لأن الزوج إنما دخل على حرية أولاده، ولو توهم رقَّهم لم يدخل على ذلك. ولم يضيِّعوا حقَّ السيد، بل حكموا على الواطئ بفداء أولاده، وأعطَوا العدل حقَّه؛ فأوجبوا فداءهم بمثلهم تقريبًا لا بالقيمة. ثم وفوا العدل بأن مكَّنوا المغرور من الرجوع بما غرِمه على من غرَّه؛ لأن غُرمه كان بسبب غروره. والقياس والعدل يقتضي أن من تسبَّب إلى إتلاف مال شخص أو تغريمه أنه يضمن ما غرِمه، كما يضمن ما أتلفه؛ إذ غايته أنه إتلافٌ بسبب، وإتلافُ المتسبِّب (١) كإتلاف المباشر في أصل الضمان.
فإن قيل: وبعد ذلك كلّه، فهذا خلاف القياس أيضًا. فإن الولد كما هو بعض الأم وجزء منها، فهو بعض الأب. وبعضيَّتُه للأب أعظم من بعضيَّته للأم. ولهذا إنما يذكر الله سبحانه في كتابه تخليقه من ماء الرجل كقوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) [٢٧٤/أ] خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٥ - ٧]، وقوله: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧] ونظائرها من الآيات التي إن لم تختص بماء الرجل فهي فيه أظهر. وإذا كان جزءً من الواطئ وجزءً من الأم فكيف كان ملكًا لسيِّد الأم دون سيِّد الأب؟ ويخالف القياس من وجه آخر، وهو أن الماء بمنزلة البَذْر، ولو أن رجلًا أخذ بذرَ غيره، فزرَعه في أرضه، كان الزرع لصاحب البذر، وإن كان عليه أجرة الأرض.
قيل: لا ريب أن الولد منعقد من ماء الأب كما هو منعقد من ماء الأم، ولكن إنما تكوَّن وصار مالًا متقوِّمًا في بطن الأم. فالأجزاء التي صار بها
стр. 982
كذلك من الأم أضعاف أضعاف الجزء الذي من الأب، مع مساواتها له في ذلك الجزء؛ فهو إنما تكوَّن في أحشائها من لحمها ودمها. ولما وضعه الأب لم يكن له قيمة أصلًا، بل كان كما سمَّاه الله ماءً مهينًا لا قيمة له. ولهذا لو نزا فحلُ رجل على رَمَكةِ آخر كان الولد لمالك الأم باتفاق المسلمين. وهذا بخلاف البذر فإنه مال متقوِّم، له قيمة قبل وضعه في الأرض يعاوض عليه بالأثمان، وعَسْبُ الفحل لا يعاوض عليه، فقياس أحدهما على الآخر من أبطل القياس.
فإن قيل: فهلا طردتم ذلك في النسب، وجعلتموه للأم كما جعلتموه للأب!
قيل: قد اتفق المسلمون على أن النسب للأب، كما اتفقوا على أنه يتبع الأم في الحرية والرق. وهذا هو الذي تقتضيه حكمة الله شرعًا وقدرًا، [٢٧٤/ب] فإن الأب هو المولود له، والأم وعاء وإن تكوَّن فيها. والله سبحانه جعل الولد خليفة أبيه، ونسخته (١)، والقائم مقامه، ووضع الأنساب بين عباده. فيقال: فلان بن فلان، ولا تتم مصالحهم وتعارفهم ومعاملاتهم إلا بذلك، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣]. فلولا ثبوت الأنساب من قبل الآباء لما حصل التعارف، ولفسد نظام العباد. فإن النساء محتجبات مستورات عن
стр. 983
العيون، فلا يمكن في الغالب أن تعرف عينُ الأم، ليُشهد (١) على نسب الولد منها. فلو جعلت الأنساب للأمهات لضاعت وفسدت، وكان ذلك مناقضًا للحكمة والرحمة والمصلحة.
ولهذا إنما يدعى الناس يوم القيامة بآبائهم، لا بأمهاتهم. قال البخاري في «صحيحه» (٢): «باب يدعى الناس بآبائهم يوم القيامة». ثم ذكر حديث: «لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان» (٣).
فكان من تمام الحكمة أن جعل الحرية والرق تبعًا للأم، والنسب تبعًا للأب. والقياس الفاسد إنما يجمع بين ما فرَّق الله بينه، أو يفرِّق بين ما جمع الله بينه.
فإن قيل: فهلا طردتم ذلك في الولاء، بل جعلتموه لموالي الأم، والولاءُ لُحمةٌ كلُحمة النسب!
قيل: لما كان الولاء من آثار الرِّقِّ وموجباته كان تابعًا له في حكمه، فكان لموالي الأم. ولما كان فيه شائبة النسب، وهو لُحمةٌ كلُحمته، رجع إلى موالي الأب عند [٢٧٥/أ] انقطاعه عن موالي الأم، فرُوعِيَ فيه الأمران، ورُتِّب عليه الأثران.
стр. 984
فإن قيل: فهلا جعلتم الولد في الدين تابعًا لمن له النسب، بل ألحقتموه بأبيه تارةً وبأمه تارةً!
قيل: الطفل لا يستقلُّ بنفسه، بل لا يكون إلا تابعًا لغيره. فجعله الشارع تابعًا لخير أبويه في الدين تغليبًا لخير الدِّينَين، فإنه إذا لم يكن له بدٌّ من التبعية لم يجُز أن يتبع مَن هو على دين الشيطان، وتنقطع تبعيته عمن هو على دين الرحمن؛ فهذا محال في حكمة الله تعالى وشرعه.
فإن قيل: فاجعلوه تابعًا لسابيه في الإسلام وإن كان معه أبواه أو أحدهما، فإن تبعيته لأبويه قد انقطعت، وصار السابي (١) أحقَّ به.
قيل: نعم، وهكذا نقول سواء. وهو قول إمام أهل الشام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، ونصَّ عليه أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٢). وقد أجمع الناس على أنه يُحكَم بإسلامه تبعًا لسابيه إذا سُبي وحده. قالوا: لأن تبعيته قد انقطعت عن أبويه وصار تابعًا لسابيه.
واختلفوا فيما إذا سُبي مع أحدهما على ثلاثة مذاهب (٣):
أحدها: يُحكَم بإسلامه. نصَّ عليه أحمد في إحدى الروايتين، وهي المشهورة من مذهبه. وهو قول الأوزاعي.
والثاني: لا يحكم بإسلامه، لأنه لم ينفرد عن أبويه.
стр. 985
والثالث: أنه إن سُبي مع الأب تبعه في دينه. وإن سُبي مع الأم وحدها فهو مسلم. وهو قول مالك.
وقول الأوزاعي وفقهاء الثغر (١) أصح وأسلم من [٢٧٥/ب] التناقض، فإن السابي قد صار أحقَّ به، وقد انقطعت تبعيته لأبويه، ولم يبق لهما عليه حكم. فلا فرق بين كونهما في دار الحرب، وبين كونهما أسيرين في أيدي المسلمين. بل انقطاعُ تبعيته لهما في حال أسرهما وقهرهما وإذلالهما واستحقاق قتلهما أولى من انقطاعها حال قوة شوكتهما وخوف معرَّتهما. فما الذي يسوِّغ له الكفر بالله والشرك به وأبواه أسيران في أيدي المسلمين، ومنعَه من ذلك وأبواه في دار الحرب؟ وهل هذا إلا تناقض محض؟
وأيضًا، فيقال لهم: إذا سُبي الأبوان ثم قُتلا، فهل يستمرُّ الطفل على كفره عندكم، أو تحكمون بإسلامه؟ فمن قولكم: أنه يستمر على كفره كما لو ماتا. فيقال: وأيُّ كتاب أو سنة أو قياس صحيح أو معنى معتبر أو فرق مؤثِّر بين أن يُقتلا في حال الحرب أو بعد الأسر والسبي؟ وهل يكون (٢) المعنى الذي حُكم بإسلامه لأجله إذا سُبي وحده زائلًا بسبائهما ثم قتلهما بعد ذلك؟ وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلين؟
وأيضًا فهل تعتبرون وجود الطفل والأبوين في ملك سابٍ واحدٍ، أو يكون معهما في جملة العسكر؟ فإن اعتبرتم الأول طولبتم بالدليل على ذلك. وإن اعتبرتم الثاني، فمن المعلوم انقطاعُ تبعيته لهما واستيلائهما عليه، واختصاصُه بسابيه، ووجودُهما بحيث لا يُمَكَّنان منه ومن تربيته وحضانته.
