← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 29883

لا جديد في أحكام الصلاة

بكر أبو زيد

Полный текст (73 стр.). Показаны 36–73 · переход к 41.

стр. 36

فذكر تحته حديث وائل ﵁ وليس فيه التصريح بلفظ «الجلوس للتشهد» ومع هذا فلم يَفْهم منه: الجلوس بين السجدتين. بل ترجم البيهقي - رحمه الله تعالى - بما يفيد قصر «الإِشارة» في التشهدين لا غير, فقال: (باب الدليل على أَن هذا سنة اليدين في التشهدين جميعاً) وساق بسنده عن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إِذا جلس في ثنتين أَو في أَربع وضع يديه على ركبتيه ثم أَشار بإصبعه»: «السنن الكبرى»: (٢/ ١٣٢). الثاني: في بعض طرق حديث وائل بن حجر ﵁ ما نصه: «رمقت النَّبِي ﷺ فرفع يديه في الصلاة حين كَبَّرَ, ثم حين كَبَّر رفع يديه, ثم إِذا قال: سمع الله لمن حمده, ورفع. قال: ثم جلس فافترش رجله اليسرى ثم وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى, وذراعه اليمنى على فخذه اليمنى, ثم أَشار بسبابته ووضع الإِبهام على الوسطى حَلَّقَ بها وقبض سائر أَصابعه, ثم سجد فكانت يداه حذو أُذنيه». رواه عبد الرزاق في «المصنف»: (٢/ ٦٨) وعنه أَحمد: (٤/ ٣١٧) , والطبراني في «المعجم الكبير»: (٢٢/ ٣٣). وابن القيم - رحمه الله تعالى - لما ساق رواية وائل - رضي الله

стр. 37

عنه - في سياق هدي النَّبِيِّ ﷺ في الجلوس بين السجدتين, استروح من هذا السياق بعض المعاصرين: أَن ابن القيم - رحمه الله تعالى - يقول بالإِشارة بين السجدتين. وهذا غير مسلَّم به: فإِنَّه لم يصرح بهذا على عادته, وإِنما اقتصر على ذكر لفظ الرواي, ثم قال (١): (هكذا قال وائل بن حجر عنه). ففيه إِشارة إِلى أَن في النفس شيء منه. ولهذا ساق مرة أَخرى في: سياق هدي النَّبِيِّ ﷺ في الجلوس الأَول للتشهد, وقال مشيراً إليه: (كما تقدم في حديثِ وائل بن حُجْر). ففي هذا إِلماح إِلى أَن هذا هو محل الإِشارة. ولهذا أَيضاً فإِنه لما ساق هدي النَّبِيِّ ﷺ في التشهد الأَخير: ذكر حديث وائل, وقال: (وهو في السنن). فنسبة القول بالتحريك بين السجدتين إِلى ابن القيم غلط عليه. وهذه الرواية لو كانت هي السياق الوحيد لحديث وائل ﵁ ثم لم يخالفه الآخرون الذين وصفوا صلاة

стр. 38

النَّبِيِّ ﷺ ؛ لكانت دلالتها على الإِشارة بالسبابة بين السجدتين ظاهرة, وَلَرأَيْتَ تَسَابُقَ العلماء إِلى القول بها, وَعَقْدَ التَّرَاجِمِ على مشروعيتها, وجريان عمل المسلمين بها, لكن كل ذلك لم يكن؟ فإِن جميع روايات حديث وائل على خلافها, والذين وصفوا صلاة النَّبِيِّ ﷺ من غير وائل على خلافها, فجميع أَلفاظهم بين الإِطلاق والتقييد في جلوس التشهد. ولم يصرح بمشروعية الإِشارة بين السجدتين أَحد من علماء السلف, وَلَمْ تُعْقد أَي ترجمة على مقتضاها, وعمل المسلمين المتوارث على عدم الإِشارة والتحريك بين السجدتين, فهي من الروايات التي تواطأَ المسلمون على عدم العمل بها؟ إِما لضعفها أَو لأَنها على خلاف ظاهرها في الترتيب الحكمي. • أَما ضعفها: فقد أَشار إِليه البيهقي - رحمه الله تعالى - في: «السنن الكبرى»: (٢/ ١٣١) فقال: (باب ما رُوي في تحليق الوسطى بالإِبهام) وساق بسنده حديث وائل ﵁ ثم قال: (ونختار ما روينا في حديث ابن عمر, ثم ما روينا في حديث ابن الزبير؛ لثبوت خبرهما, وقوة إسناده, ومزية رجاله,

стр. 39

ورجاحتهم في الفضل على: عاصم بن كليب, وبالله التوفيق) انتهى. وفي «شرح الأَذكار» لابن علان: (١/ ٢٥٥): (والظاهر أَن لفظ «بيمينه» مدرج من الراوي إِذ ليس في الأُصول مذكوراً) ثم ذكر رفعه. وقد قرر الشيخان ابن باز والأَلباني (١) أَن رواية عبد الرزاق هذه عن الثوري عن عاصم به: تفرد بها عبد الرزاق عن الثوري, مخالفاً محمد بن يوسف الفريابي وكان ملازماً للثوري, فلم يذكر السجود المذكور - في آخر الحديث - وقد تابع محمداً: عبد الله بن الوليد, فهذه الزيادة في آخر الحديث: «ثم سجد. . .» من أَوهام عبد الرزاق - رحمه الله تعالى - وأَن الروايات مطبقة على أَن الإِشارة في جلوس التشهد الأَول والثاني. • توجيهها: لكن الحكم بالشذوذ يأْتي على قواعد المحدِّثين (٢) إِذا تعذر توجيه الرواية بما يتفق مع رواية بقية الثقات, من غير

