← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 29883

لا جديد في أحكام الصلاة

بكر أبو زيد

Полный текст (73 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[لا جديد في أحكام الصلاة بزيَادَةِ عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ ضَمِّ العَقِبَيْنِ في السُّجُود]ـ المؤلف: بكر بن عبد الله أبو زيد بن محمد بن عبد الله بن بكر بن عثمان بن يحيى بن غيهب بن محمد (المتوفى: ١٤٢٩هـ) الناشر: دار العاصمة - المملكة العربية السعودية الطبعة: الثالثة، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقَدّمَةُ الطّبَعةِ الثَالِثَة الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله, وعلى صحبه ومن اهتدى بهداه. ... أما بعد: فهذه هي الطبعة الثالثة لكتاب: «لا جديد في أحكام الصلاة» مع إضافات, وتصحيحات في مسائله السبع, وزيادة مسألة ثامنة وهي: «عدم مشروعية ضَمِّ العَقبين حال السجود». رأيت إعادة طبعها؛ لذلك, وَلِنفَادِ الطَّبْعَتين السابقتين, وحتى يتنّبه المعتنون بنصر السنة ومتابعة الدليل, أن لا يكون لهم «شَارَاتٌ وعَلاَمَاتٌ تَعَبُّدِيَّة» يَبْدُو التَّمَيُّزُ بِهَا, وَلاَ دَلِيْلَ عَلَيْها. والحمد لله, إذْ ظهر أثر هذه الرسالة, فَتَخَلَّصَ مناشدو الحق من هذه الشارات, التي لا دليل عليها, واختفت فتنة التشنيع على من لم يفعلها من مساجدنا, وانتشر في الناس

стр. 3

التثبت عند الاتباع من صحة الدليل, والأخذ بغرز العلماء المتثبتين الموثوقين, والتوقِّي من شارات التفريق بين المؤمنين, والحمد لله رب العالمين. المؤلف بكر بن عبد الله أبو زيد في مصيف عام ١٤١٨ بالطائف

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقَدّمَة الحمد لله رَبِّ العالمين, وأَشهد أَن لا إله إلا الله الحق المبين, وأَشهد أَن محمداً عبده ورسوله ونبيه الأَمين صلى الله وسَلَّم عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إِلى يوم الدِّين. أَما بعد: فمن نعم الله علينا وعلى عموم المسلمين انتشار السنة, والعمل بها, مع احترام أَئمة العلم الهداة في القديم والحديث, والتخلص من التعصب الذميم. لكن قد يَجْنَحُ المستدل فَيُغْرِقُ في الاستدلال, وقد يَشْتَطُّ فَيَبْتَعِدُ عن مدارك الأَحكام, وقد يحصل الغلط, والوهم, والاشتباه في الفهم. وَقَدْ غَلِطَ الكبار في فهم بعض السنن. وَلاَ لَوْمَ وَلاَ عِتَاب. ولهذا حرر المحققون: أَن «تراجم المحدِّثين» (١) على السنن ليست حجة عليها, بل الحجة في الحديث والسنة. إِذ المُتَرْجِمُ قد يُصيب وقد يُخطئ, وإن كان خطؤهم

стр. 5

قليلاً جداً, وهذا كالشأْن في فقهيات المذاهب, فالدَّليل حجة عليها, لا العكس. وإِذا كانت هذه أَخطاء تكون لدى أَهل العلوم كافة: مفسرين. محدِّثين. فقهاء. مؤرخين. لسانين. أُدباء. والتنبيه عليها محمدة في الإِسلام, ومنقبة لأَهل العلم والإيمان, فَلاَ ضَيْرَ وَلاَ مَلاَم إِذا رأَينا شيئاً من هذا لدى بعض أَهل عصرنا فحصل التنبيه عليه, ولا يأْنف من قبول الحق إِلا «عَائِلٌ مستكبر». فأَقول: كُنَّا نَرَى من ينتصر لقول شاذ, فَيُظْهِرهُ وَيَسْتَدِل لَهُ, ويدعو إِليه, أَو يأْخذ برخصة فيها غثاثة فيُشهرها ويبذل جهوداً في سبيل تعميمها وإِبلاغها. وقد كفانا العلماء مؤونة الرد بالتقعيد الناهي عن حمل «شاذ العلم وغثاثة الرخص» (١). لكن في المعاصرة بدت مفاهيم بين الواجب والمستحب, في العبادات الظاهرة المتكررة, والشعائر المعظمة, لا عهد للعلماء بها منذ صدر الإِسلام حتى عصرنا, وإِن تنزلنا ففي بعضها قول مهجور على مدى القرون, وكفى

стр. 6

خطأً بقولٍ: خُرُوْجُهُ عن أَقوال أَهل العلم (١). وكان فيما بدا: أَعمال, وحركات, وهيئات, وصفات في ركن الإِسلام العملي الأَعظم بعد الشهادتين: «الصلاة» , أَبْرَزَتِ المصلي في بعضها: في حال من «التكلف» والله تعالى يقول عن نبيه محمد ﷺ : ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ , ويقول: النَّبيُّ ﷺ : «بعثت بالحنيفية السمحة». وفي حال من «التحفز» , والصلاة: خشوع وانكسار من العبد بين يدي ربه ومعبوده . وفي بعضها استدراك على أُمة محمد ﷺ في هجر هذه السنة وَفَوَات العمل بها منذ صدر الإِسلام حتى ظهر القول بها في عصرنا. وفي هذا تأْثيم لأُمَّة محمد ﷺ . وكثيراً ما تكون هذه الفهوم المغلوطة, من التَّوَغُّلِ في فهم السنن تارة, وعدم الالتفات إِلى المعاني والأُصول اللسانية, والحديثية والفقهية تارة أُخرى, وهذا من خطر التجريد في دليل التقرير, والغفلة عن سُنَّةِ الوسطية والاعتدال في الصلاة, والإِعراض عن كتب الفقه والخلافيات للوقوف على علل الأَحكام ومداركها, وخلافهم فيها.