стр. 986
واختصاصُهما به لا أثر له، وهو كوجودهما في دار الحرب سواء.
وأيضًا فإن الطفل [٢٧٦/أ] لما لم يستقِلَّ بنفسه لم يكن (١) بدٌّ من جعلِه تابعًا لغيره. وقد دار الأمر بين أن يُجعل تابعًا لمالكه وسابيه ومن هو أحقُّ الناس به، وبين أن يُجعل تابعًا لأبويه ولا حقَّ لهما فيه بوجه. ولا ريب أن الأول أولى.
وأيضًا فإن ولاية الأبوين قد زالت بالكلية، وقد انقطع الميراث وولاية النكاح وسائر الولايات، فما بال ولاية الدين الباطل باقية وحدها؟ وقد نصَّ الإمام أحمد (٢) على منع أهل الذمة أن يشتروا رقيقًا من سبي المسلمين. وكتب بذلك عمر بن الخطاب إلى الأمصار (٣)، واشتهر ولم ينكره منكر فهو إجماع من الصحابة، وإن نازع فيه بعض الأئمة. وما ذاك إلا أن في تمليكه للكافر ونقله عن يد المسلم قطعًا (٤) لما كان بصدده من مشاهدة معالم الإسلام وسماعه للقرآن (٥). فربما دعاه ذلك إلى اختياره، فلو كان تابعًا لأبويه على دينهما لم يُمْنَعا من شِراه (٦)، وبالله التوفيق.
стр. 987
فإن قيل: فيلزمكم على هذا أنه لو مات الأبوان أن تحكموا بإسلام الطفل لانقطاع تبعيته للأبوين، ولا سيما وهو مسلم بأصل الفطرة، وقد زال معارض الإسلام، وهو تهويد الأبوين وتنصيرهما.
قيل: قد نصَّ على ذلك الإمام أحمد في رواية جماعة من أصحابه (١)، واحتج بقوله ﷺ : «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه». فإذا لم يكن له [٢٧٦/ب] أبوان، فهو على أصل الفطرة، فيكون مسلمًا.
فإن قيل: فهل تطردون هذا فيما لو انقطع نسبه عن الأب مثل كونه ولد زنًا أو منتفيًا (٢) بلعان؟
قيل: نعم، لوجود المقتضي لإسلامه بالفطرة، وعدم المانع وهو وجود الأبوين. ولكن الراجح في الدليل قول الجمهور، وأنه لا يُحكَم بإسلامه بذلك. وهو الرواية الثانية عنه، اختارها شيخ الإسلام (٣).
وعلى هذا، فالفرق بين هذه المسألة ومسألة المسبيِّ أن المسبي قد انقطعت تبعيته لمن هو على دينه، وصار تابعًا لسابيه المسلم؛ بخلاف من مات أبواه أو أحدهما، فإنه تابع لأقاربه أو وصي أبيه. فإن انقطعت تبعيته لأبويه، فلم تنقطع لمن يقوم مقامها من أقاربه وأوصيائه (٤). والنبيُّ ﷺ أخبر
стр. 988
عن تهويد الأبوين وتنصيرهما بناءً على الغالب، وهذا لا مفهوم له لوجهين: أحدهما أنه مفهوم لقب. الثاني (١): أنه خرج مخرج الغالب.
ومما يدل على ذلك: العمل المستمرّ من عهد الصحابة وإلى اليوم بموت أهل الذمة وتركهم الأطفال. ولم يتعرَّض أحد من الأئمة ولا ولاة الأمور لأطفالهم، ولم يقولوا: هؤلاء مسلمون. ومثل هذا لا يُهمله الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين (٢).
فإن قيل: فهل تطردون هذا الأصل في جعله تبعًا للمالك، فتقولون: إذا اشترى المسلم طفلًا كافرًا يكون مسلمًا تبعًا له، أو تتناقضون فتفرِّقون بينه وبين السابي؟ وصورة المسألة فيما إذا زوَّج الذميُّ [٢٧٧/أ] عبدَه الكافر من أمته فجاءت بولد، أو تزوج الحرُّ منهم بأمة، فأولدها= ثم باع السيِّد هذا الولد لمسلم.
قيل: نعم نطرده، ونحكم بإسلامه. قاله شيخنا قدَّس الله روحه. ولكن جادة المذهب أنه باقٍ على كفره كما لو سُبِيَ مع أبويه وأولى. والصحيح قول شيخنا، لأن تبعيته للأبوين قد زالت، وانقطعت الموالاة والميراث والحضانة بين الطفل والأبوين، وصار المالك أحقَّ به، وهو تابع له، فلا يُفرَد عنه بحكم، فكيف يُفرَد عنه في دينه؟ وهذا طردُ الحكم بإسلامه في مسألة السباء. وبالله التوفيق.
стр. 989
فصل
فهذه نبذة يسيرة تُطلعك على ما وراءها، من أنه ليس في الشريعة شيء يخالف القياس، ولا في المنقول عن الصحابة الذي لا يعلم لهم فيه مخالف، وأن القياس الصحيح دائر مع أوامرها ونواهيها وجودًا وعدمًا؛ كما أن المعقول الصحيح دائر مع أخبارها وجودًا وعدمًا، فلم يخبر الله ولا رسوله بما يناقض صريح العقل، ولم يشرع ما يناقض الميزان والعدل.
ولنفاة الحكم والتعليل والقياس هاهنا سؤال مشهور، وهو أن الشريعة قد فرَّقت بين المتماثلين، وجمعت بين المختلفين؛ فإن الشارع (١):
فرض الغسل من المني وأبطل الصوم بإنزاله عمدًا وهو طاهر، دون البول والمذي وهو نجس.
وأوجب غسلَ الثوب من بول الصبية، والنضحَ من بول الصبي، مع تساويهما.
ونقَص الشطرَ من صلاة المسافر الرُّباعية، وأبقى الثلاثية [٢٧٧/ب] والثنائية على حالهما.
وأوجب الصوم (٢) على الحائض دون الصلاة، مع أن الصلاة أولى بالمحافظة عليها.
стр. 990
وحرَّم النظر إلى العجوز الشوهاء القبيحة المنظر إذا كانت حرةً، وجوَّزه إلى الأمة الشابة البارعة الجمال.
وقطع سارق ثلاثة دراهم، دون مختلس ألف دينار أو منتهبها أو غاصبها؛ ثم جعل ديتها خمسمائة دينار، فقطعها في ربع دينار، وجعل ديتها هذا القدر الكبير.
وأوجب حدَّ الفرية على من قذف غيره بالزنا، دون من قذفه بالكفر وهو شرٌّ منه.
واكتفى في القتل بشاهدين دون الزنا، والقتلُ أكبر من الزنا.
وجلَد قاذف الحُرّ الفاسق، دون العبد العفيف الصالح.
وفرَّق في العدَّة بين الموت والطلاق مع استواء حال الرحم فيهما.
وجعل عدّة الحرة ثلاث حِيَض، واستبراء الأمة بحيضة، والمقصود العلم ببراءة الرحم.
وحرَّم المطلَّقة ثلاثًا على الزوج المطلِّق، ثم أباحها له إذا تزوجت بغيره، وحالُها في الموضعين واحدة.
وأوجب غسل غير الموضع الذي خرجت منه الريح، ولم يوجب غسله.
