← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وأما إذا حلف يمينًا مجرَّدةً لَيفعلنَّ كذا، فهذا حضٌّ منه لنفسه، وحثٌّ على فعله باليمين، وليس إيجابًا عليها. فإن اليمين لا توجب شيئًا ولا تحرِّمه، ولكن الحالف عقَد اليمين بالله لَيفعلنَّه، فأباح الله سبحانه له حلَّ ما عقَده بالكفارة، ولهذا سمَّاها (١) «تحِلَّة»، فإنها تَحُلُّ عقدَ اليمين، وليست رافعةً لإثم الحنث، كما يتوهَّمه بعض الفقهاء، فإن الحنث قد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًّا، فيؤمر به أمر إيجاب أو استحباب. وإن كان مباحًا، فالشارع لا يبيح (٢) سببَ الإثم، وإنما شرعها الله حلًّا لعقد اليمين، كما شرع (٣) الاستثناء مانعًا من عقدها. فظهر الفرق بين ما التزم لله، وبين ما التزم بالله. فالأول ليس فيه إلا الوفاء، والثاني يخيَّر فيه بين الوفاء وبين الكفارة حيث يسوغ ذلك. وسرُّ هذا أن ما التزم له آكد مما التزم به؛ فإن الأول متعلِّق بإلهيته، والثاني بربوبيته. فالأول من أحكام ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، والثاني من أحكام ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. و ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ قسيم (٤) الله من هاتين الكلمتين، و ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قسيم العبد، كما في الحديث الصحيح الإلهي: «هذه بيني وبين عبدي نصفين» (٥). وبهذا يخرج الجواب عن إيراد هذا السؤال على

стр. 1087

الوجه الثاني، وهو (١) أنَّ ما نذرَه لله من هذه الطاعات يجب الوفاء به، وما أخرجه مخرج اليمين يخيَّر بين الوفاء به وبين التكفير؛ لأن الأول متعلِّق بإلهيته، والثاني بربوبيته؛ فوجب الوفاء بالقسم الأول، ويخيَّر الحالف في القسم الثاني. وهذا من أسرار الشريعة، وكمالها وعظمتها. ويزيد ذلك وضوحًا: أن الحالف بالتزام هذه الواجبات قصدُه أن لا تكون. ولكراهيته (٢) للزومها له حلَف بها، فقصدُه أن لا يكون الشرط فيها ولا الجزاء، ولذلك يسمَّى نذرَ اللَّجاج والغضب. فلم يُلزمه الشارعُ به إذا كان غير مريد له ولا متقرِّب به إلى الله. فلم يعقدِه لله، وإنما عقَده به، فهو يمين محضة. فإلحاقُه بنذر القربة إلحاقٌ له بغير شِبْهِه، وقطعٌ له عن الإلحاق بنظيره. وعذرُ من ألحقه بنذر القربة شَبَهُه به في اللفظ والصورة، ولكن الملحقون له باليمين أفقه وأرعى لجانب المعاني. وقد اتفق الناس على أنه لو قال: «إن فعلتُ كذا فأنا يهودي أو نصراني»، فحنَث أنه لا يكفر بذلك (٣)؛ لأنَّ قَصْدَ اليمين منَعَ من الكفر. وبهذا وغيره احتجَّ شيخُ الإسلام ابن تيمية على أن [٣١٩/أ] الحلف بالعتاق والطلاق (٤) كنذر اللَّجاج والغضب، وكالحلف بقوله: «إن فعلتُ فأنا يهودي أو نصراني» (٥)، وحكاه إجماعَ الصحابة في العتق، وحكاه غيرُه

стр. 1088

إجماعًا لهم في الحلف بالطلاق أنه لا يلزم. قال: لأنه قد صحَّ عن علي بن أبي طالب ولا يُعرَف له في الصحابة مخالف، ذكره ابن بَزيزة في «شرح أحكام عبد الحق الإشبيلي» (١). فاجتهد خصومه (٢) في الردِّ عليه بكلِّ ممكن، وكان حاصل ما ردُّوا به قوله أربعة أشياء: أحدها ــ وهو عمدة القوم ــ: أنه خلافُ مرسومِ السلطان. الثاني (٣): أنه خلاف الأئمة الأربعة. الثالث: أنه خلاف القياس على الشرط والجزاء المقصودين كقوله: «إن أبرأتني فأنت طالق»، ففعلت. الرابع: أن العمل قد استمرَّ على خلاف هذا القول، فلا يُلتفت إليه. فنقض حججهم، وأقام نحوًا من ثلاثين دليلًا على صحة هذا القول. وصنَّف في المسألة قريبًا من ألف ورقة (٤)، ثم مضى لسبيله راجيًا من الله أجرًا أو أجرَين، وهو ومنازعوه يوم القيامة عند ربهم يختصمون.

стр. 1089

فصل وأما قوله (١): «وحرَّم كلَّ ذي ناب من السباع، وأباح الضبع ولها ناب»، فلا ريب أنه حرَّم كلَّ ذي ناب من السباع، وإن كان بعضُ العلماء خفي عليه تحريمه، فقال بمبلغ علمه. وأما الضبع فرُوي عنه فيها حديثٌ صحَّحه كثيرٌ من أهل العلم بالحديث، فذهبوا إليه، وجعلوه مخصِّصًا لعموم أحاديث التحريم، [٣١٩/ب] كما خُصَّت العرايا لأحاديث المزابنة. وطائفة لم تصحِّحه، وحرَّموا الضبع لأنها من جملة ذات الأنياب. قالوا: وقد تواترت الآثار عن النبي ﷺ بالنهي عن أكلِ كلِّ ذي ناب من السباع، وصحَّت صحةً لا مطعن فيها من حديث علي (٢)، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي ثعلبة الخُشَني (٣). قالوا: وأما حديث الضبع، فتفرَّد به عبد الرحمن بن أبي عمارة، وأحاديثُ تحريم ذوات الأنياب كلُّها تخالفه. قالوا: ولفظ الحديث يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون جابرٌ رفع الأكلَ إلى النبي ﷺ ، وأن يكون إنما رفَع إليه كونَها صيدًا فقط، ولا يلزم من كونها صيدًا جوازُ أكلها، فظنَّ جابرٌ أن كونَها صيدًا يدل على أكلها، فأفتى به من

стр. 1090

قوله، ورفَع إلى النبي ﷺ ما سمعه من كونها صيدًا. ونحن نذكر لفظ الحديث ليتبيَّن ما ذكرناه. فروى الترمذي في «جامعه» (١) من حديث [عبد الله بن] (٢) عبيد بن عمير الليثي، عن عبد الرحمن بن أبي عمار أنه قال: قلت لجابر بن عبد الله: آكلُ الضبعَ؟ قال: نعم. قلت: أصيدٌ هي؟ قال: نعم. قلت: أسمعتَ ذلك من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال الترمذي (٣): سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هو صحيح. وهذا يحتمل أن المرفوع منه هو كونُها صيدًا. ويدل على ذلك أن جرير بن حازم قال: عن [عبد الله بن] عبيد بن عمير، عن ابن أبي عمار، عن جابر، عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الضبع، فقال: «هي صيد، وفيها كبش» (٤).

