← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29884

الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقاتها على المذهب الراجح

عبد الكريم النملة

Полный текст (415 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقاتها على المذهب الراجح]ـ المؤلف: عبد الكريم بن علي بن محمد النملة الناشر: مكتبة الرشد - الرياض - المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م عدد الأجزاء: ١ أعده للشاملة/ أبو إبراهيم حسانين [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإنه بعد أن صنفت كتاب: " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر في أصول الفقه " وطبع في ثمانية مجلدات، وصنفت كتاب: " المهذب في أصول الفقه المقارن " وطبع في خمسة مجلدات، وشرحتهما لطلاب الجامعة، وطلاب الدراسات العليا في كلية الشريعة، والمعهد العالي للقضاء، وكلية التربية للبنات، وكنت قد أكثرت في هذين الكتابين من المسائل الخلافية؛ حيث أني أذكر مذاهب العلماء في كل مسألة، وأدلة كل مذهب، والترجيح ومناقشة المذهب المرجوح. بعد ذلك طلب مني كثير من طلاب العلم أن أصنّف كتاباً يجمع مسائل أصول الفقه بدون التطويل بذكر المذاهب حتى يكون مفيداً للطالب المبتدي وتذكيراً للطالب المنتهي، وقالوا في تعليل هذا الطلب: إن المختصرات الموجودة في هذا الفن لم تذكر إلا اليسير النادر من مسائل أصول الفقه، وإذا ذكرها أحدهم فإما أن يذكر أدلة على ما قال أو لا.

стр. 3

فإن كان من الذاكرين للأدلة، فإنه يصعب علينا فهمها. وإن كان من غير الذاكرين للأدلة: فإنه يصعب فهم المسألة بدون أدلة. فأجبت لهم طلبهم؛ لأن الشارع قد أمرنا ببيان الشريعة للناس، وكشف الشبه والالتباس، والأمر المطلق يقتضي الوجوب، فوجب علي أن أجيبهم، فقمت بتأليف هذا الكتاب؛ إجابة لطلب هؤلاء الطلاب؛ رجاء الأجر والمثوبة، ولتكثير طرق الخير ونشره، لأنه كلما كثر التأليف كلما كثرت طرق تعلمه، لأن بعض الطلاب قد يفهم المراد من كتاب دون كتاب آخر مع أنهما في نفس الفن. وجعلته - أي هذا الكتاب - في ستة فصول. الفصل الأول: في المقدمات. الفصل الثاني: في الحكم الشرعي. الفصل الثالث: في أدلة الأحكام الشرعية. الفصل الرابع: في الاجتهاد. الفصل الخامس: في التقليد. الفصل السادس: في التعارض والترجيح. فتكلمت في الفصل الأول - الذي هو في المقدِّمات - عن تعريف أصول الفقه، والفرق بينه وبين الفقه، والفرق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية، وموضوع أصول الفقه، وحكم تعلمه، وفوائده، وأيهما الذي يقدم في التعلم: أصول الفقه أو الفقه؟ ومصادر أصول الفقه، ونشأته، وطرق التأليف فيه، وأهم الكتب المؤلفة على كل طريقه.

стр. 4

وتكلمت في الفصل الثاني - الذي هو في الحكم الشرعي - عن تعريف الحكم الشرعي، وتقسيمه إلى حكم تكليفي وحكم وضعي، وعرَّفت كل نوع من أنواع الحكم التكليفي وهي: الواجب والمندوب، والمباح والمكروه، والحرام، وذكرت كل ما يتعلق بكل نوع من المسائل بالتفصيل، وبينت التكليف وشروطه وما يتعلق به. وعرَّفت كل نوع من أنواع الحكم الوضعي، وهي: السبب، والشرط، والمانع، والعزيمة، والرخصة، وذكرت كل ما يتعلق بكل نوع من المسائل بالتفصيل. ثم فرَّقت بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي من وجوه. وتكلمت في الفصل الثالث - الذي هو في أدلة الأحكام الشرعية - عن الأدلة المتَّفَق عليها، والأدلة المختلف فيها. فذكرت الدليل الأول وهو الكتاب، وما يتعلق به من مسائل. وذكرت الدليل الثاني وهو السنة وما يتعلق به من مسائل. ثم ذكرت ما يشترك فيه الكتاب والسنة وهو: النسخ والألفاظ ودلالتها على الأحكام. فبدأت بذكر النسخ وما يتعلق به من مسائل. وفضلت في ذكر الألفاظ ودلالتها على الأحكام فتكلَّمت عن اللغات والاشتقاق، والاشتراك، والترادف، والتأكيد، والتابع، والحقيقة، والمجاز، والنص، والظاهر، والتأويل، والمجمل، والمبين، والبيان، وحروف المعاني، والأمر والنهي، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم، وذكرت كل ما يتعلق بكل نوع مما سبق من المسائل بالتفصيل.

стр. 5

ْثم ذكرت الدليل الثالث - وهو الإجماع - وما يتعلق به من مسائل. ثم ذكرت الدليل الرابع - وهو القياس - وما يتعلق به من مسائل. ثم تكلمت عن الأدلة المختلف فيها وهي: الاستصحاب، وشرع مَن قبلنا، وقول الصحابي والاستحسان، والمصلحة المرسلة، وسد الذرائع، والعُرف، والاستقراء. ثم تكلَّمت في الفصل الرابع - عن الاجتهاد - وذكرت ما يتعلق به من مسائل بالتفصيل. وكذلك فعلت في الفصل الخامس - الذي هو في التقليد -، وفي الفصل السادس الذي هو في التعارض والترجيح. هذا ما وضعته في هذا الكتاب، وقد سلكت فيه المنهج التالي: أولاً: جمعت كل مسائل أصول الفقه في هذا الكتاب. ثانياً: أذكر المسألة والمذهب الراجح فيها فقط، وأستدل لذلك بدليل أو دليلين أو أكثر. ثالثاً: أذكر مثالاً أو مثالين يتبين فيهما تطبيق هذا المذهب من الفروع الفقهية. رابعاً: أشير في الهامش إلى أن من أراد التوسع في معرفة المذاهب الأخرى فليراجع كتبي الأخرى، سواء كانت عامة لجميع مسائل أصول الفقه مثل كتاب: " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر "، وكتاب: " المهذب في أصول الفقه المقارن ".