ولم يعتبر توبة القاتل وندمه قبل القدرة عليه، واعتبر توبة المحارب قبل القدرة عليه.
وقبل شهادة العبد والمملوك عليه بأنه ﷺ قال كذا وكذا، ولم يقبل شهادته على آحاد الناس أنه قال كذا وكذا.
стр. 991
وأوجب الصدقة في السوائم، وأسقطها عن العوامل.
وجعل الحرة القبيحة الشوهاء تُحَصِّن [٢٧٨/أ] الرجلَ، والأمة البارعة الجمال لا تُحَصِّن.
ونقَض الوضوءَ بمسِّ الذكر، دون مسِّ سائر الأعضاء، ودون مسِّ العذِرة والدم.
وأوجب الحدَّ في القطرة الواحدة من الخمر، ولم يوجبه بالأرطال الكثيرة من الدم والبول.
وقصر عدد المنكوحات على أربع، وأطلق ملك اليمين من غير حَصْر.
وأباح للرجل أن يتزوج أربعًا، ولم يبح للمرأة إلا رجلًا واحدًا، مع وجود الشهوة وقوة الداعي من الجانبين.
وجوَّز للرجل أن يستمتع من أمته بالوطء وغيره، ولم يجوِّز للمرأة أن تستمتع من عبدها لا بوطء ولا غيره.
وفرَّق بين الطلقة الثالثة والثانية في تحريمها على المطلِّق بالثالثة دون الثانية.
وفرَّق بين لحم الإبل ولحم الغنم والبقر والجواميس وغيرها، فأوجب الوضوء من لحم الإبل وحده.
وفرَّق بين الكلب الأسود والأبيض في قطع الصلاة بمرور الأسود وحده.
وفرَّق بين الريح الخارجة من الدبر، فأوجب بها الوضوء؛ وبين الجشوة الخارجة من الحلق، فلم يوجب بها الوضوء.
стр. 992
وأوجب الزكاة في خمس من الإبل، وأسقطها عن عدَّة آلاف من الخيل.
وأوجب في الذهب والفضة والتجارة ربع العُشْر، وفي الزروع والثمار العُشْرَ أو نصفه، وفي المعدن الخُمْس.
وأوجب في أول نصاب من الإبل من غير جنسها، وفي أول نصاب من البقر والغنم من [٢٧٨/ب] جنسه.
وقطع يدَ السارق لكونها آلة المعصية، فأذهب العضو الذي تعدَّى به على الناس، ولم يقطع اللسان الذي يقذف به المحصنات الغافلات، ولا الفرج الذي يرتكب به المحارم (١).
وأوجب على الرقيق نصفَ حدِّ الحُرِّ، مع أن حاجته إلى الزجر عن المحارم كحاجة الحُرِّ.
وجعل للقاذف إسقاط الحَدِّ باللعان في الزوجة دون الأجنبيه، وكلاهما قد ألحق به (٢) العار.
وجوَّز للمسافر المترفِّه في سفره رخصةَ القصر والفطر، دون المقيم المجهود الذي هو في غاية المشقة في سببه (٣).
стр. 993
وأوجب على كلِّ من نذر لله طاعةً الوفاءَ بها، وجوَّز لمن حلف على فعلها أن يتركها ويكفِّر يمينه؛ وكلاهما قد التزم فعلَها لله.
وحرَّم الذئب والقرد وما له ناب من السباع، وأباح الضبع (١) ولها ناب تكسِر به.
وجعل شهادة خزيمة بن ثابت وحده بشهادتين، وغيرُه من الصحابة أفضل منه، وشهادته بشهادةٍ (٢).
ورخَّص لأبي بُردَة بن نِيَار في التضحية بالعَناق، وقال: «لن تجزئ عن أحد بعدك» (٣).
وفرَّق بين صلاة الليل والنهار في السرِّ والجهر، ثم شرع الجهرَ في بعض صلاة النهار كالجمعة والعيدين.
وورَّث ابنَ ابنِ العَمِّ وإن بعدت درجته، دون الخالة التي هي شقيقة الأم.
وحرَّم أخذ مال الغير إلا بطيب نفسه، وسلَّطه على أخذ عقاره وأرضه بالشفعة. ثم شرع الشفعة فيما يمكن التخلص من ضرر [٢٧٩/أ] الشركة بقسمته، دون ما لا يمكن قسمته كالجوهرة والحيوان، وهو أولى بالشفعة.
стр. 994
وحرَّم صومَ أولِ يومٍ من شوال، وفرض صومَ آخرِ يومٍ من رمضان، مع تساوي اليومين.
وحرَّم على الإنسان نكاح بنت أخته وأخيه (١)، وأباح له نكاح بنت أخي أبيه وأخت أمه.
وحمل العاقلة ضمان جناية الخطأ على النفوس، دون الجناية على الأموال.
وحرَّم وطء الحائض لأذى الدم، وأباح وطء المستحاضة مع وجود الأذى.
ومنع بيعَ مُدِّ حنطةٍ بمُدٍّ وحُفنة، وجوَّز بيعَ مدِّ حنطة بصاع فأكثر من الشعير. فحرَّم ربا الفضل في الجنس الواحد، دون الجنسين.
ومنع المرأة من الإحداد على أبيها وابنها فوق ثلاثة أيام، وأوجب عليها أن تُحِدَّ على الزوج وهو أجنبي أربعة أشهر وعشرًا.
وسوَّى بين الرجل والمرأة في العبادات البدنية والمالية كالوضوء والغسل والصلاة والصوم والزكاة والحج وفي العقوبات كالحدود، ثم جعلها على النصف من الرجل في الدية والشهادة والميراث والعقيقة.
وخصَّ بعض الأزمنة على بعض (٢) وبعض الأمكنة على بعض بخصائص مع تساويها. فجعل ليلة القدر خيرًا من ألف شهر، وجعل
стр. 995
شهر رمضان سيد الشهور، ويوم الجمعة سيد الأيام، ويوم عرفة ويوم النحر وأيام منى أفضل الأيام، وجعل مكان البيت أفضل بقاع الأرض.
قالوا: وإذا كانت الشريعة قد [٢٧٩/ب] جاءت بالتفريق بين المتماثلاث والجمع بين المختلفات، كما جمعت بين الخطأ والعمد في ضمان الأموال وفي قتل الصيد، وجمعت بين العاقل والمجنون والطفل والبالغ في وجوب الزكاة، وجمعت بين الهرة والفأرة في طهارة كلٍّ منهما، وجمعت بين الميتة وذبيحة المجوسي في التحريم، وبين ما مات من الصيد أو ذبحه المحرم في ذلك، وبين الماء والتراب في التطهير= بطل القياس، فإن مبناه على هذين الحرفين، وهما أصل قياس الطرد وقياس العكس.
والجواب أن يقال: الآن حمي الوطيس، وحميت أنوف أنصار الله ورسوله لنصر دينه وما بعث به رسوله. وآن لحزب الحق أن لا تأخذه (١) في الله لومة لائم، وأن لا يتحيَّزوا إلى فئة معينة، وأن ينصروا الله ورسوله بكلِّ قولٍ حقٍّ قاله من قاله، ولا يكونوا من الذين يقبلون ما قاله طائفتهم وفريقهم كائنًا من كان، ويردُّون ما قاله منازعوهم وغير طائفتهم كائنًا ما كان. فهذه طريقة أهل العصبية وحمية الجاهلية (٢). ولَعمرُ الله إن صاحب هذه الطريقة لَمضمونٌ له الذمُّ، وغير ممدوح إن أصاب. وهذه (٣) حالٌ لا يرضى بها مَن نصح نفسَه وهُديَ لرشده، والله الموفق.
