← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29884

الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقاتها على المذهب الراجح

عبد الكريم النملة

Полный текст (415 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

النوع الثالث المباح وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريف المباح: المباح لغة: الإطلاق والإذن، يقال: " أباح الأكل من بستانه "، أي: أذن بالأكل منه. المباح اصطلاحاً: ما أذن الله - تعالى - للمكلفين في فعله وتركه مطلقاً من غير مدح ولا ذم في أحد طرفيه لذاته. * * * المسألة الثانية: صيغ المباح هي: ١ - لفظ: " أحل "، كقوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ). ٢ - لفظ: " لا جناح "، كقوله تعالى: " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ". ٣ - لفظ: " لا حرج "، كقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ). . . وقوله ﷺ : " افعل ولا حرج ".

стр. 37

٤ - صيغة الأمر التي صرفت من اقتضائها للوجوب والندب إلى الإباحة بسبب قرينة اقترنت بها، كقوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ)، فهذا الأمر للإباحة، والقرينة الصارفة هي: منع الفعل قبل ذلك في قوله تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)، حيث إنه كان الانتشار للبيع ممنوعاً ثم أباحه بعد انتهاء الصلاة. * * * المسألة الثالثة: المباح من الشرع أي: حكم شرعي؛ قياساً على بقية الأحكام الشرعية كالواجب والمندوب، فكما أن تلك من الأحكام شرعية فكذلك المباح، ولا فرق بينه وبينها، بجامع: أن كلاً منها متوقف في وجوده على الشرع. * * * المسألة الرابعة: حكم الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع الإباحة، لتصريحه بلام التمليك في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)، حيث إن الله تعالى قد خصنا بما في الأرض وملكنا إياها، فلا بد أن نتحصل على فائدة الملك، وهي: الانتفاع بها. ولتصريحه بالمحرم في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)، وقوله: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ)، فهنا جعلت الإباحة أصلاً في هذه الأشياء

стр. 38

إلا ما صرح الله تعالى بتحريمه، ولصريح قوله ﷺ لما سئل عن حكم السمن والجبن: " الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفي عنه "، فهنا قد بيَّن الشارع أنه قد عفى لمن فعل المسكوت عنها ولمن تركها، وهذا هو معنى الإباحة. * * * المسألة الخامسة: المباح غير مأمور به من حيث هو مباح: لوجود الفرق بين معنى الأمر، ومعنى الإباحة، فمعنى الأمر: اقتضاء الفعل من المأمور به، والمطالبة به، والنهي عن تركه، ومعنى الإباحة: الإذن في الفعل والترك، فيعلم كل عاقل - من ذلك - الفرق بين أن يأذن الله في الفعل وبين أن يأمره به، وأنه إذا أذن له فليس بمقتض له، وإذا أمره به فليس هذا إذن، فإذا أثبت الفرق: لزم من ذلك أن المباح غير مأمور به. * * * المسألة السادسة: الإباحة ليست تكليفاً: لأن التكليف هو: طلب ما فيه كلفة ومشقة بصيغة الأمر أو النهي، والإباحة ليس فيها مشقة جازمة كمشقة الوجوب والتحريم، ولا مشقة غير جازمة كمشقة الندب،

стр. 39

وهي مشقة فوات الفضيلة، فالمكلف في المباح، مخير بين الفعل والترك مطلقاً، وهذا لا تكليف فيه، فإن قال قائل: إذا كان المباح لا تكليف فيه فما سبب وضعه ضمن الأحكام التكليفية؟ أقول: إنه وضع ضمن الأحكام التكليفية؛ لأنه يختص بالمكلفين، أي: أن الإباحة والتخيير لا يكون إلا ممن يصح إلزامه بالفعل أو الترك، أما غيره - كالمجنون والصبي - فلا يسمَّى ما يفعلونه أو يتركونه مباحاً. * * * المسألة السابعة: المباح ليس بجنس للواجب ولا هو داخل فيه؛ لوجود الفرق بين الواجب والمباح في الحقيقة. فالمباح مطلق الفعل ومطلق الترك، فلا فرق فيه بين الترك والفعل، أما الواجب فهو ما ذُم تاركه شرعاً مطلقاً كما سبق بيان ذلك في تعريفهما. * * * المسألة الثامنة: المباح يُسمى حسناً، لأن الشارع رفع الحرج عن فعله، وكل ما رُفع الحرج عن فعله فإنه يكون حسناً، فالمباح يكون حسناً.

стр. 40

النوع الرابع المكروه وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريف المكروه: المكروه لغة: ضد المحبوب، تقول: " كرهت الشيء " إذا لم تحبه، والكره: المشقة، فالمكروه يكون: ما نفر عنه الشرع والطبع، لأن الطبع والشرع لا ينفران إلا عن مشقة وشدة تلحق بالمكلف. والمكروه اصطلاحاً هو: ما تَركُه خير من فعله، ولا عقابْ في فعله. * * * المسألة الثانية: الصيغ التي تستعمل وتدل على الكراهة هي: ١ - لفظ " كره " وما يشتق منها، ومنه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال ".

