← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

أمرهم ويختاروا لأنفسهم (١). فإن قيل: هذه العلة باطلة، فإن المختلعة، والمفسوخَ نكاحُها بسبب من الأسباب، والمطلَّقةَ ثلاثًا، والموطوءةَ بشبهة، والمزنيَّ بها= تعتدُّ بثلاثة أقراء، ولا رجعة هناك. فقد وُجِد الحكم بدون علته، وهذا يُبطِل كونها علَّةً. قيل: شرطُ النقض أن يكون الحكم في صورة ثابتًا بنص أو إجماع. وأما كونه قولًا لبعض العلماء، فلا يكفي في النقض به. وقد اختلف الناس في عدَّة المختلعة ، فذهب إسحاق وأحمد في أصحِّ الروايتين عنه دليلًا أنها تعتدُّ بحَيضة واحدة (٢). وهو مذهب عثمان بن عفان (٣)، وعبد الله بن عباس (٤). وقد حُكي إجماعُ الصحابة، ولا يعلم لهما مخالف. وقد دلَّت عليه سنة رسول الله ﷺ الصحيحة دلالةً صريحةً. وعذرُ من خالفها أنها لم تبلغه، [٢٨٨/ب] أو لم تصح عنده، أو ظنَّ الإجماعَ على خلاف موجَبها. وهذا القول هو الراجح في الأثر والنظر (٥). أما رجحانه أثرًا، فإن النبي

стр. 1017

- ﷺ لم يأمر المختلعة قطُّ أن تعتدَّ بثلاث حِيَض، بل قد روى أهل السنن عنه من حديث الربيِّع بنت معوِّذ أن ثابت بن قيس ضرب امرأته، فكسر يدها، وهي جميلة بنت عبد الله بن أُبَيّ (١). فأتى أخوها يشتكيه (٢) إلى رسول الله. فأرسل رسولُ الله ﷺ إلى ثابت، فقال: «خُذ الذي لها عليك، وخَلِّ سبيلها». قال: نعم. فأمرها رسول الله ﷺ أن تتربَّص حيضةً واحدةً، وتلحق بأهلها (٣). وذكر أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها، فأمرها النبي ﷺ ، أو أُمِرَتْ أن تعتدَّ بحَيضة (٤). قال الترمذي: «الصحيح أنها أُمِرت أن تعتدَّ بحَيضة». وهذه الأحاديث لها طرقٌ يصدِّق بعضُها بعضًا. وأُعِلَّ الحديثُ بعلَّتين. إحداهما: إرساله، والثانية (٥): أن الصحيح فيه «أُمِرت» بحذف الفاعل. والعلَّتان غير مؤثِّرتين، فإنه قد روي من وجوه متصلة، ولا تعارُضَ بين «أُمِرَتْ» و «أمرها رسول الله ﷺ »، إذ من المحال أن يكون الآمر لها بذلك غير رسول الله ﷺ في حياته. وإذا كان الحديث قد روي بلفظ محتمل، ولفظ صريح يفسِّر المحتملَ ويبيِّنه، فكيف يُجعَل المحتملُ معارضًا للمفسِّر، بل مقدَّمًا [٢٨٩/أ] عليه؟

стр. 1018

ثم يكفي في ذلك فتاوى أصحاب رسول الله ﷺ . قال أبو جعفر النحاس في كتاب «الناسخ والمنسوخ» (١): هو إجماع من الصحابة. وأما اقتضاء النظر له، فإن المختلعة لم تبق لزوجها عليها عدَّة، وقد ملكت نفسَها، وصارت أحقَّ ببُضْعها. فلها أن تتزوج بعد براءة رحمها، فصارت العدَّة في حقِّها بمجرد براءة الرحم. وقد رأينا الشريعة جاءت في هذا النوع بحيضة واحدة، كما جاءت بذلك في المسبيَّة، والمملوكة بعقد معاوضة أو تبرُّع، والمهاجرة من دار الحرب. ولا ريب أنها جاءت بثلاثة أقراء في الرجعية. والمختلعة فرعٌ متردِّدٌ بين هذين الأصلين، فينبغي إلحاقها بأشبههما بها. فنظرنا، فإذا هي بذوات الحيضة أشبه. ومما يبيِّن حكمة الشريعة في ذلك أن الشارع قسم النساء إلى ثلاثة أقسام: أحدها: المفارقة قبل الدخول، فلا عدَّة عليها ولا رجعة لزوجها فيها. الثاني: المفارقة بعد الدخول إذا كان لزوجها عليها رجعة، فجعل عدّتها ثلاثة قروء. ولم يذكر سبحانه العدة بثلاثة قروء إلا في هذا القسم، كما هو مصرَّح به في القرآن في قوله تعالى: ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وكذا في سورة الطلاق لما ذكر الاعتداد بالأشهر الثلاثة في حقِّ من إذا [٢٨٩/ب] بلغت أجلَها خُيِّر

стр. 1019

زوجها بين إمساكها (١) بمعروف أو مفارقتها بإحسان، وهي الرجعيَّة قطعًا. فلم يذكر الأقراء وبدلها في حقِّ بائنٍ البتة. القسم الثالث: من بانت عن زوجها، وانقطع حقُّه عنها بسبي، أو هجرة، أو خلع؛ فجعل عدَّتها حيضةً للاستبراء. ولم يجعلها ثلاثًا، إذ لا رجعة للزوج. وهذا في غاية الظهور والمناسبة. وأما الزانية والموطوءة بشبهة، فموجَب الدليل أنها تستبرأ بحَيضةٍ فقط. ونصَّ عليه أحمد في الزانية (٢). واختاره شيخنا في الموطوءة بشبهة (٣)، وهو الراجح. وقياسهما على المطلَّقة الرجعية من أبعد القياس وأفسده. فإن قيل: فهَبْ أن هذا قد سلِم لكم فيما ذكرتم من الصور، فإنه لا يسلَم معكم في المطلَّقة ثلاثًا؛ فإن الإجماع منعقد على اعتدادها بثلاثة قروء مع انقطاع حقِّ زوجها من الرجعة، والقصدُ مجرَّدُ استبراء رحمها. قيل: نعم، هذا سؤال وارد. وجوابه من وجهين: أحدهما: أنه قد اختلف في عدتها: هل هي بثلاثة قروء أو بقرء واحد؟ فالجمهور ــ بل الذي لا يعرف الناس سواه ــ أنها ثلاثة قروء. وعلى هذا فيكون وجهه أن الطلقة الثالثة لما كانت من جنس الأوليين (٤) أعطيت حكمهما، ليكون باب الطلاق كلُّه بابًا واحدًا، فلا يختلف حكمه. والشارع إذا

стр. 1020

علَّق الحكمَ بوصف لمصلحة عامة لم يكن تخلُّفُ تلك المصلحة والحكمة في بعض الصور مانعًا من ترتُّب الحكم، [٢٩٠/أ] بل هذه قاعدة الشريعة وتصرُّفها في مصادرها ومواردها. الوجه الثاني: أن الشارع حرَّمها عليه حتى تنكح زوجًا غيره، عقوبةً له؛ ولعن المحلِّل والمحلَّل له لمناقضتهما ما قصده الله سبحانه من عقوبته. وكان من تمام هذه العقوبة أن طوَّل مدةَ تحريمها عليه، فكان ذلك أبلغ فيما قصده الشارع من العقوبة. فإنه إذا علِم أنها لا تحِلُّ له حتى تعتدَّ بثلاثة قروء، ثم يتزوجها آخرُ نكاحَ رغبةٍ مقصودٍ (١)، لا تحليلٍ موجِبٍ للعنة، ويفارقها، وتعتدُّ من فراقه ثلاثة قروء أُخَر= طال عليه الانتظار، وعِيلَ صبرُه، فأمسك عن الطلاق الثلاث. وهذا واقع على وفق الحكمة والمصلحة والزجر، فكان التربُّص بثلاثة قروء في الرجعية نظرًا للزوج ومراعاةً لمصلحته لما لم يوقع الثالثة المحرِّمة لها، وهاهنا كان تربُّصُها عقوبةً له وزجرًا لما أوقع الطلاق المحرِّم لما أحلَّ الله له. وأُكِّدت هذه العقوبة بتحريمها عليه إلا بعد زوج وإصابة وتربُّص ثان. وقيل: بل عدَّتها حيضة واحدة، وهي اختيار أبي الحسين بن اللبَّان (٢).