стр. 1091

قالوا: [٣٢٠/أ] وكذلك حديث إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر يرفعه: «الضبع صيد، فإذا أصابه المُحرِم ففيه جزاء كبش مُسِنّ، ويؤكل» (١). قال الحاكم: حديث صحيح. وقوله: «ويؤكل» يحتمل الوقف والرفع، وإذا احتمل ذلك لم تعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تبلغ مبلغ التواتر في التحريم. قالوا: ولو كان حديث جابر صريحًا في الإباحة لكان فردًا، وأحاديث تحريم ذوات الأنياب مستفيضة متعددة، ادعى الطحاويُّ (٢) وغيرُه تواترَها، فلا يقدَّم حديثُ جابر عليها. قالوا: والضبع من أخبَثِ الحيوان وأشرَهِه، وهو مغرًى بأكل لحوم الناس ونبش قبور الأموات وإخراجهم وأكلهم، ويأكل الجيف، ويكسِر بنابه. قالوا: والله سبحانه قد حرَّم علينا الخبائث، وحرَّم رسولُ الله ﷺ ذوات الأنياب، والضبع لا يخرج عن هذا وهذا. وقالوا: وغاية حديث جابر يدل على أنها صيدٌ يُفدَى في الإحرام، ولا يلزم من ذلك أكلُها.

стр. 1092

وقد قال بكر بن محمد: سئل أبو عبد الله ــ يعني الإمام أحمد ــ عن مُحْرِم قتل ثعلبًا، فقال: عليه الجزاء، هي صيد، ولكن لا يؤكل (١). وقال جعفر بن محمد: سمعتُ أبا عبد الله سئل عن الثعلب، فقال: الثعلب سَبُع؛ فقد نصَّ على أنه سَبُع، وأنه يُفدَى في الإحرام. ولما جعل النبيُّ ﷺ في الضبع كبشًا ظنَّ جابر أنه يؤكل، فأفتى به. والذين صححوا الحديث جعلوه مخصِّصًا لعموم تحريم ذي الناب من غير فرق بينهما، حتى قالوا: ويحرُم أكلُ كلِّ ذي ناب (٢) من [٣٢٠/ب] السباع إلا الضبع. وهذا لا يقع مثلُه في الشريعة أن يخصص مِثلًا على مِثلٍ من كلِّ وجه من غير فرقان بينهما. وبحمد الله إلى ساعتي هذه ما رأيت في الشريعة مسألة واحدة كذلك، أعني: شريعة التنزيل، لا شريعة التأويل. ومن تأمل ألفاظه ﷺ الكريمة تبيَّن له اندفاع هذا السؤال، فإنه إنما حرَّم ما اشتمل على الوصفين: أن يكون له ناب، وأن يكون من السباع العادية بطبعها كالأسد والذئب والنمر والفهد. وأما الضبع فإنما فيها أحد الوصفين، وهو كونها ذات ناب، وليست من السباع العادية. ولا ريب أن السِّباع أخصُّ من ذوات الأنياب. والسبعُ إنما حرِّم لما فيه من القوة السبعية التي تُورث المغتذيَ بها شبهَها؛ فإن الغاذي شبيه بالمغتذى. ولا ريب أن القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب التسوية

стр. 1093

بينهما في التحريم. ولا تُعَدُّ الضبعُ من السباع لغةً ولا عرفًا. والله أعلم. فصل وأما قوله: «وجعل شهادةَ خزيمة بن ثابت بشهادتين، دون غيره ممن هو أفضل منه»، فلا ريب أن هذا من خصائصه، ولو شهد عنده ﷺ أو عند غيره لكان بمنزلة شاهدين اثنين. وهذا التخصيص إنما كان لمخصِّص اقتضاه، وهو مبادرته دون من حضر من الصحابة إلى الشهادة لرسول الله ﷺ أنه قد بايع الأعرابي. وكان [٣٢١/أ] فرض على كلِّ من سمع هذه القصة أن يشهد أن رسول الله ﷺ قد بايع الأعرابي، وذلك من لوازم الإيمان والشهادة بتصديقه ﷺ ، وهذا مستقِرٌّ عند كلِّ مسلم، ولكن خزيمة تفطَّن لدخول هذه القضية المعيَّنة تحت عموم الشهادة بصدقه (١) في كلِّ ما يخبر به؛ فلا فرق بين ما يُخبِر به عن الله وبين ما يُخبِر به عن غيره في صدقه في هذا وهذا، ولا يتمُّ الإيمان إلا بتصديقه في هذا وهذا. فلما تفطَّن خزيمة دون من حضر لذلك استحقَّ أن تُجعل شهادتُه بشهادتين. فصل وأما تخصيصه أبا بُردة بن نِيار بإجزاء التضحية بالعَناق، دون من بَعده، فلموجِب أيضًا. وهو أنه ذبح قبل الصلاة متأولًا غيرَ عالمٍ بعدم الإجزاء، فلما أخبره النبيُّ ﷺ أن تلك ليست بأُضحية، وإنما هي شاةُ لحم، أراد إعادة الأضحية، فلم يكن عنده إلا عَناقٌ هي أحبُّ إليه من شاتَي لحم، فرخَّص له في التضحية بها لكونه معذورًا، وقد تقدَّم منه ذبحٌ تأوَّلَ فيه، وكان معذورًا

стр. 1094

بتأويله. وذلك كلُّه قبل استقرار الحكم، فلما استقرَّ الحكم لم يكن بعد ذلك يجزئ إلا ما وافق الشرع المستقر. وبالله التوفيق. فصل وأما التفريق بين صلاة الليل وصلاة النهار في الجهر والإسرار، ففي غاية المناسبة والحكمة. فإنَّ الليل مظنّةُ هدوء الأصوات، وسكون الحركات، وفراغ القلوب، واجتماع الهمم المشتَّتة [٣٢١/ب] بالنهار. فالنهارُ محلُّ السَّبح الطويل بالقلب والبدن، والليلُ محلُّ مواطأةِ القلب للسان، ومواطأةِ اللسان للأذن. ولهذا كانت السنة تطويل قراءة الفجر على سائر الصلوات. وكان رسول الله ﷺ يقرأ فيها بالستِّين إلى المائة (١)، وكان الصدِّيق يقرأ فيها بالبقرة (٢)، وعمر بالنحل وهود وبني إسرائيل ويونس ونحوها من السور (٣)؛ لأن القلب أفرغ ما يكون من الشواغل حين انتباهه من النوم، فإذا كان أولَ ما