стр. 41

٢ - لفظ: " بغض " وما يشتق منها، ومنه قوله ﷺ : " أبغض الحلال إلى الله الطلاق ". ٣ - لفظ النهي: " لا تفعل "، إذا اقترنت بها قرينة تصرفها عن التحريم إلى الكراهة، كقوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ). فالنهي عن السؤال للكراهة، والقرينة الصارفة من التحريم إلى الكراهة هي آخر الآية، حيث قال تعالى: (وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (١٠١). * * * المسألة الثالثة: إطلاقات المكروه: بعض العلماء يطلق لفظ: " مكروه " على ما نهي عنه نهياً تنزيهياً، وهو الذي ذكرنا تعريفه، وإذا أطلق لفظ المكروه انصرف إلى هذا. وبعضهم يطلق لفظ " مكروه " ويريد به الحرام، وقد روي هذا الإطلاق عن الأئمة الثلاثة - مالك، والشافعي، وأحمد ﵏ جميعاً - وذلك تورعاً منهم وحذراً من الوقوع تحت طائلة النهي الوارد في قوله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ)، وهذا كان من أسباب غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة كما قال ابن القيم ﵀. وبعضهم يطلقه ويريد به: ما وقعت الشبهة في تحريمه وإن كان غالب الظن حله، كأكل لحم الضبع.

стр. 42

المسألة الرابعة: المكروه منهي عنه حقيقة: لأن لفظ " النهي " تطلق على ما نهي عنه لحرمته، وتطلق على ما نهي عنه لكراهته، ولا فرق بينهما في الاستعمال إلا في العقاب على فعل الحرام، دون المكروه. * * * المسألة الخامسة: المكروه ليس من التكليف: لأن التكليف إنما يكون بما فيه كلفة ومشقة، والمكروه لا كلفة فيه ولا مشقة - كما بانَ من تعريف المكروه - حيث إن المكلف إذا ترك الفعل المكروه فله أجر، وإن لم يتركه فلا إثم عليه.

стр. 43

النوع الخامس الحرام وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريف الحرام: الحرام لغة: الممنوع، يقال: " حرمه الشيء " إذا منعه إياه، والحرام اصطلاحاً: ما ذُم فاعله شرعاً. * * * المسألة الثانية: صيغ الحرام هي كما يلي: ١ - لفظ " التحريم " ومشتقاتها، كقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ). ٢ - صيغة النهي المطلق، كقوله تعالى: (وَلَا تقربُوا الزِّنَا). ٣ - التصريح بعدم الحل، كقوله ﷺ : " لا يحل دم امرئ مسلم. . . ". ٤ - أن يرتب الشارع على فعل شيء عقوبة، فيدل هذا على أن هذا الفعل حرام، كقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا).

стр. 44

المسألة الثالثة: يجوز أن يكون الواحد بالنوع واجباً وحراماً، مثل: " السجود " حيث إنه واحد بالنوع، فمنه: سجود واجب هو السجود لله تعالى، ومنه سجود حرام وهو: السجود لغير الله تعالى، ولا تناقض في ذلك، وذلك لتغايرهما بالشخصية، فيكون بعض أفراده واجباً كالسجود لله، وبعضها حراماً كالسجود لغيره، قال تعالى: (لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ). * * * المسألة الرابعة: يمتنع أن يكون الواحد بالعين حراماً واجباً من جهة واحدة، كقوله: " اعتق هذا العبد لا تعتق هذا العبد " ويقصد معيَّناً؛ وذلك لتضادهما وتنافيهما وتناقضهما، وهو من باب تكليف ما لا يطاق، وهو لا يجوز، لقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا). * * * المسألة الخامسة: يجوز أن يكون الواحد بالعين حراماً واجباً من جهتين، كالصلاة في الدار المغصوبة فإنها صحيحة؛ لأن الفعل - وهو الصلاة - مطلوب الفعل، والمكان المصلى فيه مطلوب الترك؛ حيث إنه مغصوب، فيكون متعلق الأمر والنهي غير متَحِد.

стр. 45

فالصلاة من حيث هي صلاة مأمور بها - بقطع النظر عما يلحقها من مكان أو غيره، والغصب من حيث هو غصب منهي عنه - بقطع النظر عما يلابسه من أفعال الصلاة، فتكون - على هذا - الصلاة معقولة بدون الغصب، والغصب معقول بدون الصلاة، فيمكن وجود أحدهما بدون الآخر؛ قياساً على الصلاة منفردة، وعلى الغصب منفرد، فيجب أن يثبت للصلاة حكمها - وهو الأجر - ويثبت للغصب حكمه - وهو الإثم - كما لو كانا منفردين، فالجمع بينهما لا يقلب حقيقتهما في أنفسهما. * * * المسألة السادسة: يجوز أن يحرم واحداً لا بعينه - وهو الحرام المخيَّر - لأنه واقع شرعاً؛ حيث ثبت تحريم إحدى الأختين لا بعينها، ولأنه لا يمتنع عقلاً أن يقول السيد لعبده: " لا تكلم زيداً أو عمراً "، فلا يفهم من ذلك تحريم تكليم واحد بعينه، ولا تحريم تكليم زيد وعمرو، فلم يبق إلا أنه حرم عليه كلام أحدهما لا بعينه. * * * المسألة السابعة: الأمر بالشيء المعين نهي عن ضد ذلك الشيء المعين من جهة المعنى، سواء كان له ضد واحد، أو أضداد؛ لأنه لا يمكن

стр. 46

أن نتوصل إلى فعل المأمور به إلا بترك ضده، فوجب أن يكون الأمر به نهياً عن ضده، وهو من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فلو قال له: " قم "، لا يمكنه فعل القيام إلا بترك ما يضاد القيام، فوجب - على هذا - أن يكون هذا نهياً عن القعود، والركوع والاضطجاع ونحو ذلك.