стр. 6

أو كانت خاصة في بعض موضوعات ومسائل أصول الفقه مثل: " كتاب الواجب الموسع عند الأصوليين "، و " الخلاف اللفظي عند الأصوليين "، و " أقل الجمع عند الأصوليين وأثر الاختلاف فيه "، و " مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف "، و " الإلمام في مسألة تكليف الكفار بفروع الإسلام "، و " الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس "، و " إثبات العقوبات بالقياس ". خامساً: كتبت هذا الكتاب بأسلوب عصري مفهوم. هذا ما فعلته في هذا الكتاب وقد سمَّيته بـ " الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقها على المذهب الراجح "، أرجو أن يكون كما سمَّيته. وأخيراً: لا أدعي أني أصبت في كل ما كتبت، لأن الكمال لله وحده، ويكفيني أني لم أقصد بهذا المصنف إلا نفع طلاب العلم، وإعانتهم على فهم مسائل أصول الفقه، وأسأل الله العلي القدير أن ينفع به مؤلفه، وقارئه، ومن أعان على نشره، وأن يجعله مقرِّباً إلى الله مبلغاً إلى رضوانه، إنه سميع مجيب. وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم. كتبه أ. د. عبد الكريم بن علي بن محمد النملة الأستاد في قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

стр. 7

الفصل الأول في المقدِّمات وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريف أصول الفقه: الأصول: جمع أصل، والأصل لغة، ما يُبنى عليه غيره؛ لأن الأصل هو أسفل الشيء وأساسه، ولا شك أن أسفل الشيء وأساسه هو الذي يعتمد عليه في البناء. والأصل اصطلاحاً هو: الدليل، لمناسبته وموافقته لمعناه لغة، وهو: ما يُبنى عليه غيره؛ حيث إن الدليل يبنى عليه الحكم، فأصول الفقه هي: أدلة الفقه. والفقه: لغة هو: الفهم مطلقاً، لوروده ووقوعه في القرآن، كقوله تعالى: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ)، وقوله: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) (٧٨).

стр. 8

والفقه اصطلاحاً هو: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية. وأصول الفقه هو: معرفة أدلة الفقه إجمالاً، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد. * * * المسألة الثانية: الفرق بين أصول الفقه والفقه هو: أن أصول الفقه يكون في البحث عن أدلة الفقه الإجمالية بالتفصيل، فهو عبارة عن المناهج والأسس التي يجب أن يسلكها ويتَّبعها الفقيه. أما الفقه: فهو يبحث في العلم بالأحكام الشرعية العملية المأخوذة من أدلتها التفصيلية، فهو عبارة عن استخراج الأحكام من الأدلة التفصيلية مع التقيد بتلك المناهج. فأصول الفقه بالنسبة للفقه كعلم المنطق بالنسبة لسائر العلوم الفلسفية، حيث إنه ميزان يضبط العقل، ويمنعه من الخطأ في التفكير. * * * المسألة الثالثة: أهم الفروق بين القواعد الأصولية، والقواعد الفقهية ، هي كما يلي: الأول: إن القواعد الأصولية كلية تضم جميع جزئياتها، بخلاف القواعد الفقهية؛ حيث إنها أغلبية. الثاني: أن القواعد الأصولية أدلة للأحكام الشرعية، بخلاف القواعد الفقهية، حيث إنها مجموعة من الأحكام المتشابهة ترجع إلى علة واحدة تجمعها، والغرض منها هو تسهيل المسائل الفقهية فقط.

стр. 9

الثالث: إن القواعد الأصولية قد وجدت قبل الفروع، بخلاف القواعد الفقهية فإنها قد وجدت بعد وجود الفروع. * * * المسألة الرابعة: موضوع أصول الفقه: هو الأدلة الإجمالية الموصلة إلى الأحكام الشرعية العملية وأقسامها، واختلاف مراتبها وكيفية أخذ الأحكام الشرعية على وجه كلي، فيبحث الأصولي عن العوارض اللاحقة لهذه الأدلة من كونها عامة، أو خاصة، أو مطلقة، أو مقيدة، أو مجملة، أو مبينة، أو منطوقاً، أو مفهوماً وهكذا. وليس موضوع أصول الفقه الأحكام الشرعية؛ لأن الأحكام الشرعية ثمرة الأدلة، وثمرة الشيء تابعة له. * * * المسألة الخامسة: تعلم أصول الفقه فرض عين بالنسبة لمن يريد بتعلم هذه الشريعة الوصول إلى درجة الاجتهاد ، وذلك ليقدر بواسطة تعلم هذا العلم على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، وهو فرض كفاية لطالب العلم بصورة عامة. * * * المسألة السادسة: فوائد علم أصول الفقه هي: الأولى: تعلم طرق استنباط الأحكام للحوادث المتجددة. الثانية: أن من تعلمه فإنه يكون قادراً على الدفاع عن وجهة نظر إمامه؛ حيث إنه بتعلمه لأصول الفقه قد اطلع على مأخذ إمامه وقواعده التي اعتمد عليها ذلك الإمام. الثالثة: أن العارف بالحكم وأدلة هذا الحكم أعظم أجراً من الذي يعلم الحكم بدون أدلته.

