← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29884

الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقاتها على المذهب الراجح

عبد الكريم النملة

Полный текст (415 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

المسألة السادسة والثلاثون: يشترط أن تكون العلة ظاهرة جليَّة كالإسكار علة لتحريم الخمر، والسفر علة لإباحة الفطر، وذلك لأن المقصود من الوصف المعلل به إثبات الحكم في الفرع ولا يمكن هذا إلا إذا كان هذا الوصف جلياً واضحاً في الأصل ويوجد في الفرع كما وجد في الأصل. أما إذا كان خفياً في الأصل فإنه لا يمكن إثبات الحكم بواسطته في الفرع، فلا يصح التعليل في الملك في البيع بالتراضي بين المتبايعين، لأن الرضى من الأوصاف الخفية التي يتعذر الوقوف عليها بنفسها، لذلك لا بد أن يعلل الملك في البيع بأمر ظاهر يكون مظنة الرضا في البيع وهو: الإيجاب والقبول من الطرفين، أو المعاطاة في الأشياء اليسيرة. * * * المسألة السابعة والثلاثون: يجوز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي ، فيقول المجتهد في الذمي: يصح ظهاره؛ لأنه يصح طلاقه كالمسلم. وقلنا ذلك لأن العلة هي المعرف للحكم، ولا يستبعد أن يجعل حكماً ما معرفاً لحكم آخر، كأن يقول الشارع: " مهما رأيتم أني أثبت الحكم الفلاني في الصورة الفلانية فاعلموا أني أثبت الحكم الفلاني فيها أيضاً ".

стр. 352

وبناء على ذلك: فإنه يصح ظهار الذمي، وما صحَّ بيعه صحَّ رهنه. * * * المسألة الثامنة والثلاثون: لا يجوز التعليل بالحكمة - وهي: تطلق على ما يترتب على التشريع من جلب مصلحة أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها، فلا يجوز التعليل بالمشقة على إباحة الفطر للمسافر بل يعلل بنفس السفر؛ لأن المشقة حكمة الحكم، وقلنا ذلك لأن حكمة الحكم الغالب فيها الخفاء، وعدم الانضباط، فهي تختلف باختلاف الأحوال، والأفراد، والأزمان. فالمشقة التي تكون عند فلان قد لا تكون عند الآخر، والمشقة التي تكون في الصيف، قد لا تكون في الشتاء وهكذا، أما السفر فإنه لا يختلف باختلاف الأحوال والأفراد. * * * المسألة التاسعة والثلاثون: يجوز التعليل بالوصف المركب من أجزاء ؛ قياساً على التعليل بالوصف الواحد. فكما أن الوصف الواحد يغلب على الظن أنه علة بأحد مسالك إثبات العلة السابقة، فكذلك الوصف المركب من عدة أجزاء يُظن عليته بتلك المسالك والطرق ولا فرق؛ لأن القول بالفرق لا دليل عليه، وما لا دليل عليه فلا يعتمد عليه.

стр. 353

فيجوز التعليل بالقتل العمد العدوان على وجوب القصاص. * * * المسألة الأربعون: يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين فأكثر مطلقاً ؛ لأن العلة هي: الوصف المعرف للحكم، ولا مانع من اجتماع المعرِّفات والأمارات على شيء واحد كما قالوا: إن من لمَس وبال فإنه ينتقض وضوءه بهما. ولأنه بعد الاستقراء وجد أنه يمكن أن يصدر من شخص واحد في ساعة واحدة سببان يوجبان قتله كالزنا والردة، وتحرم المرأة بسببين: الحيض والإحرام، أو الإحرام والعدة، أو الحيض والعدة، أو تحرم بالثلاثة وهي: الإحرام، والعدة، والحيض، كذلك لو جمع شخص بين لبن أخته ولبن زوجة أخيه ثم سقاه لصبية دون السنتين خمس مرات مشبعات فإن هذه الصبية تحرم على ذلك الشخص بسببين معاً وهما: أنه يعتبر عمها، ويعتبر خالها. * * * المسألة الواحدة والأربعون: يجوز تعليل حكمين فأكثر بعلة واحدة ؛ لأن العلة هي: الوصف المعرف للحكم، ولا مانعِ من أن يكون الوصف الواحد معرفاً لحكمين فأكثر، لكونه مناسبا لهما.

стр. 354

فالقذف - مثلاً - علة لوجوب الحد على القاذف، وهو أيضاً علة لعدم قَبول شهادته، والقتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص، وعلة أيضاً لحرمان القاتل من الميراث، وغروب الشمس علة لجواز الفطر في رمضان، وعلة أيضاً لوجوب صلاة المغرب، وعلة أيضاً لصحة الحج. * * * المسألة الثانية والأربعون: يشترط في الوصف المستنبَط المعلل به أن لا يرجع على الأصل بإبطاله ؛ لأن العلة لما كانت فرعاً لهذا الحكم من حيث إنها مستنبطة منه، والفرع لا يجوز أن يعود على أصله بالإبطال - أيضاً - باعتبار أن إبطال الأصل إبطال للفرع، فلا يجوز - إذن - أن يكون الوصف المعلل به مبطلاً لحكم أصله أو جزء منه؛ لأن إبطال الشيء نفسه محال. مثال ذلك: أنه لما ورد قوله ﷺ : " في كل أربعين شاة شاة "، علل بعض الحنفية وجوب الشاة في الزكاة بدفع حاجة الفقراء، ولذلك جوزوا إخراج قيمتها. وهذا التعليل - وهو: دفع الحاجة - يرفع وجوب الشاة بعينها مع أن الحديث صريح في وجوبها؛ لأن حاجة الفقير تندفع بقيمة الشاة أيضاً، فتعليل هذا بهذه العلة - وهي: دفع الحاجة - نقل وجوب الشاة بعينها إلى تخيير المزكي بين إخراج شاة بعينها وبين قيمتها، وهذا التعليل قد عاد على أصله بالإبطال، وهو لا يجوز.

