← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29884

الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقاتها على المذهب الراجح

عبد الكريم النملة

Полный текст (415 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المسألة الثالثة: المانع من حيث ارتباطه بخطاب الشارع ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: مانع داخل تحت خطاب التكليف، كالإسلام فإنه مانع من انتهاك حرمة الدم والعرض إلا بحقهما، والكفر فإنه مانع من صحة العبادات، والإسلام مأمور به، والكفر منهي عنه. القسم الثاني: مانع داخل تحت خطاب الوضع، وهو: الذي ليس للشارع قصد في تحصيله من حيث هو مانع، ولا في عدم تحصيله، فإن الشخص المدين ليس مخاطباً برفع الدَّين عن نفسه إذا كان عنده نصاب لتجب الزكاة عليه، كما أن مالك النصاب غير مخاطب بتحصيل الاستدانة لتسقط عنه زكاة النصاب، لأن المانع من خطاب الوضع، فلا يكون مأموراً به ولا منهياً عنه.

стр. 72

النوع الرابع العزيمة والرخصة وفيه مسائل: المسألة الأولى: العزيمة هي: الحكم الثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح. والرخصة هي: الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر. فمثلاً: تحريم الميتة حكم ثابت من غير مخالفة دليل شرعي، هو عزيمة، لكن إن وجدت المخمصة حصل المخالف لدليل التحريم وهو قوله تعالى: (فَمَنِ اضطُرَّ فِى مَخمصَةٍ)، وهو راجح على دليل التحريم الذي هو قوله تعالى: (حُرِّمَت عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) وذلك لحفظ النفس، فجاز الأكل من الميتة وحصلت الرخصة؛ لأن مصلحة إحياء النفس والمحافظة عليها مقدَمة على مفسدة الميتة وما فيها من الخبث.

стр. 73

المسألة الثانية: العزيمة والرخصة من الحكم الوضعي؛ لأن اعتبار كل من السفر والمرض، والضرورة، والحاجة، أو غيرها أسباباً للترخص، أو مانعة من التكليف بحكم العزيمة، كل ذلك لو فكرنا فيه لوجدنا أنه لا طلب فيه ولا تخيير، بل فيه وضع وجعل، فتكون حقيقة الحكم الوضعي متحققة فيه، فكانت من الحكم الوضعي. * * * المسألة الثالثة: العزيمة أفضل من الرخصة؛ لأن العزيمة هي الأصل المقطوع به الذي لا يختلف فيه، أما الرخصة فسببها ظني وهو: المشقة، لأن مقدار المشقة الذي ثبت الترخص من أجلها غير منضبط؛ لأنها تتفاوت بحسب الأشخاص والأحوال. * * * المسألة الرابعة: تنقسم الرخصة من حيث الحكم إلى أقسام هي: القسم الأول: رخصة واجبة كأكل الميتة للمضطر، وشرب الخمر لمن غصَّ بلُقمة وخشي على نفسه الهلاك، والتيمم للمريض. القسم الثاني: رخصة مندوبة كقصر الصلاة الرباعية

стр. 74

للمسافر؛ لقوله ﷺ : " صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته"، والإبراد في صلاة الظهر في شدة الحر. القسم الثالث: رخصة مباحة كالعرايا - وهو: بيع الرطب على رؤوس النخل بقدر كيله من التمر خرصاً -، والإجارة وهي: تمليك المنافع بعوض، والتلفظ بكلمة الكفر لمن أُكره على ذلك، لكن لو امتنع عن ذلك وصبر لكان آخذاً بالعزيمة وهو أفضل. القسم الرابع: رخصة خلاف الأولى، كالإفطار في رمضان للمسافر الذي لا يشق عليه الصيام ولا يتضرر به، وقلنا ذلك، لقوله تعالى: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ)، وكذلك المسح على الخفين. القسم الخامس: رخصة مكروهة كالسفر للترخص فقط.

стр. 75

خاتمة في الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي بعد أن تكلمنا عن الحكم التكليفي وأنواعه، والحكم الوضعي وأنواعه، أحببت أن أختم ذلك بذكر أهم الفروق بين الحُكمين، لئلا يلتبس أحدهما بالآخر عند بعض طلاب العلم، فأقول: إن بينهما فروقاً هي: الأول: إن الخطاب في الحكم الوضعي خطاب إخبار وإعلام جعله الشارع علامة على حكمه، وربط فيه بين أمرين بحيث يكون أحدهما سبباً للآخر، أو شرطاً له، أو مانعاً منه. أما الخطاب في الحكم التكليفي: فإنه خطاب طلب الفعل، أو طلب الترك، أو التخيير بينهما، فيكون خطاب التكليف هو: طلب أداء ما تقرَّر بالأسباب والشروط. الثاني: أن الحكم التكليفي يشترط فيه قدرة المكلف على فعل الشيء المكلف به. أما الحكم الوضعي فلا يشترط فيه ذلك: فقد يكون مقدوراً للمكلف كالسرقة، وصيغ العقود الشرعية ونحوها، وقد يكون غير مقدور للمكلف كدلوك الشمس الذي هو سبب لوجوب الصلاة، وحولان الحول الذي هو شرط لوجوب الزكاة.

стр. 76

الثالث: أن الحكم التكليفي يتعلق بالكسب والمباشرة للفعل من الشخص نفسه، فإن عمل شيئاً يوافق أمر الشارع يؤجر عليه، وإذا عمل شيئاً مخالفاً لأمر الله فإنه يأثم. بخلاف الحكم الوضعي فقد يعاقب أشخاصاً بفعل غيرهم، ولهذا وجبت الدية على العاقلة. الرابع: أنه يشترط في الحكم التكليفي أن يكون معلوماً للمكلف، وأن يعلم أن هذا التكليف به صادر من الله تعالى. بخلاف الحكم الوضعي فلا يشترط فيه ذلك، ولذلك يرث الإنسان بدون علمه، وتحل المرأة بعقد أبيها عليها، وتحرم بطلاق زوجها لها وإن كانت لا تعلم، ويضمن النائم، والناسي والساهي ما أتلفوه وإن كانوا لا يعلمون. الخامس: أن الحكم التكليفي لا يتعلق إلا بفعل المكلَّف الذي توافرت فيه شروط التكليف وهو: البلوغ، والعقل، والفهم. بخلاف الحكم الوضعي فإنه يتعلق بالمكلف وغير المكلف، لذلك تجد الزكاة وجبت في أموال الصبي والمجنون، ويضمن النائم والناسي والغافل والسكران ونحوهم ما يتلفون.