стр. 1021

فإن كان مسبوقًا بالإجماع، فالصواب اتباع الإجماع، وأن لا يُلتفت إلى قوله. وإن لم يكن في المسألة إجماعٌ، فقوله قوي ظاهر. والله أعلم. فإن قيل: فقد جاءت السنة بأن المخيَّرة تعتدُّ ثلاثَ حِيض، كما رواه ابن ماجه من حديث عائشة قالت: أُمِرت بريرةُ أن تعتدَّ ثلاثَ حِيَض (١). قيل: ما أصرحه من حديثٍ لو ثبت! ولكنه حديث منكر بإسناد مشهور. وكيف يكون عند أم المؤمنين هذا الحديث وهي تقول: الأقراء: الأطهار؟ فإن صحَّ الحديث وجب القول به، ولم تَسُغْ (٢) مخالفته، ويكون حكمه حكم المطلقة ثلاثًا في اعتدادها بثلاثة قروء، ولا رجعة لزوجها عليها؛ فإن الشارع يخصِّص بعض الأعيان والأفعال والأزمان والأماكن ببعض الأحكام، وإن لم يظهر لنا موجب التخصيص. فكيف وهو ظاهر في مسألة المخيَّرة، فإنها لو جُعلت عدَّتُها حيضةً واحدةً لبادرت إلى التزوج بعدها، وأيس منها زوجها؟ فإذا جُعِلت ثلاث حيض طال زمن انتظارها وحبسها عن

стр. 1022

الأزواج. ولعلها تتذكر زوجها فيها، وترغب في رجعته، ويزول ما عندها من الوحشة. ولو قيل: «إن اعتداد المختلعة بثلاث حِيَض لهذا المعنى بعينه» لكان حسنًا على وفق حكمة الشارع. ولكن هذا مفقود في المسبيَّة والمهاجِرة والزانية والموطوءة بشبهة. فإن قيل: فَهبْ أن هذا كلَّه قد سلِم لكم، فكيف يسلَم لكم في الآيسة والصغيرة التي لا يوطأ مثلها؟ قيل: هذا إنما يرِد على من جعَل علةَ العدَّة مجرد براءة الرحم فقط. ولهذا أجابوا عن هذا السؤال بأن العدة هاهنا شُرعت تعبدًا محضًا غيرَ معقول المعنى. وأما مَن جعل هذا بعض مقاصد العدَّة، وأن [٢٩١/أ] لها مقاصد أُخَر من تكميل شأن هذا العقد، واحترامه وإظهار خطره وشرفه= فجُعِل له (١) حريمٌ بعد انقطاعه بموت أو فرقة. فلا فرق في ذلك بين الآيسة وغيرها، ولا بين الصغيرة والكبيرة؛ مع أن المعنى الذي طُوِّلت له العدَّةُ في الحائض في الرجعية والمطلقة ثلاثًا موجودٌ بعينه في حقِّ الآيسة والصغيرة. وكان مقتضى الحكمة التي تضمَّنت النظر في مصلحة الزوج في الطلاق الرجعي، وعقوبته وزجره في الطلاق المحرَّم التسويةَ بين النساء في ذلك. هذا ظاهرٌ جدًّا، وبالله التوفيق.

стр. 1023

فصل وأما تحريم المرأة على الزوج بعد الطلاق الثلاث وإباحتها له بعد نكاحها للثاني، فلا يعرف حكمته إلا من له معرفة بأسرار الشريعة وما اشتملت عليه من الحِكم والمصالح الكلِّيّة. فنقول وبالله التوفيق: لما كان إباحة فرج المرأة للرجل بعد تحريمه عليه ومنعه منه من أعظم نِعَم الله عليه وإحسانه إليه كان جديرًا بشكر هذه النعمة ومراعاتها، والقيام بحقوقها وعدم تعرُّضها (١) للزوال. وتنوَّعت الشرائع في ذلك بحسب المصالح التي علِمَها الله في كلِّ زمان ولكلِّ أمة. فجاءت شريعة التوراة بإباحتها له بعد الطلاق ما لم تتزوج. فإذا تزوجت حَرُمت عليه، ولم يبق له سبيل إليها. وفي ذلك من الحكمة والمصلحة ما لا يخفى. فإن الزوج إذا علِم أنه إذا طلَّق المرأةَ وصار (٢) أمرها [٢٩١/ب] بيدها، وأن لها أن تنكح غيره، وأنها إذا نكحت غيره حَرُمت عليه أبدًا= كان تمسُّكُه بها أشدَّ، وحذرُه من مفارقتها أعظم. وشريعة التوراة جاءت بحسب الأمة الموسوية، فيها من الشدة والإصر ما يناسب حالهم. ثم جاءت شريعة الإنجيل بالمنع من الطلاق بعد التزوج البتة، فإذا تزوج بامرأة فليس له أن يطلِّقها. ثم جاءت الشريعة الكاملة الفاضلة المحمدية، التي هي أكملُ شريعة نزلت من السماء على الإطلاق وأجلُّها وأفضلها وأعلاها وأقوَمها بمصالح العباد في المعاش والمعاد، بأحسن من ذلك كلِّه وأكملِه وأوفقِه للعقل

стр. 1024

والمصلحة؛ فإن الله سبحانه أكمل لهذه الأمة دينها، وأتمَّ عليها نعمته، وأباح لها من الطيبات ما لم يُبِحه لأمة غيرها. فأباح للرجل أن ينكح من أطايب النساء أربعًا، وأن يتسرَّى من الإماء بما شاء، وليس التسرِّي في شريعة أخرى غيرها. ثم أكمل لعبده شرعَه، وأتمَّ عليه نعمته، بأن ملَّكه أن يفارق امرأته ويأخذ غيرها، إذ لعل الأولى لا تصلح له ولا توافقه، فلم يجعلها غُلًّا في عنقه، وقيدًا في رِجله، وإصرًا على ظهره. وشرع له فراقها على أكمل الوجوه لها وله، بأن يفارقها واحدةً، ثم تتربَّص ثلاثةَ قروء، والغالب أنها في ثلاثة أشهر. فإن تاقت نفسه إليها، وكان له فيها رغبة، وصرَف مقلبُ القلوب قلبَه إلى محبتها= وجد السبيلَ إلى ردِّها ممكنًا، والبابَ مفتوحًا، فراجع حبيبته (١)، [٢٩٢/أ] واستقبل أمره، وعاد إلى يده ما أخرجته يدُ الغضب ونزغات الشيطان منها. ثم لا تؤمن غلَباتُ الطباع ونزَغاتُ الشيطان من المعاودة، فمُكِّن من ذلك أيضًا مرة ثانية. ولعلها أن تذوق من مرارة الطلاق وخراب البيت ما يمنعها من معاودة ما يُغضبه، ويذوق هو من ألم فراقها ما يمنعه من التسرُّع إلى الطلاق. فإذا جاءت الثالثة جاء ما لا مردَّ له من أمر الله، وقيل له: قد اندفعت حاجتك بالمرة الأولى والثانية، ولم يبق لك عليها بعد الثالثة سبيل. فإذا علم أن الثالثة فراقُ بينه وبينها وأنها القاضية أمسك عن إيقاعها. فإنه إذا علم أنها بعد الثالثة لا تحِلُّ له إلا بعد تربُّص ثلاثة قروء، وتزوُّجٍ بزوجٍ راغبٍ في نكاحها وإمساكها، وأن الأول لا سبيل له إليها حتى يدخل بها الثاني دخولًا كاملًا يذوق فيه كلُّ واحد منهما عُسَيلةَ صاحبه بحيث يمنعهما ذلك من تعجيل الفراق، ثم يفارقها بموت أو طلاق أو خلع،

