Полный текст (415 стр.). Показаны 386–415 · переход к 391.
стр. 386
الشرط التاسع: أن يكون خبيراً بمصالح الناس، وأحوالهم، وأعرافهم، وعاداتهم.
الشرط العاشر: أن يكون عدلاً مجتنباً للمعاصي القادحة في العدالة، وهذا الشرط يشترط لجواز الاعتماد على فتواه، فمن ليس بعدل وتوفرت فيه شروط المجتهد السابقة، فإنه لا تقبل فتواه ولا اجتهاده، ولا يعمل بها الآخرون، أما هو فيجب عليه أن يعمل باجتهاده.
* * *
المسألة الرابعة:
الاجتهاد يكون فرض عين، ويكون فرض كفاية، ويكون مندوباً، ويكون محرماً ، وإليك بيان ذلك:
أولاً: يكون الاجتهاد فرض عين في حالتين:
الحالة الأولى: اجتهاد المجتهد في حق نفسه فيما نزل به؛ لأن المجتهد لا يجوز له أن يقلِّد غيره في حق نفسه.
الحالة الثانية: اجتهاد المجتهد في حق غيره إذا تعين عليه الحكم فيه بأن لا يوجد في العصر إلا هو، أو ضاق الوقت فإنه يجب عليه الاجتهاد على الفور، لأن عدم الاجتهاد يقتضي تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذا لا يجوز.
ثانياً: يكون الاجتهاد فرض كفاية عندما تنزل حادثة بأحد، فاستفتى العلماء، أو عين واحداً أو طائفة، فإن الوجوب هنا يكون فرضاً عليهم جميعاً، فإن أجاب واحد منهم عنها سقط الفرض عن الجميع، وإن أمسكوا مع ظهور الصواب أثموا، وإن أمسكوا مع التباسه عليهم عُذروا.
ثالثاً: يكون الاجتهاد مندوباً إليه في حالتين هما:
стр. 387
الحالة الأولى: أن يجتهد العالم قبل نزول الحادثة ليسبق إلى معرفة حكمها قبل وقوعها.
الحالة الثانية: أن يستفتيه سائل عن حكم حادثة قبل وقوعها.
رابعاً: يكون الاجتهاد محرماً في حالتين هي:
الحالة الأولى: أن يقع الاجتهاد في مقابلة دليل قاطع من نص أو إجماع.
الحالة الثانية: أن يقع الاجتهاد ممن لم تتوفر فيه شروط المجتهد فيما يجتهد فيه.
* * *
المسألة الخامسة:
يجوز تجزؤ الاجتهاد ، أي: يقبل اجتهاد شخص في مسألة معينة إذا عرف دقائقها دون المسائل الأخرى في نفس الباب، فالشخص العارف لمسألة المشركة - وهي: زوج وذات سدس، وإخوة لأم وإخوة أشقاء - يجوز له أن يجتهد فيها بشرط: إحاطته بعلم الفرائض إجمالاً وأركانه وشروطه، وإن كان جاهلاً بأي مسألة أخرى من باب الفرائض.
وقلنا ذلك: لأنه لو كان العمل في جميع مسائل الفقه شرطاً لبلوغ درجة الاجتهاد وشرطاً لقبوله منه: لكان توقف بعض الصحابة ﵃ وبعض الفقهاء في بعض المسائل وعدم قدرتهم على ذلك مخرجاً لهم عن الاجتهاد، ولكن الأمر ليس كذلك؛ حيث إن توقف بعض الصحابة وبعض الفقهاء لم يخرجهم عن زمرة المجتهدين.
стр. 388
المسألة السادسة:
يجوز الاجتهاد في زمان النبي ﷺ -؛ لأن النبي ﷺ قد أذن بذلك لبعض الصحابة؛ حيث إنه قد جاءه خصمان يختصمان، فقال النبي ﷺ لعمرو بن العاص: " أقض بينهما يا عمرو "، فقال عمرو: أنت أولى مني يا رسول الله، قال: " وإن كان "، قال عمرو: فإن قضيت بينهما فما لي؟ قال: " إن أنت قضيت بينهما فأصبت القضاء فلك عشر حسنات، وإن أنت اجتهدت فأخطأت فلك حسنة ".
وقال النبي ﷺ لعقبة بن عامر ولرجل من الأنصار: " اجتهد فإن أصبتما فلكما عشر حسنات، وإن أخطأتما فلكما حسنة ".
ولأن النبي ﷺ قد فوض الحكم في بني قريظة إلى سعد بن معاذ، حيث رضوا بحكمه، فحكم سعد فيهم باجتهاده، فقال الرسول ﷺ له: " لقد حكمت بحكم الله فوق سبعة أرقعة ".
وبناء على ذلك: فإنه يجوز الاجتهاد بين مياه تنجس بعضها وهو على شاطئ البحر، ويجوز الاجتهاد في أوقات الصلاة مع إمكان الصبر إلى اليقين.
* * *
المسألة السابعة:
يجوز الاجتهاد للنبي ﷺ - وهو واقع منه؛ لعموم قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)، والرسول ﷺ أعلى أهل البصائر وأرفعهم منزلة.
стр. 389
ولقياسه على داود وسليمان ﵉.
ولوقوعه منه ﷺ ؛ حيث اجتهد في أسرى بدر، واجتهد في نزوله ببدر دون الماء فقال له الحباب بن المنذر: إن كان هذا بوحي فنعم، وإن كان الرأي والمكيدة فأنزل بالناس دون الماء لنحول بينه وبين العدو، فقال لهم: " ليس بوحي، وإنما هو رأي واجتهاد " ورجع إلى قوله.