стр. 47

التكليف وشروطه وما يتعلق به وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريف التكليف: التكليف لغة هو: المشقة، ويطلق على الأمر بما يشق عليك، فهو إذاً: الأمر بما فيه كُلفة. التكليف اصطلاحاً هو: الخطاب بأمر أو نهي. * * * المسألة الثانية: يشترط في المكلف أن يكون بالغاً، عاقلاً، فاهماً للخطاب. فخرج بشرط البلوغ: الصبي، وإن كان عاقلاً فاهماً للخطاب، فإنه لا يمكن تكليفه. وخرج بشرط العقل: المجنون وإن كان بالغاً، فإنه لا يمكن تكليفه. وخرج بشرط الفهم: النائم والغافل والساهي، فإنه لا يمكن

стр. 48

تكليف هؤلاء لعدم الفهم - وهم في حالتهم تلك. * * * المسألة الثالثة: الصبي غير المميِّز بين الأشياء وهو ما دون سبع سنوات - غير مكلف، لعدم فهمه للخطاب الوارد من الشارع وإدراكه لمقتضاه، فلا يمكن أن يعمل عملاً وهم لم يعرف المراد منه، ولعدم صحة النية والقصد منه، فلا يقبل أيُّ عملٍ إلا بنية. * * * المسألة الرابعة: الصبي المميز بين الأشياء وهو من تجاوز سن السابعة من عمره - غير مكلف، لأن هذا وإن كان مميزاً بين حقائق الأمور إلا أنه لا يمكن تكليفه؛ لأننا لا نعرف متى ميَّز، ومتى فهم الخطاب؛ لأن الفهم يتزايد تزايداً غير واضح، فلا يمكن له ولا لغيره. أن يقف على أول وقت فهم خطاب الشارع، وعرف المرسل، والغرض من الرسل، ولذلك حط عنه التكليف؛ لعدم الانضباط في ذلك، فوضع الشارع ضابطاً يضبط الحد الذي تتكامل فيه بنيته وعقله وهو: " البلوغ "، ولهذا فإن أكثر الأحكام تتعلق به. * * * المسألة الخامسة: المجنون - سواء كان جنونه أصلياً أو طارئاً، وسواء كان

стр. 49

مطبقاً أو غير مطبق - غير مكلف؛ لعدم فهمه للخطاب الوارد من الشارع، وعدم إدراكه وعلمه للفعل المكلف به، وطريقة امتثاله، وعدم وجود النية والقصد منه. * * * المسألة السادسة: المعتوه - وهو مختلط الكلام بسبب ما يعرض للعقل من خلل - غير مكلف؛ قياساً على المجنون، والصبي غير المميز، فكما أن المجنون والصبي غير المميز غير مكلفين، فكذلك المعتوه ولا فرق، والجامع: ضعف العقل عن إدراك حقائق الأمور، وعن فهم خطابات الشارع على ما هي عليه. * * * المسألة السابعة: الناسي والساهي والغافل والنائم والمغمى عليه غير مكلفين وهم في حالة السهو والنسيان والغفلة والنوم والإغماء، لأن هؤلاء وهم في حالتهم تلك قد فقدوا شرطاً من شروط التكليف، وهو: " الفهم "، فهم لا يدركون - وهم في تلك الحالة - معنى الخطاب، فلو كلفوا وهم في تلك الحال لكان تكليفاً بما لا يطاق، وهو لا يجوز.

стр. 50

المسألة الثامنة: السكران غير مكلف مطلقاً: لأن السكران في حالة سكره لا يفهم الخطاب فكيف يتوجه إليه خطاب لا يفهم المراد منه؟! فلو طلب منه امتثال ما يقتضيه الخطاب - وهو في حالته تلك - لكان تكليفاً بما لا يطاق، وهو لا يجوز. * * * المسألة التاسعة: المكره المُلْجَأ - وهو: من حمل على أمر يكرهه ولا يرضاه، ولا تتعلق به قدرته واختياره، كمن ألقي من شاهق على مسلم فقتله - غير مكلف اتفاقاً؛ لأنه مسلوب القدرة غير مختار كالآلة. * * * المسألة العاشرة: المكره غير الملجأ - وهو: من حُمل على أمر يكرهه، ولا يرضاه، ولكن تتعلق به قدرته واختياره وإرادته، كمن قيل له: اقتل أخاك المسلم وإلا قتلناك - هذا مكلف؛ لأن شروط التكليف - وهي: البلوغ، والعقل والفهم - قد توفرت فيه، فلا يوجد مانع من تكليفه، فهو بهذا كغير المكره بجامع: توفر جميع شروط التكليف بالإضافة إلى توفر القدرة، وكمال البدن والذمة، ومجرد الإكراه ليس سبباً لإسقاط الخطاب عن المكره بأي حال.

стр. 51

المسألة الحادية عشرة: الكفار مكلَّفون بفروع الإسلام مطلقاً: لعموم قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) فيدخل الكفار؛ حيث إنهم من جملة الناس، ولا يوجد مانع من دخولهم؛ لأنه لو وجد لعرفناه عند الطلب. ولعموم قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)، حيث إن هذا عام في حق المسلمين والكفار، فلا يخرج الكافر إلا بدليل والكفر ليس برخصة مسقطة للخطاب عن الكافر. ولقوله تعالى: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)). حيث إن الله تعالى ذم الكافر على تركه لفرع من فروع الشريعة وهي الصلاة، وهذا يدل على أنهم مكلفون بها. وللقياس على المسلم المحدِث، فكما أن المحدِث قد فقد شرط الصلاة، ولم يمنع ذلك من وجوب الصلاة عليه وإلزامه بها بسبب قدرته على تحصيل الشرط، فكذلك الكافر فإن فقد شرط العبادة - وهما الشهادتان - مع القدرة عليه لا يمنع من توجه الخطاب بها، حيث إنه قادر على تحصيل شرط العبادة وهو: الإيمان. * * * المسألة الثانية عشرة: يشترط في الفعل المكلف به ما يلي: الشرط الأول: أن يعلم المكلف حقيقة الفعل المكلف به،