стр. 1025

ثم تعتدُّ من ذلك عدّةً كاملةً= تبيَّن له حينئذ يأسُه بهذا الطلاق الذي هو من أبغض الحلال إلى الله، وعلِمَ كلُّ واحد منهما أنه لا سبيل له إلى العود بعد الثالثة، لا باختياره ولا باختيارها. وأكَّد هذا المقصود بأن لعن الزوج الثاني إذا لم ينكِح نكاحَ رغبةٍ يقصد فيه الإمساك، بل نكَح نكاحَ تحليل؛ ولعن الزوجَ الأول إذا ردَّها بهذا النكاح. بل ينكحها الثاني كما نكحها الأول، ويطلِّقها كما [٢٩٢/ب] طلَّقها الأول. وحينئذ فتباح للأول، كما تباح لغيره من الأزواج. وأنت إذا وازنت بين هذا وبين الشريعتين المنسوختين، ووازنت بينه وبين الشريعة المبدَّلة المبيحة ما لعنَ اللهُ ورسولُه فاعلَه= تبيَّن لك عظمة هذه الشريعة وجلالتها، وهيمنتها على سائر الشرائع، وأنها جاءت على أكمل الوجوه وأتمِّها وأحسنها وأنفعها للخلق، وأن الشريعتين المنسوختين خير من الشريعة المبدَّلة، فإن الله سبحانه شرعهما في وقت، ولم يشرع المبدَّلة أصلًا. وهذه الدقائق ونحوها مما يختصُّ الله سبحانه بفهمه من شاءَ (١)؛ فمن وصل إليها فليحمد الله، ومن لم يصل إليها فليسلِّم لأحكم الحاكمين وأعلم العالمين، وليعلم أن شريعته فوقَ عقول العقلاء، ووَفْقَ (٢) فِطَرِ الألبَّاء (٣). وقل للعيون الرُّمْدِ لا تتقدَّمي ... إلى الشمس واستغشِي ظلامَ اللياليا

стр. 1026

وسامِحْ ولا تنكِرْ عليها وخَلِّها ... وإن أنكرت حقًّا فقُلْ خَلِّ ذا ليا (١) غيره (٢): عاب التفقُّهَ قومٌ لا عقول لهم ... وما عليه إذا عابوه من ضَرَرِ ما ضرَّ شمسَ الضحى والشمسُ طالعةٌ ... أن لا يرى ضوءَها مَن ليس ذا بَصَرِ (٣) فصل وأما إيجابه لغسل المواضع التي لم تخرج منها الريح، وإسقاطه غسل الموضع الذي خرجت منه، فما أوفقه للحكمة، وما أشدَّه مطابقةً للفطرة! فإن حاصل السؤال: لم كان الوضوء في هذه الأعضاء الظاهرة دون باطن المقعدة، [٢٩٣/أ] مع أن باطن المقعدة أولى بالوضوء من الوجه واليدين والرجلين؟ وهذا سؤال معكوس، من قلب منكوس (٤)؛ فإن من محاسن الشريعة أن كان الوضوء في الأعضاء الظاهرة المكشوفة، وكان أحقُّها به إمامَها ومقدَّمَها في الذكر والفعل، وهو الوجه الذي نظافته ووضاءته عنوان على نظافة القلب. وبعده اليدان، وهما آلة البطش والتناول والأخذ، فهما أحقُّ الأعضاء بالنظافة والنزاهة بعد الوجه. ولما كان الرأسُ مجمعَ الحواسِّ وأعلى البدن وأشرفَه كان أحقَّ بالنظافة، لكن لو شَرَع غسلَه في الوضوء

стр. 1027

لعظمت المشقة، واشتدَّت البلية، فشرَع مسحَ جميعه، وأقامه مقامَ غسله تخفيفًا ورحمةً، كما أقام المسحَ على الخفين مقام غسل الرجلين. ولعل قائلًا يقول: وما يجزئ (١) مسح الرأس والرجلين من الغسل والنظافة؟ ولم يعلم هذا القائل أن إمساس العضو بالماء امتثالًا لأمر الله وطاعةً له وتعبُّدًا يؤثِّر في نظافته وطهارته ما لا يؤثِّر غسلُه بالماء والسِّدر بدون هذه النية، والتحاكمُ في هذا إلى الذوق السليم والطبع المستقيم؛ كما أنَّ مَعْكَ الوجهِ بالتراب امتثالًا للأمر وطاعةً وعبوديةً تُكْسِبه وضاءةً ونظافةً وبهجةً تبدو على صفحاته للناظرين. ولما كانت الرجلان تمسُّ الأرض غالبًا، وتباشر من الأدناس ما لا تباشره بقيةُ الأعضاء= كانت أحقَّ بالغسل. ولم يوفَّق للفهم عن الله ورسوله مَن اجتزأ بمسحهما [٢٩٣/ب] من غير حائل. فهذا وجه اختصاص هذه الأعضاء بالوضوء من بين سائرها من حيث المحسوس. وأما من حيث المعنى فهذه الأعضاء هي آلات الأفعال التي يباشر بها العبد ما يريد فعله، وبها يُعصَى الله سبحانه ويطاع. فاليد تبطش، والرِّجل تمشي، والعين تنظر، والأذن تسمع، واللسان يتكلم. فكان في غسل هذه الأعضاء امتثالًا لأمر الله، وإقامةً لعبوديته ما يقتضي إزالةَ ما لحقها من دَرَن المعصية ووسخها. وقد أشار صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه إلى هذا المعنى بعينه حيث قال في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في «صحيحه» (٢) عن عمرو بن عَبَسة قال: قلت: يا رسول الله حدِّثني عن الوضوء. قال: «ما

стр. 1028

منكم من رجل يقرِّب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينتثر [إلا خرَّت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسَل وجهه كما أمره الله] (١) إلا خرَّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرَّت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح برأسه إلا خرَّت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرَّت خطايا رجليه من أنامله مع الماء. فإن هو قام، فصلَّى، فحمِد الله وأثنى عليه ومجَّده بالذي هو له أهل (٢) وفرَّغ قلبه لله= إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمُّه». وفي «صحيح مسلم» (٣) أيضًا عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا توضأ العبد المسلم ــ أو المؤمن ــ فغسَلَ وجهَه خرج من وجهه كلُّ خطيئة نظَر [٢٩٤/أ] إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخرِ قَطْرِ الماء. فإذا غسل يديه خرج من يديه كلُّ خطيئة كان بطشَتْها يداه مع الماء أو مع آخر قَطْرِ الماء. فإذا غسل رجليه خرجت كلُّ خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قَطْرِ الماء؛ حتى يخرج نقيًّا من الذنوب». وفي «مسند الإمام أحمد» (٤) عن عقبة بن عامر قال: سمعت النبيَّ ﷺ يقول: «رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل يعالج نفسه إلى الطهور، وعليه عُقَد. فيتوضأ، فإذا وضَّأ يديه انحلَّت عقدة، وإذا وضَّأ وجهَه انحلَّت عقدة، وإذا مسحَ رأسه انحلَّت عقدة، وإذا وضَّأ رجليه انحلَّت عقدة. فيقول