وبناء على ذلك: فإنه يجوز للمجتهد أن يكتفي بالاستدلال على حكم مسألة بدليل ظني مع أنه قادر على الاستدلال عليه بدليل قطعي، فيجوز - مثلاً - الاجتهاد فى أوقات الصلاة والقبلة مع إمكان الصبر إلى اليقين.
* * *
المسألة الثامنة:
يجوز الخطأ فى اجتهاده ﷺ -، لقوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣))، وقوله: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ)، فقد بين الله تعالى خطأ اجتهاد النبي ﷺ لما أذن للذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك، ولما أخذ المال عوضاً عن أسرى بدر.
ولقوله ﷺ : " إنما أحكم بالظاهر وإنكم لتختصمون إلي ولعل أحدكم يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء
стр. 390
من حق أخيه، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار ".
* * *
المسألة التاسعة:
المصيب واحد من المجتهدين في الفروع ، أي: إذا حدثت حادثة في الفروع، ولم يوجد دليل قاطع في حكمها من نص أو إجماع، فإنا نعلم أن لله تعالى فيها حكماً شرعياً معيناً، فيطلب المجتهدون ذلك الحكم بشتى أنواع الاجتهاد، فمن أدركه كان مصيباً، ومن لم يدركه كان مخطئاً لا إثم عليه، ولا يقطع بخطأ واحد من المجتهدين، ولا يقطع بإصابة واحد بعينه.
وقلنا ذلك؛ لإجماع الصحابة السكوتي، حيث إنه قد انتشرت عن الصحابة ﵃ وقائع ومسائل خطأ بعضهم بعضاً فيها، وصرَّحوا بلفظ الخطأ والإنكار كقول ابن عباس - يعني زيد بن ثابت في مسألة الجد والإخوة -: " ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابناً ولا يجعل أب الأب أباً ".
وقال علي ﵁ يعني عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف -: " إن كانا قد اجتهدا فقد أخطئا، وإن لم يجتهدا فقد غشاك عليك الدية، قاله لعمر بن الخطاب لما أرسل إلى امرأة فأفزعها فأجهضت فسأل عثمان وعبد الرحمن فقالا: " لا شيء عليك إنما أنت مؤدب "، وغير ذلك.
فلو كان كل مجتهد في ذلك مصيباً لما خطأ بعضهم بعضاً، بل كان يقول بعضهم لبعض: " أنا مصيب وأنت مصيب ".
стр. 391
ولقوله تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا)، حيث إن الله قد بين أن المصيب واحد.
وبناء على ذلك: فإن من صلَّى خلف من توضأ وهو تارك للنية، أو الترتيب، أو أي شيء مما اختلف فيه فإنه تجب الإعادة على من يرى وجوب النية في الوضوء أو الترتيب.
* * *
المسألة العاشرة:
إذا تعارض عند المجتهد دليلان وعجز عن الترجيح: فإن عليه أن يتوقف إلى أن يعلم أن أحدهما أرجح من الآخر بأي أمارة، فإن لم يعلم: فإنه يسقطهما، ويعمل بالبراءة الأصلية، ولا يجوز التخيير بينهما، ولا العمل بأحدهما؛ لأن تخيير المجتهد في الأخذ بأحد الدليلين المتعارضين عنده يؤدي إلى باطل، وما يؤدي إلى باطل فهو باطل؛ لأنه يلزم من التخيير الجمع بين النقيضين؛ حيث إنه لو تعارض دليل مبيح مع دليل محرم، فخيَّرنا المجتهد بين كونه محرماً يأثم بفعله، وبين كونه مباحاً لا إثم على فعله: كان ذلك جمعاً بين هذين المتناقضين وهو باطل كما قلنا.
وبناء على ذلك: فإنه يجوز الاستدلال بالبراءة الأصلية على حكم حادثة قد ورد فيها دليلان متعارضان.
стр. 392
المسألة الحادية عشرة:
لا يجوز للمجتهد أن يقول في الحادثة الواحدة قولين متضادين كالتحريم والتحليل في وقت واحد ؛ لأنه بعد استقراء وتتبع ما روي عن الصحابة من الفروع الفقهية الكثيرة: لم يرو عن واحد منهم أنه قال في مسألة واحدة قولين متضادين في وقت واحد، وهذا يدل على عدم الجواز.
* * *
المسألة الثانية عشرة:
المجتهد الذي لم يجتهد في مسألة، ولكن العلوم كلها حاصلة عنده ، وعنده القدرة على الاجتهاد: فإنه لا يجوز أن يقلِّد غيره من المجتهدين مطلقاً، أي: سواء مع ضيق الوقت أو سعته، وسواء فيما يخصه، أو فيما يخص غيره ويفتي به، وسواء كان المجتهد الآخر مثله في العلم، أو أقوى منه؛ لأن الصحابة ﵃ قد سوَّغوا الخلاف لصغار الصحابة كابن عباس وابن عمر، وابن الزبير، وزيد، وعائشة، وغيرهم من أحداث الصحابة، حيث كانوا يخالفون كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعلي وعثمان.
ولقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)؛ حيث إن المجتهد من أولي الأبصار الذين أمرهم الله تعالى بالاعتبار والاجتهاد، فلو جاز له تقليد غيره لكان تاركاً ما وجب عليه، وترك الواجب حرام. فكان تقليده لمجتهد آخر حراماً.
стр. 393
المسألة الثالثة عشرة:
إذا نص المجتهد في مسألة على حكم، وعلل هذا الحكم بعلة توجد في مسائل أخرى - سوى المنصوص عليها - فإن مذهبه في تلك المسائل هو مذهبه في المسألة المعللة؛ لأن المجتهد جعل الحكم تابعاً للعلة، أي: يوجد الحكم حيث وجدت العلة.