стр. 996
وجواب هذا السؤال من طريقين: مجمل ومفصل:
أما المجمل فهو أن ما ذكرتم من الصور وأضعافها وأضعاف أضعافها فهو من أبيَن الأدلة [٢٨٠/أ] على عظم هذه الشريعة وجلالتها، ومجيئها على وفق العقول السليمة والفِطَر المستقيمة، حيث فرَّقت بين أحكام هذه الصور المذكورة، لافتراقها في الصفات التي اقتضت افتراقَها في الأحكام. ولو ساوت بينها في الأحكام لتوجَّه السؤالُ، وصعُبَ الانفصال، وقال القائل: قد ساوت بين المختلفات، وقرنت (١) الشيء إلى غير شِبهه في الحكم. وما امتازت صورة من تلك الصور بحكمها دون الصورة الأخرى إلا لمعنًى قام بها أوجَبَ اختصاصَها بذلك الحكم، ولا اشتركت صورتان في حكمٍ إلّا لاشتراكهما في المعنى المقتضى لذلك الحكم. ولا يضرُّ افتراقُهما في غيره كما لا ينفع اشتراكُ المختلفين في معنًى لا يوجب الحكم. فالاعتبار في الجمع والفرق إنما هو بالمعاني التي لأجلها شُرِعت تلك الأحكام وجودًا وعدمًا.
وقد اختلفت أجوبة الأصوليين عن هذا السؤال بحسب أفهامهم ومعرفتهم بأسرار الشريعة. فأجاب ابن الخطيب عنه بأن قال (٢): «غالبُ أحكام الشرع (٣) معلَّلة برعاية المصالح المعلومة، والخصمُ إنما بيَّن خلاف ذلك في صور قليلة جدًّا. وورود الصورة النادرة على خلاف الغالب لا يقدح في حصول الظن، كما أن الغيم الرطب إذا لم يمطر نادرًا لا يقدح في
стр. 997
نزول المطر منه».
وهذا الجواب لا يُسْمِن ولا يغني من جوع، وهو جواب أبي الحسين البصري بعينه (١).
وأجاب عنه [٢٨٠/ب] أبو الحسن الآمدي (٢) بأن التفريق بين الصور المذكورة في الأحكام «إما لعدم صلاحية ما وقع جامعًا، أو لمعارضٍ له في الأصل أو الفرع. وأما الجمع بين المختلفات فإنما كان لاشتراكهما في معنى جامع صالح للتعليل، أو لاختصاص كلِّ صورة بعلَّة صالحة للتعليل، فإنه لا مانع عند اختلاف الصور ــ وإن اتحد نوعُ الحكم ــ أن يعلَّل بعلل مختلفة».
وأجاب عنه أبو بكر الرازي الحنفي بأن قال (٣): «لا معنى لهذا السؤال، فإنا لم نقل بوجوب القياس من حيث اشتبهت المسائل في صورها وأعيانها وأسمائها، ولا أوجبنا المخالفة بينها من حيث اختلفت في الصور والأعيان والأسماء. وإنما يجب القياس بالمعاني التي جُعِلت أماراتٍ للحكم، وبالأسباب (٤) الموجبة له؛ فنعتبرها في مواضعها، ثم لا نبالي باختلافها ولا اتفاقها من وجوه أُخَر غيرها. مثال ذلك: أن النبي ﷺ لما حرَّم التفاضل في البرّ بالبرّ من جهة الكيل، وفي الذهب بالذهب من جهة الوزن، استدللنا به على أن الزيادة المحظورة معتبرة من جهة الكيل والوزن مع الجنس، فحيث
стр. 998
وُجِدا أوجبنا تحريم التفاضل، وإن اختلف المبيعان (١) من وجوه أُخَر، كالجِصِّ (٢) وهو مكيل فحكمُه حكمُ البُرّ من حيث كونه مكيلًا، وإن خالفه من وجوه أخر؛ وكالرصاص وهو موزون، فحكمُه حكمُ (٣) الذهب في تحريم التفاضل وإن خالفه في أوصاف [٢٨١/أ] أُخَر. فمتى عُقِل المعنى الذي به تعلَّق الحكمُ، وجُعِل علامةً له، وجب اعتباره حيث وُجِد؛ كما رجم ماعزًا لزناه، وحكَم بإلقاء الفأرة وما حولها لما ماتت في السمن، فعقَلنا عمومَ المعنى لكلِّ زانٍ، وعمومَ المعنى لكلِّ مائع جاور النجاسة؛ إلا أن المعنى تارةً يكون جليًّا ظاهرًا، وتارةً يكون خفيًّا غامضًا، فيستدل عليه بالدلائل التي نصبها الله عليه».
وأجاب عنه القاضي أبو يعلى بأن قال (٤): «العقل إنما يمنع أن يُجمَع بين الشيئين المختلفين من حيث اختلفا في الصفات النفسية كالسواد والبياض، وأن يفرَّق بين المثلين (٥) فيما تماثلا (٦) فيه من صفات النفس كالسوادين والبياضين وما يجري مجرى ذلك. وأما ما عدا ذلك، فإنه لا يمتنع أن يُجمَع بين المختلفين في الحكم الواحد. ألا ترى أن السواد
стр. 999
والبياض قد اجتمعا في منافاة الحمرة وما يجري مجراها من الألوان، وأن (١) القعود في الموضع الواحد قد يكون حسنًا إذا كان فيه نفع لا ضرر فيه، وقد يكون قبيحًا إذا كان فيه ضرر من غير نفع يوفي عليه، وإن كان القعود (٢) في ذلك الموضع متيقَّنًا (٣). وقد يكون القعود في مكانين مجتمعين في الحسن بأن يكون في كلٍّ منهما نفع لا ضرر فيه، وإن كانا مختلفين؛ على أن ذلك يؤكِّد صحة القياس وذلك أن المثلين في العقليات إنما وجب تساوي حكمهما، لأن كلَّ واحد منهما قد ساوى الآخرَ فيما لأجله قد وجب [٢٨١/ب] له الحكم؛ إما لذاته كالسوادين، أو لعلَّةٍ أوجبت ذلك كالأسودين. وهكذا القول في المختلفين. وعلى هذه الطريقة بعينها يجري القياس، لأنا إنما نحكم للفرع بحكم الأصل إذا شاركه في علة الحكم، كما أن الله تعالى إنما نصَّ على حكم واحد في الشيئين إذا اشتركا فيما أوجب الحكم فيهما. فقد بان بذلك صحة ما ذكرناه».
وأجاب عنه القاضي عبد الوهاب المالكي بأن قال: «دعواكم بأن هذه الصور التي اختلفت أحكامها متماثلةٌ في نفسها دعوى! والأمثلة لا تشهد لها. ألا ترى أنه لا يمتنع أن يتفق الصوم والصلاة في امتناع أدائها من الحائض، ويفترقان في وجوب القضاء؛ والتماثل في العقليات لا يوجب التساوي في الأحكام الشرعيات. وأيضًا فهذا يوجب منع القياس في العقليات. وأيضًا فإن القياس جائز على العلة المنصوص عليها مع وجود
стр. 1000
المعنى الذي ذكره».
فهذه أجوبة النظار. ونحن بعون الله وتوفيقه نفرد كلَّ مسألة منها بجواب مفصل، وهو المسلك الثاني الذي وعدنا به.
أما المسألة الأولى وهي إيجاب الشارع الغسلَ من المني دون البول؛ فهذا من أعظم محاسن الشريعة وما اشتملت عليه من الرحمة والحكمة والمصلحة؛ فإن المني يخرج من جميع البدن، ولهذا سمَّاه الله سبحانه: ﴿سُلَالَةٍ﴾، لأنه يُسَلُّ (١) من جميع البدن. وأما البول [٢٨٢/أ] فإنما هو فضلة الطعام والشراب المستحيلة في المعدة والمثانة، فتأثُّرُ البدن بخروج المني أعظم من تأثره بخروج البول.