стр. 10

الرابعة: أن العارف بالقواعد الأصولية يستطيع أن يدعو إلى الله وإلى دينه بأسلوب مقنع. الخامسة: أن العارف بتلك القواعد يستطيع أن يبين لأعداء الإسلام أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان. السادسة: أنه لا يمكن لأي شخص أن يقوم بتفسير القرآن أو شرح الأحاديث إلا إذا كان عالماً بأصول الفقه؛ حيث لا يمكنه معرفة دلالة النص هل هي قطعية أو ظنية، أو أي نوع من أنواع الدلالات إلا بعد معرفته بأصول الفقه. * * * المسألة السابعة: يقدَّم تعلم أصول الفقه على تعلم الفقه: وذلك ليكون المتعلم على ثقة مما يدخل فيه، ويكون قادراً على فهم مرامي جزئيات الفقه، فالفروع لا تدرك إلا بأصولها، والنتائج لا تعرف حقائقها إلا بعد تحصيل العلم بمقدماتها، وعلى هذا ينبغي أن تحفظ الأدلة، وتحكم الأصول، ثم حينئذِ تبنى عليها الفروع. * * * المسألة الثامنة: المصادر التي استمد منها علم أصول الفقه مادته ثلاثة: الأول: أصول الدين - وهو علم الكلام - وسبب استمداده من هذا العلم هو: توقف الأدلة الشرعية على معرفة البارئ ، وصدق الرسول ﷺ المبلغ عنه فيما قال لتعلم حجيتها وإفادتها للأحكام الشرعية. واستمد منه مسائل مثل: مسألة الحاكم، والتحسين والتقبيح العقليين، والتكليف بما لا يطاق، وتكليف المعدوم ونحوها.

стр. 11

الثاني: علم اللغة العربية، وسبب استمداده من هذا العلم هو: أن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ قد نزلا بلغة العرب، فمحتاج إلى معرفة قدر كبير من اللغة العربية ليستطيع معرفة دلالة الأدلة وفهمها وإدراك معانيها. واستمد منه كثيراً من المسائل ومنها: الأوامر والنواهي، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيد، ومعاني الحروف، والحقيقة والمجاز والاستثناء، والمنطوق والمفهوم، ونحو ذلك. الثالث: الأحكام الشرعية، وسبب استمداده من هذا العلم هو: أن المقصود من هذا العلم إثبات الأحكام الشرعية، فلا بد للأصولي من معرفة قدراً من الفقه والأحكام الشرعية ليتمكن به إيضاح المسائل الأصولية، وتصويرها. * * * المسألة التاسعة: نشأة علم أصول الفقه وطرق التأليف فيه: كان الصحابة ﵃ في زمن النبي ﷺ يرجعون إليه في بيان أحكام الحوادث التي تنزل بهم، فلما توفي ﷺ كان الصحابة يأخذون حكم حوادثهم ونوازلهم من الكتاب والسنة، فإذا لم يجدوا حكمها فيهما، اجتهدوا وأخذوا الحكم عن طريق الاجتهاد بأنواعه، ونهج التابعون ذلك، وزادوا أخذهم بفتاوى الصحابة واجتهاداتهم. ثم بعد ذلك كثر الاجتهاد، وكثرت طرقه، ثم أصبح لكل إمام قواعد قد اعتمدها في الفتوى والاجتهاد، وهؤلاء الأئمة لم يدونوا تلك القواعد التي اعتمدوها في اجتهاداتهم سوى الإمام الشافعي، فقد دوَّنها في كتابه: " الرسالة "، فنبه الشافعي أنظار

стр. 12

العلماء والباحثين إلى متابعة البحث في هذا العلم، حتى أصبح علم أصول الفقه علماً مستقلاً رُتبت أبوابه، وحُررت مسائله، وجُمعت مباحثه، وأُلفت فيه المؤلفات على اختلاف فى الطرق التي اتبعوها في التأليف. وإليك ذكر طرق التأليف في هذا العلم ومميزات كل واحدة. الطريقة الأولى: طريقة الحنفية، وتتميز بأنها تقرر القواعد الأصولية على مقتضى ما نقل من الفروع والفتاوى الصادرة عن أئمة الحنفية المتقدمين كأبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وأبي يوسف وابن أبي ليلى، وزُفر. وسميت هذه الطريقة بطريقة الفقهاء، لأنها أمس بالفقه وأليق بالفروع، ومن أهم كتب هذه الطريقة: الفصول في الأصول للجصاص، وتقويم الأدلة للدبوسي، وأصول البزدوي، وأصول السرخسي، ومسائل الخلاف للصيمري، وميزان الأصول للسمرقندي. الطريقة الثانية: طريقة الجمهور - وهم المالكية، والشافعية، والحنابلة، والمعتزلة -، وتتميز بالميل الشديد إلى الاستدلال العقلي، والبسط في الجدل والمناظرات وتجريد المسائل الأصولية عن الفروع الفقهية، ومن أهم كتب هذه الطريقة: ١ - كتب مالكية: التقريب والإرشاد للباقلاني، وأحكام الفصول للباجي، ومنتهى السول لابن الحاجب، وشرح تنقيح الفصول، والنفائس للقرافي. ٢ - كتب شافعية: الرسالة للشافعي، واللمع، وشرح اللمع، والتبصرة لأبي إسحاق الشيرازي، والبرهان والتلخيص،

стр. 13

والورقات لإمام الحرمين وقواطع الأدلة لابن السمعاني، والمستصفى، والمنخول للغزالي، والوصول إلى الأصول لابن برهان، والإحكام للآمدي، والمحصول لفخر الدين الرازي، ومنهاج الوصول للبيضاوي، والبحر المحيط للزركشي. ٣ - كتب حنبلية: العدة لأبي يعلى، والتمهيد لأبي الخطاب، والواضح لابن عقيل، وروضة الناظر لابن قدامة وقد قمت بتحقيقه في ثلاث مجلدات، ثم شرحته في ثمانية مجلدات. ٤ - كتب ظاهرية: الإحكام لابن حزم، والنبذ له. ٥ - كتب على مذهب المعتزلة: العمد للقاضي عبد الجبار، وشرح العمد والمعتمد لأبي الحسين البصري. الطريقة الثالثة: الجمع بين طريقة الحنفية وطريقة الجمهور؛ حيث إن من سار على هذه الطريقة حقَّق القواعد الأصولية، وأثبتها بالأدلة النقلية والعقلية، وطبق ذلك على الفروع، ومن أهم كتب هذه الطريقة: بديع النظام لابن الساعاتي، وتنقيح أصول الفقه، وشرحه التوضيح لصدر الشريعة، وجمع الجوامع لتاج الدين ابن السبكي، والتحرير لكمال الدين ابن الهمام، ومسلم الثبوت لمحب الدين بن عبد الشكور، والمهذب في أصول الفقه المقارن، وهذا قد قمت بتأليفه وطبع في خمسة مجلدات، وهذا الكتاب وهو الجامع يعتبر من هذه الطريقة. الطريقة الرابعة: تخريج الفروع على الأصول، وهي طريقة: ربط الفروع بالأصول، ومن أهم كتب هذه الطريقة: تخريج الفروع على الأصول للزنجاني، والتمهيد للأسنوي، ومفتاح الوصول للتلمساني، والقواعد والفوائد الأصولية لابن اللحَّام.