فمثلاً: المجتهد اعتقد أن وجوب النية لعلة هي: " الطهارة عن الحدث "، فكل ما وجدت هذه العلة فيه يجب أن يكون الحكم موجوداً فيه، وهو: وجوب النية، فالوضوء طهارة عن حدث، والغسل عن الحيض طهارة عن حدث، فيجب أن يوجد الحكم، وهو: وجوب النية وهكذا.
* * *
المسألة الرابعة عشرة:
إذا نص المجتهد على حكم في مسألة معينة، ولم يذكر علة ذلك الحكم ، ووجد مسألة أخرى تشبهها شبهاً يجوز أن يخفى على بعض المجتهدين فإنه لا يجوز أن يجعل ذلك الحكم مذهبه في المسألة الأخرى، أي: لا يجوز أن يحكم بحكم تلك المسألة المنصوص عليه، ويجعل في المسألة الأخرى المشابهة؛ لأن تلك المسألة المشابهة الأخرى لم يتناولها لفظ المجتهد في المسألة الأولى، ولا أشار إليها لا من قريب ولا من بعيد، ولم تخطر على بال ذلك المجتهد، ويمكن لو خطرت على باله، أو عرضت عليه: لصار فيها إلى حكم آخر غير حكم المسألة التي نص على حكمها.
стр. 394
المسألة الخامسة عشرة:
إذا نص المجتهد في مسألة على حكم ونص في مسألة أخرى تشبهها على حكم آخر: فإنه لا يجوز نقل حكم المسألة الأولى، وجعله في الثانية، ولا يجوز العكس؛ لأن المذهب إنما يضاف إلى المجتهد إذا قاله ونص عليه، أو دل عليه بدلالة تجري مجرى نصه من تنبيه وغيره، فإذا عدم شيء من ذلك لم يجز إضافته إليه، وقد تكون تلك المشابهة نوعاً من الدلالة من المجتهد على حكم المسألة الأخرى لكن المجتهد نفسه قد نص على خلاف تلك الدلالة، وإذا تعارضت الدلالة مع النص الصريح: فإنه يقدم النص الصريح.
وبناء على ذلك: فإنه لا يجوز أن يكون للمجتهد في كل مسألة منهما قولان.
ولا يكون هذا طريقاً لمعرفة مذهب المجتهد.
* * *
المسألة السادسة عشرة:
إذا روي عن مجتهد في مسألة واحدة حكمان مختلفان كالتحريم والإباحة ، وصح هذا النقل عنه: فإنه لا يجوز أن يقول كل واحد منهما في وقت واحد وفي حالة واحدة - كما سبق.
إذن: لا بد أن يقول هذين الحكمين المختلفين في وقتين مختلفين، وهذا لا يخلو: إما أن لا نعلم الرواية الأخيرة، أو نعلمها.
стр. 395
فإن لم نعلم الرواية الأخيرة عن هذا المجتهد: أي: لم نعلم تقدم إحداهما على الأخرى: فإنا ننظر في هذين الحكمين: فإن كان أحدهما أشبه من الآخر بأصول ذلك المجتهد: فإنا نجعله مذهبه، ويكون الآخر مشكوكاً فيه ولا يعمل بالشك.
وإن علمنا الرواية الأخيرة: فإنا نجعل الرواية الأخيرة عنه هي مذهبه في المسألة، وتكون الرواية الأولى قد رجع عنها، فلا تضاف إليه، لأنها تكون كالمنسوخ، والرواية الأخيرة كالناسخ.
وبناء على هذا: فإنه يُنسب إلى المجتهد الرواية الأخيرة، وتكون مذهباً له، والرواية الأولى تكون باطلة ومنسوخة.
стр. 396
الفصل الخامس
في التقليد
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
التقليد هو: قبول مذهب الغير من غير حجة.
* * *
المسألة الثانية:
لا يجوز التقليد في أصول الدين ، وهي: المسائل الأصولية المتعلقة بالاعتقاد كمعرفة الله تعالى، ووحدانيته، وصحة الرسالة، والأسماء والصفات، ووجود الله تعالى، وما يجب له، وما يجوز عليه، وما يستحيل عليه، فيجب على العالم والعامي معرفة ذلك بغير تقليد، لأن أدلة أصول الدين قليلة وواضحة، وأكثرها قد أخذ من الواقع، فيعرفها العامي كما يعرفها العالم، وإن كان العامي لا يقدر على أن يعبر عنها بالألفاظ الكلامية فإن ذلك لا يضره، لأن ذلك عجز عن العبارة، لا عن المعنى المحصِّل للمعرفة، بخلاف أدلة الفروع فإنها كثيرة ومتنوعة، وتحتاج إلى دقة في النظر.
стр. 397
ولأنه لا خطر ولا محذور في تقليد العامي للمجتهد في الفروع؛ حيث إن الإثم محطوط عن المجتهد إذا أخطأ، وهذا بخلاف أصول الدين.
* * *
المسألة الثالثة:
لا يجوز التقليد في أركان الإسلام إجمالاً - وهي: الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج -؛ لأنها ثبتت بالتواتر، ونقلتها الأمة خلفاً عن سلف، وتفقتها الأمة بالقَبول، فمعرفة العامي فيها توافق معرفة العالم فيها، كما تتفق معرفة الجميع فيما يحصل بأخبار التواتر عن البلدان كالصين والهند.
* * *
المسألة الرابعة:
يجوز تقليد العامي للعالم في فروع الدين - كتفصيلات مسائل الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج، والمعاملات، والعقوبات ونحو ذلك - لإجماع الصحابة ﵃ والتابعين؛ حيث إن هؤلاء كانوا يُسألون عن الأحكام فيفتون، ولم يقل أحد منهم: اذهب أيها السائل واعرف الحكم بنفسك، وكان السائل يتبع المجتهد فيما يقول، وكان العلماء يبادرون إلى الإجابة من غير إشارة إلى ذكر الدليل، أو طريق الحكم، ولم ينكر أحد ذلك، فكان ذلك إجماعاً منهم على جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقاً.
