← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 29910

علوم القرآن الكريم - نور الدين عتر

نور الدين عتر

Полный текст (286 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الفصل الحادي عشر التفسير في العصر الحديث في مطالع القرن الرابع عشر الهجري المنصرم وفي ظل الاحتلال الأجنبي لكثير من البلاد الإسلامية أو أكثرها احتدم الصراع الفكري في البلاد الإسلامية وأثيرت شبهات وإشكالات حول مفاهيم القرآن الأساسية والعلوم التي اشتمل عليها، وكانت النزعة المادية الصرفة الملحدة متسلطة على المفكرين في أوربة مما جعل جملة هذه العوامل وغيرها يثير الجدل والشبهات، التي أثارت رجال العلم والفكر المسلمين للاضطلاع بمهمتهم تجاه هذا الواجب. وكان من الطبيعي أن تتجه أنظار الجميع إلى القرآن: توجه المنحرفون إلحادا وتشكيكا، وتوجه العلماء إظهارا للحق وهداية القرآن، وتفسيرا صحيحا لآياته ولإعجازه (١). لكن في ظل الانبهار والدهشة لتفوق الأجنبي جاءت بحوث عدد من العلماء والمفكرين الإسلاميين متأثرة بمناهج الأجانب ومفاهيمهم المادية البحتة، وظهر أثر ذلك واضحا في تفاسير عدد منهم مما يتعارض مع الأدلة ومناهج التفسير. ومن ذلك إنكار بعضهم المعجزات الحسية وتأويل الآيات الواردة فيها تأويلا بعيدا متكلفا، مثل تأويل الإسراء على أنه كان بالمنام أو بالروح فقط،

стр. 107

مصادما صريح الآية والأحاديث المتواترة. كذلك إنكار خلق آدم وتأويل قصته، حتى فسّر بعضهم قوله تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ أن المراد خلق العرب من إسماعيل ﵇ (١)، جاهلا أو متجاهلا إجماع المفسّرين، وأن العرب ليسوا كلهم من إسماعيل .. ؟! ومن ذلك تأويل الملائكة بالخاصة في المخلوق «وهو- كما قال الشيخ محمد عبده- أن هذا النمو في النبات لم يكن إلا بروح خاص نفخه الله في البذرة فكانت به هذه الحياة المخصوصة، وكذلك يقال في الحيوان والإنسان». وفسّر الناس كلامه ذلك بأنه أراد قوى الطبيعة، وانتشر في أوساط كثيرة آنذاك، وهو خطأ في العلم وفي الفهم أيضا، ولا ينسجم مع الإيمان بالوحي والنبوات (٢). وراح بعضهم يفسر الآيات القرآنية على أي شيء يسمعه من المكتشفات العلمية دون تثبت من صحة الاكتشاف فضلا عن فهم حقيقته وطبيعته، ودون تقيد بأصول علم التفسير التي لا يجوز الإخلال بها، حتى ظهر تفسير ضخم للقرآن كله هو: «الجواهر في تفسير القرآن»، للشيخ طنطاوي جوهري يعجّ بالطامات في أمور العلم والجموح العجيب في تفسير القرآن، حتى نجده يفسر الآيات التي تذكر إحياء الموتى في سورة البقرة فيجعلها أصلا في علم تحضير الأرواح وأنه استخرج منها بزعمه، حتى يقول: «والمسلمون يؤمنون بها، حتى ظهر علم الأرواح بأمريكا أولا، ثم بسائر أوربة ثانيا ... » (٣)؟!!

стр. 108

وفي الحروف المقطعة أول سورة آل عمران الم يعقد بحثا طويلا عنوانه «الأسرار الكيميائية في الحروف الهجائية .. » أتى فيه بما يبعد عن العلم وعن فطرة العقل كذلك (١). ولا نزال نوافى بمثل تكلفاته هذه في عصرنا هذا!!. نحن نقدر حرص الكاتبين على إظهار إعجاز القرآن والنهوض بالمسلمين في مدارج الرقي لكنهم أخطئوا الطريق، فليس الطريق إلى ذلك بمخالفة العلم في درسه ولا القرآن في أصول بحثه. وقد ظهرت ردود ومناقشات حول هذه القضايا كلها، لكن لم يظهر تفسير كامل ملتزم بمنهج التفسير في ذلك الوقت، يتضمن التفسير الصحيح في هذه الآيات الكثيرة. حتى إذا كان الربع الأخير من القرن الرابع عشر نشطت الدراسات القرآنية نشاطا عظيما، وظهرت دراسات تفسيرية لبعض السور أو الجوانب، كما ظهرت تفاسير متنوعة، ذات مناهج مبتكرة متعددة، فيها تجديد في عرض معاني كتاب الله، يعتمد أصول التفسير، ويعوّل على المصادر القديمة، ويلائم حاجة القارئ المعاصر في ضوء استقرار الحقائق العلمية، وانجلاء الغبار عن أخطاء السابقين، وإن كان بعضهم تأثر بأخطاء السابقين لكن الجملة يعتمد عليها. وأهم أنواع التفسير المعاصرة ما يلي: الأول: التفسير المنهجي (٢): ومن أشهر كتبه المتداولة: «التفسير الواضح» للدكتور الشيخ محمد محمود حجازي.

стр. 109

وطريقة هذا التفسير أنه يتبع أصول التفسير وخطواته عند العلماء، لكنه ينظم هذه الخطوات في فقرات منفصلة هكذا: أسباب النزول، مناسبة الآية لما قبلها، المفردات اللغوية، الإعراب وأثره في المعنى، البلاغة، المعنى العام، ثم ما يستنبط من النص من الفوائد، مع مراعاة سلاسة الأسلوب ووضوحه، ومزج فيه التفسير بالمعاني العلمية والتوجيهات الاجتماعية والاستنباطات. لكن المؤلف كثيرا ما يخالف ما عليه الجمهور، دون أن يظهر مبرّر لعمله ذلك (١). وعلى كل فالكتاب هام وسهل لعامة القراء، ومفيد، يلائم بث روح النهوض في المسلم، وإيقاظ وعيه للعلوم والثقافات. الثاني: التفسير الأدبي الاجتماعي: وهو تفسير يبرز إعجاز القرآن ويعتمد في عرض معانيه على الأسلوب الأدبي الجذّاب ليصل إلى القارئ بما يريد من التأثير والتوجيه. وقد لفت هذا التفسير الوحيد إليه الأنظار، لأنه استطاع أن يملك ناصية البيان الأدبي في عرض المعاني، وناصية الذوق الأدبي في فهم أسرار إعجاز القرآن، ثم في المنطلق المعاصر الذي عني به وهو إبراز إعجاز القرآن في فن التصوير حتى استطاع أن ينال الاعتراف به والإعجاب، إذ سبق وبادر لإثبات إعجاز القرآن وفق مقياس أدبي فنّي حديث: هو فن التصوير، وأن يقدم تفسيرا

стр. 110

كاملا للقرآن يبرز فيه مصداق هذه النظرية (١). الثالث: التفسير العلمي: هو التفسير الذي يجتهد في استخراج مختلف العلوم والآراء الفلسفية من القرآن الكريم (٢). وقد أخذ هذا النوع من التفسير اهتماما عظيما لدى المثقفين في الآونة الأخيرة، وذلك لما كشف عنه تقدم العلم من إعجاز القرآن، وتصديقه الحقائق العلمية، على حين قضى تقدم العلم بالبطلان على التراث الديني لدى الأمم الأخرى. وزاد ذلك الاهتمام ضعف ملكة الدارسين الأدبية، فضلا عن أن القسم الأعظم من المسلمين ليسوا من العرب. لكن وقع من بعض الكاتبين غلو وجنوح في هذا التفسير مما سبق أن حذرنا منه، وأوضحناه بالأمثلة. وأتينا في بحث الكون في القرآن على تفاصيل وشروط يجب أن تتبع في هذا التفسير. ومما يذكر من المؤلفات في هذا الباب: دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة. للدكتور موريس بوكاي (٣). وآيات الله في الآفاق. للأستاذ الشيخ محمد وفا أميري. الرابع: التفسير العام: هو تفسير يعرض مقاصد الآيات ومعانيها، دون دخول في تفاصيل المفردات وجزئيات المعنى. وقد احتل هذا التفسير مكانة كبيرة في الأوساط العامة، وأصبح عمدة في الخطب والمقالات، والأحاديث والبحوث الإسلامية الثقافية.