стр. 14

الطريقة الخامسة: وهي طريقة عرض أصول الفقه من خلال المقاصد والمفهوم العام الكلي للتكليف، ومن أهم كتب هذه الطريقة الموافقات للشاطبي.

стр. 15

الفصل الثاني في الحكم الشرعي وأقسامه الحكم الشرعي: هو خطاب الله المتعلِّق بفعل المكلَّف اقتضاء، أو تخييراً، أو وضعاً. فالحكم عند الأصوليين هو نفس خطاب الشارع. أما الحكم عند الفقهاء فهو: ما ثبت بالخطاب الشرعي، أي: أثره المترتب عليه، لا نفس النص الشرعي. فمثلاً قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) هو الحكم عند الأصوليين. ووجوب الصلاة هو: الحكم عند الفقهاء. والحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين هما: القسم الأول: الحكم التكليفي هو: خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير.

стр. 16

القسم الثاني: الحكم الوضعي، وهو: خطاب الله تعالى المتعلق بجعل الشيء سبباً لشيء آخر، أو شرطاً له، أو مانعاً منه، أو رخصة، أو عزيمة. وكل قسم يتنوَّع إلى أنواع، إليك بيانها:

стр. 17

القسم الأول الحكم التكليفي وأنواعه الحكم التكليفي هو: خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف اقتضاءاً أو تخييراً. وهو أنواع: - النوع الأول: الواجب. - النوع الثاني: المندوب. - النوع الثالث: المباح. - النوع الرابع: المكروه. - النوع الخامس: الحرام. وإليك بيان كل نوع وما يتعلق به من المسائل:

стр. 18

النوع الأول الواجب وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريف الواجب: الواجب لغة: الساقط، يقال: وجب الحائط: إذا سقط، وهو مرتبط بالحكم الشرعي؛ حيث إنا نتخيل الحكم الواجب جزماً سقط ووقع على المكلف من الله تعالى. والواجب اصطلاحاً هو: ما ذُم تاركه شرعاً مطلقاً. * * * المسألة الثانية: صيغ الواجب هي: ١ - فعل الأمر كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ). ٢ - الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر كقوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ). ٣ - اسم فعل الأمر كقوله تعالى؛ (عَليكم أَنفُسَكم).

стр. 19

٤ - المصدر النائب عن فعل الأمر، كقوله تعالى: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ). ٥ - التصريح من الشارع بلفظ الأمر كقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا). ٦ - التصريح بلفظ الإيجاب أو الفرض، أو الكتب كقوله تعالى: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ)، وقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ). ٧ - كل أسلوب يفيد الوجوب في لغة العرب كقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ). ٨ - ترتيب الذم والعقاب على الترك كقوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ. . .). * * * المسألة الثالثة: " الواجب " و " الفرض " غير مترادفين، ويوجد فرق بينهما. ووجه الفرق: أن " الفرض " اسم لما ثبت حكمه عن دليل مقطوع به، كالآية والحديث المتواتر اللَّذَين قد قطع بدلالتهما على الحكم، والإجماع الصريح الذي نقل إلينا نقلاً متواتراً. أما " الواجب " فهو: اسم لما ثبت حكمه بدليل ظني كخبر الواحد، والإجماع السكوتي، والقياس، وجميع دلالات الألفاظ الظنية. ودل على التفريق: أنه يوجد فرق بينهما من حيث اللغة، فالفرض لغة: الحز في الشيء والتأثير فيه، والوجوب لغة: السقوط. ولا شك أن ما يؤثر آكد من السقوط، فقد يسقط الشيء ولا يؤثر، وعليه: فإنه يجب اختصاص الفرض بقوة في الحكم

стр. 20

كما اختص بقوة في اللغة، حملاً للمقتضيات الشرعية على مقتضياتها اللغوية، لأن الأصل عدم التغيير. ولأن وجود التفاوت بينهما في الآثار والأحكام يجعلنا نخص كل نوع باسم، حيث إن حكم الفرض أنه يكفر جاحده بخلاف الواجب فلا يكفر جاحده، ويفسق تاركه إذا استخف به، أما إذا تأول: فلا، وأن الحج يشتمل على فروض وواجبات، وأن الفرض لا يتم النسك إلا به، والواجب يجبر بدم، وأن الصلاة مشتملة - أيضاً - على فروض وواجبات، والفروض هي الأركان فإذا ترك ركناً كالركوع أو السجود فإن صلاته باطلة ولا يسقط في عمد ولا سهو، ولا تبرأ الذمة إلا بالإعادة، أما إذا ترك واجباً من واجباتها فإنه يجبر بسجود السهو، وصلاته صحيحة، ولكنها ناقصة. ولأن هناك فرقاً بينهما عن طريق العقل؛ حيث إن كل عاقل يجد في عقله أن صلاة الظهر آكد من الصلاة المنذورة، والزكاة آكد من النذر في الصدقة وإن كانتا لازمتين، وعلى هذا: فإنه ينبغي أن يفرق ما هو آكد عما هو دونه باسم يعرف به، فيجعل اسم الفرض لما هو آكد، والوجوب لما هو دونه فرقاً بين الاثنين. * * * المسألة الرابعة: الواجب باعتبار ذاته - أي: بحسب الفعل المكلَّف به - ينقسم إلى قسمين:

стр. 21

القسم الأول: الواجب المعيَّن، وهو: ما طلبه الشارع طلباً جازماً بعينه دون تخيير بينه وبين غيره كالصلوات الخمس، والصيام. القسم الثاني: الواجب المخيَّر، وهو: ما طلبه الشارع طلباً جازماً لا بعينه، بل خير الشارع في فعله بين أفراده المعينة المحصورة، مثل: تخيير المكلف بين خصال كفارة اليمين، وتخيير الإمام في حكم الأسرى بين المن والفدى وغير ذلك. والخطاب في الواجب المعين قد تعلق بواحد معين. والخطاب في الواجب المخير قد تعلق بواحد مبهم من الأمور المخير بينها. فالمكلف مخير في تحقيق الخطاب في أي فرد من الأفراد المعينة المخير بينها، وقلنا ذلك؛ لوقوعه شرعاً؛ حيث وقع التخيير بين واجبات في الشرع كما سبق في الأمثلة. ولأن العقل لا يمنع من ذلك، فلو قال السيد لعبده أمرتك أن تشتري لحماً أو سمناً، لكان هذا قولاً معقولاً، فيكون الواجب على العبد أحد الأمرين، لا كلاهما، ولا واحد بعينه. * * * المسألة الخامسة: شروط الواجب المخير: الأول: أن تكون الأشياء المخير بينها معلومة للمخاطَب

стр. 22

ومحصورة ومعينة؛ حتى يحيط المكلف بها ويوازن بينها. الشرط الثاني: أن تتساوى تلك الأشياء المخيَّر بينها في الرتبة؛ فيخير بين واجب وواجب، ولا يجوز التخيير بين واجب ومندوب. ْالشرط الثالث: أن لا يخيَّر بين شيئين متساويين تمام التساوي بحيث لا يتميز أحدهما عن الآخر، كما لو خير بين أن يصلي أربع ركعات وبين أن يصلي أربع ركعات، بل لا بد أن تكون الأشياء المخير بينها، تتميز بعضها عن بعض. الشرط الرابع: أن يتعلق التخيير بما يستطيع فعله، فلا يصح التخيير بين شيء يستطيعه، وآخر لا يستطيعه. * * * المسألة السادسة: الواجب باعتبار وقته الذي يقع فيه ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الواجب غير المؤقت وهو الواجب المطلق، وهو الفعل الذي طلب الشارع إيقاعه من المكلف طلباً جازماً ولم يحدد وقتاً لأدائه وإيقاعه فيه مثل: كفارة اليمين، والوفاء بالنذر، والحج عند بعض العلماء، وقضاء العبادات التي فاتت من غير تقصير عند بعض العلماء، فإن جميع ذلك تجب في جميع العمر، وليست نهايته معلومة للمكلف. تنبيه: يتضيق الوقت في الواجب المطلق إذا غلب على ظن

стр. 23

المكلف عدم البقاء إلى آخر الوقت، فيجب - حينئذ - أن يفعل ذلك الواجب قبل ذلك الوقت الذي غلب على ظنه عدم البقاء إليه، وقلنا ذلك لأنه لا يمكن أن يؤخَّر الفعل مطلقاً، لأنه يلزم منه: أن لا يكون واجباً، فلا بد من تأخير الفعل إلى زمن معين لا يجوز التأخير عنه، ولا يمكن ذلك إلا إذا عين هذا الزمن بعلامة أو أمارة، ولا يوجد معيِّن لذلك سوى أن يغلب على ظنه عدم البقاء إلى آخر الوقت، وعلى ذلك فإن المكلف يعصي في هذا بمجرد التأخير عن وقت يظن عدم بقاءه بعده. تنبيه ثان: إذا لم يغلب على ظنه الموت في وقت محدَّد، ثم أخر فعله بدون عذر فمات فإنه يعصِ، لأن المكلف كان يمكنه المبادرة وفِعل الواجب أثناء حياته فلم يفعل، فالتمكن موجود، والوجوب محقَّق مع التمكن فيعصي. القسم الثاني: الواجب المؤقت، وهو: الفعل الذي طلب الشارع إيقاعه من المكلف طلباً جازماً، وحدَّد له وقتاً معيناً لأدائه وإيقاعه به، وهو شيئان: الشيء الأول: الواجب المضيَّق، وهو: الفعل الذي طلب الشارع إيقاعه من المكلف طلباً جازماً وحدَّد وقت أدائه بحيث يسعه ولا يسع غيره من جنسه، مثل: صيام يوم من رمضان، ومعروف أن اليوم يبدأ من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، وهذا الوقت الذي بينهما له لوحده، ولا يتسع لفعل شيء آخر معه، ويمثل له الشافعية بوقت صلاة المغرب على القول الجديد.

стр. 24

الشيء الثاني: الواجب الموسع وهو: الفعل الذي طلب الشارع من المكلف إيقاعه طلباً جازماً وحدَّد وقت أدائه بحيث يسعه ويسع غيره من جنسه، مثل: صلاة الظهر؛ حيث إن الشارع قد ألزم المكلف بفعلها في وقت محدد يزيد عن وقت أدائها بحيث يمكن فعلها فيه عدة مرات، فيجوز - على هذا - للمكلف أن يصلي الظهر في أول الوقت، أو في وسطه، أو في آخره. * * * المسألة السابعة: الواجب الموسع ثابت عندنا؛ لعموم قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)، حيث إن هذا الأمر عام يتناول جميع أجزاء الوقت المذكور من غير إشعار بالتخصيص ببعض أجزائه. ولأن جبريل ﵇ قد صلَّى بالنبي ﷺ في أول الوقت وآخره، وقال له - بعد ذلك -: " يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين ". وهذا يفيد تخيير المكلف في أداء الصلاة في أي جزء من أجزاء الوقت المحدد لها، أي: أن الإيجاب يتناول جميع أجزاء الوقت، وليس تعيين بعض أجزاء الوقت للوجوب أولى من تعيين البعض الآخر. وللقياس على الواجب المخير، فكما أنه جاز التخيير بين أفراد الواجب في الواجب المخير - كخصال كفارة اليمين -

