل المقيد بإتيانه منه ممتنعاً، فإن الممكن المقيد وجوده بوجود المعدوم ممتنع الوجود، وذلك ينافي التحدي، لأن التحدي إنما يكون إذا كان أصل الفعل ممكنا مقدورا مطلقاً للنوع، لكنه اختص بشيء من زيادة أو تعلق بمفعول لا يسع أحداً من بناء نوع ذلك أن الفاعل مثل ذلك الفعل المختص بتلك الزيادة أو بذلك الفعل فيدل على أن ذلك الاختصاص إنما هو لمزية وتأييد من عند الله تعالى لصاحبه، وهنا أصل الفعل ليس بممكن وإن جعل الأصل مطلق الإتيان والمعجزة الإتيان المقيد كان المتحدي به هو الفعل لا المفعول والمقدور خلافه، فإنه إتيان مقيد بوجود معدوم، لا نفس الإتيان، فتبين أن كون الضمير عائدا إلى المنزل على تقدير تعلق من مثله بفاتوا لا يخلو عن أقسام كلها باطلة، سواء كانت من ابتدائية أو تبعيضية أو بيانية. وقال المولى عز الدين التبريزي: إن في جعل من مثله صفة لسورة، وإن كان الضمير للمنزل، فمن للبيان، وإن كان للعبد فمن للإبتداء، وهو ظاهر. فعلى هذا إن تعلق مثله بقوله: فأتوا. فلا يكون الضمير للمنزل لأنه يستدعي كونه للبيان والبيان يستدعي تقديم مبهم، فإذا تعلق بالعبد فلا يتقدم مبهم فتعين أن تكون للابتداء لفظاً أو تقديراً أي: أصدروا وأنشئوا واستخرجوا من مثل العبد بسورة، لأن مدار الاستخراج هو العبد لا غير، فتعين في الوجه الثاني عود الضمير إلى العبد. وقال المولى همام الدين، قوله: ويجوز أن يتعلق بقوله فاتوا والضمير للعبد لأنه إذا كان ظرفا
стр. 493
مستقراً على أنه صفة سورة بمعنى سورة كائنة من مثله لم يتعين الضمير للعبد بل كما احتمل العود إلى العبد احتمل العود إلى المنزل، أما إذا كان ظرفاً لغواً متعلقاً بقوله: (فأتوا) لم يحتمل العود إلا إلى العبد لأنك لما علقته به فقد جعلته مبتدأ الاتيان بالسورة ومنشأها فيكون هو المنشيء لها والآتي بها والمصدر أو المملي () حتى يتحقق الابتداء فيه حقيقة كما إذا قلت: ايتني بشعر من فلان كان هو المملى والمنشيء على ما لا يخفى، ولو رجعت الضمير على هذا إلى المنزل أجدت، وأما نحو قولك: إيتني بماء من دجلة وثمر من بستانك وآية من القرآن وبيت من الحماسة فليس منه على أن في الحمل عليه فساداً لأنه يفيد ثبوت المثل للقرآن أو يوهم، والغرض نفى المثل على ما قلنا ولا قصد إلى مثل ونظير هنالك. قال: وفي ثبوت التحدي؛ لأن المعنى: فأتوا من مثل القرآن، أي من كلام، مثل القرآن في الأسلوب والفصاحة، بخلاف ما إذا علقته بالسورة لأن حقيقة المعنى على إقحام كلمة (من)، فكأنه قيل: بسورة مماثلة نظماً وأسلوباً، فلا يلزم فيه ما يلزم في الأول، وهذا كما إذا قلت: إئتني بدرهم كائن من مثل هذه الدراهم المضروبة كان المعنى أن يأتي بما ينطبع على وجهها ويتكون من مثلها مطلقاً، لا أن يأتي من مثلها الموجود.
وقال بعض أرباب الحواشي: هذا كلام مشكل قد استشكله قوم ولم يتضح لهم وجهه والذي يمكن فيه أنا إذا قلنا بالأول كانت رتبة من مثلها التقديم.
فيصير التقدير: فاتوا من مثله بسورة فيكون مثله كالموجود المحقق، وإنما التعجيز في أن يخرج منه سورة كما لو قلت: أصنع في مثل هذه القطعة من الحديد درعاً أو أصنع من هذه الخشبة كرسياً، فمثل الحديد والخشب موجود، وإنما التعجيز في تحصيل الدرع والكرسي
стр. 494
منهما.
ومثل القرآن مستحيل الوجود، فلا يمكن أن يقال: ائتوا من مثله بسورة، لأنهم يقولون: لا مثل للقرآن حتى نأتي منه بسورة ومثل الرسول في البشرية موجود، فيمكن أن يقال: هاتوا من مثله في كونه عربياً أمياً بسورة.
وأما إذا جعلته صفة بسورة فالتعجيز وقع بأن يأتوا بسورة موصوفة بكونها من مثله والتعجيز بالموصوف يكون تارة بفقد الموصوف وتارة بفقد الوصف مع وجود الموصوف عارياً من الوصف فكأنه يقول: لا قدرة لكم على أن تأتوا بسورة موصوفة بكونها من مثل محمد ﷺ ولا على أن تأتوا بسورة موصوفة بكونها من مثل القرآن، وقال الشيخ تقي الدين السبكي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾.
قال الزمخشري، من مثله، متعلق بسورة صفة لها أي بسورة كائنة من مثله. وليس مراده التعلق الصناعي، لأن الصفة: إنما تتعلق بمحذوف وقد صرح هو به، ومراده أنه لا يتعلق بقوله: ﴿فَأْتُوا﴾، ثم قال: والضمير لما نزلنا أو لعبدنا - والأحسن عندي أن يتعلق بعبدنا، وإن علق بما نزلنا فيكون بالنظر إلى خصوصيته فيشمل صفة المنزل في نفسه والمنزل عليه. وإنما قلت ذلك: لأن الله تعالى تحدى بالقرآن في أربع سور، في ثلاث منها بصفته في نفسه. فقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾
стр. 495
الآية وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾.
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ والسياق في ذكر القرآن من حيث هو هو، ولذلك لم يذكر في هاتين السورتين لفظ (من) المحتملة للتبعيض ولإبتداء الغاية فمن هنا تعين الضمير للقرآن، وفي سورة البقرة، لما قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ قال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ فتكون من لابتداء الغاية، والضمير في مثله للنبي ﷺ ، ويكون قد تحداهم فيها بنوع آخر من التحدي غير المذكور في السور الثلاث. وذلك أن الإعجاز من وجهين:
إحداهما: من فصاحة القرآن وبلاغته وبلوغه مبلغا تقصر قوى الخلق عنه، وهو المقصود في السور الثلاث المتقدمة المتحدى به فيها، والثاني: من إتيانه من النبي الأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب وهو المتحدى به في هذه السورة، ولا يمتنع إرادة المجموع كما قدمناه، فإن أراد الزمخشري بعود الضمير على ما نزلنا المجموع بالطريق التي أشرنا إليها فصحيح، وحينئذ يكون ردد بين ذلك وعود الضمير على الثاني فقط.
وإن لم يرد ذلك فما قلناه أرجح، ويعضده أنه أقرب، وعود الضمير على الأقرب أوجب ويعضده أيضاً أنهم قد تحدوا قبل ذلك، فظهر عجزهم عن الإتيان بسورة من مثل القرآن، لأن سورة يونس
стр. 496
مكية فإن عجزوا عنه من كل أحد فهم عن الإتيان بمثله ممن لم يقرأ ولم يكتب أشد عجزا، فالأحسن أن يجعل الضمير لقوله: عبدنا، فقط، وهذان النوعان من التحدي يشتمل على أربعة أقسام، لأن التحدي بالقرآن أو ببعضه بالنسبة إلى من يقرأ ويكتب، وإلى من ليس كذلك. والتحدي بالنبي ﷺ بالنسبة إلى مثل المنزل وإلى أي سورة كانت.