стр. 1029

الربُّ للذي (١) وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا، يعالج نفسَه. ما سألني عبدي هذا فهو له». وفيه (٢) أيضًا عن أبي أمامة يرفعه: «أيُّما رجلٍ قام إلى وضوئه يريد الصلاة ثم غسل كفَّيه نزلت خطيئته من كفَّيه مع أول قطرة. فإذا مضمض (٣) واستنشق واستنثر نزلت خطيئته من لسانه وشفتيه مع أول قطرة. فإذا غسل وجهه نزلت خطيئته من سمعه وبصره مع أول قطرة. فإذا غسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين سلِمَ من كلِّ ذنب هو له ومن كلِّ خطيئة كهيئته يوم ولدته أمه. فإذا قام إلى الصلاة رفع الله بها درجته، وإن قعد قعد سالمًا». وفيه أن مقصود المضمضة كمقصود غسل الوجه واليدين سواء، وأن (٤) حاجة [٢٩٤/ب] اللسان والشفتين إلى الغسل كحاجة بقية الأعضاء. فمَن أنكَسُ قلبًا وأفسَدُ فطرةً وأبطَلُ قياسًا ممن يقول: إن غسل باطن المقعدة أولى من غسل هذه الأعضاء، وإن الشارع فرَّق بين المتماثلين؟ هذا إلى ما في غسل هذه الأعضاء المقارن لنية التعبُّد لله من انشراح القلب وقوته، واتساع الصدر، وفرح النفس، ونشاط الأعضاء؛ فتميزت عن سائر الأعضاء بما أوجب غسلَها دون غيرها. وبالله التوفيق.

стр. 1030

فصل وأما اعتبار توبة المحارب قبل القدرة عليه، دون غيره؛ فيقال: أين في نصوص الشارع هذا التفريق؟ بل نصُّه على اعتبار توبة المحارب قبل القدرة عليه، إما من باب التنبيه على اعتبار توبة غيره بطريق الأولى؛ فإنه إذا دفَعت توبتُه عنه حدَّ حِرابه (١) مع شدة ضررها وتعدِّيه، فلأن تدفع التوبةُ ما دون حدِّ الحِراب بطريق الأولى والأحرى. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وقال النبي ﷺ : «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (٢). والله تعالى جعل الحدودَ عقوبةً لأرباب الجرائم، ورفَع العقوبةَ عن التائب شرعًا وقدرًا، فليس في شرع الله ولا قدره عقوبةُ تائب البتة. وفي «الصحيحين» (٣) من حديث أنس قال: كنت مع النبي ﷺ ، فجاء رجل فقال: يا رسول الله، إني أصبتُ حدًّا فأقِمْه عليَّ، قال: ولم يسأله عنه. فحضرت [٢٩٥/أ] الصلاة، فصلَّى مع النبي ﷺ . فلما قضى النبي ﷺ الصلاة قام إليه الرجل، فأعاد قوله. قال: «أليس قد صلَّيتَ معنا؟». قال: نعم. قال: «فإن الله قد غفر لك ذنبك». فهذا لما جاء تائبًا بنفسه من غير أن يُطلَب غفَر الله له، ولم يُقَمْ عليه الحدُّ الذي اعترف به. وهذا (٤) أحد القولين

стр. 1031

في المسألة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وهو الصواب (١). فإن قيل: فماعزٌ جاء تائبًا والغامديةُ جاءت تائبةً، وأقام عليهما الحد. قيل: لا ريب أنهما جاءا تائبين، ولا ريب أن الحدَّ أقيم عليهما، وبهذا احتجَّ أصحاب القول الآخر. وسألتُ شيخنا عن ذلك، فأجاب بما مضمونه أنَّ الحدَّ مطهِّر، والتوبة (٢) مطهِّرة، وهما اختارا التطهير بالحدِّ على التطهير بمجرد التوبة، وأبَيا إلا أن يطهَّرا بالحدّ. فأجابهما النبي ﷺ إلى ذلك، وأرشد إلى اختيار التطهير بالتوبة على التطهير بالحدِّ، فقال في حقِّ ماعز: «هلا تركتموه يتوب، فيتوب الله عليه» (٣). ولو تعيَّن الحدُّ بعد التوبة لما جاز تركه، بل الإمام مخيَّر بين أن يتركه كما قال لصاحب الحد الذي اعترف به: «اذهَبْ، فقد غفر الله لك» وبين أن يقيمه كما أقامه على ماعز والغامدية لما اختارا إقامته وأبَيَا إلا التطهير به. ولذلك ردَّهما النبيُّ ﷺ مرارًا، وهما يأبيان

стр. 1032

إلا إقامته عليهما. وهذا المسلك وسط بين مسلك من يقول: لا تجوز إقامته بعد التوبة البتة، وبين مسلك من يقول: لا أثر للتوبة في [٢٩٥/ب] إسقاطه البتة. وإذا تأملت السنة رأيتها لا تدل إلا على هذا القول الوسط، والله أعلم. فصل وأما قوله: «وقبل شهادة العبد عليه ﷺ بأنه قال: كذا وكذا، ولم يقبل شهادته على واحد من الناس بأنه قال: كذا وكذا». فمضمون السؤال أن رواية العبد مقبولة دون شهادته. والجواب: أنه لا يلزم الشارعَ قولُ فقيه معيَّن (١) ولا مذهب معيَّن. وهذا المقام لا يُنتصَر (٢) فيه إلا لله (٣) ورسوله فقط. وهذا السؤال كذِبٌ على الشارع، فإنه لم يأت عنه حرف واحد أنه قال: لا تقبلوا شهادة العبد، بل رُدُّوها، ولو كان عالمًا مفتيًا (٤) من أولياء الله، ومن أصدق الناس لهجة؟ بل الذي دلَّ عليه كتابُ الله، وسنةُ رسوله، وإجماعُ الصحابة، والميزانُ العادلُ= قبولُ شهادة العبد فيما تقبل فيه شهادةُ الحُرِّ، فإنه من رجال المؤمنين، فيدخل في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] كما دخل في قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وهو عدلٌ بالنص والإجماع، فيدخل في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾

стр. 1033

[الطلاق: ٢] كما دخل في قوله ﷺ : «يحمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عُدولُه» (١). ويدخل في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] وفي قوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وفي قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ الآية [النساء: ١٣٥]، كما دخل في جميع ما فيها من [٢٩٦/أ] الأوامر. ويدخل في قوله ﷺ : «فإن شهد ذوا عدلٍ فصُوموا وأفطروا» (٢). وقال أنس بن مالك: ما علمتُ أحدًا رَدَّ شهادةَ العبد. رواه الإمام أحمد عنه (٣). وهذا أصحُّ من غالب الإجماعات التي يدعيها المتأخرون. فالشهادة على الشارع بأنه أبطَلَ شهادةَ العبد وردَّها شهادةٌ بلا علم. ولم يأمر الله بردِّ شهادة صادقٍ أبدًا، وإنما أمرَ بالتثبُّت في شهادة الفاسق. فصل وأما إيجاب الشارع الصدقةَ في السائمة وإسقاطها عن العوامل، فقد اختُلِفَ في هذه المسألة للاختلاف في الحديث الوارد فيها. وفي الباب حديثان:

стр. 1034

أحدهما: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه يرفعه: «ليس في الإبل العوامل صدقة». رواه الدارقطني (١) من حديث غالب بن عبيد الله عن عمرو. والثاني: حديث علي بن أبي طالب مرفوعًا: «ليس في البقر العوامل شيء». رواه أبو داود (٢): حدثنا النُفَيلي، ثنا زُهَير، ثنا أبو إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة وعن الحارث عن علي، قال زهير: أحسبه عن النبي ﷺ : «ليس على العوامل شيء». قال أبو داود: وروى حديث النفيلي شعبة وسفيان (٣) وغيرهما عن أبي إسحاق، عن عاصم (٤)، عن علي، لم يرفعوه. ورواه نُعَيم بن حماد: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي موقوفًا: ليس في الإبل العوامل، ولا في البقر

стр. 1035

العوامل صدقة (١). ورواه الدارقطني (٢) من [٢٩٦/ب] حديث صقر بن حبيب: سمعتُ أبا رجاء، عن ابن عباس، عن عليٍّ مرفوعًا (٣). قال ابن حبان (٤): ليس هو من كلام رسول الله ﷺ . وإنما يُعرَف بإسناد منقطع فقلبه (٥) الصقر (٦) على أبي رجاء (٧)، وهو يأتي بالمقلوبات.