стр. 1095

يقرع سمعَه كلامُ الله الذي فيه الخير كلُّه بحذافيره صادفه خاليًا من الشواغل، فتمكَّن فيه من غير مزاحم. وأما النهار فلما كان بضدِّ ذلك كانت قراءة صلاته سرِّيَّة، إلا إذا عارض ذلك (١) معارضٌ أرجَحُ منه، كالمجامع العظام في العيدين والجمعة والاستسقاء والكسوف، فإن الجهر حينئذ أحسن وأبلغ في تحصيل المقصود، وأنفع للجمع، وفيه من قراءة كلام الله عليهم وتبليغه في المجامع العظام ما هو من أعظم مقاصد الرسالة. والله أعلم. فصل وأما قوله: «وورَّث ابنَ ابنِ العَمِّ وإن بعدت درجته، دون الخالة التي هي شقيقة للأم»، فنعم، وهذا من كمال الشريعة وجلالتها. فإن ابن العم من عصبته القائمين بنصرته وموالاته، والذَّبِّ عنه، وحَملِ العقل عنه؛ فبنو أبيه هم أولياؤه وعصبته والمحامون دونه. فأما (٢) قرابة الأم فإنهم بمنزلة الأجانب، وإنما ينتسبون إلى آبائهم، [٣٢٢/أ] فهم بمنزلة أقارب البنات، كما قال القائل: بنونا بنو أبنائنا، وبناتُنا ... بنوهنَّ أبناءُ الرجالِ الأباعدِ (٣)

стр. 1096

فمن كمال حكمة الشارع أن جعل الميراث لأقارب الأب، وقدَّمهم على أقارب الأم. وإنما ورَّث معهم من أقارب الأم مَن ركض الميتُ معهم في بطن الأم، وهم إخوته أو من قربت قرابته جدًّا، وهن جدَّاته لقوة إيلادهن وقرب أولاد أمه (١) منه. فإذا عدمت قرابة الأب انتقل الميراث إلى قرابة الأم، وكانوا أولى من الأجانب. فهذا الذي جاءت به الشريعة هو (٢) أكمَلُ شيء، وأعدلُه، وأحسنهُ. فصل وأما قوله: «وحرَّم أخذَ مال الغير إلا بطيب نفسٍ منه، ثم سلَّطه على أخذ عقاره وأرضه بالشفعة، ثم شرع الشفعةَ فيما يمكن التخلُّص من ضرر الشركة فيه بالقسمة، دون ما لا يمكن قسمته كالجوهرة والحيوان»؛ فهذا السؤال قد أورده على وجهين: أحدهما على أصل الشفعة وأن الاستحقاق بها منافٍ لتحريم أخذ مال الغير إلا بطيب نفس منه. والثاني: أنه خصَّ بعضَ المبيع بالشفعة دون بعض، مع قيام السبب الموجب للشفعة، وهو ضرر الشركة. ونحن بحمد الله وعونه نجيب عن الأمرين، فنقول: من محاسن الشريعة وعدلها وقيامها بمصالح العباد: ورودُها بالشفعة. ولا يليق بها غير ذلك، فإن حكمة الشارع اقتضت رفعَ الضرر عن المكلَّفين ما أمكن،

стр. 1097

[٣٢٢/ب] فإن لم يمكن رفعُه إلا بضرر أعظم منه بقَّاه على حاله، وإن أمكن رفعُه بالتزام ضررٍ دونه رفَعه به. ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب فإن الخلطاء يكثُر فيهم بغيُ بعضهم على بعض شرَع الله سبحانه رفعَ هذا الضرر بالقسمة تارةً وانفراد كلٍّ من الشريكين بنصيبه، وبالشفعة تارةً وانفراد أحد الشريكين بالجملة إذا لم يكن على الآخر ضررٌ في ذلك. فإذا أراد بيعَ نصيبِه وأخذَ عوضِه كان شريكُه أحقَّ به من الأجنبي، وهو يصل إلى غرضه من العوض من أيِّهما كان، فكان الشريكُ أحقَّ بدفع العوض من الأجنبي، فيزول عنه ضررُ الشركة؛ ولا يتضرَّر البائع، لأنه يصل إلى حقِّه من الثمن. وكان هذا من أعظم العدل وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفِطَر ومصالح العباد. ومن هنا يُعلَم أن التحيُّل لإسقاط الشفعة مناقضٌ لهذا المعنى الذي قصده الشارع ومضادٌّ له. ثم اختلفت أفهام العلماء في الضرر الذي قصد الشارع رفعَه بالشفعة . فقالت طائفة: هو الضرر اللاحق بالقسمة، لأنَّ كلَّ واحد من الشريكين إذا طالب شريكه بالقسمة كان عليه في ذلك من المؤنة والكلفة والغرامة والضيق في مرافق المنزل ما هو معلوم. فإنه قبل القسمة ربما ارتفق بالدار والأرض كلِّها، وبأي موضع شاء منها؛ فإذا وقعت الحدود ضاقت به الدار، وقُصِر على موضع منها، وفي ذلك من الضرر عليه ما لا خفاء به. فمكَّنه [٣٢٣/أ] الشارع بحكمته ورحمته من رفع هذه المضرَّة عن نفسه، بأن يكون أحقَّ بالمبيع من الأجنبي الذي يريد الدخول عليه. وحرَّم الشارع على الشريك أن يبيع نصيبه حتى يؤذن شريكه، فإن باع ولم يُؤذِنه فهو أحقُّ به. وإن أذِن في البيع، وقال: لا غرض لي فيه، لم يكن له الطلب بعد البيع. هذا

стр. 1098

مقتضى حكم رسول الله ﷺ (١)، ولا معارضَ له بوجه، وهو الصواب المقطوع به. وهذه طريقة من يرى أنه لا شفعة إلا فيما يقبل القسمة. وقالت طائفة أخرى: إنما شُرعت الشفعة لرفع الضرر اللاحق بالشركة. فإذا كانا شريكين في عين من الأعيان بإرث أو هبة أو وصية أو ابتياع أو نحو ذلك لم يكن رفعُ ضررِ أحدهما بأولى من رفع ضرر الآخر. فإذا باع نصيبه كان شريكُه أحقَّ به من الأجنبي، إذ في ذلك إزالة ضرره مع عدم تضرُّر صاحبه، فإنه يصل إلى حقِّه من الثمن، ويصل هذا إلى استبداده بالمبيع (٢)، فيزول الضرر عنهما جميعًا. وهذا مذهب من يرى الشفعة في الحيوان والثياب والشجر والجواهر والدور الصغار التي لا يمكن قسمتها. وهذا قول أهل مكة وأهل الظاهر. ونصَّ عليه الإمام أحمد في رواية حنبل، قال: قيل لأحمد: فالحيوان دابة تكون بين رجلين أو حمار أو ما كان من نحو ذلك. قال: هذا كلُّه أوكد، لأن خليط الشريك أحقُّ به بالثمن. وهذا لا يمكن قسمته، فإذا عرضه على [٣٢٣/ب] شريكه، وإلا باعه بعد ذلك (٣). وقال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن الرجل يعرض على شريكه عقارًا بينه وبينه أو نخلًا، قال الشريك: لا أريد، فباعه، ثم طلب الشفعة بعد. قال: له الشفعة في ذلك (٤).