ولقوله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ
стр. 398
لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، حيث إن هذا دلَّ على أنه يرد الحكم إلى أهل الاستنباط وهم المجتهدون.
* * *
المسألة الخامسة:
طرق معرفة العامي للمجتهد حتى يستفتيه .
الطريق الأول: انتصاب ذلك الشخص للفتيا بمشهد من أعيان العلماء، دون أن ينكروا عليه ذلك.
الطريق الثاني: أخذ الناس عنه، واجتماعهم على سؤاله والعمل بما يقول، دون منكر.
الطريق الثالث: ما يظهر على ذلك الشخص المفتي من علامات وصفات الدِّين والتقوى والعدالة والورع.
الطريق الرابع: أن يخبره عدل ثقة عنده بأن هذا عالم عدل.
* * *
المسألة السادسة:
مجهول الحال في العلم لا يجوز تقليده، ولا العمل بفتواه ؛ لأنا لا نأمن أن يكون حال المسؤول كحال السائل في العامية المانعة من قبول القول، بل قد يكون أجهل من السائل، وهذا الاحتمال قوي؛ لأن الأصل عدم العلم؛ حيث إن الغالب إنما هم العوام، لذلك لا بد أن يُسأل عنه فإن كان عالماً قلده وإلا فلا.
стр. 399
ولعدم قبول رواية مجهول الحال في الخبر، فكذلك لا يجوز قبول فتوى مجهول الحال في العلم ولا فرق، والجامع: أن كلاً منهما متبع فيما يقول.
* * *
المسألة السابعة:
إذا كان في البلد مجتهدان فأكثر فللعامي أن يسأل من شاء ممن غلب على ظنه أنه من أهل الاجتهاد، ويتخيَّر، ولا يلزمه أن يسأل الأعلم والأفضل لأن الصحابة ﵃ كان فيهم الفاضل والمفضول؛ لقوله ﷺ : " أقضاكم علي، وأفرضكم زيد، وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ. . . ". وكان فيهم العوام، ومن فرض ذلك اتباع الفاضلين، والأخذ بقولهم لا غير، ولكن الواقع خلاف ذلك؛ حيث إن العوام منهم كانوا يسألون المفضول مع وجود الفاضل، بدون نكير من أحد، فهذا واضح الدلالة على أن العامي والمستفتي له أن يتخير بين الفاضل والمفضول.
* * *
المسألة الثامنة:
إذا سأل العامي مجتهدَين عن حكم حادثة ، فحكم أحدهما بالتحريم، وحكم الآخر بالإباحة، وأحدهما أفضل من الآخر من حيث العلم: فإن هذا العامي يأخذ بقول وحكم الأفضل، ويترك قول وحكم المفضول، ولا يتخير؛ قياساً على المجتهد؛ حيث إنه
стр. 400
كما أن المجتهد إذا تعارض عنده دليلان: أحدهما يحرِّم، والآخر يبيح، فإنه يأخذ بأرجحهما وأقواهما في ظنه، فكذلك العامي يتبع ظنه في الترجيح بين المجتهدين المتفاضلين.
وبناء على ذلك: فإنه لو اختلف مجتهدان في القبلة فإن الثالث يقلِّد أوثقهما وأعلمهما بجهات القبلة عنده.
* * *
المسألة التاسعة:
إذا استوى عند العامي المجتهدان اللذان قد أصدرا فتواهما في جميع الأحوال ، وأحد المجتهدين قد أفتى بحكم أشد من الحكم الذي أفتى به الآخر، فإن العامي يتخير بين الحكمين: فإن شاء أخذ بالأخف وإن شاء أخذ بالأشد، لأنه ليس قول أحدهما بأفضل وأقوى وأولى من قول الآخر، فلا مجال للمفاضلة بينهما - في هذه الحالة - ولو أراد أن يفاضل بينهما لما استطاع.
стр. 401
الفصل السادس
في التعارض والجمع والترجيح
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
التعارض هو: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة.
* * *
المسألة الثانية:
شروط التعارض هي:
الشرط الأول: أن يكون الدليلان متضادين تمام التضاد، بأن يكون أحدهما يحرِّم والآخر يبيح.
الشرط الثاني: أن يتساوى الدليلان في القوة، فلا تعارض بين متواتر وآحاد، ولا بين ما دلالته قطعية وما دلالته ظنية.
الشرط الثالث: أن يكون تقابل الدليلين في وقت واحد؛ لأن اختلاف الزمن ينفي التعارض.
الشرط الرابع: أن يكون تقابل الدليلين في محل واحد، لأن التضاد والتنافي لا يتحقق بين الشيئين في محلين.
стр. 402
المسألة الثالثة:
إذا ثبت تعارض دليلين فإنا نقدم الجمع بينهما بأي طريق، فإن تعذر الجمع بينهما، فإنا نرجح أحدهما على الآخر بأي وجه من وجوه الترجيح، فإن تعذر كل ما سبق، فإنا نحكم بسقوط الدليلين المتعارضين ونستدل على حكم الحادثة بالبراءة الأصلية، وكأن الدليلين المتعارضين غير موجودين.
وقلنا: بتقديم الجمع على الترجيح؛ لأن الدليلين المتعارضين قد ثبتا، ويمكن استعمالهما معاً، وبناء أحدهما على الآخر، فلا يمكن إلغاؤهما، أو إلغاء واحد منهما إذا أمكن العمل بكل واحد منهما ولو من وجه.
