ثالثا: كثرة الوضع في التفسير.
السبب الأول: الإسرائيليات:
والمراد بها اللون اليهودي واللون النصراني في التفسير وما تأثر به التفسير من الثقافتين اليهودية والنصرانية. ومبدأ دخولها في التفسير يرجع لعهد الصحابة، غير أن الصحابة وإن تشوقوا لمعرفة التفاصيل لم يسألوا أهل الكتاب عن كل شيء ولم يقبلوا منهم كل شيء، مع توقفهم فيما يلقى إليهم ما دام يحتمل الصدق والكذب، امتثالا لقول الرسول ﷺ : «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله» (١). فلم يسألوهم عن شيء يتصل بالعقيدة ولم يعدلوا عما ثبت عن النبي ﷺ . كذلك لا يصدقون اليهود فيما يخالف الشريعة ...
وهكذا لم يخرج الصحابة عن دائرة الجواز التي حددها لهم الرسول في قوله: «بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار» (٢). كما أنهم لم يخالفوا قول رسول الله: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا». أباح الأول أن يحدثوا عما وقع لبني إسرائيل من الأعاجيب للعبرة والعظة بشرط أن يعلموا أنه ليس مكذوبا، والثاني يراد منه التوقف فيما يحدّث به أهل الكتاب مما يكون محتملا للصدق والكذب، أما ما خالف شرعنا فنحن في حل من تكذيبه.
أما التابعون: فقد توسعوا في الأخذ عن أهل الكتاب وكثرت في عهدهم الروايات الإسرائيلية لكثرة من دخل منهم في الإسلام، فظهرت في هذا العهد جماعة حشوا التفسير بكثير من القصص المتناقضة كمقاتل بن سليمان. وهكذا تزايد أمر الإسرائيليات حتى كان جماعة بعد عصر التابعين لا يردون قولا، ثم في عصر التدوين وجد من المفسرين من حشوا كتبهم بهذه القصص الإسرائيلية؟.
стр. 72
أثر الإسرائيليات في التفسير:
كان للإسرائيليات أثر سيّئ لأن الأمر لم يقف على ما كان في عهد الصحابة، بل زاد ودخل فيه النوع الخيالي المخترع. فوضعوا الشوك في طريق المفسر، إذ أنه أصبح يشك فيها جميعا لاعتقاده أن الكل من واد واحد.
وتنقسم الإسرائيليات إلى ثلاث أقسام:
الأول: ما يعلم صحته بالنقل عن النبي ﷺ
وهو صحيح مقبول. وكذا إذا كان له شاهد من الشرع يؤيده.
الثاني: ما يعلم كذبه
فلا يصح قبوله ولا روايته.
الثالث: مسكوت عنه
لا هو من الأول ولا من الثاني، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته للحديث السابق ... وهذا القسم غالبه مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني.
موقف المفسر إزاء الإسرائيليات:
يجب أن يكون المفسر يقظا جدا ليستخلص ما يوافق العقل ويتقيد بمقدار الضرورة. ويجب أن لا يرتكب النقل عن أهل الكتاب إذا وجد في سنة نبينا- ﷺ بيانا للقرآن، ويجوز أن يذكر خلاف المتقدمين بشرط أن لا يطلقه بل ينبه على الصحيح ويزيف غيره، لئلا يوقع القراء في الاضطراب، على أن من الخير للمفسر كل الخير الإعراض عن هذه الإسرائيليات وأن يمسك عما لا طائل تحته مما يعد صارفا عن القرآن وشاغلا عن التدبر في حكمته وأحكامه.
وأشهر الرواة للإسرائيليات:
١ - عبد الله بن سلام.
٢ - كعب الأحبار.
٣ - وهب بن منبه.
٤ - عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج.
стр. 73
السبب الثاني لضعف التفسير المأثور: حذف الإسناد:
منذ ظهر الوضع في عصر الصحابة صاروا يسألون عن الإسناد، فكان ما يروونه من التفسير المأثور عن النبي أو الصحابة لا يروونه إلا بإسناد، ثم جاء بعد عصر التابعين من جمع التفسير، فدوّن التفسير المأثور بإسناده كتفسير سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح، ثم جاء بعد هؤلاء أقوام ألفوا في التفسير فاختصروا الأسانيد وأهملوا عزو الأقوال لقائليها ولم يتحروا الصحة فالتبس الصحيح بالعليل، ثم صار كل من يسنح له قول يورده وينقل ذلك من بعده ظانا له أصلا، ولعل هذا أخطر الأسباب جميعا، لأن حذف الأسانيد جعل من ينظر في هذه الكتب يظن صحة كل ما جاء فيها.
السبب الثالث: الوضع:
وقد كثر الوضع أي الكذب في الحديث والتفسير، وأثّر الوضع بأن ضاع كثير من هذا التراث الذي خلفه لنا السلف، لأن ما أحاط به من شكوك أفقدنا الثقة به، وجعلنا نرد كل رواية تطرق إليها شيء من الضعف، وربما كانت صحيحة، كما أن اختلاطها جعل بعض من ليس قادرا على التمييز بين الصحيح والعليل يحكم على الجميع بالصحة.
وأهم المصنفات في التفسير المأثور:
١ - جامع البيان في تفسير القرآن للطبري .
٢ - تفسير القرآن العظيم، لابن كثير.
٣ - لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن.
٤ - الجواهر الحسان في تفسير القرآن، للثعالبي.
نعرف بمؤلفيها وبمناهجهم في هذه الكتب بإيجاز فيما يلي:
١ - جامع البيان في تفسير القرآن للطبري:
مؤلفه:
هو الإمام أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري الإمام الجامع للعلوم والمعارف والمجتهد المطلق، ولد في آمل طبرستان (سنة ٢٢٤ هـ) واستقر به
стр. 74
المقام بعد أن نضج واكتمل في مدينة بغداد حتى توفي سنة ٣١٠ هـ.
وكان محمد بن جرير كما وصفه المؤرخون: أحد الأئمة الأعلام، يحكم بقوله، ويرجع إليه لمعرفته وفضله، جمع من العلوم مع التقدم والإمامة فيها ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظا للقراءات عارفا بها، عارفا بالمعاني، فقيها في أحكام القرآن- عالما بالسنن وطرقها وصحيحها وسقيمها، وناسخها من منسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين في الأحكام، ومسائل الحلال والحرام، عارفا بأيام الناس والأمم وتاريخهم وأخبارهم.
وأما مؤلفاته فكثيرة وبالفوائد حافلة وغزيرة، أشهرها تأليفه في التاريخ وتأليفه في التفسير، حتى عد بحق شيخ المؤرخين وشيخ المفسرين.
طريقة الطبري في تفسيره:
كتاب «جامع البيان في تفسير القرآن» كاسمه كتاب جامع ومرجع واسع في هذا الفن، قد تعرض فيه مؤلفه لدراسة القرآن الكريم من جوانب متعددة من حيث اللغة والنحو والاشتقاق وغير ذلك ومن حيث الرواية والمأثور عن النبي ﷺ وأقوال الصحابة والتابعين، والترجيح بينها، واستنباط الفوائد والأحكام، وبيان المذاهب والأدلة، حتى ليمكن أن يعتبر من مراجع التفسير بالرأي، لما اشتمل عليه من تلك الفنون، لكنه اعتبر من كتب التفسير بالمأثور لاعتنائه بالآثار عناية كبيرة.
وقد أجمع العلماء من الشرق والغرب على عظمة هذا الكتاب وأنه مرجع لا يستغني عنه باحث في التفسير.
يستهل ابن جرير كلامه على الآية أو الجملة من الآية بهذه العبارة:
«القول في تأويل قول الله تعالى ... كذا وكذا ... ثم بعد أن يذكر نص الآية أو الجملة يفسرها، ويستشهد لما يقول بشواهد اللغة والآثار، ويورد الأقوال وينقد ويناقش.
ومن أمثلة بحثه اللغوي تفسير كلمة (اسم) في (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)
стр. 75
حيث قال: « ... وإنما معنى قوله «بسم الله» أبدأ بتسمية الله وذكره قبل كل شيء، أو أقرأ بتسميتي الله ... ثم قال:
فإن قال (أي معترض): فإن كان الأمر على ما وصفت فكيف قيل «بسم الله» وقد علمت أن الاسم اسم وأن التسمية مصدره (١). قيل: إن العرب قد تخرج المصادر مبهمة على أسماء مختلفة، كقولهم: أكرمت فلانا كرامة، وإنما بناء مصدر (أفعلت) إذا أخرج على فعله (الإفعال)، وكقولهم: أهنت فلانا هوانا، وكلمته كلاما. وبناء مصدر (فعّلت) التفعيل.
ومن ذلك قول الشاعر:
أكفرا بعد رد الموت عني ... وبعد عطائك المائة الرتاعا
يريد إعطائك ... إلى آخر ما أورده من الشواهد ...
ومن أمثلة بحثه الإعرابي ما يلي نصه من كلامه ﵀:
«القول في تأويل قوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ.