стр. 77

الفصل الثالث في أدلة الأحكام الشرعية إن الأحكام التكليفية من وجوب وندب وإباحة وكراهة وتحريم، والأحكام الوضعية من سبب وشرط ومانع ورخصة وعزيمة، لا يمكن أن تثبت ويعمل بها إلا بأدلة شرعية، وهذه الأدلة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: أدلة متفَق عليها. القسم الثاني: أدلة مختلَف فيها. وإليك بيان ذلك:

стр. 78

القسم الأول الأدلة المتَّفَق عليها ويشتمل على الأدلة التالية: الدليل الأول: القرآن الكريم. الدليل الثاني: السنة. الدليل الثالث: الإجماع. الدليل الرابع: القياس. وإليك بيان كل واحد منها.

стр. 79

الدليل الأول القرآن الكريم وفيه مسائل: المسألة الأولى: القرآن هو: الكلام المنزَّل للإعجاز بسورة منه، أو أقل منها، المتعبد بتلاوته . * * * المسألة الثانية: القراءة المتواترة: هي كل قراءة ساعدها خط المصحف مع صحة النقل فيها، ومجيئها على الفصيح من لغة العرب، وهي قراءة السبعة وهم: نافع بن عبد الرحمن المدني، وعبد الله بن كثير المكي، وريان بن العلاء: أبو عمرو البصري، وعبد الله بن عامر الشامي، وعاصم بن أبي النجود الكوفي، وحمزة بن حبيب الكوفي، وعلي بن حمزة الكسائي. وقراءة الثلاثة - أيضاً - وهم: يعقوب بن إسحاق الحضرمي، وخلف بن هشام الأسدي، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع.

стр. 80

فإذا اختل أحد الشروط الثلاثة السابقة في تعريف القراءة المتواترة فإن القراءة تكون غير متواترة، وهي: الشاذة. * * * المسألة الثالثة: القراءة الشاذة حجة - أي: تؤثر في الأحكام الفقهية إثباتاً ونفياً ، لأن الناقل للقراءة الشاذة - وهو الصحابي - أخبر أنه سمع ذلك من النبي ﷺ ، فالمنقول إما أن يكون قرآناً، أو خبراً عن النبي ﷺ ، ولا ثالث لهما، وكل واحد منهما يجب العمل به، وكل ما وجب العمل به فهو حجة. وبناء على هذا: فإنه يجب التتابع في صيام كفارة اليمين لقراءة ابن مسعود ﵁ " فصيام ثلاثة أيام متتابعات ". وتجب النفقة على كل ذي رحم محرم؛ لقراءة ابن مسعود ﵁ " وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك ". * * * المسألة الرابعة: لا تصح الصلاة بالقراءة الشاذة: لأن الصلاة لا تصح إلا بقرآن، والقرآن لا يكون إلا متواتراً، وهذه القراءة لم يثبت أنها قرآن, وهي خارجة عن الوجه الذي ثبت به القرآن فلا تصح القراءة بها.

стр. 81

المسألة الخامسة: القرآن فيه مجاز كما فيه حقيقة عند الجمهور واستدلوا بدليلين هما: الأول: أن القرآن وصف بأنه عربي نزل بلغة العرب، ولغة العرب يدخلها المجاز بدليل: وقوعه فيها، فاستعمل العرب لفظ: " الأسد " للرجل الشجاع، ولفظ: " الحمار " للرجل البليد، وقولهم: " قامت الحرب على ساق "، وقول الشاعر: أشاب الصغير وأفنى الكبير. . . كرُّ الغداة ومرُّ العشي وهذا لا شك أنه مجاز، فيكون القرآن - على هذا - قد اشتمل على المجاز؛ لأنه نزل بلغتهم. والثاني: وقوع المجاز في القرآن: بحيث يذكر الشيء بخلاف ما وضع له: وهو إما نقصان كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) أو استعارة كقوله تعالى: (وَاخفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ)، وقوله: (جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ). * * * المسألة السادسة: القرآن يشتمل على ألفاظ أصولها غير عربية ، كقوله تعالى: (نَاشِئَةَ اللَّيْلِ) و (مشكاة) و (إستبرق)، لكن العرب عرَّبتها بكثرة الاستعمال، وحوَّلتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فهي عربية بهذا الوجه؛ حيث إن كثرة اختلاط العرب بالعجم جعل العرب يأخذوا عن العجم بعض ألفاظهم، وغيَّرت بعضها بالنقص من حروفها، وخففت ثقل العجمة، واستعملتها في شعرها ونثرها حتى جرت مجرى اللغة

стр. 82

العربية، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن. * * * المسألة السابعة: القرآن مشتمل على ما هو مُحكم وعلى ما هو متشابه: والمحكم من القرآن هو: ما أمكن معرفة المراد بظاهره، أو بدلالة تكشف عنه، أو بأي طريق من طرق المعرفة. والمتشابه منه هو: ما ورد من صفات الله تعالى في القرآن مما يجب الإيمان به، ويحرم التعرض لتأويله، والتصديق بأنه لا يعلم تأويله إلا الله سبحانه، كوصفه سبحانه بالاستواء الوارد في قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، واليد الوارد في قوله: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)، والعين الوارد في قوله: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا)، وغير ذلك من الصفات التي اتفق أهل السنة والجماعة على إقرارها وإمرارها على ما هي عليه، وترك تأويلها. ودليل ذلك قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)، حيث إن الله تعالى قد صرَّح بوجود المحكم والمتشابه في القرآن، ثم ذم المبتغين لتأويل المتشابه ووصفهم بأنهم يبتغون الفتنة، وسمَّاهم

стр. 83

أهل زيغ، ولا يذم إلا على تأويل الصفات كما أجمع على ذلك السلف ﵏، فلو كان المقصود بالمتشابه غير ذلك لما ذم الله المبتغين لتأويله. * * * المسألة الثامنة: المتشابه لا يمكن إدراك المراد منه ولا يعلم تأويله إلا الله تعالى ، دلت على ذلك الآية السابقة؛ حيث إن الوقف الصحيح على قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)، والواو في قوله: (وَالرَّاسِخُونَ) للابتداء، وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله تعالى، وقد دل على ذلك لفظ الآية ومعناها. أما الدليل من لفظ الآية على أن الوقف الصحيح على قوله: " إلا الله "، فهو: أن الله تعالى لو أراد عطف الراسخين على لفظ الجلالة، وهو الله ، لقال: " ويقولون آمنا به " بزيادة " الواو "؛ حيث إن جملة: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) تكون جملة واحدة، ولفظ " يقولون " مستأنفة، فكان لا بدَّ من " الواو " ولكنه سبحانه لم يقل: " ويقولون "، بل قال: " يقولون " مما يدل على أن عبارة " يقولون آمنا به " مرتبطة بما قبلها، وليس لها إلا أن تكون خبر عن مبتدأ وهو قوله: " والراسخون " فينتج من ذلك أن " الواو " في قوله: " والراسخون "، للابتداء، وما قبل ذلك يكون نهاية جملة مفيدة وهو قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ).