стр. 52

وذلك من أجل أن يتصور هذا الفعل المأمور به، إذ لا يعقل أن يكلف بشيء مجهول، فيجب أن يعلم طريقة الصلاة وشروطها، وأركانها وواجباتها ونحو ذلك مما يتعلق بها، فلو لم يعلم ذلك لم يصح منه الفعل. الشرط الثاني: أن يعلم المكلف أن هذا الفعل مأمور به من قِبل الله تعالى؛ لأنه إذا علم ذلك تُصوِّر منه قصد الطاعة والامتثال بفعله؛ أما إذا لم يعلم ذلك فلا يكفي مجرد حصول الفعل منه من غير قصد ولا نية لامتثال أمر الله تعالى، لقوله ﵇: " لا عمل إلا بنية ". الشرط الثالث: أن يكون حاصلاً بكسب المكلف، فلا يصح تكليف المسلم بكسب غيره؛ لقوله تعالى (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، وقوله: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)). الشرط الرابع: أن يكون الفعل الذي طلب من المكلف فعله معدوماً، أي: لم يوجد، فيؤمر المسلم بصلاة الظهر - مثلاً - قبل الزوال، فهنا أمر بها قبل وجودها، ويؤمر الإنسان بخياطة ثوب معدوم. وقلنا ذلك؛ لأن إيجاد الشيء الموجود تحصيل حاصل لا يرد به الشرع، ولأنه لا يحسن عقلاً أن يؤمر من هو قائم بالقيام، ومن هو يكتب بالكتابة.

стр. 53

الشرط الخامس: أن يكون الفعل مقدوراً للمكلف، أي: يستطيع المكلف فعله والقدرة عليه، فلا يجوز تكليفه بما لا يطاق كالجمع بين الضدين، وقلب الأجناس، وإيجاد الموجود؛ لقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، وقوله: (لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا)؛ حيث بين الله تعالى: أنه لا يكلف العباد عملاً من أعمال القلب أو الجوارح إلا وهي في وسع المكلف، وفي مقتضى إدراكه. ولقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، وأيُّ حرج فوق التكليف بما لا يطاق، قال بعض العلماء: ولا حرج أشد من التكليف بما لا يطاق. ولقوله ﷺ : " فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم "، فكلف الناس بما يستطيعون من الفعل. الشرط السادس: أن يكون التكليف بفعل - بيانه: أن متعلق التكليف هو الأمر والنهي، وكلاهما لا يكون إلا فعلًا، فلا يكلف إلا بفعل، ولا يطلب من المكلف إلا فعل، والتكليف في الأمر تكليف بفعل بالاتفاق؛ لأن مقتضاه: إيجاد الفعل المأمور به كالصلاة والزكاة، وكذلك التكليف في النهي تكليف بفعل؛ لأن المكلف به في النهي هو كف النفس عن الفعل لا نفي الفعل؛ حيث إن كف النفس عن المنهي عنه فعل، فالأمر بالصوم

стр. 54

- مثلًا - أمر بكف النفس عن الفطر، والكف فعل الإِنسان، وهو داخل تحت كسبه يؤجر عليه، وكذلك لما نهي عن شرب الخمر فإنه اقتضى التلبس بضد من أضداده، وهو: الترك، فيكون الترك داخلًا تحت كسب المكلف فيثاب عليه، فالترك - في الحقيقة - فعل؛ لكونه ضد الحال التي هو عليها.

стр. 55

القسم الثاني الحكم الوضعي وأنواعه لقد قلنا: إن الحكم الوضعي هو: خطاب الله تعالى المتعلق بجعل الشيء سبباً لشيء آخر، أو شرطاً له، أو مانعاً منه، أو عزيمة أو رخصة، فتكون أنواعه - على هذا - هي: الأول: السبب. الثاني: الشرط. الثالث: المانع. الرابع: العزيمة والرخصة. وإليك بيان كل نوع وما يتعلق به من المسائل.

стр. 56

النوع الأول السبب وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريفه: السبب لغة هو: ما يتوصل به إلى مقصود ما؛ لذلك يسمى الطريق سبباً. والسبب اصطلاحاً هو: ما يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم لذاته. فيلزم من وجود دخول الوقت وجود الحكم وهو وجوب الصلاة على ذلك المكلف. * * * المسألة الثانية: السبب باعتبار قدرة المكلف ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: سبب مقدور عليه، وهو: ما كان داخلاً تحت كسب المكلف وطاقته، بحيث يستطيع فعله وتركه، كالقتل

стр. 57

المسبب للقصاص، وعقد النكاح المسبب لحل الوطء. القسم الثاني: سبب غير مقدور عليه، وهو: ما لم يكن من كسب المكلف، ولا دخل له في تحصيله أو عدم ذلك كزوال الشمس أو غروبها سبب لوجوب الصلاة أو الإفطار، والموت سبب لانتقال الملك، فهذه الأمور تكون، ولا يقدر المكلف على منعها أو جلبها. * * * المسألة الثالثة: السبب باعتبار المشروعية ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: سبب مشروع، وهو: ما كان سبباً للمصلحة أصالة، وإن كان مؤدياً إلى بعض المفاسد تبعاً، كالجهاد في سبيل الله فإنه سبب لإقامة الدين وإعلاء كلمة الله، وإن أدى في الطريق إلى نوع من المفاسد كإتلاف الأنفس، وإضاعة الأموال. القسم الثاني: سبب غير مشروع وهو: ما كان سبباً للمفسدة أصالة وإن ترتب عليه نوع من المصلحة تبعاً، كالقتل بغير حق فإنه سبب غير مشروع، وإن ترتب عليه ميراث ورثة المقتول. * * * المسألة الرابعة: السبب باعتبار المناسبة ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: سبب مناسب للحكم، وهو الذي يترتب على شرع الحكم عنده تحقق مصلحة، أو دفع مفسدة يدركها العقل، كالسرقة بالنسبة لعقوبة القطع؛ حيث إنها تحقق مصلحة حفظ الأموال، وتدفع مفسدة ضياعها. القسم الثاني: سبب غير مناسب للحكم، وهو الذي لا يترتب على شرع الحكم عنده تحقق مصلحة أو دفع مفسدة،