فإن من لم يكتب لا يأتي بها فصار الإتيان بسورة من مثل النبي ﷺ ممتنعاً (شابهت القرآن أو لم تشابهه)، والإتيان بسورة من مثل القرآن ممتنعاً كانت من كاتب قارئ أم من غيره.
فظهر أنها أربعة أقسام، ثم قال الزمخشري: ويجوز أن يتعلق بقوله فأتوا والضمير للعبد، هذا صحيح وتكون من لابتداء الغاية، ولم يذكر الزمخشري على هذا الوجه احتمال عود الضمير على ما نزلنا، ولعل ذلك لأن السورة المتحدى بها إذا لم يوجد معها المنزل عليه لابد أن يخصص بمثل المنزل كما في سورة يونس وهود، فإذا علقنا الضمير هنا في سورة البقرة بقوله: ﴿فَأْتُوا﴾ وعلقنا الضمير بالمنزل كانوا قد تحدوا بأن يأتوا بسورة مطلقة ليست موصوفة ولا من شخص موصوف، فليست على نوع من نوعي التحدي. فإن قلت: ﴿مِنْ﴾، على هذا التقدير للتعيض، فتكون السورة بعض مثله يقتضي مماثلتها.
قلت: المأمور به السورة المطلقة. و ﴿مِنْ﴾ يحتمل أن تكون لابتداء الغاية وإن سلم أنها للتبعيض فالمماثلة إنما يعلم حصولها للسورة بالاستلزام، فلم يتحدوا ولم يؤمروا بإتيانها من حيث هي مطلقة ولا من حيث ما اقتضاه الاستلزام من المماثلة، فإن المماثلة بالمطابقة في الكل المبعض لا في البعض، فإن لزم حصولها في البعض فليس من اللفظ، وبهذا يعرف الجواب. عن قول من قال: ما الفرق بين فأتوا بسورة كائنة
стр. 497
من مثل ما نزلنا، وبين فأتوا من مثل ما نزلنا بسورة، فنقول: الفرق بينهما: ما ذكرناه، فإن المأمور به في الأول سورة مخصوصة، وفي الثاني: سورة مطلقة من حيث الوضع، وإن كانت بعضاً من شيء، مخصوص والله تعالى أعلم. وقال الشيخ العلامة محمود السيواسي: تعيين الفرق ههنا موقوف على استحضار أمرين معلومين في هذا المقام أما الأول فهو: أن المطلوب في معرض المعارضة بهذه الآية الكريمة دائر بين الأمرين وليس بخارج عنهما، بل لا يصح أن يخرج وذلك: إما كون السورة المأتي بها مثلا للمنزل أو كونها مأتيا بها من مثل العبد في كونه بشراً أو أمياً (وأما الأمر الثاني: فهو، أن ﴿مِنْ﴾ إذا تعلق بفأتوا لا تكون إلا للابتداء ولا يصح أن تحمل على غيره) من البيان، وإذا تعلق بسورة يصلح لذلك كله وإذا تقرر هذان الأمران، نقول: الفرق بين فأتوا بسورة كائنة من مثل ما نزلنا (وفأتوا من مثل ما نزلنا) بسورة إذا أريد تعلق من بفأتوا، هو أن التركيب الثاني: يدل على أن المطلوب في معرض المعارضة كون السورة مأتيا بها من مثل المنزل، وذلك: خارج عن أحد الأمرين اللذين قلنا: إن المطلوب دائر بينهما وذلك ليس بمطلوب ولا يصح أن يكون.
أما أنه ليس مطلوبا فلأنهم لو وجدوا في ديوان أشعارهم وأمثالهم أو خطبهم مقدار أقصر سورة تكون مثلا للمنزل في غريب البيان وعلو الطبقة في حسن النظم وأبوابه لكان به المعارضة لهم، وإن كان نفس ذلك الديوان ليس مثلا للمنزل كما يدل على هذا قول صاحب الكشاف قبيل هذا في جواب قوله: فإن قلت: لم قيل: مما نزلنا على لفظ التنزيل دون الإنزال؟، وأما أنه لا يصح فلأنه يلزم أن يكون الإتيان بمثل المنزل أيضاً مطلوباً لامتناع تحصيل الشيء من غير الحاصل، فحينئذ يكون
стр. 498
الإتيان بالسورة التي هي المطلوبة في التحدي مانعاً فليتدبر؛ وأما التركيب الأول: فلا يدل على ذلك إلا إذا حمل ﴿مِنْ﴾ على الابتداء، وذلك غير لازم هنا، فإنه يمكن أن تكون للبيان، ويكون معنى الكلام: فأتوا بسورة كائنة مثل المنزل، وذلك ليس بخارج عن الأمرين اللذين قلنا إن المطلوب دائر بينهما وذلك المقدار من الفرق كاف في ذلك التخصيص وقال الشيخ أكمل الدين: قد استشكل بعض الفضلاء جواز عود الضمير إلى المنزل والعبد على تقدير كون من مثله متعلقا بسورة وانحصار عوده إلى العبد على تعلقه بقوله: ﴿فَأْتُوا﴾ وقال: ليت شعري ما الفرق بين فأتوا بسورة كائنة من مثل ما نزلنا [وفاتوا من مثل ما نزلنا] بسورة، وكثر الكلام فيه بين العلماء بتبريز. والذي انتهى إليه الكلام فيه منهم، ومن غيرهم: إنه إذا تعلق بقوله: فأتوا لا يجوز أن يكون الضمير للمنزل لاستلزام بطلان كلمة ﴿مِنْ﴾، لأنها لا يصح أن تكون للتبعيض لأنه حينئذ يكون مفعول فاتوا ثلاثاً ولابد منها ولا أن تكون للبيان لانه يقتضي مبهما قبله وليس بموجود، ولا للابتداء لأن ابتداء الإتيان من مثل المنزل لا يتحقق ولا زائدة، على قول الأخفش لما ذكر في التبعيض.
وأما إذا كان الضمير للعبد كان من للابتداء ليس إلا، وابتداء الإتيان من مثل العبد الصحيح. وقال الشيخ سعد الدين: قد اشتهر هنا سؤال تخصيص، وهو أنه لم لا يجوز على هذا التقدير أيضاً أن يكون الضمير لما نزلنا كما جاز على تقدير كون من مثله صفة سورة.
والجواب: أن هذا أمر تعجيز باعتبار المأتي به والذوق شاهد بأن تعلق من مثله بالإتيان يقتضي وجود المثل ورجوع العجز إلى أن يؤتى منه بشيء ومثل النبي ﷺ في البشرية والعربية موجود بخلاف مثل القرآن في البلاغة والفصاحة، وأما إذا كان صفة للسورة فالمعجوز عنه هو الاتيان بالسورة الموصوفة ولا يقتضي وجود المثل، بخلاف قولنا:
стр. 499
أتيت ببيت من مثل الحماسة، قال: وقد (يجاب) بوجوه أخر، الأول: أنه إذا تعلق بفأتوا فمن للابتداء قطعاً، إذ لا مبهم يبين ولا سبيل إلى البعضية، لأنه لا معنى لإتيان البعض ولا مجال لتقدير الباء مع (من)، كيف وقد ذكر المأتي به صريحاً وهو السورة، وإذا كانت (من) للابتداء تعين كون الضمير للعبد لأنه المبتدأ للإتيان لا مثل القرآن وفيه نظر لأنه المبتدأ الذي تقتضيه من الابتداء ليس هو الفاعل حتى ينحصر مبتدأ الإتيان بالكلام في المتكلم على أنك إذا تأملت فالمتكلم ليس مبتدأ للإتيان بالكلام منه بل للكلام نفسه بل معناه أن يتصل به الأمر الذي اعتبر له إمتداد حقيقة أو توهما كالبصرة للخروج والقرآن للاتيان بسورة منه.