стр. 1036

وروي من حديث جابر (١)، وابن عباس (٢) مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أشبه. وبعدُ، فللعلماء في المسألة قولان: فقال مالك في «موطئه» (٣): النواضح والبقر السواني وبقر الحرث، إني أرى أن يؤخذ من ذلك كلِّه الزكاة إذا وجبت فيه الصدقة. قال ابن عبد البر (٤): «وهذا قول الليث بن سعد، ولا أعلم أحدًا قال به من فقهاء الأمصار غيرَهما. وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه (٥) والأوزاعي وأبو ثور وأحمد وأبو عبيد وإسحاق وداود: لا زكاة في البقر العوامل، ولا الإبل العوامل (٦)، وإنما الزكاة في السائمة منها. وروي قولهم ذلك عن طائفة من الصحابة، منهم

стр. 1037

علي (١) وجابر (٢) ومعاذ بن جبل (٣). وكتب عمر بن عبد العزيز أنه ليس في البقر العوامل صدقة (٤)» (٥). وحجة هؤلاء مع الأثر النظر، فإنَّ ما كان من المال مُعَدًّا (٦) لنفع صاحبه به، كثياب بِذلته، وعَبيد خدمته، وداره التي يسكنها، ودابته التي يركبها، وكتبه التي ينتفع بها وينفَع (٧) = فليس فيها زكاة. ولهذا لم يكن في حُلِيِّ المرأة التي تلبسه وتعيره زكاة. فطردُ هذا أنه لا زكاة في بقر حرثه وإبله التي يعمل فيها [٢٩٧/أ] بالدولاب وغيره. فهذا محض القياس، كما أنه موجب النصوص. والفرق بينها وبين السائمة ظاهر، فإن هذه مصروفة عن جهة النماء إلى العمل، فهي كالثياب والعبيد والدار. والله تعالى أعلم.

стр. 1038

فصل وأما قوله: «وجعل الحرَّةَ القبيحةَ الشوهاءَ تُحْصِن الرجلَ، والأَمةَ البارعةَ الجمال لا تُحْصنه»، فتعبير سيِّئ عن معنى صحيح؛ فإن حكمة الشارع اقتضت وجوب حدِّ الزنا على من كملت عليه نعمة الله بالحلال، فتخطَّاه إلى الحرام. ولهذا لم يوجب كمال الحدِّ على من لم يحصن، واعتبر للإحصان أكمل أحواله، وهو أن يتزوج بالحرة التي يرغب الناس في مثلها، دون الأمة التي لم يُبِح الله نكاحها إلا عند الضرورة، فالنعمة بها ليست كاملة؛ ودون التسرِّي الذي هو في الرتبة دون النكاح، فإن الأمة ــ ولو كانت ما عسى أن تكون ــ لا تبلغ رتبةَ الزوجة، لا شرعًا ولا عرفًا ولا عادةً، بل قد جعل الله لكلٍّ منهما رتبةً. والأمة لا تراد لما تراد له الزوجة، ولهذا كان له أن يملك من لا يجوز له نكاحها (١)، ولا قَسْم عليه في ملك يمينه. فأمته تجري في الابتذال والامتهان والاستخدام مجرى دابته وغلامه، بخلاف الحرائر. وكان من محاسن الشريعة أن اعتبرت في كمال النعمة على من يجب عليه الحدُّ أن يكون قد عقَد على حُرَّةٍ ودخل بها، إذ بذلك يقضي كمال وطره، ويعطي شهوته حقَّها، ويضعها مواضعها. هذا هو [٢٩٧/ب] الأصل ومنشأ الحكمة. ولا يعتبر ذلك في كلِّ فردٍ فردٍ من أفراد المحصنين. ولا يضرُّ تخلُّفه في كثير من المواضع، إذ شأن الشرائع الكلية أن تراعي الأمور العامة المنضبطة، ولا ينقضها تخلُّفُ (٢) الحكمة في أفراد الصور، كما هذا شأن الخلق. فهو موجَب حكمة الله في خلقه وأمره في قضائه وشرعه. وبالله التوفيق.

стр. 1039

فصل وأما قوله: «ونقض الوضوء بمسِّ الذكر دون سائر الأعضاء، ودون مسِّ العذِرة والبول»، فلا ريب أنه قد صح عن النبي ﷺ الأمرُ بالوضوء من مسِّ الذكر (١)، وروي عنه خلافه، وأنه سئل عنه، فقال للسائل: «هل هو إلا بضعة منك» (٢). وقد قيل: إن هذا الخبر لم يصح. وقيل: بل هو منسوخ. وقيل: بل هو محكم دالٌّ على عدم الوجوب. وحديث الأمر دالٌّ على الاستحباب. فهذه ثلاثة مسالك للناس في ذلك. وسؤال السائل ينبني على صحة حديث الأمر بالوضوء وأنه للوجوب. ونحن نجيبه على هذا التقدير، فنقول: هذا من كمال الشريعة وتمام محاسنها. فإن مسَّ الذكر مُذَكِّر بالوطء، وهو في مظنة الانتشار غالبًا، والانتشار الصادر عن المسِّ في مظنة خروج المذي ولا يشعر به. فأقيمت هذه المظنة مقام الحقيقة لخفائها وكثرة وجودها، كما أقيم النوم مقام

стр. 1040

الحدث، وكما أقيم لمسُ المرأة لشهوةٍ (١) مقام الحدَث. وأيضًا فإن مسَّ الذكر يوجب [٢٩٨/أ] انتشار حرارة الشهوة وثورانها في البدن، والوضوء يطفئ تلك الحرارة، وهذا مشاهَد بالحسِّ. ولم يكن الوضوء من مسِّه لكونه نجسًا، ولا لكونه مجرى النجاسة حتى يورد السائل مسَّ العَذِرة والبول. ودعواه بمساواة مسِّ الذكر للأنف من أكذب الدعاوي وأبطل القياس. وبالله التوفيق. فصل وأما قوله: «أوجب الحدَّ في القطرة الواحدة من الخمر دون الأرطال الكثيرة من البول»، فهذا أيضًا من كمال هذه الشريعة، ومطابقتها للعقول والفطر، وقيامها بالمصالح. فإن ما جعل الله سبحانه في طباع الخلق النفرةَ (٢) عنه ومجانبتَه اكتفى بذلك عن الوازع عنه بالحدِّ، لأن الوازعَ الطَّبْعيَّ (٣) كافٍ في المنع منه. وأما ما يشتدُّ تقاضي الطباع له فإنه غلَّظ العقوبة عليه بحسب شدة تقاضي الطبع له، وسدَّ الذريعة إليه من قرب وبعد، وجعل ما حوله حِمًى، ومنع من قربانه. ولهذا عاقب في الزنا بأشنع القتلات، وفي السرقة بإبانة اليد، وفي الخمر بتوسيع الجلد ضربًا بالسوط، ومنع (٤) قليل الخمر وإن