стр. 40

تعسف ولا مناكدة, وتوجيه هذه اللفظة في آخر الرواية: «ثم سجد» ظاهر بما يتفق مع بقية الروايات التي تُحدد مكان الإِشارة بالإِصبع في جلوس التشهد الأَول والثاني فقط. • بيانه: إِذا علمنا من هدي النَّبِيِّ ﷺ الراتب في الصلاة: الإِشارة بالسبابة في التشهدين حَسْبُ, ومنها الروايات الكثيرة لحديث وائل ﵁ فإِن هذه الرواية عنه من طريق عبد الرزاق, عن الثوري, عن عاصم به: تلتقي معها على التوجيه التالي: أَن هذا الحرف «ثم» يكون للترتيب الذكري, فَيَأْتي بمعنى الواو, وليس دائماً مفيداً للترتيب في الذكر والحكم معاً, وهذا مَعْنىً جَارٍ في لسان العرب, ويقرره النحاة كابن هاشم (١) , وغيره - رحمهم الله تعالى -, وهو معلوم بحثاً في كتب: «أُصول الفقه» وفي «مصطلح الحديث» يبحثون حُكم تقديم بعض المتن على بعض, كما في: «فتح المغيث» للسخاوي: (٣/ ١٩٦ - ١٩٨) وغيره.

стр. 41

وعلى هذا المعنى: (جاء هذا الحرف «ثم» في القرآن الكريم للترتيب الذكري من غير اعتبار التراخي والمهملة, فلا تفيد أَن الثاني بعد الأَول, بل ربما يكون قبله) (١). ومما نحن فيه: حديث وائل بن حُجر ﵁ في صفة صلاة النَّبِيِّ ﷺ فأَقول: معلوم أَن حديث وائل ﵁ لم يأْت جميعه في سياق واحد, بل هو كالشأْن في أَحاديث غيره ممن وصفوا صلاة النَّبِيِّ ﷺ تعددت طرقه, وتنوعت مخارجه, فبعضهم اختصر وبعضهم طَوَّلَ, حسب مقتضياتٍ معلومة من أُصول الرواية وَطُرقها, في تقطيع الحديث الواحد وتجزئته. بل إِن حديث الواحد منهم في وصف صلاة النَّبِيِّ ﷺ هو

стр. 42

كما قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - (١): (إِن السنن المتفق عليها لم يستوعبها كل واحد ممن وصف صلاته ﷺ وإِنما أُخذ مجموعها عن مجموعهم) انتهى. ولهذا فإِن الحسنات التي يُسديها العالم بالحديث إِلى المسلمين: تجميع طرق الحديث الواحد, وسياق متونها الثابتة مساقاً واحداً مع بيان مخرج كل لفظ منها, والتنبيه على ما لا يصح منها. ومن المقصود الأَعظم فيها: وصف الهيئة في الركن الواحد من أَركان الصلاة, كوصف القيام, ووصف السجود. . . أَو ذكر مواطن الصفة الواحدة فيها, مثل: «رفع اليدين»). وهكذا مما لا يعني قصد الترتيب الحكمي في كل سياق على كل حال؛ لأَنه معلوم متوارث. ومنه في رواية عبد الرزاق هذه محل الإِشكال, ففيها أَمران ظاهران: الأَول: الاختصار والاقتصار على وصف ثلاث هيآت في الصلاة:

стр. 43

١ - مواضع الرفع. ٢ - صفة الجلوس ولم يحدد. ٣ - صفة السجود. والثاني: أن حرف العطف «ثم» غير مراد به الترتيب الحكمي بل الترتيب الذكري, ويقال: الإِخباري, ويقال: ترتيب اللفظ, بدليل أَنه تخلل ما قبلها في السياق أَقوال وأَفعال لم تذكر, ومنها «السجدة الأُولى» لم تذكر في هذا السياق, فهو يريد «وصف مطلق السجود» لأَن هيئته واحدة سواء كانت السجدة الأُولى أَم الثانية, وهذا ظاهر, والحمد لله رب العالمين. وهذا التقرير مما يدل الناظر على أَهمية الالتفات إِلى معاني الأَدوات والحروف, بضميمة بعض الروايات إِلى بعض, وانظر أمثلة لهذا في: «الإِحكام» لابن دقيق العيد: (١/ ٣٨٨, ٤١٠ - ٤١١) و (٢/ ٢٦٧, ٢٧٢, ٣٢٧).

стр. 44

٥ - ومنها: صفة «العجن»: العجن: هو أَن يقوم المصلي من ركعة إِلى أُخرى على هيئة العاجن, وهو أَن يجمع يديه ويتكئ على ظهورهما عند القيام كحال من يعجن العجين. وهذه: هيئة أَعجمية, ليست سنة شرعية, كما يشير إِليه كلام ابن الصلاح - رحمه الله تعالى -. وأَن هذه يفعلها المُسِنُّ اضطراراً لا اختياراً ليستعين بها على القيام. ثم العجن له صفتان في لغة العرب: المذكورة, والثانية ببسط الكفين على الأَرض, كما هو معروف من حال النساء عند عجن العجين. ومتى كان التشبه بالنساء, أَو العمل حال العجز, سنة من سنن الهدى؟ على أَن بعضهم قال: إِن لفظ الحديث: على هيئة العاجز ورسم «الزاء» و «النون» متقاربان. مع أَن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة, وترك التسنن به

стр. 45

مدى القرون علة قادحة, وقد بينت ذلك في جزء مفرد هو: «كيفية النهوض في الصلاة/ وضعف حديث العجن».