стр. 25

فكذلك يجوز التخيير بين أجزاء الوقت في الواجب الموسع كالصلاة ولا فرق، بجامع: حصول المصلحة، وسقوط الفرض. * * * المسألة الثامنة: لا يجوز ترك الفعل في أول الوقت في الواجب الموسع - إلا بشرط العزم على فعله في وسط أو آخر الوقت، فإذا جاء آخر الوقت وهو لم يفعل الواجب فحينئذٍ تعيَّن فعله، لأن القائل، بجواز تأخير الفعل بدون بدل، وهو العزم يقال له: " لما لم يفعل المكلف الواجب في أول الوقت ما هي نيته؟ " فإما أن يقول: لا نية له، أو يقول: له نية. فإن قال: لا نية له فهذا لا يصح؛ لأنه لا بد لكل عبادة من نية. وإن قال: له نية، فنقول له: إما أن تكون نيته ترك فعله أو أن تكون نيته فعله فيما بعد. فإن كان الأول - وهو كون نيته ترك فعله - فلا يصح، لأنه عزم على الترك، وهو معصية، وترك المعصية واجب. فلم يبق إلا الثاني - وهو كون نيته عمله فيما بعد - وهو الصحيح، فيكون قد عزم على فعله، وهو المطلوب. وللقياس على الواجب المخيَّر، فكما أنه لا يجوز للمكلَّف

стр. 26

ترك أي خصلة من خصال الواجب المخير إلا بشرط النية على فعل غيرها، فكذلك لا يجوز ترك الفعل في الجزء الأول من الوقت - من الواجب الموسع - إلا بشرط النية - وهي العزم - على فعله في الجزء الأوسط، أو الأخير من الوقت. * * * المسألة التاسعة: يتضيَّق الوقت في الواجب الموسع بطريقين: الطريق الأول: بالانتهاء إلى آخر الوقت بحيث لا ينفصل زمانه عنه. الطريق الثاني: بغلبة الظن بعدم البقاء إلى آخر الوقت، فإنه مهما غلب ذلك على ظنه فإنه يجب عليه الفعل، كما لو كانت المرأة تعرف أن الحيض يأتيها في ساعة معينة من الوقت، فيتضيق الوقت عليها، فيجب عليها الفعل قبل ذلك الوقت. وبناء على ذلك: فإن المكلف يعصي إذا أخره عن ذلك الوقت الذي غلب على ظنه أنه لا يبقى إليه. * * * المسألة العاشرة: إذا أخَّر المكلَّف الفعل في الواجب الموسع عن أول الوقت مع غلبة ظن السلامة إلى آخر الوقت، فمات فجأة أثناء الوقت الموسع، فإنه لم يمت عاصياً؛ لأن الواجب الموسع يجوز تركه

стр. 27

في أول الوقت ليعمله في آخر وقته المحدد، وقد جاز الترك مع عدم علمه بالعاقبة، فقد فعل ما له فعله فكيف يعصي؟ * * * المسألة الحادية عشرة: إذا فعل المكلف الفعل في الوقت الذي غلب على ظنه أنه لا يعيش إليه، فالفعل يكون أداء لا قضاء، لأن الفعل قد وقع في وقته المحدد له شرعاً، وهذه حقيقة الأداء. ولأنه بانَ خطأ ظنه، ولا عبرة بالظن الذي بانَ خطؤه. * * * المسألة الثانية عشرة: الواجب بالنظر إلى تقديره وتحديده بحد معين ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الواجب المحدَّد، وهو: الفعل الذي طلبه الشارع طلباً جازماً وقدره بمقدار معين وفضله وميَّزه عن غيره، مثل الصلوات الخمس، فقد حددت كل صلاة بركعات محددة، ومثل زكاة الأموال، وصيام رمضان، والنذر لمن حدده، وغسل اليدين والرجلين ونحو ذلك. فالمكلف - في هذا القسم - لا يفعل شيئاً زائداً على الفعل المحدد والمعين، وإذا توقف وجوده على شيء يكون ما توقف عليه واجباً؛ لأنه لا تبرأ الذمة إلا بأدائه بمقداره الذي قدَّره

стр. 28

الشارع، وهو من باب ما لا يتم الواجب إلا به، فيكون واجباً. القسم الثاني: الواجب غير المحدَّد، وهو: الذي لم يُحدده الشارع، ولم يقدره بقدر معين، مثل: الطمأنينة في الركوع والطمأنينة في السجود، ومدة القيام، ومدة القعود، وذلك في الصلاة، حيث وجبت الطمأنينة في الركوع والسجود - مثلاً - ولكن لم يقدر الشارع مدة هذه الطمأنينة. فالمكلف - هنا - يستطيع أن يزيد على أقل الواجب بحيث تكون هذه الزيادة لا تنفصل عن حقيقة الواجب، مثل: الزيادة، في الطمأنينة في الركوع والسجود، والزيادة في مدة القيام وفي مدة القعود. وهذه الزيادة مندوبة، لأن الواجب لا يجوز تركه إلا بشرط البدل، وهو: العزم على الفعل في آخر الفعل في الواجب الموسع، أو فعل غيره من الخصال المخير بينها في الواجب المخيَّر، وهذه الزيادة في الطمأنينة - مثلاً - على أقل الواجب يجوز تركها بلا شرط ولا بدل، وهذا هو حدُّ الندب، فتكون الزيادة مندوبة. * * * المسألة الثالثة عشرة: ْ الواجب باعتبار فاعله والمخاطبين به ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الواجب العيني، وهو: ما يتحتَم أداؤه على

стр. 29

مكلف بعينه، أو هو: ما طلب حصوله من عين كل واحد من المكلفين كالصلاة والصيام. وسُمِّي بذلك؛ لأن الفعل الذي تعلق به الإيجاب منسوب إلى العين والذات، باعتبار أن ذات الفاعل مقصودة، فيلزم الإتيان به من كل واحد بعينه، بحيث لا تبرأ ذمته إلا بفعله. القسم الثاني: الواجب الكفائي، وهو: ما يتحتَّم أداؤه على جماعة من المكلَّفين، لا من كل فرد منهم، بحيث إذا قام به بعض المكلفين فقد أدِّي الواجب، وسقط الإثم والحرج عن الباقين، مثل: الجهاد في سبيل الله إن لم يكن النفير عاماً، والصلاة على الميت، وتغسيله، وتكفينه، ورد السلام، وإنقاذ الغرقى، وسُمِّي بذلك؛ لأنه منسوب إلى الكفاية والسقوط من حيث إن فعله من أي فاعل أسقط طلبه عن الآخرين، وإذا لم يؤدِّه أحد فإن الإثم يلحق جميع المكلفين. والقصد من الفعل الكفائي هو: وقوع الفعل نفسه لما يترتب عليه من جلب مصلحة، أو دفع مفسدة بقطع النظر عمَّن يقع منه. * * * المسألة الرابعة عشرة: فرض العين أفضل من فرض الكفاية. لأن فرض العين مفروض حقاً للنفس، فهو أهم عندها من فرض الكفاية وأكثر مشقة، بخلاف فرض الكفاية فإنه مفروض حقاً للكافة، ولأمر إذ عمَّ خفَّ، وإذ خُصَّ ثقل، قال بعض العلماء: إن من عليه فرض عين فاشتغل بفرض كفاية وزعم أن مقصوده الحق فهو كذاب، ومثاله: من ترك الصلاة، واشتغل في