стр. 1041

كان لا يُسكِر، إذ قليلُه داعٍ إلى كثيره. ولهذا كان من أباح من نبيذ التمر المسكِر القدرَ الذي لا يُسكِر خارجًا عن محض القياس والحكمة وموجب النصوص. وأيضًا فالمفسدةُ التي في شُربِ الخمر والضررُ المختصُّ والمتعدِّي أضعافُ الضرر والمفسدة التي في شرب [٢٩٨/ب] البول وأكل القاذورات، فإن ضررها مختصُّ بمتناوِلها. فصل وأما قوله: «وقصَر عددَ المنكوحات على أربع، وأباح ملك اليمين بغير حصر»، فهذا من تمام نعمته وكمال شريعته، وموافقتها للحكمة والرحمة والمصلحة. فإن النكاح يراد للوطء وقضاء الوطر، ثم من الناس من يغلب عليه سلطان هذه الشهوة فلا تندفع حاجته بواحدة، فأطلق له ثانية وثالثة ورابعة. وكان هذا العدد موافقًا لعدد طباعه وأركانه، وعدد فصول سنته، ولرجوعه إلى الواحدة بعد صبر ثلاث عنها. والثلاث أول مراتب الجمع، وقد علَّق الشارع بها عدَّة أحكام، ورخَّص للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه (١) ثلاثًا (٢)، وأباح للمسافر أن يمسح على خفيه ثلاثًا (٣)، وجعل حدَّ

стр. 1042

الضيافة المستحبة أو الواجبة (١) ثلاثًا (٢)، وأباح للمرأة أن تُحِدَّ على غير زوجها ثلاثًا (٣). فرحم الضرَّةَ بأن جعل غاية انقطاع زوجها عنها ثلاثًا، ثم يعود. فهذا محض الحكمة والرحمة (٤) والمصلحة. وأما الإماء فلما كنَّ بمنزلة سائر الأموال من الخيل والعبيد وغيرها لم يكن لقصر المالك على أربعة منهن أو غيرها من العدد معنًى. فكما ليس في حكمة الله ورحمته أن يقصر السيد على أربعة عبيد أو أربع (٥) دوابّ وثياب ونحوها، فليس في حكمته أن يقصره على أربع (٦) إماء. وأيضًا فللزوجة حقٌّ على الزوج اقتضاه عقدُ النكاح، يجب على الزوج القيام [٢٩٩/أ] به؛ فإن شاركها غيرُها وجب عليه العدل بينهما. فقصَر الأزواج على عدد يكون العدل فيه أقرب مما زاد عليه، ومع هذا فلا يستطيعون العدل ولو حرصوا عليه. ولا حقَّ لإمائه عليه في ذلك، ولهذا لا يجب لهن قَسْمٌ. ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]. والله أعلم.

стр. 1043

فصل وأما قوله: «وإنه أباح للرجل أن يتزوج بأربع زوجات، ولم يُبِح للمرأة أن تتزوج بأكثر من زوج واحد»، فذلك من كمال حكمة الرب تعالى وإحسانه ورحمته بخلقه ورعاية مصالحهم. ويتعالى سبحانه عن خلاف ذلك، وينزَّه شرعه أن يأتي بغير هذا. ولو أبيح للمرأة أن تكون عند زوجين فأكثرَ لفسَد العالم، وضاعت الأنساب، وقتل الأزواج بعضهم بعضًا، وعظمت البلية، واشتدت الفتنة، وقامت سوق الحرب على ساق. وكيف يستقيم حال امرأة فيها شركاء متشاكسون؟ وكيف يستقيم حال الشركاء فيها؟ فمجيء الشريعة بما جاءت به من خلاف هذا من أعظم الأدلة على حكمة الشارع ورحمته وعنايته بخلقه. فإن قيل: فكيف رُوعي جانبُ الرجل، وأُطلِق له أن يُسِيمَ طرفه ويقضي وطره، وينتقل من واحدة إلى واحدة بحسب شهوته وحاجته؛ وداعي المرأة داعيه، وشهوتها شهوته؟ قيل: لما كانت المرأة من عادتها أن تكون مخبَّأةً وراء (١) الخدور (٢)، محجوبة في كِسْرِ (٣) بيتها، [٢٩٩/ب] وكان مزاجها أبرد من مزاج الرجل، وحركتها الظاهرة والباطنة أقلَّ من حركته؛ وكان الرجل قد أعطي من القوة والحرارة التي هي سلطان الشهوة أكثرَ مما أعطيته المرأة، وبُلِي بما لم تُبْلَ

стр. 1044

به = أُطلِق له من عدد المنكوحات ما لم يُطلَق للمرأة. وهذا مما خصَّ الله به الرجال، وفضَّلهم به على النساء، كما فضَّلهم عليهن بالرسالة والنبوة والخلافة والملك والإمارة وولاية الحكم والجهاد وغير ذلك. وجعل الرجال قوَّامين على النساء ساعين في مصالحهن، يدأبون في أسباب معيشتهن، ويركبون الأخطار، يجوبون القفار، ويعرِّضون أنفسهم لكلِّ بلية ومحنة في مصالح الزوجات. والربُّ تعالى شكور حليم، فشكر لهم ذلك، وجبَرهم بأن مكَّنهم مما لم يمكِّن منه الزوجات. وأنت إذا قايستَ بين تعب الرجال وشقائهم وكدِّهم ونَصَبهم في مصالح النساء وبين ما ابتلي به النساء من الغيرة وجدتَ حظَّ الرجال من تحمُّل ذلك التعب والنصب والدأب أكثرَ من حظِّ النساء من تحمُّل الغيرة. فهذا من كمال عدل الله وحكمته ورحمته، فله الحمد كما هو أهله. وأما قول القائل: «إن شهوة المرأة تزيد على شهوة الرجل»، فليس كما قال. والشهوة منبعها الحرارة، وأين حرارة الأنثى من حرارة الذكر؟ ولكن المرأة ــ لفراغها وبطالتها وعدم معاناتها لما يشغلها عن أمر شهوتها [٣٠٠/أ] وقضاء وطرها ــ يغمُرها سلطانُ الشهوة، ويستولي عليها، ولا يجد (١) عندها ما يعارضه، بل يصادف قلبًا فارغًا ونفسًا خاليةً، فيتمكَّن منها كلَّ التمكُّن، فيظن الظانُّ أن شهوتها أضعاف شهوة الرجل، وليس كذلك. ومما يدل عليه (٢) أن الرجل إذا جامع امرأةً (٣) أمكنه أن يجامع غيرها في الحال. وكان

стр. 1045

النبي ﷺ يطوف على نسائه في الليلة الواحدة (١). وطاف سليمان على تسعين امرأة في ليلة (٢)، ومعلوم أن له عند كلِّ امرأة شهوةً وحرارةً باعثةً على الوطء. والمرأة إذا قضى الرجل وطره فترت شهوتها، وانكسرت نفسها، ولم تطلب قضاءها من غيره في ذلك الحين. فتطابقت حكمة الشرع والقدر (٣) والخلق والأمر. ولله الحمد. فصل وأما قوله: «أباح للرجل أن يستمتع من أَمته بملك اليمين بالوطء وغيره، ولم يبح للمرأة أن تستمتع من عبدها لا بوطء ولا غيره»، فهذا أيضًا من كمال هذه الشريعة وحكمتها. فإنَّ السيِّد قاهر لمملوكه، حاكم عليه، مالك له. والزوج قاهر لزوجته حاكم عليها، وهي تحت سلطانه وحكمه، تُشبه الأسير. ولهذا مُنِع العبدُ من نكاح سيدته، للتنافي بين كونه مملوكها وبعلها، وبين كونها سيدته وموطوءته. وهذا أمر مشهود بالفطرة والعقول قبحُه، وشريعة أحكم الحاكمين منزَّهة عن أن تأتي به. فصل وأما قوله: «فرَّق (٤) بين الطلقات، فجعل بعضها محرِّمًا للزوجة