قال أبو جعفر: والقراء مجمعة على قراءة «غير» بجر الراء منها، والخفض يأتيها من وجهين:
أحدهما: أن يكون «غير» صفة «الذين» ونعتا لهم فتخفضها، إذ كان «الذين» خفضا، وهي لهم نعت وصفة.
وإنما جاز أن يكون غير نعتا ل «الذين» و «الذين» معرفة و «غير» نكرة لأن «الذين» بصلتها ليست بالمعرفة المؤقتة (٢) كالأسماء التي هي أمارات بين الناس، مثل زيد وعمرو وما أشبه ذلك. وإنما هي كالنكرات المجهولات مثل الرجل، والبعير وما أشبه ذلك.
стр. 76
والوجه الآخر من وجهي الخفض فيها: أن يكون «الذين» بمعنى المعرفة المؤقتة.
وإذا وجه إلى ذلك كانت «غير» مخفوضة لتكرير «الصراط» (١) الذي خفض «الذين» عليها، فكأنت قلت: صراط الذين أنعمت عليهم، صراط غير المغضوب عليهم.
وهذان التأويلان في غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وإن اختلفا في اختلاف معربيهما فإنهما يتقارب معناهما ... » انتهى.
ومن أمثلة استشهاده بالمأثور أنه بعد أن فسر قوله صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بأنهم من ذكرهم الله في القرآن: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً. استشهد بالآثار فقال:
«وبنحو ما قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس وغيره:
حدثنا محمد بن العلاء حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا بشر بن عمارة قال حدثنا أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يقول: طريق من أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من الملائكة والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين الذين أطاعوك وعبدوك.
حدثني أحمد بن حازم الغفاري قال أخبرنا عبيد الله بن موسى عن أبي جعفر عن ربيع قال صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ قال: النبيون.
حدثني القاسم قال حدثنا الحسين قال حدثني حجاج عن ابن جريج قال قال ابن عباس: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ قال: المؤمنين ...
حدثني يونس بن عبد الأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال قال عبد الرحمن بن زيد في قول الله صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ قال: النبي ﷺ ومن معه» انتهى.
стр. 77
ويمتاز عمل ابن جرير في التفسير بالمأثور أنه يورد الروايات بأسانيدها، لكنه وقد التزم هذا الأسلوب لم يلتزم الصحة فيما يورده، كما أنه قلّما يعقّب على الروايات بتصحيح أو تضعيف، وذلك لأنه كان يرى- فيما يبدو- أن من أسند فقد حمّلك البحث عن رجال السند ودرسه، وكان عصره عصر العلم بهذا الفن يسهل على طالب العلم معرفة حال الروايات أسانيد ومتونا، فاعلم ذلك وراعه.
٢ - تفسير القرآن العظيم لابن كثير:
هو الإمام المحدث الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمرو بن كثير البصيري ثم الدمشقي، الفقيه والمفسر والمؤرخ ولد نحو سنة (٧٠٠ هـ) وتوفي سنة (٧٧٤ هـ) وكان أبو الفداء إسماعيل بن كثير على مبلغ عظيم من العلم الذي تجلّى في تفسيره، وتاريخه (البداية والنهاية) حتى ليمكن أن نقول: «إنه منقح التفسير، ومحقق التاريخ».
قال عنه الذهبي في المعجم المختص: «الإمام المفتي المحدث البارع، فقيه متفنن، محدث متقن مفسر نقال، وله تصانيف مفيدة».
وقال ابن حبيب فيه: «زعيم أرباب التأويل، سمع وجمع وصنف، وأطرب الأسماع بالفتوى وشنف، وحدث وأفاد، وطارت أوراق فتاويه في البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رئاسة العلم في التاريخ والتفسير».
طريقة هذا التفسير:
اتبع الإمام ابن كثير في تفسيره هذا طريقة نبّه عليها في مقدمته القيّمة التي صدر بها لتفسيره بأن يفسر القرآن بالقرآن، ثم يفسر القرآن بالسنة، ثم بالآثار عن الصحابة والتابعين. وقد أتى في ذلك بغرر تفاسير ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، ومصادر السنة مع العزو إلى كل مصدر، وذكر إسناده غالبا.
على أنه يعنى كذلك باللغة عند الحاجة لذلك، ويدعم تفسيره المنقول
стр. 78
بذلك، ويمتاز تفسيره بالانتقاء لمادة الكتاب، وأنه كثيرا ما ينقد الرواة والروايات ويصحح ويضعف، ويجرح ويعدل، وينبه إلى ما في التفسير المأثور من منكرات الإسرائيليات ويحذر منها.
ومن الأمثلة من هذا التفسير تفسيره لقوله تعالى:
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قال ابن كثير (ثم) هاهنا عطف خبر على خبر وترتيبه عليه كأنه تعالى أمر الواقف بعرفات أن يدفع إلى المزدلفة ليذكر الله عند المشعر الحرام، وأمره أن يكون وقوفه مع جمهور الناس بعرفات، كما كان جمهور الناس يصنعون، يقفون بها إلا قريشا فإنهم لم يكونوا يخرجون من الحرم فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحل ويقولون: نحن أهل الله في بلدته وقطان بيته.
وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله حدثنا محمد بن حازم حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: «كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمّون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات. فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفات، ثم يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله: مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ.
وكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة، والسدّي، وغيرهم، واختاره ابن جرير وحكى عليه الإجماع، ﵀.
وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عمرو عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: أضللت بعيرا لي بعرفة، فذهبت أطلب، فإذا النبي ﷺ واقف، قلت: إن هذا من الحمس ما شأنه هاهنا؟ أخرجاه في الصحيحين ... ».
والكتاب مطبوع طبعات متعددة أحسنها تحقيق عبد العزيز غنيم وزملائه.
٣ - لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن:
وهو العلّامة علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن إبراهيم الشّيحي
стр. 79
البغدادي الشافعي الصوفي، عرف بالخازن، لأنه كان خازن كتب خانقاه السميساطية بدمشق.
ولد ببغداد سنة ٦٧٨ هـ وسمع من علمائها ثم قدم دمشق وتلقّى فيها العلم حتى تمكن، فاشتغل بنشر العلم والتأليف وكانت له مؤلفات كبيرة وكثيرة، أشهرها كتابه في التفسير، وتوفي سنة ٧٤١ هـ.
طريقة هذا التفسير:
اختصر الخازن تفسيره هذا من تفاسير من سبقه ولا سيما تفسير «معالم التنزيل» للبغوي، فكان عمله فيه كما ذكر في مقدمته النقل والانتخاب، مع حذف الأسانيد وتجنب التطويل والإسهاب.
وعني فيه بتخريج الأحاديث النبوية من الصحيحين والسنن الأربعة وغيرها وشرح غريب الأحاديث التي يوردها، وهو في الواقع يكثر من التفسير المأثور، مما جعلنا نضمه إلى هذه الزمرة خلافا لما صنعه بعض الكاتبين حيث صنفه ضمن كتب التفسير بالرأي، وكأنه اغتر بعنوان «لباب التأويل».
وقد عرف هذا التفسير بتوسعه في رواية الإسرائيليات وأخبار الأمم الماضية والأخبار التاريخية، حتى جعله هذا التوسع يورد أمورا مما لا يسلم أمام النقد العلمي.
لكن للخازن طريقة خاصة في إيراد هذه الروايات، هي أنه يصدرها بلفظ يشعر بعدم جزمه بها، مثل (يروى) أو (روى) أو (عن فلان)، وما أشبه ذلك من عبارات، وهو أسلوب اصطلح عليه العلماء رمزا إلى أنّ ما صدر بمثل هذه الصيغ فهو ضعيف أو مشكوك فيه، وهذا يتيح فرصة حسن الإفادة منه لمن أوتي حظا من التيقظ والتنبه.
٤ - الجواهر الحسان في تفسير القرآن للثعالبي:
هو الإمام العالم المحقق أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي، الجزائري، المالكي، المتوفى سنة ٨٧٦ هـ عن عمر يقارب تسعين سنة ودفن في الجزائر ﵀ ورضي عنه.
стр. 80
كان الثعالبي من كبار العلماء العاملين ورعا زاهدا: معرضا عن الدنيا وكان إماما علّامة مصنفا، صنّف كتبا كثيرة نافعة منها: «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» الذي نحن بصدده.
طريقة الثعالبي في تفسيره:
نستطيع أن نعتبر تفسير الثعالبي صفوة منتخبة ومستخلصة من مصادر كثيرة في هذا الفن، وقد ذكر في ديباجة هذا التفسير أنه جمعه من كتب الأئمة، وثقات أعلام هذه الأمة، وذلك قريب من مائة تأليف، ما فيها تأليف إلا وهو لإمام مشهور بالدين ومعدود في المحققين.
وقد اشتمل الكتاب بهذا على فوائد هامة نظرا لنقوله الكثيرة عن مصادر مفقودة، كما أنه يمتاز بوضوح العبارة وسلاسة الأسلوب، مع احتياطه في شأن الاسرائيليات.
وهذا مثال منه من تفسيره لبعض قصار السور وهي سورة قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ.