стр. 111

لكن كثر دخول من ليس من أهل التفسير فيه، وكثر الخطأ فيه، حتى ربما أدخل كثيرون في تفسير الآية أشياء لا علاقة لها بالآية، فضلا عما هو أشد من ذلك. والذي يجب أن يتنبّه له كلّ باحث أو محاضر أو خطيب أو داعية أن يعلم أنه مطالب بمراعاة أصول التفسير وقواعده، ليكون ما يعرضه على الناس من التفسير العام حصيلة دراسة مبنية على المنهج السليم، فيحوز أجر المبلّغين لكتاب الله وعلومه، وينجو من الوعيد الشديد الذي عرفناه فيمن تكلم في القرآن برأيه. ولعل أهم ما صنّف كتفسير في هذا النوع: تفسير القرآن الكريم، لفضيلة أستاذنا الشيخ محمود شلتوت ﵀ شيخ الأزهر الأسبق، وشمل فيه الأجزاء العشر الأولى فقط. الخامس: التفسير الموضوعي: وهو تفسير يدرس القضايا بحسب دلالة الآيات القرآنية في القرآن كله. أو بحسب مقصد سورة منه (١). وقد عني المعاصرون بالتفسير الموضوعي، لملاءمته حاجة العصر ودراسة القضايا الحديثة. ومن الكتب الهامة المفيدة فيه كتابا «هدي القرآن إلى الحجة والبرهان» و «هدي القرآن إلى معرفة العوالم والتفكر في الأكوان» كلاهما لفضيلة أستاذنا الشيخ عبد الله سراج الدين. وكتاب «نبوة محمد ﷺ في القرآن» للدكتور حسن ضياء الدين عتر. وهكذا جاءت جهود المعاصرين بأساليب مبتكرة في التفسير، تلبي حاجة العصر، وتبرز إعجاز القرآن في أسلوبه ومضمونه وفي هدايته، وخصوصا تلك التي التزمت منهج التفسير الذي قرره العلماء.

стр. 112

الفصل الثاني عشر ترجمة القرآن الكريم وحكمها هذا موضوع حاق، والحاجة لبحثه ضرورية. فقد انتفع بفهم معاني القرآن أقوام فآمنوا، وازداد آخرون إيمانا، وضلّ قوم بسوء ما فسّر لهم القرآن بغير لغته، وصدهم ذلك التحريف لمعانيه عن الإيمان. ونرى لزاما علينا لبحث الموضوع بحثا علميا منهجيا أن نقسم الترجمة إلى قسمين: القسم الأول: الترجمة الحرفية . القسم الثاني: الترجمة التفسيرية. القسم الأول: الترجمة الحرفية الترجمة الحرفية: هي أن يترجم نظم القرآن بلغة أخرى، ترجمة تحاكيه حذوا بحذو، بحيث تحلّ مفردات الترجمة محل مفرداته، وأسلوبها محل أسلوبه. وهذه الترجمة مستحيلة في حق القرآن العظيم وذلك لسببين أساسيين: أولهما: كونه معجزة للبشر لا يقدرون على الإتيان بسورة مثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. الثاني: إنه هداية تؤخذ منه الأحكام، وتستنبط الفوائد والتوجيهات، وهذا الاستنباط لا يؤخذ فقط من المعاني الأصلية التي يسهل فهمها والتعبير

стр. 113

عنها بلغات أخرى، بل إن كثيرا من الاستنباطات إنما يستفاد من المعاني الثانوية، مثل إشارة النص، ودلالة النص، إلى آخر ما هنالك، ومن غير الممكن أن يحافظ في الترجمة على المعاني الثانوية هذه، لأنها لازمة للقرآن لا تنتقل إلى اللغات الأخرى. القسم الثاني: الترجمة التفسيرية الترجمة التفسيرية أو المعنوية: هي شرح الكلام بلغة أخرى على قدر طاقة الإنسان. فهي في الواقع تفسير لمعاني القرآن لكنه مكتوب بلغة غير لغة القرآن. بأن نفهم المعنى المراد من النص قدر طاقتنا ثم نعبر عنه باللغة المترجم إليها على وفق الغرض الذي سيق له. وهذه ولا شك ممكنة، لا يماري فيها أحد. ويمكن أن نتبين الفرق بين الترجمة الحرفية والترجمة المعنوية التفسيرية بالتطبيق العلمي على مثال هو هذه الآية: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (١). لو أراد المترجم أن يترجم هذه الآية الكريمة ترجمة حرفية، لقال بلغة أخرى: «لا تربط يدك إلى عنقك ولا تمدها غاية المد .. ». وهذا تعبير بعيد عن المقصود الحقيقي للآية، يثير استنكار القارئ غير العربي، لأنه مثير للاستغراب، ولا يفهم منه المعنى الذي قصده القرآن وما فيه من التشبيه البليغ. أما إذا أراد ترجمتها ترجمة تفسيرية فإنه يبين نهي القرآن عن الضدين: التقتير والتبذير، وقد عرضهما القرآن مصوّرين صورة شنيعة ينفر منها الإنسان، فإن الكلام الذي فسّر به معنى الآية باللغة الأخرى يكون مفهوما للقارئ الأعجمي، ومقبولا عنده ومؤثرا فيه. وشتان ما بين العملين، وما أبعد ما بينهما.

стр. 114

وهذه شهادة منصفة من رجل متمكن من اللغة العربية ولغته الفرنسية، هو المستشرق الفرنسي الدكتور ماردريس، فقد كلفته وزارة الخارجية والمعارف الفرنسيتان بترجمة ٦٢ سورة من السور الطوال، فحاول جهده، وقال في مقدمة ترجمته هذه (١): «أما أسلوب القرآن فهو أسلوب الخالق جلّ وعلا، فإن الأسلوب الذي ينطوي على كنه الكائن الذي صدر عنه هذا الأسلوب لا يكون إلا إلهيا .. لذلك كان من الجهد الضائع غير المثمر أن يحاول الإنسان أداء تأثير هذا النثر البديع الذي لم يسمع بمثله بلغة أخرى، وخاصة الفرنسية القاسية الضيقة التي لا تتسع للتعبير عن الشعور .. زد على ذلك أن اللغة الفرنسية ومثلها جميع اللغات العصرية ليست لغة دينية، وما استعملت قط للتعبير عن الألوهية» (٢). حكم الترجمة التفسيرية: إن تفسير القرآن الكريم علم جليل، وهو من العلوم التي فرض الله على الأمة تعلمها وتعليمها، والترجمة التفسيرية هي تفسير للقرآن الكريم بلغة أخرى غير اللغة العربية، فكانت هذه الترجمة فرضا مما فرضه الله تعالى على الأمة، بل هي الآن أكثر فرضية لما يترتب عليها من الواجبات المحتمة، مثل تبليغ معاني القرآن على وجه صحيح إلى المسلمين غير العرب، وكذلك إلى غير المسلمين أيضا، ومثل المحافظة على العقيدة الإسلامية من التحريف الخاطئ أو المعتمد الذي كثر فيما يسمى ترجمات القرآن، مما يشوّش عقيدة قارئها المسلم، ويصد غير المسلم عن دين الله تعالى، وكذلك الدفاع عن القرآن بكشف أضاليل المبشرين والمستشرقين الذين تعالت أصوات الشكايات من دسهم وتزييفهم.