стр. 1046

وبعضها غير [٣٠٠/ب] محرِّم»، فقد تقدَّم من بيان حكمة ذلك ومصلحته ما فيه كفاية. فصل وأما قوله: «وفرَّق (١) بين لحم الإبل وغيره من اللحوم في الوضوء»، فقد تقدَّم في الفصل الذي قبل هذا جواب هذا السؤال، وأنه على وَفْق الحكمة ورعاية المصلحة. فصل وأما قوله: «وفرَّق بين الكلب الأسود وغيره في قطع الصلاة»، فهذا سؤال أورده عبد الله بن الصامت على أبي ذر، وأورده أبو ذر على النبي ﷺ ، وأجاب عنه بالفرق المبين (٢)، فقال: «الكلب الأسود شيطان» (٣). وهذا إن أريد به أن الشيطان يظهر في صورة الكلب الأسود كثيرًا كما هو الواقع فظاهر. وليس بمستنكر (٤) أن يكون مرورُ عدوِّ الله بين يدي المصلي قاطعًا لصلاته، ويكون مروره قد جعل تلك الصلاةَ بغيضةً إلى الله مكروهةً له، فيؤمر المصلِّي بأن يستأنفها. وإن كان المراد به أن الكلب الأسود شيطان الكلاب، فإنَّ كلَّ جنس من أجناس الحيوانات فيها شياطين، وهي ما عتَا منها وتمرَّد، كما أن شياطين الإنس عُتاتهم ومتمرِّدوهم، والإبل شياطين

стр. 1047

الأنعام، وعلى ذروة كلِّ بعير شيطان (١) = فيكون مرورُ هذا النوع من الكلاب ــ وهو من أخبثها وشرِّها ــ مبغِّضًا لتلك الصلاة إلى الله، فيجب على المصلي أن يستأنفها. وكيف يُستبعد أن يقطع مرورُ العدوِّ [٣٠١/أ] بين الإنسان وبين وليِّه حكمَ مناجاته له، كما قطعها كلمةٌ من كلام الآدميين أو قهقهة أو ريح، أو ألقى عليه الغيرُ نجاسةً، أو نوَّمه الشيطان فيها؟ وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن شيطانًا تفلَّت عليَّ البارحةَ ليقطع عليَّ صلاتي» (٢). وبالجملة، فللشارع في أحكام العبادات أسرارٌ لا تهتدي العقول إلى إدراكها على وجه التفصيل، وإن أدركتها جملةً. فصل وأما قوله: «وفرَّق بين الريح الخارجة من الدبر وبين الجَشْوة، فأوجب الوضوء من هذه دون هذه»، فهذا أيضًا من محاسن هذه الشريعة وكمالها، كما فرَّق بين البلغم الخارج من الفم وبين العَذِرة في ذلك. ومن سوَّى بين الريح والجشاء فهو كمن سوَّى بين البلغم والعَذِرة. والجشاءُ من جنس العطاس الذي هو ريح تحتبس في الدماغ، ثم تطلب لها منفذًا، فتخرج من الخياشيم، فيحدث العطاس. وكذلك الجشاء ريح تحتبس فوق المعدة فتطلب الصعود، بخلاف الريح التي تحتبس تحت المعدة. ومن سوَّى بين الجشوة والضرطة في الوصف والحكم فهو فاسد العقل والحِسّ.

стр. 1048

فصل وأما قوله: «أوجب الزكاة في خمس من الإبل، وأسقطها عن آلاف من الخيل»؛ فلعَمْرُ الله، إنه أوجب الزكاة في هذا الجنس دون هذا، كما في «سنن أبي داود» (١) من حديث عاصم بن ضمرة، عن علي قال: قال [٣٠١/ب] رسول الله ﷺ : «قد عفوتُ عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقَة (٢): من كلِّ أربعين درهمًا درهم. وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم». ورواه سفيان عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي (٣). وقال بقية: حدثني أبو معاذ الأنصاري، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة يرفعه: «عفوتُ لكم عن صدقة الجَبْهة، والكُسْعَة، والنُّخَّة» (٤). قال بقية: الجبهة: الخيل. والكُسْعة: البغال والحمير. والنُّخَّة:

стр. 1049

المربَّيات (١) في البيوت. وفي كتاب عمرو بن حزم: «لا صدقة في الجبهة والكُسْعة. والكسعة الحمير، والجبهة: الخيل» (٢). وفي «الصحيحين» (٣) من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة». والفرق بين الخيل والإبل أن الخيل تراد لغير ما تراد له الإبل، فإن الإبل تراد للدَّرِّ والنسل والأكل وحمل الأثقال والمتاجر والانتقال عليها من بلد إلى بلد. وأما الخيل فإنما خُلقت للكَرِّ والفَرِّ والطلب والهرب، وإقامة

стр. 1050

الدين، وجهاد أعدائه. وللشارع قصد أكيد في اقتنائها وحفظها والقيام عليها، وترغيب النفوس في ذلك بكلِّ طريق. ولهذا (١) عفا عن أخذ الصدقة منها، ليكون ذلك أرغب للنفوس فيما يحبه الله ورسوله من اقتنائها ورباطها. وقد قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]. فرباط [٣٠٢/أ] الخيل من جنس آلات السلاح والحرب. فلو كان عند الرجل منها ما عسى (٢) أن يكون، ولم يكن للتجارة= لم يكن عليه فيه زكاة؛ بخلاف ما أعد للنفقة، فإن الرجل إذا ملك منه نصابًا ففيه الزكاة. وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا بعينه في قوله: «عفوتُ (٣) لكم عن صدقة الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقَة» (٤). أفلا تراه كيف فرَّق بين ما أُعِدَّ للإنفاق، وما (٥) أُعِدَّ لإعلاء كلمة الله ونصر دينه وجهاد أعدائه، فهو من جنس السيوف والرماح والسهام؟ وإسقاط الزكاة في هذا الجنس من محاسن الشريعة وكمالها. فصل وأما قوله: «أوجب في الذهب والفضة والتجارة ربعَ العُشر، وفي الزروع والثمار نصفَ العُشر أو العُشرَ، وفي المعدن الخُمْس»، فهذا أيضًا من كمال شريعته ومراعاتها للمصالح. فإن الشارع أوجب الزكاة مواساةً

стр. 1051

للفقراء، وطُهْرةً للمال، وعبوديةً للرب، وتقرُّبًا إليه، بإخراج محبوب العبد له وإيثار مرضاته. ثم فرضها على أكمل الوجوه، وأنفعها للمساكين، وأرفقها بأرباب الأموال. ولم يفرضها في كلِّ مال، بل فرضها في الأموال التي تحتمل المواساة، ويكثر فيها الرِّبح والدَّرّ والنسل. ولم يفرضها فيما يحتاج العبد إليه من ماله ولا غنى له عنه، كعبيده وإمائه ومركوبه وداره وثيابه وسلاحه، بل فرضها في أربعة أجناس من المال: المواشي، والزروع [٣٠٢/ب] والثمار، والذهب والفضة، وعروض التجارة؛ فإن هذه أكثر أموال الناس الدائرة بينهم، وعامةُ تصرُّفهم فيها، وهي التي تحتمل المواساة، دون ما أسقط الزكاة فيه. ثم قسم كلَّ جنس من هذه الأجناس بحسب حاله وإعداده للنماء إلى ما فيه الزكاة، وإلى ما لا زكاة فيه. فقسم المواشي إلى قسمين: سائمة ترعى بغير كلفة ولا مشقَّة ولا خسارة، فالنعمة فيها كاملة، والمنَّة بها وافرة، والكلفة فيها يسيرة، والنماء فيها كثير؛ فخصَّ هذا النوع بالزكاة. وإلى معلوفة بالثمن أو عاملة في مصالح أربابها في دواليبهم وحروثهم وحمل أمتعتهم، فلم يجعل في ذلك زكاة، لكلفة المعلوفة وحاجة المالكين إلى العوامل، فهي كثيابهم وعبيدهم وإمائهم وأمتعتهم. ثم قسم الزروع والثمار إلى قسمين: قسم يجري مجرى السائمة من بهيمة الأنعام في سقيه من ماء السماء بغير كلفة ولا مشقة، فأوجب فيه العشر. وقسم يسقى بكلفة ومشقة، ولكن كلفته دون كلفة المعلوفة (١) بكثير،