قال الثعالبي ما نصه: «روي في سبب نزول هذه السورة عن ابن عباس وغيره أن جماعة من صناديد قريش قالوا للنبي ﷺ : دع ما أنت فيه ونحن نمولك ونملكك علينا، وإن لم تفعل هذا فلتعبد آلهتنا، ونعبد إلهك حتى نشترك، فحيث كان الخير نلناه جميعا.
وروى أن هذه الجماعة المذكورة هم: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، وأمية بن خلف، وأبيّ بن خلف، وأبو جهل وأبناء الحجاج، ونظراؤهم ممن لم يكتب له الإسلام وحتم بشقاوته. فأخبرهم النبي ﷺ عن أمر الله أنه لا يعبد ما يعبدون وأنهم غير عابدي ما يعبد. ولما كان قوله: لا أعبد، محتملا أن يراد به الآن ويبقى المستأنف منتظرا ما يكون فيه من عبادته «جاء البيان بقوله: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ أي أبدا» ثم جاء قوله: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ الثاني حتما عليهم أنهم لا يؤمنون به أبدا، كالذي كشف الغيب ... إلى آخر ما ذكر.
стр. 81
القسم الثاني من أقسام التفسير التفسير بالرأي
معنى التفسير بالرأي:
هو تفسير القرآن بالاجتهاد اعتمادا على الأدوات التي يحتاج إليها المفسّر.
وقد اختلف العلماء من قديم الزمان في جواز تفسير القرآن بالرأي: فقوم تشددوا ولم يبيحوا تفسير شيء من القرآن ما لم يرد فيه أثر من المرفوع أو الموقوف، وقوم لم يروا بأسا من أن يفسروا القرآن باجتهادهم.
وقد استدل المانعون بما يلي:
أولا: التفسير بالرأي قول على الله بغير علم، وذلك منهي عنه لقوله تعالى: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ. والقول بالظن قول على الله بغير علم كذلك.
وقد رد المجيزون هذا الدليل بمنع دلالته لأن الظن نوع من العلم، إذ هو إدراك الطرف الراجح وعلى تسليمها نمنع الاستدلال الآخر لأن الظن منهي عنه إذا أمكن العلم اليقيني القطعي بأن يوجد نص شرعي قاطع أو دليل عقلي موصل لذلك.
ثانيا: قال الله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، فقد أضاف بيان القرآن إليه فعلم أن ليس لغيره شيء من ذلك.
وأجيب بأن النبي لم يبيّن كل شيء، وقد اكتفينا ببيانه فيما بيّنه، وما لم يرد بيانه عنه ففيه اجتهاد أهل العلم كما قال في آخر الآية: وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.
ثالثا: استدلوا بما ورد في السنة المرفوعة، كحديث ابن عباس أنه ﷺ قال: «اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار». حديث حسن.
стр. 82
وحديث جندب: عن النبي ﷺ : «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ».
وقد أجيب بأن النهي محمول على من قال برأيه فيما لا يعلم إلا عن طريق النقل وأنه أراد بالرأي الرأي الذي يغلب على صاحبه من غير دليل يقوم عليه، فيتناول من يعرف الحق لكنه يميل إلى رأي من طبعه وهواه فيتأول القرآن وفق هواه، ويتناول من كان جاهلا فيحمل الآية على ميله وهواه، ويتناول من يستدل بالقرآن على غرض صحيح غير مقصود به ما أراد، كمن يستدل ب اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى على مجاهدة النفس بحمل فرعون على النفس.
وأجيب أيضا بحمل النهي على من يقول في القرآن بظاهر العربية دون رجوع لما يجب معرفته على من يتكلم في التفسير. على أن حديث جندب ضعيف، فيه: سهل بن أبي حزم وهو ضعيف متكلم فيه (١).
واستدل الفريق الثاني وهم الجمهور على جواز التفسير بالرأي بما يأتي:
أولا: بنصوص كثيرة وردت في القرآن نحو أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ. فقد حثّ سبحانه على تدبر القرآن، بل وبخ الذين لا يتدبرونه.
ثانيا: لو كان التفسير بالرأي غير جائز لما كان الاجتهاد جائزا، وهذا باطل بيّن البطلان.
ثالثا: ثبت أن الصحابة قرءوا القرآن واختلفوا في تفسيره، ومعلوم أنهم لم يسمعوا كل ما قالوه في تفسير القرآن من النبي ﷺ ، بل توصلوا إلى معرفة البعض بعقولهم، ولو كان التفسير بالرأي محظورا لما فعلته الصحابة.
стр. 83
رابعا: استدلوا بدعاء النبي- ﷺ لابن عباس «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». فلو كان التأويل مقصورا على السماع والنقل لما كانت فائدة في تخصيص ابن عباس بهذا الدعاء (١).
التحقيق في الموضوع:
لو عرفنا سر المتشددين في التفسير ووقفنا على شروط تفسير القرآن بالرأي عند المجوزين للتفسير بالرأي لظهر لنا أن الخلاف لفظي لا حقيقي، وذلك لأن الرأي قسمان:
قسم جار على كلام العرب مع مراعاة سائر شروط التفسير وهو جائز لا شك فيه.
وقسم غير جار على قوانين العربية أو لا يوافق الأدلة الشرعية أو غير مستوف لشروط التفسير، وهذا هو مورد النهي، وهو مراد ابن مسعود بقوله:
«ستجدون أقواما يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم فعليكم بالعلم وإياكم والتبدع وإياكم والتنطع»، وقال عمر بن الخطاب: «إنما أخاف عليكم رجلين: رجل يتأول القرآن على غير تأويله، ورجل ينافس الملك على أخيه». وهذا هو الذي يفسّر عليه كلام المانعين للتفسير بالرأي.
قال ابن تيمية: «فهذه الآثار الصحيحة عن السلف، وما شاكلها محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا، فلا حرج عليه ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة، لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد ... ».
العلوم التي يحتاج إليها المفسر: والتمكن منها شرط أساسي للباحث في التفسير، وهي:
١ - علم اللغة.
стр. 84
٢ - علم النحو والصرف والاشتقاق.
٣ - علوم البلاغة.
٤ - علم القراءات.
٥ - علم أصول الدين.
٦ - أصول الفقه.
٧ - الأحاديث المبينة للتفسير، مثل أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، أو ما فيه بيان لتفسير المجمل أو المبهم ...
٨ - علم القصص.
٩ - علم الموهبة، وهو علم يورثه الله لمن عمل بما علم، كما ورد في الحديث وقد اختلف العلماء في سرد هذه العلوم إسهابا وإيجابا.
١٠ - الإلمام بمسلّمات العلوم الحديثة. وللشيخ محمد عبده في مقدمة تفسير المنار كلمة يحسن الرجوع إليها تتميما للفائدة.
أهم كتب التفسير بالرأي:
١ - الكشاف، للزمخشري.
٢ - أنوار التنزيل وحقائق التأويل، للبيضاوي.
٣ - مدارك التنزيل وحقائق التأويل، للنسفي.
٤ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم لأبي السعود العمادي.
٥ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للآلوسي.
نتكلم عنها باختصار فيما يلي (١):
١ - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، للزمخشري:
وهو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي المعتزلي، الملقب بجار الله، لإقامته بمكة ومجاورته بها.
стр. 85
ولد سنة ٤٦٧ في زمخشر من قرى خوارزم وتوفي في جرجانية خوارزم سنة ٥٣٨. وحاز الزمخشري في العلوم القدم الراسخ، ولا سيما علوم اللغة العربية، وبلاغتها، وعلوم التوحيد والجدل على طريقة المعتزلة ومذهبهم، وكان مستعلنا بتأييد المعتزلة، يفخر بانتمائه إليهم ويتعصب لهم تعصبا شديدا.
طريقته في تفسير الكشاف:
١ - غلب عليه إظهار ثروة القرآن البلاغية التي لها أثر كبير في عجز العرب عن معارضته وقد تأثر بهذه الطريقة جميع المفسرين الذين جاءوا بعده، ولذلك امتاز تفسير أهل المشرق على أهل الأندلس بهذا الفن في التفسير.
٢ - يتعرض بدون توسع إلى المسائل الفقهية التي تتعلق ببعض الآيات باعتدال، ودون تعصب لمذهبه الحنفي، انظر تفسيره وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ... ويا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ ....
٣ - يقل من الروايات الإسرائيلية، وما يذكر منها يصدّره بلفظ «روي» المشعر بالضعف، أو يفوض علمها إلى الله، وهذا غالبا فيما لا مساس له بالدين، وأحيانا ينبه على درجة الرواية ومبلغها من الصحة أو الضعف.
٤ - انتصاره لمذهبه: مثل اهتمامه بآية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً في الاستدلال على خلود أهل الكبائر في النار، كما هو مذهب المعتزلة.
٢ - أنوار التنزيل وأسرار التأويل، للبيضاوي:
وهو قاضي القضاة: ناصر الدين أبو الخير عبد الله بن عمر بن محمد بن علي، البيضاوي الشافعي، من بلاد فارس. قال فيه ابن قاضي شهبة:
«صاحب المصنفات، وعالم أذربيجان، ولي قضاء شيراز». توفي ٦٩١ هـ.
التعريف بالتفسير وطريقته:
تفسير العلّامة البيضاوي: متوسط الحجم جمع التفسير والتأويل، وقرر فيه الأدلة على أصول أهل السنّة.