стр. 46

٦ - التطبيق العملي الجديد لحديث عبد الله بن الزبير: التطبيق العملي الجديد لحديث عبد الله بن الزبير ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ إِذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه وفرش قدمه اليمنى. . .» الحديث رواه مسلم: (٥/ ٧٩). إِذْ فَهِمَ بعض المعاصرين أَن التطبيق العملي لهذه السنة هو: إِظهار أَصابع القدم اليسرى فيما بين الفخذ والساق فَيَجْعَلُ ظهرهما مما يلي الساق, وبطنها مما يلي الفخذ. ... وهذا الحديث رواه أَبو داود بسنده عن عبد الواحد بن زياد, أَخبرنا عثمان بن حكيم, أَخبرنا عامر بن عبد الله بن الزبير عن أَبيه, قال: «كان رسول الله ﷺ إِذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى تحت فخذه اليمنى وَسَاقِهِ, وَفَرَشَ قدمه اليمنى» الحديث: (رقم ٩٧٣). وهذا إِسناده عند مسلم سواء. فمخرج الحديث عندهما متحد, «فالبينية» في رواية مسلم هي بمعنى «التحتية» في لفظ أَبي داود, فإِنَّه لا يمكن مع

стр. 47

اتحاد مخرجه تعدد الصفة, وكون القدم اليسرى تحت فخذه اليمنى وساقه, ولا يُحتمل تأْويله بالتطبيق العملي الجديد المذكور, فَتَعَيَّنَ حمل «البينية» في رواية مسلم على هذا اللفظ الصريح في رواية أَبي داود. ولما ذكر ابن القيم - رحمه الله تعالى - الوجوه الثلاثة التي رُويت عن النَّبِيِّ ﷺ في التورك للتشهد الأَخير (١): ذكر في الوجه الأَول: أَنه ﷺ يُفْضي بقدميه من ناحية واحدة. وذكر في الوجه الثاني أنه ﷺ قدم رجله اليسرى , ونصب اليمنى. وذكر في الوجه الثالت: أَنه ﷺ يجعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه, ويفرش قدمه اليمنى. ثم قال بعد تفصيل في كل واحدة منها: (وهذه - أَي الثالثة - هي الصفة التي اختارها أَبو القاسم الخرقي في «مختصره» وهذا مخالف للصفتين الأُوليين في إِخراج اليُسرى من جانبه الأَيمن, وفي نصب اليمنى, ولعله كان يفعل هذا تارة, وهذا تارة, وهذا أَظهر, ويحتمل أَن يكون هذا من اختلاف الرواة. . .) انتهى. فالاختلاف بين وجهي التورك في الثانية والثالثة هو:

стр. 48

نصب اليمنى أَو فرشها. ... أَما اليسرى فتقديمها - أَي جهة اليمين - وفي الثالثة بَيَّن مَحِلَّ التقديم, وهو جعلها «بين الفخذ اليمنى والساق». وذكر لها حديث ابن الزبير المتقدم فقط, في لفظه عند مسلم, ولم يذكر لفظه عند أَبي داود الذي نص على أَنها «تحت فخذه وساقه»؛ لأَن الخلاف بين الوجهين الثاني والثالث في التورك هو في: القدم اليمنى بين نصبها أَو فرشها. وبعض المنتسبين إِلى الحديث من أَهل عصرنا فهم من رواية مسلم فقط, ومن اقتصار ابن القيم على سياقها: التَّفْسيرَ بهذا التطبيق العملي الجديد, وهو تطبيق جديد لا أَعلم به قائلاً قَبْلُ. ولفظ أَبي داود لاتحاد مخرجه: نَصٌّ في رفض هذا الفهم الجديد, والله أَعلم.

стр. 49

٧ - ومنها: قَصْرُ عَقْدِ التسبيح وعده على أصابع اليد اليمنى . ويُحتج لها بما ورد في بعض أَلفاظ الرواة لحديث عبد الله ابن عمرو بن العاص ﵄ قال: «رأَيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح بيمينه» رواه أَبو داود والبيهقي. وهي لفظة تفرد بها: «محمد بن قدامة بن أَعين» عن جميع الرواة. وتبين منزلة هذا «التفرد» بِجَمْعِ أَلفاظ الرواة, والوقوف على مخرج الحديث, هل هو مُخْتَلِفٌ أَم مُتَّحِد. وعليه: فاعلم أَن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ رواه أَصحاب السنن الأَربعة, وغيرهم, ولفظه: «قال: قال رسول الله ﷺ : خلتان من حافظ عليهما أَدخلتاه الجنة. . . قال: ورأَيت رسول الله ﷺ يعقدهن بيده». وفي لفظ: «يعقد التسبيح». وفي لفظ: «ولقد رأَيت رسول الله ﷺ يعقد هكذا, وَعَدَّ بأَصابعه». وهذا الحديث من حيث سنده: فَرْدٌ في أَوله, تفرد به عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وعن عبد الله

стр. 50

تفرد به: السائب بن زيد أَو ابن مالك, وعن السائب, تفرَّد به عنه ابنه: عطاء بن السائب. وعن عطاءٍ اشتهر (١) , رواه عنه جماعة منهم: شعبة, وسفيان الثوري, وحماد بن زيد, وأَبو خثيمة زهير بن حرب, وإِسماعيل بن علية, والأَعمش. وهؤلاء جبال في الرواية والحفظ, والإِتقان والعلم. وكلهم يقولون: «بيده» لا يختلفون البتة, فليس فيهم واحد يقول: «بيمينه». والاختلاف إِنَّما حصل من طريق أَحد الرواة عن عَثام بن على عن الأعمش به, من رواية شيخ أَبي داود: محمد بن قدامة عن عثام به بلفظ: «بيمينه» رواه أَبو داود, ومن طريقه البيهقي. ومحمد بن قدامة بهذا يخالف أَقرانه الآخذين عن عثام, الذين رووه بمثل لفظ الجماعة أَقران الأَعمش: «بيده» أَو بمعناه بلفظ: «يعقد التسبيح». إِذاً لابد من تحقيق البحث في رواية عثام عن الأَعمش عن عطاء, عن أبيه السائب, عن عمرو بن العاص

стр. 51

- ﵄: الأَعمش هو: سليمان بن مهران الكوفي, ممن روى عن عطاء قبل الاختلاط فروايته عنه مقبولة, والأَعمش في جميع رواياته عن عطاء يرويه بصيغة العنعنة, فيقول: «عن عطاء» والأَعمش موصوف بالتدليس, لكن تدليسه قليل محتمل, كما قرره الحافظ ابن حجر في «طبقات المدلسين». ثم عن طريق الأَعمش انفرد بروايته عنه: عثام بن علي العامري الكوفي. وهو صدوق. وعن عثام رواه جماعة منهم: ١ - ابنه: علي بن عثام, وهو: إمام ثقة. وروايته به بلفظ: «رأَيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح» أَخرجه الحاكم في: «المستدرك»: (١/ ٥٤٧). ٢ - محمد بن عبد الأَعلى الصنعاني. وهو ثقة. ٣ - الحسين بن محمد الذراع البصري. صدوق. كلاهما به بلفظ: «رأَيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح» أَخرجه النسائي في: «سننه»: (٣/ ٧٩). ومن طريق محمد بن عبد الأَعلى الصنعاني, أَخرجه الترمذي بلفظ: «رأَيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح بيده». وقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب, من هذا