стр. 30

تحصيل الثياب ونسجها قصداً لستر العورات، والأمثلة كثيرة في هذه الأزمنة الأخيرة، يتركون الواجبات العينية عليهم، ويفعلون الواجب الكفائي، أو المندوبات، ومنهم من ترك وظيفته وعمله الرسمي للنصح في المساجد، أو للاعتكاف في المسجد الحرام، أو نحو ذلك. * * * المسألة الخامسة عشرة: فرض الكفاية لا يلزم بالشروع فيه إلا في حالتين: الحالة الأولى: الجهاد في سبيل الله، لأنه إذا شرع في الجهاد ثم ترك الصف ففي ذلك كسر لقلوب الجند، وعدم حثهم على القتال. الحالة الثانية: الصلاة على الجنازة، لأن الانسحاب من ذلك فيه هتك لحرمة الميت، كمن قام من مجلس مسلم بدون إذنه. * * * المسألة السادسة عشرة: المخاطب بفرض الكفاية هو: جميع المكلفين، وفعل بعضهم هذا الواجب مسقط للطلب من الباقين، لأنه لو لم يقم به أحد لترتب على ذلك: أن الجميع يأثمون - كما قلنا فيما سبق - فتأثيم الجميع موجب لتكليفهم جميعاً، لأنه لا يمكن أن يؤاخذ المكلف على شيء لم يكلف به، فدل على أن وجوبه على الجميع.

стр. 31

المسألة السابعة عشرة: ما لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب مطلقاً، أي: سواء كان سبباً شرعياً مثل: الصيغة للعتق الواجب، أو سبباً عقلياً مثل: النظر المحصل للعلم الواجب، أو سبباً عادياً كحز الرقبة بالنسبة إلى القتل، أو شرطاً شرعياً كالوضوء للصلاة، أو شرطاً عقلياً كترك أضداد المأمور به، أو شرطاً عادياً كغسل جزء من الرأس مع الوجه ليتحقق غسل كل الوجه. وقلنا ذلك لأن الواقع يشهد له، حيث إن السيد لو قال لعبده: " أعطني ماء " ولا يوجد الماء إلا في البئر، فإنه لا يمكن أن يحضر الماء لسيده إلا بسحب الماء من البئر برشاء ودلو، فيلزمه - حينئذٍ - إحضار الرشاء والدلو ليسحب بهما الماء، وذلك ليفعل ما أمره به سيده إذا كان له طريق إليه، فلا يجوز له تركه - مع القدرة عليه - وإلا لاستحق العقوبة من السيد، فوجب عليه إحضار السبب وهو: الرشاء والدلو، حيث إنه بهما يمكنه تنفيذ أمر سيده، وهو جلب الماء، لأنه لا يمكن إحضار الماء إلا بهما، فلذلك وجبا، فينتج: أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

стр. 32

النوع الثاني المندوب وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريف المندوب: المندوب لغة مأخوذ من الندب، وهو: الدعاء إلى أمر مهم. والمندوب اصطلاحاً هو: المطلوب فعله شرعاً من غير ذم على تركه مطلقاً. * * * المسألة الثانية: صيغ المندوب هي كما يلي: ١ - كل أمر صريح إذا وجدت قرينة تصرفه من الوجوب إلى الندب، كقوله تعالى: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا)، فإن هذا الأمر للندب، والقرينة الصارفة هي السنة التقريرية. ٢ - التصريح بأن ذلك سنة كقوله ﷺ : " وسننت لكم قيامه " - يقصد رمضان -.

стр. 33

٣ - التصريح بالأفضلية الوارد من الشارع، كقوله في غسل الجمعة: " ومن اغتسل فالغسل أفضل ". ٤ - كل عبارة تدل على الترغيب، ومنه قوله ﵇ لبريرة: " لو راجعتيه ". * * * المسألة الثالثة: أسماء المندوب: المستحب، والتطوع، والسنة، والإحسان، والمرغَّب فيه، وكلها أسماء مترادفة، حيث إنها أسماء لمسمَّى واحد، وهو: الفعل المطلوب طلباً غير جازم. * * * المسألة الرابعة: المندوب مأمور به حقيقة: لأن المندوب يدخل في حقيقة الأمر كما دخل الواجب، حيث إن حقيقة الأمر هي: استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء، والجامع بينهما: أن كلاً منهما مستدعى ومطلوب، فتصدق عليهما حقيقة الأمر. ولأنه قد أطلق الأمر على المندوب في الكتاب والسنة واستُعمل، والأصل في الاستعمال والإطلاق الحقيقة، فيكون المندوب مأموراً به حقيقة، من ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى)، فقد أمر هنا بواجب وهو: العدل، وأمر بمندوبين وهما: الإحسان، وإعطاء ذي القربى، ومن ذلك ما قالته أم عطية ﵂: أمرنا

стр. 34

النبي ﷺ أن نخرج في العيدين العواتق "، ومعروف أن ذلك ليس بواجب. * * * المسألة الخامسة: المندوب من الأحكام التكليفية: لأن التكليف طلب ما فيه كلفة ومشقة، وفعل المندوب رغبة في الثواب واحتياطاً للدين فيه مشقة، وتركه فيه مشقة على المكلف القوي الإيمان، نظراً لفوات الثواب الجزيل وربما كان ذلك أشق عليه من الفعل. * * * المسألة السادسة: المندوب لا يلزم بالشروع فيه: حيث يجوز تركه وقطعه متى ما شاء؛ في غير مندوب الحج والعمرة؛ حيث يجب فيهما الإتمام، وقلنا لا يلزم المندوب بالشروع فيه، لصريح قوله ﷺ : " الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر ". ولفعل النبي ﷺ ؛ حيث أكل من الحيس الذي أهدي لعائشة ﵂ ثم قال: " كنت أصبحت صائماً "، ولإجماع الصحابة السكوتي، حيث إن بعض الصحابة - كأبي الدرداء، وأبي طلحة، وأبي هريرة، وابن عباس، وحذيفة - كانوا يصومون