стр. 355

المسألة الثالثة والأربعون: لا يجوز التعليل بالاسم المجرد ، مثل: تعليل تحريم الخمر: بكون العرب سمَّته خمراً، وتعليل تحريم الربا في الذهب: بكونه ذهباً، لأن العلة هي: الوصف المعرف للحكم، والاسم ليس وصفاً، ولا فيه معنى الوصف، فانتفت عنه حقيقة العلة، ومجرد الاسم لا أثر له. * * * المسألة الرابعة والأربعون: يجوز التعليل بالوصف العُرفي - وهو: الوصف الذي لا يختلف باختلاف الأزمان، كالشرف، والخسة، والدناءة، والكمال، والنقصان. وقلنا ذلك: لأن المناسبة التي هي الشرط الأساسي في التعليل موجودة في تلك الأوصاف العرفية، فمثلاً: الشرف يناسب التكريم، وتحريم الإهانة، ووجوب المحافظة، والخسة تناسب إباحة الإهانة. ولكن لا يجوز التعليل بتلك الأوصاف إلا بشرطين هما: الشرط الأول: أن يكون الوصف العرفي مطَّرداً، أي: لا يختلف باختلاف الأوقات والأزمان؛ لأن العرف لو لم يكن مطَرداً لجاز أن يكون ذلك العُرف حاصلاً في عصر دون العصر الآخر، وهذا يجعله غير صالح للتعليل به. الشرط الثاني: أن يكون الوصف العرفي متميزاً عن غيره؛

стр. 356

لأن التعليل بالشيء فرع تميزه عن غيره، ولا يتم ذلك إلا عند تمام التصور للوصف المعلل به. * * * المسألة الخامسة والأربعون: العلة المتعدية هي: ما ثبت وجودها في الأصل والفرع ، أي: تتعدى من محل النص إلى غيره. " والعلَّة القاصرة هي: التي ثبت وجودها في الأصل فقط، ولا تتعدى إلى الفرع. أما العلة المتعدية فيجوز التعليل بها اتفاقاً، وهذا مطلق، أي: سواء كانت منصوصاً عليها كقوله ﷺ في الهرة: " إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات "، فيقاس عليه الفأرة، أو كانت العلة مستنبطة كالتعليل بالقتل العمد العدوان، والزنا والإسكار، والاقتيات ونحو ذلك. أما العلة القاصرة فيجوز التعليل بها إن كانت منصوصاً عليها اتفاقاً، كتعليل وجوب الكفارة بوقاع مكلف في نهار رمضان. وأما العلة القاصرة المستنبطة كالسفر المبيح للفطر، والاستبراء للأَمة في أول حدوث ملكها للتعرف على براءة رحمها، والرمل في الأشواط الأول من الطواف، لإظهار الجَلَد والنشاط للمشركين، فإنه يجوز التعليل بها على الصحيح من أقوال العلماء؛ قياساً على العلة القاصرة المنصوص عليها ولا فرق؛ فإذا جاز التعليل بالعلة القاصرة المنصوص عليها، فكذا يجوز التعليل بالعلة القاصرة المستنبطة، فيجب أن تكون صحيحة، ولا فرق، كما أننا لم نفرق بين العلة المتعدية

стр. 357

المنصوص عليها وبين المتعدية المستنبطة. * * * المسألة السادسة والأربعون: فوائد التعليل بالعلة القاصرة . الفائدة الأولى: أنه بسبب العلة القاصرة يمكننا التعرف على أن ذلك الحكم مطابق للحكمة والمصلحة، فتميل النفوس بطبيعتها إلى قبول ما عرفت الحكمة والمصلحة التي من أجلها شرع ذلك الحكم أكثر من قبولها للأحكام التي لم تعرف الحكمة والمصلحة التي من أجلها شرع الحكم. الفائدة الثانية: إن ثبوت العلة القاصرة دليل يستدل به المجتهد على اختصاص النص الأصلي بذلك الحكم، وحينئذٍ لا يشتغل المجتهد بالتعليل لأجل أن يعدِّي الحكم إلى أي فرع. الفائدة الثالثة: أن العلة القاصرة تفيد بمفهومها، فمثلاً: لما ثبتت النقدية علة في تحريم الربا في النقدين، فإن عدم النقدية مشعر بانتفاء تحريم الربا. الفائدة الرابعة: أن العارف للعلة القاصرة يحصل له أجران إذا امتثل الحكم: أجر قصد به الامتثال، وأجر قصد به فعل الفعل لأجل العلة القاصرة من جلب مصلحة أو دفع مفسدة. الفائدة الخامسة: أن العلة قد تكون في زمان قاصرة لا فرع لها، ولكن قد يحدث فرع في زمان آخر يشبه العلة القاصرة

стр. 358

فحينئذٍ يقوم المجتهد بإلحاق ذلك بالمنصوص عليه. الفائدة السادسة: لو ظهرت علة قاصرة أو علة متعدية في حكم واحد، ولم يوجد دليل يرجح العلة المتعدية بالعلية، فإنه لا يجوز تعدية الحكم إلى الفرع؛ لأن وجود العلة القاصرة منع من ذلك، فلولا وجود العلة القاصرة لتعدَّى الحكم بتلك العلة من غير توقف على دليل مرجح. * * * تنبيه: هذا آخر الكلام عن القياس الذي هو آخر الأدلة المتفق عليها إجمالاً - التي هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس - وهو القسم الأول من الأدلة، ويلي ذلك القسم الثاني من الأدلة، وهي الأدلة المختلف فيها.

стр. 359

القسم الثاني الأدلة المختلف فيها ويشتمل على الأدلة التالية: الدليل الأول: الاستصحاب. الدليل الثاني: شرع من قبلنا. الدليل الثالث: قول الصحابي. الدليل الرابع: الاستحسان. الدليل الخامس: المصلحة المرسلة. الدليل السادس: سد الذرائع. الدليل السابع: العرف. الدليل الثامن: الاستقراء. وإليك بيان كل واحد منها.

стр. 360

الدليل الأول الاستصحاب ويشتمل على مسائل: المسألة الأولى: الاستصحاب هو: عبارة عن الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على ثبوته في الزمان الأول؛ لفقدان ما يصلح للتغيير. أو تقول: هو: بقاء ما كان على ما كان نفياً وإثباتاً حتى يثبت دليل يغير الحالة. * * * المسألة الثانية: أنواع الاستصحاب هي: النوع الأول: استصحاب البراءة الأصلية، وهو: استصحاب العدم الأصلي المعلوم، وذلك كبراءة الذمة من التكاليف حتى يقوم الدليل على التكليف بأمر من الأمور، فإذا لم يقم دليل: بقي ما كان على ما كان وهو: أن كل شيء مباح للإنسان؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة كما سبق أن بيناه، وبعضهم يُسمي ذلك بـ " عدم الدليل ": دليل على البراءة، مثال ذلك: أن الوتر غير واجب؛ لأن طريق وجوبه الشرع وقد طلب الدليل فلم يوجد، فعدم وجود الدليل على الوجوب دليل على عدم