стр. 7

وما الحامل على هذه التنبيهات إِلاَّ المحبة للسنة وأَهلها, ودفع ما ليس منها عنهم وعنها, وحتى لا يتشفى بهم كل مبتدع, ولا يبلغ مأْربه منهم كل متقول, وهي تنبيهات لا تنقص من أَقدارهم, ولا تحط من فضلهم في إِحياء السنن, والعمل بها. فإِلى بيان بعضها:

стр. 8

١ - منها إحداث هيئة في المصافة للصلاة: في «تسوية الصف» ثلاث سنن: ١ - استقامة الصف, وإِقامته, وتعديله, بحيث لا يتقدَّم صدر أَحد ولا شيء منه على من هو بجنبه, فلا يكون فيه عِوَج. ومن ألفاظ التسوية للصف: «استووا» , «اعتدلوا» , «أَقيموا الصف». . . وتُضبط استقامة الصف بالأَمر بالمحاذاة بين الأَعناق والمناكب, والركب, والأَكعب. وظاهرٌ من هديه ﷺ تناوب هذه الأَلفاظ. ٢ - سَدُّ الخَلَلِ, بحيث لا يكون فيه فُرَج. ولهذا من الأَلفاظ: «سُدُّوا الخلل» , «لا تذروا فرجات للشيطان». . . وضبط هذه السنة بالتراص: «تراصُّوا». . . ٣ - وصل الصف الأَول فالأَول وإِتمامه. وله من الأَلفاظ: «أَتموا الصف الأَول فالأَول» , «من وصل صفاً وصله الله ومن قطع صفاً قطعه الله». . . وبين ذلك سُنَنٌ - وهي من السنن المهجورة -: مثل الدعاء

стр. 9

والاستغفار للصف المتقدِّم ثلاثاً, ثم من يليه مرتين. وإِتيان الإِمام إِلى ناحية الصف لتسويته, وإِرسال الرجال لتسوية الصفوف إِلى غير ذلك من الهدي النبوي في سبيل تحقيق هذه السنن الثلاث للصف. استقامته, وَسَدِّ خَلَلِه, وإِتمام الأَول فالأَول. وكل هذا يدل على ما لتسوية الصفوف من شأْن عظيم في إِقامة الصلاة, وحُسْنِها, وتمامها, وكمالها, وفي ذلك من الفضل والأَجر, وائتلاف القلوب واجتماعها, ما شهدت به النصوص. وقد تميزت هذه الأُمة المرحومة, وخُصَّت بأَن صفوفها للصلاة كصفوف الملائكة, فالحمد لله رب العالمين. ومن الهيآت المضافة مُجَدَّداً إِلى المصَافَّة بِلاَ مُسْتَنَد: ما نراه من بعض المصلين: من ملاحقته مَنْ عَلَى يمينه إِن كان في يمين الصف, ومن على يساره إِن كان في ميسرة الصف, وَلَيِّ العقبين لِيُلْصِقَ كعبيه بكعبي جاره. وهذه هيئة زائدة على الوارد, فيها إِيغال في تطبيق السُّنَّةِ. وهي هيئة منقوضة بأَمرين: الأَول: أَن المصافة هي مما يلي الإِمام, فمن كان على

стр. 10

يمين الصف, فَلْيُصافَّ على يساره مما يلي الإِمام, وهكذا يتراصون ذات اليسار واحداً بعد واحد على سمت واحد في: تقويم الصف, وسد الفُرج, والتراص والمحاذاة بالعنق, والمنكب, والكعب, وإِتمام الصف الأَول فالأَول. أَما أَن يلاحق بقدمه اليمنى - وهو في يمين الصف - من عَلَى يمينه, وَيَلْفِت قَدَمَهُ حتى يتم الإِلزاق؛ فهذا غلط بَيِّن, وتكلف ظاهر, وفهم مستحدث فيه غُلُوٌّ في تطبيق السنة, وتضييق ومضايقة, واشتغال بما لم يُشرع, وتوسيع للفُرج بين المتصافين, يظهر هذا إِذا هَوَى المأْموم للسجود, وتشاغل بعد القيام لملأ الفراغ, ولي العقب للإِلزاق, وَتَفْويتٌ لِتوجيه رؤوس القدمين إِلى القبلة (١). وفيه ملاحقة المصلي للمصلي بمكانه الذي سبق إِليه, واقتطاع لمحل قدم غيره بغير حق. وكل هذا تَسَنَّنٌ بما لم يُشرع. الثاني: أَن النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَمر بالمحاذاة بين المناكب والأَكعب, قد أَمر أَيضاً بالمحاذاة بين «الأَعناق» كما في حديث أَنس ﵁ عند النسائي (٨١٤).

стр. 11

وكل هذا يعني: المصافة, والموازاة, والمسامتة, وسد الخلل, ولا يعني العمل على «الإِلزاق» فإِن إِلزاق العنق بالعنق مستحيل, وإِلزاق الكتف بالكتف في كل قيام, تكلف ظاهر. وإِلزاق الركبة بالركبة مستحيل, وإِلزاق الكعب بالكعب, فيه من التعذر, والتكلف, والمعاناة, والتحفز, والاشتغال به في كل ركعة, ما هو بيِّن ظاهر. فتنبين أَن المحاذاة في الأَربعة: العنق. الكتف. الركبة. الكعب: من بابة واحدة, يُراد بها الحث على إِقامة الصف والموازاة, والمسامتة, والتراص على سمت واحد, بلا عوج, ولا فُرج, وبهذا يحصل مقصود الشارع. قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - (١): (والمراد بتسوية الصفوف: اعتدال القائمين فيها على سمت واحد, أَو يراد بها سد الخلل الذي في الصف. . .). وهذا هو فقه نصوص تسوية الصفوف, كما في حديث النعمان بن بشير ﵁ قال: «كان النَّبِيُّ ﷺ يسوينا في الصفوف كما يُقوم القِدْح حتى إِذا ظن أَن قد أَخذنا ذلك عنه وفقهنا أَقبل ذات يوم بوجهه إِذا رجل مُنْتَبِذٌ بصدره فقال:

стр. 12

لتسون صفوفكم أَو ليخالفن الله بين وجهكم» رواه الجماعة إِلاَّ البخاري, واللفظ لأَبي داود (رقم / ٦٤٩). فهذا فَهْم الصحابي ﵁ في التسوية: الاستقامة, وسد الخلل, لا الإِلزاق وإِلصاق المناكب والكعاب. ولهذا لما قال البخاري - رحمه الله تعالى - في «صحيحه»: «باب إِلزاق المنكب بالمنكب, والقدم بالقدم في الصف. وقال النعمان بن بشير, رأَيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه». قال الحافظ ابن حجر (١): (والمراد بذلك المبالغة في تعديل الصف وَسَدِّ خَلَلِه) انتهى. والدليل على سلامة ما فهمه الحافظ من ترجمة البخاري - رحمه الله تعالى - أَن قول النعمان بن بشير ﵁ المُعَلَّق لدى البخاري - رحمه الله تعالى - وَوَصَلَهُ أَبو داود في «سننه» برقم (٦٤٨) , وابن خزيمة في: «صحيحه» برقم (١٦٠) , والدارقطني في: «سننه» (١/ ٢٨٢) , في ثلاثتها قال النعمان بن بشير -: «فرأيت الرجل يُلزق منكبه بمنكب صاحبه, وركبته بركبة

стр. 13

صاحبه, وكعبه بكعبه» انتهى لفظ أَبي داود. فإِلزاق الركبة بالركبة متعذر, فظهر أَن المراد: الحث على سد الخلل واستقامة الصف وتعديله, لا حقيقة الإِلزاق والإِلصاق. ولهذا قال الخطابي - رحمه الله تعالى - في معنى ما يُروى عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «خياركم أَلينكم مناكب في الصلاة» رواه أَبو داود وقال: جعفر ابن يحيى من أَهل مكة. قال الخطابي ما نصه (١): (ومعناه لزوم السكينة في الصلاة, والطمأْنينة فيها, لا يلتفت ولا يحاك منكبه منكب صاحبه. ثم ذكر وجهاً آخر في معناه) انتهى. وقال المناوي - رحمه الله تعالى - في معناه (٢): «ولا يُحاشر منكبُهُ منكبَ صَاحِبه, ولا يمتنع لضيق المكان على مريد الدخول في الصف لِسَدِّ الخلل) انتهى. وانظر إِلى أَلفاظ الرواة في بيان صفة التورك في الصلاة ففي حديث أَبي حميد الساعدي ﵁ قال: «وَقَعَدَ عَلَى مقْعَدَتِهِ».

стр. 14

وهذا من باب إِطلاق الكل وإِرادة البعض؛ فإِنَّه يتعذَّر على المتورك تمكن شقيه من القعود على الأَرض. ولهذا جاءت أَلفاظ هذا الحديث الأُخرى بما يفيد ذلك منها: «قعد على شِقِّه الأَيسر». «أَفضى بوركه اليسرى إِلى الأَرض». «جلس على شقه الأَيسر متوركاً». ولهذا فإِنَّه لا يمكن لعاقل أَن يأْتي مستنبطاً من لفظ: «فقعد على مقعدته» حال التورك: مشروعية تمكين شِقيه من الأَرض؛ لتعذره طبعاً وعقلاً, كالشأْن في أَلفاظ المحاذاة على ما تقدم سواء. وانظر إِلى أحاديث فضل الصلاة أَوَّلَ وقتها, فإِنَّه كما قال ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى - في «الإِحكام»: (٢/ ٣٨): (ولم يُنقل عن أَحد منهم أَنَّه كان يُشَدِّدُ في هذا, حتى يوقع أَول تكبيرة في أَول جزء من الوقت) انتهى. والله تعالى أَعلم بأَحكامه.

стр. 15

٢ - ومنها: وضع اليدين على النحر تحت الذقن: ثبت هدي النَّبي ﷺ بوضع اليد اليمنى على اليسرى حال القيام في الصلاة من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ في «صحيح البخاري»: (٧٤٠) , و «الموطأ»: (٢٠/ ٧٤ تمهيد) وغيرهما. ومن حديث وائل ﵁ في «صحيح مسلم»: (١/ ٣٠١) وغيره, ومن حديث غيرهم عند غيرهم من أَصحاب السنن الأَربع وغيرها. كما هي مخرجة في: «فتح الغفور» للسندي ت ١١٦٣هـ - رحمه الله تعالى -. وقال ابن عبد البر - رحمه الله تعالى - في «التمهيد»: (٢٠/ ٧٤): (لم تختلف الآثار عن النَّبي ﷺ في هذا الباب, ولا أَعلم من أَحد من الصحابة في ذلك خلافاً إِلاَّ شيء رُويَ عن ابن الزبير أَنه كان يُرسل يديه إِذا صلى, وقد رُويَ عنه خلافه مِمَّا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ عَنْه, وذلك قوله ﷺ : وضع اليمين على الشمال من السنة, وعلى هذا جمهور التابعين, وأَكثر فقهاء المسلمين من أَهل الرأي والأَثر. . .) انتهى.

стр. 16

وقال الترمذي - (٢/ ٨٢ تحفة) ونحوه البغوي في «شرح السنة» (٣/ ٣٢): (والعمل على هذا عند أَهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. . .) انتهى. فالخلاف في «الإِرسال» لم يرد به حديث صحيح ويأْتي. وإِنَّما الخلاف في محل الوضع من الجسد, ويمكن تصنيف الأَقوال والأَلفاظ الواردة, وَذِكْرها هًنَا على سبيل التدلي من: القول بوضعهما عند النحر, إِلى القول بوضعهما تحت السرة, فالتخيير, مع الإِشارة إِلى عمدة ما يتمسك به لكل قول ولفظ منها, ومنزلته صحةً وضعفاً, ومن قال به, حتى تأْنس النفس بمعرفة منزلة هذه الهيئة: «وضعهما على النحر تحت الذقن». فإِلى بيانها: ١ - عند النحر: رُويَ عن ابن عباس ﵄ في تفسير قول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. رواه البيهقي: (٢/ ٣١) وعنه لدى عامة المفسِّرين عند هذه الآية, منها: «الدرر المنثور»: (٨/ ٦٥٠ - ٦٥١). ولا يصح لحال روح بن المسيب الكلبي البصري, كما