وأيضًا فإن الاغتسال من خروج المني من أنفع شيء للبدن والقلب والروح. بل جميع الأرواح القائمة بالبدن، فإنها تقوى بالاغتسال. والغسل يُخْلِف عليه ما تحلَّل منه بخروج المني، وهذا أمر يُعلَم (٢) بالحس. وأيضًا فإن الجنابة توجب ثقلًا وكسلًا، والغسلُ يُحدِث له نشاطًا وخفّةً. ولهذا قال أبو ذر لما اغتسل من الجنابة: كأنما ألقيتُ عنِّي جبلًا (٣).
وبالجملة فهذا أمر يدركه كلُّ ذي حسٍّ سليم وفطرة صحيحة، ويعلم أن الاغتسال من الجنابة يجري مجرى المصالح التي تلحق بالضروريات للبدن والقلب، مع ما تُحدثه الجنابة من بُعدِ القلب والروح عن الأرواح
стр. 1001
الطيبة، فإذا اغتسل زال ذلك البعد. ولهذا قال غير واحد من الصحابة: إن العبد إذا نام عرجت روحه. فإن كان طاهرًا أُذِن لها بالسجود، وإن كان جنبًا لم يؤذن لها (١)، ولهذا أمر النبي ﷺ الجنب إذا نام أن يتوضأ (٢).
وقد صرَّح أفاضل الأطباء بأن الاغتسال بعد الجماع يعيد إلى البدن قوته، ويُخلف عليه ما تحلَّل منه، وأنه من أنفع شيء للبدن والروح، وتركُه مُضِرّ. ويكفي شهادة العقل والفطرة بحسنه، وبالله التوفيق. على أن الشارع لو شرع الاغتسال من البول لكان في ذلك أعظمُ حرج ومشقة [٢٨٢/ب] على الأمة، تمنعه حكمةُ الله ورحمتُه وإحسانُه إلى خلقه.
فصل
وأما غسلُ الثوب من بول الصبية، ونضحُه من بول الصبي، إذا لم يطعما؛ فهذا للفقهاء فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهما يُغسلان جميعًا.
والثاني: يُنْضَحان.
والثالث: التفرقة. وهو الذي جاءت به السنة (٣). وهذا من محاسن الشريعة وتمام حكمتها ومصلحتها.
стр. 1002
والفرق بين الصبي والصبية من ثلاثة أوجه:
أحدها: كثرة حمل الرجال والنساء للذكر، فتعُمُّ البلوى ببوله، فيشُقُّ غسلُه.
الثاني (١): أن بوله لا ينزل في مكان واحد، بل ينزل متفرِّقًا هاهنا وهاهنا، فيشقُّ غسلُ ما أصابه كله، بخلاف بول الأنثى.
الثالث: أن بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر. وسببه حرارة الذكر ورطوبة الأنثى، فالحرارة تخفِّف من نتن البول، وتُذيب منها ما لا يحصل مع الرطوبة. وهذه معانٍ مؤثرة يحسن اعتبارها في الفرق.
فصل
وأما نقصُه الشطرَ من صلاة المسافر الرُّباعية دون الثلاثية والثنائية، ففي غاية المناسبة؛ فإن الرباعية تحتمل الحذف لطولها، بخلاف الثنائية، فلو حذف شطرَها لأجحَفَ بها، ولزالت حكمة الوتر الذي شُرِع خاتمةَ العمل. وأما الثلاثية فلا يمكن شطرُها (٢). وحذفُ ثلثيها مخِلٌّ بها، وحذفُ ثلثها يُخرجها عن حكمة شرعها وترًا، فإنها شُرعت ثلاثًا لتكون وتر النهار، كما قال النبي ﷺ : «المغرب وتر النهار، فأوتِروا صلاةَ الليل» (٣).
стр. 1003
[٢٨٣/أ] فصل
وأما إيجاب الصوم على الحائض دون الصلاة، فمن تمام محاسن الشريعة وحكمتها ورعايتها لمصالح المكلَّفين. فإن الحيض لما كان منافيًا للعبادة لم يُشرَع فيه فعلُها، وكان في صلاتها أيام الطهر ما يغنيها عن صلاة أيام الحيض؛ فيحصل لها مصلحة الصلاة في زمن الطهر، لتكرُّرها كلَّ يوم؛ بخلاف الصوم، فإنه لا يتكرر، وهو شهر واحد في العام، فلو سقط عنها فعلُه بالحيض لم يكن لها سبيل إلى تدارك نظيره، وفاتت عليها مصلحته. فوجب (١) عليها أن تصوم شهرًا في طهرها، لتحصل مصلحة الصوم التي هي من تمام رحمة الله بعبده وإحسانه إليه بشرعه. وبالله التوفيق.
فصل
وأما تحريم النظر إلى العجوز الحرَّة الشوهاء القبيحة، وإباحته إلى الأمة البارعة الجمال؛ فكذِبٌ على الشارع. فأين حرَّم الله هذا، وأباح هذا؟ والله سبحانه إنما قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] ولم يطلق الله ورسوله للأعين النظرَ إلى الإماء البارعات الجمال، وإذا خشي الفتنة بالنظر إلى الأمة حُرِّم عليه بلا ريب.
وإنما نشأت الشبهة أن الشارع شرع للحرائر أن يسترن وجوههن عن الأجانب، وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك، لكن هذا في إماء الاستخدام
стр. 1004
والابتذال. وأما إماءُ التسرِّي اللاتي جرت العادة بصَونهن وحجبهن، فأين أباح الله ورسوله لهن أن يكشفن وجوههن في [٢٨٣/ب] الأسواق والطرقات ومجامع الناس، وأذِنَ للرجال بالتمتُّع (١) بالنظر إليهن؟ فهذا غلط محض على الشريعة. وأكَّد هذا الغلطَ أن بعض الفقهاء سمع قولهم: إن الحرة كلَّها عورة إلا وجهها وكفيها، وعورة الأمة ما لا يظهر غالبًا كالبطن والظهر والساق؛ فظنَّ أن ما يظهر غالبًا حكمُه حكمُ وجه الرجل. وهذا إنما هو في الصلاة، لا في النظر؛ فإن العورة عورتان: عورة في الصلاة، وعورة في النظر (٢)، فالحرَّةُ لها أن تصلِّي مكشوفةَ الوجه والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس (٣) كذلك. والله أعلم.
فصل
وأما قطعُ يد السارق في ثلاثة دراهم، وتركُ قطع المختلس والمنتهب والغاصب؛ فمن تمام حكمة الشارع أيضًا. فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه، فإنه ينقُب الدورَ، ويهتِك الحِرزَ، ويكسر القفل؛ ولا يمكن صاحبَ المتاع الاحترازُ بأكثر من ذلك. فلو لم يُشَرع قطعُه لسرَق الناس بعضُهم بعضًا، وعظم الضرر، واشتدَّت المحنة بالسُرَّاق؛ بخلاف المنتهب والمختلس، فإن المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرةً بمرأًى من الناس، فيمكنهم أن يأخذوا على يديه، ويخلِّصوا حقَّ المظلوم، أو يشهدوا له عند الحاكم. وأما المختلِس فإنه إنما يأخذ المال على حين غفلةٍ من مالكه
стр. 1005
وغيره، فلا يخلو من نوع تفريط تمكَّن به المختلسُ من اختلاسه، وإلا فمع كمال التحفظ والتيقظ لا يمكنه الاختلاس. فليس كالسارق، بل هو بالخائن [٢٨٤/أ] أشبه.
وأيضًا فالمختلس إنما يأخذ المال من غير حِرز مثلِه غالبًا، فإنه الذي يغافلك ويختلس متاعك في حال تخلِّيك عنه وغفلتك عن حفظه. وهذا يمكن الاحتراز منه غالبًا، فهو كالمنتهب.
وأما الغاصب، فالأمر فيه ظاهر. وهو أولى بعدم القطع من المنتهب، ولكن يسوغ كفُّ عدوان هؤلاء بالضرب والنَّكال، والسجن الطويل، والعقوبة بأخذ المال، كما سيأتي.