стр. 361

الوجوب، وأن الذمة بريئة منه، فهو إذن مندوب. وهذا النوع يستدل به الفقهاء كثيراً. النوع الثاني: استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي حتى يثبت خلافه، مثل: استصحاب الطهارة إذا شك في الحدث، فإن وصف الطهارة إذا ثبت وتأكدنا منه أبيحت الصلاة، فإن هذا الحكم يستصحب حتى يثبت خلافه، وهو الحدث، ومثل: الكفالة فإنه وصف شرعي يستمر ثابتاً حتى يؤدي الدَّين، أو يؤديه الأصيل، أو يُبرئه المدين. النوع الثالث: استصحاب ما دلَّ الشرع على ثبوته واستمراره، مثل: استمرار ملك الإنسان لهذه الأرض مثلاً بسبب الشراء؛ حتى يوجد ما يزيله ويغيره. النوع الرابع: استصحاب حكم العموم والعمل به حتى يرد ما يُخصص ذلك العموم، واستصحاب العمل بالنص حتى يرد ما ينسخه. * * * المسألة الثالثة: جميع أنواع الاستصحاب السابقة حجة في ثبوت الأحكام وعدمها ؛ لأن استصحاب الحال يفيد بقاء الحكم إلى الزمن الثاني، وكل ما أفاد ظن الحكم وجب العمل به؛ لأن العمل بالظن الغالب متعين، فالاستصحاب يجب العمل به. ولأن الإجماع منعقد على أنه لو شك في حصول الزوجية ابتداء حرم عليه الاستمتاع، ولو شك في حصول الطلاق مع سبق العقد جاز له الاستمتاع، ولا يوجد فرق بينهما إلا أن الأول قد استصحب فيه الحالة الموجودة قبل الشك - وهي: عدم الزوجية وحصول العقد، وأما الثاني فقد استصحب فيه الحالة الموجودة

стр. 362

قبل الشك - وهي العقد عليها - فلو لم يعتبر الاستصحاب وكان غير مفيد لظن البقاء للزم استواء الحالين: التحريم والجواز، وهو: حرمة الوطء أو إباحته، وهو: باطل بالإجماع. * * * المسألة الرابعة: النافي للحكم يلزمه الدليل ويطالب به ؛ لقوله تعالى: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)). فهنا قد نفى اليهود والنصارى وقالوا: لن يدخل الجنة إلا نحن ومع ذلك فقد أمر الله تعالى نبيه بأن يطالبهم بالدليل على هذا النفي، وهذا يفيد أن النافي يلزمه الدليل. ولأن نفي الحكم دعوى، والدعوى لا تثبت إلا بدليل.

стр. 363

الدليل الثاني شرع من قبلنا وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد بشرع من قبلنا هو: ما نقل إلينا من أحكام تلك الشرائع التي كانت الأمم السابقة قد كلفت بها على أنها شرع لله تعالى. * * * المسألة الثانية: ما أورده الله تعالى في كتابه، أو أورده رسول ﷺ في سنته من القصص والأخبار والأحكام التي وردت في الشرائع السابقة من غير إنكار، ولم يدل دليل على أنها مشروعة في حقنا، ولم يدل دليل على أنها منسوخة عنا، فإن هذه الأحكام مشروعة لنا، وملزمون بها، أي: أن شرع من قبلنا شرع لنا، فتكون حجة؛ لقوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)، حيث إن الله تعالى قد أمر نبيه ﷺ باتباع جميع الأنبياء السابقين، فيكون متعبداً بشرع من قبله. ولقوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا)، حيث إن هذا يدل على أن شرع نبينا محمد ﷺ مثل شرع غيره

стр. 364

من الأنبياء كنوح، وابراهيم، وموسى، وعيسى، ولا فرق بينهم في أخذ الأحكام من جميع الشرائع السابقة. ولقوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، حيث إن الله تعالى قد بين أن من لم يحكم بما أنزل فقد خرج عن الملة، والأحكام التي عمل بها النبيون السابقون هو مما أنزل الله، فيجب العمل بها. وعلى هذا فإنه يستدل على قتل الرجل بالمرأة بقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)، ويستدل على جواز الجُعالة بقوله تعالى: (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ).

стр. 365

الدليل الثالث قول الصحابي وفيه مسائل: المسألة الأولى: المراد بقول الصحابي: ما نقل إلينا عن أحد أصحاب رسول الله ﷺ من فتوى، أو قضاء، أو عمل، أو رأي، أو مذهب في حادثة لم يرد حكمها في نص، ولم يحصل عليها إجماع. * * * المسألة الثانية: إذا قال صحابي رأياً، ولم يرجع عنه ولم يخالف فيه قول صحابي آخر ، ولم ينتشر: فإن هذا القول حجة مطلقاً، أي: سواء وافق القياس، أو لا، أو كان من الخلفاء، أو من غيرهم؛ لقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)، حيث إن هذا خطاب مع الصحابة بأن كل ما يأمرون به معروف والمعروف يجب القول به. ولأن قول الصحابي الصادر عن رأي واجتهاد فإنه يرجح على رأي التابعي ومن بعده؛ لأن رأي الصحابي أقرب إلى إصابة الحق، وأبعد عن الخطأ؛ حيث شاهد التنزيل، وعرف التأويل،

стр. 366

ووقف من أحوال النبي ﷺ ومراده في كلامه على ما لم يقف عليه غيره مع اجتهاد وحرص على طلب الحق، وعرف مقاصد الشريعة، مع فضل درجة ليست لغيرهم كما وردت الأخبار بذلك، كقوله ﷺ : " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم "، فمَن هذا شأنه فإن قوله أولى بالاتباع من قول غيره. وبناء على هذا: فإنه يستدل على عدم وجوب الزكاة في الحلي بمذهب ابن عمر حيث كان لا يخرج الزكاة على حلي بناته وجواريه، ويستدل على وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون بقول عمر ﵁: " اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة ". * * * المسألة الثالثة: إذا قال صحابي قولاً في مسألة اجتهادية، ولم يخالف فيه قول صحابي آخر، ولم ينتشر في بقية الصحابة: فإن هذا القول حجة، وقد سبق، وعلى هذا: فإنه يجوز العمل به بدون دليل آخر يُعضده. لكن إذا قال صحابي قولاً في مسألة، وخالفه صحابي آخر في نفس المسألة بقول آخر، فإنه لا يجوز الأخذ بقول أحدهما بدون دليل؛ لأن القولين لا يمكن أن يكونا خطأ، ولا يمكن أن يكونا صواباً، بل إن أحدهما صواب والآخر خطأ، ولا يمكن معرفة القول الصواب والقول الخطأ إلا بدليل خارجي، إذن: لا بد من الدليل لترجيح أحد القولين.