стр. 17

في «المجروحين»: (١/ ٢٩٩). والمعتمد في تفسير هذه الآية بقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. صوّبه ابن جرير, وتبعه ابن كثير, وقال: (إِنَّه في غاية الحسن). ٢ - على الصدر: للشافعي - رحمه الله تعالى - في إِحدى الروايات عنه, ولم يقل بهذا غيره من الفقهاء الأَربعة, فهو مزية لمذهبه؛ لموافقته نَصَّ السنة. نعم: ذكر رواية عن الإِمام أَحمد - رحمه الله تعالى - نادرة, كذا قال السندي - رحمه الله تعالى - في «فتح الغفور»: (ص٦٦). لكن في «بدائع الفوائد»: (٣/ ٩٢) قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: (قال في رواية المزني: أَسفل السرة بقليل, ويكره أَن يجعلهما على الصدر, وذلك لما رُوِيَ عن النَّبِيّ ﷺ أَنه: «نهى عن التكفير» وهو وضع اليد على الصدر) انتهى. وهذا الحديث لم أَجده. ولما ذكر ابن عبد البر - رحمه الله تعالى - في «التمهيد»:

стр. 18

(٢٠/ ٧٩) الرواية عن مجاهد - رحمه الله تعالى - بالكراهية قال: (ولا وجه لكراهية من كره ذلك؛ لأَن الأَشياء أَصلها الإِباحة, ولم ينه الله عنه ولا رسوله, فلا معنى لمن كرهه. هذا لو لم يرو إباحته عن النَّبِيّ ﷺ فكيف وقد ثبت عنه ما ذكرنا؟) انتهى. الأَولى أَن يُقال في دفع الكراهية: الأَصل في العبادات التوقيف على النص, وَقَدْ ثَبَتَ. وبها عمل إِسحاق بن راهويه, فقال المروزي في «المسائل»: (ص / ٢٢٢) (١): (كان إِسحاق يوتر بنا. . . ويرفع يديه في القنوت, ويقنت قبل الركوع, ويضع يديه على ثدييه, أَو تحت الثديين). وظاهر اخيار الشيخين ابن القيم (٢) , والشوكاني (٣) - رحمهما الله تعالى - إِذ قال: (ولا شيء في الباب أَصح من حديث وائل المذكور, وهو المناسب لما أسلفنا من تفسير علي وابن عباس لقوله تعالى:

стр. 19

﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر﴾ بأَن النحر: وضع اليمنى على الشمال في محل النحر والصدر) انتهى. ومعلوم ضعف السند عنهما ﵄ بذلك ولم أَر لشيخ الإِسلام ابن تيمية في «محل الوضع» شيئاً, فالله أَعلم. • الأَدلة: • في حديث قبيصة بن هُلْب عن أَبيه ﵁: «رأَيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه وعن يساره ورأَيته يضع يده على صدره». رواه أَحمد: (٥/ ٢٢٦) , والترمذي: (٢/ ٣٢) , وابن ماجه: (١/ ٢٢٦) , وابن أَبي شيبة: (١/ ٣٩٠) , والدارقطني: (١/ ٢٥٨) , والبيهقي (٢/ ٢٩, ٢٩٥) , والبغوي في «شرح السنة»: (٣/ ٣١). وحسّنه الترمذي, وأَقره النووي في «المجموع»: (٣/ ٣١٢) وحسّنه لشواهده؛ لأَن في سنده: قبيصة, وهو إِن وثقه بعضهم لكن لم يرو عنه إِلاَّ: سماك بن حرب. وفي «التقريب» قال: مقبول. • وفي حديث وائل بن حُجر ﵁: «أَنه رأَى النَّبِيَّ ﷺ يضع يمينه على شماله ثم وضعهما

стр. 20

على صدره». رواه ابن خزيمة في «صحيحه»: (١/ ٢٤٣ رقم ٤٧٩) , والبيهقي: (٢/ ٣٠ - ٣١) من طريقين, أَحدهما مسلسل بعدد من الضعفاء وفيه انقطاع. والثاني: مؤمل بن إِسماعيل عن الثوري عن عصام بن كليب عن أَبيه عن وائل. ومؤمل: صدوق سيء الحفظ. وأَصل الحديث في «صحيح مسلم» وغيره بدون لفظ «الصدر». وقد ذكر هذا الحديث الحافظ ابن حجر في كتبه: «الفتح» (٢/ ٢٦٢) وسكت عليه, ومقتضى شرطه في «المقدمة / هدي الساري»: (ص / ٤) أَن ما سكت عليه في «الفتح» فهو صحيح أَو حسن. وسكت عليه في «بلوغ المرام»: (ص / ٥٣) , وفي «التلخيص»: (١/ ٢٢٤) وقد نبه السيوطي في «الحاوي»: (٢/ ٢١٢) إِلى شرط ابن حجر في ذلك. وساقه محتجاً به ابن القيم في «إِعلام الموقعين»: (٢/ ٤٠٠) في آخرين. وظاهر أَن حُسْنَهُ بشواهده. على أَن ابن سيد الناس في «شرح الترمذي» قال: (وصححه ابن خزيمة) , كما في: «تحفة الأَحوذي»: (٢/ ٨٩) ,

стр. 21

و «عون المعبود»: (٢/ ٣٧٠) , وكذا قال الشوكاني في «نيل الأَوطار»: (٢/ ١٨٩). ولكن لم نر تصحيح ابن خزيمة له في «صحيحه» المطبوع. وإِن أُريد أَنه: صحيح حكماً لشواهده فنعم. ولهذا قال الشوكاني - رحمه الله تعالى - في «النَّيل» (٢/ ١٨٩): (ولا شيء في الباب أَصح من حديث وائل المذكور. . .) انتهى. • وفي مرسل طاووس قال: (كان رسول الله ﷺ يضع اليمنى على يده اليسرى ثم يَشُدُّ بهما على صدره وهو في الصلاة). رواه أَبو داود: (١/ ١٢١ رقم ٧٥٩) , وفي «المراسيل» له: (رقم ٣٤) , وعند البيهقي في «معرفة السنن». • وعن على ﵁: (﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾: وضع يده اليمنى على وسط ساعده على صدره). رواه البخاري في «التاريخ الكبير»: (٦/ ٤٣٧) , وابن جرير في «التفسير»: (١١/ ٣٢٥) , والدارقطني: (١/ ٢٨٥) , وابن أَبي شيبة.