стр. 58

كدلوك الشمس، حيث إنه سبب لوجوب الظهر، ومثل: شهود الشهر بالنسبة لوجوب الصيام. * * * المسألة الخامسة: السبب باعتبار مصدره ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ْالقسم الأول: سبب شرعي، وهو: ما كان مستمداً من الشارع فقط، كالوقت بالنسبة لوجوب الصلاة. القسم الثاني: سبب عقلي، وهو: ما كان مستمداً من العقل فقط، كوجود النقيض فإنه سبب في انعدام نقيضه عقلاً مثل الموت فإنه سبب لعدم الحياة. القسم الثالث: سبب عادي، وهو: ما كان مستمداً من العادة المألوفة المتكرر وقوعها كالذبح، فإنه يتسبب في إزهاق الروح في العادة. * * * المسألة السادسة: السبب باعتبار اقترانه بالحكم وعدم ذلك ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: سبب متقدم على الحكم، وهذا هو الأصل كالأسباب الموجبة للصلوات، والزكاة، والبيع، والنكاح، وهو الأكثر. القسم الثاني: سبب مقارن للحكم، كقتل المسلم للكافر في الحرب، فإنه سبب لاستحقاق سلبه فوراً، وإحياء الموات فإنه سبب فوري للملك. * * * المسألة السابعة: السبب باعتبار اللفظ والفعل ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: سبب قولي ولفظي، وهو: ما كان معتمدا

стр. 59

على القول واللفظ، كصيغ العقود مثل البيع والشراء، وصيغ التصرفات كالطلاق والعتاق والنكاح. القسم الثاني: سبب فعلي، وهو: ما كان ناشئاً عن الفعل، كالقتل سبب للقصاص، وشرب الخمر والسرقة سببان للحد، وإحياء الموات سبب للملك. والفرق بينهما: أن الأسباب القولية لا تصح من السفيه أو المحجور عليه كما لو أعتق عبده، أو وهبه، أو باع واشترى. أما الأسباب الفعلية فإنها تصح منه، كما لو وطأ المحجور عليه أمته فإنها تصير أم ولد؛ وذلك لأن أقواله يمكن إلغاؤها - كما قال ابن القيم في بدائع الفوائد - حيث إنها مجرد كلام لا يترتب عليه شيء، أما الأفعال فإنها إذا وقعت فلا يمكن إلغاؤها، فلا يمكن أن يقال لمن وطأ أمته، أو أتلف شيئاً لغيره، إنه لم يطأ أو لم يتلف. * * * المسألة الثامنة: العلة - وهي: الوصف المعرِّف للحكم، تعتبر قسماً من أقسام السبب. فالسبب أعم من العلة؛ حيث إن السبب ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: سبب معقول المعنى: أي: أدرك العقل ارتباط الحكم به، فهذا يُسمَّى سبباً وكلة كقطع يد السارق، فالسرقة تسمى سبباً وعلة للقطع.

стр. 60

القسم الثاني: سبب غير معقول المعنى، وهو الذي لا يدرك العقل ارتباط الحكم به، فهذا يُسمَّى سبباً لا علة، كدخول الوقت يسمَّى سبباً لوجوب الصلاة، ولا يسمى علة؛ لعدم إدراكنا للمناسبة بين دخول الوقت ووجوب هذه الصلاة بعينها. فالسبب - على هذا - شامل للوصف المناسب وغير المناسب. * * * المسألة التاسعة: الصحة، وهي: موافقة الفعل ذي الوجهين لأمر الشارع، والفساد: وهو مخالفة الفعل ذي الوجهين لأمر الشارع داخلان ضمن السبب، لأن حقيقة السبب قد وجدت فيهما؛ حيث إن الفعل إذا استوفى أركانه وشروطه فإن هذا سبب لصحته، وترتب عليه آثاره، والفعل إذا لم يستوف أركانه أو شروطه فإن هذا سبب لفساده وعدم ترتب آثاره عليه. * * * المسألة العاشرة: الصحة والفساد من الأحكام الشرعية لا من الأحكام العقلية، لأن معرفة استجماع الفعل لشروطه وأركانه، وارتفاع موانعه موقوفة على معرفة الركن والشرط والمانع، ومعرفة هذه