стр. 35

تطوعاً، ثم يقطعون ذلك - فيما ثبت عنهم - من غير نكير من بقية الصحابة، إذ لو حصل إنكار لنقل، وبلغنا، وما دام أنه لم يبلغنا إنكار، فإن هذا يكون إجماعاً منهم على جوازه. وللقياس، وهو قياس وسط المندوب وآخره على أوله: فكما أن المكلف مخير في الابتداء بين أن يشرع فيه وبين عدم الشروع، لكونه نفلاً، فكذلك هو مخيَّر في الوسط والانتهاء، إن شاء أتمَّه، وإن شاء قطعه.

стр. 36

النوع الثالث المباح وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريف المباح: المباح لغة: الإطلاق والإذن، يقال: " أباح الأكل من بستانه "، أي: أذن بالأكل منه. المباح اصطلاحاً: ما أذن الله - تعالى - للمكلفين في فعله وتركه مطلقاً من غير مدح ولا ذم في أحد طرفيه لذاته. * * * المسألة الثانية: صيغ المباح هي: ١ - لفظ: " أحل "، كقوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ). ٢ - لفظ: " لا جناح "، كقوله تعالى: " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ". ٣ - لفظ: " لا حرج "، كقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ). . . وقوله ﷺ : " افعل ولا حرج ".

стр. 37

٤ - صيغة الأمر التي صرفت من اقتضائها للوجوب والندب إلى الإباحة بسبب قرينة اقترنت بها، كقوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ)، فهذا الأمر للإباحة، والقرينة الصارفة هي: منع الفعل قبل ذلك في قوله تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)، حيث إنه كان الانتشار للبيع ممنوعاً ثم أباحه بعد انتهاء الصلاة. * * * المسألة الثالثة: المباح من الشرع أي: حكم شرعي؛ قياساً على بقية الأحكام الشرعية كالواجب والمندوب، فكما أن تلك من الأحكام شرعية فكذلك المباح، ولا فرق بينه وبينها، بجامع: أن كلاً منها متوقف في وجوده على الشرع. * * * المسألة الرابعة: حكم الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع الإباحة، لتصريحه بلام التمليك في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)، حيث إن الله تعالى قد خصنا بما في الأرض وملكنا إياها، فلا بد أن نتحصل على فائدة الملك، وهي: الانتفاع بها. ولتصريحه بالمحرم في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)، وقوله: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ)، فهنا جعلت الإباحة أصلاً في هذه الأشياء

стр. 38

إلا ما صرح الله تعالى بتحريمه، ولصريح قوله ﷺ لما سئل عن حكم السمن والجبن: " الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفي عنه "، فهنا قد بيَّن الشارع أنه قد عفى لمن فعل المسكوت عنها ولمن تركها، وهذا هو معنى الإباحة. * * * المسألة الخامسة: المباح غير مأمور به من حيث هو مباح: لوجود الفرق بين معنى الأمر، ومعنى الإباحة، فمعنى الأمر: اقتضاء الفعل من المأمور به، والمطالبة به، والنهي عن تركه، ومعنى الإباحة: الإذن في الفعل والترك، فيعلم كل عاقل - من ذلك - الفرق بين أن يأذن الله في الفعل وبين أن يأمره به، وأنه إذا أذن له فليس بمقتض له، وإذا أمره به فليس هذا إذن، فإذا أثبت الفرق: لزم من ذلك أن المباح غير مأمور به. * * * المسألة السادسة: الإباحة ليست تكليفاً: لأن التكليف هو: طلب ما فيه كلفة ومشقة بصيغة الأمر أو النهي، والإباحة ليس فيها مشقة جازمة كمشقة الوجوب والتحريم، ولا مشقة غير جازمة كمشقة الندب،

стр. 39

وهي مشقة فوات الفضيلة، فالمكلف في المباح، مخير بين الفعل والترك مطلقاً، وهذا لا تكليف فيه، فإن قال قائل: إذا كان المباح لا تكليف فيه فما سبب وضعه ضمن الأحكام التكليفية؟ أقول: إنه وضع ضمن الأحكام التكليفية؛ لأنه يختص بالمكلفين، أي: أن الإباحة والتخيير لا يكون إلا ممن يصح إلزامه بالفعل أو الترك، أما غيره - كالمجنون والصبي - فلا يسمَّى ما يفعلونه أو يتركونه مباحاً. * * * المسألة السابعة: المباح ليس بجنس للواجب ولا هو داخل فيه؛ لوجود الفرق بين الواجب والمباح في الحقيقة. فالمباح مطلق الفعل ومطلق الترك، فلا فرق فيه بين الترك والفعل، أما الواجب فهو ما ذُم تاركه شرعاً مطلقاً كما سبق بيان ذلك في تعريفهما. * * * المسألة الثامنة: المباح يُسمى حسناً، لأن الشارع رفع الحرج عن فعله، وكل ما رُفع الحرج عن فعله فإنه يكون حسناً، فالمباح يكون حسناً.

стр. 40

النوع الرابع المكروه وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريف المكروه: المكروه لغة: ضد المحبوب، تقول: " كرهت الشيء " إذا لم تحبه، والكره: المشقة، فالمكروه يكون: ما نفر عنه الشرع والطبع، لأن الطبع والشرع لا ينفران إلا عن مشقة وشدة تلحق بالمكلف. والمكروه اصطلاحاً هو: ما تَركُه خير من فعله، ولا عقابْ في فعله. * * * المسألة الثانية: الصيغ التي تستعمل وتدل على الكراهة هي: ١ - لفظ " كره " وما يشتق منها، ومنه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال ".
следующие страницы →