* * *
المسألة الرابعة:
الترجيح - وهو: تقديم المجتهد لأحد الدليلين المتعارضين؛ لما فيه من مزية معتبرة تجعل العمل به أولى من الآخر - لا يوجد إلا بين الدليلين المتعارضين؛ لأنه لولا التعارض لما وجدت حاجة إلى الترجيح والبحث عنه بعد تعذر الجمع، فلم يلجأ المجتهد إلى الترجيح إلا من أجل التخلص من ذلك التعارض.
* * *
المسألة الخامسة:
لا يجوز الترجيح بين دليلين قطعيين سواء كانا نقليين، أو عقليين ، لأن الترجيح لا بد أن يكون موجباً لتقوية أحد الدليلين
стр. 403
المتعارضين على الآخر، والدليل المقطوع به غير قابل للزيادة والنقصان، فلا يطلب فيه الترجيح.
* * *
المسألة السادسة:
يجب العمل بالراجح من الدليلين المتعارضين ؛ لإجماع الصحابة ﵃، فقد كانوا يعملون بالراجح من الدليلين ويتركون العمل بالمرجوح منهما، فقد عملوا بحديث: " إذا التقا الختانان فقد وجب الغسل "، وتركوا العمل بحديث: " إنما الماء من الماء ".
ولأنه لو لم نعمل بالراجح: للزم العمل بالمرجوح، ولا شك أن ترجيح المرجوح على الراجح ممتنع عقلاً، فلم يبق إلا العمل بالراجح.
* * *
المسألة السابعة:
يجوز الترجيح بكثرة الأدلة ؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا يرجحون بكثرة العدد، فلم يعمل أبو بكر بخبر المغيرة " أن النبي ﷺ أطعم الجدة السدس " حتى شهد معه محمد بن مسلمة، وأن عمر لم يعمل بخبر " من استأذن ثلاثاً ولم يؤذن له فليرجع " حتى شهد مع الراوي بعض الصحابة. فالعدد الكثير يتقوى به الخبر، كذلك الأدلة يتقوى بها الحكم؛ حيث إن الكثرة أقرب إلى الصحة من القلة.
стр. 404
وبناء على ذلك: فإنه إذا ادعى رجلان شيئاً وهو في يد أحدهما، وأقام كل واحد منهما بينة، فإنا نقدم بينة ذي اليد على بينة الآخر؛ لأنهما استويا في إقامة البينة، وترجَّحت بينة ذي اليد، لكون الشيء المتنازع عليه معه.
* * *
المسألة الثامنة:
طرق الترجيح بين منقولين .
الطريق الأول: يرجح الخبر الذي كان راويه قريباً من الرسول ﷺ ، لأن الراوي القريب أوعى للحديث من البعيد، وأكثر سماعاً له منه، فيكون القريب أبعد عن احتمال الخطأ.
الطريق الثاني: يرجح الخبر الذي كان راويه كبير السن؛ لأن الغالب أن كبير السن يكون أقرب الناس مجلساً إلى النبي ﷺ حيث قال: " ليليني أولوا الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم ".
ولأن الغالب في الكبار أنهم يحترزون عن الكذب.
الطريق الثالث: يرجح الخبر الذي كان راويه متأخراً عن الإسلام؛ لأن تأخره في الإسلام يدل على تأخره في روايته، فهو يحفظ آخر الأمرين من رسول الله ﷺ .
الطريق الرابع: يرجح الخبر الذي كان راويه كثير الصحبة، لأن كثير المصاحبة للنبي ﷺ أعلم برواية الحديث وأحفظ لها، وأكثر استيعاباً لأقوال النبي ﷺ وأفعاله، وأعلم بمقاصده.
стр. 405
الطريق الخامس: يرجح الخبر الذي كان راويه قد سمع الحديث من غير حجاب، لأن رؤية المحدث تعين المسموع منه، بخلاف راوي الحديث مع وجود حجاب، حيث إن الأول يكون آمناً من تطرق الخلل الموجود في الرواية الأخرى.
الطريق السادس: يرجح الخبر الذي كان راويه قد اتفق على عدالته؛ لأن المتفق عليه مقدَّم على المختلف في عدالته في كل شيء.
الطريق السابع: يرجح الخبر الذي كان راويه تتعلق القصة به أو كان سفيراً فيها، لأنه أعرف بتفاصيل الموضوع، وأعلم بالقضية من غيره، فتكون روايته أقرب إلى الصحة.
الطريق الثامن: يرجح الخبر الذي كان راويه فقيهاً؛ لأنه أعلم بدلالات الألفاظ، وأعلم باستنباط الأحكام الشرعية منها، فهو يميز بين ما يجوز وما لا يجوز، وما يدل على الحكم بظاهره وما يدل على الحكم بغير ذلك، ويعلم اللفظة من الخبر الدالة على الحكم فيعتني بها.
بخلاف الراوي غير الفقيه فإنه يروي ما يسمعه دون الاعتناء باللفظة المهمة في الحديث، فيكون احتمال الخطأ في كلام الفقيه أقل.
الطريق التاسع: يرجح الخبر الذي كان راويه حسن الاعتقاد؛ لأن الثقة بكلام الراوي حسن الاعتقاد أكثر من غيره.
الطريق العاشر: الترجيح بكون الراوي ورعاً، لأن ورعه يمنعه من التساهل بنقل الخبر بخلاف غير الورع.
الطريق الحادي عشر: يرجح الخبر الذي كان راويه أعلم باللغة العربية؛ لأنه إذا سمع خبراً وعرف أن ما فيه لا يحمل على ظاهره بحث عنه، وعن سبب وروده، وعن اشتقاقات كلماته حتى
стр. 406
يزول الإشكال، فيكون الوثوق بروايته أكثر من غير العارف باللغة العربية.