стр. 1099

واحتجَّ لهذا القول بحديث جابر الصحيح: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يُقْسَم (١). وهذا يتناول المنقول والعقار. وفي كتاب «الخراج» (٢) عن يحيى بن آدم، عن زهير، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان له شِرْكٌ في نخل أو رَبْعةٍ فليس له أن يبيع حتى يُؤْذِنَ شريكَه. فإن رضي أخَذ، وإن كرِه ترَك». وهذا الإسناد على شرط مسلم (٣). وفي الترمذي (٤) من حديث عبد العزيز بن رُفَيع، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «الشريك شفيع، والشفعة في كلِّ شيء». تفرَّد به أبو حمزة السُّكَّري عن عبد العزيز بهذا الإسناد. ورواه أبو الأحوص سَلَّام بن سُلَيم عن عبد العزيز، ولم يذكر ابن عباس. ولفظه: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كلِّ شيء: الأرض، والدار، والجارية والخادم (٥).

стр. 1100

وكذلك رواه أبو بكر بن عياش (١) وإسرائيل (٢) بن يونس عن عبد العزيز مرسلًا. فهذا علة هذا الحديث؛ على أن أبا حمزة السكَّري ثقة احتجَّ به صاحبا الصحيح. وإن قبِلنا الزيادةَ من الثقة (٣)، فرفعُ الحديث إذن صحيح، وإلا فغايته أن يكون مرسلًا قد عضدته الآثار المرفوعة والقياس [٣٢٤/أ] الجلي. وقد روى أبو جعفر الطحاوي (٤)، عن محمد بن خزيمة، عن يوسف بن عدي، عن عبد الله (٥) بن إدريس، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر قال: قضى رسولُ الله ﷺ بالشفعة في كلِّ شيء. ورواة هذا الحديث ثقات، وهو غريب بهذا الإسناد. قالوا: ولأن الضرر بالشركة فيما لا ينقسم أبلغ من الضرر بالعقار الذي

стр. 1101

يقبل القسمة. فإذا كان الشارع مريدًا لرفع (١) الضرر الأدنى، فالأعلى أولى بالرفع. قالوا: ولو كانت الأحاديث مختصّةً بالعقار والأرض (٢) المنقسمة، فإثباتُ الشفعة فيها تنبيهٌ على ثبوتها فيما لا يقبل القسمة. قال (٣) الآخرون: الأصل عدم انتزاع الإنسان مال غيره إلا برضاه، ولكن تركنا ذلك في الأرض والعقار لثبوت النص (٤) فيه. وأما الآثار المتضمنة لثبوتها في المنقول فضعيفة معلولة. وقوله في الحديث الصحيح: «فإذا وقعت الحدودُ وصُرِّفت الطرقُ فلا شُفْعة» (٥) يدل على اختصاصها بذلك. وقول جابر عن النبي ﷺ : «الشفعة في كلِّ شركٍ في أرض أو رَبْع أو حائط» (٦) يقتضي انحصارها في ذلك. قالوا: وقد قال عثمان بن عفان: لا شفعة في بئر ولا فحل. والأُرَف تقطع كلَّ شفعة (٧). والفحل: النخل. والأُرَف بوزن الغُرَف: المعالم

стр. 1102

والحدود. قال (١) أحمد: ما أصحَّه من حديث (٢). قالوا: والفرق بين المنقول وغيره أن الضرر في غير المنقول يتأبَّد بتأبُّده؛ وفي المنقول لا يتأبَّد، فهو ضرر عارض، [٣٢٤/ب] فهو كالمكيل والموزون. قالوا: والضرر في العقار يكثر جدًّا، فإنه يحتاج الشريك إلى إحداث المرافق، وتغيير الأبنية، وتضييق الواسع، وتخريب العامر، وسوء الجوار، وغير ذلك مما يختصُّ بالعقار. فأين ضرر الشركة في العبد والجوهرة والسيف من هذا الضرر؟ قال المثبتون للشفعة: إنما كان الأصل عدم انتزاع ملك الإنسان منه إلا برضاه، لما فيه من الظلم له والإضرار به. فأما ما لا يتضمَّن ظلمًا ولا إضرارًا، بل مصلحةً له بإعطائه الثمن، فلشريكه دفعُ ضرر الشركة عنه. فليس الأصل عدمه، بل هو مقتضى أصول الشريعة. فإن أصول الشريعة توجب المعاوضة للحاجة والمصلحة الراجحة، وإن لم يرض صاحب المال. وتركُ معاوضته هاهنا لشريكه مع كونه قاصدًا للبيع ظلمٌ منه وإضرارٌ بشريكه، فلا يمكِّنه الشارع منه. بل مَن تأمَّلَ مصادر الشريعة ومواردها تبيَّن له أن الشارع

стр. 1103

لا يمكِّن هذا الشريكَ من نقل نصيبه إلى غير شريكه، وأن يُلحِق به من الضرر مثلَ ما كان عليه أو أزيد منه، مع أنه لا مصلحة له في ذلك. وأما الآثار، فقد جاءت بهذا وهذا. ولو قُدِّر عدمُ صحتها بالشفعة في المنقول، فهي لم تنفِ ذلك، بل نبَّهَتْ عليه كما ذكرنا. وأما تأبُّد الضرر وعدمه، ففرقٌ فاسدٌ؛ فإن من المنقول ما يكون تأبُّده كتأبُّد العقار، كالجوهرة والسيف والكتاب والبئر. وإن لم يتأبَّد ضررُه مدى الدهر، فقد يطول [٣٢٥/أ] ضرره كالعبد والجارية. ولو بقي ضرره مدةً فإن الشارع مريدٌ لدفع الضرر بكلِّ طريق، ولو قصرت مدته. وأما تفريقكم بكثرة الضرر في العقار وقلَّته في المنقول، فلَعمرُ الله إن الضرر في العقار يكثر من تلك الجهات، ولكن يمكن رفعه بالقسمة، وأما الضرر في المنقول فإنه لا يمكن رفعُه بقسمته. على أن هذا منتقض بالأرض الواسعة التي ليس فيها شيء مما ذكرتم. فصل وقالت طائفة ثالثة: بل الضرر الذي قصد الشارع رفعَه هو ضررُ سوء الجوار والشركة في العقار والأرض، فإن الجار قد يسيء الجوار غالبًا أو كثيرًا، فيُعلي الجدار، ويتتبَّع (١) العثار، ويمنع الضوء، ويشرف على العورة، ويطلع على العثرة، ويؤذي جاره بأنواع الأذى، ولا يأمن (٢) بوائقه؛ وهذا مما يشهد به الواقع.