стр. 22

وعزاه في «الدرر المنثور»: (٨/ ٦٥٠) لآخرين منهم: البيهقي: (٢/ ٣٠). ولمّا ساق ابن كثير في «تفسيره» (٨/ ٥٢٨) هذا الأَثر قال: (لا يصح, وعن الشعبي مثله) انتهى. ٣ - على الصدر للمرأَة, وتحت السرة للرجل: ولا يختلف مذهب الحنفية بأَن محلهما تحت السرة, ويعللونه بأَنه أَستر للمرأَة. وفي حق الرجل: أَدعى لتعظيم الله سبحانه. ٤ - عند الصدر: أَشار إِليها الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - في «الفتح»: (٢/ ٢٦٢) في حديث وائل فقال: (وللبزار: عند صدره) انتهى. ٥ - تحت الصدر فوق السرة: رواية في مذهب: مالك, والشافعي, وأَحمد - رحمهم الله تعالى - حكاها عنهم الشوكاني في «نيل الأَوطار»: (٢/ ١٨٩). ورجحها الإِمام النووي في مذهب الشافعي, وقال في «المجموع»: (٣/ ٣١٣): (وبهذا قال سعيد بن جبير, وداود)

стр. 23

انتهى. ٦ - فوق السُّرَّة: في رواية عن الإِمام أَحمد - رحمه الله تعالى -. قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - في «بدائع الفوائد» (٣/ ٩١): (واختلف في موضع الوضع: فعنه: فوق السرة. وعنه: تحتها, وعنه: أَبو طالب, سأَلت أَحمد: أَين يضع يده إِذا كان يُصلي؟ قال: على السُّرة, أَو أَسفل, وكل ذلك واسع عنده, وإِن وضع فوق السرة, أَو عليها, أَو تحتها) انتهى. ونحوه في: «المغني»: (١/ ٥١٤ - ٥١٥). وقال ابن عبد البر - رحمه الله تعالى - في «التمهيد» (٢٠/ ٧٥): (وقال أَحمد بن حنبل: فوق السرة, وهو قول سعيد بن جبير, وقال أَحمد بن حنبل: وإِن كان تحت السرة فلا بأْس به) انتهى. والأَثر عن سعيد رواه البيهقي (٢/ ٣١) بسندٍ ضعيف. وقد جاءت به الرواية عن علي ﵁ في رواية ابن جرير الضبي عن أَبيه, قال: (رأَيت علياً ﵁ يمسك شماله بيمينه على الرُّسْغِ فوق السُّرَّة».

стр. 24

رواه البيهقي: (٢/ ١٣٠) وحسّنه وعلقه البخاري مختصراً, مجزوماً به (١/ ٣٠١). ولما ذكر ابن قدامة - رحمه الله تعالى - الرواية عن أَحمد - رحمه الله تعالى - بوضعهما فوق السرة, قال في الاستدلال له: «لما روى وائل بن حُجْر قال: رأَيت النَّبيَّ ﷺ يُصلي فوضع يديه على صدره. . .». فظاهر أَن مراده من هذه الرواية القول بوضعهما على الصدر, والله أَعلم. ٧ - تحت السُّرَّة: مذهب الحنفية في حق الرجال بلا خوف في المذهب. كما في «فتح القدير» لابن الهمام: (١/ ٢٤٩ - ٢٥٠) , و «فتح الغفور» للسندي: (ص / ٦١ - ٦٤). وهو رواية عن الشافعي «تحفة الأَحوذي»: (٢/ ٨٣) , وأَحمد كما تقدم نقله من «البدائع» لابن القيم, وهي المذهب كما في: «الإِنصاف»: (٢/ ٤٦). وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٢٠/ ٧٥): (وقال الثوري: وأَبو حنيفة, وإِسحاق: أَسفل السرة, ورُوي ذلك عن: علي, وأَبي هريرة, والنخعي, ولا يثبت ذلك عنهم, وهو قول أَبي مجلز) انتهى. وقول أَبي مجلز, رواه ابن أَبي شيبة: (١/ ٣٩٠ - ٣٩١) ,

стр. 25

والبيهقي: (٢/ ٣١) (١). وأَثر النخعي رواه ابن أَبي شيبة: (١/ ٣٩٠) , ومحمد بن الحسن في «الآثار»: (ص / ٢٥). • الأَدلة: • عن علي ﵁ قال: «إِن من السنة في الصلاة وضع الأَكف على الأَكف تحت السرة». رواه أَحمد: (١/ ١١٠) , وأَبو داود: (١/ ٤٨٠) , وابن أَبي شيبة: (١/ ٣٩١) , والدارقطني: (١/ ٢٨٦) , وابن عبد البر في «التمهيد»: (٢٠/ ٧٧) , والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» , وساقه المجد في «المنتقى»: (٢/ ١٨٨ مع النيل). وجميع أَسانيده عندهم تدور على: عبد الرحمن بن إِسحاق الواسطي, اتفقوا على تضعيفه, كما في «نصب الراية»: (١/ ٣١٤) نقلاً عن النووي - رحمه الله تعالى - وفيه قال البيهقي: (لا يثبت إِسناده, تفرد به عبد الرحمن بن إِسحاق الواسطي, وهو متروك). وقال العلامة العيني الحنفي - رحمه الله تعالى - في «عمدة القاري» (٥/ ٢٧٩):