стр. 115

شروط الترجمة التفسيرية: ولتكون الترجمة التفسيرية ترجمة صحيحة ومؤدية للغرض المطلوب، وبعيدة عن أي ضرر فقد اشترط العلماء المعاصرون في إعدادها وطبعها الشروط التالية: ١ - أن تكون مستوفية شروط التفسير التي سبقت. وذلك يوجب على المترجم استحضار معنى الأصل من تفسير عربي مستوف لتلك الشروط. أما إذا استقل برأيه ولم يكن أهلا لذلك، أو اعتمد على تفسير غير مستوف للشروط فلا تكون هذه الترجمة صحيحة ولا جائزة. وينطبق عليها الوعيد الشديد والإثم الأكيد فيمن قال في القرآن برأيه المجرد. ٢ - أن يكون المترجم بعيدا عن الميل إلى أي عقيدة زائغة تخالف عقيدة القرآن، وهذا شرط في الأصل التفسيري أيضا كما هو معلوم. ٣ - أن يكون المترجم عالما باللغتين: المترجم منها والمترجم إليها معرفة خبرة بأسرارهما، وعلم دقيق بوجوه وضع اللغة، وطرق الأساليب، واختلاف الدلالة بحسب الأسلوب في كل من اللغتين. ٤ - أن يراعى في طباعة الترجمة التفسيرية اشتمال الطبعة على القرآن أولا، ثم تفسيره العربي ثانيا، ثم يتبع ذلك بترجمته التفسيرية، حتى لا يتوهم متوهم أن هذه ترجمة حرفية للقرآن. والجدير بالذكر أن بعض البلاد الإسلامية طبعت المصاحف محاطة بتفسير باللغة المحلية في هامش المصحف، كما فعل الإيرانيون والباكستانيون، وليت هذا التفسير يكتبه أولا فريق من العلماء أهل الاختصاص إذن لكان العمل أسلم وأجدى (١).

стр. 116

الفصل الثالث عشر المحكم والمتشابه الاحكام لغة: الإتقان البالغ، ومنه البناء المحكم الذي أتقن فلا يتطرق إليه الخلل أو الفساد. وأما المتشابه: فهو في أصل اللغة: من الشبه وهو التماثل بين شيئين أو أشياء. ولما كان التماثل بين الأشياء يؤدي إلى الشك والحيرة، ويوقع في الالتباس توسعوا في اللفظ، وأطلقوا «متشابه» و «مشتبه» على كل ما غمض ودقّ. وكما توسعوا في المتشابه توسعوا في «المشكل» فصار كما قال ابن قتيبة «يقال لكل ما غمض وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة مشكل». ويمكن أن نلحق بهذين النوعين نوعا ثالثا هو المبهم، وهو مأخوذ من الإبهام، والمراد به ما أغفل ولم يعيّن فيه الفرد أو الشخص مع فهم المعنى، مثل: «رجل»، «امرأة». وبناء على الإطلاق اللغوي للمحكم والمتشابه وهو إطلاق شامل واسع فإن بوسعنا أن نفهم استعمال القرآن هذين اللفظين بإطلاقات متعددة ولمعان متنوعة، وصف فيها القرآن بالإحكام ووصف بالتشابه: لقد جاء وصف القرآن كله بالإحكام في أكثر من موضع من القرآن، كما وصف بالحكمة أيضا:

стр. 117

قال تعالى في أول سورة هود: الر. كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ. فوصف الله تعالى القرآن بأنه كِتابٌ عظيم الشأن جليل القدر، وعبر بالإحكام في قوله: أُحْكِمَتْ عن الإتقان للإشارة إلى أنه متكامل العظمة من الناحية الإيجابية بإتقانه البالغ، نظما ومعنى ومن الناحية السلبية فلا يتطرق إليه دخل ولا خلل لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ. كذلك وصف القرآن كله بأنه متشابه، في قوله تعالى في سورة الزمر (١): اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ. ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ. فقد جاء مدح القرآن هنا بأنه متشابه أي يشبه بعضه بعضا في الحسن والإعجاز، ويصدق بعضه بعضا مَثانِيَ يردد فيه القول، أو يذكر الشيء وضده، كذكر المؤمنين ثم الكافرين، وكصفة الجنة ثم صفة النار، وهكذا ... المحكم والمتشابه اصطلاحا: وليس موضوع هذا البحث تفصيل أوجه الإحكام والتشابه اللذين وردا فيما سبق، وإنما موضوع البحث وصف القرآن حسبما ورد النص فيه صراحة في سورة آل عمران في هذه الآية من مطلعها: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ، وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ.

стр. 118

فقد دلّت الآية على أنّ من القرآن ما هو محكم، ومنه ما هو متشابه، فما هو المراد بهما هاهنا؟ لقد تعددت الآراء في تعريف المحكم والمتشابه المذكورين في هذه الآية وكان السبب في ذلك اختلاف الوجهة التي ينظر منها صاحب كل رأي. ولعلنا إذا نظرنا إلى سياق الآية نخلص إلى ترجيح رأي الإمام الطيبي. المحكم: هو الواضح المعنى الذي لا يتطرق إليه إشكال. والمتشابه: هو الذي طرأ عليه خفاء في المعنى المراد منه (١). فإن سياق الآية يؤيد هذا، لأنه تعالى جعل المحكم مقابلا للمتشابه، فينبغي أن يفسّر بما يقابله، وأشار إلى أن المتشابه يحتاج إلى تأويل، الأمّ فيه أي المرجع والأصل الذي يجب التعويل عليه هو المحكم. هل يمكن تفسير المتشابه: وبالنظر لغموض المتشابه وخطورة البحث فيه لكونه بحثا في كلام الله تعالى اختلفت الآراء فيه، هل هو مما يمكن الاطلاع على علمه، أو لا يمكن الاطلاع على علمه، ولا يعلمه إلّا الله. وقد أرجعوا السبب في هذا الاختلاف إلى الاختلاف في آية آل عمران السابقة وقوله تعالى فيها: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا .... فذهب بعض أهل العلم إلى أن الراسخين في العلم يعلمون المتشابه، وفسروا الآية على أن قوله وَالرَّاسِخُونَ معطوف على قوله إِلَّا اللَّهُ وقوله يَقُولُونَ في محل نصب حال، ولا يقف هؤلاء على لفظ الجلالة اللَّهُ، بل على قوله رَبِّنا. والمعنى أن الله هو الذي يعلم تأويله وكذا الراسخون في العلم حال كونهم قائلين آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا، وتكون الآية دالة

стр. 119

على أن الراسخين في العلم أي الثابتين المتمكنين فيه يعلمون تأويله. وذهب كثير من أئمة العلماء المتقدمين والمتأخرين إلى أن المتشابه لا يطلع على علمه إلا الله تعالى، واستدلوا بالآية نفسها كذلك وقالوا: إن قوله تعالى: إِلَّا اللَّهُ نهاية الكلام السابق والوقوف في القراءة عليه، وقوله: وَالرَّاسِخُونَ مبتدأ، وجملة يَقُولُونَ في محلّ رفع خبر، والمعنى وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ثم استأنف ويقول الراسخون في العلم آمنا به كل من عند ربنا، أي كل من المحكم والمتشابه من عند ربنا ﵎، لا نفرق بينهما في الإيمان والخضوع، وكل واحد منهما يصدق الآخر، وليس شيء من عند الله بمختلف ولا بمتناقض. وقد وردت آثار تشهد لهذا الرأي، منها ما أخرجه عبد الرزاق والحاكم في المستدرك عن ابن عباس أنه كان يقرأ: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ... (١). فهذا خبر بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن يدل على أنه يفسر الآية هكذا، وهو دليل على أن الواو في قوله: وَالرَّاسِخُونَ للاستئناف. ويؤيد ذلك أن الآية دلت على ذمّ متبعي المتشابه، وعلى مدح الذين فوّضوا العلم إلى الله وسلّموا إليه، كما مدح المؤمنين في مواضع كثيرة بأنهم يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ. التحقيق في المسألة: ونحن إذا أمعنا النظر في الموضوع من أصله، وبحثنا منطلقات الفريقين نجد أنهما متقاربان، وأن الخلاف ليس جوهريا، وإنما هو خلاف فرعي ناشئ عن اختلافهم في حقيقة المتشابه. وذلك أن الذين قالوا لا يعلم المتشابه إلا الله أدخلوا في المتشابه قضايا من الغيب مثل قيام الساعة، وخروج الدجال، وحقائق العوالم الأخرى. بل