стр. 1104

وأيضًا فالجار (١) له من الحرمة والحقِّ والذمام ما جعله الله له في كتابه، ووصَّى به جبريلُ رسولَ الله ﷺ غاية الوصية (٢)، وعلَّق النبيُّ ﷺ الإيمان بالله واليوم الآخر بإكرامه (٣). وقال الإمام أحمد: الجيران ثلاثة: جار له حقّ، وهو الذمي الأجنبي، له حقُّ الجوار. وجار له حقَّان، وهو المسلم الأجنبي، له حقُّ الجوار وحقُّ الإسلام. وجار له ثلاثة حقوق، وهو المسلم القريب، له حقُّ الإسلام وحقُّ الجوار (٤) وحقُّ القرابة (٥). ومثل هذا (٦) لم يَرِد في الشريك، فأدنى المراتب مساواتُه به فيما يندفع به الضرر، لا سيما والحكم بالشفعة ثبت في الشركة [٣٢٥/ب] لإفضائها إلى ضرر المجاورة، فإنهما إذا اقتسما تجاورا. قالوا: ولهذا (٧) اختصَّت بالعقار دون المنقولات، إذ المنقولات لا تتأتَّى فيها المجاورة. فإذا ثبتت في الشركة في العقار لإفضائها إلى

стр. 1105

المجاورة، فحقيقةُ المجاورة أولى بالثبوت فيها. قالوا: وهذا معقول النصوص لو لم تَرِد بالثبوت فيها، فكيف وقد صرَّحت بالثبوت فيها أعظمَ من تصريحها بالثبوت للشريك؟ ففي «صحيح البخاري» (١) من حديث عمرو بن الشريد قال: جاء المِسْوَر بن مَخْرمة، فوضع يده على منكبي، فانطلقتُ معه إلى سعد بن أبي وقاص، فقال أبو رافع: ألا تأمر هذا أن يشتري منِّي بيتيَّ اللذَين (٢) في داره؛ فقال: لا أزيده على أربعمائةٍ منجَّمة. فقال: قد أُعطِيتُ خمسمائةٍ نقدًا، فمنعتُه. ولولا أني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «الجار أحقُّ بصَقَبِه» ما بعتُك. وروى عمرو (٣) أيضًا عن أبيه الشريد بن سُويد الثقفي قال: قلت: يا رسول الله، أرضٌ ليس لأحد فيها قِسْمٌ ولا شِرْكٌ إلا الجِوار. قال: «الجارُ أحقُّ بسَقَبه» (٤). أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وإسناده صحيح.

стр. 1106

وقال البخاري: هو أصحّ من رواية عمرو عن أبي رافع (١). يعني المتقدِّم. وقال أيضًا: كلا الحديثين عندي صحيح (٢). وعن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : «جار الدار أولى بالدار» (٣). رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، انتهى. وقد صحَّ سماع الحسن من سمرة. وغاية هذا [٣٢٦/أ] أنه كتاب، ولم تزل الأمة تعمل بالكتُب قديمًا وحديثًا. وأجمع الصحابة على العمل بالكتُب، وكذلك الخلفاء بعدهم. وليس اعتماد الناس في العلم إلا على الكتُب، فإن لم يُعمَل بما فيها تعطَّلت الشريعة. وقد كان رسول الله ﷺ يكتب كتبه إلى الآفاق والنواحي، فيَعمل مَن تصل إليه بها (٤)، ولا يقول: هذا كتاب؛ وكذلك خلفاؤه بعده، والناسُ إلى اليوم. فردُّ السُّنَن بهذا الخيال البارد الفاسد من أبطل الباطل. والحفظُ يخون، والكتابُ لا يخون.

стр. 1107

وروى قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «جارُ الدار أحقُّ بالدار». رواه ابن ماجه (١) من طريق عيسى بن يونس، عن سعيد، عن قتادة، وكلُّهم أئمة ثقات. وروى أهل «السنن الأربعة» من حديث ميزان الكوفة عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزَمي، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «الجار أحقُّ بشفعة جاره، يُنتظَر بها وإن كان غائبًا، إذا كان طريقهما واحدًا» (٢). وهذا حديث صحيح بلا تردُّد. فإن قيل: قد قال الترمذي: تكلَّم شعبة في عبد الملك من أجل هذا الحديث.

стр. 1108

وقال وكيع عنه: لو أن عبد الملك روى حديثًا آخر مثلَ حديث الشفعة لطرحتُ حديثه (١). وكذلك قال يحيى القطان (٢). وقال أحمد: هو حديث منكر (٣). وقال يحيى بن معين: هو حديث لم يحدِّث به إلا عبدُ الملك، وأنكر (٤) الناس عليه، ولكنه ثقة صدوق (٥). [٣٢٦/ب] فالجواب: أن عبد الملك هذا حافظ ثقة صدوق، ولم يتعرض له أحد بجرح البتة، وأثنى عليه أئمة زمانه ومن بعدهم. وإنما أنكر عليه من أنكر هذا الحديث ظنًّا منهم أنه مخالف لرواية الزهري عن أبي سلمة عن جابر عن النبي ﷺ : «الشفعة فيما لم يُقسَم، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق فلا شفعة»، ولا تُحتمل مخالفةُ العَرزمي لمثل الزهري. وقد صحَّ هذا عن جابر من رواية الزهري عن أبي سلمة عنه، ومن رواية ابن جريج عن أبي الزبير عنه، ومن حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عنه. فخالفهم العَرزمي، ولهذا شهد الأئمة بإنكار حديثه، ولم يقدِّموه على حديث هؤلاء.

стр. 1109

قال مهنَّا بن يحيى الشامي: سألتُ أحمد (١) عن حديث عبد الملك هذا، فقال: قد أنكره شعبة. فقلتُ: لأيِّ شيء أنكره؟ فقال: حديث الزهري عن أبي سلمة عن جابر عن النبي ﷺ خلافُ ما قال عبد الملك عن عطاء عن جابر (٢). وسنبيِّن ــ إن شاء الله ــ أن حديث عبد الملك عن جابر لا يناقض حديث أبي سلمة عنه، بل مفهومه يوافق (٣) منطوقه، وسائر أحاديث جابر يصدِّق بعضُها بعضًا. وروى جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن الحكم، عن علي وعبد الله قالا: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة للجوار (٤). وهذا وإن كان منقطعًا، فإن الثوري رواه عن منصور عن الحكم عمَّن سمع عليًّا وعبدَ الله (٥). [٣٢٧/أ] فهو يصلح للاستشهاد، وإن لم يكن عليه وحده الاعتماد.

стр. 1110

وفي «سنن ابن ماجه» (١) من حديث شريك القاضي، عن سِماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «من كان له أرض فأراد (٢) بيعها فَلْيعرِضها على جاره». ورجال هذا الإسناد محتجَّ بهم في الصحيح. وفي «سنن النسائي» (٣) من حديث أبي الزبير عن جابر قال: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة للجوار. رواه عن الفضل بن موسى السِّيناني (٤)، عن الحسين بن واقد، عن أبي الزبير. وهو على شرط مسلم. وقال شعيب بن أيوب الصريفيني: ثنا أبو أسامة (٥) عن سعيد بن أبي عَروبة، حدثنا قتادة عن سليمان اليشكري، عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: «من كان له جار في حائط أو شريك، فلا يبِعْه (٦) حتى يعرضَه

стр. 1111

عليه» (١). وهؤلاء ثقات كلُّهم. وعلُّة هذا الحديث ما ذكره الترمذي قال: سمعت محمدًا ــ يعني البخاري ــ يقول: سليمان اليشكري، يقال إنه مات (٢) في حياة جابر بن عبد الله. قال: ولم يسمع منه قتادة ولا أبو بشر. قال: ويقال (٣): إنما يحدِّث قتادة عن صحيفة سليمان اليشكري، وكان له كتابٌ عن جابر بن عبد الله. قلت: وغاية هذا أن يكون كتابًا، والأخذُ عن الكتب حجة. وقال محمد بن عمران بن أبي ليلى، عن أبيه: حدثني ابن أبي ليلى ــ يعني محمد بن عبد الرحمن ــ عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «الجارُ أحقُّ بسَقَبه ما كان» (٤).