стр. 61

الأمور الثلاثة موقوفة على خطاب الشارع اتفاقاً، فتكون الصحة والفساد لا يعرفان إلا من الشارع. * * * المسألة الحادية عشرة: الصحة والفساد من الأحكام الوضعية لا من الأحكام التكليفية، لأن الحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين - فقط - وهما: " الحكم التكليفي " و " الحكم الوضعي "، ولا يمكن أن تكون الصحة والفساد من الأحكام التكليفية؛ لأن الحكم التكليفي - كما سبق - فيه اقتضاء أو تخيير، وبعد النظر في الصحة والفساد تبين عدم وجود اقتضاء ولا تخيير فيهما؛ حيث إن الحكم بصحة العبادة وفسادها، والحكم بصحة المعاملة وفسادها لا يفهم اقتضاء ولا تخييراً، فلم توجد حقيقة الحكم التكليفي، فلم يبق إلا أن نقول: إن الصحة والفساد من القسم الثاني، وهو: الحكم الوضعي. * * * المسألة الثانية عشرة: المقصود بالصحة في العبادات هو: ما وافق الأمر، وأجزأ، وأسقط القضاء، كالصلاة إذا وقعت بجميع واجباتها مع انتفاء موانعها، فعدم وجوب قضائها هو: صحتها، وهذا اختيار

стр. 62

الفقهاء؛ حيث إن ذلك هو الموافق للغة - فالعرب تسمي الآنية صحيحة إذا كانت سليمة من جميع الجهات، وإذا كانت صحيحة من جميع الجهات إلا جهة واحدة، فإن العرب لا تسميها صحيحة، وهذه الصلاة - مثلاً - قد تطرق إليها الخلل من جهة ذكر الحدث، فلا تكون صحيحة؛ قياساً على الآنية المكسورة من جهة. * * * المسألة الثالثة عشرة: المقصود بالصحة في المعاملات هو: ترتب أحكامها المقصودة عليها؛ لأن العقد لم يوضع إلا من أجل إفادة مقصوده، كملك المبيع، وملك البضع في النكاح. وإن لم يكن الأمر كذلك فهو فاسد، فيكون الفاسد في المعاملات: كون الشيء لا يترتب عليه أثره المطلوب منه؛ نظراً لوجود خلل في ركنه أو شرطه كبيع المجنون، أو بيع المعدوم أو بيع الميتة. * * * المسألة الرابعة عشرة: الفاسد والباطل مترادفانْ قياساً للشرع على اللغة، حيث إن الباطل لغة بمعنى الفاسد والساقط، يقال: " بطل الشيء "، إذا فسد وسقط حكمه، فإذا لم يفرق بينهما لغة فإنه يجب عدم التفريق بينهما شرعاً؛ حملاً للمقتضيات الشرعية على مقتضياتها اللغوية؛ لأن الأصل عدم التغيير.

стр. 63

المسألة الخامسة عشرة: بيان أن التقديرات الشرعية والحجاج داخلان ضمن السبب؛ حيث إن التقديرات الشرعية هي: إعطاء الموجود حكم المعدوم، أو إعطاء المعدوم حكم الموجود. فمثال الأول - وهو إعطاء الموجود حكم المعدوم - الماء في حق المريض والخائف، ومثال الثاني - وهو: إعطاء المعدوم حكم الموجود - المقتول خطأ تورث عنه ديته، حيث إنها لا تملك إلا بعد موته، وهي ليست في ملكه قبل موته، فنقدِّر دخولها في ملكه قبل موته حتى تنتقل إلى ورثته، فهنا قدرنا المعدوم موجوداً، للضرورة. أما الحجاج فهي التي يستند إليها القضاء في الأحكام، كالشهود، والإقرار، واليمين، فإذا نهضت تلك الحجة عند القاضي وجب عليه الحكم. والأمران لو دققت النظر فيهما لوجدتهما يرجعان إلى السبب، حيث إن هذه التقديرات وهذه الحجاج إنما نشأت عن أسبابها. * * * المسألة السادسة عشرة: الأداء: وهو ما فُعل أولًا في وقته المقدر له شرعاً، والإعادة: وهو ما فُعل ثانياً في وقت الأداء لخلل في الأول،

стр. 64

والقضاء: وهو ما فعل بعد خروج وقته المحدَّد شرعاً مطلقا، كلها داخلة ضمن السبب؛ لأن دخول الوقت سبب للأداء، وخروجه سبب للقضاء، وفساد الفعل سبب للإعادة. * * * المسألة السابعة عشرة: إذا حاضت المرأة، أو سافر مكلف، أو مرض آخر في رمضان فأفطروا، فلما انقضى رمضان صاموا الأيام التي أفطروها، فإن هذا يُسمى قضاء، لا أداء؛ لقول عائشة ﵂: " كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة "، فسمَّت ما يفعل بعد رمضان قضاء بدون نكير. ولإجماع العلماء على أنه إذا صام هؤلاء الأيام التي أفطروها سابقاً فإن الواجب عليهم نية القضاء، لا نية الأداء. * * * المسألة الثامنة عشرة: القضاء يتعلّق بالمندوب إذا كان له وقت معيَّن؛ قياساً على الواجب؛ لأنه لا فرق بينهما من حيث حقيقة القضاء. وبناء على هذا يكون قضاء المندوب مندوباً، كما أن قضاء الواجب واجب.

стр. 65

المسألة التاسعة عشرة: وجوب القضاء ثابت بالأمر الأول: فالدليل الذي أوجب الأداء هو الذي أوجب القضاء، ولا يحتاج إلى أمر جديد، لأن الأداء كان واجباً مستحقاً على المكلف في الوقت المحدَّد شرعاً، والواجب لا يسقط عن المكلف إلا بالفعل، أو بإسقاط من له الحق، أو بالعجز، ولم يوجد شيء من ذلك، وخروج الوقت ليس مما يسقط الواجب، فتبقى الذمة مشغولة بهذا الواجب لا يزول هذا الشغل إلا بمزيل له وهو: أحد الأمور الثلاثة السابقة. وللقياس على الذين؛ حيث إن الوقت للمأمور به كالأجل للدين، فكما أن الدَّين لا يسقط بترك تأديته في أجله المعيَّن فكذلك المأمور به إذا لم يفعل في وقته المعين كأنه لا يسقط، بل يجب قضاؤه في وقت آخر. ويكون ذلك مستفاداً من الأمر الأول بدلالة التضمن، لا بدلالة المطابقة.