اختصر البيضاوي تفسيره من الكشاف للزمخشري، وترك ما فيه من الاعتزالات وأحيانا يذهب إلى ما يذهب إليه صاحب الكشاف وبعض المفسرين
стр. 86
كأن يذكر في نهاية كل سورة حديثا في فضلها. وليتهم لم يفعلوا ذلك، لأن الحديث المروي في فضل سور القرآن سورة سورة موضوع كما بين المحدثون (١).
كما استمد تفسيره من التفسير الكبير المسمى: بمفاتيح الغيب للفخر الرازي، ومن تفسير الراغب الأصفهاني، وضمّ لذلك بعض الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين، غير أنه أعمل فيه عقله فضمنه استنباطات بلاغية دقيقة، في أسلوب رائع موجز، ويورد أحيانا القراءات ولا يلتزم المتواتر منها، ويعرض للصناعة النحوية ويتعرض لبعض المسائل الفقهية بدون توسع.
وكثيرا ما يقرر مذهب أهل السنّة ومذهب المعتزلة عند ما يعرض لتفسير آية لها صلة بنقاط النزاع بينهم مع ترجيح لمذهب أهل السنّة.
وهو يقل من الروايات الإسرائيلية ويصدر روايتها ب «روي» أو «قيل» إشعارا منه بضعفها ويقف موقف الموزج لها غير القاطع بصحتها.
ثم إذا عرض للآيات الكونية فإنه لا يتركها بدون أن يخوض في مباحث الكون والطبيعة مماشيا لطريقة الفخر الرازي في التفسير، وبذلك كله كان من أمهات الكتب في التفسير التي لا يستغنى عنها.
٣ - مدارك التنزيل وحقائق التأويل: للنسفي:
وهو أبو البركات، عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي الحنفي، أحد الزهاد، والأئمة المعتبرين، صاحب التصانيف المعتبرة في الفقه والأصول وغيرهما، منها متن الوافي في الفروع، والمنار في أصول الفقه، والعمدة في أصول الدين، وكذا تفسيره مدارك التنزيل وحقائق التأويل. وغير ذلك من المؤلفات التي تداولها العلماء دراسة وبحثا، وهذا لا يستكثر عليه لتفقهه على شمس الأئمة الكردري، وأحمد بن محمد الذي روى عنه الزيادات توفي سنة ٧٠١ هـ.
стр. 87
طريقة هذا التفسير:
اختصر التفسير من تفسير البيضاوي ومن الكشاف للزمخشري وغيرهما، غير أنه ترك الاعتزالات وجرى فيه على مذهب أهل السنّة، ومما يمتاز به:
١ - أنه جمع فيه بين وجوه الإعراب والقراءات غير أنه من ناحية الإعراب لا يستطرد كثيرا ولا يزج بالتفاصيل النحوية في تفسيره.
٢ - وأما من ناحية القراءات فهو ملتزم للقراءات السبع مع نسبة كل قراءة إلى قارئها وهي مزية هامة لهذا التفسير.
٣ - عني بكشف وجوه البلاغة وأساليب الأداء في القرآن بعبارات موجزة مفيدة جدا.
٤ - عند آيات الأحكام يعرض للمذاهب الفقهية التي لها تعلق وارتباط بالآية ويوجه الأقوال بدون توسع.
٥ - يقل من ذكر الإسرائيليات كثيرا وما يذكره من ذلك يمرّ عليه بدون أن يتعقبه أحيانا وأحيانا يتعقبه ولا يرتضيه ويرى أن كل ما يمس العقيدة من هذه القصص يجب التنبيه على عدم صحته وما لا يمس العقيدة فلا مانع من روايته بدون تعقيب عليه ما دام يحتمل الصدق والكذب في ذاته ولا يتنافى مع العقل أو يتصادم مع الشرع.
إذن فهو موجز العبارة سهل المأخذ غزير الفائدة، مما جعله مرجعا مهما في التفسير للدارسين متداولا بين أهل العلم.
٤ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، لأبي السعود:
وهو أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى، العمادي الحنفي، المولود سنة ٨٩٣ هـ من بيت عرف بالعلم، قرأ كثيرا من العلوم على والده وتتلمذ على أجلّة العلماء وتولّى التدريس وقلّد قضاء «بروسة» ثم القسطنطينية، ثم تولى أمر الفتوى الذي طال ثلاثين سنة، أظهر فيه الدقة العلمية التامة والبراعة، وكان يكتب جواب الفتوى على منوال ما يكتب له السؤال منظوما مع
стр. 88
الاتفاق في الوزن والقافية أو نثرا عربيا أو تركيا، وكانت أعماله هذه عائقا عن التفرغ للتصنيف والتأليف. توفي سنة ٩٨٢ هـ.
التعريف بهذا التفسير:
اختلس فرصا من وقته وألّف تفسيره فيها مما جعل تأليفه لهذا التفسير غاية في بابه، فقد أتى فيه صاحبه من الفوائد بما لم يسبقه إليه أحد، فذاعت شهرته بين أهل العلم، وصار يقال له: خطيب المفسرين. حيث اعتمد فيه على تفسير الكشاف والبيضاوي جاريا على مذهب أهل السنّة في تفسيره متجنبا الاعتزالات ومحذرا منها.
عنايته بالكشف عن بلاغة القرآن وسرّ إعجازه:
يهتم أبو السعود بأن يكشف عن نواحي القرآن البلاغية وسر إعجازه في نظمه وأسلوبه وبخاصة في الوصل والفصل، والإيجاز والإطناب والتقديم والتأخير والاعتراض والتذييل كما يهتم بإبداء المعاني الدقيقة التي تحملها التراكيب القرآنية بين طياتها، فهو أول المفسرين في هذه الناحية، ما مع تفرد به من فوائد بلاغية ليست في غيره من كتب التفسير، ولم يسبقه إليه أحد.
ويجد القارئ أنه مقل في سرد الإسرائيليات غير مولع بذكرها يصدّرها ب «روى وقيل» مما يشعر بضعفها إذا ذكرها ومع ذلك فلم يعقب عليها بكلمة واحدة، وكأنه فعل ذلك لأنه تحاشى ما يجب رده منها.
ويهتم أبو السعود بإبداء وجوه المناسبات بين الآيات ويعرض كذلك للقراءات بقدر ما يوضح به من المعنى دون توسع، لكن لا يلتزم المتواتر.
ويتعرض أبو السعود في تفسيره لبعض المسائل الفقهية لكنه مقل جدا ولا يكاد يدخل في المناقشات الفقهية والأدلة المذهبية بل يسرد المذاهب في الآية.
ونلحظ أنه يعرض للناحية النحوية: إذا كانت الآية تحتمل أوجها من الإعراب ويرجح واحدا منها ويدلل على رجحانه. كما يعرض لاحتمالات الآية من المعاني ويرجح بينها بنظر دقيق، وتحقيق عميق.
стр. 89
فالكتاب دقيق بعيد عن خلط التفسير بما لا يتصل به غير مسرف فيما يضطر إليه من التكلم عن النواحي العلمية وهو مرجع ضروري يعتمد عليه المفسرون.
٥ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للآلوسي:
وهو أبو الثناء شهاب الدين السيد محمود أفندي الآلوسي البغدادي المتوفى سنة ١٢٧٠ هـ وكان شيخ العلماء في العراق. أكثر من العلوم حتى أصبح علامة المنقول والمعقول فهامة في الفروع والأصول. أخذ عن فحول العلماء. منهم والده العلّامة الشيخ خالد نقشبندي، والشيخ علي السويدي، اشتغل بالتدريس والتأليف وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقلّد إفتاء الحنفية وتتلمذ له خلق كثير، كان عالما باختلاف المذاهب خلّف ثروة علمية كبيرة.
طريقة هذا التفسير:
تفسير روح المعاني جامع لآراء السلف رواية ودراية شامل لخلاصة ما سبقه من التفاسير، ينقل عن تفسير أبي السعود ويعبر عنه بقوله: «قال شيخ الإسلام»، وعن البيضاوي بقوله: «القاضي»، وعن الفخر الرازي بقوله:
«الإمام». ويقف حكما عدلا بين المراجع، وناقدا مدققا، ثم يبدي رأيه حرا.
ويمكن تلخيص طريقته فيما يلي:
١ - إنه يستطرد إلى الكلام في الأمور الكونية، ويقر منه ما يرتضيه ويفند ما لا يرتضيه.
٢ - يستطرد إلى الكلام في الصناعة النحوية ويتوسع حتى يكاد يخرج به عن وصف كونه مفسرا.
٣ - يتكلم عن آيات الأحكام ويستوفي مذاهب الفقهاء وأدلتهم، مع عدم تعصب منه لمذهب بعينه.
٤ - يعنى بجلاء ثروة القرآن البلاغية، ويتوسع في ذلك بإفاضة بالغة.
٥ - أما الإسرائيليات: فهو شديد النقد للإسرائيليات والأخبار المكذوبة التي
стр. 90
ذكرها كثير من المفسرين، وظنوها صحيحة، مع سخرية منهم أحيانا.