стр. 1112

وقال ابن أبي شيبة (١): ثنا وكيع، عن هشام بن المغيرة الثقفي قال: سمعتُ [٣٢٧/ب] الشعبيَّ يقول: قال رسول الله ﷺ : «الشفيع أولى من الجار، والجار أولى من الجنب». وإسناده إلى الشعبي صحيح. قالوا: ولأنَّ حقَّ الأصيل ــ وهو الجار ــ أسبقُ من حقِّ الدخيل. وكلُّ معنًى اقتضى ثبوتَ الشفعة للشريك، فمثلُه في حقِّ الجار؛ فإن الناس يتفاوتون في الجوار تفاوتًا فاحشًا، ويتأذَّى بعضهم ببعض، ويقع بينهم من العداوة ما هو معهود، والضررُ بذلك دائم متأبِّد. ولا يندفع ذلك إلا برضى الجار: إن شاء أقرَّ الدخيلَ على جواره له (٢)، وإن شاء انتزع الملك بثمنه واستراح من مؤنة المجاورة ومفسدتها. وإذا كان الجار يخاف التأذِّيَ بمجاوِره (٣) على وجه اللزوم، كان كالشريك يخاف التأذِّيَ بشريكه على وجه اللزوم. قالوا: ولا يرد علينا المستأجر مع المالك، فإن منفعة الإجارة لا تتأبد عادة. وأيضًا فالمِلكُ بالإجارة مِلكُ منفعة، ولا لزومَ بين مِلك الجار وبين منفعة دار جاره؛ بخلاف مسألتنا، فإن الضرر بسبب اتصال الملك بالملك كما أنه في الشركة حاصل بسبب اتصال الملك بالملك؛ فوجب بحكم عناية

стр. 1113

الشارع ورعايته لمصالح العباد إزالةُ الضررين جميعًا على وجه لا يضرُّ البائع، وقد أمكن هاهنا، فيبعد القول به. فهذا تقرير قول هؤلاء نصًّا وقياسًا. قال المبطلون لشفعة الجوار: لا تُضرَبُ سنة رسول الله ﷺ بعضها ببعض. فقد ثبت في «صحيح البخاري» (١) من حديث الزهري [٣٢٨/أ] عن أبي سلمة عن جابر قال: إنما جعل رسول الله ﷺ الشفعةَ في كلِّ ما لم يُقسَم. فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق فلا شفعة. وفي «صحيح مسلم» (٢) من حديث أبي الزبير عن جابر قال: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كلِّ شِرْكةٍ لم تُقسَم: ربعةٍ أو حائطٍ، ولا يحِلُّ له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء (٣) ترك. فإن باع ولم يُؤذنه فهو أحقُّ. وقال (٤) الشافعي (٥): ثنا سعيد (٦) بن سالم، ثنا ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ أنه قال: «الشفعة فيما لم يُقْسَم. فإذا وقعت الحدود فلا شفعة».

стр. 1114

وفي «الموطأ» من حديث ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة (١) قال: قضى رسولُ الله ﷺ بالشفعة فيما لم يُقسَم، فإذا صُرِّفت الطرق ووقعت الحدود فلا شفعة (٢). وفي «سنن أبي داود» (٣) بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قُسِمَت الأرض وحُدَّت فلا شفعةَ فيها». وقال سعيد بن منصور: ثنا إسماعيل بن زكريا، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عون بن عبد الله (٤)، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عمر بن الخطاب قال: إذا صُرِّفت الحدود وعَرف الناسُ حدودَهم فلا شفعة بينهم (٥).

стр. 1115

وقال أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عثمان بن عفان: إذا وقعت الحدود في الأرض فلا شفعة فيها (١). وهذا قول ابن عباس. قالوا: [٣٢٨/ب] ولا ريب أن الضرر اللاحق بالشركة هو ما توجبه من التزاحم في المرافق والحقوق والإحداث والتغيير والإفضاء إلى التقاسُم الموجِب لنقص قيمة مِلكه عليه. قالوا: وقد فرَّق الله بين الشريك والجار شرعًا وقدرًا. ففي الشركة حقوق لا توجد في الجوار، فإن الملك في الشركة مختلط، وفي الجوار متميِّز، ولكلٍّ من الشريكين على صاحبه مطالبة شرعية ومنع شرعي. أما المطالبة ففي القسمة، وأما المنع فمن التصرُّف. فلما كانت الشركة محلًّا للطلب ومحلًّا للمنع كانت محلًّا للاستحقاق، بخلاف الجوار؛ فلم يجُز إلحاقُ الجار بالشريك وبينهما هذا الاختلاف. والمعنى الذي وجبت به الشفعة رفعُ مؤنة المقاسمة، وهي مؤنة كبيرة (٢). والشريك لما باع حصته من

стр. 1116

غير شريكه فهذا الدخيل قد عرَّضه لمؤنة عظيمة، فمكَّنه الشارعُ من التخلُّص منها بانتزاع الشِّقْص (١) على وجهٍ لا يُضِرُّ بالبائع ولا المشتري (٢). ولم يمكِّنه الشارع من الانتزاع قبل البيع، لأن شريكه مثلُه ومساوٍ له في الدرجة، فلا يستحق عليه شيئًا إلا ولصاحبه مثلُ ذلك الحقِّ عليه. فإذا باع صار المشتري دخيلًا، والشريك أصيل، فرجَح جانبُه، وثبَت له الاستحقاق. قالوا: وكما أن الشارع يقصد رفعَ الضرر عن الجار، فهو أيضًا يقصد رفعَ الضرر عن المشتري. ولا يزيل ضررَ الجار بإدخال الضرر على المشتري، فإنه محتاج إلى دارٍ يسكنها هو وعياله، [٣٢٩/أ] فإذا سلَّط الجارَ على إخراجه وانتزاع داره منه أضرَّ به إضرارًا بيِّنًا. وأيُّ دار اشتراها وله جار، فحاله معه هكذا. وتطلُّبُه دارًا لا جارَ لها كالمتعذِّر عليه أو المتعسِّر (٣). فكان من تمام حكمة الشارع أن أسقط الشفعة بوقوع الحدود وتصريف الطرق، لئلا يضرَّ الناسُ بعضُهم بعضًا. ويتعذَّر على من أراد شراءَ دارٍ لها جارٌ أن يتمَّ له مقصوده. وهذا بخلاف الشريك، فإن المشتري لا يمكنه الانتفاع بالحصة التي اشتراها، والشريكُ يمكنه ذلك بانضمامها إلى مِلكه، فليس على المشتري ضررٌ في انتزاعها منه وإعطائه ما اشتراها به. قالوا: وحينئذ فتعيَّن حملُ أحاديث شفعة الجوار على مثل ما دلَّت عليه أحاديث شفعة الشركة، فيكون لفظ الجار فيها مرادًا به الشريك. ووجهُ هذا الإطلاق: المعنى والاستعمال. أما المعنى فإن كلَّ جزء من مِلك الشريك