стр. 84

أما الدليل من معنى الآية على أن الوقف الصحيح على قوله: " إلا الله " فمن وجوه: الوجه الأول: أن لفظة " أما " تأتي في اللغة لتفصيل الجمل، فلا بد أن يكون في سياقها قسمان، وهكذا ورد في الآية السابقة، حيث قال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)، فهذا القسم الأول، وهناك قسم آخر يخالف هذا القسم، تقديره، وأما غيرهم فيؤمنون بالمتشابه، ويفوضون معناه إلى الله تعالى، فيكون عندنا قسمان: - قسم ذمَّهم الله، وهم الذين يتبعون ما تشابه من الكتاب. - وقسم مدحهم الله، وهم الذين آمنوا بالمتشابه، وفوضوا معرفته إلى الله تعالى، وهذا كله يدل على أن الوقف على قوله: " إلا الله ". الوجه الثاني: أن الله تعالى ذكر أن الراسخين في العلم يقولون: " آمنا به "، ولم يقولوا: " علمنا به "، والإيمان غير العلم؛ حيث إن معنى الإيمان، التصديق، فهذا يدل على أنهم فوَّضوا علم المتشابه إلى الله تعالى، وبينوا أن ذلك من علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فهذا يدل على أن الراسخين في العلم لم يدركوا معنى المتشابه. الوجه الثالث: أن الله تعالى وصف الذين يبتغون تأويل المتشابه بأنهم أهل زيغ، وهذا ذم لهم، ولو كان تأويل المتشابه معلوماً للراسخين في العلم - لكان مبتغي تأويله ممدوحاً غير مذموم، فلما ذم الله تعالى مبتغي التأويل عرفنا أن سبب هذا الذم هو: أنه يزاحم الله فيما استأثر بعلمه، فينتج من ذلك: أن الله هو المتفرد بعلم المتشابه لا يشاركه فيه أحد، فيكون الوقف الصحيح

стр. 85

على قوله: " إلا الله ". وبناء على ذلك: فإنه لا يجوز أن نجتهد في النصوص الواردة في صفات الله تعالى، ويجوز أن نجتهد في غير ذلك من النصوص ونستنبط منها الأحكام الفرعية. * * * المسألة التاسعة: يوجد في القرآن لفظ مشترك - وهو: اللفظ الدال على معنيين فأكثر لا مزية لأحدها على الآخر، وقلنا ذلك لأمرين: أولهما: أن القرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب يرد فيها المشترك؛ حيث إنه يُتردد في المراد من لفظ " القرء " و " العين " و" الشفق " و " الجون " و " الجلل "، وهذا التردد: علامة الاشتراك. ثانيهما: الوقوع؛ حيث وقع المشترك اللفظي في القرآن؛ كقوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)، والقرء يصلح للطهر والحيض، لذلك اختلف العلماء في عدة المطلقة الحائض، فقيل: إن عدتها ثلاث حيض استناداً إلى أن المراد بالقرء الوارد في الآية هو: الحيض. وقيل: إن عدتها ثلاثة أطهار؛ استناداً إلى أن المراد بالقرء الوارد في الآية هو: الطهر.

стр. 86

الدليل الثاني السُّنَّة وفيه مسائل: المسألة الأولى: السنة هي: ما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من قول، أو فعل، أو تقرير، مما يخص الأحكام التشريعية . * * * المسألة الثانية: السنة حجة يجب قَبولها والعمل بها كما يجب قَبول القرآن والعمل به؛ للآيات الدالة على وجوب طاعة الرسول ﷺ ، كقوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢))، أو للآيات الدالة على وجوب الإيمان به ﷺ كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)، وللآيات الدالة على وجوب اتباعه في جميع ما صدر عنه، والدالة على أن اتباعه لازم لمحبة الله تعالى كقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)، وكقوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤))،

стр. 87

وقوله: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، ولإجماع المسلمين منذ بعثته ﷺ إلى يومنا هذا على أن كل ما صدر عن النبي ﷺ من أقوال وأفعال وتقريرات حجة يجب العمل به. * * * المسألة الثالثة: الخبر من حيث سنده ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الخبر المتواتر، وهو: خبر عدد يمتنع معه لكثرته التواطؤ على الكذب. القسم الثاني: خبر الآحاد، وهو: خبر واحد أو عدد لا يمتنع معه التواطؤ على الكذب. * * * المسألة الرابعة: الخبر المتواتر يفيد العلم اليقيني بالمخبر عنه: لأنا نجد أنفسنا عالمة علماً يقينياً بما أخبرنا به عن طريق التواتر، كإخبارنا بالأنبياء والعلماء والسلاطين، والبلاد النائية كالهند والصين ونحو ذلك، كما نجد أنفسنا عالمة بما نشاهده وما نحس به، ومن أنكر ذلك فقد أنكر ما قطع به، وهذا لا يُعتد بقوله.

стр. 88

المسألة الخامسة: العلم الحاصل بالمتواتر ضروري لا نظري: لأنه يحصل لأهل النظر ولغيرهم من العوام والصبيان، فلو كان العلم الحاصل بالمتواتر نظرياً فإنه لا يقع إلا لمن هو من أهل النظر والاستدلال فقط، وللزم من ذلك: اختلاف الناس فيه فيعلمه بعضهم أو يجهله آخرون. * * * المسألة السادسة: شروط المتواتر هي: الشرط الأول: أن يكون المخبرون عالمين ضرورة بما أخبروا به عن طريق إحدى الحواس الخمس، كأن يقولوا: " سمعنا فلان يقول "، أو " رأينا الصين "، أو " لمسنا الثلج فوجدناه باردا "؛ لأن ما لا يكون كذلك فإنه يحتمل الغلط، أو السهو، أو الغفلة فلا يحصل به العلم. الشرط الثاني: أن يكون حال وعدد الطبقة الثانية كحال وعدد الطبقة الأولى، وكذلك تكون الطبقة الثالثة، وهكذا حتى ينتهي الخبر إلينا، فكل طبقة يشترط فيها شروط التواتر؛ لأن خبر أهل كل عصر خبر مستقل بنفسه، فلا بد من توافر شروط التواتر فيه، فإن لم يتوافر هذا الشرط في كل عصر فإنه لا يحصل العلم بصدقهم، لعدم استواء طرفي الخبر ووسطه في كمال العدد والصفة. الشرط الثالث: أن لا يكون السامع عالماً بما أخبر به ضرورة، لأن العلم الضروري يستحيل أن يصير أقوى مما كان.

стр. 89

الشرط الرابع: أن يكون السامع للخبر من أهل العلم غير المتشددين أو المتساهلين؛ لأنه يستحيل حصول العلم من غير متأهل له. * * * المسألة السابعة: لا يشترط في المتواتر عدد محصور: بل متى ما حصل العلم بخبر المخبرين المجرد عن القرائن فإنا نعلم أن الخبر قد بلغ التواتر، وإذا لم يحصل لنا العلم بخبر المخبرين فإنا نعلم أن الخبر لم يبلغ حد التواتر؛ لأنه لا يمكن معرفة العدد بالتحديد الذي حصل علمنا عنده بوجود بلد لم نشاهده، وإنما الطريق لمعرفة كون هذا الخبر متواتراً هو حصول العلم بالخبر؛ لأن العلم يتزايد تزايداً خفي التدريج، فهو يشبه تزايد ضوء الصبح إلى أن ينتهي إلى حد الكمال. * * * المسألة الثامنة: لا يشترط في التواتر أن يكون المخبرون مسلمين وعدولاً ، فيحصل العلم بالمتواتر سواء كان المخبرون مسلمين أو لا، عدولاً أو لا؛ لأن سبب إفضاء الخبر المتواتر إلى العلم هو: كثرة المخبرين الذين لا يُتصوَّر اجتماعهم أو تواطؤهم على الكذب في الخبر، وإذا كان الأمر كذلك فإنه يمكننا أن نستفيد العلم بأخبار الكفار، وبأخبار الفساق كما لو أخبروا عن موقعة

стр. 90

وقعت في السوق، كما يمكن أن نستفيد العلم بأخبار المسلمين أو العدول ولا فرق، والجامع: الكثرة المانعة من التواطؤ على الكذب، فكثرة المخبرين جعلته في مرتبة قوية في إفادته للعلم، فلا يحتاج إلى شيء يقوِّيه كالإسلام والعدالة. * * * المسألة التاسعة: لا يشترط في المتواتر كون المخبرين لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد؛ لأن الواقع يدل على ذلك. فلو أخبرنا المصلون في مسجد عن سقوط الإمام من المنبر - وهو يخطب - فإنه يحصل العلم بخبرهم مع أنهم محصورون، بدليل أن المسجد قد حواهم، فإذا كان الأمر كذلك في المسجد فمن باب أولى أن يحصل العلم بخبر أهل بلد لو أخبروا عن وقوع شيء. * * * المسألة العاشرة: لا يشترط في المخبرين اختلاف أنسابهم وأوطانهم وأديانهم؛ لأن الواقع يدل على ذلك. فلو أن قبيلة من القبائل المتفقة في الدين، والوطن، والنسب، أخبروا عن حادثة وقعت في ناحيتهم فإنه يحصل العلم بخبرهم ضرورة.

стр. 91

المسألة الحادية عشرة: لا يشترط وجود المعصوم ضمن المخبرين ، لأن الواقع يدل على ذلك، فلو أخبر أهل بلد من بلدان الكفار عن حصول فتنة لحصل العلم بخبرهم مع كونهم كفاراً فضلاً عن كون الإمام المعصوم ليس فيهم. * * * المسألة الثانية عشر: لا يجوز على أهل التواتر والجماعة العظيمة أن يكتموا ما يحتاج الخلق إلى نقله ومعرفته، لأن كتمان ذلك بمثابة الكذب - وهو: الإخبار عن الشيء بخلاف الواقع - والكذب محال على أهل التواتر والجماعة العظيمة، لاستحالة أهل التواتر على الكذب. * * * المسألة الثالثة عشرة: خبر الواحد المجرد يفيد الظن، ولا يفيد العلم؛ لأنه لو كان خبر الواحد يفيد العلم، لكان العلم حاصلاً بخبر الأنبياء إذا أخبروا ببعثهم من غير حاجة إلى إظهار المعجزات والأدلة على صدقهم، ولوجب على القاضي أن يصدق المدَّعي من غير بينة، ولما احتيج إلى عدد من الشهود، ولجاز أن ينسخ خبر الواحد

стр. 92

القرآن والسنة المتواترة، ولكن لما أخبر الأنبياء عن نبوتهم وأظهروا مع ذلك المعجزات الدالة على ذلك، ولما لم يصدق القاضي المدَّعي إلا ببينة، ولما احتيج إلى عدد من الشهود، ولما لم يجز نسخ القرآن والسنة المتواترة بخبر الواحد، دل كل ذلك على أن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن. * * * المسألة الرابعة عشرة: المستفيض وهو: ما نقله جماعة تزيد على الثلاثة، وهو المشهور - داخل ضمن خبر الواحد؛ لأن خبر الواحد ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما لا يفيد الظن أصلاً، وهو ما تقابلت فيه الاحتمالات على السواء. القسم الثاني: ما يفيد الظن، وهو: ترجيح أحد الاحتمالين الممكنين على الآخر في النفس من غير قطع، سواء نقله واحد أو نقله الثلاثة والأربعة. * * * المسألة الخامسة عشرة: يجوز التعبد بخبر الواحد شرعاً والعمل به لدليلين:

стр. 93

أولهما: إجماع الصحابة السكوتي؛ حيث قبل أبو بكر ﵁ خبر المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في أن الرسول ﷺ قد أعطى الجدة السدس، وأن عمر قبل خبر حمل ابن مالك وهو قوله: " كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله ﷺ في جنينها بغرة عبد أو أمة وأن تقتل "، وقبل عمر خبر عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ قال - في المجوس -: " سنُّوا بهم سنة أهل الكتاب ". وقبل الصحابة خبر عائشة أن النبي ﷺ قال: " إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل "، وقبل ابن عباس خبر أبي سعيد الخدري في الصرف وهو أن رسول الله ﷺ قال: " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل"، فحرم بذلك ربا الفضل وربا النسيئة، وقال ابن عمر: كنا نخابر أربعين سنة لا نرى في ذلك بأساً حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة، وغير ذلك. وهذه الأخبار وإن لم تتواتر آحادها إلا أنها بمجموعها أفادتنا علماً يقينياً لا يقبل الشك أن الصحابة كانوا يقبلون خبر الواحد ويعملون به، ويتركون ما خالفه، دون إنكار من أحد؛ إذ لو وجد إنكار لبلغنا كما بلغتنا تلك الأخبار، فلما لم يبلغنا إنكار على العمل بتلك الأخبار دل هذا على إجماع الصحابة على العمل بخبر الواحد. ثائيهما: أن النبي ﷺ كان يبعث آحاد الصحابة إلى البلاد، كبعثة مصعب بن عمير إلى المدينة، وعتاب بن أسيد إلى مكة، وإرساله علياً ومعاذاً إلى اليمن، ليعلِّموا أهل تلك الديار الأحكام

стр. 94

الشرعية، ويبعث الواحد من الصحابة ليخبرهم بالناسخ والمنسوخ، وكان أهل تلك الديار يقبلون منهم ذلك، فلو أن خبر الواحد غير مقبول لما بعثهم النبي ﷺ ، ولما قبل السامعون الأحكام التي جاء بها. * * * المسألة السادسة عشرة: لا يشترط لقَبول الخبر أن يرويه اثنان، بل يقبل الخبر وإن كان راويه واحداً؛ لما سبق من الدليلين اللذين ذكرا في المسألة السابقة. * * * المسألة السابعة عشرة: الرواية في الزنا لا يشترط فيها أن يكون الرواة أربعة ، بل يكفي واحد كغير الرواية في الزنا، ولا فرق، لعموم الدليلين السابقين؛ حيث دلاً على أن خبر الواحد الثقة يقبل مطلقاً سواء في الزنا أو في غيره.

стр. 95

المسألة الثامنة عشرة: الصحابي هو: من رأى النبي ﷺ مؤمناً به، واختص به اختصاص المصحوب، متَّبعاً إياه مدة يثبت معها إطلاق صاحب عليه عرفاً بلا تحديد لمقدار تلك الصحبة، سواء روى عنه أو لم يرو عنه، هذا هو تعريف الصحابي الأصح؛ لأن شهود التنزيل، والاطلاع على أسباب ورود الأحكام، ومعرفة التأويل، ومقاصد الشريعة لا يمكن إلا باختصاص مصاحبة، وكثرة مجالسة. * * * المسألة التاسعة عشرة: يُعرف الصحابي بطرق هي: الطريق الأول: النقل المتواتر؛ حيث إن كثيراً من الصحابة قد علمنا بصحبتهم عن طريق التواتر كالخلفاء الأربعة، وزوجاته ﷺ ، والمهاجرين، والأنصار. الطريق الثاني: أن يخبر الشخص العدل الثقة المعاصر للنبي ﷺ عن نفسه بأنه صحابي ويقول: " أنا صحبت النبي ﷺ ". الطريق الثالث: إن يخبر الواحد ممن ثبتت صحبته ويقول: إن فلاناً من الصحابة؛ لأن الصحابي عدل فيقبل كل ما يخبر به. الطريق الرابع: أن يقول المسلم الذي ثبتت صحبته: " كنت أنا وفلان من الصحابة عند رسول الله ﷺ ". الطريق الخامس: أن يقول المسلم الذي ثبتت صحبته: " دخلنا على النبي ﷺ ".

стр. 96

المسألة العشرون: يُقبل خبر الصحابي مطلقاً لثبوت عدالته في الكتاب، والسنة، والعقل . فمن الكتاب قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ)، وقوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃، حيث إن الله تعالى قد صرَّح بأنه قد رضي عن الصحابة، ولا يرضى الله تعالى إلا على من اتصف بالعدالة؛ حيث إنه لا يرضى عن الفسَّاق. ومن السنة قوله ﷺ : " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم "، فلو لم يكونوا عدولاً لما وصفهم بالخيرية، لأن الفساق لا خير فيهم. والعقل دلَّ على عدالتهم؛ حيث إن تواتر واشتهار طاعتهم المطلقة لله ولرسوله، وبذل النفس والنفيس، وقتالهم للآباء والأبناء والأقرباء والأهل في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى، وكون الواحد منهم لا تأخذه في الله لومة لائم في ذلك، يجعل كل عاقل يقطع بصلاحهم وأنهم آمنوا وصدقوا باطناً وظاهراً، ويقطع بنفي الفسق عنهم، ومن انتفى فسقه، وظهر صلاحه فهو العدل. * * * المسألة الواحدة والعشرون: لا يُقبل خبر غير الصحابي إلا بشروط هي: الشرط الأول: أن يكون مسلماً، فلا تقبل رواية الكافر لأنه متهم بالدين، غير مؤتمن على أي خبر يخص الشريعة الإسلامية فعداوته للمسلمين تحمله على الكيد لهم، والحرص على التدليس والتلبيس عليهم في دينهم، لأنه أبغضهم من أجله.

стр. 97

الشرط الثاني: أن يكون الراوي بالغاً، أما الصبي فلا تقبل روايته؛ لأن الصبي لا يعرف الله تعالى وإذا كان كذلك فلا يخاف عقاب من لا يعرفه ولا يرجو ثواب من يجهله، فيكون الصبي لا رغبة له في الصدق، ولا يوجد شيء يجعله يتجنب الكذب، وبالتالي لا يؤمن جانبه فلا يوثق بخبره، فلا يقبل. وأيضاً: فإن الصبي إذا أقر بشيء على نفسه فإنه لا يقبل، فإذا كان لا يقبل منه هذا مع أنه خاص بنفسه، فإنه من باب أولى أن لا يقبل خبره عن غيره. الشرط الثالث: أن يكون الراوي عاقلاً، فلا يقبل خبر المجنون، لأن العاقل يُميز بين خبر الرسول ﷺ وخبر غيره، وبين قبح الكذب، وحسن الصدق، ويعلم معنى المنقول والمراد منه. الشرط الرابع: أن يكون الراوي متصفاً بالعدالة وهي: هيئة راسخة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة؛ حتى تحصل ثقة النفس بصدقه، ويتحقق ذلك باجتناب جميع الكبائر والصغائر، واجتناب بعض المباحات التي يدل فعلها على نقص المروءة ودناءة الهمة، كالإفراط في المزاح، والبول في الشارع، والأكل في السوق، والضابط في هذا: ظهور أمارة الصدق، وعدم ظهور أمارة الكذب، وهذا يختلف باختلاف المجتهدين. وعلى هذا لا يقبل خبر الفاسق؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦))، حيث إن الله تعالى قد نهانا عن قبول خبر الفاسق والعمل به إلا بعد التثبت والتأكد من صحته، فلو كان خبر الفاسق مقبولاً لما أمرنا بالتثبت من خبره.

стр. 98

والشرط الخامس: أن يكون الراوي ضابطاً متقناً لما يحفظه، دون تغيير، لأن غير الضابط قد يُغير لفظ الخبر، فيتغير بذلك المعنى، وقد يسقط من الخبر ما يحتاج إليه في الاستدلال، وقد يُضيف إلى الخبر ما يفسد الاستدلال به. * * * المسألة الثانية والعشرون: لا يشترط في الراوي كونه فقيهاً، لدليلين: أولهما: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)، حيث إن الله قد أوجب التبين في حالة الفسق، وعليه فلا يجب التبين في غير الفاسق سواء كان فقيهاً أو غير فقيه. ثانيهما: قوله ﷺ : "نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، ثم أدَّاها كما سمعها، فرُبَّ حامل فقه غير فقيه، ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه "، وهو صريح في الدلالة. * * * المسألة الثالثة والعشرون: لا تشترط في الراوي كثرة مجالسته للعلماء ؛ لأن بعض الصحابة ﵃ قد قبلوا رواية بعض الأعراب، والأعرابي لا يجالس العلماء لكثرة ترحاله وتنقله، فهم لم يفرِّقوا بين الراوي المكثِر لمجالسة العلماء وبين غيره إذا توفرت فيه شروط الراوي السابقة الذكر. * * * المسألة الرابعة والعشرون: لا تشترط في الراوي كثرة روايته للأحاديث ؛ لأن بعض الصحابة ﵃ قد قبلوا خبر الأعرابي الذي لا يروي إلا حديثاً واحداً، فلم يفرقوا بين من يروي حديثاً واحداً، وبين

стр. 99

من يروي الأحاديث الكثيرة إذا توفرت فيه شروط الراوي السابقة. * * * المسألة الخامسة والعشرون: لا يشترط في الراوي: كونه مشاهداً حال السماع منه ، لأن الصحابة ﵃ قد قبلوا أخبار عائشة ﵂ وكانوا يسمعونها من وراء ستر؛ اعتماداً على صوتها بدون رؤية شخصها، فهم في تلك الحالة كالعميان بالنسبة لعائشة. * * * المسألة السادسة والعشرون: لا يشترط في الراوي: كونه عالماً باللغة العربية ، لأن جهله بمعنى الكلام لا يمنع من ضبطه للحديث، ولهذا يمكنه حفظ القرآن الكريم، وإن لم يعرف معناه. * * * المسألة السابعة والعشرون: لا يشترط في الراوي: كونه ذكراً ؛ لإجماع الصحابة على قَبول أخبار عائشة، وأم سلمة، وحفصة - رضي الله عن الجميع - بدون نكير من أحد. وأيضاً: لو كانت الأنوثة مانعة للمرأة من قبول روايتها، لكان ذلك مانعاً من قبول فتواها، ولكن قولها يقبل في الفتوى، فيقبل خبرها في الرواية، قياساً عليه. * * * المسألة الثامنة والعشرون: لا يشترط في الراوي عدم القرابة ، وعدم العداوة، بل تجوز رواية الولد بما يعود منفعته إلى والده، ويجوز العكس، ويجوز أن يروي خبراً يضر بعدوه وينفعه مطلقاً؛ لأن حكم الرواية عام؛

стр. 100

فيلزم الراوي والمروي له وغيرهما، فلا يختص بواحد معين، فالتهمة معدومة حتى تكون العداوة أو الصداقة أو القرابة مؤثرة فيه بنفي أو إثبات، فالرواية ليست كالشهادة التي تختص بالمشهود له أو عليه، نفعاً أو ضراً. * * * المسألة التاسعة والعشرون: الكافر الأصلي هو: الخارج عن الإسلام كاليهودي والنصراني لا يقبل خبره ، وقد سبق بيان ذلك. أما الكافر المتأوِّل، وهو: المسلم الذي فعل بدعة كفَّره بها أهل السنة والجماعة - وهو يعلم بذلك أو لا يعلم - ففيه التفصيل الآتي: إن كان يدعو إلى بدعته: فلا يقبل خبره؛ لأنه لا يؤمن أن يضع حديثاً يوافق تلك البدعة ويقويها، فأثر ذلك في صدقه فترجَّح عدم صدقه، فلا يقبل ما يأتي به من أخبار. وإن كان لا يدعو إلى بدعته - التي كُفر بسببها - فإن خبره يقبل؛ لأنه قد أمن جانبه، وهذا يقوي الظن بصدقه، فيقبل خبره. * * * المسألة الثلاثون: الفاسق بعمل الجوارح لا يُقبل خبره ، وقد سبق بيان ذلك. أما الفاسق المتأول - وهو: الذي فعل بدعة قد فُسِّق بسببها

стр. 101

- وهو يعلم ذلك أو لا يعلم - ففيه التفصيل الآتي: إن كان يدعو إلى بدعته: فلا يقبل خبره، لأنه لا يؤمن أن يضع خبراً يوافق تلك البدعة، فأثرت تلك الريبة في صدقه، فترجح عدم صدقه، فلا يقبل ما يأتي به من أخبار. وإن كان لا يدعو إلى بدعته - التي فُسق بسببها -: فإنه يقبل خبره، لأن الراوي الذي توفرت فيه شروط الراوي الذي أخطأ بتأويل إذا كان لا يجوِّز الكذب، وهو يعتقد أنه على حق قد أُمن جانبه، وهذا يقوي الظن بصدقه فيقبل خبره. * * * المسألة الواحدة والثلاثون: الصبي لا يقبل خبره ، وقد سبق بيان ذلك، لكن إذا سمع الصبي الخبر وتحمله قبل البلوغ وكان مميزاً ضابطاً لذلك الخبر، وأدَّاه بعد البلوغ وظهور رشده في دينه، فإنه يقبل خبره لدليلين: أولهما: إجماع الصحابة والسلف على قبول أخبار أصاغر الصحابة - وهم الذين توفي النبي ﷺ وهم لم يبلغوا - كابن عباس، والحسن، والحسين، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن جعفر، وأنس بن مالك، وغيرهم من أحداث الصحابة ﵃ فكان يقبل منهم كل خبر يروونه من غير تفريق بين ما تحملوه في حالة الصِّبا، وما تحملوه بعد البلوغ. ثانيهما: قياس الرواية على الشهادة، بيانه: أنه إذا جاز أن يتحمل الشهادة صبياً، ويشهد بها بعد البلوغ وتقبل، فمن باب

стр. 102

أولى جواز تحمل الرواية في حالة الصبا وأدائها بعد البلوغ، لأن الشهادة يحترز منها أكثر من غيرها. * * * المسألة الثانية والثلاثون: مجهول الحال في الإسلام، والتكليف، والضبط، لا يقبل خبره إجماعاً ، أي: أنه إذا روى لنا شخص خبراً ونحن لا نعرف أنه مسلم، أو كافر، أو لا نعرف أنه مكلف أو لا، أو لا نعرف أنه ضابط أو لا، فإن هذا لا يقبل خبره، ولا نعمل به، لأن الإسلام والتكليف والضبط من شروط قبول الرواية، وعليه: فلا يمكن قبول خبر شخص إلا إذا تأكدنا من توفر هذه الشروط، فإذا شككنا في أي واحد منها فإنه لا يقبل الخبر. * * * المسألة الثالثة والثلاثون: مجهول الحال في العدالة لا يقبل خبره ؛ لدليلين: أولهما: قياس مجهول الحال في العدالة على مجهول الحال في الإسلام، والتكليف والضبط، بيانه: أنه كما أن مجهول الحال في الإسلام والتكليف والضبط لا يقبل خبره، فكذلك مجهول الحال في العدالة - وهو الذي لا يعرف عنه عدل ولا فسق - لا يقبل خبره، ولا فرق والجامع: أنه لم يثبت فيه شرط قبول الرواية، وإذا تخلف الشرط: تخلف المشروط - وهو القبول - كالطهارة في الصلاة إذا لم توجد الطهارة فإن الصلاة لا تصح، كذلك هنا. ثائيهما: قياس مجهول العدالة في الرواية على مجهول العدالة في الفتوى، بيانه: أن المفتي إذا بلغ درجة الاجتهاد وشك في عدالته فإن فتواه لا تُقبل، فكذلك إذا شك في عدالة الراوي فإن خبره لا يقبل ولا فرق، والجامع: أن كلاً منهما يحكي

стр. 103

حكماً شرعياً يعمل به، إلا أن المفتي يحكيه عن اجتهاد نفسه واستنتاجه من الأدلة المعتبرة، والراوي يحكي ذلك الحكم عن غيره بصورة خبر. * * * المسألة الرابعة والثلاثون: التعديل: هو وصف المسلم المكلَّف الضابط بملازمة التقوى والمروءة، بحيث يُنسب إليه الخير والعِفَّة، والحرص على فعل الواجبات، وترك المحرَّمات والشبهات، وتحري الصدق وتجنب الكذب، مما يجعلنا نظن غالباً بأن قوله صدق. والتجريح هو ضد التعديل، وهو: أن لا يوصف المسلم، بما سبق، فلا نصفه بالعدالة، مما يجعلنا نظن ظناً غالباً بأن هذا الشخص لا يتحرى الصدق. * * * المسألة الخامسة والثلاثون: يحصل تعديل الشخص بأمور: أولها: التعديل بالحكم بشهادته. فإذا علمنا أن هذا الحاكم العدل قد حكم بشهادة ذلك الشخص فإنه يدل على أن هذا الشخص عدل، وهذا أقوى من التعديل بالقول، وهو قوله: " هو عدل رضي "؛ لأن الحكم بشهادته استلزم القول وتضمنه، أما القول فهو مجرد لم يتضمن الحكم بشهادته فيكون الحكم بشهادته قولاً وزيادة.

стр. 104

ثانيها: التعديل بالقول، وهو على مراتب: المرتبة الأولى: قول المعدل: " هو عدل رضي " مع ذكر السبب. المرتبة الثانية: قول المعدل: " هو عدل رضي " مع عدم ذكر السبب. وهذه المرتبة تتفاوت في القوة، فأعلاها قوة: أن يكرر اللفظ قائلاً: " هو عدل عدل "، أو " ثقة ثقة "، أو " ثقة عدل "، أو " ثقة ثبت "، أو " ثقة حجة "، أو " ثقة حافظ "، أو " ثقة ضابط ". وأدناها: أن يذكر اللفظ بدون تكرار فيقول: " هو عدل " أو " ثقة ". المرتبة الثالثة: قول المعدل: " هو صدوق " أو " مأمون " أو " خيار ". المرتبة الرابعة: قول المعدل: " محله الصدق "، أو " رووا عنه "، أو " صالح الحديث "، أو " حسن الحديث "، أو " أرجو أن ليس به بأس " ونحو ذلك. ثالثها: التعديل بعمل العدل الثقة بخبر ذلك الشخص بشرط: أن يُعلم يقيناً أن هذا العدل لم يعمل إلا بخبر ذلك الشخص، أما إذا لم يتوفر ذلك الشرط، فإن العمل بذلك الخبر لا يكون تعديلاً للمروي عنه؛ لاحتمال أن يكون قد عمل به احتياطاً، أو أنه عمل بدليل آخر وافق روايته، وإذا تطرق الاحتمال بطل الجزم. * * * المسألة السادسة والثلاثون: رواية العدل عن غيره لا تعتبر تعديلاً لذلك الغير؛ لدليلين:

стр. 105

أولهما: أنه قد يكون هذا الشخص عدلاً عند الراوي، وليس عدلاً عند غيره، فيجب التأكد. ثانيهما: أنه وقع أن بعض الأئمة قد رووا عن العدل وغير العدل، وإذا كان الأمر كذلك فقد وجد الاحتمال، وهو: احتمال أن يكون المروي عنه عدلاً أو غير عدل، وليس أحدهما أولى من الآخر، فيجب التوقف فيه حتى يأتي دليل وقرينة تبين عدالة المروي عنه. * * * المسألة السابعة والثلاثون: إذا اشتهر شخص بين طائفة من الناس بالعدالة والثقة وشاع الثناء عليه بينهم - وهو ما يُسمَّى بالاستفاضة - فإن هذا لا يعتبر من الأمور التي يحصل بها التعديل؛ لأن الشخص قد يُشاع عنه بأنه عدل وثقة، وما أشاع ذلك إلا أنصاره وأتباعه ومن لهم فيه مصلحة، فإذا تحققنا من الأمر ودققنا فيه بان خلاف ذلك - وقد وقع كثيراً - لذلك يُقتصر في التعديل على الأمور الثلاثة التي يحصل بها التعديل، وقد سبقت، لما فيها من الاحتياط. * * * المسألة الثامنة والثلاثون: إذا لم يحكم الحاكم بشهادة الراوي ولم يعمل بها فإن هذا لا يعتبر جرحاً في الراوي، أي: لا يلزم من عدم قبول شهادته

стр. 106

عدم قبول روايته، لأن الحاكم قد يتوقف في الحكم بشهادة الراوي لأسباب غير الجرح، كعداوة، أو تهمة قرابة، أو صداقة، فيكون الحاكم قد ترك العمل بشهادة الراوي لواحد من تلك الاحتمالات، لا لانتفاء العدالة، وعليه: فلا يحكم عليه بالجرح والتفسيق مع وجود تلك الاحتمالات. * * * المسألة التاسعة والثلاثون: يُكتفى في الجرح والتعديل بقول واحد ليس من عادته التساهل في التعديل أو المبالغة في الجرح ، فإذا عدَّل شخص عارف بأمور التعديل راوياً من الرواة فإنا نسمع منه ذلك، ونقبل رواية الراوي المعدَّل، وكذا لو جرَّح شخص عارف بأمور الجرح راوياً من الرواة فإنا نسمع منه ذلك، ونرد رواية ذلك الراوي المجرَّح؛ لأن العدالة شرط من شروط قبول الرواية، والشرط لا يزيد في إثباته على مشروطه، ومعروف أن الأصل - وهو الرواية - يكفي فيه واحد، فتعديل الراوي وتجريحه تبع للرواية وفرع لها؛ لأنه إنما يُراد لأجلها، فإذا كانت الرواية يكفي فيها راوٍ واحد، فكذا ما هو تبع وفرع لها. * * * المسألة الأربعون: تعديل العبد والمرأة للراوي مقبول؛ قياساً على روايتهما ، بيانه: كما أن رواية العبد والمرأة مقبولة، فكذلك تعديلهما