الطريق الثاني عشر: يرجح الخبر الذي كان راويه راجح العقل؛ لأن عقله يمنعه من التساهل بالرواية، بخلاف خفيف العقل، أو الذي يعتريه خلل عقلي في بعض الأوقات.
الطريق الثالث عشر: يرجح الخبر الذي كان راويه قد زكي بعدد أكثر؛ لأنه يغلب على الظن صدق روايته أكثر من الراوي الذي زكَّاه عدد أقل.
الطريق الرابع عشر: يرجح الخبر الذي كان راويه مشهوراً بالحفظ والإتقان والضبط؛ لأن شهرته في هذه الأمور تؤدي إلى كثرة الثقة به، وقوة الاعتماد عليه، وقلة احتمال الخطأ والغلط منه، بخلاف الراوي غير المشهور بهذه الأمور.
الطريق الخامس عشر: يرجح الخبر الذي كان راويه مشهور النسب؛ لأن علو النسب والاشتهار به يسبب كثرة احترازه عما يوجب نقص منزلته المشهورة، بخلاف الراوي غير مشهور النسب.
الطريق السادس عشر: يرجح الخبر الذي كان راويه مشهوراً بدقة الإسناد، لأن دقة الإسناد توجب علم الطمأنينة، فيكون قريباً من اليقين، بخلاف الراوي غير المشهور بذلك.
الطريق السابع عشر: يرجح الخبر الذي كان راويه لم يلتبس اسمه بغيره لأنه أبعد من الاضطراب والشك، بخلاف الراوي الذي التبس اسمه بأسماء الضعفاء.
الطريق الثامن عشر: يرجح الخبر الذي كان راويه أكثر
стр. 407
ملازمة للشيخ المحدِّث؛ لأنه يكون أعرف بطرق الأحاديث، وطرق روايتها، وشروطها، بخلاف قليل الملازمة للشيخ المحدِّث.
الطريق التاسع عشر: يرجح الخبر الذي قد كثر رواته؛ لأن قول الجماعة أقوى في الظن وأبعد عن السهو والغلط والكذب؛ لذلك تجد الناس في أمورهم العادية يميلون ويأخذون بالأقوى، ولا شك أن الخبر الذي رواته أكثر أقوى من الخبر الذي رواته أقل.
الطريق العشرون: يرجح خبر المتواتر على الآحاد والمشهور؛ لأن المتواتر يفيد القطع، بخلاف خبر الآحاد والمشهور فإنه لا يفيد إلا الظن، والقطع مقدَّم على الظن.
الطريق الواحد والعشرون: يُرجح المسند على المرسل، لأن المرسل يكون بينه وبين الرسول ﷺ مجهول، وهذا الاحتمال منتف في المسند، فيرجح ما لا يحتمل على ما يحتمل.
ولأن الاعتماد في حجية الحديث على السند وصحته، وهذا يكون بالعلم بحال الرواة، والعلم بذلك متحقق في المسند بخلاف المرسل، ولهذا تقبل شهادة الفرع إذا عرف شاهد الأصل، ولا تقبل إذا شهد مرسلاً.
الطريق الثاني والعشرون: يرجح الخبر قليل الوسائط؛ لأن قليل الوسائط بين الراوي وبين النبي ﷺ أبعد عن احتمال الخطأ والكذب، وأقوى في الظن اتصاله برسول الله ﷺ .
الطريق الثالث والعشرون: يرجح الخبر قوي الدلالة على
стр. 408
الحكم: فيرجح الخاص على العام، ويرجح المقيد على المطلق، وُيرجح الدال على الحكم بمفهوم الموافقة على الدال على الحكم بمفهوم المخالفة، ويرجح الخبر الدال على الحكم بمفهوم الشرط على الخبر الدال على الحكم بمفهوم العدد، ويرجح الخبر الدال على الحكم مع ذكر العلة، على الخبر الدال على الحكم بدون ذكر العلة، ونحو ذلك، وقلنا ذلك؛ لقوة دلالته على الحكم، والقوي يرجح على الضعيف.
الطريق الرابع والعشرون: يرجح الخبر المروي باللفظ، لأنه يكون أغلب على الظن بكونه من كلام النبي ﷺ .
ولأنه المروي باللفظ متفق على جواز روايته وعلى كونه حجة، بخلاف الخبر المروي بالمعنى فقد اختلف فيه، والمتفق عليه مقدم على المختلف فيه.
الطريق الخامس والعشرون: يرجح الخبر الذي قد أكد لفظه، لأنه يكون أبعد عن تطرق الخطأ إليه، بخلاف الذي لم يؤكد لفظه.
الطريق السادس والعشرون: يرجح الخبر الذي يكون لفظه مستقلاً على الخبر الذي لم يستقل بإفادة الحكم بل احتاج إلى إضمار؛ لأن المستقل بنفسه قد علمنا المراد منه، أما المحذوف منه ربما يلتبس عليه ما هو المضمر منه.
الطريق السابع والعشرون: يرجح الخبر الذي سلم متنه من الاضطراب على غير السالم؛ لأن ما لا اضطراب فيه أشبه بقول الرسول ﷺ .
الطريق الثامن والعشرون: يرجح الخبر المروي في ثنايا قصة
стр. 409
مشهورة؛ لأنه أقوى في النفوس، وأقرب إلى السلامة من الغلط مما يرويه المنفرد بدون قصة.
الطريق التاسع والعشرون: يرجح الخبر القولي على الخبر الفعلي، لأن القول أصرح بالحكم من الفعل.
الطريق الثلاثون: يرجح الخبر الفعلي على التقريري، لأن الفعل أقوى من التقرير.