стр. 1117

مجاورٌ لمِلك صاحبه، فهما جاران حقيقةً. وأما الاستعمال فإنهما خليطان متجاوران. ولذا سمِّيت الزوجة جارةً كما قال الأعشى (١): أجارتَنا بِيني فإنكِ طالقه فتسميةُ الشريك جارًا أولى وأحرى. وقال حَمَلُ بن مالك: كنت بين جارتين لي (٢). هذا إن لم يحتمل إلا إثبات الشفعة. وأما إن كان المراد بالحقِّ فيها حقَّ الجار على جاره، فلا حجة فيها على إثبات الشفعة.

стр. 1118

وأيضًا فإنه إنما أثبت له على البائع حقَّ العرض عليه إذا أراد [٣٢٩/ب] البيع، فأين حق الانتزاع (١) من المشتري؟ ولا يلزم من ثبوت هذا الحقِّ ثبوتُ حقِّ الانتزاع. فهذا منتهى إقدام الطائفتين في هذه المسألة. والصواب: القول الوسط الجامع بين الأدلة الذي لا يحتمل سواه، وهو قول البصريين وغيرهم من فقهاء الحديث، أنه إن كان بين الجارين حقٌّ مشترَك من حقوق الأملاك من طريق أو ماء أو نحو ذلك ثبتت الشفعة، وإن لم يكن بينهما حقٌّ مشتركٌ البتةَ، بل كلُّ واحد متميِّزٌ (٢) ملكُه وحقوقُ ملكه= فلا شفعة، وهذا الذي نصَّ عليه أحمد في رواية أبي طالب (٣)، فإنه سأله عن الشفعة: لمن هي؟ فقال: إذا كان طريقُهما واحدًا. فإذا صُرِّفت الطرق وعُرفت الحدود فلا شفعة. وهذا قول عمر بن عبد العزيز (٤)، وقول القاضيين سوَّار بن عبد الله، وعبيد الله بن الحسن العنبري. وقال أحمد في رواية ابن مُشَيش: أهل البصرة يقولون: إذا كان الطريق واحدًا كان بينهم الشفعة مثل دارنا هذه، على معنى حديث جابر الذي يحدِّثه عبد الملك، انتهى.

стр. 1119

فأهلُ الكوفة يُثبِتون شفعةَ الجوار مع تميز الطرق والحقوق. وأهلُ المدينة يُسقِطونها مع الاشتراك في الطريق والحقوق. وأهلُ البصرة يوافقون أهلَ المدينة إذا صُرِّفت الطرق ولم يكن هناك اشتراكٌ في حقٍّ من حقوق الأملاك، ويوافقون أهلَ الكوفة إذا اشترك الجاران في حقٍّ من حقوق الأملاك كالطريق وغيرها. وهذا [٣٣٠/أ] هو الصواب، وهو أعدَلُ الأقوال، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (١). وحديث جابر الذي أنكره من أنكره على عبد الملك صريح فيه، فإنه قال: «الجار أحَقُّ بسَقَبه، يُنتظر به وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا»، فأثبت الشفعة بالجوار مع اتحاد الطريق. ونفاها به مع اختلاف الطريق بقوله: «فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق فلا شفعة». فمفهوم حديث عبد الملك هو بعينه منطوق حديث أبي سَلَمة، فأحدُهما يصدِّق الآخر ويوافقه، لا يعارضه ويناقضه، وجابرٌ روى اللفظين. فالذي دلَّ عليه حديثُ أبي سلمة عنه من إسقاط الشفعة عند تصريف الطرق وتمييز الحدود هو بعينه الذي دلَّ عليه حديثُ عبد الملك عن عطاء عنه بمفهومه. والذي دلَّ عليه حديثُ عبد الملك بمنطوقه هو الذي دلَّت عليه سائر أحاديث جابر بمفهومها. فتوافقت السنن وائتلفت بحمد الله (٢)، وزال عنها ما يظَنُّ بها من التعارض. وحديثُ أبي رافع الذي رواه البخاري يدلُّ على مثل ما دلَّ عليه حديثُ عبد الملك، فإنه دلَّ على الأخذ بالجوار حالة الشركة في الطريق،

стр. 1120

فإن البيتين كانا في نفس دار سعد، والطريق واحد بلا ريب. والقياس الصحيح يقتضي هذا القول، فإن الاشتراك في حقوق الملك شقيق الاشتراك في الملك، والضرر الحاصل بالشركة فيها نظير الضرر الحاصل بالشركة في الملك أو أقرب إليه، ورفعه [٣٣٠/ب] مصلحة الشريك (١) من غير مضرَّة على البائع ولا على المشتري. فالمعنى الذي وجبت لأجله شفعة الخلطة في الملك موجود في الخلطة في حقوقه. فهذا المذهب أوسط المذاهب، وأجمعها للأدلة، وأقربها إلى العدل. وعليه يحمل الاختلاف عن عمر ﵁. فحيث قال: «لا شفعة» (٢) ففيما إذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق، وحيث أثبتها ففيما إذا لم تصرَّف الطرق؛ فإنه قد روي عنه هذا وهذا (٣). وكذلك ما روي عن علي، فإنه قال: «إذا حُدَّت الحدود وصُرِّفت الطرق فلا شفعة» (٤). ومن تأمل أحاديث شفعة الجوار رآها صريحة في ذلك، وتبيَّن له بطلانُ

стр. 1121

حملها على الشريك وعلى حق الجوار غير الشفعة، وبالله التوفيق. فإن قيل: بقي عليكم أن في حديث جابر وأبي هريرة: «فإذا وقعت الحدود فلا شفعة»، فأسقط الشفعة بمجرَّد وقوع الحدود، وعند أرباب هذا القول إذا حصل الاشتراك في الطريق فالشفعة ثابتة، وإن وقعت الحدود؛ وهذا خلاف الحديث. فالجواب من وجهين: أحدهما: أن من الرواة من اختصر أحد اللفظين، ومنهم من جوَّد الحديث فذكَرهما، ولا يكون إسقاط من أسقط أحد اللفظين (١) مبطلًا لحكم اللفظ الآخر. الثاني: أن تصريف الطرق داخل في وقوع الحدود، فإن الطريق إذا كانت مشتركة لم تكن الحدود كلُّها واقعة، بل بعضها حاصل، وبعضها منتفٍ. فوقوع [٣٣١/أ] الحدود من كلِّ وجه يستلزم أو يتضمَّن تصريف الطرق. والله أعلم. فصل وأما قوله: «وحرَّم صومَ أول يومٍ من شوال، وفرَضَ صومَ آخر يوم من رمضان مع تساويهما»، فالمقدمة الأولى صحيحة، والثانية كاذبة. فليس اليومان متساويين، وإن اشتركا في طلوع الشمس وغروبها. فهذا يومٌ من شهر الصيام الذي فرضه الله على عباده، وهذا يومُ عيدِهم وسرورِهم الذي جعله الله تعالى شكرانَ صومهم وإتمامَه، فهم فيه أضيافه سبحانه. والجواد