٦ - يعرض الآلوسي لذكر القراءات، متواترة وغير متواترة.
٧ - يعتني بإظهار أوجه المناسبات بين السور مع بعضها، وبين الآيات مع بعضها. وهذا فن عميق ومهم لفهم بلاغة القرآن.
٨ - يعتني ببيان أسباب النزول.
٩ - يكثر الاستشهاد بأشعار العرب على ما يذهب إليه من المعاني اللغوية.
١٠ - يتكلم الآلوسي عن التفسير الإشاري بعد أن يفرغ من الكلام على كل ما يتعلق بظاهر الآيات، لذا عدّ بعض العلماء تفسيره وتفسير النيسابوري ضمن كتب التفسير الإشاري.
لكن الصواب أن يعدّا في ضمن كتب التفسير المنهجي، لما أنه لم يكن مقصودهما الأهم هو التفسير الإشاري، بل كان تابعا لغيره من التفسير الظاهر.
وهكذا نجد «روح المعاني» موسوعة تفسيرية قيّمة جمعت كل ما قال علماء التفسير، مع النقد الحر، والترجيح الذي يعتمد على قوة الذهن، وإن كان يتوسع في نواح علمية مختلفة، إلا أنه متزن في كل ما يتكلم به، مما يشهد له بالإحاطة والعمق فيما أتى به في تفسيره هذا.
شروط المفسر والقواعد التي يحتاج إليها:
إن النقاش الذي سبق في التفسير بالرأي يفيد أمورا هي شروط وقواعد على غاية من الأهمية تتعلق بالاحتياط في التفسير بالرأي (١)، نعرضها موجزة فيما يلي:
أولا: التحفظ من القول في كتاب الله تعالى إلا على بيّنة
، باستيفاء العلوم التي ذكرناها. فإن الناس في العلم بالأدوات المحتاج إليها في التفسير على ثلاث طبقات:
إحداها: من بلغ في ذلك مبلغ الراسخين، كالصحابة والتابعين ومن يليهم، وهؤلاء قالوا في التفسير برأيهم مع التوقي والتحفظ، والهيبة والخوف
стр. 91
من الهجوم، فنحن أولى منهم إن ظننا بأنفسنا أنا في العلم والفهم مثلهم.
وهيهات.
الثانية: من علم من نفسه أنه لم يبلغ مبالغهم ولا داناهم، فهذا طرف لا إشكال في تحريم ذلك عليه. وسبيله أن يأخذ تفسيرا يدرسه بمراجعة العلماء.
الثالثة: من شكّ في بلوغه مبلغ أهل الاجتهاد أو ظن ذلك في بعض علومه دون بعض. فهذا أيضا داخل تحت حكم المنع من القول فيه، لأن الأصل عدم العلم، فعند ما يبقى له شك أو تردد في الدخول مدخل العلماء الراسخين فانسحاب الحكم الأول عليه باق بلا إشكال. وكل أحد فقيه نفسه في هذا المجال، وربما تعدى بعض أصحاب هذه الطبقة طوره، فحسن ظنه بنفسه، ودخل في الكلام فيه مع الراسخين. ومن هنا افترقت الفرق، وتباينت النحل، وظهر في تفسير القرآن الخلل.
ثانيا: ينبغي على الناظر في القرآن أن يعتمد في ذلك على من تقدمه
وله في ذلك سعة إلا فيما لا بد له منه وعلى حكم الضرورة، وما زال السلف الصالح يتحرجون من القول في القرآن، فإن المحظور فيه شديد جدا، وهو خوف التقوّل على الله تعالى.
ثالثا: أن يكون على بال من الناظر والمفسر والمتكلم على القرآن أن ما يقوله من التفسير هو قول بلسان بيانه:
هذا مراد الله من هذا الكلام، فليتثبت أن يسأله الله تعالى: من أين قلت عني هذا؟ فلا يصح له ذلك إلا ببيان الشواهد وإلا كان باطلا، ودخل صاحبه تحت الوعيد الشديد الوارد في أهل الرأي المذموم.
ولذلك احتاط السلف في الكلام على القرآن أيما احتياط، مع ما كانوا عليه من العلم.
عن مسروق الهمداني قال: «اتقوا التفسير، فإنما هو الرواية عن الله».
وعن إبراهيم النخعي قال: «كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه».
وهذا الأصمعي وجلالته في علم اللغة وإمامته معروفة قد نقل عنه أنه لم يفسر قط آية من كتاب الله، وإذا سئل عن ذلك لم يجب.
стр. 92
وعن سعيد بن المسيب وهو سيد التابعين وأحد الفقهاء الأئمة السبعة أنه كان إذا سئل عن شيء من القرآن قال: «أنا لا أقول في القرآن شيئا».
وسأل رجل ابن عباس عن قوله تعالى: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فقال له ابن عباس: فما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ فقال الرجل: إنما سألتك لتحدثني! فقال ابن عباس: «هما يومان ذكرهما الله في كتابه، الله أعلم بهما. نكره أن نقول في كتاب الله ما لا نعلم» (١).
رابعا: من واجبات المفسر أيضا إضافة لما ذكرنا واجب هام، وهو أن يلاحظ المنهجية في كلامه في التفسير
، وقد أوضح السيوطي ذلك فقال (٢):
قال العلماء: يجب على المفسر أن يتحرى في التفسير مطابقة المفسّر، وأن يتحرز في ذلك من نقص لما يحتاج إليه في إيضاح المعنى، أو زيادة لا تليق بالغرض، ومن كون المفسّر فيه ميل عن المعنى وعدول عن طريقه، وعليه بمراعاة المعنى الحقيقي والمجازي، ومراعاة التأليف، والغرض الذي سيق له الكلام، وأن يؤاخي بين المفردات. وأن يتصف بالعدل والإنصاف في بحثه، فذلك أساس في البحث العلمي وفي التفسير خاصة.
خامسا: خطة التفسير:
يبدأ المفسر بالمناسبة ثم أسباب النزول ثم العلوم اللفظية، وأولها «تحقيق الألفاظ المفردة، فيتكلم عليها من جهة اللغة ثم التصريف، ثم الاشتقاق، ثم يتكلم عليها بحسب التركيب، فيبدأ بالإعراب، ثم بما يتعلق بعلم المعاني، ثم البيان، ثم البديع، ثم يبين المعنى المراد، ثم الاستنباط، ثم الإشارة» (٣).
وقد أصبح التفسير الذي يعنى بالدقة والعمق في استعمال العلوم التي يحتاج إليها المفسّر وخصوصا اللغوية والبلاغية أصبح يسمى في اصطلاح المعاصرين «التفسير التحليلي». والعمدة فيه مصادر التفسير بالرأي الأمهات، فاعتن بها.
стр. 93
الفصل التاسع التفسير الإشاري
ويسمى أيضا التفسير الصوفي، لكنا نؤثر التسمية الأولى، لما فيها من الدلالة على الانضباط، بقواعد، بما يشبه ما يسمى «إشارة النص» عند الأصوليين.
تعريفه:
التفسير الإشاري: هو تأويل آيات القرآن الكريم على معنى غير ما يظهر منها، بمقتضى إشارات خفية تظهر لأرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة (١).
وهذا الشرط الأخير وهو «أن يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر» هام جدا، لأنه يفيد انضباط التفسير بما يحتمله كلام العرب، الذي نزل به القرآن، ويجب فهمه على وفق كلام العرب، كما يفيد الالتزام بالمعنى الظاهري الأصلي المراد من كلام الله تعالى.
الأصل فيه:
وعلى هذا الأساس فإن التفسير الإشاري ليس جديدا في إبراز معاني القرآن، بل هو معروف، قد فسر به الصحابة من غير نكير.
أخرج البخاري (٢) عن عبد الله ابن عباس ﵄ قال: «كان
стр. 94
عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأنّ بعضهم وجد (١) في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟. فقال عمر: إنه من حيث علمتم.
فدعا ذات يوم فأدخله معهم، فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم.
قال: ما تقولون في قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ؟. فقال بعضهم:
أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئا.
فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟. فقلت: لا. قال: فما تقول؟. قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له: قال: إذا جاء نصر الله والفتح وذلك علامة أجلك، فسبّح بحمد ربك واستغفره، إنه كان توابا. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول».
شروط التفسير الإشاري:
لما كان التفسير الإشاري إثارة لمعاني كتاب الله تعالى، كان لا بد له من معيار ينضبط به، حتى يتميز عن عبث المتلاعبين بالقرآن تحت ستار اسم باطن القرآن، وهم لا يفسرون القرآن على الحقيقة بل يتلاعبون لهدم الشريعة باسم الشريعة.
والمعيار الذي ينضبط به التفسير الإشاري ليكون مقبولا هو الشروط الآتية:
١ - أن يكون له شاهد شرعي يؤيده من غير معارض. وذلك لأنه إن لم يكن للتفسير الإشاري شاهد في محل آخر، أو كان له شاهد لكن له معارض صار دعوى تدّعى على القرآن من غير دليل. والدعوى التي لا دليل عليها مرفوضة باتفاق العلماء (٢).