стр. 107

للراوي مقبول، ولا فرق، والجامع: أن كلاً منهما خبر يجب فيه الصدق. * * * المسألة الواحدة والأربعون: إذا عدَّل الثقة العدل شخصاً، أو جرَّحه، فإنه يجب ذكر سبب التعديل والجرح . وقلنا: يجب بيان سبب التعديل؛ لأن مطلق التعديل لا يكون محصلاً للثقة بالعدالة؛ حيث إن العادة قد جرت بتسارع الناس إلى ذلك، بناء على الظاهر، وكم من شخص قد خدع غيره بمظهره، حيث يظهر التقى، والصلاح، والعلم، ومخافة الله تعالى، ويُعبر بتعبيرات تدل على ذلك في المجالس والمحافل، فإذا دققنا في شأنه وحالته وأموره الخاصة وجدناه على خلاف ظاهره تماماً، حيث وجدناه يتساهل في كسب ماله فلا يأخذه من طرقه المشروعة. وبعض الأشخاص تجده يظهر أنه عالم وصالح لطائفة من النبلاء أو العلماء؛ نظراً لطمعه في منصب وجاه، بينما هو على خلاف ذلك، كذلك تجد أناساً يتساهلون في تعديل شخص، بينما يتشدَّدون في تعديل آخر، وهكذا، والأمثلة على ذلك كثيرة، فيجب أن يُبين المعدل أسباب تعديله لأي شخص، ثم نتأكد منها، فإن كانت صحيحة قبلنا ذلك، وإن كانت غير ذلك بينا وجه الخطأ فيه. وقلنا: يجب بيان سبب الجرح؛ لاختلاف الناس فيما يجرح

стр. 108

به، فلعل الجارح اعتقد شيئاً جارحاً، وغيره لا يراه جارحاً، فبعضهم قد جرح بعض الرواة بكونه يبول قائماً، وبعضهم قد جرحه بسبب أنه يركض على برذونه، وبعضهم قد جرحه بسبب كثرة كلامه، ونحو ذلك. وكل ما سبق لا يُجرح به الراوي، وبعضهم قد يُجرح شخصاً آخر؛ للتقليل من قيمته العلمية أو للنيل منه حتى لا يُفضَّل عليه، وهكذا، فلا بد من ذكر سبب الجرح حتى نتأكد منه، فإن كان صالحاً قبلناه، وإن كان فاسداً رددناه. المسألة الثانية والأربعون: إذا ذكر اسم راوي الحديث، وهذا الاسم معدَّل، ولكنه اشتبه باسم رجل آخر مجروح فإن خبره لا يقبل ، نظراً للاشتباه بالاسم الثاني، وذلك لاحتمال أن يكون الراوي ذلك المجروح، فلا تقبل روايته، بل يتوقف حتى يُعلم هل هو المجروح أو غيره. * * * المسألة الثالثة والأربعون: إذا عدَّل زيد الراوي؛ وجرَّحه بكر ، فإنا ننظر في سبب التعديل وسبب الجرح، فإن كان أحدهما أقوى من الآخر رجحنا الأقوى، وإن كانا متساويين في القوة: تساقطا، وتوقفنا في هذا الراوي؛ قياساً على الأدلة إذا تعارضت.

стр. 109

المسألة الرابعة والأربعون: إذا ورد التعديل والتجريح من واحد ، فإن علمنا المتأخر منهما، قدمنا المتأخر وعملنا به؛ لكونه ناسخاً للمتقدم، وإن لم نعلم المتأخر منهما، فإنا نتوقف حتى يثبت جرحه أو تعديله. * * * المسألة الخامسة والأربعون: إذا زاد عدد المعدلين على الجارحين فإنا نقدم الجرح على التعديل وإن كثر عدد المعدِّلين، لأن الجارح اطلع على زيادة في العلم عن الراوي قد خفيت على المعدِّل؛ فالمعدلون وإن كثروا ليسوا يُخبرون عن عدم ما أخبر به الجارحون فلم ينفوا ما قاله المجرحون، فلا ينتفي ذلك العلم الذي أخبر به الجارحون بسبب كثرة عدد المعدلين، فلا يلتفت إلى الكثرة مع وجود زيادة في الجرح. * * * المسألة السادسة والأربعون: رواية المحدود في القذف مقبولة بشرط: أن يكون قد أخرج القول بالقذف مخرج الشهادة، أما إن أخرج القول مخرج القذف فإن روايته لا تقبل، لدليلين: أولهما: الوقوع؛ حيث إن عمر قد جلد أبا بكرة واثنين معه حدَّ القذف لما شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا، ولم تتم الشهادة، ومع ذلك فقد قبل أهل الحديث ما رواه أبو بكرة من الأحاديث، وبعضها موجود في صحيح البخاري ومسلم.

стр. 110

ثانيهما: أن الشاهد العدل يغلب على الظن صدقه، ولكن لم يكمل العدد في الشهادة على الزنا، ونقصان عدد الشهادة لم يكن من جهته، ولا من فعله، وبناء على نقصان الشهادة أقام الإمام الحد عليه، وذلك لا يقدح بعدالة المحدود بالقذف، ولذا قبلت روايته. * * * المسألة السابعة والأربعون: ألفاظ الصحابي في نقل الخبر هي: الأول: قول الصحابي: " سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا ". أو قال: " أخبرني رسول الله بكذا "، أو قال: " حدثني بكذا "، أو قال: " شافهني بكذا "، حجة يجب قبوله والعمل به؛ لصراحته في أنه لا يوجد واسطة بين الصحابي ورسول الله ﷺ ، ولعدم تطرق أي احتمال إلى هذه الرواية. الثاني: قول الصحابي: " قال رسول الله ﷺ "، أو " أخبر رسول الله ﷺ "، أو " حدَّث رسول الله "، حجة يجب قبوله؛ لاتفاق السلف على قبول ذلك؛ حيث إنهم لم يفهموا من ذلك إلا السماع من النبي ﷺ مباشرة؛ حيث إن الظاهر من حال الصحابي العدل العارف بأوضاع اللغة العربية، وطرق استعمالاتها، أنه لا يُعبر بمثل هذا اللفظ إلا إذا كان سامعاً ذلك من النبي ﷺ ، حتى لو فرض أن الصحابي قد سمعه من غير النبي ﷺ من الصحابة فحكمه حكم ما لو سمعه من النبي ﷺ ؛ لأن الصحابة كلهم عدول، ولأن مراسيل الصحابة مقبولة.
следующие страницы →