стр. 52

الوجه, عن الأَعمش عن عطاء بن السائب. وروى شعبة والثوري هذا الحديث عن عطاء بن السائب, بطوله). ٤ - أَبو الأَشعث أَحمد بن المقدام العجلي البصري. صدوق. ولفظه: «رأَيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح» أَخرجه البغوي في: «شرح السنة»: (٥/ ٤٧). وبلفظ: «رأَيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح بيده» رواه ابن حبان, كما في: «موارد الظمآن»: (ص / ٥٨٠). ٥ - عبيد الله بن ميسرة البصري. ثقة ثبت. قال أَبو داود - رحمه الله تعالى - في: «سننه» (٢/ ٨١): (حدثنا عبيد الله بن ميسرة, ومحمد بن قدامة, في آخرين قالوا: حدثنا عثام, عن الأَعمش, عن عطاء بن السائب عن أَبيه, عن عبد الله بن عمرو بن العاص, قال: رأَيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح. - قال ابن قدامة: بيمينه -). انتهى. ٦ - محمد بن قدامة المصيصي. ثقة. من شيوخ أَبي داود. ولفظه: «رأَيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح بيمينه» (١).

стр. 53

رواه أَبو داود في: «سننه»: (٢/ ٨١) , والبيهقي من طريقه في: «السنن الكبرى»: (٢/ ١٨٧). فهؤلاء خمسة من تلاميذ عثام, وهم ما بين: ثقة ثبت, أَو ثقة, أَو صدوق, ومنهم أَخصهم به: ابنه على بن عثام, الإِمام الثقة الحافظ - كما وصفه الذهبي بذلك - كلهم به بلفظ: «يعقد التسبيح». واختلف محمد بن عبد الأَعلى, وأَحمد بن المقدام, فقالا مثل ذلك, وفي لفظ من طريقهما: «يعقد التسبيح بيده». وهي لا تخرج عن معنى روايتهما مع الآخرين: «يعقد التسبيح»؛ لأَن العقد لا يكون إِلاَّ باليد. فهذان اللفظان خرجا مخرج الصحيح. وانفرد شيخ أَبي داود: محمد بن قُدامة المصيصي, من

стр. 54

بين الآخرين عن عثام بلفظ: «يعقد التسبيح بيمينه» , ولم يتابعه عليها أَحد, وليس لها شاهد. قالها مخالفاً جميع الرواة عن عثام, عن الأَعمش به, ومخالفاً جميع أَقران الأَعمش به, فهي من باب مخالفة الثقة لمن هو أَوثق منه, وفي أَقرانه: أَخص الناس بعثام: ابنه علي, وفيهم شيخ أَبي داود: عبيد الله بن ميسرة, الثقة الثبت. ومخالفاً جميع أَقران الأَعمش الذين رووه عن عطاء, وفيهم: شعبة, والثوري, وحماد بن زيد, وابن علية, وزهير بن حرب, وجرير بن عبد الحميد, وغيرهم, وناهيك بهم في العدالة والضبط والإِتقان. وكلهم يقولون: «بيده». ورواية سفيان عن عطاء به بلفظ: «ولقد رأَيت رسول الله ﷺ يعد هكذا, وَعَدَّ بأَصابعه». أَخرجه عبد الرزاق: (٢/ ٢٢٣). ليس فيهم واحد يقول: «بيمينه». فليس هذا الاختلاف صادراً عن رسول الله ﷺ ولا عن الصحابي رواي الحديث ﵁ وإِنما هو ناشئ من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط, فهذه اللفظة «بيمينه» من

стр. 55

شيخ أَبي داود محمد بن قدامة, مخالفاً جميع أَقرانه, وفيهم من هو أَحفظ منه وأَضبط. وقاعدة التخريج: أَن الحديث, إِذا اتحد مخرجه كهذا الحديث؛ امتنع حمله على التعدد, وهذا الحديث «متحد المخرج»: عطاء عن السائب عن عبد الله بن عمرو بن العاص, لا غير: فصارت هذه اللفظة «بيمينه» خطأ من ابن قدامة ولابد, خالف بروايتها جميع الرواة من أَقرانه وفيهم من هو أَوثق منه, وأَقران الأَعمش وكلهم أَوثق منه, فهي لفظة شاذة غير محفوظة. قال شيخ المفسرين الحافظ أَبو جعفر ابن جرير - رحمه الله تعالى - في: «تفسيره»: (٩/ ٥٦٦): «والحفاظ الثقات إِذا تتابعوا على نقل شيء بصفة فخالفهم واحد منفرد ليس له حفظهم؛ كانت الجماعة الأَثبات أَحق بصحة ما نقلوا من الفرد الذي ليس له حفظهم). انتهى. وهذا معنى مقرر في كتب الاصطلاح, كما في: «النكت» لابن حجر: (٢/ ٦٩١ - ٦٩٢) و «هدي الساري» له: (ص / ٣٤٨, ٣٥٦, ٣٨٤) و «صيانة صحيح مسلم) لابن الصلاح: (ص / ١٣٩, ١٥٤).