стр. 367

ولأنهما قولان قد تعارضا فلا بد من دليل آخر يرجح أحدهما مثل: الآيتين، أو الخبرين إذا تعارضا، فلا يمكن ترجيح أحدهما إلا بمرجح خارجي.

стр. 368

الدليل الرابع الاستحسان وفيه مسائل: المسألة الأولى: الاستحسان هو: العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص أقوى من الأول. فالقياس يقتضي حكماً عاماً في جميع المسائل، لكن خُصِّصت مسألة وعُدل بها عن نظائرها، وصار لها حكم خاص بها نظراً لثبوت دليل قد خصَّصها وأخرجها عما يماثلها، وهذا الدليل هو أقوى من المقتضي العموم في نظر المجتهد. * * * المسألة الثانية: أنواع الاستحسان هي: النوع الأول: الاستحسان بالنص، وهو: العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بالكتاب أو السنة. مثاله: أن القياس لا يجوِّز العرايا، لأنه يبع تمر برطب وهو داخل تحت النهي عن بيع المزابنة، ولكن عدلنا عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو الجواز لدليل ثبت بالسنة وهو قول الراوي:

стр. 369

" ورخص بالعرايا "، فتركنا القياس لهذا الخبر استحساناً. النوع الثاني: الاستحسان بالإجماع، وهو: العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بالإجماع. مثاله: أن القياس لا يجوِّز عقد الاستصناع، وهو: أن يتعاقد شخص مع صانع على أن يصنع له كرسياً - مثلاً - بمبلغ وقدره مِائة ريال بشروط معينة -، فهذا لا يجوز؛ لأنه بيع معدوم، لكن عدلنا عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: جواز هذا العقد؛ نظراً لتعامل الأمة به من غير نكير، فصار إجماعاً. النوع الثالث: الاستحسان بالعرف والعادة، وهو: العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم آخر يخالفه؛ نظراً لجريان العرف بذلك، وعملاً بما اعتاده الناس. مثاله: لو حلف شخص وقال: " والله لا أدخل بيتاً "، فالقياس يقتضي: أنه يحنث إذا دخل المسجد؛ لأنه يسمى بيتاً لغة، ولكن عدل عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: عدم حنثه إذا دخل المسجد؛ لتعارف الناس على عدم إطلاق هذا اللفظ على المسجد. النوع الرابع: الاستحسان بالضرورة، وهو: العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم آخر مخالف له ضرورة. مثاله: جواز الشهادة في النكاح والدخول، فالقياس يقتضي عدم جواز الشهادة في النكاح والدخول؛ لأن الشهادة مشتقة من المشاهدة وذلك بالعلم، ولم يحصل في هذه الأمور، لكن عُدل عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: جواز الشهادة في النكاح والدخول ضرورة؛ لأنه لو لم تقبل فيها الشهادة بالتسامح لأدى إلى الحرج وتعطيل الأحكام.

стр. 370

النوع الخامس: الاستحسان بالقياس الخفي، وهو: العدول عن حكم القياس الظاهر المتبادر فيها إلى حكم آخر بقياس آخر، وهو: أدق وأخفى من الأول، لكنه أقوى حجة، وأسدّ نظراً، وأصح استنتاجاً منه. مثاله: أن من له على آخر دين حال من دراهم فسرق منه مثلها قبل أن يستوفيها فلا تقطع يده. لكن إذا كان الذين مؤجلاً، فالقياس يقتضي قطع يده إذا سرق مثلها قبل حلول الأجل؛ لأنه لا يباح له أخذه قبل الأجل، لكن عدل عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: أن يده لا تقطع؛ لأن ثبوت الحق - وإن تأخرت المطالبة - يصير شبهة دارئة، وإن كان لا يلزمه الإعطاء الان، فعدم قطع اليد هنا ثبت استحساناً. * * * المسألة الثالثة: الاستحسان بذلك التعريف حجة باتفاق العلماء ؛ حيث لم ينكره أحد، وإن اختلف في تسميته استحساناً، فبعضهم سماه بهذا الاسم، وبعضهم لم يسمه بذلك، وهو في الجملة راجع إلى العمل بالدليل القوي الذي ترجح بذلك على ما هو أضعف منه، وهذا لا نزاع فيه.

стр. 371

الدليل الخامس المصلحة المرسلة وفيه مسائل: المسألة الأولى: المصلحة المرسلة هي: كل منفعة داخلة في مقاصد الشارع الخمسة - وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسل - دون أن يكون لها شاهد بالاعتبار أو الإلغاء. فتكون المصالح المرسلة هي التي لم يقم دليل من الشارع على اعتبارها ولا على إلغائها، فإذا حدثت حادثة لم نجد حكمها في نص ولا في إجماع ووجدنا فيها أمراً مناسباً لتشريع الحكم، أي: أن تشريع الحكم فيها من شأنه أن يدفع ضرراً، أو يحقق نفعاً، فهذا الأمر المناسب في هذه الحادثة يُسمى المصلحة المرسلة. * * * المسألة الثانية: أقسام المصالح باعتبار أهميتها هي: القسم الأول: الضروريات، وهي: المصالح التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، وصيانة مقاصد الشريعة، بحيث إذا فقدت أو فقد بعضها: فإن الحياة تختل أو تفسد، وللمحافظة

стр. 372

على المصالح الضرورية شرع الله حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والمال. فشرع لحفظ الدين: قتل الكافر المضل، وقتل المرتد الداع إلى ردته، وشرع الجهاد، وشرع لحفظ النفس: عقوبة القصاص، وعقوبة الدية، ووجوب الأكل والشرب عند الضرورة في حالة صوم المسلم، وشرع لحفظ العقل: عقوبة شرب الخمر، وشرع لحفظ النسل والنسب: عقوبة الزنا، وشرع لحفظ المال: عقوبة قطع يد السارق. القسم الثاني: الحاجيات وهي: المصالح والأعمال والتصرفات التي لا تتوقف عليها الحياة واستمرارها، بل إن الحياة تستمر بدونها ولكن مع الضيق والحرج والمشقة، مثل: التوسع في بعض المعاملات كالمساقاة، والقصر في السفر، والإجارة، ونحو ذلك في الأمور العامة. ومثال ذلك في الأمور الخاصة: تسليط الشارع الأب في تزويج ابنته الصغيرة من الكفء، فإن هذا لا ضرورة إليه؛ حيث إنه يمكن استمرار الحياة بدون ذلك، ولكنه محتاج إليه في اقتناء المصالح لتحصيل هذا الكفء؛ خوفاً من فواته؛ لأنه يحصل بحصوله نفع في المستقبل، ويحصل بفواته بعض الضرر. القسم الثالث: التحسينيات، وهي: المصالح والأعمال والتصرفات التي لا تتوقف الحياة عليها، ولا تفسد ولا تختل، فالحياة تتحقق بدون تلك التحسينيات وبدون أي ضيق، فهي من قبيل التزيين والتجميل، ورعاية أحسن المناهج وأحسن الطرق للحياة، فتكون من قبيل استكمال ما يليق، والتنزه عما لا يليق

стр. 373

من المدنسات التي لا تألفها العقول الراجحة. ومن أمثلة ذلك العامة: المنع من بيع الماء، والكلأ، والمنع من الإسراف والتقتير، وآداب الأكل والشرب. ومن أمثلتها الخاصة: اشتراط الولي في النكاح، صيانة للمرأة عن مباشرة عقد النكاح بنفسها؛ لأن المرأة لو باشرت عقد نكاحها لكان ذلك مشعراً بتوقانها إلى الرجال، ومشعراً بقلة حيائها، وهذا يقلل من قيمتها عند الخاطب. * * * المسألة الثالثة: أقسام المصالح من حيث اعتبار الشارع لها وعدم ذلك هي: القسم الأول: المصالح المعتبرة، وهي المصالح التي اعتبرها الشارع وأثبتها وأقام دليلاً على رعايتها، فهذه المصالح حجة لا إشكال في صحتها وأمثلتها ما سبق. القسم الثاني: المصالح الملغاة، وهي: المصالح التي ألغاها الشارع ولم يعتبرها، فلو نص الشارع على حكم في واقعة لمصلحة قد استأثر الله بعلمها، وبدا لبعض الناس حكم فيها مغاير لحكم الشارع لمصلحة توهمها هذا البعض، فتخيل أن ربط الحكم بذلك يحقق نفعاً أو يدفع ضرراً، فإن هذا الحكم مردود على من توهمه؛ لأن هذه المصلحة التي توهمها قد ألغها الشارع، ولم يلتفت إليها. مثاله: أن الملك عبد الرحمن بن الحكم قد جامع جارية في نهار رمضان وكرر ذلك في عدد من الأيام، وكان يكرر

стр. 374

الإعتاق مطبقاً بذلك حديث الأعرابي، ولكن جاء الفقيه: يحيى بن يحيى الليثي المالكي فأفتى بأن عليه صوم ستين يوماً كفارة له، وعلل ذلك بأن الكفارة قد وضعت للزجر والردع، فلو أوجبنا عليه العتق لسهل عليه الجماع في نهار رمضان مرة بعد الأخرى؛ نظراً لكثرة ماله، لذلك نوجب عليه الصيام زجراً له، وظن هذا الفقيه أن في ذلك مصلحة، ولكن هذه المصلحة ملغاة؛ لأنها معارضة للنص الشرعي، وهو: حديث الأعرابي. القسم الثالث: المصالح المرسلة، وهي: المطلقة التي لم يقيدها الشارع باعتبار، ولا بإلغاء، وهذا القسم هو المراد بالمصلحة المرسلة. * * * المسألة الرابعة: المصلحة المعتبرة حجة بالاتفاق ، والمصالح الملغاة ليست بحجة بالاتفاق. أما المصالح المرسلة فهي حجة بشروط هي كما يلي: الشرط الأول: أن تكون المصلحة المرسلة ضرورية، وهو ما يكون من الضروريات الخمس التي يجزم بحصول المنفعة منها. الشرط الثاني: أن تكون المصلحة عامة كلية؛ لتعم الفائدة جميع المسلمين. الشرط الثالث: أن تلاءم تلك المصلحة مقاصد الشرع في الجملة فلا تكون غريبة. الشرط الرابع: أن تكون المصلحة قطعية، أو يغلب على الظن وجودها ولم يختلف في ذلك.

стр. 375

ودل على حجيتها: إجماع الصحابة؛ حيث إن من تتبع الفتاوى الصادرة عنهم، ونظر إلى طرق اجتهاداتهم، علم أنهم كانوا يراعون المصالح، وينظرون إلى المعاني التي علموا أن القصد من الشريعة رعايتها، دون نكير من أحد، فكان إجماعاً. وأيضاً: لو لم نجعل المصلحة المرسلة دليلاً من الأدلة، للزم من ذلك خلو كثير من الحوادث من أحكام، ولضاقت الشريعة عن مصالح الناس، وقصرت عن حاجاتهم، ولم تصلح لمسايرة مختلف المجتمعات والأزمان والأحوال، وهذا خلاف القاعدة الشرعية وهي: " إن الإسلام صالح لكل زمان ومكان "، فلا بد من جعلها دليلاً من الأدلة الشرعية؛ لهذه القاعدة، ولأن النصوص قليلة، والحوادث كثيرة. وعلى هذا: يستدل بالمصلحة على أن المرأة البكر لا تغرَّب إذا زنت لأن في تغريبها تعريضاً لها للفساد، وُيستدل بها على قتل الجماعة بالواحد؛ لأنه لو سقط القصاص بالاشتراك لأدى ذلك إلى اتساع القتل به.

стр. 376

الدليل السادس سد الذرائع وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الذرائع: جمع ذريعة، وهي: كل وسيلة مباحة قصد بها التوصل بها إلى المفسدة، أو لم يقصد بها التوصل إلى المفسدة، لكنها مفضية إليها غالباً، ومفسدتها أرجح من مصلحتها. فسد الذرائع هو: حسم مادة وسائل الفساد بمنع هذه الوسائل ودفعها. * * * المسألة الثانية: سد الذرائع حجة يُعمل به ، وُيستدل به على إثبات بعض الأحكام الشرعية، أو نفيها؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ). فالله سبحانه هنا قد حرَّم سبَّ الأصنام التي يعبدها المشركون، لكون هذا السب ذريعة إلى أن يسبوا الله تعالى، وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبِّنا لأصنامهم، فلذلك أمرنا بترك سبِّ أصنامهم؛ لأنه يؤدي إلى سبًّا الله تعالى، وهذا هو سد الذرائع.

стр. 377

ولأن النبي ﷺ لم يقتل من ظهر نفاقه وقال: " أخاف أن يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه " وذلك سداً للذرائع؛ حيث إن ذلك سيؤدي إلى نفور بعض الناس من الإسلام، ومفسدة التنفير أعظم من مفسدة ترك قتلهم، ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل. والأخذ بدليل سد الذرائع راجع إلى الأخذ بدليل المصلحة. وبناء على حجية سد الذرائع: فإن الشخص لو مات وعليه زكاة لم يؤدها: فإنه لا يلزم الورثة إخراجها عنه من تركته؛ لأنه لو ألزمنا الورثة بذلك لأدى ذلك بأن يترك الإنسان أداء زكاته طول عمره اعتماداً على أن الورثة سيخرجونها بعد موته، وربما يتخذ ذلك ذريعة للإضرار بهم.

стр. 378

الدليل السابع العُرف وفيه مسائل: المسألة الأولى: العُرف هو: ما يتعارفه أكثر الناس، ويجري بينهم من وسائل التعبير، وأساليب الخطاب والكلام، وما يتواضعون عليه من الأعمال، ويعتادونه من شؤون المعاملات مما لم يوجد في نفيه ولا إثباته دليل شرعي. * * * المسألة الثانية: العرف من حيث مصدره ثلاثة أقسام هي: القسم الأول: العُرف العام، وهو: ما تعارف عليه أكثر الناس في جميع البلدان مثل عقد الاستصناع في الأحذية أو الألبسة أو نحو ذلك. القسم الثاني: العُرف الخاص، وهو: ما تعارف عليه أكثر الناس في بعض البلدان، مثل: إطلاق لفظ " الدابة " على الفرس عند أهل العراق بينما ذلك يختلف في مصر. القسم الثالث: العُرف الشرعي، وهو: اللفظ الذي استعمله

стр. 379

الشارع مريداً منه معنى خاصاً مثل: " الصلاة " فإنها في الأصل: الدعاء، ولكن الشارع أراد بها شيئاً مخصوصاً. * * * المسألة الثالثة: العُرف من حيث سببه ومتعلَّقه قسمان هما: القسم الأول: العرف القولي واللفظي، وهو: أن يتعارف أكثر الناس على إطلاق لفظ على معنى ليس موضوعاً له، بحيث يتبادر إلى الذهن عند سماعه بدون قرينة ولا علاقة عقلية، كلفظ " الدابة "، فإنه لغة يطلق على كل ما يدبُّ على الأرض، وقد خصَّصه بعضهم بالفرس، وآخرون خصَّصوه بالحمار. القسم الثاني: العرف الفعلي، وهو: ما كان موضوعه بعض الأعمال التي اعتادها الناس في أفعالهم العادية، أو معاملاتهم، كبيع المعاطاة وهي: أن يقول: أعطني بهذا الريال خبزاً فيعطيه ما يرضيه، أو أن يدفع الثمن ويأخذ السلعة بدون لفظ عن تراض بينهما، فهذا بيع صحيح ثبت عن طريق العرف. * * * المسألة الرابعة: العُرف حجة، ودليل شرعي تثبت به الأحكام الشرعية بشروط هي: الشرط الأول: أن يكون العرف عاماً أو غالباً. الشرط الثاني: أن يكون العرف مطرداً أو أكثرياً. الشرط الثالث: أن يكون العرف موجوداً عند إنشاء التصرف. الشرط الرابع: أن يكون العرف ملزماً، أي: يتحتم العمل بمقتضاه في نظر الناس.

стр. 380

الشرط الخامس: أن يكون العرف غير مخالف لدليل معتمد. الشرط السادس: أن يكون العرف غير معارض بعُرف آخر في نفس البلد. فإذا توفرت هذه الشروط فإن العرف حجة، دل على ذلك: الاستقراء؛ حيث إنه بعد استقراء وتتبع أحكام الله تعالى وجدنا أنه سبحانه قد اعتبر العادات - التي هي: وقوع المسببات عن أسبابها العادية - ورتب عليها أحكاماً شرعية، فشرع القصاص لأنه سبب للانكفاف عن القتل عادة، وشرع النكاح لأنه عادة وعرفاً سبب لبقاء النسل عادة وعرفاً، وشرع التجارة: لأنها سبب لنماء المال عادة. وبناء على حجية العُرف: فإنه صح بيع المعاطاة - كما سبق - وكذلك يعْطى الأجير الصانع أجرة المثل، وإن لم تذكر الأجرة قبل العمل إذا كان منتصباً للعمل.

стр. 381

الدليل الثامن الاستقراء وفيه سائل: المسألة الأولى: الاستقراء هو: الاستدلال بثبوت الحكم في الجزئيات على ثبوته في الأمر الكلي الجامع لتلك الجزئيات. * * * المسألة الثانية: الاستقراء نوعان: النوع الأول: استقراء تام، وهو ثبوت الحكم في كلية بواسطة إثباته بالتتبع والتصفح لجميع الجزئيات ما عدا صورة النزاع. النوع الثاني: استقراء ناقص، وهو: ثبوت الحكم في كلية بواسطة إثبات بالتتبع والتصفح لأكثر الجزئيات ما عدا صورة النزاع. * * * المسألة الثالثة: الاستقراء التام حجة اتفاقاً ؛ لكونه يفيد القطع، حيث إنه ثبت عن طريق استقراء جميع الجزئيات. أما الاستقراء الناقص فهو حجة على الصحيح؛ حيث إنه

стр. 382

يفيد الحكم ظناً؛ وذلك لأن تصفح وتتبع أكثر الجزئيات مع تماثلها في الأحكام يوجد ظناً غالباً بأن حكم ما بقي من الجزئيات - وهو قليل - كذلك؛ حيث إنه معلوم: أن القليل يلحق بالكثير الغالب، والعمل بالظن الغالب واجب. وقلنا: إن الاستقراء الناقص يفيد الحكم ظناً، ولا يفيده قطعاً؛ لجواز أن يكون حكم ما لم يستقراً بخلاف حكم ما استقرئ، فنظراً إلى هذا الاحتمال الضعيف قلنا: إنه يفيد الحكم ظناً. وبناء على حجية الاستقراء الناقص: نحكم بأن أكثر مدة الحمل أربع سنوات، للاستقراء؛ حيث إنا نرجع فيما لم ينص على حكمه إلى الوجود، وقد وجد بعد استقراء الحمل لأربع سنوات كنساء بني عجلان. وبناء عليه: حكم بعضهم بأن أكثر مدة النفاس ستون يوماً؛ للاستقراء، حيث إنه قد وجد بعد الاستقراء والتتبع: أن بعض النساء يرين النفاس هذه المدة، والاعتماد في هذا الباب على الوجود.

стр. 383

الفصل الرابع في الاجتهاد وفيه مسائل: المسألة الأولى: الاجتهاد هو: بذل المجتهد ما في وسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي عملي من دليل تفصيلي. * * * المسألة الثانية: الاجتهاد يكون في الظنيات فقط وهو يشمل الأقسام التالية: القسم الأول: النص قطعي الثبوت ظني الدلالة، وهذا يكون في الآية والحديث المتواتر اللذين قد دل لفظهما على الحكم دلالة ظنية. القسم الثاني: النص ظني الثبوت قطعي الدلالة، وهذا يكون في خبر الواحد الذي دل على معناه دلالة قطعية. القسم الثالث: النص ظني الثبوت والدلالة معاً، وهذا يكون في خبر الواحد الدال على معناه دلالة ظنية.

стр. 384

القسم الرابع: الاجتهاد فيما لا نص فيه ولا إجماع، وهذا يكون في حادثة لم يرد حكمها في نص ولا في إجماع، فيبذل المجتهد ما في وسعه في تحصيل حكم لتلك الحادثة، وذلك باستعمال أدلة أرشده إليها الشارع كالقياس، والاستصحاب، وقول الصحابي، والاستحسان، وشرع من قبلنا، والمصلحة المرسلة، والعرف، وسد الذرائع وغيرها. * * * المسألة الثالثة: شروط المجتهد هي: الشرط الأول: أن يكون عارفاً بكتاب الله تعالى وما يتعلَّق به، فإذا أراد المجتهد الاستدلال بآية على حكم حادثة فلا بد أن يعرف: هل هي ناسخة أو منسوخة؛ وسبب نزولها، وأقوال الصحابة في تفسيرها، وأقوال كبار التابعين فيها وتفاسير علماء الشريعة لها، وأن يعرف ما يعارضها من آيات أخر أو أحاديث، وأن يعرف نوع دلالتها على الحكم، وإعرابها. ولا يشترط حفظ القرآن، بل المشترط تذكر آيات الأحكام، فمثلاً لو نزلت حادثة تخص الأطعمة فإنه يعرف مواقع آيات الأطعمة، وكذلك مواضع آيات الحدود، وآيات النكاح والطلاق والرضاع والنفقات ونحو ذلك. الشرط الثاني: أن يكون عارفاً بالسنة، فإذا أراد الاستدلال بحديث على حكم حادثة، فإنه لا بد أن يعرف عنه مثل معرفته عن الآية كما قلنا سابقاً. ويزاد في الحديث: معرفة سند الحديث، وطريق وصوله إلينا، وحال رواته من العدالة والضبط ونحو ذلك. الشرط الثالث: أن يكون عالماً بالمجمع عليه من الأحكام،

стр. 385

وذلك لئلا يجتهد في مسألة قد أجمع العلماء على حكمها. الشرط الرابع: أن يكون عالماً بالمختلف فيه من الأحكام، فيعرف المسألة وأدلة كل فريق، لذا حرص الأئمة الأربعة ومن تبعهم على معرفة الاختلافات والمناظرات والمحاورات في المسائل التي اختلف فيها بين الصحابة. الشرط الخامس: أن يكون عالماً بعلم أصول الفقه؛ فمن جهله لا يمكنه ترتيب الأدلة، ومعرفة الأدلة المتفق عليها والأدلة المختلف فيها، فلا بد من معرفته؛ ليعرف تلك الأدلة وشروطها، وأدلة ثبوتها، وفك التعارض بينها. الشرط السادس: أن يكون عالماً بالقياس؛ حيث إن أكثر من نصف الفقه مبني عليه، فيعرف أركانه، وشروطه وتفاصيل مسائله. قال الإمام الشافعي: " من لم يعرف القياس فليس بفقيه "، وقال الإمام أحمد: " لا يستغني أحد عن القياس ". الشرط السابع: أن يكون عالماً باللغة العربية وقواعدها من لغة ونحو وبلاغة وبديع، وأن يعرف كل ما يتوقف عليه فهم الألفاظ؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، والرسول ﷺ من أفصح العرب، فلا يمكن لأي شخص أن يعرف ما تدل عليه ألفاظهما إلا بمعرفة اللغة العربية، فبسبب معرفته لذلك يستطيع أن يفرق بين صريح الكلام، وظاهره، ومجمله، وحقيقته ومجازه، وعامه، وخاصه، ومحكمه، ومتشابهه، ومطلقه، ومقيده، ونصه، وفحواه، ولحنه، ومنطوقه، ومفهومه. الشرط الثامن: أن يكون عارفاً بمقاصد الشريعة، فيعرف المجتهد مقاصد الشارع العامة من تشريع الأحكام.

стр. 386

الشرط التاسع: أن يكون خبيراً بمصالح الناس، وأحوالهم، وأعرافهم، وعاداتهم. الشرط العاشر: أن يكون عدلاً مجتنباً للمعاصي القادحة في العدالة، وهذا الشرط يشترط لجواز الاعتماد على فتواه، فمن ليس بعدل وتوفرت فيه شروط المجتهد السابقة، فإنه لا تقبل فتواه ولا اجتهاده، ولا يعمل بها الآخرون، أما هو فيجب عليه أن يعمل باجتهاده. * * * المسألة الرابعة: الاجتهاد يكون فرض عين، ويكون فرض كفاية، ويكون مندوباً، ويكون محرماً ، وإليك بيان ذلك: أولاً: يكون الاجتهاد فرض عين في حالتين: الحالة الأولى: اجتهاد المجتهد في حق نفسه فيما نزل به؛ لأن المجتهد لا يجوز له أن يقلِّد غيره في حق نفسه. الحالة الثانية: اجتهاد المجتهد في حق غيره إذا تعين عليه الحكم فيه بأن لا يوجد في العصر إلا هو، أو ضاق الوقت فإنه يجب عليه الاجتهاد على الفور، لأن عدم الاجتهاد يقتضي تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذا لا يجوز. ثانياً: يكون الاجتهاد فرض كفاية عندما تنزل حادثة بأحد، فاستفتى العلماء، أو عين واحداً أو طائفة، فإن الوجوب هنا يكون فرضاً عليهم جميعاً، فإن أجاب واحد منهم عنها سقط الفرض عن الجميع، وإن أمسكوا مع ظهور الصواب أثموا، وإن أمسكوا مع التباسه عليهم عُذروا. ثالثاً: يكون الاجتهاد مندوباً إليه في حالتين هما:

стр. 387

الحالة الأولى: أن يجتهد العالم قبل نزول الحادثة ليسبق إلى معرفة حكمها قبل وقوعها. الحالة الثانية: أن يستفتيه سائل عن حكم حادثة قبل وقوعها. رابعاً: يكون الاجتهاد محرماً في حالتين هي: الحالة الأولى: أن يقع الاجتهاد في مقابلة دليل قاطع من نص أو إجماع. الحالة الثانية: أن يقع الاجتهاد ممن لم تتوفر فيه شروط المجتهد فيما يجتهد فيه. * * * المسألة الخامسة: يجوز تجزؤ الاجتهاد ، أي: يقبل اجتهاد شخص في مسألة معينة إذا عرف دقائقها دون المسائل الأخرى في نفس الباب، فالشخص العارف لمسألة المشركة - وهي: زوج وذات سدس، وإخوة لأم وإخوة أشقاء - يجوز له أن يجتهد فيها بشرط: إحاطته بعلم الفرائض إجمالاً وأركانه وشروطه، وإن كان جاهلاً بأي مسألة أخرى من باب الفرائض. وقلنا ذلك: لأنه لو كان العمل في جميع مسائل الفقه شرطاً لبلوغ درجة الاجتهاد وشرطاً لقبوله منه: لكان توقف بعض الصحابة ﵃ وبعض الفقهاء في بعض المسائل وعدم قدرتهم على ذلك مخرجاً لهم عن الاجتهاد، ولكن الأمر ليس كذلك؛ حيث إن توقف بعض الصحابة وبعض الفقهاء لم يخرجهم عن زمرة المجتهدين.

стр. 388

المسألة السادسة: يجوز الاجتهاد في زمان النبي ﷺ -؛ لأن النبي ﷺ قد أذن بذلك لبعض الصحابة؛ حيث إنه قد جاءه خصمان يختصمان، فقال النبي ﷺ لعمرو بن العاص: " أقض بينهما يا عمرو "، فقال عمرو: أنت أولى مني يا رسول الله، قال: " وإن كان "، قال عمرو: فإن قضيت بينهما فما لي؟ قال: " إن أنت قضيت بينهما فأصبت القضاء فلك عشر حسنات، وإن أنت اجتهدت فأخطأت فلك حسنة ". وقال النبي ﷺ لعقبة بن عامر ولرجل من الأنصار: " اجتهد فإن أصبتما فلكما عشر حسنات، وإن أخطأتما فلكما حسنة ". ولأن النبي ﷺ قد فوض الحكم في بني قريظة إلى سعد بن معاذ، حيث رضوا بحكمه، فحكم سعد فيهم باجتهاده، فقال الرسول ﷺ له: " لقد حكمت بحكم الله فوق سبعة أرقعة ". وبناء على ذلك: فإنه يجوز الاجتهاد بين مياه تنجس بعضها وهو على شاطئ البحر، ويجوز الاجتهاد في أوقات الصلاة مع إمكان الصبر إلى اليقين. * * * المسألة السابعة: يجوز الاجتهاد للنبي ﷺ - وهو واقع منه؛ لعموم قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)، والرسول ﷺ أعلى أهل البصائر وأرفعهم منزلة.

стр. 389

ولقياسه على داود وسليمان ﵉. ولوقوعه منه ﷺ ؛ حيث اجتهد في أسرى بدر، واجتهد في نزوله ببدر دون الماء فقال له الحباب بن المنذر: إن كان هذا بوحي فنعم، وإن كان الرأي والمكيدة فأنزل بالناس دون الماء لنحول بينه وبين العدو، فقال لهم: " ليس بوحي، وإنما هو رأي واجتهاد " ورجع إلى قوله. وبناء على ذلك: فإنه يجوز للمجتهد أن يكتفي بالاستدلال على حكم مسألة بدليل ظني مع أنه قادر على الاستدلال عليه بدليل قطعي، فيجوز - مثلاً - الاجتهاد فى أوقات الصلاة والقبلة مع إمكان الصبر إلى اليقين. * * * المسألة الثامنة: يجوز الخطأ فى اجتهاده ﷺ -، لقوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣))، وقوله: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ)، فقد بين الله تعالى خطأ اجتهاد النبي ﷺ لما أذن للذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك، ولما أخذ المال عوضاً عن أسرى بدر. ولقوله ﷺ : " إنما أحكم بالظاهر وإنكم لتختصمون إلي ولعل أحدكم يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء

стр. 390

من حق أخيه، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار ". * * * المسألة التاسعة: المصيب واحد من المجتهدين في الفروع ، أي: إذا حدثت حادثة في الفروع، ولم يوجد دليل قاطع في حكمها من نص أو إجماع، فإنا نعلم أن لله تعالى فيها حكماً شرعياً معيناً، فيطلب المجتهدون ذلك الحكم بشتى أنواع الاجتهاد، فمن أدركه كان مصيباً، ومن لم يدركه كان مخطئاً لا إثم عليه، ولا يقطع بخطأ واحد من المجتهدين، ولا يقطع بإصابة واحد بعينه. وقلنا ذلك؛ لإجماع الصحابة السكوتي، حيث إنه قد انتشرت عن الصحابة ﵃ وقائع ومسائل خطأ بعضهم بعضاً فيها، وصرَّحوا بلفظ الخطأ والإنكار كقول ابن عباس - يعني زيد بن ثابت في مسألة الجد والإخوة -: " ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابناً ولا يجعل أب الأب أباً ". وقال علي ﵁ يعني عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف -: " إن كانا قد اجتهدا فقد أخطئا، وإن لم يجتهدا فقد غشاك عليك الدية، قاله لعمر بن الخطاب لما أرسل إلى امرأة فأفزعها فأجهضت فسأل عثمان وعبد الرحمن فقالا: " لا شيء عليك إنما أنت مؤدب "، وغير ذلك. فلو كان كل مجتهد في ذلك مصيباً لما خطأ بعضهم بعضاً، بل كان يقول بعضهم لبعض: " أنا مصيب وأنت مصيب ".
следующие страницы →