стр. 26

(هذا قول علي بن أَبي طالب وإِسناده إِلى النَّبِيِّ ﷺ غير صحيح). • عن أَبي هريرة ﵁: «وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة من السنة». رواه أَبو داود: (١/ ٤٨١) , وابن حزم معلقاً: (٤/ ١٥٧). وفيه: عبد الرحمن بن إِسحاق الواسطي الكوفي المذكور, وهو ضعيف باتفاقهم. • عن أَنس ﵁: «من أَخلاق النبوة وضع اليمين على الشمال تحت السرة». ذكره ابن حزم معلقاً في «المحلى»: (٤/ ١٥٧) ولم يوجد له إِسناد, كما في «تحفة الأَحوذي»: (٢/ ٨٨) , وانظر: «فتح الغفور»: (ص ٥٧ - ٦٦). • تنبيه: عزا الشيخ قاسم بن قُطْلُوبغا, المتوفى سنة ٨٧٩هـ - رحمه الله تعالى - في «تخريج أَحاديث الاختيار شرح المختار»: إِلى «مصنف ابن أَبي شيبة»: حديث وائل بن حجر ﵁ بلفظ: «رأَيت النَّبيَّ ﷺ وضع يمينه على شماله في الصلاة تحت السرة».

стр. 27

وقد حقق السندي في «فتح الغفور»: (ص ٣٥ - ٤٨) خلو المصنَّف من هذه الزيادة: «تحت السرة» , وأَن علماء الحنفية قبل الشيخ قاسم, لم يذكروا هذه اللفظة لمذهبهم؛ بل إِن عصريه ابن أَمير الحاج المتوفى سنة ٨٧٩هـ يقول في «شرح مُنْيَة المصلي»: (إِن الثابت من السنة وضع اليمين على الشمال, ولم يثبت حديث يوجب تعيين المحل الذي يكون فيه الوضع من البدن إِلا حديث وائل المذكور) انتهى. وكذا قال ابن نجيم المتوفى سنة ٩٧٠هـ في «البحر الرائق»: (١/ ٣٠٣) ومرادهما لفظ: «صدره» فإِنها لم يذكرا هذه الزيادة «تحت السرة» في حديث وائل. ٨ - الإِرسال: وهو المشهور في مذهب المالكية, على خلاف نص الإِمام مالك - رحمه الله تعالى - على مشروعية القبض. وهو مروي عن ابن الزبير, والحسن البصري, والنخعي, كما في «التمهيد»: (٢٠/ ٧٦) ثم قال: (وليس هذا بخلاف؛ لأَن الخلاف كراهية ذلك, وقد يرسل العالم يديه ليرى الناس أَن ليس بحكم واجب. . . ثم

стр. 28

قال: والحجة في السنة لمن اتبعها, ومن خالفها فهو محجوج بها ولاسيما سنة لم يثبت واحد من الصحابة خلافها) انتهى. وأَلَّف علماء المالكية كثيراً في إِثبات شرعية الإِرسال, وأُخرى في نقضه, ومن نظر في المثبتة للإِرسال؛ علم منها عدم الحجة, وأَن السنة القبض. ولهذا قال السندي - رحمه الله تعالى - في «فتح الغفور» (ص / ٦٠): (والحق أَنه لم يرد حديث صحيح في إِرسال اليدين في الصلاة) انتهى. ٩ - التخيير بين الوضع والإِرسال: رواية لدى المالكية, وقيل: القبض رخصة في النفل خاصة, وَنُقل التخيير عن الأَوزاعي, وعطاء. وانظر: «التمهيد»: (٢/ ٧٥) , و «نيل الأَوطار»: (٢/ ١٨٦). ١٠ - التخيير فوق السرة أَو عليها أَو تحتها: مضى النقل في ذلك عن الإِمام أَحمد - رحمه الله تعالى - في القول السادس, ونص عليه في: «المغني»: (١/ ٥١٥) , و «الإِنصاف»: (٢/ ٤٦). قال ابن المنذر - رحمه الله تعالى - كما في «نيل الأَوطار»

стр. 29

(٢/ ١٨٩): (لم يثبت عن النَّبِيِّ ﷺ في ذلك شيء فهو مخير) انتهى. ونحوه لابن القيم - رحمه الله تعالى - كما في «حاشية الروض» لابن قاسم: (٢/ ٢١) ونسبه لمالك - رحمه الله تعالى -. وقال الترمذي - رحمه الله تعالى - في «سننه» (٢/ ٨٢ تحفة) بعد سياق حديث وائل في الموضع: (والعمل على هذا عند أَهل العلم من أَصحاب رسول الله ﷺ والتابعين ومن بعدهم, يرون أَن يضع الرجل يمينه على شماله في الصلاة, ورأَى بعضهم: أَن يضعها فوق السرة, ورأَى بعضهم: أَن يضعها تحت السرة, وكل ذلك واسع عندهم) انتهى. تلك عشر كاملة, ويمكن إِرجاع الأَول والثالث في حق المرأَة, والسادس إِلى الثاني, وإِرجاع الرابع والخامس إِلى السادس, وإِرجاع التاسع إِلى الثامن, فتكون الأَقوال ثلاثة: ١ - على الصدر, ومنه: عند صدره. تحت صدره. فوق السرة. ٢ - تحت السرة. ٣ - التخيير وهو على أَنواع. • النتيجة: من هذا العرض يتبيَّن أَنه لا يثبت حديث مرفوع في محل

стр. 30

وضعهما من الجسد إِلاَّ «على الصدر» , والأَمر واسع على أَي موضع من الصدر, على الثَّدْيَيْن, أَو تحتهما؛ إِذ لم يرد فيه تحديد في المحِلِّ مِنَ الصَّدْر, وانظر إِلى فقه ابن قدامة - رحمه الله تعالى - حين استدل للرواية عند أَحمد - رحمه الله تعالى -: «يضعهما فوق السرة» بحديث وائل ﵁ «علي صدره». وأَن أَثر ابن عباس «عند النحر» في تفسير ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ لا يثبت, وهو أَرفع مكان جاء به الأَثر موقوفاً, ولا يصح. وَأَمَّا: «على النحر» أَو «الترقوتين» فلم يرد في شيء من ذلك ما هو مرفوع أَصلاً. ولهذا فإِن: وضع اليدين على النحر تحت اللحية هيئة جديدة لم ترد بها سنة, ولا أَثر, ولا قول معتبر, وإِنما تَوَلَّدَت من «الإِيغال» في تطبيق السنن, وهذا إِفراط ممن يقول بوضعهما على الصدر, كما أَن لدى من يقول بوضعهما تحت السرة تفريط؛ إِذ يرخي ويبالغ حتى يضعهما فوق «العانة» فكل واحد من الفريقين أَدَّى سنة القبض, وَفَرَّطَ في سنة محل القبض: «على الصدر». قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [يس:٨].