стр. 120

إن منهم من قصر المتشابه على هذه القضايا ونحوها من مبهمات القرآن. وهذه أمور قد استأثر الله بعلمها، لا خلاف في ذلك بينهم إطلاقا. وأما الذين قالوا إن الراسخين في العلم يعلمون المتشابه فلم يدخلوا فيه هذه القضايا، فبقي الموضوع في إطار ما يمكن بحثه لهذه النخبة من أئمة العلم والدين. وثمة أمر آخر له أثره في اختلاف الآراء، هو تحديد حقيقة التأويل، أو بعبارة أخرى المدى الذي يبلغه التأويل، وفي هذا يقول الإمام المفسر ابن كثير (١): «ومن العلماء من فصّل في هذا المقام فقال: التأويل يطلق ويراد به في القرآن معنيان: أحدهما: التأويل بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول أمره إليه ... ومنه قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ. يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ .. أي حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد، فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على الجلالة إِلَّا اللَّهُ، لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله .. وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر وهو التفسير والتعبير والبيان عن الشيء، كقوله: نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ أي بتفسيره، فإن أريد به هذا المعنى فالوقف على وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ. لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه ... ». كيف نفسر المتشابهات: لما كانت المتشابهات تقع في القرآن الكريم في موضوعات متعددة فإنها

стр. 121

تنقسم إلى أكثر من قسم نكتفي منها هنا بأهم ما يجب على دارس القرآن، وهو متشابه الصفات: متشابه الصفات: المراد من «متشابه الصفات» الآيات المشكلة الواردة في شأن الله تعالى، مما قد يوهم من لم يتمعن الكلام تشبيها لله تعالى بخلقه، كقوله تعالى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى، وقوله يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، وغير ذلك، وتسمى أيضا «آيات الصفات». وقد اختلفت الآراء في هذه المسألة بما يمكن حصر المقبول منه في هذين المذهبين المشهوري: المذهب الأول: مذهب السلف: وهو تفويض علم حقيقة معاني هذه المتشابهات إلى الله وحده، مع اعتقاد تنزيهه تعالى عن ظواهرها المستحيلة في حقه تعالى. واستدلوا لمذهبهم بأدلة من النقل والعقل: أما أدلة النقل فمنها حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال في الآية السابقة: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم متفق عليه (١). وعن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال: أن يكثر عليهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ أخرجه الطبراني (٢). وكذلك سار الصحابة والتابعون حيث تركوا الاشتغال بتأويل المتشابه وفوضوا علم حقيقته إلى الله تعالى، مع اعتقاد تنزيهه عن التعطيل والتشبيه والتجسيم.

стр. 122

وأما دلالة العقل فلأن تعيين المراد من هذه المتشابهات إنما يكون بتأويل نتبع فيه قواعد اللغة وأسلوب العرب، وهي لا تفيد العلم اليقيني القاطع، بل قد تحتمل أكثر من وجه، وصفات الله تعالى من العقائد لا بد فيها من اليقين، لذلك نتوقف، ونفوض إلى الله تعالى. ومن هنا قالوا: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى المراد معنى يليق بجلاله تعالى لا يشبه صفاتنا، الله أعلم بحقيقته، وكذلك يقولون في غير ذلك. المذهب الثاني: مذهب الخلف: وهو تأويل هذه الآيات بما يناسب استعمالات اللغة مما يليق بكمال الله تعالى وتقدسه. فيفسرون: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى بأن المراد: استولى مثلا ويَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ بمعنى القدرة، وهكذا ... ودليلهم أنه لما استحال أن يكون المعنى الظاهري مرادا، كان دليلا على أن المراد هو معنى مجازي، فنفسره وفق ما يفسر به كلام العرب، لأن القرآن عربي كما صرح القرآن بذلك في مواضع كثيرة فيجب الاعتماد على منهج فهم كلام العرب. وبالنظر في حقيقة الأمر نجد بين المذهبين اتفاقا في جوهر المسألة وأساسها، وهو: ١ - الاعتماد فيها على الآيات المحكمات، التي سماها الله تعالى أُمُّ الْكِتابِ أي الأصل والمرجع وهي قاطعة في تنزيه الله عن مشابهة الخلق. ٢ - صرف هذه النصوص عن ظواهر ألفاظها اللغوية المستحيلة، واعتقاد أن هذه الظواهر الموهمة للتشبيه غير مرادة قطعا، فالفريقان إذن متفقان في جوهر القضية، غاية الأمر أن السلف اكتفوا بالإجمال، وهو اعتقاد التنزيه عن هذه الظواهر، لكن دون تعيين التأويل المراد، أما الخلف فقد خطوا خطوة

стр. 123

ثانية وهي تفسير تلك النصوص حسبما يتبادر منها وفق استعمالات كلام العرب. وقد تاه أقوام في فهم مذهب السلف، وأتوا في تعريفهم به بعبارة موهمة فقالوا: إن المراد من هذه الآيات المتشابهة في الصفات هو معناها الحقيقي على وجه يليق به تعالى. وهذا تعبير منتقد من حيث اللفظ والمعنى: أما انتقاده من حيث اللفظ فلأن السلف لم يأتوا بكلمة «حقيقة»، وهذا باب دقيق يجب التقيد فيه بالعبارات المنقولة تماما، فكيف نقحم على كلامهم ما لم يقولوا؟! وأما انتقاده من حيث المعنى: فلأن قولهم «المراد معناها حقيقة» يوهم تشبيه الله تعالى بخلقه، وقولهم «على وجه يليق به» ينافي ذلك، فصارت العبارة متناقضة موهمة، حتى وجدنا كثيرا ممن نظر في كلام أصحاب هذا الرأي أو اعتقده يتجه فهمه إلى التشبيه من حيث لا يشعر. وإنّ من نظر في سياق تلك الآيات الواردة من متشابه الصفات وتمعن في الغرض الذي سيقت له علم بعدها عن إرادة المعنى الظاهري، واستحالة تفسيرها به. تأمل قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ. وقوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وقوله: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ. وقوله تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ، تعلم أن هذه الآيات وردت في مقام بيان قدرته تعالى، ووردت فيها اليد مفردة ومثناة وجمعا، مما يدل على استحالة إرادة المعنى الظاهري. وحسبنا في هذا كلام الإمام الحافظ السلفي ابن كثير، قال في تفسير

стр. 124

قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ (١): «أي الأمور كلها تحت تصريفه، وهو المعطي المانع، يمنّ على من يشاء بالإيمان والعلم والتصرف التام ... ». وقال في تفسير آية: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (٢): «أي هو حاضر معهم، يسمع أقوالهم، ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى المبايع بواسطة رسوله ﷺ ». وقال في آية بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ (٣): «أي بل هو الواسع الفضل، الجزيل العطاء، الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه». وهكذا الشأن في قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى: ما ورد هذا التعبير إلا في مناسبة بيان عظمة سلطانه تعالى، وأنه هو وحده المتصرف في الأكوان بقهره وجبروته كالأمثلة التالية: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٢٤]. الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى. لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى [طه: ٥ - ٦]. اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ [السجدة: ٤]. قال الإمام ابن كثير في آية الأعراف (٤) ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ: «وإنما يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه

стр. 125

وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل. والظاهر المتبادر إلى الأذهان المشبّهين منفيّ عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. وهكذا سائر الآيات يفسرها السلف ﵃ على هذه الطريقة (١). وقد اتفقوا على وجوب تأويل الآيات الواردة في متشابه الصفات في بعض الأحوال مثل: ١ - أن يكون للمتشابه تأويل واحد يفهم منه فهما قريبا، فيجب القول به إجماعا، وذلك كقوله سبحانه: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ، فهذه الآية ليس لها إلا تأويل واحد، هو الكينونة مع الخلق بالإحاطة بهم علما وسمعا وبصرا وقدرة وإرادة. قال الحافظ ابن كثير في تفسيرها: «أي رقيب عليكم، شهيد على أعمالكم حيث أنتم، وأين كنتم من بر أو بحر، في ليل أو نهار، في البيوت أو القفار الجميع في علمه على السواء ... » (٢). ٢ - أنه إذا توقف الدفاع عن الإسلام على التأويل لهذه المتشابهات وجب تأويلها بما يدفع شبهات المشتبهين ويرد طعن الطاعنين (٣). ونقول أيضا: إنه إذا خيف من ترك التأويل سوء فهم الناس ووقوعهم في الزيغ وجب التأويل والأخذ بمذهب الخلف، وما أكثر ما يحتاج إليه في هذا الزمن الذي قل فيه العلم وكثر الجهل، وشاعت في أوساط المتعلمين أساليب التفكير العامّيّة، وطرق التصور السطحية.