٢ - أن يصح التفسير الإشاري على مقتضى الظاهر المقرر في لسان العرب، وذلك ضرورة كون القرآن عربيا، إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا، ولو كان
стр. 95
له فهم لا يقتضيه كلام العرب لم يوصف بكونه عربيا، بل يدخل قائله تحت وعيد من قال في كتاب الله بغير علم.
٣ - أن لا يكون له معارض شرعي ولا عقلي. لما علم مما سبق.
٤ - أن لا يدّعى أن التفسير الإشاري هو المراد وحده دون الظاهر، بل لا بد أن نعترف بالمعنى الظاهر أوّلا، إذ لا يطمع في الوصول إلى الإشارة قبل إحكام فهم العبارة، «ومن ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر فهو كمن ادّعى البلوغ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز الباب!!» (١).
ومن أمثلة ما اختل فيه بعض هذه الشروط: كمن فسّر قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ. فقال: معناه: «من ذلّ» من الذل، إشارة إلى النفس «يشف» من الشفاء «ع» أمر من الوعي.
ومن أمثلة ما وقفنا عليه في هذا العصر في أملية خاصة طبعت في كتاب وإذا فيه تفسير سورة العاديات هكذا:
«والعاديات» الريح تجري مستمرة «ضبحا» صوتها أثناء جريها «فالموريات» الغيوم «قدحا» تحتك ببعضها فينشأ عن ذلك البرق «فالمغيرات» المغيثة بالمطر «صبحا» تغيثكم غياثا ظاهرا كالصبح ... وهكذا إلى آخر السورة من عجاب التحريف .. !؟!.
وهذا تحريف مخالف لصريح اللغة، ومصادم لاتفاق المفسرين أن «العاديات» هي الخيل المسرعة تضبح «ضبحا» وهو اسم صوت الخيل وهي تسرع، فتصدم حوافرها الأرض فتقدح الشرر «قدحا» فتغير «صبحا» تشن الهجوم على العدو صباحا ...
هذا هو الصواب في تفسير السورة، وليس ذلك التفسير الذي نقلناه سابقا من الصواب بسبيل، إنما هو تمزيق للنص وعبث به.
стр. 96
وقد ظهر حديثا بعض الأدعياء، وراح يتلاعب بالقرآن، حتى توصل إلى معان مسفة يستحيي منها، فكشف العلماء دجله وحذروا منه (١).
وقال بعضهم في الآية الخاتمة لسورة العنكبوت: وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ أي أضاء المحسنين، وإنما هي لام التوكيد، و «مع» الظرفية، فانظر أنّى ذهب عن النص.
من أهم كتب التفسير الإشاري:
١ - «تفسير القرآن العظيم»، للتّستري:
وهو أبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس التّستري، والمولود بتستر، سنة ٢٠٠، وكان من كبار العلماء العارفين، أهل الورع والكرامات، أقام بالبصرة وتوفي بها سنة ٢٧٣.
وتفسيره هذا جزء واحد، يظهر أنه قطعة من مجموعة أخذت من كلامه، ونجده- في الجملة- متمشيا مع الشروط السابقة. وأنه يعنى بتزكية النفوس، وتطهير القلوب، والتحلي بالفضائل مما يدل عليه القرآن بطريق العبارة أو الإشارة.
ومن أمثلة ذلك قوله (٢) في سورة الصافات [١٠٧]: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ: «إبراهيم ﵊ لما أحبّ ولده بطبع البشرية، تداركه من الله فضله وعصمته حتى أمره بذبحه، إذ لم يكن المراد منه تحصيل الذبح، وإنما كان المقصود تخليص السر من حب غيره بأبلغ الأسباب، فلما خلص السر له ورجع عن عادة الطبع فداه بذبح عظيم».
٢ - «لطائف الإشارات» للقشيري:
الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، زين الإسلام.
стр. 97
المولود سنة ٣٧٦. وهو عربي النسب من قبيلة قشير. كان علّامة في علوم عصره، وتوجه بعد إتقانها إلى التصوف بتلمذته على أبي علي الحسن الدقاق، وكان الدقاق إمام عصره، فارها في العلم، جنيدي الطريقة. فجمع القشيري العلوم العقلية والنقلية والصوفية، وراح يمزج بينها بما لا يعارض بينها، وألّف كتبا كثيرة، وكانت له كرامات ظاهرة. وتوفي سنة ٤٦٥ (١).
ويمتاز هذا التفسير بأنه تفسير إشاري كامل للقرآن الكريم، وأن صاحبه سار على خطة واضحة بينها في مطلع كتابه، وهي خطة تتمشى مع شروط التفسير الإشاري،
وأحيانا كثيرة مع التفسير الظاهري نفسه. وهو مطبوع في ثلاثة مجلدات كبار.
ومن أمثلة ذلك:
قوله جل ذكره: إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ.
قال القشيري (٢): «الإسلام هو الإخلاص، وهو الاستسلام، وحقيقته الخروج عن أحوال البشرية بالكلية من منازعات الاختيار ومعارضات النفس.
قالَ: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ: قابلت الأمر بالسمع والطاعة، واعتنقت الحكم على حسب الاستطاعة، ولم يدخر شيئا من ماله وبدنه وولده، وحين أمر بذبح الولد قصد الذبح، وحين قال له خله من الأسر عمل ما أمر به، فلم يكن له في الحالين اختيار ولا تدبير. ويقال: إن قوله: «أسلمت» ليس بدعوى من قبله، لأن حقيقة الإسلام إنما هو التبرّي من الحول والقوة، فإذا قال:
«أسلمت» فكأنّه قال: أقمني فيما كلّفتني، وحقق مني ما به أمرتني، فهو أحال الأمر عليه، لا لإظهار معنى أو ضمان شيء من قبل نفسه.
ويقال: أمره بأن يستأثر بمطالبات القدرة، فإن من حلّ في الخلّة محلّه يحل به لا محالة ما حلّ به ... » إلى آخر ما ذكره من فوائد قيمة.
стр. 98
وعند قوله جل ذكره: هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ. جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ: يقول القشيري (١):
«أي هذا القرآن فيه ذكر ما كان، وذكر الأنبياء والقصص أو يقال: إنه شرف لك، لأنه معجزة تدل على صدقك، وإن للذين يتقون المعاصي لحسن المنقلب.
جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ: أي إذا جاءوها لا يلحقهم ذلّ الحجاب، ولا كلفة الاستئذان، تستقبلهم الملائكة بالترحاب والتبجيل، متكئين فيها على أرائكهم، يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب على ما يشتهون، وعندهم حور عين قاصرات الطرف عن غير أزواجهن، أَتْرابٌ لدات مستويات في الحسن والجمال والشكل.
стр. 99
الفصل العاشر التفسير الفقهي
تعريف التفسير الفقهي ونشأته:
التفسير الفقهي هو التفسير الذي يعنى فيه بدراسة آيات الأحكام وبيان كيفية استنباط الأحكام منها.
وهذا التفسير بهذه الصفة يتميز بمزيد من دقة الفهم، وعمق الاستنباط، ويسمح بإعمال الذهن في المناقشة والموازنة بين الآراء أكثر من غيره، مما يجعل له أهمية أكبر. ويلزم بالاعتناء به أكثر.
ويرجع ابتداء هذا التفسير إلى عهد النبي ﷺ ، فقد فسّر للصحابة كثيرا من آيات القرآن وبيّن لهم أحكامه بأنواع البيانات.
ثم جاء الصحابة وراحوا يعالجون ما يجد لهم من الأمور، وكانوا يبحثون أولا في كتاب الله تعالى ثم في سنّة رسول الله ﷺ ثم يجتهدون، فكان من المتوقع أن تختلف اجتهاداتهم في فهم بعض الآيات واستنباط الأحكام منها.
ومن أمثلة ذلك اختلافهم في عدة المطلقة هل تحسب بالحيض أو بالأطهار؟ فذهب عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود إلى أنها الحيض، وذهب عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت والسيدة عائشة إلى أنها الأطهار.
والسبب في ذلك أن القروء في قوله تعالى وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ تحتمل في لغة العرب أن تفسر بالحيض، وبالأطهار.
стр. 100
فالتمس كل فريق قرينة رجح بها ما ذهب إليه (١).
وكان الصحابة ﵃ متجردين لطلب الحق لا يحيدون عنه، وربما تناظروا فإن اقتنع الواحد برأي الآخر أخذ به، وإلا عذر كل واحد أخاه في اجتهاده ووسع له فيه.
وهكذا استمر الحال في اجتهاد أئمة التابعين ومن بعدهم كالأئمة الأربعة وأمثالهم، لكن ازدادت الوقائع المستجدّة فازدادت المسائل التي تستنبط من القرآن الكريم وتوسعت الدراسات التفسيرية لآيات الأحكام.
ولما ظهرت مذاهب فقهاء الأمصار ببنيانها الضخم المؤصل على الأصول الاجتهادية ودوّنت ثم ذاعت في الناس تأثر بكل مذهب منها طوائف من العلماء، كما حصل من قبل أن تأثر بفقهاء الصحابة طوائف من الصحابة والتابعين، لكن العصور المتأخرة شهدت توسعا في المناقشات يؤيد كل فريق مذهبه الذي اعتقد أنه الحق، وربما جرّ ذلك إلى تشديد النقد على المذهب المخالف مما يخالف منهج البحث العلمي، لا سيما في القرن الرابع وما بعده حين انتشرت المناظرات الكلامية.