стр. 31

قال القرطبي - رحمه الله تعالى - في تفسيرها (١٥/ ٨): (روى عبد الله بن يحيى: أَن علي بن أَبي طالب ﵇ أَراهم الإِقماح, فجعل يديه تحت لحيته, وأَلصقهما ورفع رأَسه. قال النحاس: وهذا أَجَلُّ ما رُوِيَ فيه, وهو مأْخوذ مما حكاه الأَصمعي. . .) انتهى. أَعاذنا الله وإِيَّاكم من حال أَهل العذاب. والوصية بلزوم السنة.

стр. 32

٣ - زيادة الانفراش والتَّمَدُّدِ في السجود: الاعتدال, وإِقامة الصلب في الركوع والسجود, من هدي النَّبي ﷺ فيهما. وَحَدُّهُ في السجود: التوسط بين الانفراش, وبين القبض والتقوس, بتمكين أَعضاء السجود السبعة على الأَرض, مع المجافاة المعتدلة بين الفخذين والساقين, وبين البطن والفخذين, وبين العضدين والجنبين, وعدم بسط الذراعين على الأَرض. وانظر كيف قرنَ النَّبِيُّ ﷺ بين الأَمر بالاعتدال في السجود, والنهي عن بسط الذراعين انبساط الكلب. فعن أَنس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «اعتدلوا في السجود ولا يبسط أَحدكم ذراعيه انبساط الكلب». رواه البخاري في «صحيحه»: (٢/ ٣٠٢ فتح) , والنسائي في «سننه»: (١١٠٩). وعنه أَيضاً بلفظ: «اعتدلوا في الركوع والسجود ولا يبسط أَحدكم ذراعيه انبساط الكلب»).

стр. 33

رواه البخاري: (٨٢٢) , والنسائي: (١٠٢٧) وغيرهما. قال الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى - (١): «(اعتدلوا» أَي: كونوا متوسطين بين الانفراش والقبض) انتهى. ثم ذكر كلام ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى - الذي يفيد عموم النهي عن الانفراش والتَّمَدُّدِ والقبض في «هيئة السجود» لا في خصوص الذراعين. وقد ثبت من حديث ميمونة ﵂: «أَن النَّبِيَّ ﷺ كان إِذا سجدَ جافَى يديه لو أَن بهمة أَرادت أَن تمر تحت يديه مَرَّت». أَخرجه مسلم وأَصحاب السنن, ولفظه عند النسائي: (١١٠٨). وعليه فإِن زيادة الانفراش والتَّمدُّدِ في السجود, إِفراط عن حدِّ الاعتدال في أَداء هذا الركن العظيم, الذي يُطلَب من العبد فيه: أَن يكون في غاية التذلُّل والخضوع والانكسار لربه ومعبوده ؛ إِذ العبد أَقرب ما يكون من ربه وهو ساجد؛ ولهذا أَمرنا بالدعاء فيه, وأَنه من مواطن الاستجابة. فَحَرِيٌّ بركن هذه منزلته أَن يُؤدَّى على وَفْقِ الهدْي النبوي, المحفوف بالاعتدال, وعدم التكلُّف والتحفز, فلا هو بالإِفراط

стр. 34

في هذه الصفة المستحدثة, ولا بالتفريط على هيئة الكسلان نحو سجود بعضهم ببسط الذراعين على الأَرض, وإِلصاق البطن بالفخذين, والفخذين بالساقين, وهذا يجمع عدداً من المنهيات. وفي «صحيح البخاري»: (١/ ٢٤٧) في «كتاب الوضوء» قول ابن عمر ﵁ لواسع بن حبان: لَعَلَّكَ من الذين يُصلون على أَوراكهم, فقلت: لا أَدري والله. قال مالك: يعني الذي يصلي ولا يرتفع عن الأَرض, يسجد وهو لاصق بالأَرض. والسُّنة وسط بين الإِفراط والتفريط, وعليها عمل المسلمين والحمد لله ربِّ العالمين. فالحذر الحذر من الإِيغال المؤدِّي إِلى التزيُّد في تطبيق السنن.

стр. 35

٤ - الإِشارة: ومن الحركات الجديدة: القول بالإِشارة بالسبابة حَالَ الجلوس بين السجدتين. ويُستدل لهذا بأَمرين: الأَول: عموم الأَحاديث التي ورد فيها تحريك السبابة في الجلوس في الصلاة, في حديث وائل, وابن عمر, وابن الزبير ﵃. لكن قد جاءت روايات أخرى فيها تقييد بجلوس التشهد, فيحمل المطلق على المقيد. وقد نقل الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - ما استقرأَه ابن رُشيد - رحمه الله تعالى - بقوله (١): (إِذا أُطلق في الأَحاديث الجلوس في الصلاة من غير تقييد فالمراد به جلوس التشهد) انتهى. ومن أَمثلة هذا في تراجم السُّنن: قول النسائي - رحمه الله تعالى - (٢): (باب موضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأَول)