стр. 126

لماذا ورد المحكم والمتشابه: لقد أشار القرآن الكريم إلى بعض الحكم والأسرار الكامنة في ورود المحكم والمتشابه في القرآن الكريم في هذه العبارة: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ .... فتضمن هذا النص حكما علمية وعملية توسع العلماء في بحثها، نورد نبذا منها فيما يلي: أولا: أن الله سبحانه احتج على العرب بالقرآن، إذ كان فخرهم ورياستهم بالبلاغة وحسن البيان، والإيجاز والإطناب، والمجاز والكناية، والإشارة والتلويح، وهكذا فاشتمل القرآن كذلك على هذه الفنون. ثانيا: أنزله الله سبحانه اختبارا ليقف المؤمن عنده، ويرده إلى عالمه فيعظم به ثوابه، ويرتاب به المنافق فيستحق العقوبة، ولم يضرهم جهلها ولو افتقروا إلى علمه لم يطوه عنهم، كما اختبر قوم طالوت بالماء فقال: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ، فكما جاز ترك الأغراض في هذا وأن لا يقال ما العلة في هذا، فكذلك يؤمر بالمتشابه، ولا يقال: لم لم يكشف معانيها ولم يوضحها. ثالثا: أنزل المتشابه لتشغل به قلوب المؤمنين، وتتعب فيه جوارحهم وتنعدم في البحث عنه أوقاتهم، ومدد أعمارهم، فيحوزوا من الثواب حسبما كابدوا من المشقة، والأثرة له على غيره مما يعمل لربه، كما تعبدهم بالصلوات، والصيام، والحج من المنازل إلى بلد لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وغيرها من الشرائع. وهكذا كانت المتشابهات ميدان سباق تنقدح فيه الأفكار والعلوم لما ذكرنا من الحكم في ورودها في القرآن (١).

стр. 127

الفصل الرابع عشر الناسخ والمنسوخ تعريف النسخ: النسخ في اللغة يطلق بمعنيين: المعنى الأول: الإبطال والإزالة، كقولهم نسخت الشمس الظل: أزالته. المعنى الثاني: النقل، ومنه نسخت الكتاب أي نقلته من كتاب آخر. والمراد بالنسخ بالاصطلاح الشرعي: رفع الشارع حكما منه متقدما بحكم منه متأخر (١). وهذا العلم هام لدارس القرآن الكريم، وقد قال الأئمة: «لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ» (٢). وقد قال علي بن أبي طالب لقاض: «أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت» (٣).

стр. 128

أقسام النسخ: وقد قسموا النسخ عدة تقسيمات، أهمها بالنسبة لدراستنا هنا هذه الأقسام: أ- نسخ الحكم مع بقاء التلاوة ، وهو أكثر الأقسام وقوعا، مثل نسخ آية العدة: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ، فكانت العدة للمتوفى عنها زوجها حولا، ثم نسخت بأربعة أشهر وعشرا: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً. ب- نسخ القرآن بالقرآن كما سبق ذكره. ج- د- نسخ القرآن بالسنّة أو العكس . مثل نسخ استقبال بيت المقدس بالتوجه إلى القبلة فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، فهذا نسخ للسنّة بالقرآن. هـ- نسخ التلاوة مع بقاء الحكم كما ورد عن عمر ﵁ أنه نزلت آية في رجم الزاني المتزوج، وقد نسخت التلاوة وبقي الحكم. ونسخ الحكم والتلاوة معا مثل حديث السيدة عائشة: كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرّمن، ثم نسخ بخمس رضعات معلومات يحرّمن، والجملة الأولى منسوخة التلاوة والحكم، أما الجملة الثانية فهي من منسوخ التلاوة فقط وحكمها باق عند الشافعية، ولم يعمل المالكية والحنفية بهذه الرواية من أصلها. ومما يؤيدهم في ذلك أن الرواية غير متواترة، ولا تثبت قرآنية شيء إلا بالتواتر، كما لا ينسخ القرآن إلا بالتواتر، وهذا الاعتراض يرد على ادعاء قرآنية آية الرجم. حكمة وقوع النسخ: يحتل النسخ مكانة هامة في تاريخ الأديان، لما كان يتحقق به من نقل الإنسان إلى الدين الذي يأتي به كل نبي بعد النبوات التي قبله، حتى جاءت

стр. 129

شريعة الإسلام أكمل الشرائع وخاتمة الشرائع جميعا، فكان من حكمته سبحانه أن نسخ بها الشرائع والأديان السابقة كلها. وتفصيل هذا وشرحه: «أن النوع الإنساني تقلب كما يتقلب الطفل في أدوار مختلفة، ولكل دور من هذه الأدوار حال تناسبه غير الحال التي تناسب دورا غيره، فالبشر أول عهدهم بالوجود كانوا كالوليد أول عهده بالوجود سذاجة وبساطة، وضعفا وجهالة، ثم أخذوا يتحولون من هذا العهد رويدا رويدا، ومروا في هذا التحول أو مرت عليهم أعراض متباينة، من ضآلة العقل، وعماية الجهل، وطيش الشباب، وغشم القوة على تفاوت في هذا بينهم، اقتضى وجود شرائع مختلفة لهم تبعا لهذا التفاوت. حتى إذا بلغ العالم أوان نضجه واستوائه وربطت مدنيته بين أقطاره وشعوبه جاء هذا الدين الحنيف ختاما للأديان، ومتمما للشرائع، وجامعا لعناصر الحيوية ومصالح الإنسانية ومرونة القواعد، جمعا وفّق بين مطالب الروح والجسد، وآخى بين العلم والدين، ونظم علاقة الإنسان بالله وبالعالم كله من أفراد وأسر وجماعات وأمم وشعوب وحيوان ونبات وجماد مما جعله بحق دينا عاما خالدا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها» (١). لذلك لم يقع خلاف بين الأمم حول النسخ ولا أنكرته ملة من الملل قط، إنما خالف في ذلك اليهود، فأنكروا جواز النسخ عقلا، وبناء على ذلك جحدوا النبوات بعد موسى ﵇، وتذرعوا بذلك الزعم لإنكارهم نبوة عيسى ونبوة سيدنا محمد عليهما الصلاة والسلام. وأثاروا الشبهة فزعموا أن النسخ محال على الله تعالى، لأنه يدل على البداء، أي ظهور رأي بعد أن لم يكن، وكذا استصواب شيء علم بعد أن لم يعلم، والبداء مستحيل في حق الله تعالى، لأنه واجب له تعالى لذاته وصف العلم المحيط بكل شيء من الأزل إلى الأبد. والجواب عن هذا من وجوه:

стр. 130

١ - قال الإمام الغزالي (١) يرد هذه الشبهة محتكما إلى فهم معنى النسخ فقال: وهو عبارة عن الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت المشروط استمراره بعدم لحوق خطاب يرفعه، وليس من المحال أن يقول السيد لعبده: «قم»، ولا يبين له مدة القيام، وهو يعلم أن القيام مقتضى منه إلى وقت بقاء مصلحته في القيام، ويعلم مدة مصلحته ولكن لا ينبه عليها، ويفهم العبد أنه مأمور بالقيام مطلقا وأن الواجب الاستمرار عليه أبدا إلا أن يخاطبه السيد بالقعود، فإذا خاطبه بالقعود قعد ولم يتوهم بالسيد أنه بدا له أو ظهرت له مصلحة كان لا يعرفها والآن قد عرفها، بل يجوز أن يكون قد عرف مدة مصلحة القيام وعرف أن الصلاح في أن لا ينبه العبد عليها ويطلق الأمر له إطلاقا حتى يستمر على الامتثال، ثم إذا تغيرت مصلحته أمره بالقعود. ٢ - إن القرآن الكريم رد على خرافة هؤلاء في شأن النسخ في قوله تعالى في سورة البقرة: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. فبين أن مسألة النسخ ناشئة عن مداواة وعلاج مشاكل الناس، لدفع المفاسد عنهم وجلب المصالح لهم، لذلك قال: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها، ثم عقّب فقال: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ. ٣ - الاستدلال بوقوع النسخ بين شرائع الأنبياء من لدن آدم إلى موسى ﵇، واليهود يعترفون بذلك وبنبوة هؤلاء الأنبياء الذين نسخت شرائعهم أحكاما من شرائع أنبياء قبلهم، فلماذا يجحدون بنبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام متذرعين بزعم استحالة النسخ ... وقد ذكر العلماء من النسخ الذي وقع في الشرائع السابقة أمثلة: منها أنه أحلّ لآدم تزويج بناته من بنيه من بطن آخر ثم حرم ذلك. وأباح الله تعالى لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات ثم نسخ حل بعضها. وكان نكاح الأختين مباحا لإسرائيل وبنيه، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها،

стр. 131

فإن كانوا صادقين في إيمانهم بالتوراة فواجب أن يقروا بالنسخ، ويؤمنوا بالنبي ﷺ ، وإلا فإنهم يكونون مكذبين للتوراة نفسها. التأليف في الناسخ والمنسوخ: هذا ولأهمية هذا العلم فقد عني به العلماء في تفاسيرهم، وفي كتب أحكام القرآن، فبينوا ما وقع من النسخ في بعض الآيات، بل أفرده بالتصنيف في كتب خاصة خلائق لا يحصون كما قال السيوطي (١)، منهم أبو عبيد القاسم بن سلّام، وأبو داود السجستاني، وأبو جعفر النحاس وابن الأنباري وابن العربي، ومكي ابن أبي طالب وآخرون». إلا أنا ننبه إلى أنه وقع توسع كثير من بعض العلماء في النسخ، فقالوا بنسخ آيات كثيرة لا دليل على نسخها، وكثير من ذلك من باب التخصيص لا النسخ. ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. ادّعي في هذه الآية وأمثالها أنها نسخت بآية فرض الزكاة. وليس ذلك بسديد لأن الآية عامة في النفقات الواجبة والمندوبة والمباحة، وهي بهذا لا تعارض آية فرض الزكاة، فمن أين يأتي النسخ؟!!. ومن أشهر الأمثلة وأهمها ادعاء أن آية السيف أي وجوب الجهاد قد نسخت: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ونحوها من الآيات كما نجده في تفسير الجلالين. وليس ذلك مقبولا، لأن آية الجهاد والشدة في حال علاقات الحرب، والآيات الأخرى تأمر بالإحسان ومكارم الأخلاق في حال السلم فكل من الآيات خاص بوقته المناسب له، وليس ذلك من النسخ. وغير ذلك مما يوجب التنبه والتحقق في هذا الأمر الخطير.

стр. 132

الفصل الخامس عشر الأحرف السبعة يجد الدارس لهذا الموضوع في دراسته هنا تطبيقا لأصل عظيم من الأصول التي جاءت بها الشريعة، وهو مراعاة اليسر على الناس ورفع العسر والمشقة عنهم، وموضع اليسر هنا هو أن يسهل على العرب أخذ كتاب الله تعالى، والاهتداء بهداه. تعريف الأحرف السبعة: تعريف الحرف لغة: الحرف في أصل كلام العرب معناه الطرف والجانب، وحرف السفينة والجبل جانبهما، ومنه قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١). أي أن من الناس من لا يدخل في الدين دخول متمكن، فإن أصابه خير أي خصب وكثر ماله أو ماشيته اطمأن به، ورضي بدينه، وإن أصابته فتنة اختبار بجدب وقلة مال انقلب على وجهه أي رجع عن دينه إلى الكفر وعبادة الأوثان (٢). تعريف الأحرف السبعة اصطلاحا: الأحرف السبعة سبعة أوجه فصيحة من اللغات والقراءات أنزل عليها القرآن الكريم.

стр. 133

بيان الأحرف السبعة في الحديث النبوي: ولما أن سبيل درس هذا الموضوع هو النقل الثابت الصحيح من الذي لا ينطق عن الهوى، ولا مجال للرأي والاجتهاد فيه إلا لحسن الفهم، والترجيح بين الآراء، وبتعرف الصواب من الخطأ، فإنا نقدم نخبة من الأحاديث الثابتة تلقي لنا الضوء على هذا الموضع فيما يلي: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ ، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ . فكدت أساوره في الصلاة فتصبّرت حتى سلّم، فلبّبته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ، قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ . فقلت له كذبت، أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ ، فقلت إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال أرسله، اقرأ يا هشام، فقرأ القراءة التي سمعته فقال رسول الله ﷺ : «كذلك أنزلت»، ثم قال رسول الله ﷺ : «اقرأ يا عمر»، فقرأت التي أقرأني، فقال: «كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه». متفق عليه (١) عن أبيّ بن كعب ﵁ قال: «كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله ﷺ . فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه.

стр. 134

ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه. فأمرهما رسول الله ﷺ فقرءا، فحسّن النبيّ ﷺ شأنهما. فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية. فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشيني ضرب في صدري ففضت عرقا، وكأني أنظر إلى الله فرقا. فقال لي: يا أبيّ أرسل إليّ أن أقرأ القرآن على حرف. فرددت إليه أن هوّن على أمتي. فرد إليّ الثانية اقرأه على حرفين. فرددت إليه أن هوّن على أمتي، فردّ إليّ الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف، فلك بكل ردة رددتها مسألة تسألنيها، فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ الخلق كلهم حتى إبراهيم ﷺ ». أخرجه مسلم (١) وعن أبيّ بن كعب ﵁ أيضا: «أن النبي ﷺ كان عند أضاة بني غفار، قال: فأتاه جبريل ﵇ فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك. ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا». أخرجه مسلم (٢)

стр. 135

عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أقرأني جبريل على حرف، فلم أزل أستزيده، ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف». متفق عليه (١) ولمسلم عن ابن شهاب قال: «بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر الذي يكون واحدا، لا يختلف في حلال ولا حرام». وعن عبد الله بن مسعود ﵁ في قصة اختلافه مع بعض الصحابة في القراءة وأنه راجع النبي ﷺ وعنده عليّ بن أبي طالب فقال علي ﵁: «إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تقرءوا كما علّمتم». أخرجه الحاكم في المستدرك وأحمد والطبري وابن حبّان (٢). دلالة هذه الأحاديث على أصول الموضوع: دلت هذه الأحاديث على جملة قواعد هامة نوضحها فيما يلي: ١ - ثبوت التوسعة في إنزال القرآن على سبعة أحرف ثبوتا قاطعا، نظرا لصحة أسانيد الأحاديث الواردة في القضية صحة حازمة، بل إن الحديث بلغ درجة التواتر الذي يفيد اليقين، لكثرة أسانيده ورواته من الصحابة فمن بعدهم. ٢ - إن القراءة بأي حرف من هذه الأحرف يلزم فيها اتباع التلقي عن النبي ﷺ .