الطريق الواحد والثلاثون: يرجح الخبر الذي متنه قد تضمن نهياً على الخبر الذي تضمن أمراً؛ لأن الغالب في النهي دفع المفسدة الموجودة في المنهي عنه، والغالب في الأمر بالشيء جلب المصلحة الموجودة في المأمور به، واهتمام الشارع بدفع المفاسد أكثر وأشد من اهتمامه بجلب المصالح.
الطريق الثاني والثلاثون: ترجيح الخبر الذي يدرأ الحد على الموجب له؛ لأن الحد ضرر والضرر يزال، ولقوله ﷺ : " ادرأوا الحدود بالشبهات ".
الطريق الثالث والثلاثون: ترجيح الخبر الناقل عن البراءة الأصلية والآتي بحكم جديد على الخبر المبقي عليها؛ لأن الناقل يفيد التأسيس والمبقي يفيد التأكيد، والتأسيس أولى من التأكيد.
ولأنه يوجد في الخبر الناقل زيادة علم، وما أفاد الزيادة يقدم على غيره.
الطريق الرابع والثلاثون: يرجح الخبر المفيد للوجوب على الخبر المفيد للإباحة أو الكراهة، أو الندب، لأن تارك الواجب مستحق للعقاب بخلاف تارك المباح والمندوب والمكروه، فيكون ذلك أحوط للدِّين.
стр. 410
الطريق الخامس والثلاثون: يُرجح الخبر المحرِّم على الموجب؛ لأن الغالب أن التحريم يكون لدفع مفسدة، والموجب إنما يكون لجلب مصلحة، واهتمام الشارع بدرء المفاسد أكثر من اهتمامه بجلب المصالح، وقد سبق.
الطريق السادس والثلاثون: يرجح الخبر المفيد للتحريم على ما يفيد الإباحة، لقوله ﷺ : " ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال ".
ولأن العمل بمقتضى الحرام أحوط؛ لأن ملابسة الحرام توقع في الإثم، بخلاف ملابسة المباح فلا توجب ذلك.
الطريق السابع والثلاثون: يرجح الخبر المثبت للطلاق والعتاق على نافيهما، لأن الأصل عدم القيد، ولأن المثبت عنده زيادة علم لا توجد عند النافي.
الطريق الثامن والثلاثون: يُرجح الخبر المفيد لحكم أثقل وأشد على الخبر المفيد لحكم أخف؛ لأن زيادة شدته ومشقته وثقله تدل على تأكد المقصود، وفضله على الأخف الأيسر، فالمحافظة عليه أولى.
الطريق التاسع والثلاثون: يرجح الخبر المحرم، على الخبر المفيد لكراهة؛ احتياطاً؛ لأن فعل الحرام يستوجب العقوبة بخلاف فعل المكروه.
الطريق الأربعون: يرجح الخبر الموافق لآية من القرآن؛ لأنها أفادت زيادة قوة في الظن في الخبر، بخلاف غير الموافق لآية.
стр. 411
الطريق الواحد والأربعون: يرجح الخبر الموافق لخبر آخر؛ لأن الخبر الذي وافقه قد أفاد زيادة قوة في الظن في الخبر الموافق له.
الطريق الثاني والأربعون: يرجح الخبر الموافق للقياس؛ لما قلناه في موافقته لآية أو لحديث.
الطريق الثالث والأربعون: يُرجح الخبر المعمول به؛ لأن
عملهم به يدل على أنه كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، بخلاف الخبر غير المعمول به.
الطريق الرابع والأربعون: يرجح الخبر الذي اقترنت به قرائن تدل على تأخر وقته، على الخبر الذي لم يقترن به ذلك؛ لأن المتأخر يكون هو آخر الأمرين من النبي ﷺ ، فيجب العمل به، فيكون ناسخاً للخبر الذي لم يقترن به ذلك.
الطريق الخامس والأربعون: يُرجح الخبر الذي اشتمل على زيادة على الخبر الذي لم يشتمل على تلك الزيادة؛ لأن دلالة الخبر الذي فيه زيادة دلالة ناطق، ودلالة الخبر الذي لم يشتمل على الزيادة، دلالة ساكت، ودلالة الناطق مقدمة.
* * *
المسألة التاسعة:
طرق الترجيح بين معقولين: وهو الترجيح بين الأقيسة:
الطريق الأول: يرجح القياس الذي حكم أصله قطعي على القياس الذي حكم أصله ظني، لأن ما كان حكم أصله ظنياً يتطرق إليه الخلل بخلاف الآخر.
الطريق الثاني: يرجح القياس الذي حكمه جرى على وفق القواعد الكلية؛ لكونه أبعد عن التعبد وأقرب إلى العقول وموافقة الدليل على القياس الذي جرى حكمه على مخالفة القواعد وهو المعدول به عن سنن القياس.
стр. 412
الطريق الثالث: يرجح القياس المقتضي للتحريم على القياس المقتضي للإباحة؛ لأنه إذا اشتبه المباح بالحرام فإنه يغلب جانب التحريم.
الطريق الرابع: يرجح القياس المفيد إسقاط الحد، على القياس المفيد إثبات الحد؛ لقوله ﷺ : " ادرأوا الحدود بالشبهات ".
ولأن الحدود ضرر، والضرر يزال.
الطريق الخامس: يرجح القياس المثبت للعتق على النافي له؛ لأن العتق يتشوَّف إليه الشارع، دون الرق، فيقدم ما يتشوف إليه الشارع، وما يتفق مع أهداف الإسلام، ومقاصد الشريعة.
الطريق السادس: يرجح القياس المتفق على تعليل حكم أصله على القياس المختلف على تعليل حكم أصله، لأن المتفق على تعليله مقدم على المختلف فيه.