وبهذا يندفع ما يقال: إن المعتبر من المبتدأ هو الفاعلي أو المؤدي أو الغاني أو جهة يتلبس بها ولا يصح شيء من ذلك فيما نحن فيه على أن يكون مثل القرآن مبدأ مؤديا للإتيان بالسورة ليس أبعد من كون مثل العبد مبدأ فاعليا له.
الثاني: أنه إذا كان الضمير لما نزلنا و (من) صلة فأتوا كان المعنى فأتوا من منزل مثله بسورة فكان مماثلة ذلك المنزل لهذا المنزل هو المطلوب لا مماثلة سورة واحدة منه بسورة من هذا، وظاهر أن المقصود خلافه كما نطقت به الآي الأخر، وفيه نظر لأن إضافة المثل إلى المنزل لا يقتضي أن تعتبر موصوفة منزلاً ألا ترى أنه إذا جعل صفة سورة لم يكن المعنى بسورة من منزل من مثل القرآن، بل من كلام، فكيف يتوهم ذلك، والمقصود تعجيزهم على أن يأتوا من عند أنفسهم بكلام مثل القرآن، ولو سلم فما ادعاه من لزوم خلاف غير بين ولا مبين.
والثالث: أنها إذا كانت صلة فأتوا كان المعنى فأتوا من عند المثل
стр. 500
كما يقال: ائتوا من زيد بكتاب أي من عنده، ولا يصح إئتوا من عند مثل القرآن بخلاف مثل العبد، وهذا أيضاً بين الفساد. انتهى.
قال الشريف: أورد على هذا الوجه أنه لم لا يجوز أن يكون الضمير حينئذ لما نزلنا أيضاً؟ كما جاز ذلك على تقدير كون الظرف صفة للسورة؟ وأجيب بوجهين:
الأول: إن فأتوا أمر قصد به تعجيزهم باعتبار المأتي فلو تعلق به قول (من مثله) وكان الضمير للمنزل تبادر منه أن له مثلا محققا وإن عجزهم إنما هو عن الإتيان بشيء منه وهو فاسد، بخلاف ما إذا رجع الضمير إلى العبد فإن له مثلا في البشرية والعربية والأمية فلا محذور.
والثاني: إن كلمة - (من) - على هذا التقدير ليست بيانية إذ لا مبهم هناك. وهي أيضاً مستقر أبداً فلا تتعلق بالأمر لغوا ولا تبعيضية، وإذا كان الفعل واقعا عليه حقيقة، كما في قولك: أخذت من الدراهم، ولا معنى لإتيان البعض بل المقصود الإتيان بالبعض ولا مجال لتقدير الباء مع وجود من، كيف وقد صرح بالمأتي به أعني بسورة، فتعين تكون ابتدائية، وحينئذ يجب كون الضمير للعبد، لأن جعل المتكلم مبدأ للاتيان بالكلام منه معنى حسن مقبول بخلاف جعل الكلام مبدأ للإتيان بما هو بعض منه، ألا ترى أنك إذا قلت: إئت من زيد بشعر كان القصد إلى معنى الابتداء أعني إبتداء الإتيان بذلك الشعر من زيد مستحسناً فيه، بخلاف ما إذا قلت: إئت من الدراهم بدرهم، فإنه لا يحسن فيه قصد الابتداء ولا تر تضيه فطرة سليمة وإن فرض صحة ما قيل في النحو من أن جميع معانيها راجعة إليه ولا نعني بالمبدأ الفاعل ليتوجه أن المتكلم مبدأ الكلام نفسه لا للإتيان بالكلام منه بل ما يعد عرفاً مبدأ من حيث
стр. 501
يعتبر أنه اتصل به أمر له امتداد حقيقة أو توهما.
قوله: (معناه فأتوا بسورة مما هو على صفته): فقد اعتنى بهذا المحل رجل من فضلاء العجم، يقال له: مظفر الدين الشيرازي، رأيته بمكة سنة تسع وستين وثمانمائة، فألف فيه كراسة نقل فيها كلام الطيبي والتفتازاني وبحث معهما وقدم إلى الديار المصرية معنا سنة سبعين فأظهرها مستحجا بها فنازعه من نازعه، ورفع في ذلك سؤال إلى شيخنا العلامة محي الدين الكافيجي فكتب عليه كتابة مطولة، خطأ فيها مظفر الدين فيما بحثه وفيما خرجه، لكونه عول في التخريج على القواعد المنطقية، وهي مخالفة لأساليب العربية التي مرجع البلاغة القرآنية إليها، ولولا خشية الإطالة لسقت ذلك كله.
قوله: (ولأن مخاطبة الجم الغفير) ، قال الطيبي: لأنه لا معنى للاستظهار بهم على أن يأتوا بسورة واحدة من مثل محمد ﷺ .
قوله: (ومنه: تدوين الكتب)، هذا ممنوع، فإن التدوين إنما هو مأخوذ من الديوان، وهو لفظ أعجمي ليس مشتقاً من دون.
قوله: (ثم استعير للرتب) إلى آخره. قال الطيبي: يعني لما مر
стр. 502
استعماله في هذه المعاني استعير في معنى المرتبة مطلقا بأن شبهت المراتب المعنوية بالمكانية، واستعير لها ما كان مستعملاً هناك، ثم اتسع فيه فجعل مثلا لكل متجاوز حد من غير نظر إلى الاستعارة.
قوله: (وقال أمية:
يا نس مالك دون الله من واق
تمامة:
ولا للسع بنات الدهر من راق
يريد النوائب.
قوله: (ومن متعلقة بأدعو) هذا على أن الشهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة.
قوله: (أو بشهدائكم). هذا لأنه بمعنى القائم بالشهادة.
قوله: (من قول الأعشى (تريك القذى من دونها وهي دونه)) تمامه: إذا ذقها من ذاقها يتمطق.
يصف زجاجة فيما خمر. أي: تريك الزجاجة القذي من قدامها وهي قدام القذي. (يتمطق): أي: يمص شفتيه من لذاتها.
стр. 503
وفي شرح ديوان الأعشي أن هذا البيت من مستحسنات شعره. أراد أن الزجاجة لصفائها تريك القذى. أقرب إليك منها، وإنما القذاة في أسفلها
وأول القصيدة:
أرفت وما هذا السهاد المؤرق .... وما بي من سقم وما بي معشق
ولكن أراني لا أزال بحادث ... أغادي بما لم يمس عندي وأطرق
وشاو إذا شئنا كميش بمسعر .... وصهباء مزباد إذا ما تصفق
وقبل البيت المستشهد به، قال الطيبي: روى ابن حمدون في التذكرة: أن الوليد بن عبد الملك قال لابن الأقرع: أنشدني قولك في الخمر، فأنشده:
كميت إذا شجت ففي الكأس وردها ..... لها في عظام الشاربين دبيب
تريك القذى من دونها وهي دونه .... لوجه أخيها في الإناء قطوب
стр. 504
فقال الوليد: شربتها ورب الكعبة، قال: لئن كان وصفي لها رابك فقد رابني معرفتك بها.
فعلى هذا ابن الأقرع إما ضمن المصراع أو كان من التوارد.
(قوله: (فعبر عن الإتيان المكيف بالفعل الذي يعم الإتيان وغيره إيجازاً) قال الشيخ سعد الدين: أن الفائدة في ترك ذكر الإتيان إلى ذكر الفعل هو أن الإتيان فعل من الأفعال، والفائدة هو الإيجاز حيث وقع لفظ الفعل موقع الإتيان مع ما يتعلق به.
قوله: (ونزل لازم الجزاء منزلته على سبيل الكناية) إلى آخره. قال الشيخ سعد الدين: يعني أن من حق الشرط أن يكون سبباً للجزاء أو ملزوماً، وليس عدم الإتيان بالسورة سبباً لاتقاء النار ولا ملزماً فكيف وقع جزاء له؟ والجواب: أن اتقاء النار كناية عن ترك العناد، وهو مشروط بعدم القدرة عن الاتيان بالسورة ومسبب عنه، وهذه الكناية مع أنها في نفسها من شعب البلاغة وأبلغ من التصريح تفيد أمرين:
أحدهما الإيجاز حيث طوى ذكر الوسائط أعني، قولنا: فإن لم تفعلوا فقد صح عندكم صدقه، وإذا صح كان لزومكم العناد وترككم الإيمان والانقياد سبباً لاستحقاقكم العقاب بالنار فاتركوا ذلك واتقوا النار، وليس المراد أن هناك حذفا وإضماراً بشرط أو جزاء بل أن المعنى على ذلك. وإلى هذا يشير من يقول: أنه يراد في الكناية معنى اللفظ ومعنى معناه.
وثانيهما: تهويل شأن العناد بإقامة النار مقامه بناء على أن إنابة اتقاء النار مناب ترك العناد وإبراز ترك العناد في صورة اتقاء النار فاعترض بأنه ينبغي أن يكون مجازا عن ترك العناد وعلى ما اختاره صاحب المفتاح لا كناية إذ مبناها على التعبير باللازم عن الملزوم.
стр. 505
والجواب: أن اطلاق الكناية على التعبير بالملزوم عن اللازم شائع في كلام صاحب الكشاف، ومبنى الفرق بينها وبين المجاز عنده على إرادة المعنى الحقيقي وعدمها، وأما التفرقة بأن التعبير باللازم عن الملزوم كناية وعكسه مجاز، فإنما هي لصاحب المفتاح. انتهى.
قوله: (وخطابا معهم على حسب ظنهم).
قال الطيبي: فإنهم كانوا يقولون: (لو نشاء لقلنا مثل هذا).
قوله: (حرف مقتضب) أي: مرتجل لتبسيط ثنائي الوضع.
قوله: (عند سيبويه والخليل في إحدى الروايتين عنه) هو الراجح عند المتأخرين، وأبي حيان، وابن هشام.
قوله: ((وفي الرواية الأخرى: أصله، (لا أن)).
أي: فحدفت الهمزة لكثرتها في الكلام ثم الألف لالتقاء الساكنين.
قوله: (فلان فخر قومه).
قال الطيبي: أي الذي يفتخر به قومه، كقولك: ضرب الأمير أي مضروبة.
قوله: (وإن أريد به المصدر فعلى حذف مضاف أي: وقودها
стр. 506
احتراق الناس) زاد غيره: أو يقدر المضاف قبله، أي ذو وقودها الناس. زاد
الطيبي: أو يجعل من باب رجل عدل، قال: وعلى هذا فالمعنى ليس وقود النار إلى ذلك وعلى الأول يجوز أن يكون هناك وقود آخر.
وقوله: (وقيل حجارة الكبريت، وهو تخصيص بغير دليل) إلى آخره.
أقول: تبع في ذلك الكشاف، وهذا من جملة رده الأحاديث الصحيحة والتفاسير المرفوعة الثابتة، بمجرد الراي: فإنا لله، فإن تفسير الحجارة هناك بحجارة الكبريت هو الثابت في المنقول، ولا يعرف في التفسير غيره أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور في سننه وهناك ابن السري في كتاب الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنزر وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك وصححه والبيهقي في البعث والنشور عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾.
стр. 507
قال: حجارة الكبريت جعلها الله تعالى كما شاء، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﵄ في الآية.
قال: هي حجارة في النار من كبريت أسود.
ومثل هذا التفسير الوارد عن الصحابي فيما يتعلق بأمر الآخرة له حكم الرفع بإجماع أهل الحديث.
وقد أخرج ابن أبي حاتم مثله عن مجاهد، وأبي جعفر، وابن جرير، وجزم به ابن جرير ولم يحك خلافه عن أحد، وعلله بأنها أشد حرا، ونقله البغوي عن أكثر المفسرين، وقالوا: لأنها أكثر التهابا، ونقله ابن عقيل عن الجمهور، وقال: خصت لأنها تزيد على غيرها من الأحجار بسرعة الإيقاد ونتن الريح وكثرة الدخان وشدة الالتصاق بالأبدان وقوة الحر.
قوله: (ولما كانت الآية مدنية نزلت بعدما نزل بمكة، قوله تعالى: في سورة التحريم ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ وسمعوه صح تعريف النار).
стр. 508
تابع في ذلك الكشاف، وقد تعقبه القطب وغيره بأنه ينافي ما سيقوله في سورة التحريم أنها مدنية وقال صاحب الانتصاف لم أقف على خلاف أن سورة التحريم مدنية. والظاهر أن الزمخشري وهم في قوله: إنها مكية. وقال الشيخ أكمل الدين: ما ذكره الزمخشري ليس بصحيح لأن سورة التحريم مدنية بلا خلاف، قال: وقد اتفق الشارحون على ورود هذا الاعتراض، ونسب بعضهم الزمخشري إلى السهو، وفي الحاشية المشار إليها: ما ذكره الزمخشري وهم. فإن المفسرين/ متفقون على أن سورة التحريم مدنية، وكان يكفيه أن يقول: أية التحريم نزلت قبل هذه بالمدينة، ثم هذه بعدها، فإن صحة الجواب لا يتوقف على كون آية التحريم مكية وقال الشيخ سعد الدين والشريف: اعترض هنا بأن الصفة أيضاً يجب أن تكون معلومة الانتساب إلى الموصوف كالصلة، وإلا لكان خبرا، ولهذا قالوا: إن الصفات قبل العلم بها أخبار، كما أن الأخبار بعد العلم بها أوصاف، فيعود السؤال بعينه في قوله: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. والجواب: أن الصفة والصلة يجب كونها معلومين للمخاطب لا لكل سامع، وما في التحريم خطاب للمؤمنين. وهم قد علموا ذلك بسماعهم
стр. 509
من النبي ﷺ ولما سمع الكفار ذلك الخطاب أدركوا منه نارا موصوفة بتلك الجملة، فجعلت فيما خوطبوا به.
قوله: (والجملة استئناف أو حال)، قال أبو حيان: ذكر أبو البقاء، أن جملة أعدت للكافرين في موضع الحال من النار، والعامل فيها فاتقوا وفي ذلك نظر، لأن المعنى حينئذ يصير: فاتقوا النار في حال إعدادها للكافرين، وهي معدة للكافرين، اتقوا النار أو لم تتقوها، فتكون إذ ذاك حالا لازمة والأصل في الحال التي للتأكيد أن تكون منتقلة. قال: والأولى عندي: أن تكون الجملة لا موضع لها من الإعراب وكأ، ها جواب سؤال مقدر، كأنه لما وصفت نار وقودها الناس والحجارة، قيل: لمن أعدت، فقيل: أعدت للكافرين. وقال الشيخ سعد الدين: لا يحسن الاستئناف والحال؛ لأنها متعلقة بأحوال تلك النار وعندي إنها صلة بعد صلة، كما في الخبر والصفة قال: وإن أبيت بناء على أنه لم يسطر في كتاب فليكن عطفا بترك العاطف، قال: لكن عطف وبشر على لفظ
стр. 510
المبنى للمتعول عليه يقوى جانب الاستئناف.
قوله: (أس) الأساس.
قوله: (عطفا على الجملة المستأنفة) إلى آخره.
قال القطب: أي هذا العطف لا يتعلق باللفظ بل عطف معنوي، فإن مفهوم الجملة الأولى وصف عقوبة الكافرين، ومفهوم الثانية وصف ثواب المؤمنين. زاد الطيبي، والتشاكل لا يطلب في عطف الجمل بل في عطف المفردات.
قوله: (أو على فاتقوا) إلى آخره. قال القطب: إعترض بأنه لا يصلح جواباً للشرط ولا يعطف عليه، قال: وهذا الاعتراض ليس بذاك، لجواز أن يكون (بشر) مرتباً على الشرط. أما أولا: فإن من تتميم عذاب الكافرين ثواب أضدادهم كأن الله تعالى يعذبهم بوجهين، فيكون معناه: فإن لم تفعلوا فاتقوا من عذابكم واتقوا من ثواب أضدادكم والأول تحذير والثاني تحسير. وأما ثانيا: فلأنهم إذ لم يعارضوا القرآن ظهر أنه معجز، فمن صدق به استحق الثواب، ومن كذب به استحق العذاب، وهذا يقتضي إنذار هؤلاء وتبشير هؤلاء، فلهذا ترتب التبشير على عدم المعارضة كما ترتب الإنذار. انتهى. وهذا الثاني: هو الذي قرره البيضاوي. وقال
стр. 511
الطيبي بعد إيراده الاعتراض، هذا سؤال اتفق الناس على وروده. والجواب عنه: أن الزمخشري لم يجعل قوله فاتقوا جوابا لقوله فإن لم تفعلوا حتى يلزم المحذور. وإنما جعله مبنيا على جزاء محذوف، والتقدير: وإن كنتم في شك من صحة ثبوته وصدق قوله: إن القرآن منزل عليه من عند الله، فأتوا بسورة من مثله فإن لم تقدروا على ذلك وأنتم فرسان البلاغة فقد صح صدقه وإذا صح صدقه فليتق المعاند النار، وبشر يا محمد المصدق بالجنة، قال: وهذا هو الذي قرره البيضاوي. وقال أبو حيان: جعل وبشر معطوفاً على قوله ﴿فَاتَّقُوا﴾ قاله أيضاً أبو البقاء وهو خطأ، لأن فاتقوا جواب الشرط، وموضعه جزم والمعطوف على الجواب جواب. ولا يمكن أن يكون وبشر جواباً لأنه أمر بالبشارة مطلقا لا على تقدير إن لم تفعلوا بل أمر أن يبشر الذين آمنوا، أمرا غير مرتب على شيء قبله.
قال السفاقسي: قوله وموضعه جزم والمعطوف على الجواب جواب، فيه نظر، وقد أجاز الفارسي في نحو زيد ضربته وعمرا كلمته معطوفاً على الجملة الصغرى وهي ضربته وإن لم يصح أن يكون وعمرا كلمته خبراً لعدم الرابط ووافقه على ذلك جماعة، قال: لأن الجملة وإن كان لها موضع من الإعراب فإن ذلك الموضع لما لم يظهر لم يكن له حكم وصار ذلك بمنزلة الجملة التي لا موضع لها من الإعراب فلم يمتنع أن يعطف عليها ما لا موضع له فلما صح أن يعطف على الخبر ما لا
стр. 512
يكون خبرا صح أن يعطف على الجواب ما لا يكون جوابا.
قوله: لأنه أمر بالبشارة مطلقا لا على تقدير إن لم تفعلوا، جوابه إن الواقع عدم الفعل جزماً ولهذا قال: ولن تفعلوا فلم يبق ثم تقدير إن فعلتم فلا تبشير فكان الأمر بالبشارة واقعاً مطلقاً. وقال ابن هشام في المغني: في جواب الزمخشري نظر، لأنه لا يصح أن يكون جوابا للشريط إذ ليس الأمر بالتبشير مشروطا بعجز الكافرين عن الإتيان بمثل القرآن، ويجاب بأنه قد علم أنهم غير المؤمنين، فكأنه قيل فإن لم يفعلوا فبشر غيرهم بالجنات.
ومعنى هذا فبشر هؤلاء المعذبين. بأنه لاحظ لهم في الجنة.
قوله: (وقرئ وبشر على البناء للمفعول عطفا على أعدت) فيكون أي: أعدت - استئنافا، قال أبو حيان ولا يصح عطفه على أعدت إذا أعرب حالا لأن المعطوف على الحال حال، ولا يصح أن يكون وبشر في موضع الحال، وحينئذ فيكون معطوفا على ما قبله من الجمل وإذ لم تتفق معانيها كما ذهب إليه سيبويه.
وقال الحلبي: قوله: (عطفا على أعدت) غلط لأن المعطوف على الصلة صلة ولا راجع على الموصول من هذه الجملة فلا يصح عطفه على أعدت. وقال الطيبي: إذا عطف على أعدت فعلى هذا يدخل في حيز، الصلة، ويكون بشارة للمؤمنين عن الخلاص عنها من جملة تنكيل الكافرين فيجتمع لهم التعذيب مع الحسرة كما قيل: إن الإحسان إلى العدو مما ينعم به العدو وفي الحاشية المشار إليها: لا يصح عطف وبشر على أعدت إن أعرب حالا، لأن المعطوف على
стр. 513
الحال حال، فيكون قوله: وبشر خالا من النار أيضا، وهو بعيد لا ينتظم، وكذلك إن جعلت أعدت صلة بعد صلة للتي، كما تقول: زيد الذي يكرم الضيف يحمل الكل فإنه لا يقتضي أن يكون وبشر صلة التي، فيكون التقدير: النار التي بشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات ولا عائد فيه على الموصول، أللهم إلا أن يدعى أن أعدت جملة مستأنفة وليست صلة ولا حالا فحينئذ يسوغ عطف وبشر عليها.
قوله: (والبشارة الخبر السار) شرطه أن يكون صدقا نبه عليه في الحاشية المشار إليها، وهو منصوص في كتب الفقه.
قوله: (فإنه يظهر أثر السرور في البشرة)، قال الراغب: وذلك إن النفس إذا سرت انتشر الدم انتشار الماء في الشجر. وفي الحاشية المشار إليها أن البشرة مشتقة من تغير البشرة لما يرد عليها وذلك مشترك في خبر الخير والشر غير أن عرف الاستعمال خصصه بالخير، فيجوز أن يقال: إن قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ استعمل عليه الوضع اللغوي فيكون حقيقة لغة ومجازاً عرفا.
قوله: (وأما قوله ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾) فعلى التهكم، قال الطيبي، أي: هو من الاستعارة التهكمية استعارة البشارة للنذارة بواسطة اشتراط الضدين، ومن حيث اتصاف كل بمضادة صاحبتها فنزلت البشارة منزلة النذارة، ثم قيل على التبعية: فبشرهم بدل فأنذرهم.
قوله: (أو على طريقة. قوله: تحية بينهم ضرب وجيع).
стр. 514
الفرق بينهما أن الثاني لا تهكم فيه.
قوله: (من الصفات الغالبة) أي التي استعملت من غير موصوف، فكأنها ليس لها موصوف قوله:
قوله: كيف الهجاء وما تنفك صالحة من آل لام بظهر الغيب تأتيني
هو الحطينة قال ابن الأثير في الكامل: إن النعمان دعا بحلة من حلل الملوك، وقال للوفود - وفيهم أوس بن حارثة بن لأم الطائي - احضروه في غد، فإني ملبس هذه الحلة أكرمكم، فلما كان الغد حضروا إلا أوساً، فقيل له في ذلك: فقال: إن كان المراد غيري فأجمل الأشياء ألا أحضر، وإن كنت المراد فسأطلب.
فلما جلس النعمان ولم ير أوساً، طلب، وقال: (فقولوا له): أحضر آمنا مما خفت فحضر فألبس الحلة فحسده قوم من أهله، وقالوا للحطينة: أهجه ولك ثلاثمائة ناقة، فقال: كيف الهجاء البيت.
قال الطيبي: تنفك تزال وبظهر الغيب، حال، أي: ملتبسا بالغيب، أي: غائبين، والظهر معجمة لتأكيد معنى الغيب، وتأتيني خبر تنفك.
стр. 515
قوله: (واللام فيه للجنس)، قال أبو حيان: أي لا للعموم، لأنه لا يكاد يمكن أن يعمل المؤمن جميع الصالحات.
قوله:
كأن عيني في غربي مقتلة ... من النواصح تسقى جنة سحقا
هو لزهير ابن أبي سلمى، الغربان تثنية غرب وهو الدلو العظيمة والمقتلة الناقة المرتاضة المذللة والنواضح الإبل التي يسقى عليها، جمع ناضح.
قال الطيبي: وتخصيص النواضح والمقتلة لأنها تخرج الدلو ملان بخلاف الصعبة فإنها تنفر فيسيل الماء من نواحي الغرب فلا يبقى منه الإصابة، والسحق جمع سحوق وهي النخلة الطويلة وأراد بالجنة النخلة لأنها أحوج إلى الماء، والطوال منها أكثر حاجة من القصار.
وفي قوله: (في غربي) تجريدية وهو خبر كأن.
وقال الشيخ سعد الدين جعل عينيه في الغربين دون أن يجعلهما غربين، كناية لطيفة، كأن ما ينصب في الغربين ينصب من العينين
стр. 516
انتهى. وأول القصيدة:
إن الخليط أجدوا البين فانفرقا ... وعلق القلب من أسماء ما علقا
وأخلفتك ابنه البكري ما وعدت ... فأصبح الحبل منها واهيا خلقا
وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأمسى رهنها غلقا
قوله: (ثم دار الثواب)، قال الطيبي: فهي منقولة شرعية على سبيل التغليب.
قوله: (لأن الجنان على ما ذكره ابن عباس ﵁: سبع) لم أقف عليه.
قوله: وعن مسروق أنهار الجنة تجري في غير أخدود، وأخرجه ابن المبارك وهناد في الزهد وابن جرير والبيهقي في البعث والأخدود شق مستطيل في الأرض قاله في الصحاح.
стр. 517
قوله: (واللام في الأنهار للجنس) الطيبي: يشير به إلى ما هو حاضر في ذهن المخاطب، وأنت تعلم أن الشيء لا يكون حاضراً في الذهن إلا أن يكون عظيم الخطر معقوداً به الهمم أي تلك الأنهار التي عرفت أنها النعمة العظمى واللذة الكبرى، وأن الرياض وإن كانت آنق لا تبهج الأنفس حتى تكون فيها الأنهار.
قوله: (أو للعهد)، والمعهود هي الأنهار المذكورة في قوله تعالى:
﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية. قال الشيخ بهاء الدين ابن عقيل: هذا يتوقف على تقدم نزول آية القتال على هذه. وقد قال عكرمة: إن البقرة أول سورة نزلت بالمدينة. وقال الشيخ سعد الدين: إنما يصح هذا لوثب سبقها في الذكر، قال: ومع ذلك لا يخفى بعد مثل هذا العهد.
قوله: (والنهر بالفتح والسكون) زاد في الكشاف أن الفتح اللغة العالية، قال الطيبي: أي: الفصيحة التي كثر استعمالها في كلام الفصحاء.
قوله: (والتركيب للسعة)، قال القطب: فإن النهار اسم لضوء واسع ممتد من طلوع الشمس إلى غروبها.
والإنهار الإسالة سعة وكثرة، وأنهر الطعن: وسع، واستنهر الشيء: اتسع، والمنهرة فضاء يكون بين أفنية القوم يلقون فيها
стр. 518
كناستهم.
قوله: (كلما رزقوا صفة ثانية لجنات أو خبر مبتدأ محذوف أو جملة مستأنفة) إلى آخره، قال أبو حيان: الأحسن في هذه الجملة أن تكون مستأنفة لا موضع لها من الإعراب، فإنه لما ذكر أن لهم جنات صفتها كذا: هجس في النفوس حيث ذكرت الجنة الحديث عن ثمار الجنات وأحوالها، فقيل لهم كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا، وأجيز أن تكون الجملة لها موضع من الإعراب، نصب على تقدير كونها صفة للجنات أو رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف عائد على الجنات أي هي ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا﴾، أو عائد على الذين آمنوا أي هم كلما رزقوا. والأولى: الوجه الأول لاستقلال الجملة فيه، لأنها في الوجهين الأخيرين تتقدر بالمفرد، فهي مفتقرة إلى الموصوف أو إلى المبتدأ المحذوف. وأجاز أبو البقاء أن تكون حالا من الذين آمنوا تقديره: مرزوقين على الدوام، ولا يتم له ذلك إلا على تقدير أن تكون الحال مقدرة لأنهم وقت التبشير: لم يكونوا مرزوقين على الدوام وأجاز أيضا أن تكون حالا من جنات، لأنها نكرة قد وصفت بقوله: تجري، فقربت من المعرفة، ويؤول أيضا إلى الحال المقدرة، والأصل في الحال أن تكون مصاحبة فلذلك اخترنا في إعراب هذه الجملة غير ما ذكره، انتهى.
وفي الحاشية المشار إليها: في كونها خبر مبتدأ محذوف إشكال. وذلك أن (كلما) هنا ظرفية، والتقدير: كل زمن رزق يتجدد لهم، وكل منصوبة انتصاب ظرف الزمان، وهو لا يكون خبرا عن جثة، إنما يكون خبراً عن المصدر، ففي تقدير المبتدأ عسر.
وقال الشيخ سعد الدين: قوله: أو خبر مبتدأ محذوف أي: هم أو هي، لا شأنها لعدم العائد - وإن أريد أن الجملة خبر عن ضمير الشأن فلا يكون المحذوف شأنها، بل هي بمعنى القصة والشأن، قال: وههنا بحث، وهو أن المحذوفة المبتدأ إما أن تجعل صفة أو استئنافا
стр. 519
فاعتبار الضمير لغو، وإما أن يكون كلاماً مبتدأ غير صفة ولا استئناف فلتكن بدون اعتبار الحذف كذلك.
قوله: (وقع في خلد السامع): بفتح الخاء المعجمة واللام أي: في قلبه وروعه.
قوله: (ومن الأولى والثانية للابتداء واقعتان موقع الحال)، الذي ذكره صاحب الكشاف. أنهما على هذا الوجه، أي: كونها لابتداء الغاية متعلقان برزقوا. قال أبو حيان: (من) في قوله: منها، لابتداء الغاية، وفي - (من ثمرة) كذلك - لأنه بدل من قوله: (منها) أعيد معه حرف الجر وكلتاهما متعلق برزقوا على جهة البدل لأن الفعل لا يقتضي حرفي جر في معنى واحد إلا بالعطف أو على طريقة البدل، وهذا البدل من بدل الاشتمال.
قوله: ويحتمل أن يكون من ثمرة بيانا تقدم كما في قولك: رأيت منك أسداً قال الطيبي: يعني هو من باب التجريد، وهو أن ينتزع من ذي صفة آخر مثله فيها إيهاما لكمالها فيه كأنك جردت من المخاطب شيئاً يشبه الأسد، وهو نفسه كذا هنا جرد له من ثمرة رزق وهو هي، فيكون رزقا أخص من ثمرة لأن الثمرة ذات أوصاف، فانتزع منها وصف المرزوقية أي التي يقع الأكل عليها لكمال هذا المعنى فيه. فالرزق على هذا مخرج من قوله: من ثمرة، وعلى الأول بالعكس. وقال القطب بعد تقديره: ليت شعري إذا حمل (من) هنا على البيان لم يجعل الأسلوب من التجريد، فإنه يجوز بل يظهر أن رزقا منهم يفسره الثمرة، أي: الرزق الذي هو الثمرة، لا كما في قولك: أنفقت من الدراهم ألفا فإنه ليس من أسلوب التجريد وقال الشيخ أكمل الدين - بعد حكايته -: الظاهر: أنه لا مانع
стр. 520
من ذلك في موارد (من) البيانية كلها، فإنه يجوز أن يقال في قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ أن الأوثان بلغت في صفة النجاسة بحيث يجوز أن يجرد منها رجس، وكذلك الدراهم، بلغت في الأنفاق كثرة يمكن أن يجرد منها نهاية مراتب العدد، وإن كان ذلك أمراً اعتبارياً لا يستلزم محالا لم يستبعد جوازه.
وقال أبو حيان: أجاز الزمخشري أن يكون من ثمرة بيانا، كقولك: رأيت منك أسداً تريد أسد، وكون (من) للبيان ليس مذهب المحققين، بل تأولوا ما استدل به من أثبت ذلك ولو فرضنا مجيئها للبيان لما صح تقديرها للبيان هنا لأن القائلين بأن من للبيان قدروها بمضمر وجعلوه صدراً لموصول صفة إن كان قبلها معرفة نحو: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ أي: الرجس الذي هو الأوثان، وإن كان قبلها نكرة فهو يعود على تلك النكرة نحو: من يضرب من رجل، أي: هو رجل، ومن هذه ليس قبلها ما يصلح أن يكون بيانا لا نكرة ولا معرفة إلا إن كان يتمحل لذلك أنها بيان لما بعدها، وأن التقدير: كلما رزقوا منها رزقا من ثمرة، فتكون من مبينة لرزق أي رزقا هو ثمرة، فيكون في الكلام تقديم وتأخير، فهذا ينبغي أن ينزه كتاب الله عن مثله. وأما رأيت منك أسداً فمن لابتداء الغاية. انتهى.
وقال الشيخ سعد الدين: وأما جعل هذا البيان على منهاج رأيت منك أسداً فمبني على أن (من) البيانية عنده راجعة إلى ابتداء الغاية، فلا بد من اعتبار التجريد بأن ينتزع من المخاطب أسد، ومن الثمرة
стр. 521
رزق.
قوله: (وهذا إشارة إلى نوع ما رزقوا) هو: مثال على الوجهين كون (من) للابتداء، وكونها بياناً.
قوله: (وإن كانت الإشارة إلى عينه) إن هنا وصلية من تتمة ما قبله على ما يفهمه إيراد الطيبي.
وقوله: (فالمعنى متفرع على قوله): وهذا إشارة إلى نوع ما رزقوا، ولم يذكر المصنف الوجه الآخر الذي ذكره صاحب الكشاف على البيان وهو أنه يحتمل أن يكون إشارة إلى المفرد والشخص.
قوله: (فالمعنى هذا مثل الذي)، قال الشيخ سعد الدين إنما احتاج إلى ذلك، لأن هذا إذا لم يذكر معه الوصف كان إشارة إلى المحسوس الحاضر وهو الذات الجزئية لا الماهية الكلية. وأما إذا قيل هذا النوع كذا فلا يلزم ذلك.
قوله: (ولكن لما استحكم الشبه بينهما جعل ذاته ذاته). قال الطيبي: أي هو تشبيه بحذف الأداة ووجهه: نحو قولك: زيد أسد. قال الإمام: لما اتحد في الحقيقة وإن تغايرا في العدد صح أن يقال: هذا هو ذاك لأن الوحدة النوعية لا ينافيها الكثرة بالشخص. وقال صاحب الفرائد:
الإشارة بقوله: هذا إلى النوع، فلا حاجة إلى التأويل. قال الطيبي: قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ يحتاج إلى التأويل، لأنه
стр. 522
اعتراض يقرر أمر المعترض فيه أو حال مقيدة. وقال الشيخ أكمل الدين: الإشارة الحسية إلى النوع غير متصورة لعدم تحققه في الخارج فبطل قول صاحب الفرائد.
والإشارة إلى الشخص وإرادة النوع مجاز، لأن الشخص يستلزمه والذي ذهب إليه المصنف تشبيه بليغ بحذف الأدارة ووجه الشبه.
وقوله: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ يدل عليه دلالة، فصار المصير إليه متعينا. وقال أبو حيان: إنما احتيج إلى هذا الإضمار لأن الحاضر بين أيديهم في ذلك الوقت يستحيل أن يكون عين الذي تقدم.
قوله: (مزيته): في الصحاح: المزية الفضيلة ولا يبنى منها فعل وفي حاشية الصحاح: يقال أمزيته أي فضلته، وفي الأساس: تمزيت علينا تفضلت أي: رأيت لك الفضل علينا ومزيت فلانا فضلته.
قوله (حكي عن الحسن أن أحدهم يؤتى بالصحفة فيأكل منها ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى فيترك ذلك، فتقول الملئكة: كل فاللون واحد والطعم مختلف). أخرجه ابن جرير عن يحيى ابن أبي كثير بهذا اللفظ. والصحفة كالقصعة والجمع صحاف.
стр. 523
قوله: (روى أنه ﵊، قال: (والذي نفس محمد بيده إن الرجل (من أهل الجنة) ليتناول الثمرة ليأكل منها فما هي واصلة إلى فيه حتى يبدل الله مكانها مثلها). أخرجه ابن جرير عن أبي عبيدة موقوفا. وفي المستدرك من حديث قوبان، مرفوعاً (لا ينزع رجل من أهل الجنة من ثمرها شيئاً إلا أخلف الله مكانها مثلها). وقال: صحيح على شرط الشيخين.
قوله: (والأول أظهر، لمحافظته على عموم كلما، فإنه يدل على ترديدهم هذا القول كل مرة رزقوا) فلا يصح في الوجه الثاني هذا القول إذا أتوا به أول مرة. قلت: وعندي أن الثاني أرجح لأن فيه توفية بمعنى حديث تشابه ثمار الجنة وموافقة لقوله بعد: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ فإنه في رزق الجنة أظهر وإعادته إلى المرزوق في الدارين لا يخفى ما فيه من التكلف، وسيأتي في كلام أبي حيان إشارة إلى ذلك.
قوله: (وتبجحهم) التبجح الفرح.
قوله: (وأتوا به متشابها اعتراض) قال القطب: الأشبه أنها من
стр. 524
باب التذييل، وهو أن يعقب الكلام بما يشتمل على معناه توكيداً لا محل له من الإعراب وقال الشيخ أكمل الدين: قد جوز بعض علماء المعاني وقوعها آخر جملة لا تليها جملة متصلة بها فيشتمل التذييل. وهو مختار صاحب الكشاف.
وقال الشيخ سعد الدين: هذا على تجويز الاعتراض في آخر الكلام، والأكثرون يسمونه تذييلاً.
قوله: (والضمير على الأول راجع إلى ما رزقوا في الدارين فإنه مدلول عليه بقوله: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾) قال الطيبي: إن المشبه به مشتملان على معنى المرزوق في الدارين. يعني من أرد أن يعبر عن قوله: هذا الذي رزقنا في الآخرة مثل الذي رزقنا في الدنيا بلفظ جامع له أن يقول المرزوق في الدنيا والآخرة. وهذا الطريق في البيان يسمى الكناية الإيمائية فالضمير المفرد راجع إلى المفهوم الواحد الذي تضمنه اللفظان فلو رجع إلى الملفوظ وهو المشبه والمشبه به. لقيل: وأتوا بهما وقال أبو حيان: معنى الكلام أنه لما كان التقدير هذا مثل الذي رزقناه كان قد انطوى على ذكر المرزوقين معاً ألا ترى أنك إذا قلت: زيد مثل حاتم، كان منطويا على ذكر زيد وحاتم. قال: وما ذكره الزمخشري غير
стр. 525
ظاهر الآية؟ لأن ظاهر الكلام يقتضي أن يكون الضمير عاندا على مرزوقهم في الآخرة فقط لأنه هو المحدث عنه والمشبه بالذي رزقوه من قبل ولأن هذه الجملة إنما جاءت محدثا بها عن الجنة وأحوالها وكونه مخبراً على المرزوق في الدنيا والآخرة أنه متشابه ليس من حديث الجنة إلا بتكلف مع أنه إذا فسرت القبلية بما في الجنة تعين ألا يعود الضمير إلا إلى الرزق في الجنة [كأنه، قال وأتوا بالمرزوق في الجنة] متشابها، ولاسيما إذا أعربت الجملة حالاً، إذ يصير التقدير قالوا: هذا مثل الذي رزقنا من قبل، وقد أتوا به متشابها.
أي قالوا ذلك في هذه الحال، وكان الحامل على القول المذكور كونه أتوا به متشابها ومجيء الجملة المصدرة بماض حالاً ومعها الواو على إضمار (قد) جائز في فصيح الكلام.
قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ أي وقد كنتم. ولذلك لا يستقيم عوده إلى المرزوق في الدارين إذا كانت الجملة معطوفة على قوله: (هو الذي رزقنا من قبل) لأن الإتيان إذ ذاك يستحيل أن يكون ماضيا معه لأن ما في حيز كلما والعامل فيها يتعين هنا أن يكون مستقبل المعنى، وإن كان ماضي اللفظ، لأنها لا تخلو من معنى الشرط، ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة تضمنت الأخبار عن الإتيان بهذا الذي رزقوه متشابها ولا يظهر فيه أيضا العود إلى الدارين
стр. 526
لأن هذه الجمل محدث بها عن الجنة وأحوالها. انتهى.
قوله: ونظيره قوله: (إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما) أي: الغنى والفقير. في الحاشية المشار إليها تنظيره عود الضمير في قوله: وأتوا به [إلى ما رزقوه في الدنيا والآخرة بقوله: (إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما) وهاهنا القياس وأتوا بهما] متشابهين فهو على عكس ما نظر به غير أن كلام الكشاف ما يجيب عن هذا السؤال لأنه قال في أخر كلامه: ولو رجع الضمير إلى المتكلم به لقيل أولى به، فهذه الآية نظيرة تلك في أن كل واحدة منهما رجع الضمير فيها إلى المعنى لا إلى اللفظ، فقياس هذا أن يقال: وأتوا بهما، فقيل: به وقياس تلك أن يقال به، فقيل: بهما، وكذا قال الطيبي ونظيره في رجوع الضمير إلى المعنى دون اللفظ ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ إذ لو اعتبر اللفظ لقيل: أولى به على الإفراد، لأن الضمير في الشرط- وهو أن يكن- راجع إلى المشهود عليه في قوله: (شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن) أي: المشهود عليه غنيا أو فقيرا فالله أولى به ليتطابق الشرط والجزاء لكن لما كان المانع من الشهادة على الأقرباء غالبا أما خوف الفقر عليهم إذا كانوا أغنياء أو تضررهم بها إذا كانوا فقراء عم
стр. 527
الصنفين بتثنية الضمير، أي الله أعلم بجنس المتصف بصفة الغنى وبجنس المصتف بصفة الفقر، سواء كان مشهوداً عليه أو غيره، وأعلم بمصالحه وبما ينفعه فيدخل في هذا العام المشهود عليه دخولا أوليا وهذا أيضا كناية إيمائية يدل عليه قوله: بجنس الغنى والفقير. انتهى.
قوله: قال ابن عباس: (ليس في الجنة من أطعمة الدنيا إلا الأسماء). أخرجه مسدد في مسنده وهناد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث.
قوله: (مطهرة مما يستقذر من النساء ويذم من أحوالهن كالحيض والدرن ودنس الطبع وسوء الخلق) إلى آخره.
قال الشيخ سعد الدين: معنى تطهيرهن مما ذكر أنها منزهة عن ذلك مبرأة عنه بحيث لا يعرض لهن لا التطهير الشرعي بمعنى إزالة النجس/ الحسي والحكمي كما في الغسل عن الحيض ليلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز. نعم في إطلاق التطهير تشبيه للدنس بالأقذار والأحداث.
قوله: وإذا العذاري بالدخان تقنعت ... واستعجلت نصب القدور فملت
قال المرزوقي، في شرح الحماسة. العذارى جمع عذراء يقول: إذا أبكار النساء صبرت على دخان النار حتى صار كالقناع لها ولم
стр. 528
تصبر على إدراك ما في القدور بعد نصبها لشدة الحاجة، فملت أي: شوت في الملة وهو الرماد الحار قدر ما تعلل به نفسها من اللحم لدفع ضرر الجوع المفرط من اشتداد السنة. وتخصت العذارى بالذكر لفرط حياتهن ولتصونهن عن كثير مما يبتذل فيه غير هن فجعل نصب القدور مفعول استعجلت على السعة. وجواب إذا، قوله بعده:
دارت بأرزاق العفاة مغالق .... بيدي من قمع العشار الجلة
والبيت من قصيدة، لسلمى بن ربيعة من بني أسد بن ضبة.
أولها: حلت تماضر غربة فاحتلت .... فلجأ وأهلك باللوى فالحلة
وكأن في العينين حب قرنفل .... أو سنبلا كحلت به فانهلت
زعمت تماضر أنني إما أمت .... يسدد أبينوها الأصاغر خلتي
تربت يداك وهل رأيت لقومه .... مثلى على يسرى وحين تعلتى
رجلا إذا ما النائبات غشينه .... أكفى لمعضلة وإن هي جلت
ومناخ نازلة كفيت وفارس ... نهلت قناتي من مطاه وعلت
стр. 529
قوله وإذا العذارى: البيت.
قوله: ولذلك قيل للأثافي خوالد، قال في الصحاح: لبقائها بعد دروس الأطلال.
قوله (فإن قيل: الأبدان مركبة) ، إلى آخره. قال الطيبي. ذكر الراغب نحو هذا الجواب. ثم قال: ليس لذلك القول وجه إلا التوقيف، ولا مدخل للاجتهاد فيه والذي يستبعده المتفلسفون هو أنهم يريدون أن يتصوروا أبدانا متناولة الأطعمة لا استحالة له فيها ولا تغير لها ولا يكون منها فضلات، وتصور ذلك محال وذلك لأن التصور هو إدراك الوهم ما أدركه الحس. ومالا يدركه الحس جزءه ولا كله كيف يمكن تصوره ولو كان للإنسان سبيل إلى تصور ذلك لما قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾.
وما قال رسول الله ﷺ مخبراً عن الله تعالى: ((أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)).
قوله: (التمثيل)، قال الطيبي: لم يرد به التشبيه التمثيلي [أو الاستعارة التمثيلية بل أعم. وقال الشيخ سعد الدين: المراد
стр. 530
بالتمثيل] التشبيه مطلقا سواء كان في المفرد أو المركب على وجه الاستعارة أو غيرها.
قوله: (ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الإلهية وفشت في عبارات البلغاء).
قلت: أخرج الرامهرمزي في الأمثال عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (حفظت عن رسول الله ﷺ ألف مثل).
قوله: كما مثل في الإنجيل غل الصدور بالنخالة والقلوب القاسية بالحصاة- ومخاطبة السفهاء بإثارة الزنابير)، نص على ما حكاه الإمام في الأول: لا تكونوا كمنخل خرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة كذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل في صدوركم.
وفى الثاني: قلوبكم كالحصاة التي لا تطبخها النار ولا يلينها الماء ولا تنسفها الرياح.
وفي الثالث: لا تثيروا الزنابير فتلدغكم، فكذلك لا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم.
قوله: (أسمع من قراد) قال الميداني: لأنه يسمع صوت
следующие страницы →