стр. 136

وأول ما يدل على ذلك هذا التعبير أُنْزِلَ الذي تواترت به الأحاديث فإنه يدل على أنه نزل به الوحي. ويدل على ذلك أيضا دلائل كثيرة في نصوص الأحاديث، مما يدل على أن المعيار في قبول الحرف أو رده ليس هو عدم ألفته من السامع، ولا كونه لهجة غير مألوفة له، إنما الأساس في الموضوع كله هو السماع والتلقي عن رسول الله ﷺ أو عدم التلقي عنه. ومما يدل على بطلان تفويض القراءة للقارئ بما يختاره من تلقاء نفسه أن ذلك يؤدي إلى ذهاب إعجاز القرآن وتعريضه لأن يبدّل، وذلك خلاف قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ. ثم إن التغيير والتبديل بمرادف أو بغير مرادف مرفوض بقوله تعالى في سورة يونس: قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ، قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. فإذا كان هذا ليس من حق النبي نفسه ﷺ ، فكيف يسوّغ ذلك في حق أحد من الناس؟ ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث السابق «هكذا أنزلت». ٣ - تثبت عبارات الأحاديث المفصلة الواردة في الأحرف السبعة أصلا هاما يجب أن لا يغيب عن بال الباحث في تفسير الأحرف السبعة، وهو أنها وجوه في أداء الألفاظ فقط، أي كيفيات في القراءة، وجه الدلالة على ذلك أن الخلاف بين الصحابة في القراءة إنما وقع حول قراءة الألفاظ، ولم يكن اختلاف في تفسير المعاني، أنظر إلى قول عمر بن الخطاب: «فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ »، وهكذا سائر العبارات تشير إلى أن القضية كانت تدور حول كيفية قراءة الألفاظ، لا تفسير المعاني. الأحرف السبعة والقراءات السبع: دلتنا النصوص التي درسناها ومحصنا دلالاتها على أن المراد بالأحرف

стр. 137

السبعة سبع لغات نزل بها القرآن، ونود أن ننبه بأن الأحرف السبعة ليست هي القراءات السبع المشهورة، التي يظن كثير من عامة الناس أنها الأحرف السبعة. وهو خطأ عظيم ناشئ عن الخلط وعدم التمييز بين الأحرف السبعة والقراءات. وهذه القراءات السبع إنما عرفت واشتهرت في القرن الرابع، على يد الإمام المقرئ ابن مجاهد الذي اجتهد في تأليف كتاب في القراءات، فاتفق له أن جاءت هذه السبعة موافقة لعدد الأحرف، فلو كانت الأحرف السبعة هي القراءات السبع لكان معنى ذلك أن يكون فهم أحاديث الأحرف السبعة بل العمل بها أيضا متوقفا حتى يأتي ابن مجاهد ويخرجها للناس ... وقد كثر تنبيه العلماء في مختلف العصور على التفريق بين القراءات السبع والأحرف السبعة، والتحذير من الخلط بينها (١). ما هي حقيقة الأحرف السبعة: إذا بحثنا بعد هذا عن حقيقة الأحرف السبعة بدقة نجد أمامنا مذاهب تجتهد في تفسير المراد بهذه الأحرف، وتحاول تبيين الاختلاف في كيفية أداء ألفاظ القرآن على الأوجه السبعة التي نزل بها القرآن، ولعل هذا الخلاف أن يكون مستغربا مع اتفاق أصحاب هذا المنهج على أن المراد بالأحرف السبعة سبعة أوجه في قراءة القرآن، وقد هدانا البحث إلى معرفة سبب هذا الاختلاف، وهو اختلاف الطريقة التي توصل إلى تحديد هذه الأحرف: ذهب بعض العلماء إلى استخراج الأحرف السبعة باستقراء أوجه الخلاف الواردة في قراءات القرآن كلها صحيحها وسقيمها، ثم تصنيف هذه الأوجه سبعة أصناف، بينما عمد آخرون إلى التماس الأحرف السبعة في لغات العرب. فتكوّن بذلك مذهبان رئيسيان، نذكر نموذجا عن كل منهما فيما يلي:

стр. 138

المذهب الأول: مذهب استقراء أوجه الخلاف في لغات العرب، وفي القراءات كلها ثم تصنيفها وقد تعرض هذا المذهب للتنقيح على يد أنصاره الذين تتابعوا عليه، ونكتفي هنا بأهم تنقيح وتصنيف لها فيما نرى، وهو تصنيف الإمام الرازي نسوقه فيما يلي: قال أبو الفضل عبد الرحمن الرازي: «فمن التأويلات التي يحتملها الخبر ولم يتقدم على نظامه تأويل هو أن كل حرف من الأحرف السبعة المنزلة جنس ذو نوع من الاختلاف». - أحدها: اختلاف أوزان الأسماء من الواحد والتثنية والجموع والتذكير والمبالغة وغيرها. ومن أمثلته: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ، وقرئ لأمانتهم بالإفراد. - والثاني: اختلاف تصريف الأفعال وما يسند إليه، نحو الماضي والمستقبل والأمر، وأن يسند إلى المذكر والمؤنث والمتكلم والمخاطب والفاعل والمفعول به. ومن أمثلته: فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا بصيغة الدعاء، وقرئ: ربنا بعد فعلا ماضيا. - الثالث: وجوه الإعراب: ومن أمثلته: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ قرئ بفتح الراء وضمّها، ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ برفع الْمَجِيدُ وجره. - الرابع: الزيادة والنقص: مثل: وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى قرئ والذكر والأنثى. - الخامس: التقديم والتأخير: مثل: فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ، قرئ: فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ، ومثل: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ، وقرئ: وجاءت سكرة الحق بالموت. - السادس: القلب والإبدال في كلمة بأخرى، أو حرف بآخر: مثل:

стр. 139

وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها بالزاي، وقرئ: ننشرها بالراء. - السابع: اختلاف اللغات: مثل: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى تقرأ بالفتح والإمالة في أتى وموسى وغير ذلك من ترقيق وتفخيم، وإدغام ... وهكذا ... ثم قال أبو الفضل الرازي: « ... فهذا التأويل مما جمع شواذ القراءات ومشاهيرها ومناسيخها على موافقة الرسم ومخالفته، وكذلك سائر الكلام لا ينفك اختلافه من هذه الأجناس السبعة المتنوعة، فإن وافق هذا التأويل معنى الخبر (أي حديث الأحرف السبعة) حذوا بحذو فقد أصاب من أخذ به، وإن لم يوافقه فلا شك في دخول معنى الخبر تحت هذه الوجوه، وإن لم يكن مرتبا عليها» (١). المذهب الثاني: إن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات قبائل العرب الفصيحة. وذلك لأن المعنى الأصلي للحرف هو اللغة، فأنزل القرآن على سبع لغات مراعيا ما بينها من الفوارق التي لم يألفها بعض العرب، فأنزل الله القرآن بما يألف ويعرف هؤلاء وهؤلاء من أصحاب اللغات، حتى نزل في القرآن من القراءات ما يسهل على جلّ العرب إن لم يكن كلهم، وبذلك كان القرآن نازلا بلسان قريش والعرب كما قال الإمام البخاري في صحيحه. وقال جماعة من العلماء: إنّ هذه اللغات هي لغات: قريش، وهذيل، وتميم، وأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر (٢). والحاصل أن هذين المذهبين أقوى ما قبل في تفسير حقيقة الأحرف السبعة. ولا خلاف بينهما في النتيجة، لأن أحدهما يبين أوجه الاختلاف،

стр. 140

والثاني ما تنطبق عليه هذه الأوجه من لغات العرب. وهما يحققان ما وردت به الأحاديث من نزول القرآن على سبعة أحرف يقرأ بها. أين الأحرف الستة: ذلك ما تبين بالأدلة من حقيقة الأحرف السبعة، والقول الصحيح فيها الذي يجب أن لا يخرج عنه الباحث، فأين هي الأحرف السبعة، هل ما يقرأ به المسلمون من القراءات اليوم يشتمل على الأحرف السبعة ويحققها، أو أنه حرف واحد، وأين هي الستة الباقية إذن. يرى المحققون في هذا الموضوع كالإمام الباقلاني وغيره أن الأحرف السبعة باقية وأن المصاحف العثمانية التي استنسخها عثمان بن عفان ﵁ قد اشتملت على الأحرف السبعة جميعا. وهذه عبارات الإمام المحقق أبي بكر الباقلاني تلقي الضوء ساطعا على القضية، قال ﵀ ورضي عنه: «لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين، وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي ﷺ ، وإلغاء ما ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أثبت مع تنزيل ولا منسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه ... » (١). « ... لأن القوم عندنا لم يختلفوا في هذه الحروف المشهورة عن الرسول ﷺ التي لم يمت حتى علم من دينه أنه أقرأ بها، وصوّب المختلفين فيها، وإنما اختلفوا في قراءات ووجوه أخر لم تثبت عن الرسول ﵇، ولم تقم بها حجة، وكانت تجيء مجيء الآحاد وما لا يعلم ثبوته وصحته وكان منهم من يقرأ التأويل مع التنزيل، نحو قوله:

стр. 141

والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر (١). فَإِنْ فاؤُ (٢)، ولَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ في مواسم الحج (٣) ... فمنع عثمان من هذا الذي لم يثبت ولم تقم الحجة به، وأحرقه وأخذهم بالمتعين المعلوم من قراءات الرسول ﵇ ... (٤)».