стр. 56

ويؤكِّد هذا الشذوذ من جهة المتن أُمور: ١ - أَنا أَبا داود - رحمه الله تعالى - لما أَخرج هذه اللفظة: «بيمينه» وأَشار إِلى انفراد: محمد بن قدامة بها, دون الآخرين, لم يترجم عليه بما يفيد هذا القيد: قَصْرُ عقد التسبيح على أَصابع اليد اليمين. وكذلك البيهقي من طريقه في: «السنن». ٢ - ولهذا - والله أَعلم - تنكب العلماء القول بموجب هذه اللفظة - بعد النظر والتتبع, ولم أَر إِلاَّ قول ابن الجزري كما في: «شرح ابن علان للأَذكار»: (١/ ٢٥١): (وقال أَهل العلم: ينبغي أَن يكون عدد التسبيح باليمين). انتهى. وَلَمْ أَرَه على التفصيل. ومن كان عنده فضل علم فليرشد إِليه, مع أَن الحجة هي السنة. ٣ - أَن لفظ: «اليد» للجنس, فيُراد بها: «اليدان». ومن نظر في أَلفاظ الرواة في وضع «اليد» على الصدر حال القيام في الصلاة: عَلِمَ ذلك. ٤ - يزيد هذا وضوحاً: أَمره ﷺ للنسوة في حديث يسيرة ﵂ قالت: «قال لنا رسول الله ﷺ عليكن بالتسبيح والتهليل

стр. 57

والتقديس, واعقدن بالأَنامل فإِنهن مسؤولات مستنطقات ولا تغفلن فَتُنْسَيْنَ الرَّحمة». رواه أَحمد: (١٤/ ٢٢١ الفتح الرباني) , وأَبو داود: (١٤٨٧) , والترمذي: (٣٦٥٣) واللفظ له, والحاكم: (٢٠٠٧). وكما أَن لفظ: «الأَنامل» وهي رؤوس الأَصابع التي بها «الظُّفْرَ» يَعُمُّ الأَصابع من باب إِطلاق البعض وإِرادة الكل, فإِن هذا أَيضاً يعم أَصابع اليدين, فَهُو على عمومه (١). ولو فرض أَن ثمة احتمال - ولا احتمال -: فإِن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال (٢). ومعلوم أَيضاً أَن «العقد» هو أَحد «الدَّوَالِّ الخمس» وهي: اللفظ, ثم الإِشارة, ثم العقد, ثم الخط, ثم النصب, فمن قصر العقد على أَصابع يَدٍ دون الأُخرى فعليه الدليل, فيبقى عقد التسبيح إِذاً على عمومه بأَصابع اليدين. ٥ - وإِجراء النص على عمومه, كما هو ظاهر, وعليه عمل

стр. 58

المسلمين, هو الذي يطرد من قاعدة الشريعة في إِعمال كلتا اليدين في العبادة (١). حيث يمكن إِعمالهما, كما في التعبد بهما في الصلاة في أَحوال: الرفع, والقبض, والاعتماد في الركوع, والسجود,. . . وفي رفعهما للدعاء, واستقبال الوجه ببطنهما, ومسح الوجه بهما بعد الدعاء خارج الصلاة - في عمل بعض السلف - وفي النفث بهما والمسح على البدن وضرب اليدين على الأَرض لتيمم, ومسح الوجه بهما, وهكذا. والذكر دعاء, وسنة الدعاء باليدين معاً, وكما أَن رفعهما ووضعهما على الصدر: «زينة الصلاة» كما قال بعض السلف, فكذلك عقد التسبيح بهما زينة للصلاة بعدها. وأَما الإِشارة إِلى الحجر الأَسود أَو استلامه باليمنى فقط؛ فلأَنه من باب السلام, والسلام باليمين. ولهذا ذكر البغدادي في «خِزانة الأَدب» (٢): أَنه لما شرفت

стр. 59

اليمين بالتيامن, شُرِّفَت الشمال معها بعقد التسبيح. وليس عقد التسبيح بهما بأَبلغ من قراءة القرآن والنفث فيهما ثم مسح البدن. وهذا التوجيه من أَعظم الأَدلة في تقرير مسائل العلم؛ لأَن أَحكام الشريعة في جهة واحدة, تجري على نسق واحد ولهذا صار من مواضع الخطأ التي تصرف عن صحة النظر: «التجريد في الدليل عما يحف به» وقد بينته - ولله الحمد - بسطاً في: «التأْصيل لأُصول التخريج وقواعد الجرح والتعديل». فهذه الوجوه الإِسنادية والمتنية, جلية كافية في دلالة السنة على عقد التسبيح, وأَنه باليد, وأَن المراد بها جنس اليد, فيشمل اليدين وعقد التسبيح بأَصابعهما, وأَن لفظ: «بيمينه»: شاذ غير محفوظ, وهذا من أَنواع الحديث الضعيف فَلاَ يُعمل به. • تنبيه مهم: لا يُؤثر على هذا ما تراه في وصف «حاسب اليد» ويقال: «حساب العقود» وقد أُلِفت فيه كُتُبٌ نظماً ونثراً, ومنها: أرجوزة: محمد بن أَحمد الموصلي الحنبلي المطبوعة في: «بلوغ الأَرب» للآلوسي: (٣/ ٣٧٩ - ٣٨٥) مع التعليق عليها,

стр. 60

وأَرجوزة: على بن المغربي, المتوفى سنة ٦٨٤هـ, المشهورة باسم: «لوح الحفظ» وشرحها لابن شعبان, وفي «نشوار المحاضرة» و «فتح الباري»: (١٣/ ١٠٧ - ١٠٩). ومختصر ذلك في «سبل السلام» للصنعاني؛ عند حديث عقد الأَصابع في الجلوس للتشهد. فإِن وصف عقد الحساب هذا قد حصل التواضع عليه «للإِخبار» عن حساب وعدد بعينه, كثمن سلعة أًو سومها, فللآحاد: الخنصر, والبنصر, والوسطى, وللعشرات: الإِبهام والسبابة, من اليد اليمنى, وللمئين من اليد اليسرى: الخنصر والبنصر والوسطى, وللألوف من اليسرى: الإِبهام والسبابة. وعليه: فلا مدخل لهذا «الإِخبار» عن وصف حساب العقود باليد, بإِنشاء التعبد بعقد التسبيح, فإِن عقد الأَصابع تعبداً «ثلاثاً وثلاثين» بالتسبيح والتحميد والتكبير, لابد من عقد إِصبع لكل مرة, مجموعة أَو مفرقة حتى تبلغ «تسعاً وتسعين». ولهذا فإِن القائلين بقصر العَدِّ على أَصابع اليد اليمنى, يتعذر عليهم القول بقصر الآحاد على الخنصر, والبنصر, والوسطى. . . بل يتعذر ولا يأَتي البتة. ومع جميع ما تقدم فإِن ظاهر عد النَّبي ﷺ لأَيام الشهر

стр. 61

بأَصابع يديه الشريفتين وأَشار بها. . . الحديث, يفيد صفة العدد بأَصابع اليدين على المأْلوف, فكذلك ليكن عقد التسبيح بأَصابع اليدين كلتيهما.

стр. 62

٨ - ومنها ضَمُّ العَقِبَيْنِ في السجود: مَضَى في: «المسأْلة الثالثة» سياق بعض هدي النبي ﷺ في السجود, وأَرى قبل بيان حكم هذا التسنن بضم العقبين في السجود, الاستيعاب ما أمكن لهدي النبي ﷺ في السجود, زيادة في الخير, ودلالة على المراد من هديه العام ﷺ في سجوده, فأَقول: ثَبَتَ من هدي النبي ﷺ في السجود: السجود على سبعة آراب - أعضاء - وهي: الوجه, والكفان, والركبتان, والقدمان. وكان هديه ﷺ العام في سجوده على هذه الأَعضاء السبعة وهيئته ساجداً ﷺ : الاعتدال, حتى يطمئن كل عضو منها إِلى موضعه. وتمكين هذه الأعضاء السبعة من الأَرض, بالاعتماد والادِّعَام, والتحامل عليها. والتوسط في البدن بين الانفراش وبين القبض والتقوس, كما تقدم في: «٣». والتجافي, والتفاج بين الأَعضاء, والتفريج بينها حتى يستقل كل عضو بنفسه, ولا يعتمد بعض الأَعضاء على الآخر. قال ابن

стр. 63

المنيِّر في حكمة ذلك (١): «الحكمة فيه أن يظهر كل عضو بنفسه, وَيَتَمَيَّز؛ حتى يكون الإِنسان الواحد في سجوده كأنه عَدَدٌ, ومقتضى هذا أن يستقل كل عضو بنفسه, ولا يعتمد بعض الأعضاء على بعض في سجوده, وهذا ضد ما ورد في الصفوف, من التصاق بعضهم ببعض؛ لأَن المقصود هناك إظهار الاتحاد بين المصلين حتى كأنهم جسد واحد» انتهى. والوصف التفصيلي لكل عضو من أعضاء السجود كالآتي: كان ﷺ يُمَكِّنُ جبهته وأنفه من الأَرض على السواء؛ ولذا اعتبر السجود على الجبهة والأَنف عضواً واحداً. وكان ﷺ يضع كفيه حذو منكبيه وأذنيه, في مقابلة خديه - صفحتي الوجه -. وكان ﷺ يبسط يديه, مضمومة الأَصابع, غير مُفَرِّجٍ بين أصابعه, موجهاً لها إِلى القبلة, معتمداً على راحتيه, رافعاً مرفقيه وذراعيه عن الأَرض, وقد نهى ﷺ عن فرش الذراعين على الأَرض افتراش السبع, وفي رواية: «افتراش الكلب» ,

стр. 64

مُجَافِياً, ومُنَحِّياً ضبعيه - عضديه - عن جنبيه وإبطيه حتى يُرى بياضهما. وروى الترمذي والبيهقي: أن النبي ﷺ رَخَّصَ إن طال السجود بالاعتماد بالمرفقين على الفخذين. كما في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «استعينوا بالركب». قال الترمذي بعده: «كأن رواية الإِرسال أصح». وقال البيهقي: «قال البخاري: إرساله أصح». وكان ﷺ يمكن ركبتيه من الأَرض, ويُفَرِّجُ بين فخذيه, ويُقِلُّ بطنه عنهما, غير حامل بطنه على شيء من فخذيه. وكان ﷺ ينصب قدميه, ويمكنهما من الأَرض, مستقبلاً بأَطراف أَصابع قدميه القبلة, مفتحاً لها, أي: عاطفاً لأَصابعه نحو القبلة. هذا محصل ما وقفت عليه في السنة من صفة السجود وهيئته إجمالاً وتفصيلاً. • ويتعلق بهيئة السجود مسألتان: • المسألة الأولى: ضَمُّ الفخذين حال السجود: عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إذا سجد أحدكم فلا يفترش يديه افتراش الكلب وليضم فخذيه» رواه أبو داود في: «باب صفة السجود» وابن خزيمة

стр. 65

وترجمه بقوله: «باب ضم الفخذين في السجود» والبيهقي تحت هذه الترجمة: «باب يفرج بين رجليه ويقل بطنه عن فخذيه» وساق حديث التفريج بين الفخذين, ثم ذكر حديث أبي هريرة في ضمهما, ثم قال بعده: «وَلَعَلَّ التفريج أَشبه بهيئة السجود, والله أعلم» انتهى. وهذه اللفظة: «وليضم فخذيه» ضعيفة؛ لضعف دَرَّاج في سندها, فلا تصح, وهي مخالفة لما جاء في حديث أبي حميد الساعدي, رواه أبو داود, وغيره. قال الشوكاني - رحمه الله تعالى -: «والحديث - أي حديث أَبي حميد الساعدي - يَدُلُّ عَلَى مشروعية التفريج بين الفخذين في السجود, ورفع البطن عنهما, ولا خلاف في ذلك» انتهى. • المسألة الثانية: ضم العقبين في السجود: هذه المسألة يُتَرْجَمُ لها بذلك, وبلفظ: «رَصُّ العقبينِ في السجود» وبلفظ: «جمع العقبين» وبلفظ: «جمع القدمين». نظرت في جملة من مشهور كتب المذاهب الفقهية الأَربعة, عن وَصْفٍ لحال القدمين في السجود من ضم أو تفريق؛ فلم أر في كتب الحنفية والمالكية شيئاً. ورأيت في كتب الشافعية: والحنابلة, استحباب التفريق