أشهر ما ألف في التفسير الفقهي:
وهكذا ظهرت التفاسير الفقهية للقرآن وكثرت وكان أكثرها يقتصر على تفسير آيات الأحكام، وفسّر بعضها القرآن كله.
ونعرف القارئ بأشهر تفسيرين فقهيين وهما: (أحكام القرآن) للرازي الجصّاص و (الجامع لأحكام القرآن) للقرطبي.
١ - أحكام القرآن لأبي بكر الرازي (الجصّاص):
مؤلف الكتاب:
هو الإمام العلّامة المفتي المجتهد الحافظ عالم العراق أبو بكر أحمد بن
стр. 101
علي الرازي المشهور بالجصّاص نسبة إلى العمل بالجصّ، ولد سنة ٣٠٥ وتوفي سنة ٣٧٠. أخذ الفقه عن أبي سهل الزجاج وأبي الحسن الكرخي وعن غيرهما من فقهاء عصره، وأخذ الحديث وتوسع فيه ورحل إلى الآفاق، فأخذ عن ابن قانع والطبراني وجماعة من الأئمة الحفّاظ.
استقر له التدريس ببغداد وانتهت إليه الرحلة، وكان على طريق شيخه الكرخي وبه انتفع، وكان الجصاص زاهدا ورعا متعبدا، عرض عليه منصب قضاء القضاة فامتنع منه، وعظم الانتفاع به وانتهت إليه رئاسة الحنفية وتخرّج به أصحاب المذهب، وكان له فضل كبير في إظهار حجج الحنفية وأدلتهم.
ويحتج في كتبه بالأحاديث المتصلة بأسانيده.
له كتب كثيرة، منها: أصول الفقه، وشرح مختصر الطحاوي، وأهمها كتاب (أحكام القرآن) (١).
طريقة المؤلف فيه:
هذا التفسير هو أول تفسير فقهي مطبوع، وأهم كتب التفسير الفقهي، لما فيه من عمق الاستنباط وفنون الاستدلالات، وقد شمل آيات الأحكام كلها على ترتيبها في المصحف، لكنه مع ذلك مبوّب على مثال ترتيب كتب الفقه، يضع لكل آية أو آيات عنوانا يدل على مضمون المسائل التي تستنبط منها أو تتفرع عليها، فكان بذلك أسبق من العصريين في اتباع هذه الطريقة.
ومن مزايا هذا التفسير أنه لا يقتصر على ذكر الأحكام التي تستنبط من الآيات، بل يستطرد إلى تفريع مسائل تتفرع منها، ويذكر فيها خلافيات بين الأئمة والأدلة بتوسع كثير.
ويعتني الإمام الجصاص في كل مسائل كتابه بتأييد مذهب الحنفية، بأن
стр. 102
يبين وجه استدلالهم بالآية، أو يدفع استدلال المخالفين بآية احتجوا بها على الحنفية.
ومن الأمثلة تفسيره لقوله تعالى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ فقد فسّر آتُوا بمعنى أعطوا والْيَتامى بما بعد البلوغ، مجازا باعتبار ما كان، وفائدة المجاز الإشارة إلى الإسراع بدفع ما لهم إليهم حتى كأنّ اسم اليتم لم يزل عنهم، لأنه لا يسمى يتيما بعد البلوغ. وهذا ظاهر لا تكلف فيه.
ثم فرّع على هذا التفسير وجوب دفع مال اليتيم إليه إذا بلغ خمسا وعشرين سنة أخذا من قوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ، لأن الآية الأولى لم تشترط إيناس الرشد لإيتاء المال إلى اليتيم، فجعلها فيما إذا بلغ خمسا وعشرين سنة، والثانية اشترطته فجعلها فيما دون ذلك، لانعقاد الإجماع على أن لا يدفع له المال قبل الخامسة والعشرين، يعني ولا إجماع بعد ذلك فاستعمل الآية فيه، وهو مذهب الحنفية (١).
وهو استدلال بعيد كتفسير للآية، وإن كان يمكن أن يقال: إن هذا السن مظنّة بلوغ الرّشد، فيعامل معاملة تحققه، دفعا لطمع الأوصياء في مال اليتيم.
وربما شدد الجصاص الهجوم على مخالفي الحنفية من الأئمة، وكانت أجواء المنافسات والمناظرات تهيّأ لذلك خصوصا في بغداد مما ينبهنا إلى أن لا نتأثر في عصرنا بمثل هذه المؤثرات، وقد كثرت ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا.
стр. 103
فسر جمهور المفسرين أَلَّا تَعُولُوا أن لا تميلوا إلى إحدى الزوجات.
وفسرها الشافعي بألا تكثر عيالكم، فشنّع الجصاص تبعا للمبرد على الشافعي هذا التفسير بأنه يخالف اللغة، لأنه لو كان هذا هو المراد لقال «ألّا تعيلوا»، وشدّد في التشنيع
مما لا ينبغي أن يصدر عن مثله (١).
والحاصل أن هذا التفسير- على ما انتقدناه به- فإنه تفسير جليل وعميق، ومفيد جدا لطالب العلم في تعميق ملكة التفقه في كتاب الله تعالى.
٢ - الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله القرطبي:
مؤلف الكتاب:
هو الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي، نشأ في قرطبة ثم رحل منها إلى المشرق واستقر بمنية ابن خصيب شمالي أسيوط، وتوفي فيها سنة ٦٧١ هـ.
كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين. الزاهدين في الدنيا، المشغولين بالآخرة، أوقاته معمورة ما بين توجه وعبادة وتصنيف. وبلغ من زهده أنه اطّرح التكلف وصار يمشي بثوب واحد وعلى رأسه طاقية.
أخرج كتبا كثيرة انتفع الناس بها، منها كتابه التفسير الذي نتكلم عنه، والتذكار في أفضل الأذكار، والتذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، وهي مطبوعة، وله كتب غير ذلك مفيدة (٢).
طريقة هذا التفسير:
اسم هذا التفسير هو (الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمّن من السنّة وآي الفرقان)، واشتهر بتفسير القرطبي، وهو من أجل كتب التفسير وأعظمها
стр. 104
نفعا. بيّن مؤلفه في مقدمته طريقته فيه وتتخلص بما يلي:
العناية بالرواية وتخريج الأحاديث، وبيان جوانب اللغة والإعراب، وذكر القراءات، وبيان الناسخ والمنسوخ وإسقاط القصص والتواريخ، والتعويض عنها بالأحكام المستنبطة، وذكر أدلة الأئمة، ثم الإدلاء برأيه بغاية الهدوء والموضوعية.
ويمتاز هذا التفسير بمزايا هامة، منها: وضوح عبارته وسهولته، ومنها حسن ترتيبه، فهو يقسم الأفكار ويجعل كل فكرة مسألة، ويصدر تفسير الآية بهذه العبارة: قوله تعالى كذا ... فيه سبع عشرة مسألة مثلا، المسألة الأولى .. وهكذا .. ما يساعد القارئ على ترتيب أفكاره وحسن الفهم.
ومنها اعتناؤه بعلوم اللغة في دلالة الكلمة واشتقاقها ووجوه الإعراب وفائدتها في المعنى. ومنها أنه عني بالاستنباط من كل القرآن فاستنبط أحكاما من آيات ليست مما يورده أصحاب تفسير أحكام القرآن.
ومن أمثلة طريقته في الجانب الفقهي الذي نتكلم عنه هنا:
قوله تعالى في آية الوضوء: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ: قال ﵀ (١):
«ولا بد في غسل الوجه من نقل الماء إليه وإمرار اليد عليه، وهذه حقيقة الغسل عندنا وقد بيّناه في النساء. وقال غيرنا: إنما عليه إجراء الماء وليس عليه دلك بيده. ولا شك أنه إذا انغمس الرجل في الماء وغمس وجهه أو يده ولم يدلّك يقال: غسل وجهه ويده. ومعلوم أنه لا يعتبر في ذلك غير حصول الإسم فإذا حصل كفى».
فقد رجح مذهب غير المالكية أنه لا يجب الدلك في الغسل، واستدل بأن الغمس في الماء يسمى غسلا، وبالتالي فإن المطلوب حصول ما يسمى غسلا، وهو معنى قوله: «لا يعتبر في ذلك غير حصول الإسم» أي لا يجب إلا
стр. 105
حصول ما يسمى في اللغة غسلا، فإذا حصل- أي ما يسمى غسلا- كفى لأداء الواجب. وهو إنصاف واضح واعتماد دقيق على أصول فن التفسير وتطبيقها.
ولاعتناء القرطبي بالاستنباط نجده يلتفت لفوائد لا يذكرها غيره، ومن ذلك قوله تعالى فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ... قال القرطبي في الآية (١) «دليل على أنه- أي المهر- في مقابلة البضع، لأن ما يقابل المنفعة يسمى أجرا. وقد اختلف العلماء في المعقود عليه في النكاح ما هو؟ بدن المرأة أو منفعة البضع أو الحلّ- أي حلّ الاستمتاع- ثلاثة أقوال، والظاهر المجموع، فإن العقد يقتضي كل ذلك».