стр. 142

الفصل السادس عشر القراءات والقراء تعريف القراءة: القراءة في اللغة: مصدر لقرأ. وفي الاصطلاح: «القراءات علم بكيفيات أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة» (١). وقولهم: كلمات القرآن: أي كلمة كلمة من أول القرآن إلى آخره، ببيان ما يندرج تحت قاعدة عامة، وما هو حالة خاصة. مثل السكوت اللطيف على عِوَجاً من الكهف. وقولهم: بعزو الناقلة: أي أن هذا العلم ثابت بالنقل الثابت المتواتر عن النبي ﷺ ، لا مصدر له سوى النقل والتلقين الشفاهي. والمقرئ: العالم بالقراءات، الذي رواها مشافهة بالتلقي عن أهلها إلى أن يبلغ النبي ﷺ ، فلو حفظ كتاب «التيسير» في القراءات مثلا فليس له أن يقرأ بما فيه إن لم يشافهه من شوفه به مسلسلا، لأن في القراءات أشياء لا تحكم إلا بالسماع والمشافهة» (٢).

стр. 143

ضابط القراءة المقبولة: ولما كان النقل بعزو الناقلة يختلف قوة وضعفا بحسب حال الناقلة، فقد احتاج الأمر إلى ضابط تميز به القراءة المقبولة وغير المقبولة. وقد ضبط علماء القراءات القراءة المقبولة بقاعدة مشهورة متفق عليها بينهم، وهي: «كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت رسم أحد المصاحف ولو احتمالا، وصح سندها فهي القراءة الصحيحة» (١). ويتبين من هذا الضابط ثلاثة شروط يتوقف قبول القراءة على اجتماعها كلها وهي: الشرط الأول: موافقة العربية ولو بوجه: ومعنى هذا الشرط أن تكون القراءة موافقة لوجه من وجوه النحو، ولو كان مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله، فلا يصح مثلا الاعتراض على قراءة حمزة: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ، بجر الأرحام بأنه عطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار، وهو خلاف مذهب البصريين، لأنا نقول إن الكوفيين يجيزون مثل هذا العطف، وهكذا ... الشرط الثاني: موافقة خط أحد المصاحف ولو احتمالا: وذلك أن النطق بالكلمة قد يوافق رسم المصحف تحقيقا، إذا كان مطابقا للمكتوب، وقد يوافقه احتمالا أو تقديرا باعتبار ما عرفنا أن رسم المصحف له أصول خاصة به تسمح بقراءته على أكثر من وجه. مثال ذلك: ملك يوم الدين رسمت ملك بدون ألف في جميع المصاحف، فمن قرأ ملك يوم الدين بدون ألف موافق للرسم تحقيقا، ومن قرأ مالِكِ فهو موافق تقديرا، لحذف هذه الألف من الخط اختصارا.

стр. 144

الشرط الثالث: صحة السند: وهو أن يروي القراءة عدل ضابط عن مثله إلى رسول الله ﷺ من غير شذوذ ولا علّة. ويشترط في هذه القراءة أن تنال ثقة أئمة القراء الضابطين، بحيث تكون مشهورة لديهم متلقاة بالقبول عندهم. وقد يتساءل من لم يتمعّن حقيقة المسألة، كيف يكفي لقبول القراءة صحة السند مع أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر؟. والجواب عن هذا التساؤل من أوجه كثيرة نكتفي منها بوجه هو أن القراءة ثابتة بنقل أهل المنطقة كلهم، لكن بحكم قانون الانتخاب الطبيعي يوجد أفراد يفوقون أهل عصرهم، حتى يكونوا مرجعا لهم، وكذلك شأن هؤلاء القراء فإن السند وإن اتصل بخبر صحيح ظاهرا، لكنه متواتر في الحقيقة، لذلك قالوا يشترط أن تنال ثقة الأئمة وتكون مشهورة بينهم. أنواع القراءات حسب أسانيدها: وبالنظر لما ذكرناه فقد قسّموا القراءات بحسب أسانيدها ستة أقسام، وبينوا حكم كل نوع ودرجته من حيث القبول أو الرد، وهذه الأقسام هي: الأول: المتواتر: وهو ما نقله جمع غفير لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهى السند، وهذا النوع هو غالب القراءات. الثاني: المشهور: وهو ما صح سنده واستوفى شروط القراءة الصحيحة واشتهر عند القراء فلم يعدوه من الغلط ولا من الشذوذ، وهذا تصح القراءة به، ولا يجوز رده، ولا يحل إنكاره. الثالث: الآحاد: وهو ما صحّ سنده وخالف الرسم أو العربية، أو لم يشتهر الاشتهار المذكور، وهذا لا تجوز القراءة به. الرابع: الشاذ: وهو ما لم يصح سنده ولو وافق رسم المصحف والعربية مثل قراءة: ملك يوم الدين، بصيغة الماضي في ملك ونصب يَوْمِ مفعولا.

стр. 145

الخامس: الموضوع: وهو المختلق المكذوب. السادس: ما يشبه المدرج من أنواع الحديث ، وهو ما زيد في القراءة على وجه التفسير كما نقل عن ابن عباس أنه قرأ وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا. فكلمة صالحة ليست قرآنا، إنما هي تفسير. وهذه الأنواع الثلاثة الأخيرة لا تحل القراءة بها، بالأحرى والأولى إذا كانت قراءة الآحاد لا تجوز القراءة بها، ويعاقب من قرأ بها. القراءات المتواترة وقراؤها: تلقى الصحابة القرآن من النبي ﷺ ، وقرأت كل قبيلة القرآن كما تعلموه منه ﷺ . ثم خرجت كل قبيلة في الفتوحات في كتيبة أو كتائب مجتمعة إلى بعضها، واستقرت في البلاد تقرأ قراءتها، ويتلقاها الأبناء عن الآباء فكان لكل بلد أو قطر قراءته المتواترة جيلا عن جيل. وكان من الضروري والطبيعي أن يشتهر في كل عصر جماعة من القراء، في كل طبقة من طبقات الأمة، يتفوقون في حفظ القرآن وإتقان ضبط أدائه، والتصدي والتفرغ لتعليمه، من عصر الصحابة، ثم التابعين، وأتباعهم، وهكذا، وكان من القراء من بلغ الذروة في الإتقان والضبط، كما كان ثمة قراء دونهم، وآخرون ليسوا من أهل الإتقان، فقام العلماء بتمحيص هذه القراءات ودراسة أحوالها، وبينوا للناس المتواتر منها. واعتبارا من عصر التابعين انتشرت القراءات كثيرا فشعرت طائفة من أهل العلم بضرورة الاحتياط للقرآن وقراءاته، فنهض كل إمام بضبط القراءة عن الأئمة المقرئين وهكذا في العصور التالية، ثم أودعت تلك القراءات في مؤلفات خاصة، كما فعله أبو عبيدة ثم الطبري ومن جاء بعد ... ثم جاء الإمام أحمد بن موسى بن العباس المشهور بابن مجاهد المتوفى سنة ٣٢٤، فأفرد القراءات السبع المعروفة فدونها في كتابه «القراءات السبع» فاحتلت مكانتها في التدوين وأصبح علمها مفردا يقصدها طلاب القراءات.
следующие страницы →