стр. 66

النوع الثاني الشرط وفيه مسائل: المسألة الأولى: الشرط - هو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. حيث يلزم من عدم الشرط - وهو: الطهارة مثلاً - عدم وجود الحكم - وهو: صحة الصلاة -، ولا يلزم من وجود الطهارة وجود الحكم وهو: صحة الصلاة، فقد توجد الطهارة ويصلي ولكن لا تصح صلاته، لكونه صلَّى قبل دخول الوقت، أو صلَّى لغير القبلة. * * * المسألة الثانية: الشرط باعتبار وصفه ينقسم إلى أربعة أقسام: القسم الأول: شرط عقلي وهو: ما لا يوجد المشروط عقلاً بدونه، كاشتراط الحياة للعلم، والفهم للتكليف.

стр. 67

القسم الثاني: شرط عادي، وهو: ما يكون شرطاً عادة، كنصب السُّلَّم لصعود السطح. القسم الثالث: شرط لغوي، وهو: ما يذكر بصيغة التعليق مثل: " إن نجحت فلك جائزة ". القسم الرابع: شرط شرعي، وهو: ما جعله الشارع شرطاً لبعض الأحكام، كاشتراط الطهارة لصحة الصلاة. * * * المسألة الثالثة: الشرط باعتبار قصد المكلف له وعدم ذلك: ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما قصده الشارع قصداً واضحاً، وهو: الذي يرجع إلى خطاب التكليف، وهو: إما أن يكون مأموراً بتحصيله كالطهارة للصلاة، وإما أن يكون منهياً عن تحصيله كنكاح المحلل في مراجعة الزوجة لزوجها الأول. القسم الثاني: ما لم يقصد الشارع تحصيله، وهو: الذي يرجع إلى خطاب الوضع كالحول في الزكاة، فإن بقاء النصاب حتى يكمل الحول لأجل أن تجب الزكاة ليس مطلوب الفعل، ولا هو مطلوب الترك. * * * المسألة الرابعة: الشرط باعتبار مصدره ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: شرط شرعي، وهو: ما كان مصدر اشتراطه

стр. 68

الشارع، وهو: المراد من الشرط عند الإطلاق، وهو المقابل للسبب والمانع. القسم الثاني: شرط جعلي، وهو: ما كان مصدر اشتراطه المكلف، حيث يعتبره ويعلق عليه تصرفاته ومعاملاته كالاشتراط في البيوع والنكاح. * * * المسألة الخامسة: يفارق الشرط السبب من وجهين: الوجه الأول: أن الشرط يؤثر في الحكم من جهة العدم، أما السبب فإنه يؤئر في الحكم من جهة الوجود والعدم. الوجه الثاني: أن الشرط ليس فيه مناسبة في نفسه، أما السبب فإنه مناسب في نفسه - فالنصاب سبب في وجوب الزكاة، وهو مشتمل على الغنى في ذاته، بخلاف مرور الحول فإنه ليس فيه مناسبة في نفسه وإنما هو مكمل لحكمة الغنى في النصاب.

стр. 69

النوع الثالث المانع وفيه مسائل: المسألة الأولى: المانع: هو ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته. فيلزم من وجود الدَّين - مثلاً - عدم وجود الحكم وهو: وجوب الزكاة، ولا يلزم من عدم الدين الزكاة أو عدمها، فقد يكون الشخص غنياً يملك النصاب وحال على ماله الحول، فهذا تجب عليه الزكاة، وقد يكون فقيراً فهذا لا تجب عليه الزكاة. * * * المسألة الثانية: المانع ينقسم باعتبار ما يمنعه من حكم أو سبب إلى قسمين: القسم الأول: مانع الحكم، وهو: كل وصف وجودي ظاهر منضبط لحكمة تقتضي نقيض حكم السبب مع تحقق السبب، كالحيض فإنه مانع من وجوب الصلاة مع تحقق السبب

стр. 70

وهو: دخول الوقت، فقد ترتب - هنا - على وجود المانع عدم ترتب المسبب على سببه. وهذا القسم - وهو: مانع الحكم - ثلاثة أشياء: الشيء الأول: مانع يمنع ابتداء الحكم - فقط - دون استمراره مثل: الإسلام، فإنه يمنع ابتداء السبي، ولكنه لا يمنع استمراره، فلو أسلم بعد أن صار مملوكاً فإنه لا ينقطع عنه الرق. الشيء الثاني: مانع يمنع دوام الحكم واستمراره - فقط - دون ابتداء الحكم كالطلاق، فإنه يمنع من الدوام على النكاح الأول، ولكنه لا يمنع من ابتداء نكاح ثاني. الشيء الثالث: مانع يمنع ابتداء الحكم، ويمنع أيضاً استمراره، كالرضاع فإنه يمنع ابتداء النكاح على امرأة هي أخته من الرضاع، كما يمنع استمراره، إذا طرأ عليه، وكذلك " الحدث " يمنع انعقاد العبادة ابتداء كما يمنع صحتها إذا طرأ عليها. القسم الثاني: مانع السبب، وهو: كل وصف يقتضي وجوده حكمة تخل بحكمة السبب كالدَّين في باب الزكاة؛ حيث إنه مانع من وجوب الزكاة؛ لأن السبب في وجوب الزكاة هو: بلوغ النصاب حيث إنه يفيد غنى من يملك هذا النصاب، فطلب منه مواساة الفقراء من فضل ذلك المال، وهذه هي الحكمة، ولكن الدَّين في المال لم يدع فضلاً يواسي به الفقير، حيث إن النصاب قد صار مشغولاً بحقوق الغرماء، فهنا قد أخل الدَّين بحكمة السبب، فكانت رعاية براءة الذمة من الذين أولى من رعاية مواساة الفقراء.