стр. 66

بينهما, زاد الشافعية: بمقدار شبر. قال النووي - رحمه الله تعالى - في: «الروضة: ١/ ٢٥٩»: «قلت: قال أصحابنا: ويستحب أن يفرق بين القدمين. قال القاضي أبو الطيب: قال أصحابنا: يكون بينهما شبر» انتهى. وقال الشيرازي في: «المهذب»: «ويفرج بين رجليه؛ لما روى أبو حميد. . .» إلخ. وذكر النووي في: «المجموع: ٣/ ٣٧٣» نحو قوله في: «الروضة». وعند الحنابلة, قال البرهان ابن مفلح م سنة ٨٨٤ - رحمه الله تعالى - في: «المبدع: ١/ ٤٥٧»: «ويفرق بين ركبتيه ورجليه؛ لأَنه ﵇ كان إذا سجد فَرَّج بين فخذيه. وذكر ابن تميم وغيره, أنه يجمع بين عقبيه» انتهى. تَحَصَّل من هذا: أنه لا ذكر لجمع العقبين حال السجود في شيء من المذاهب الأَربعة, وأن نهاية ما فيها: ما ذكره ابن مفلح الحنبلي, عن ابن تميم وغيره: «أنه يجمع عقبيه». وقد نظرت في كتب الرواية في المذهب, فلم أرها رواية عن الإِمام أَحمد, بل إِن المرداوي في: «الإِنصاف» لم يعرج على كلمة ابن تميم هذه, والمقرر في مذهب الحنابلة هو التفريج بين

стр. 67

القدمين, إلحاقاً لسنة التفريج بين الركبتين والفخذين. فما ذكره ابن تميم فرع غريب, لم يذكره رواية عن الإِمام أحمد, ولم يذكر سلفه فيه, ولا يمكن أن يكون فرعاً مخرجاً في المذهب, يبقى أنَّا لا نعلم من أَين أَتى به ابن تميم وغيره؟ والخُلف سهل؛ إِذْ السنة هي الميزان, وإليها المآل. وإِذا كان ابن تميم وغيره مِمَّن لَمْ يُسَمَّ قد انفرد بذكر - هذا الفرع في المذاهب الأَربعة, فإن إِمام الأَئمة ابن خزيمة - رحمه الله تعالى - قد انفرد - فيما اطلعت عليه من المحدثين - بالترجمة في: «صحيحه: ١/ ٣٢٨» بقوله: «باب ضم العقبين في السجود» وساق بسنده تحت هذه الترجمة حديث عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: «فقدت رسول الله ﷺ وكان معي على فراشي, فوجدته ساجداً, راصاً عقبيه, مستقبلاً بأَطراف أَصابعه القبلة, فسمعته يقول. . . . .» الحديث. ومن هُنا سَلَّكَ بعض المعاصرين هذه الرواية في الحديث الصحيح, وَقَرَّرَها سُنَّة عملية من سُنن السجود, فاقتضى الحال تحرير النظر في هذا الحديث, وفي هذه اللفظة منه: «رَاصّاً عقبيه»؟ فأَقول: أَصل هذا الحديث في صحيح مسلم: (١/ ٣٥٢)

стр. 68

بسنده عن عبيد الله بن عمر العمري, عن محمد بن يحيى بن حَبّان, عن الأَعرج, عن أَبي هريرة, عن عائشة قالت: «فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش, فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه, وهو في المسجد, وهما منصوبتان, وهو يقول: اللهم أعوذ برضاك من سخطك. . .» الحديث. ورواه أحمد: (٦/ ٥٨, ٢٠١) , وأبو داود: (١/ ٥٤٧) , والنسائي: (١/ ١٠٢) , والدارقطني: (١/ ١٤٣) , وابن عبد البر في: (التمهيد: ٢٣/ ٣٤٩). وله طريق أخرى, عن يحيى بن سعيد الأَنصاري, عن محمد بن إبراهيم التيمي, عن عائشة ﵂ قال: «كنت نائمة إلى جنب رسول الله ﷺ ففقدته من الليل, فلمسته بيدي, فوضعت يدي على قدميه, وهو ساجد, يقول:. . .» الحديث. رواه مالك في: «الموطأ ١/ ٢١٤» والترمذي: (٥/ ٤٨٩) , والنسائي: (٢/ ٢٢٢) , والطحاوي في: «شرح معاني الآثار ١/ ٢٣٤» , والبغوي في: «شرح السنة: ٥/ ١٦٦». هذا مجمل ما صح في رواية حديث عائشة ﵃ وهذه اللفظة عند مسلم وغيره: «فَوَقَعَتْ يَدَيْ على بطن قدميه» وعند مالك ومن معه: «فَوَضَعْتُ يَدِيْ على قدميه».

стр. 69

لم يترجمها أَحَدٌ فيما أَعلم؛ للدلالة على ضَمِّ الساجد عقبيه, وما هذا - والله أعلم - إلا لأَن وقوع اليد, أو وضعها على القدمين, لا يلزم من ذلك التصاق العقبين وضم القدمين, والسنن لا تؤخذ بمثل هذا التمحل؟ لا سيما سنة عملية في أعظم شعائر الإِسلام الظاهرة. بقي لفظ لحديث عائشة ﵂ وفيه: «فوجدته ساجداً رَاصّاً عقبيه» وهو نص في رص الساجد عقبيه حال السجود, لكن ما هي درجة هذه اللفظة, وهل هي من طريق من ذكر عند مسلم وغيره أم من طريق أخرى؟ فأقول: الحديث بهذه اللفظة من طريق أخرى, أخرجه: ابن خزيمة: (٦٥٤) وترجمه بقوله: «باب ضم العقبين في السجود» ومن طريقه: ابن حبان: (١٩٣٣) والطحاوي في: «شرح معاني الآثار: ١/ ٢٣٤» وفي: «مشكل الآثار / ١١١» والحاكم في: «المستدرك: ١/ ٢٢٨» والبيهقي في: «الكبرى: ٢/ ١١٦» وابن عبد البر في: «التمهيد: ٢٣/ ٣٤٨». ولم يترجمه واحد ممن ذكر في محل الشاهد منه هنا. ... وإسناده عند جميعهم من طريق: سعيد بن أبي مريم, أخبرنا يحيى بن أيوب, حدثني عمارة بن غزية, سمعت أبا النضر, سمعت عروة, قال: قالت عائشة: «فقدت رسول الله ﷺ -