стр. 1052

إذ تلك تحتاج إلى العلف كلَّ يوم، فكان مرتبةً (١) بين مرتبة السائمة والمعلوفة، فلم يوجب فيه زكاةَ ما شرب بنفسه، ولم يُسقط زكاته جملةً (٢)، فأوجب فيه نصف العشر. ثم قسم الذهب والفضة إلى قسمين: أحدهما ما هو مُعَدٌّ للثمنية (٣) والتجارة به والتكسُّب، ففيه الزكاة كالنقدين والسبائك ونحوها. وإلى ما هو مُعَدٌّ للانتفاع دون الربح والتجارة [٣٠٣/أ] كحلية (٤) المرأة وآلات السلاح التي يجوز استعمال مثلها، فلا زكاة فيه. ثم قسم العروض إلى قسمين: قسم أُعِدَّ للتجارة، ففيه الزكاة؛ وقسم أُعِدَّ للقِنية والاستعمال، فهو مصروف عن جهة النماء، فلا زكاة فيه. ثم لما كان حصول النماء والربح بالتجارة من أشقِّ الأشياء وأكثرِها معاناةً وعملًا خفَّفها بأن جعل فيها ربع العشر. ولما كان الربح والنماء بالزروع والثمار التي تُسقَى بالكلفة أقلَّ كلفةً، والعمل أيسَرُ، ولا يكون في كلِّ السنة= جعله ضِعْفَه، وهو نصف العشر. ولما كان التعب والعمل فيما يشرب بنفسه أقلَّ والمُؤنةُ أيسرَ جعله ضِعْفَ ذلك، وهو العشر، واكتفى فيه بزكاة عامَّة خاصَّة. فلو أقام عنده بعد ذلك عدة أحوال لغير التجارة لم يكن فيه زكاة، لأنه قد انقطع نماؤه وزيادته؛ بخلاف الماشية، وبخلاف ما لو أُعِدَّ

стр. 1053

للتجارة، فإنه (١) غرضُه النَّماءُ (٢). ثم لما كان الرِّكاز مالًا مجموعًا محصَّلًا، وكلفةُ تحصيله أقلُّ من غيره، ولم يحتج إلى أكثر من استخراجه= كان الواجب فيه ضِعف ذلك، وهو الخُمْس. فانظر إلى تناسب هذه الشريعة الكاملة التي بهَر العقولَ حسنُها وكمالُها، وشهدت الفِطَر بحكمتها، وأنه لم يطرق العالمَ شريعةٌ أفضلُ منها. ولو اجتمعت عقولُ العقلاء وفِطَرُ الألباء واقترحت شيئًا يكون أحسنَ مقترَحٍ (٣) لم يصل اقتراحها إلى ما جاءت به. ولما لم يكن كلُّ مال يحتمل المواساة [٣٠٣/ب] قدَّر الشارعُ لما يحتمل المواساة نُصُبًا مقدَّرةً لا تجب الزكاة في أقلَّ منها. ثم لما كانت تلك النُّصُب تنقسم إلى ما لا يُجْحِف المواساةُ ببعضه أوجب الزكاة منها، وإلى ما يُجْحِف المواساةُ ببعضه، فجعل الواجبَ من غيره كما دون الخمس والعشرين من الإبل. ثم لما كانت المواساة لا تحتمل كلَّ يوم ولا كلَّ شهر، إذ فيه إجحافٌ بأرباب الأموال، جعلها كلَّ عام مرةً، كما جعل الصيام كذلك. ولما كانت الصلاة لا يشق فعلُها كلَّ يوم وظَّفها (٤) كلَّ يوم وليلة، ولما كان الحجُّ يشقُّ تكرُّرُ وجوبه كلَّ عام جعَله وظيفةَ العمر.

стр. 1054

وإذا تأمل العقلُ (١) مقدار ما أوجبه الشارع في الزكاة (٢) مما لا يضرُّ المُخرِجَ فقدُه، وينفع الفقيرَ أخذُه= رآه (٣) قد راعى فيه حالَ صاحب المال وجانبَه حقَّ الرعاية، ونفعَ الآخذِ به (٤). وقصَد إلى كلِّ جنس من أجناس الأموال، فأوجب الزكاة في أعلاه وأشرفه. فأوجب زكاةَ العين في الذهب والورِق دون الحديد والرصاص والنحاس ونحوها، وأوجب زكاة السائمة في الإبل والبقر والغنم، دون الخيل والبغال والحمير، ودون ما يقِلُّ اقتناؤه كالصيود على اختلاف أنواعها، ودون الطير كلِّه. وأوجب زكاة الخارج من الأرض في أشرفه، وهو الحبوب والثمار، دون البقول والفواكه والمقاثئ والمباطخ والأنوار. وغيرُ خافٍ تميُّز ما أوجب فيه الزكاةَ عمَّا لم يوجبها فيه، في [٣٠٤/أ] جنسه، ووصفه، ونفعه، وشدة الحاجة إليه، وكثرة وجوده؛ وأنه جارٍ مجرى الأموال لما عداه من أجناس الأموال، بحيث لو فُقِد لأضرَّ فقدُه بالناس، وتعطَّل عليهم كثيرٌ من مصالحهم؛ بخلاف ما لم يوجب فيه الزكاةَ فإنه جارٍ مجرى الفضلات والتَّتِمَّات التي لو فُقدت لم يعظُم الضرر بفقدها. وكذلك راعى في المستحقين لها أمرَين مهمَّين. أحدهما: حاجة الآخذ. والثاني: نفعه. فجعل المستحقين لها نوعين: نوعًا يأخذ لحاجته، ونوعًا يأخذ لنفعه. وحرَّمها على من عداهما.

стр. 1055

فصل وأما قوله: «وقطَع يدَ السارق التي باشر بها الجناية، ولم يقطع فرج الزاني وقد باشر به الجناية، ولا لسان القاذف وقد باشر به القذف»، فجوابه أن هذا من أدلِّ الدلائل على أن هذه الشريعة منزَّلة من عند أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين. ونحن نذكر فصلًا نافعًا في الحدود ومقاديرها، وكمال ترتيبها على أسبابها، واقتضاء كلِّ جنايةٍ لما رُتِّب عليها دون غيرها، وأنه ليس وراء ذلك للعقول اقتراح. ونورد أسوِلةً لم يوردها هذا السائل، وننفصل عنها بحول الله وقوته أحسنَ انفصال. والله المستعان، وعليه التكلان. إن الله جل ثناؤه وتقدَّست أسماؤه لما خلق العباد وخلق الموت والحياة، وجعل ما على الأرض زينةً لها، ليبلوَ عباده [٣٠٤/ب] ويختبرهم أيُّهم أحسَنُ عملًا= لم يكن في حكمته بدٌّ من تهيئة أسباب الابتلاء في أنفسهم وخارجًا عنها، فجعل في أنفسهم العقول (١) والأسماع والأبصار، والإرادات والشهوات، والقوى والطبائع، والحب والبغض، والميل والنفور، والأخلاق المتضادة المقتضية لآثارها اقتضاءَ السبب لمسبِّبه، والتي في الخارج الأسبابُ التي تطلب النفوسُ حصولَها، فتَنافَسُ فيه؛ وتكره حصوله، فتدفعه عنها. ثم أكَّد أسبابَ هذا الابتلاء بأن وكَّل بها قُرَناءَ من الأرواح الشريرة الظالمة الخبيثة، وقُرَناءَ من الأرواح الخيرة العادلة الطيبة. وجعل دواعي القلب وميوله مترددةً بينهما، فهو إلى داعي الخير مرةً،
следующие страницы →