стр. 36

فذكر تحته حديث وائل ﵁ وليس فيه التصريح بلفظ «الجلوس للتشهد» ومع هذا فلم يَفْهم منه: الجلوس بين السجدتين. بل ترجم البيهقي - رحمه الله تعالى - بما يفيد قصر «الإِشارة» في التشهدين لا غير, فقال: (باب الدليل على أَن هذا سنة اليدين في التشهدين جميعاً) وساق بسنده عن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إِذا جلس في ثنتين أَو في أَربع وضع يديه على ركبتيه ثم أَشار بإصبعه»: «السنن الكبرى»: (٢/ ١٣٢). الثاني: في بعض طرق حديث وائل بن حجر ﵁ ما نصه: «رمقت النَّبِي ﷺ فرفع يديه في الصلاة حين كَبَّرَ, ثم حين كَبَّر رفع يديه, ثم إِذا قال: سمع الله لمن حمده, ورفع. قال: ثم جلس فافترش رجله اليسرى ثم وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى, وذراعه اليمنى على فخذه اليمنى, ثم أَشار بسبابته ووضع الإِبهام على الوسطى حَلَّقَ بها وقبض سائر أَصابعه, ثم سجد فكانت يداه حذو أُذنيه». رواه عبد الرزاق في «المصنف»: (٢/ ٦٨) وعنه أَحمد: (٤/ ٣١٧) , والطبراني في «المعجم الكبير»: (٢٢/ ٣٣). وابن القيم - رحمه الله تعالى - لما ساق رواية وائل - رضي الله

стр. 37

عنه - في سياق هدي النَّبِيِّ ﷺ في الجلوس بين السجدتين, استروح من هذا السياق بعض المعاصرين: أَن ابن القيم - رحمه الله تعالى - يقول بالإِشارة بين السجدتين. وهذا غير مسلَّم به: فإِنَّه لم يصرح بهذا على عادته, وإِنما اقتصر على ذكر لفظ الرواي, ثم قال (١): (هكذا قال وائل بن حجر عنه). ففيه إِشارة إِلى أَن في النفس شيء منه. ولهذا ساق مرة أَخرى في: سياق هدي النَّبِيِّ ﷺ في الجلوس الأَول للتشهد, وقال مشيراً إليه: (كما تقدم في حديثِ وائل بن حُجْر). ففي هذا إِلماح إِلى أَن هذا هو محل الإِشارة. ولهذا أَيضاً فإِنه لما ساق هدي النَّبِيِّ ﷺ في التشهد الأَخير: ذكر حديث وائل, وقال: (وهو في السنن). فنسبة القول بالتحريك بين السجدتين إِلى ابن القيم غلط عليه. وهذه الرواية لو كانت هي السياق الوحيد لحديث وائل ﵁ ثم لم يخالفه الآخرون الذين وصفوا صلاة

стр. 38

النَّبِيِّ ﷺ ؛ لكانت دلالتها على الإِشارة بالسبابة بين السجدتين ظاهرة, وَلَرأَيْتَ تَسَابُقَ العلماء إِلى القول بها, وَعَقْدَ التَّرَاجِمِ على مشروعيتها, وجريان عمل المسلمين بها, لكن كل ذلك لم يكن؟ فإِن جميع روايات حديث وائل على خلافها, والذين وصفوا صلاة النَّبِيِّ ﷺ من غير وائل على خلافها, فجميع أَلفاظهم بين الإِطلاق والتقييد في جلوس التشهد. ولم يصرح بمشروعية الإِشارة بين السجدتين أَحد من علماء السلف, وَلَمْ تُعْقد أَي ترجمة على مقتضاها, وعمل المسلمين المتوارث على عدم الإِشارة والتحريك بين السجدتين, فهي من الروايات التي تواطأَ المسلمون على عدم العمل بها؟ إِما لضعفها أَو لأَنها على خلاف ظاهرها في الترتيب الحكمي. • أَما ضعفها: فقد أَشار إِليه البيهقي - رحمه الله تعالى - في: «السنن الكبرى»: (٢/ ١٣١) فقال: (باب ما رُوي في تحليق الوسطى بالإِبهام) وساق بسنده حديث وائل ﵁ ثم قال: (ونختار ما روينا في حديث ابن عمر, ثم ما روينا في حديث ابن الزبير؛ لثبوت خبرهما, وقوة إسناده, ومزية رجاله,

стр. 39

ورجاحتهم في الفضل على: عاصم بن كليب, وبالله التوفيق) انتهى. وفي «شرح الأَذكار» لابن علان: (١/ ٢٥٥): (والظاهر أَن لفظ «بيمينه» مدرج من الراوي إِذ ليس في الأُصول مذكوراً) ثم ذكر رفعه. وقد قرر الشيخان ابن باز والأَلباني (١) أَن رواية عبد الرزاق هذه عن الثوري عن عاصم به: تفرد بها عبد الرزاق عن الثوري, مخالفاً محمد بن يوسف الفريابي وكان ملازماً للثوري, فلم يذكر السجود المذكور - في آخر الحديث - وقد تابع محمداً: عبد الله بن الوليد, فهذه الزيادة في آخر الحديث: «ثم سجد. . .» من أَوهام عبد الرزاق - رحمه الله تعالى - وأَن الروايات مطبقة على أَن الإِشارة في جلوس التشهد الأَول والثاني. • توجيهها: لكن الحكم بالشذوذ يأْتي على قواعد المحدِّثين (٢) إِذا تعذر توجيه الرواية بما يتفق مع رواية بقية الثقات, من غير

стр. 40

تعسف ولا مناكدة, وتوجيه هذه اللفظة في آخر الرواية: «ثم سجد» ظاهر بما يتفق مع بقية الروايات التي تُحدد مكان الإِشارة بالإِصبع في جلوس التشهد الأَول والثاني فقط. • بيانه: إِذا علمنا من هدي النَّبِيِّ ﷺ الراتب في الصلاة: الإِشارة بالسبابة في التشهدين حَسْبُ, ومنها الروايات الكثيرة لحديث وائل ﵁ فإِن هذه الرواية عنه من طريق عبد الرزاق, عن الثوري, عن عاصم به: تلتقي معها على التوجيه التالي: أَن هذا الحرف «ثم» يكون للترتيب الذكري, فَيَأْتي بمعنى الواو, وليس دائماً مفيداً للترتيب في الذكر والحكم معاً, وهذا مَعْنىً جَارٍ في لسان العرب, ويقرره النحاة كابن هاشم (١) , وغيره - رحمهم الله تعالى -, وهو معلوم بحثاً في كتب: «أُصول الفقه» وفي «مصطلح الحديث» يبحثون حُكم تقديم بعض المتن على بعض, كما في: «فتح المغيث» للسخاوي: (٣/ ١٩٦ - ١٩٨) وغيره.
следующие страницы →