стр. 70

وكان على فراشي, فوجدته ساجداً, راصاً عقبيه, مستقبلاً بأَطراف أصابعه القبلة, فسمعته يقول:. . . .» الحديث. قال الحاكم بعده: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه بهذا اللفظ, لا أَعلم أحداً ذكر ضم العقبين في السجود غير ما في هذا الحديث» انتهى. ووافقه الذهبي في: «تلخيصه». وهذه الموافقة غريبة من الذهبي - رحمه الله تعالى -؛ إذ أَعَلَّ أحاديث أُخر بيحيى بن أيوب في تلخيصه للمستدرك, كما في: «٢/ ٢٠١, ٣/ ٩٧, ٤/ ٤٤, ٤/ ٢٤٣). ويحيى بن أيوب - رحمه الله تعالى - وإن أخرج له الجماعة إلا البخاري استشهاداً, فإن كلمة الحفاظ اختلفت فيه اختلافاً كثيراً, بين مُوَثِّق, ومُجَرِّح, ومُعْتَدِلٍ, بأَنه يقع في حديثه غرائب, ومناكير, فَتُتقَّى. ومن أَعدل ما رأيته في منزلته كلمة الإِمام أحمد - رحمه الله تعالى - إذ قال كما في: «الضعفاء» للعقيلي: (ص / ٢١١): «وقال أحمد بن محمد: سمعت أبا عبد الله, وذكر يحيى ابن أيوب المصري, فقال: كان يحدِّث من حفظه, فذكرت له من حديثه: يحيى بن أيوب, عن عمرة عن عائشة ﵂ -

стр. 71

أن النبي ﷺ كان يقرأ في الوتر, فقال: هاء, من يحتمل هذا؟» انتهى. • والخلاصة: أن حديث عائشة ﵂ أصله صحيح في صحيح مسلم, وغيره, وليس في لفظه الصحيح عند مسلم ومن معه «رص العقبين حال السجود» , ولم يأت لها ذكر في أحاديث الصحابة الطوال المشهورة في وصفهم صلاة النبي ﷺ وقد وصفوا تفتيخ أصابع رجليه نحو القبلة, وضم أصابع يديه حال سجوده ﷺ . وأن هذه اللفظة: «رص العقبين وهو ساجد» شاذة, انفرد بإِخراجها ابن خزيمة ومن أتى من طريقة, ابن حبان فمن بعد, وأن الحال مما ذكر الحاكم في قوله: «لا أعلم أحداً ذكر ضم العقبين في السجود غير ما في هذا الحديث» انتهى. وهذه كلمة استقرائية مفيدة شذوذ هذه اللفظة ونكارتها, وأن ترجمة ابن خزيمة لهذه الرواية بقوله: «باب ضم العقبين في السجود» تعني فقه هذه الرواية التي أَسندها, مع صرف النظر عن صحتها من عدمها, لا أنها صحيحة في نفس الأَمر, ويقع هذا كثيراً في تراجمه, فتدبر. ومنها ما تقدم قريباً من ترجمته لما أسنده في ضم الفخذين حال السجود, وقد تحرر شذوذها, فكذلك رواية

стр. 72

رص العقبين هنا. وأنه لا يعرف في رص الساجد عقبيه آثار عن السلف عن الصحابة ﵃ فمن بعدهم, وأنه لم يتم الوقوف على تفريع لأَحد من الفقهاء بمشروعية رَصِّ العقبين حال السجود, سوى كلمة ابن تميم ومن معه ممن لم يُسَمَّ من الحنابلة, ولَعَلَّها من شاذ التفقه. فبقي أن يُقال: المشروع للساجد: هو تفريج القدمين؛ استصحاباً للأَصل حال القيام في الصلاة, قال المرداوي في: «الإِنصاف: ٢/ ٦٩»: (فوائد منها: يستحب أن يفرق بين رجليه حال قيامه. . وقال في المستوعِب: يكره أن يلصق كعبيه) انتهى. ولأَن سنة السجود: الاعتدال في الهيئة, والمجافاة, والتفاج, وتفريق الأَعضاء, أعضاء السجود, ومنها التفريق بين الركبتين, والفخذين, والقدمان, تابعان للفخذين, فتكون السنة فيهما كذلك. فثبت بهذا: أن السنة في القدمين حال السجود هو التفريق باعتدال على سَمْتِ البدن, دون غلو في التفريج, ولا جفاء في الإِلصاق ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ... والله تعالى بأَحكامه أَعلم.

стр. 73

وختاماً: فالنصيحة لكل عبد مسلم موحد متبع لهدي النَّبِيِّ ﷺ التزام سنته ﷺ والعمل بها بلا زيادة عليها ولا نقص منها, مبتعداً عن الإِضافة إِليها بِدَاعٍ بأَي من: الغلو, والإِيغال, في الفهم والتطبيق, وتحميل النصوص ما لا تحتمله, وتصيد الشواذ. والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٩]. فهذه الآية الكريمة - وكل القرآن كريم - حوت حقيقة الإِيمان, فالإِرادة وهي: «النية» والسعي وهو: «بالقول والعمل» , وسعيها وهو: كونه صواباً على «السنة». وهذه من لطائف التنزيل, وحقائق القرآن العظيم. ثبَّت الله الجميع على الإِسلام والسنة آمين. بكر بن عبد الله أبو زيد ٢٨/ ١ / ١٤١٢هـ الطائف