стр. 71

المسألة الثالثة: المانع من حيث ارتباطه بخطاب الشارع ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: مانع داخل تحت خطاب التكليف، كالإسلام فإنه مانع من انتهاك حرمة الدم والعرض إلا بحقهما، والكفر فإنه مانع من صحة العبادات، والإسلام مأمور به، والكفر منهي عنه. القسم الثاني: مانع داخل تحت خطاب الوضع، وهو: الذي ليس للشارع قصد في تحصيله من حيث هو مانع، ولا في عدم تحصيله، فإن الشخص المدين ليس مخاطباً برفع الدَّين عن نفسه إذا كان عنده نصاب لتجب الزكاة عليه، كما أن مالك النصاب غير مخاطب بتحصيل الاستدانة لتسقط عنه زكاة النصاب، لأن المانع من خطاب الوضع، فلا يكون مأموراً به ولا منهياً عنه.

стр. 72

النوع الرابع العزيمة والرخصة وفيه مسائل: المسألة الأولى: العزيمة هي: الحكم الثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح. والرخصة هي: الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر. فمثلاً: تحريم الميتة حكم ثابت من غير مخالفة دليل شرعي، هو عزيمة، لكن إن وجدت المخمصة حصل المخالف لدليل التحريم وهو قوله تعالى: (فَمَنِ اضطُرَّ فِى مَخمصَةٍ)، وهو راجح على دليل التحريم الذي هو قوله تعالى: (حُرِّمَت عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) وذلك لحفظ النفس، فجاز الأكل من الميتة وحصلت الرخصة؛ لأن مصلحة إحياء النفس والمحافظة عليها مقدَمة على مفسدة الميتة وما فيها من الخبث.

стр. 73

المسألة الثانية: العزيمة والرخصة من الحكم الوضعي؛ لأن اعتبار كل من السفر والمرض، والضرورة، والحاجة، أو غيرها أسباباً للترخص، أو مانعة من التكليف بحكم العزيمة، كل ذلك لو فكرنا فيه لوجدنا أنه لا طلب فيه ولا تخيير، بل فيه وضع وجعل، فتكون حقيقة الحكم الوضعي متحققة فيه، فكانت من الحكم الوضعي. * * * المسألة الثالثة: العزيمة أفضل من الرخصة؛ لأن العزيمة هي الأصل المقطوع به الذي لا يختلف فيه، أما الرخصة فسببها ظني وهو: المشقة، لأن مقدار المشقة الذي ثبت الترخص من أجلها غير منضبط؛ لأنها تتفاوت بحسب الأشخاص والأحوال. * * * المسألة الرابعة: تنقسم الرخصة من حيث الحكم إلى أقسام هي: القسم الأول: رخصة واجبة كأكل الميتة للمضطر، وشرب الخمر لمن غصَّ بلُقمة وخشي على نفسه الهلاك، والتيمم للمريض. القسم الثاني: رخصة مندوبة كقصر الصلاة الرباعية

стр. 74

للمسافر؛ لقوله ﷺ : " صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته"، والإبراد في صلاة الظهر في شدة الحر. القسم الثالث: رخصة مباحة كالعرايا - وهو: بيع الرطب على رؤوس النخل بقدر كيله من التمر خرصاً -، والإجارة وهي: تمليك المنافع بعوض، والتلفظ بكلمة الكفر لمن أُكره على ذلك، لكن لو امتنع عن ذلك وصبر لكان آخذاً بالعزيمة وهو أفضل. القسم الرابع: رخصة خلاف الأولى، كالإفطار في رمضان للمسافر الذي لا يشق عليه الصيام ولا يتضرر به، وقلنا ذلك، لقوله تعالى: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ)، وكذلك المسح على الخفين. القسم الخامس: رخصة مكروهة كالسفر للترخص فقط.

стр. 75

خاتمة في الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي بعد أن تكلمنا عن الحكم التكليفي وأنواعه، والحكم الوضعي وأنواعه، أحببت أن أختم ذلك بذكر أهم الفروق بين الحُكمين، لئلا يلتبس أحدهما بالآخر عند بعض طلاب العلم، فأقول: إن بينهما فروقاً هي: الأول: إن الخطاب في الحكم الوضعي خطاب إخبار وإعلام جعله الشارع علامة على حكمه، وربط فيه بين أمرين بحيث يكون أحدهما سبباً للآخر، أو شرطاً له، أو مانعاً منه. أما الخطاب في الحكم التكليفي: فإنه خطاب طلب الفعل، أو طلب الترك، أو التخيير بينهما، فيكون خطاب التكليف هو: طلب أداء ما تقرَّر بالأسباب والشروط. الثاني: أن الحكم التكليفي يشترط فيه قدرة المكلف على فعل الشيء المكلف به. أما الحكم الوضعي فلا يشترط فيه ذلك: فقد يكون مقدوراً للمكلف كالسرقة، وصيغ العقود الشرعية ونحوها، وقد يكون غير مقدور للمكلف كدلوك الشمس الذي هو سبب لوجوب الصلاة، وحولان الحول الذي هو شرط لوجوب الزكاة.
следующие страницы →