стр. 1122

الكريم يحبُّ من ضيفه أن يقبل قِراه، ويكره أن يمتنع من قبول ضيافته بصوم أو غيره، ويكره للضيف أن يصوم إلا بإذن صاحب المنزل. فمن أعظم محاسن الشريعة فرضُ صوم آخرِ يوم من رمضان، فإنه إتمامٌ لما أمرَ الله به وخاتمةُ العمل؛ وتحريمُ صومِ أولِ يومٍ من شوال، فإنه يومٌ يكون فيه المسلمون أضيافَ ربِّهم ﵎، وهم في شكرانِ نعمته عليهم. فأيُّ شيء أبلغ وأحسن من هذا الإيجاب والتحريم؟ فصل وأما قوله: «وحرَّم عليه نكاحَ بنتِ أخيه وأخته، وأباح له نكاح بنت أخي أبيه وأختِ أمه (١)، وهما سواء»، فالمقدمة الأولى صادقة، والثانية كاذبة. فليستا سواءً في نفس الأمر، ولا في العُرف، ولا في العقول، ولا في الشريعة. وقد فرَّق الله سبحانه بين القريب والبعيد شرعًا وقدرًا وعقلًا وفطرةً. ولو تساوت القرابة لم يكن فرقٌ بين البنت وبنت [٣٣١/ب] الخالة وبنت العمة، وهذا من أفسد الأمور. والقرابة البعيدة بمنزلة الأجانب، فليس من الحكمة والمصلحة أن تُعطَى حكمَ القرابة القريبة. وهذا مما فطَر الله عليه العقلاء، وما خالف شرعَه في ذلك فهو إما مجوسيةٌ تتضمَّن التسوية بين البنت والأم وبنات الأعمام والخالات في نكاح الجميع، وإما حرجٌ عظيمٌ على العباد في تحريم نكاح بنات أعمامهم وعمَّاتهم وأخوالهم وخالاتهم؛ فإن الناس ــ ولا سيما العرب ــ أكثرهم بنو عمٍّ بعضُهم لبعض،

стр. 1123

إما بنوّةُ عمٍّ دانية وإما قاصية. فلو مُنعوا من ذلك لكان عليهم فيه حرج (١) وضيق. فكان ما جاءت به الشريعة أحسنَ الأمور وألصقَها بالعقول السليمة والفِطَر المستقيمة. والحمد لله رب العالمين. فصل وأما قوله: «وحمَّل العاقلةَ جنايةَ الخطأ على النفوس دون الأموال»، فقد تقدَّم أن هذا من محاسن الشريعة، وذكرنا [من] (٢) الفرق بين الأموال والنفوس ما أغنى عن إعادته. فصل وأما قوله: «وحرَّم وطءَ الحائض لأجل الأذى، وأباح وطءَ المستحاضة مع وجود الأذى، وهما متساويان»، فالمقدمة الأولى صادقة، والثانية فيها إجمال. فإن أريد أن أذى الاستحاضة مساوٍ لأذى الحيض كذبت المقدمة، وإن أريد أنه نوع آخر من الأذى لم يكن التفريق بينهما تفريقًا بين المتساويين، فبطل سؤاله على كلا التقديرين. ومن حكمة [٣٣٢/أ] الشارع تفريقه بينهما، فإن أذى الحيض أعظم وأدوَم وأضَرّ من أذى الاستحاضة. ودمُ الاستحاضة عِرق، وهو في الفرج بمنزله الرعاف في الأنف، وخروجه مضر، وانقطاعه دليل على الصحة؛ ودمُ الحيض عكس ذلك، فلا يستوي (٣) الدمان حقيقةً ولا عرفًا ولا حكمًا ولا

стр. 1124

سببًا. فمن كمال الشريعة تفريقها بين الدمين في الحكم، كما افترقا في الحقيقة. وبالله التوفيق. فصل (١) وأما قوله: «وحرَّم بيعَ مُدِّ حنطة بمُدٍّ وحُفنة، وجوَّز بيعه بقَفيز شعير»، فهذا من محاسن شريعته (٢) التي لا يهتدي إليها إلا أولو العقول الوافرة. ونحن نشير إلى حكمة ذلك إشارةً بحسب عقولنا الضعيفة وعباراتنا القاصرة، وشرعُ الرب تعالى وحكمته فوق عقولنا وعباراتنا، فنقول: الربا نوعان: جلي وخفي. فالجليُّ حُرِّم لما فيه من الضرر العظيم (٣). والخفيُّ حُرِّم، لأنه ذريعة إلى الجلي. فتحريم الأول قصدًا، وتحريم الثاني وسيلةً. فأما الجليُّ فربا النسيئة، وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، مثل أن يؤخِّر دينه ويزيده في المال، وكلما أخَّره زاد في المال، حتى تصير المائة عنده آلافًا مؤلفةً. وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدِم محتاج. فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته ويصبر عليه بزيادةٍ يبذلها له تكلَّفَ بذلَها ليفتدي من أسر المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى وقت، فيشتدُّ ضررُه، وتعظمُ مصيبتُه، ويعلوه الدَّينُ حتى يستغرق جميع موجوده. فيربو [٣٣٢/ب] المالُ على المحتاج من غير نفعٍ يحصل له، ويزيد مالُ المرابي من غير نفعٍ يحصل

стр. 1125

منه لأخيه، فيأكل مال أخيه بالباطل، ويحصل أخوه على غاية الضرر. فمن رحمة أرحمِ الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرَّم الربا، ولعن آكلَه ومؤكله وكاتبه وشاهديه، وآذَنَ من لم يدَعْه بحربه وحرب رسوله. ولم يجئ مثلُ هذا الوعيد في كبيرة غيره، ولهذا كان من أكبر الكبائر. وسئل الإمام أحمد عن الربا الذي لا شكَّ فيه فقال: هو أن يكون له دين، فيقول له: أتقضي أم تربي؟ فإن لم يقضِه زاده في المال، وزاده هذا في الأجل (١). وقد جعل الله سبحانه الربا ضد الصدقة، فالمرابي ضد المتصدِّق. قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٠ - ١٣١]. ثم ذكر الجنة التي أعدت للذين (٢) ينفقون في السرَّاء والضرَّاء، وهؤلاء ضد المُرابين. فنهى سبحانه عن الربا الذي هو ظلم للناس، وأمر بالصدقة التي هي إحسان إليهم. وفي «الصحيحين» (٣) من حديث ابن عباس عن أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قال: «إنما الربا في النسيئة». ومثل هذا [٣٣٣/أ] يراد به حصرُ الكمال وأن
следующие страницы →