ومن غاية إنصاف القرطبي وسموّه رفضه النيل من أئمة الإسلام وإن وقع ذلك من بعض أعلام مذهبه، مما يعطي أهل العلم درسا في ذلك (٢).
وهكذا جاء تفسير «الجامع لأحكام القرآن» جامعا كاسمه لفنون اللغة والعلوم التي يحتاج إليها المفسر مسبوكة بأسلوب واضح وترتيب جميل وتقسيم ميسر، مما جعل هذا التفسير من أجلّ كتب التفسير وأعظمها نفعا وأكثرها تداولا في هذا العصر.
стр. 106
الفصل الحادي عشر التفسير في العصر الحديث
في مطالع القرن الرابع عشر الهجري المنصرم وفي ظل الاحتلال الأجنبي لكثير من البلاد الإسلامية أو أكثرها احتدم الصراع الفكري في البلاد الإسلامية وأثيرت شبهات وإشكالات حول مفاهيم القرآن الأساسية والعلوم التي اشتمل عليها، وكانت النزعة المادية الصرفة الملحدة متسلطة على المفكرين في أوربة مما جعل جملة هذه العوامل وغيرها يثير الجدل والشبهات، التي أثارت رجال العلم والفكر المسلمين للاضطلاع بمهمتهم تجاه هذا الواجب.
وكان من الطبيعي أن تتجه أنظار الجميع إلى القرآن: توجه المنحرفون إلحادا وتشكيكا، وتوجه العلماء إظهارا للحق وهداية القرآن، وتفسيرا صحيحا لآياته ولإعجازه (١).
لكن في ظل الانبهار والدهشة لتفوق الأجنبي جاءت بحوث عدد من العلماء والمفكرين الإسلاميين متأثرة بمناهج الأجانب ومفاهيمهم المادية البحتة، وظهر أثر ذلك واضحا في تفاسير عدد منهم مما يتعارض مع الأدلة ومناهج التفسير.
ومن ذلك إنكار بعضهم المعجزات الحسية وتأويل الآيات الواردة فيها تأويلا بعيدا متكلفا، مثل تأويل الإسراء على أنه كان بالمنام أو بالروح فقط،
стр. 107
مصادما صريح الآية والأحاديث المتواترة.
كذلك إنكار خلق آدم وتأويل قصته، حتى فسّر بعضهم قوله تعالى:
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ أن المراد خلق العرب من إسماعيل ﵇ (١)، جاهلا أو متجاهلا إجماع المفسّرين، وأن العرب ليسوا كلهم من إسماعيل .. ؟!
ومن ذلك تأويل الملائكة بالخاصة في المخلوق «وهو- كما قال الشيخ محمد عبده- أن هذا النمو في النبات لم يكن إلا بروح خاص نفخه الله في البذرة فكانت به هذه الحياة المخصوصة، وكذلك يقال في الحيوان والإنسان».
وفسّر الناس كلامه ذلك بأنه أراد قوى الطبيعة، وانتشر في أوساط كثيرة آنذاك، وهو خطأ في العلم وفي الفهم أيضا، ولا ينسجم مع الإيمان بالوحي والنبوات (٢).
وراح بعضهم يفسر الآيات القرآنية على أي شيء يسمعه من المكتشفات العلمية دون تثبت من صحة الاكتشاف فضلا عن فهم حقيقته وطبيعته، ودون تقيد بأصول علم التفسير التي لا يجوز الإخلال بها، حتى ظهر تفسير ضخم للقرآن كله هو: «الجواهر في تفسير القرآن»، للشيخ طنطاوي جوهري يعجّ بالطامات في أمور العلم والجموح العجيب في تفسير القرآن، حتى نجده يفسر الآيات التي تذكر إحياء الموتى في سورة البقرة فيجعلها أصلا في علم تحضير الأرواح وأنه استخرج منها بزعمه، حتى يقول: «والمسلمون يؤمنون بها، حتى ظهر علم الأرواح بأمريكا أولا، ثم بسائر أوربة ثانيا ... » (٣)؟!!
стр. 108
وفي الحروف المقطعة أول سورة آل عمران الم يعقد بحثا طويلا عنوانه «الأسرار الكيميائية في الحروف الهجائية .. » أتى فيه بما يبعد عن العلم وعن فطرة العقل كذلك (١).
ولا نزال نوافى بمثل تكلفاته هذه في عصرنا هذا!!.
نحن نقدر حرص الكاتبين على إظهار إعجاز القرآن والنهوض بالمسلمين في مدارج الرقي لكنهم أخطئوا الطريق، فليس الطريق إلى ذلك بمخالفة العلم في درسه ولا القرآن في أصول بحثه.
وقد ظهرت ردود ومناقشات حول هذه القضايا كلها، لكن لم يظهر تفسير كامل ملتزم بمنهج التفسير في ذلك الوقت، يتضمن التفسير الصحيح في هذه الآيات الكثيرة.
حتى إذا كان الربع الأخير من القرن الرابع عشر نشطت الدراسات القرآنية نشاطا عظيما، وظهرت دراسات تفسيرية لبعض السور أو الجوانب، كما ظهرت تفاسير متنوعة، ذات مناهج مبتكرة متعددة، فيها تجديد في عرض معاني كتاب الله، يعتمد أصول التفسير، ويعوّل على المصادر القديمة، ويلائم حاجة القارئ المعاصر في ضوء استقرار الحقائق العلمية، وانجلاء الغبار عن أخطاء السابقين، وإن كان بعضهم تأثر بأخطاء السابقين لكن الجملة يعتمد عليها.
وأهم أنواع التفسير المعاصرة ما يلي:
الأول: التفسير المنهجي (٢):
ومن أشهر كتبه المتداولة: «التفسير الواضح» للدكتور الشيخ محمد محمود حجازي.
стр. 109
وطريقة هذا التفسير أنه يتبع أصول التفسير وخطواته عند العلماء، لكنه ينظم هذه الخطوات في فقرات منفصلة هكذا: أسباب النزول، مناسبة الآية لما قبلها، المفردات اللغوية، الإعراب وأثره في المعنى، البلاغة، المعنى العام، ثم ما يستنبط من النص من الفوائد، مع مراعاة سلاسة الأسلوب ووضوحه، ومزج فيه التفسير بالمعاني العلمية والتوجيهات الاجتماعية والاستنباطات.
لكن المؤلف كثيرا ما يخالف ما عليه الجمهور، دون أن يظهر مبرّر لعمله ذلك (١).
وعلى كل فالكتاب هام وسهل لعامة القراء، ومفيد، يلائم بث روح النهوض في المسلم، وإيقاظ وعيه للعلوم والثقافات.
الثاني: التفسير الأدبي الاجتماعي:
وهو تفسير يبرز إعجاز القرآن ويعتمد في عرض معانيه على الأسلوب الأدبي الجذّاب ليصل إلى القارئ بما يريد من التأثير والتوجيه.
وقد لفت هذا التفسير الوحيد إليه الأنظار، لأنه استطاع أن يملك ناصية البيان الأدبي في عرض المعاني، وناصية الذوق الأدبي في فهم أسرار إعجاز القرآن، ثم في المنطلق المعاصر الذي عني به وهو إبراز إعجاز القرآن في فن التصوير حتى استطاع أن ينال الاعتراف به والإعجاب، إذ سبق وبادر لإثبات إعجاز القرآن وفق مقياس أدبي فنّي حديث: هو فن التصوير، وأن يقدم تفسيرا
стр. 110
كاملا للقرآن يبرز فيه مصداق هذه النظرية (١).
الثالث: التفسير العلمي:
هو التفسير الذي يجتهد في استخراج مختلف العلوم والآراء الفلسفية من القرآن الكريم (٢).
وقد أخذ هذا النوع من التفسير اهتماما عظيما لدى المثقفين في الآونة الأخيرة، وذلك لما كشف عنه تقدم العلم من إعجاز القرآن، وتصديقه الحقائق العلمية، على حين قضى تقدم العلم بالبطلان على التراث الديني لدى الأمم الأخرى. وزاد ذلك الاهتمام ضعف ملكة الدارسين الأدبية، فضلا عن أن القسم الأعظم من المسلمين ليسوا من العرب.
لكن وقع من بعض الكاتبين غلو وجنوح في هذا التفسير مما سبق أن حذرنا منه، وأوضحناه بالأمثلة. وأتينا في بحث الكون في القرآن على تفاصيل وشروط يجب أن تتبع في هذا التفسير.
ومما يذكر من المؤلفات في هذا الباب: دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة. للدكتور موريس بوكاي (٣). وآيات الله في الآفاق.
للأستاذ الشيخ محمد وفا أميري.
الرابع: التفسير العام:
هو تفسير يعرض مقاصد الآيات ومعانيها، دون دخول في تفاصيل المفردات وجزئيات المعنى.
وقد احتل هذا التفسير مكانة كبيرة في الأوساط العامة، وأصبح عمدة في الخطب والمقالات، والأحاديث والبحوث الإسلامية الثقافية.