فإن قيل: فقد وردت السنة بقطع جاحد العاريَّة، وغايته أنه خائن. والمعيرُ سلَّطَه على قبض ماله. والاحتراز منه ممكن بأن لا يدفع إليه المال، فبطَلَ ما ذكرتم من الفرق.
قيل: لعمرُ الله لقد صحَّ الحديث بأن امرأةً كانت تستعير المتاع وتجحده، فأمر بها النبيُّ ﷺ ، فقُطِعت يدها (١). فاختلف الفقهاء في سبب القطع: هل كان سرقتها؟ وعرَّفها الراوي بصفتها، لا أنَّ (٢) المذكور سبب القطع كما يقوله الشافعي وأبو حنيفة ومالك، أو كان السبب المذكور هو سبب القطع كما يقوله أحمد ومَن وافقه؟ ونحن في هذا المقام لا ننتصر لمذهب معين البتة، فإن كان الصحيح قول الجمهور اندفع السؤال. وإن كان
стр. 1006
الصحيح هو القول الآخر، فموافقته للقياس والحكمة والمصلحة ظاهرٌ جدًّا، فإن العاريَّة من مصالح بني آدم التي لا بد لهم منها، ولا غنى لهم عنها. وهي واجبة عند حاجة المستعير وضرورته إليها إما بأجرة أو مجانًا. ولا يمكن المعيرَ كلَّ وقت أن [٢٨٤/ب] يُشْهِد على العارية، ولا يمكن الاحتراز بمنع العارية شرعًا وعادةً وعرفًا. ولا فرق في المعنى بين من توصَّل إلى أخذ متاع غيره بالسرقة، وبين من توصَّل إليه بالعارية وجحدها. وهذا بخلاف جاحد الوديعة، فإن صاحب المتاع فرَّط حيث ائتمنه.
فصل
وأما قطعُ اليد في ربع دينار، وجعلُ ديتها خمسمائة دينار؛ فمن أعظم المصالح والحكمة، فإنه احتاط (١) في الموضعين للأموال والأطراف. فقطَعَها في ربع دينار حفظًا للأموال، وجعَلَ ديتها خمسمائة دينار حفظًا لها وصيانةً. وقد أورد بعضُ الزنادقة هذا السؤال، وضمَّنه بيتين، فقال (٢):
يدٌ بخمس مِئٍ من عسجدٍ وُدِيت ... ما بالُها قُطِعت في ربع دينار (٣)
تناقضٌ ما لنا إلا السكوت له ... ونستجير بمولانا من العار (٤)
فأجابه بعض الفقهاء بأنها كانت ثمينة لما كانت أمينة، فلما خانت
стр. 1007
هانت (١). وضمَّنه الناظم (٢) قوله:
يدٌ بخمس مِئٍ من عسجد وُديت ... لكنها قُطعت في ربع دينار
حمايةُ الدم أغلاها، وأرخصها ... صيانةُ المال فانظر حكمة الباري (٣)
فصل
وأما تخصيص القطع بهذا القدر، فلأنه لا بد من مقدار يُجعَل ضابطًا لوجوب القطع؛ إذ لا يمكن أن يقال: يقطع بسرقة فَلْسٍ أو حبَّةِ حنطة أو تمرة، ولا تأتي شريعة (٤) بهذا، وتُنزَّه حكمة الله ورحمته وإحسانه عن ذلك.
стр. 1008
فلا بدَّ من ضابط، وكانت الثلاثةُ دراهمَ أول مراتب الجمع، [٢٨٥/أ] وهي مقدار ربع دينار. وقال إبراهيم النخعي أو غيره (١) من التابعين (٢): «كانوا لا يقطعون في الشيء التافه»؛ فإن عادة الناس التسامحُ في الشيء الحقير من أموالهم، إذ لا يلحقهم ضررٌ بفقده. وفي التقدير بثلاثة دراهم حكمة ظاهرة، فإنها كفاية المقتصد في يومه له ولمن يمُونه غالبًا. وقوت اليوم للرجل وأهله له خطرٌ عند غالب الناس. وفي الأثر المعروف: «من أصبح آمنًا في سِرْبه، معافًى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافيرها» (٣).
فصل
وأما إيجاب حد الفرية على من قذف غيره بالزنا دون الكفر، ففي غاية
стр. 1009
المناسبة؛ فإن القاذف غيره بالزنا لا سبيل للناس إلى العلم بكذبه، فجُعِل حدُّ الفرية تكذيبًا له، وتبرئةً لعرض المقذوف، وتعظيمًا لشأن هذه الفاحشة التي يُجلَد من رمى بها مسلمًا. وأما من رمى غيره بالكفر، فإنَّ شاهدَ حال المسلم واطلاع المسلمين عليها كافٍ في تكذيبه، ولا يلحقه من العار بكذبه (١) عليه في ذلك ما يلحقه بكذبه عليه في الرمي بالفاحشة؛ ولا سيما إن كان المقذوف امرأة، فإنَّ العار والمعرَّة التي تلحقها بقذفِه بين أهلها، وتشعُّبِ ظنون الناس وكونِهم بين مصدِّق ومكذِّب= لا يلحق مثله بالرمي بالكفر.
فصل
وأما اكتفاؤه في القتل بشاهدين دون الزنا، ففي غاية الحكمة والمصلحة؛ فإن الشارع احتاط للقصاص [٢٨٥/ب] والدماء، واحتاط لحدِّ الزنا. فلو لم يقبل في القتل إلا أربعةً لضاعت الدماء، وتواثب العادون، وتجرؤوا على القتل. وأما الزنا فإنه بالغَ في سَتْره كما قدَّر الله سترَه، فاجتمع على ستره شرعُ الله وقدرُه، فلم يقبل فيه إلا أربعة يصفون الفعل وصف مشاهدة ينتفي معها الاحتمال. وكذلك في الإقرار، لم يكتف بأقلَّ من أربع مرات حرصًا على ستر ما قدَّر الله سترَه، وكرِه إظهارَه، والتكلُّمَ به، وتواعَدَ (٢) مَن يُحِبُّ إشاعته في المؤمنين بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة.
стр. 1010
فصل
وأما حدُّ (١) قاذف الحر دون العبد، فتفريقٌ لشرعه بين ما فرَّق الله بينهما بقدره. فما جعل الله سبحانه العبد كالحرِّ من كلِّ وجه لا قدرًا ولا شرعًا. وقد ضرب الله سبحانه لعباده الأمثال التي أخبر فيها بالتفاوت بين الحر والعبد، وأنهم لا يرضون أن تساويهم عبيدهم في أرزاقهم. فالله فضَّل بعضَ خلقه على بعض، وفضَّلَ الأحرار على العبيد في الملك وأسبابه والقدرة على التصرف، وجعل العبد مملوكًا والحُرَّ مالكًا، ولا يستوي المالك والمملوك.
وأما التسوية بينهما في أحكام الثواب والعقاب، فذلك موجب العدل والإحسان؛ فإنه يومَ الجزاء لا يبقى هناك عبد وحرّ، ولا مالك ومملوك.
فصل
وأما تفريقه في العدَّة بين الموت والطلاق، وعدَّة الحرة وعدَّة الأمة، [٢٨٦/أ] وبين الاستبراء والعدّة، مع أن المقصود: العلمُ ببراءة الرحم في ذلك كلِّه. فهذا إنما يتبيَّن وجهُه إذا عُرفت الحكمة التي لأجلها شُرعت العدَّة، وعُرِف أجناسُ العِدَد وأنواعُها.
فأما المقام الأول، ففي شرع العِدَّة عدَّة حِكَم:
منها: العلم ببراءة الرحم، وأن لا يجتمع ماء الواطئين فأكثر في رحم واحد، فتختلط الأنساب وتفسد. وفي ذلك من الفساد ما تمنعه الشريعة والحكمة.
стр. 1011
ومنها: تعظيم خطر هذا العقد، ورفع قدره، وإظهار شرفه.
ومنها: تطويل زمان الرجعة للمطلق، إذ لعله أن يندم ويفيء، فيصادف زمنًا يتمكَّن فيه من الرجعة.
ومنها: قضاء حقِّ الزوج، وإظهار تأثير فقده في المنع من التزين والتجمل. ولذلك شُرِع الإحداد عليه أكثر من الإحداد على الوالد والولد.
ومنها: الاحتياط لحقِّ الزوج، ومصلحة الزوجة، وحقِّ الولد، والقيام بحق الله الذي أوجبه. ففي العدَّة أربعة حقوق. وقد أقام الشارع الموتَ مقام الدخول في استيفاء المعقود عليه، فإن النكاح مدته العمر. ولهذا أقيم مقام الدخول في تكميل الصداق، وفي تحريم الربيبة، عند جماعة من الصحابة ومن بعدهم كما هو مذهب زيد بن ثابت (١) وأحمد في إحدى الروايتين عنه (٢). فليس المقصود من العدة مجرد براءة الرحم، بل ذلك من بعض مقاصدها وحِكَمها.
المقام الثاني في أجناسها. وهي أربعة في كتاب الله، وخامس بسنة رسول الله ﷺ :
الجنس الأول: أمُّ باب العدّة (٣) ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
стр. 1012
الثاني: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
الثالث: ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
الرابع: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤].
الخامس: قول النبي ﷺ : «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائلٌ حتى تُستبرأ بحَيضة» (١).
ومقدَّمُ هذه الأجناس (٢) الحاكمُ عليها كلِّها: وضعُ الحمل. فإذا وُجِد فالحكم له، ولا التفات إلى غيره. وقد كان بين السلف نزاع في المتوفَّى
стр. 1013
عنها أنها تتربَّص أبعدَ الأجلين، ثم حصل الاتفاق على انقضائها بوضع الحمل. وأما عدة الوفاة فتجب بالموت، سواء دخل بها أو لم يدخل، كما دلَّ عليه عمومُ القرآن، والسنةُ الصحيحة (١)، واتفاق الناس. فإن الموت لما كان انتهاءَ العقد وانقضاءَه استقرَّت به الأحكام من التوارث، واستحقاق المهر. وليس المقصود بالعدة هاهنا مجرد استبراء الرحم كما ظنه بعض الفقهاء، لوجوبها قبل الدخول، ولحصول الاستبراء بحَيضة واحدة، ولاستواء الصغيرة والآيسة وذوات القروء في مدتها. فلما كان الأمر كذلك قالت طائفة: هي تعبُّد محض لا يُعقَل معناه. وهذا باطل لوجوه:
منها: أنه [٢٨٧/أ] ليس في الشريعة حكم واحد إلا وله معنى وحكمة، يعقله مَن عقَله، ويخفى على من خفي عليه.
ومنها: أن العِدَد ليست من باب العبادات المحضة، فإنها تجب في حقِّ الصغيرة والكبيرة والعاقلة والمجنونة والمسلمة والذمية، ولا تفتقر إلى نية.
ومنها: أن رعاية حقِّ الزوجين والولد والزوج الثاني ظاهر فيها.
فالصواب (٢) أن يقال: هي حريم (٣) لانقضاء النكاح لما كمل. ولهذا تجد فيها رعايةً لحق الزوج وحرمة له. ألا ترى أن النبي ﷺ كان من احترامه ورعايةِ حقوقه تحريمُ نسائه بعده. ولما كان (٤) نساؤه في الدنيا هن نساؤه في الآخرة قطعًا، لم يحِلَّ لأحد أن يتزوج بهن بعده؛ بخلاف غيره، فإن هذا ليس
стр. 1014
معلومًا في حقِّه. فلو حُرِّمت المرأة على غيره لتضرَّرت ضررًا محقَّقًا بغير نفع معلوم، ولكن لو تأيَّمت على أولادها كانت محمودة على ذلك.
وقد كانوا في الجاهلية يبالغون في احترام حقِّ الزوج وتعظيم حريم هذا العقد غايةَ المبالغة، من تربُّص سنةٍ في شرِّ ثيابها وحِفْشِ (١) بيتها، فخفَّف الله ذلك عنهم (٢) بشريعته التي جعلها رحمة وحكمة ومصلحة ونعمة. بل هي من أجلِّ نعمه عليهم على الإطلاق، فله الحمد كما هو أهله.
وكانت أربعة أشهر وعشرًا على وفق الحكمة والمصلحة، إذ لا بد من مدة مضروبة لها. وأولى المُدَد بذلك: المدّة التي يُعلَم فيها وجودُ حملِ (٣) الولد وعدمه، فإنه يكون أربعين يومًا نطفة، ثم أربعين علقة، ثم أربعين [٢٨٧/ب] مضغة. فهذه أربعة أشهر. ثم يُنفَخ فيه الروح في الطور الرابع، فقُدِّر بعشرة أيام لتظهر حياته بالحركة إن كان ثم حمل.
فصل
وأما عدَّة الطلاق، فلا يمكن تعليلها بذلك، لأنها إنما تجب بعد المسيس بالاتفاق؛ ولا ببراءة الرحم، لأنه يحصل بحيضة كالاستبراء، وإن كان براءة الرحم بعض مقاصدها.
ولا يقال: «هي تعبُّد»، لما تقدَّم. وإنما يتبيَّن حكمُها إذا عُرِف ما فيها من الحقوق ففيها حقُّ الله، وهو امتثال أمره وطلب مرضاته؛ وحقٌّ للزوج
стр. 1015
المطلق، وهو اتساع زمن الرجعة له؛ وحقٌّ للزوجة، وهو استحقاقها النفقة والسكنى ما دامت في العدة؛ وحقٌّ للولد، وهو الاحتياط في ثبوت نسبه وأن لا يختلط بغيره؛ وحقٌّ للزوج الثاني، وهو أن لا يسقي ماءه زرع غيره. ورتَّب الشارعُ على كلِّ واحد من هذه الحقوق ما يناسبه من الأحكام. فرتَّب على رعاية حقِّه هو لزومَ المنزل وأنها لا تَخْرُج ولا تُخْرَج، هذا موجَب القرآن ومنصوصُ إمام أهل الحديث وإمام أهل الرأي. ورتَّب على حقِّ المطلِّق تمكينَه من الرجعة ما دامت في العدة، وعلى حقِّها استحقاقَ النفقة والسكنى، وعلى حقِّ الولد ثبوتَ نسبه وإلحاقه بأبيه دون غيره، وعلى حقِّ الزوج الثاني دخوله على بصيرة ورحم بريء غير مشغول بولد لغيره. فكان في جعلها ثلاثةَ قروء رعايةٌ لهذه الحقوق، وتكميلٌ (١) لها.
وقد دلَّ القرآن على أن العدة حقٌّ للزوج [٢٨٨/أ] عليها بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. فهذا دليل على أن العدَّة للرجل على المرأة بعد المسيس. وقال تعالى: ﴿الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ﴾ (٢) [البقرة: ٢٢٨]، فجعل الزوجَ أحقَّ بردِّها في العدة. فإذا كانت العدة ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر طالت مدة التربُّص لينظر في أمرها: هل يُمسكها بمعروف، أو يُسَرِّحها بإحسان؛ كما جعل الله سبحانه للمُؤْلي تربُّصَ أربعة أشهر لينظر في أمره: هل يفيء أو يطلِّق؛ وكما جعل مدة تسيير الكفار أربعة أشهر لينظروا في
стр. 1016
أمرهم ويختاروا لأنفسهم (١).
فإن قيل: هذه العلة باطلة، فإن المختلعة، والمفسوخَ نكاحُها بسبب من الأسباب، والمطلَّقةَ ثلاثًا، والموطوءةَ بشبهة، والمزنيَّ بها= تعتدُّ بثلاثة أقراء، ولا رجعة هناك. فقد وُجِد الحكم بدون علته، وهذا يُبطِل كونها علَّةً.
قيل: شرطُ النقض أن يكون الحكم في صورة ثابتًا بنص أو إجماع. وأما كونه قولًا لبعض العلماء، فلا يكفي في النقض به. وقد اختلف الناس في عدَّة المختلعة ، فذهب إسحاق وأحمد في أصحِّ الروايتين عنه دليلًا أنها تعتدُّ بحَيضة واحدة (٢). وهو مذهب عثمان بن عفان (٣)، وعبد الله بن عباس (٤). وقد حُكي إجماعُ الصحابة، ولا يعلم لهما مخالف. وقد دلَّت عليه سنة رسول الله ﷺ الصحيحة دلالةً صريحةً. وعذرُ من خالفها أنها لم تبلغه، [٢٨٨/ب] أو لم تصح عنده، أو ظنَّ الإجماعَ على خلاف موجَبها.
وهذا القول هو الراجح في الأثر والنظر (٥). أما رجحانه أثرًا، فإن النبي
стр. 1017
- ﷺ لم يأمر المختلعة قطُّ أن تعتدَّ بثلاث حِيَض، بل قد روى أهل السنن عنه من حديث الربيِّع بنت معوِّذ أن ثابت بن قيس ضرب امرأته، فكسر يدها، وهي جميلة بنت عبد الله بن أُبَيّ (١). فأتى أخوها يشتكيه (٢) إلى رسول الله. فأرسل رسولُ الله ﷺ إلى ثابت، فقال: «خُذ الذي لها عليك، وخَلِّ سبيلها». قال: نعم. فأمرها رسول الله ﷺ أن تتربَّص حيضةً واحدةً، وتلحق بأهلها (٣).
وذكر أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها، فأمرها النبي ﷺ ، أو أُمِرَتْ أن تعتدَّ بحَيضة (٤). قال الترمذي: «الصحيح أنها أُمِرت أن تعتدَّ بحَيضة».
وهذه الأحاديث لها طرقٌ يصدِّق بعضُها بعضًا. وأُعِلَّ الحديثُ بعلَّتين. إحداهما: إرساله، والثانية (٥): أن الصحيح فيه «أُمِرت» بحذف الفاعل. والعلَّتان غير مؤثِّرتين، فإنه قد روي من وجوه متصلة، ولا تعارُضَ بين «أُمِرَتْ» و «أمرها رسول الله ﷺ »، إذ من المحال أن يكون الآمر لها بذلك غير رسول الله ﷺ في حياته. وإذا كان الحديث قد روي بلفظ محتمل، ولفظ صريح يفسِّر المحتملَ ويبيِّنه، فكيف يُجعَل المحتملُ معارضًا للمفسِّر، بل مقدَّمًا [٢٨٩/أ] عليه؟
стр. 1018
ثم يكفي في ذلك فتاوى أصحاب رسول الله ﷺ . قال أبو جعفر النحاس في كتاب «الناسخ والمنسوخ» (١): هو إجماع من الصحابة.
وأما اقتضاء النظر له، فإن المختلعة لم تبق لزوجها عليها عدَّة، وقد ملكت نفسَها، وصارت أحقَّ ببُضْعها. فلها أن تتزوج بعد براءة رحمها، فصارت العدَّة في حقِّها بمجرد براءة الرحم. وقد رأينا الشريعة جاءت في هذا النوع بحيضة واحدة، كما جاءت بذلك في المسبيَّة، والمملوكة بعقد معاوضة أو تبرُّع، والمهاجرة من دار الحرب. ولا ريب أنها جاءت بثلاثة أقراء في الرجعية. والمختلعة فرعٌ متردِّدٌ بين هذين الأصلين، فينبغي إلحاقها بأشبههما بها. فنظرنا، فإذا هي بذوات الحيضة أشبه.
ومما يبيِّن حكمة الشريعة في ذلك أن الشارع قسم النساء إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: المفارقة قبل الدخول، فلا عدَّة عليها ولا رجعة لزوجها فيها.
الثاني: المفارقة بعد الدخول إذا كان لزوجها عليها رجعة، فجعل عدّتها ثلاثة قروء. ولم يذكر سبحانه العدة بثلاثة قروء إلا في هذا القسم، كما هو مصرَّح به في القرآن في قوله تعالى: ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وكذا في سورة الطلاق لما ذكر الاعتداد بالأشهر الثلاثة في حقِّ من إذا [٢٨٩/ب] بلغت أجلَها خُيِّر
стр. 1019
زوجها بين إمساكها (١) بمعروف أو مفارقتها بإحسان، وهي الرجعيَّة قطعًا. فلم يذكر الأقراء وبدلها في حقِّ بائنٍ البتة.
القسم الثالث: من بانت عن زوجها، وانقطع حقُّه عنها بسبي، أو هجرة، أو خلع؛ فجعل عدَّتها حيضةً للاستبراء. ولم يجعلها ثلاثًا، إذ لا رجعة للزوج. وهذا في غاية الظهور والمناسبة.
وأما الزانية والموطوءة بشبهة، فموجَب الدليل أنها تستبرأ بحَيضةٍ فقط. ونصَّ عليه أحمد في الزانية (٢). واختاره شيخنا في الموطوءة بشبهة (٣)، وهو الراجح. وقياسهما على المطلَّقة الرجعية من أبعد القياس وأفسده.
فإن قيل: فهَبْ أن هذا قد سلِم لكم فيما ذكرتم من الصور، فإنه لا يسلَم معكم في المطلَّقة ثلاثًا؛ فإن الإجماع منعقد على اعتدادها بثلاثة قروء مع انقطاع حقِّ زوجها من الرجعة، والقصدُ مجرَّدُ استبراء رحمها.
قيل: نعم، هذا سؤال وارد. وجوابه من وجهين:
أحدهما: أنه قد اختلف في عدتها: هل هي بثلاثة قروء أو بقرء واحد؟ فالجمهور ــ بل الذي لا يعرف الناس سواه ــ أنها ثلاثة قروء. وعلى هذا فيكون وجهه أن الطلقة الثالثة لما كانت من جنس الأوليين (٤) أعطيت حكمهما، ليكون باب الطلاق كلُّه بابًا واحدًا، فلا يختلف حكمه. والشارع إذا
стр. 1020
علَّق الحكمَ بوصف لمصلحة عامة لم يكن تخلُّفُ تلك المصلحة والحكمة في بعض الصور مانعًا من ترتُّب الحكم، [٢٩٠/أ] بل هذه قاعدة الشريعة وتصرُّفها في مصادرها ومواردها.
الوجه الثاني: أن الشارع حرَّمها عليه حتى تنكح زوجًا غيره، عقوبةً له؛ ولعن المحلِّل والمحلَّل له لمناقضتهما ما قصده الله سبحانه من عقوبته. وكان من تمام هذه العقوبة أن طوَّل مدةَ تحريمها عليه، فكان ذلك أبلغ فيما قصده الشارع من العقوبة. فإنه إذا علِم أنها لا تحِلُّ له حتى تعتدَّ بثلاثة قروء، ثم يتزوجها آخرُ نكاحَ رغبةٍ مقصودٍ (١)، لا تحليلٍ موجِبٍ للعنة، ويفارقها، وتعتدُّ من فراقه ثلاثة قروء أُخَر= طال عليه الانتظار، وعِيلَ صبرُه، فأمسك عن الطلاق الثلاث. وهذا واقع على وفق الحكمة والمصلحة والزجر، فكان التربُّص بثلاثة قروء في الرجعية نظرًا للزوج ومراعاةً لمصلحته لما لم يوقع الثالثة المحرِّمة لها، وهاهنا كان تربُّصُها عقوبةً له وزجرًا لما أوقع الطلاق المحرِّم لما أحلَّ الله له. وأُكِّدت هذه العقوبة بتحريمها عليه إلا بعد زوج وإصابة وتربُّص ثان.
وقيل: بل عدَّتها حيضة واحدة، وهي اختيار أبي الحسين بن اللبَّان (٢).