الطريق السابع: يرجح القياس المتفق على عدم نسخ حكم أصله على القياس المختلف في نسخ حكم أصله؛ لأن النسخ يؤدي إلى الخلل في فهم المقصود.
الطريق الثامن: يرجح القياس الذي علة أصله وجدت بصورة قطعية على القياس الذي وجدت علة أصله بصورة ظنية؛ لأن القاطع لا يحتمل غير العلية، بخلاف الظن.
الطريق التاسع: يُرجح القياس الذي علته منعكسة - أي: كلما عدم الوصف عدم الحكم - على القياس الذي ليس كذلك؛ لأن الانعكاس دليل اختصاص الحكم بالعلة.
الطريق العاشر: يرجح القياس الجلي على القياس الخفي؛ نظراً لقوة الجلي، وعدم الاختلاف فيه، بخلاف الخفي.
стр. 413
الطريق الحادي عشر: يرجح القياس الذي علته ثبتت عن طريق الإجماع على القياس الذي ثبتت علته عن طريق النص، لأن الإجماع لا يحتمل النسخ، ولا التأويل، بخلاف النص.
الطريق الثاني عشر: يرجح القياس الذي ثبتت علته عن طريق النص الصريح على القياس الذي ثبتت علته عن طريق النص الظاهر، نظراً لقوته في المراد.
الطريق الثالث عشر: يرجح القياس الذي ثبتت علته عن طريق الإيماء بجميع أنواعه، على القياس الذي ثبتت علته عن طريق غيره من الطرق الاجتهادية، كالمناسبة، والوصف الشبهي، والسبر والتقسيم والدوران، لأن الإيماء طريق متفق عليه، والمتفق عليه أولى بالاتباع.
الطريق الرابع عشر: يرجح القياس الذي علته عامة توجد في جميع الأفراد على القياس الذي علته خاصة وهي التي خرج منها بعض الأفراد، لأن العامة أكثر فائدة.
الطريق الخامس عشر: يرجح القياس الذي علته شهد لها أصلان على القياس الذي علته شهد لها أصل واحد؛ لأن ما شهد له اثنان أقوى مما شهد له واحد.
الطريق السادس عشر: يرجح القياس الذي علته ناقلة - أي: مفيدة حكماً شرعياً جديداً - على القياس الذي علته مبقية على الأصل لأن الناقلة فيها زيادة علم، فيقدَّم لأجل ذلك.
الطريق السابع عشر: يرجح القياس الذي علته مفردة على القياس الذي علته مركبة من أوصاف؛ لأنه كلما كانت العلة أقل أوصافاً كلما كان ذلك أقرب إلى القبول، وأقوى في الظن.
стр. 414
الطريق الثامن عشر: يرجح القياس الذي قطع بوجود العلة في الفرع على القياس الذي ظن بوجود العلة في الفرع؛ لأن المقطوع بوجود العلة فيه أغلب على الظن، وأبعد عن الاحتمال.
الطريق التاسع عشر: يرجح القياس الذي وافقه أي دليل شرعي كالكتاب والسنة، أو عمل الخلفاء الأربعة، أو الإجماع، أو قياس آخر، على القياس الذي لم يوافقه أيُّ واحد مما سبق.
* * *
المسألة العاشرة:
الترجيح بين المنقول والقياس .
المنقول قسمان: " منقول خاص "، و " منقول عام ".
أما القسم الأول - وهو المنقول الخاص - فهو نوعان:.
النوع الأول: أن يكون هذا النقل الخاص دالاً على حكمه بالمنطوق.
النوع الثاني: أن يكون هذا النقل الخاص دالاً على حكمه بالمفهوم.
فإذا تعارض القياس مع النقل الخاص الدال على حكمه بالمنطوق، فإن المنقول الخاص يُرجح؛ لقلة تطرق الخطأ إليه.
أما إذا تعارض القياس مع النقل الخاص الدال على حكمه بالمفهوم:
فإن كان مفهوم موافقة: فإن النقل الخاص مقدم؛ لأن مفهوم الموافقة يفيد دلالة أقوى من دلالة القياس؛ حيث قلنا: إن دلالته لفظية.
وإن دلَّ النقل الخاص على حكمه بمفهوم المخالفة وخالف
стр. 415
القياس، فإن هذا يختلف باختلاف قوة أنواع المفاهيم، ويختلف بحسب اختلاف المجتهدين، وما يقع في نفوسهم من قوة الدلالة وضعفها، وهذا لا يمكن ضبطه بقاعدة، فيكون هذا موكولاً إلى نظر الناظرين والمجتهدين في آحاد الصور.
أما القسم الثاني: وهو المنقول العام، فإنه إذا عارضه القياس الخاص، فإن القياس يخصص العام؛ لأنه يلزم من العمل بعموم العام إبطال دلالة القياس بالكلية، ولا يلزم من العمل بالقياس إبطال العام بالكلية، بل إنه يلزم العمل بالقياس وما بقي من العام بعد تخصيصه، وهذا فيه جمع بين الدليلين وهو أولى من العمل بأحدهما وإبطال الآخر، وقد سبق بيان ذلك.
وبعد، فإن هذه آخر مسألة من مسائل هذا الكتاب المسمَّى بـ: " الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقها على المذهب الراجح "، وكان الفراغ منه في يوم الأربعاء الموافق للسادس عشر من شهر ربيع الأول من عام ألف وأربعمائة وعشرين من الهجرة النبوية الشريفة، وذلك بمدينة الرياض حماها الله من كل مكروه.
أرجو من الله العلي القدير أن ينفع به الطلاب الذين طلبوا مني تصنيفه، وأن ينفع به سائر طلاب العلم، وأن يكون هذا المصنف ذخيرة لي في الآخرة.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه
أ. د: عبد الكريم بن علي بن محمد النملة
الأستاذ في قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية