← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

حملها على الشريك وعلى حق الجوار غير الشفعة، وبالله التوفيق. فإن قيل: بقي عليكم أن في حديث جابر وأبي هريرة: «فإذا وقعت الحدود فلا شفعة»، فأسقط الشفعة بمجرَّد وقوع الحدود، وعند أرباب هذا القول إذا حصل الاشتراك في الطريق فالشفعة ثابتة، وإن وقعت الحدود؛ وهذا خلاف الحديث. فالجواب من وجهين: أحدهما: أن من الرواة من اختصر أحد اللفظين، ومنهم من جوَّد الحديث فذكَرهما، ولا يكون إسقاط من أسقط أحد اللفظين (١) مبطلًا لحكم اللفظ الآخر. الثاني: أن تصريف الطرق داخل في وقوع الحدود، فإن الطريق إذا كانت مشتركة لم تكن الحدود كلُّها واقعة، بل بعضها حاصل، وبعضها منتفٍ. فوقوع [٣٣١/أ] الحدود من كلِّ وجه يستلزم أو يتضمَّن تصريف الطرق. والله أعلم. فصل وأما قوله: «وحرَّم صومَ أول يومٍ من شوال، وفرَضَ صومَ آخر يوم من رمضان مع تساويهما»، فالمقدمة الأولى صحيحة، والثانية كاذبة. فليس اليومان متساويين، وإن اشتركا في طلوع الشمس وغروبها. فهذا يومٌ من شهر الصيام الذي فرضه الله على عباده، وهذا يومُ عيدِهم وسرورِهم الذي جعله الله تعالى شكرانَ صومهم وإتمامَه، فهم فيه أضيافه سبحانه. والجواد

стр. 1122

الكريم يحبُّ من ضيفه أن يقبل قِراه، ويكره أن يمتنع من قبول ضيافته بصوم أو غيره، ويكره للضيف أن يصوم إلا بإذن صاحب المنزل. فمن أعظم محاسن الشريعة فرضُ صوم آخرِ يوم من رمضان، فإنه إتمامٌ لما أمرَ الله به وخاتمةُ العمل؛ وتحريمُ صومِ أولِ يومٍ من شوال، فإنه يومٌ يكون فيه المسلمون أضيافَ ربِّهم ﵎، وهم في شكرانِ نعمته عليهم. فأيُّ شيء أبلغ وأحسن من هذا الإيجاب والتحريم؟ فصل وأما قوله: «وحرَّم عليه نكاحَ بنتِ أخيه وأخته، وأباح له نكاح بنت أخي أبيه وأختِ أمه (١)، وهما سواء»، فالمقدمة الأولى صادقة، والثانية كاذبة. فليستا سواءً في نفس الأمر، ولا في العُرف، ولا في العقول، ولا في الشريعة. وقد فرَّق الله سبحانه بين القريب والبعيد شرعًا وقدرًا وعقلًا وفطرةً. ولو تساوت القرابة لم يكن فرقٌ بين البنت وبنت [٣٣١/ب] الخالة وبنت العمة، وهذا من أفسد الأمور. والقرابة البعيدة بمنزلة الأجانب، فليس من الحكمة والمصلحة أن تُعطَى حكمَ القرابة القريبة. وهذا مما فطَر الله عليه العقلاء، وما خالف شرعَه في ذلك فهو إما مجوسيةٌ تتضمَّن التسوية بين البنت والأم وبنات الأعمام والخالات في نكاح الجميع، وإما حرجٌ عظيمٌ على العباد في تحريم نكاح بنات أعمامهم وعمَّاتهم وأخوالهم وخالاتهم؛ فإن الناس ــ ولا سيما العرب ــ أكثرهم بنو عمٍّ بعضُهم لبعض،

стр. 1123

إما بنوّةُ عمٍّ دانية وإما قاصية. فلو مُنعوا من ذلك لكان عليهم فيه حرج (١) وضيق. فكان ما جاءت به الشريعة أحسنَ الأمور وألصقَها بالعقول السليمة والفِطَر المستقيمة. والحمد لله رب العالمين. فصل وأما قوله: «وحمَّل العاقلةَ جنايةَ الخطأ على النفوس دون الأموال»، فقد تقدَّم أن هذا من محاسن الشريعة، وذكرنا [من] (٢) الفرق بين الأموال والنفوس ما أغنى عن إعادته. فصل وأما قوله: «وحرَّم وطءَ الحائض لأجل الأذى، وأباح وطءَ المستحاضة مع وجود الأذى، وهما متساويان»، فالمقدمة الأولى صادقة، والثانية فيها إجمال. فإن أريد أن أذى الاستحاضة مساوٍ لأذى الحيض كذبت المقدمة، وإن أريد أنه نوع آخر من الأذى لم يكن التفريق بينهما تفريقًا بين المتساويين، فبطل سؤاله على كلا التقديرين. ومن حكمة [٣٣٢/أ] الشارع تفريقه بينهما، فإن أذى الحيض أعظم وأدوَم وأضَرّ من أذى الاستحاضة. ودمُ الاستحاضة عِرق، وهو في الفرج بمنزله الرعاف في الأنف، وخروجه مضر، وانقطاعه دليل على الصحة؛ ودمُ الحيض عكس ذلك، فلا يستوي (٣) الدمان حقيقةً ولا عرفًا ولا حكمًا ولا

стр. 1124

سببًا. فمن كمال الشريعة تفريقها بين الدمين في الحكم، كما افترقا في الحقيقة. وبالله التوفيق. فصل (١) وأما قوله: «وحرَّم بيعَ مُدِّ حنطة بمُدٍّ وحُفنة، وجوَّز بيعه بقَفيز شعير»، فهذا من محاسن شريعته (٢) التي لا يهتدي إليها إلا أولو العقول الوافرة. ونحن نشير إلى حكمة ذلك إشارةً بحسب عقولنا الضعيفة وعباراتنا القاصرة، وشرعُ الرب تعالى وحكمته فوق عقولنا وعباراتنا، فنقول: الربا نوعان: جلي وخفي. فالجليُّ حُرِّم لما فيه من الضرر العظيم (٣). والخفيُّ حُرِّم، لأنه ذريعة إلى الجلي. فتحريم الأول قصدًا، وتحريم الثاني وسيلةً. فأما الجليُّ فربا النسيئة، وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، مثل أن يؤخِّر دينه ويزيده في المال، وكلما أخَّره زاد في المال، حتى تصير المائة عنده آلافًا مؤلفةً. وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدِم محتاج. فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته ويصبر عليه بزيادةٍ يبذلها له تكلَّفَ بذلَها ليفتدي من أسر المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى وقت، فيشتدُّ ضررُه، وتعظمُ مصيبتُه، ويعلوه الدَّينُ حتى يستغرق جميع موجوده. فيربو [٣٣٢/ب] المالُ على المحتاج من غير نفعٍ يحصل له، ويزيد مالُ المرابي من غير نفعٍ يحصل

стр. 1125

منه لأخيه، فيأكل مال أخيه بالباطل، ويحصل أخوه على غاية الضرر. فمن رحمة أرحمِ الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرَّم الربا، ولعن آكلَه ومؤكله وكاتبه وشاهديه، وآذَنَ من لم يدَعْه بحربه وحرب رسوله. ولم يجئ مثلُ هذا الوعيد في كبيرة غيره، ولهذا كان من أكبر الكبائر. وسئل الإمام أحمد عن الربا الذي لا شكَّ فيه فقال: هو أن يكون له دين، فيقول له: أتقضي أم تربي؟ فإن لم يقضِه زاده في المال، وزاده هذا في الأجل (١). وقد جعل الله سبحانه الربا ضد الصدقة، فالمرابي ضد المتصدِّق. قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٠ - ١٣١]. ثم ذكر الجنة التي أعدت للذين (٢) ينفقون في السرَّاء والضرَّاء، وهؤلاء ضد المُرابين. فنهى سبحانه عن الربا الذي هو ظلم للناس، وأمر بالصدقة التي هي إحسان إليهم. وفي «الصحيحين» (٣) من حديث ابن عباس عن أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قال: «إنما الربا في النسيئة». ومثل هذا [٣٣٣/أ] يراد به حصرُ الكمال وأن

стр. 1126

الربا الكامل إنما هو في النسيئة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]، وكقول ابن مسعود: «إنما العالم الذي يخشى الله» (١). فصل وأما ربا الفضل ، فتحريمه من باب سدّ الذرائع، كما صرِّح به في حديث أبي سعيد الخدري (٢) عن النبي ﷺ : «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، فإني أخاف عليكم الرَّماءَ» (٣). والرَّماء هو الربا.

стр. 1127

فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة. وذلك أنهم إذا باعوا درهمًا بدرهمين، ولا يُفعَل هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعين ــ إما في الجودة، وإما في السِّكَّة (١)، وإما في الثقل والخفَّة، وغير ذلك ــ تذرَّعُوا بالربح المعجَّل فيها إلى الربح المؤخَّر، وهو عين ربا النسيئة، وهذه ذريعة قريبة جدًّا. فمن حكمة الشارع أن سدَّ عليهم هذه الذريعة، ومنَعهم من بيع درهم بدرهمين نقدًا ونسيئةً. فهذه حكمة معقولة مطابقة للعقول، وهي تسُدُّ عليهم باب المفسدة. فإذا تبيَّن هذا فنقول: الشارع نصَّ على تحريم ربا الفضل في ستة أعيان، وهي: الذهب، والفضة، والبُرّ، والشعير، والتمر، والملح. فاتفق الناس على تحريم التفاضل فيها مع اتحاد الجنس، وتنازعوا فيما عداها. فطائفة قصَرت [٣٣٣/ب] التحريمَ عليها، وأقدَمُ مَن يُروى عنه هذا قتادة، وهو مذهب أهل الظاهر، واختيار ابن عقيل في آخر مصنَّفاته مع قوله بالقياس، قال: لأن علل القيَّاسين (٢) في مسألة الربا علل ضعيفة، وإذا لم تظهر فيه علة امتنع القياس. وطائفة حرَّمته في كلِّ مكيل وموزون بجنسه. وهذا مذهب عمار (٣)

стр. 1128

وأحمد في ظاهر مذهبه وأبي حنيفة (١). وطائفة خصَّته بالطعام وإن لم يكن مكيلًا ولا موزونًا. وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد: وطائفة خصَّته بالطعام إذا كان مكيلًا أو موزونًا. وهو قول سعيد بن المسيِّب (٢) ورواية عن أحمد وقول للشافعي. وطائفة خصَّته بالقوت وما يُصلحه، وهو قول مالك (٣). وهو أرجح هذه الأقوال، كما ستراه. وأما الدراهم والدنانير، فقالت طائفة: العلة فيهما كونهما موزونين. وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه، ومذهب أبي حنيفة. وطائفة قالت: العلة فيهما الثمنية، وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في الرواية الأخرى. وهذا هو الصحيح، بل الصواب، فإنهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد وغيرهما. فلو كان النحاس والحديد ربويَّين لم يجُز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدًا، فإن ما يجري فيه الربا

стр. 1129

إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النَّساء، والعلَّة إذا انتقضت من غير فرق مؤثِّر دلَّ على بطلانها. وأيضًا فالتعليل بالوزن ليس [٣٣٤/أ] فيه مناسبة، فهو طرد محض، بخلاف التعليل بالثمنية، فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يُعرَف تقويمُ الأموال، فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا لا يرتفع ولا ينخفض؛ إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمنٌ نعتبر به المبيعاتِ، بل الجميعُ سِلَع. وحاجةُ الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تُعرَف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوَّم به الأشياء، ويستمرُّ على حالة واحدة. ولا يقوَّم هو بغيره، إذ يصير سلعةً ترتفع وتنخفض، فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلف، ويشتدُّ الضرر، كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتُّخِذت (١) الفلوسُ سلعةً تُعَدُّ للربح، فعمَّ الضرر وحصَل الظلم. ولو جُعِلت ثمنًا واحدًا لا يزداد ولا ينقص بل تقوَّم به الأشياء ولا تقوَّم هي بغيرها لصلَح أمرُ الناس. فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير ــ مثل أن يعطي صحاحًا ويأخذ مكسَّرةً، أو خفافًا ويأخذ ثقالًا أكثر منها ــ لصارت متجرًا، وجَرَّ ذلك إلى ربا النسيئة فيها ولا بدَّ. فالأثمانُ لا تُقصَد لأعيانها، بل يُقصَد التوسُّلُ بها إلى السِّلع. فإذا صارت في أنفسها سِلَعًا تُقْصَد لأعيانها فسَد أمرُ الناس. وهذا معنى معقول (٢) يختصُّ بالنقود لا يتعدَّى إلى سائر الموزونات.

стр. 1130

فصل وأما الأصناف الأربعة المطعومة، [٣٣٤/ب] فحاجةُ الناس إليها أعظمُ من حاجتهم إلى غيرها؛ لأنها أقوات العالم، وما يُصلحها. فمن رعاية مصالح العباد أن مُنِعوا من بيع بعضها ببعض إلى أجل، سواء اتحد الجنس أو اختلف، ومُنِعوا من بيع بعضها ببعض حالًا متفاضلًا وإن اختلفت صفاتها، وجُوِّز لهم التفاضل فيها مع اختلاف أجناسها. وسرُّ ذلك ــ والله أعلم ــ أنه لو جُوِّز بيعُ بعضها ببعض نَساءً لم يفعل ذلك أحد إلا إذا ربح، وحينئذ تشِحُّ نفسُه ببيعها حالَّةً، لطمعه في الربح، فيعزُّ الطعام على المحتاج، ويشتدُّ ضررُه. وعامة أهل الأرض ليس عندهم دراهم ولا دنانير، ولا سيما أهل العمود والبوادي، وإنما يتناقلون الطعام بالطعام. فكان من رحمة الشارع بهم وحكمته أن منعهم من ربا النَّساء فيها، كما منَعهم من ربا النساء في الأثمان؛ إذ لو جُوِّز لهم النَّساء فيها لدخلها: «إما أن تَقضي وإما أن تُربي» (١)، فيصير الصاع الواحد (٢) قُفْزانًا كثيرةً، ففُطِموا عن النَّساء، ثم فُطِموا عن بيعها متفاضلًا يدًا بيدٍ، إذ تجرُّهم حلاوةُ الربح وظفرُ الكسب إلى التجارة فيها نَساءً، وهو عين المفسدة. وهذا بخلاف الجنسين المتباينين، فإن حقائقهما وصفاتهما ومقاصدهما مختلفة، ففي إلزامهم المساواةَ في بيعها إضرارٌ بهم، ولا يفعلونه. وفي تجويز النَّساء بينها ذريعةٌ إلى: «إما أن تَقضي وإما أن تُربي»، فكان من تمام رعاية مصالحهم أن قصَرهم على بيعها يدًا بيد كيف شاؤوا،

стр. 1131

فحصلت لهم مصلحة المناقلة، [٣٣٥/أ] واندفعت عنهم مفسدة: «إما أن تقضي وإما أن تربي». وهذا بخلاف ما إذا بيعت بالدراهم أو غيرها من الموزونات نَساءً، فإن الحاجة داعية إلى ذلك، فلو مُنعوا منه لأضرَّ بهم، ولامتنع السَّلَمُ الذي هو من مصالحهم فيما هم محتاجون إليه أكثر من غيره، والشريعة لا تأتي بهذا. وليس بهم حاجة في بيع هذه الأصناف بعضها ببعض نَساءً، وهو ذريعة قريبة إلى مفسدة الربا، فأبيح لهم في جميع ذلك ما تدعو حاجتهم إليه (١) وليس بذريعة إلى مفسدة راجحة، ومُنِعوا مما لا تدعو الحاجة إليه ويُتذَرَّع به غالبًا إلى مفسدة راجحة. يوضِّح ذلك: أنَّ مَن عنده صنفٌ من هذه الأصناف، وهو محتاج إلى الصنف الآخر، فإنه يحتاج إلى بيعه بالدراهم ليشتري الصنف الآخر، كما قال النبي ﷺ : «بِعِ الجَمْعَ بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جَنيبًا» (٢) أو يبيعه بذلك الصنف نفسَه بما يساوي. وعلى كلا التقديرين يحتاج إلى بيعه حالًّا، بخلاف ما لو مُكِّن من النَّساء، فإنه حينئذ يبيعه بفضل، ويحتاج أن يشتري الصنف الآخر بفضل؛ لأن صاحب ذلك الصنف يُربي عليه كما أربى هو على غيره، فينشأ من النَّساء تضرُّرٌ بكلِّ واحد منهما. والنَّساء هاهنا في صنفين، وفي النوع الأول في صنف واحد، وكلاهما منشأ الضرر والفساد.

стр. 1132

وإذا تأملتَ ما حُرِّم فيه النساء رأيته إما صنفًا واحدًا أو صنفين مقصودهما واحد أو [٣٣٥/ب] متقارب، كالدراهم والدنانير، والبُرِّ والشعير، والتمر والزبيب. فإذا تباعدت المقاصد لم يحرَّم النَّساء كالبُرِّ والثياب والحديد والزيت. يوضِّح ذلك: أنه لو مُكِّن من بيع مُدِّ حنطةٍ بمُدَّين كان ذلك تجارة حاضرة، فتطلب النفوس التجارة المؤخرة للذة الكسب وحلاوته؛ فمُنِعوا من ذلك حتى مُنِعوا من التفرُّق قبل القبض إتمامًا لهذه الحكمة، ورعايةً لهذه المصلحة؛ فإن المتعاقدين قد يتعاقدان على الحلول، والعادة جارية بصبر أحدهما على الآخر، وكما يفعل أرباب الحيل: يطلقون العقدَ وقد تواطؤوا على أمر آخر، كما يطلقون عقدَ النكاح وقد اتفقوا على التحليل، ويطلقون بيعَ السِّلعة إلى أجل وقد اتفقوا على أنه يعيدها إليه بدون ذلك الثمن. فلو جُوِّز لهم التفرقُ قبل القبض لأطلقوا البيع حالًّا وأخَّروا الطلب لأجل الربح، فيقعوا في نفس المحذور. وسرُّ المسألة: أنهم مُنِعوا من التجارة في الأثمان بجنسها، لأن ذلك يُفسِد عليهم مقصود الأثمان؛ ومُنعوا من التجارة في الأقوات بجنسها، لأن ذلك يُفسِد عليهم مقصودَ الأقوات. وهذا المعنى بعينه موجود في بيع التبر والعين، لأن التِّبر ليس فيه صنعة يُقصَد لأجلها، فهو بمنزلة الدراهم التي قصد الشارع ألا يفاضَل بينها، ولهذا قال: «تِبرُها وعينُها سواء» (١).

стр. 1133

فظهرت حكمة تحريم ربا النَّساء في الجنس والجنسين، وربا الفضل في الجنس [٣٣٦/أ] الواحد، وأنَّ تحريمَ هذا تحريمُ المقاصد وتحريمَ الآخر تحريمُ الوسائل وسَدِّ الذرائع، ولهذا لم يُبَح شيء من ربا النسيئة. فصل وأما ربا الفضل، فأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة كالعرايا، فإنَّ ما حُرِّم سدًّا للذريعة أخفُّ مما حرِّم تحريمَ المقاصد. وعلى هذا فالمصوغ والحلية إن كانت صياغةً (١) محرَّمةً كالآنية حُرِّم بيعُه بجنسه وغير جنسه. وبيعُ هذا هو الذي أنكره عبادةُ على معاوية (٢)، فإنه يتضمَّن مقابلة الصياغة المحرَّمة بالأثمان، وهذا لا يجوز كآلات الملاهي. وأما إن كانت الصياغة مباحة ــ كخاتم الفضة وحلية النساء وما أبيح من حلية السلاح وغيرها ــ فالعاقل لا يبيع هذه بوزنها من جنسها، فإنه سفه وإضاعة للصنعة. والشارع أحكَمُ من أن يُلزِم الأمة بذلك، فالشريعة لا تأتي به، ولا تأتي بالمنع من بيع ذلك وشرائه لحاجة الناس إليه. فلم يبق إلا أن يقال: لا يجوز بيعها بجنسها البتةَ، بل يبيعها بجنس آخر. وفي هذا من الحرج والعسر

стр. 1134

والمشقة ما تنفيه (١) الشريعة، فإن أكثر الناس ليس عندهم ذهب يشترون به ما يحتاجون إليه من ذلك، والبائعُ لا يسمح ببيعه ببُرٍّ وشعير وثياب، وتكليفُ الاستصناع (٢) لكلِّ من احتاج إليه إما متعذِّر أو متعسِّر، والحيل باطلة في الشرع. وقد جوَّز الشارعُ بيعَ الرطب بالتمر لشهوة الرطب (٣)، وأين هذا من الحاجة إلى بيع المصوغ الذي تدعو الحاجة إلى بيعه وشرائه؟ فلم [٣٣٦/ب] يبق إلا جواز بيعه كما تباع السلع. فلو لم يجُز بيعُه بالدراهم فسدت مصالح الناس. والنصوص الواردة عن النبي ﷺ ليس فيها ما هو صريح في المنع، وغايتها أن تكون عامّة أو مطلقة، ولا يُنكَر تخصيصُ العامِّ وتقييدُ المطلق بالقياس الجلي. وهي بمنزلة نصوص وجوب الزكاة في الذهب والفضة، والجمهور يقولون: لم تدخل في ذلك الحلية، ولا سيَّما فإن لفظ النصوص في الموضعين قد ذكر تارةً بلفظ الدراهم والدنانير كقوله: «الدرهم بالدرهم والدينار بالدينار» (٤)، وفي الزكاة قوله: «في الرِّقَة ربعُ العشر» (٥) والرِّقة: هي الوَرِق، وهي الدراهم المضروبة، وتارةً بلفظ الذهب والفضة. فإن حُمِل المطلَق على المقيَّد كان نهيًا عن الربا في النقدين وإيجابًا للزكاة فيهما، ولا يقتضي ذلك نفيَ الحكم عن جملة ما عداهما. بل فيه تفصيل، فتجب الزكاة

стр. 1135

ويجري الربا في بعض صوره، لا في كلِّها. وفي هذا توفيةُ الأدلَّة حقَّها، وليس فيه مخالفة (١) لدليل منها. يوضِّحه: أن الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسِّلَع، لا من جنس الأثمان. ولهذا لم تجب فيها الزكاة، فلا يجري الربا بينها وبين الأثمان كما لا يجري بين الأثمان وبين سائر السلع، وإن كانت من غير جنسها؛ فإن هذه بالصناعة قد خرجت عن مقصود الأثمان، وأُعِدَّت للتجارة، فلا محذور في بيعها بجنسها. ولا يدخلها: «إما أن تقضي وإما أن تُربي» إلا كما يدخل في سائر السِّلَع [٣٣٧/أ] إذا بيعت بالثمن المؤجَّل. ولا ريب أن هذا قد يقع فيها، لكن لو سُدَّ على الناس ذلك لَسُدَّ عليهم بابُ الدين، وتضرَّروا بذلك غاية الضرر. يوضِّحه: أن الناس على عهد نبيِّهم ﷺ كانوا يتخذون الحلية، وكان النساء يلبسنها، وكنَّ يتصدَّقن بها في الأعياد وغيرها (٢). ومن المعلوم بالضرورة أنه كان يعطيها المحاويج (٣)، ويعلم أنهم يبيعونها. ومعلومٌ قطعًا أنها لا تباع بوزنها فإنه سَفَه، ومعلومٌ أن مثل الحلقة والخاتم والفَتْخَة (٤) لا تساوي دينارًا، ولم يكن عندهم فلوس يتعاملون بها، وهم كانوا أتقى لله،

стр. 1136

وأفقه في دينه، وأعلمَ بمقاصد رسوله، من أن يرتكبوا الحيل أو يعلِّموها الناس. يوضِّحه: أنه لا يُعرَف عن أحد من الصحابة أنه نهَى أن يباع الحلي إلا بغير جنسه أو بوزنه، والمنقول عنهم إنما هو في الصَّرْف. يوضِّحه: أن تحريم ربا الفضل إنما كان سدًّا للذريعة كما تقدَّم بيانه، وما حُرِّم سدًّا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، كما أبيحت العرايا من ربا الفضل، وكما أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر، وكما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب والمعامل من جملة النظر المحرَّم. وكذلك تحريمُ الذهب والحرير على الرجال، حُرِّم لسدِّ ذريعةِ التشبُّه بالنساء الملعونِ فاعلُه، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة. وكذلك ينبغي أن يباح بيعُ الحلية المصوغة صياغةً مباحةً بأكثر من وزنها، لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، [٣٣٧/ب] وتحريمُ التفاضل إنما كان سدًّا للذريعة، فهذا محض القياس ومقتضى أصول الشرع، ولا تتمُّ مصلحة الناس إلا به أو بالحيل، والحيل باطلة في الشرع. وغايةُ ما في ذلك جعلُ (١) الزيادة في مقابلة الصياغة (٢) المباحة المتقوِّمة بالأثمان في الغصوب وغيرها. وإذا كان أربابُ الحيل يجوِّزون بيعَ عشرة بخمسة عشر في خرقة تساوي فلسًا، ويقولون: الخمسة في مقابلة الخرقة؛ فكيف ينكرون بيعَ الحلية بوزنها وزيادةٍ تساوي الصياغة؟ وكيف تأتي الشريعة الكاملة الفاضلة التي بهرت العقول حكمةً وعدلًا ورحمةً وجلالةً بإباحة هذا وتحريم ذاك، وهل هذا إلا عكس للمعقول والفطر والمصلحة؟

стр. 1137

والذي يُقضَى منه العجب مبالغتُهم في ربا الفضل أعظم مبالغة، حتى منعوا بيعَ رطل زيت برطل زيت، وحرَّموا بيعَ الكُسْب (١) بالسِّمسم، وبيعَ النَّشا بالحنطة، وبيعَ الخلِّ بالزبيب، ونحو ذلك؛ وحرَّموا بيعَ مدِّ حنطة ودرهم بمُدٍّ ودرهم وجاؤوا إلى ربا النسيئة، ففتحوا للتحيُّل عليه كلَّ باب، فتارةً بالعِينة، وتارةً بالمحلِّل، وتارة بالشرط المتقدِّم المتواطأ عليه، ثم يطلقون العقد من غير اشتراط، وقد علِم الله والكرام الكاتبون والمتعاقدان ومَن حضر أنه عقدُ ربا، مقصودُه وروحُه بيعُ خمسة عشر مؤجَّلةً بعشرة نقدًا ليس إلا، ودخول السلعة كخروجها حرفٌ جاء لمعنى في غيره، فهلَّا فعلوا هاهنا كما فعلوا في مسألة «مُدُّ عَجْوة ودرهم بمُدٍّ ودرهم»! [٣٣٨/أ] وقالوا: قد يُجعَل وسيلةً إلى ربا الفضل بأن يكون المُدُّ في أحد الجانبين يساوي بعض المُدِّ في الجانب الآخر، فيقع التفاضل. فيا لله العجب! كيف حُرِّمت هذه الذريعةُ إلى ربا الفضل، وأبيحت تلك الذرائع القريبة الموصلة إلى ربا النسيئة بحتًا خالصًا؟ وأين مفسدةُ بيع الحلية

стр. 1138

بجنسها ومقابلة الصياغة (١) بحظِّها من الثمن إلى مفسدة الحيل الربوية التي هي أساسُ كلِّ مفسدة وأصلُ كلِّ بليَّة؟ وإذا حصحص الحق فليقل المتعصِّب الجاهل ما شاء! وبالله التوفيق. فإن قيل: الصفات لا تقابَل بالزيادة، ولو قوبلت بها لجاز بيع الفضة الجيدة بأكثر منها من الرديئة، وبيع التمر الجيد بأزيد منه من الرديء. ولمَّا أبطل الشارع ذلك عُلِمَ أنه منَع من مقابلة الصفات بالزيادة. قيل: الفرق بين الصنعة التي هي أثرُ فعلِ الآدمي وتُقابَل بالأثمان ويستحقُّ عليها الأجرة وبين الصفة التي هي مخلوقة لله لا أثر للعبد فيها ولا هي من صنعته. فالشارع بحكمته وعدله منَع من مقابلة هذه الصفة بزيادة، إذ ذلك يفضي إلى نقض ما شرعه من المنع من التفاضل؛ فإن التفاوت في هذه الأجناس ظاهر، والعاقل لا يبيع جنسًا بجنسه إلا لما بينهما من التفاوت، فإن كانا متساويين من كلِّ وجه لم يفعل ذلك، فلو جوَّز لهم مقابلة الصفات بالزيادة لم يحرِّم عليهم ربا الفضل. وهذا بخلاف الصياغة (٢) التي جَوَّز لهم المعاوضة عليها معه. يوضِّحه: [٣٣٨/ب] أن المعاوضة إذا جازت على هذه الصياغة مفردةً جازت عليها مضمومةً إلى غير أصلها وجوهرها، إذ لا فرق بينهما في ذلك. يوضِّحه: أن الشارع لا يقول لصاحب هذه الصياغة: بِعْ هذا المصوغ بوزنه، واخسَرْ صياغتك. ولا يقول له: لا تعمل هذه الصياغة واتركها. ولا

стр. 1139

يقول له: تحيَّلْ على بيع المصوغ بأكثر من وزنه بأنواع الحيل. ولم يقل قطُّ: لا تبعه إلا بغير جنسه، ولم يحرِّم على أحد أن يبيع شيئًا من الأشياء بجنسه. فإن قيل: فهَبْ أن هذا قد سَلِم لكم في المصوغ، فكيف يسلَم لكم في الدراهم والدنانير المضروبة إذا بيعت بالسبائك مفاضَلًا، وتكون الزيادة في مقابلة صناعة الضرب؟ قيل: هذا سؤال قوي وارد. وجوابه أن السِّكَّة لا تتقوَّم فيها الصناعةُ للمصلحة العامة المقصودة منها، فإن السلطان يضربها لمصلحة الناس العامة. وإن كان الضارب يضربها بأجرة فإن القصد بها أن تكون معيارًا للناس لا يتَّجرون فيها، كما تقدَّم. والسكّة فيها غير مقابلة بالزيادة في العُرف (١)، ولو قوبلت بالزيادة (٢) فسدت المعاملة، وانتقضت المصلحة التي ضُربت لأجلها، واتخذها الناس سلعة، واحتاجت إلى التقويم بغيرها. ولهذا قام الدرهم مقام الدرهم من كلِّ وجه، وأخذ الرجل الدراهم ورَدَّ نظيرها (٣)؛ وليس المصوغ كذلك. ألا ترى أن الرجل يأخذ مائةً خفافًا ويردُّ خمسين ثقالًا بوزنها، ولا يأبى ذلك الآخذ ولا القابض، ولا يرى أحدهما أنه [٣٣٩/أ] قد خسر شيئًا؟ وهذا بخلاف المصوغ. والنبيُّ ﷺ وخلفاؤه لم يضربوا درهمًا واحدًا، وأولُ من ضربها في الإسلام عبد الملك بن مروان،

стр. 1140

وإنما كانوا يتعاملون بضرب الكفار. فإن قيل: فيلزمكم على هذا أن تجوِّزوا بيعَ فروع الأجناس بأصولها متفاضلا، فجوِّزوا بيعَ الحنطةِ بالخبز (١) متفاضلا، والزيتِ بالزيتون، والسمسمِ بالشَّيْرَج. قيل: هذا سؤال وارد أيضًا. وجوابه أن التحريم إنما يثبت بنص أو إجماع، أو تكون الصورة المحرَّمة بالقياس مساويةً من كلِّ وجه للمنصوص على تحريمها، والثلاثة منتفية في فروع الأجناس مع أصولها. وقد تقدَّم أن غير الأصناف الأربعة لا يقوم مقامها، ولا يساويها في إلحاقها بها. وأما الأصناف الأربعة ففرعُها إن خرج عن كونه قوتًا لم يكن من الربويات، وإن كانت قوتًا كان جنسًا قائمًا بنفسه، وحُرِّم بيعُه بجنسه الذي هو مثلُه متفاضلًا كالدقيق بالدقيق، والخبز بالخبز. ولم يحرَّم بيعُه بجنس آخر وإن كان أصلهما (٢) واحدًا؛ فلا يحرَّم السمسم بالشَّيرج، ولا الهريسة بالخبز؛ فإن هذه الصناعة لها قيمة، فلا تضيع على صاحبها. ولم يحرِّم بيعَها بأصولها كتاب (٣) ولا سنة ولا إجماع ولا قياس. ولا حرام إلا ما حرَّمه الله، كما أنه لا عبادة إلا ما شرعها الله، وتحريم الحلال كتحليل الحرام. فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم ببيع اللحم بالحيوان، فإنكم إن منعتموه

стр. 1141

نقضتم قولكم، [٣٣٩/ب] وإن جوَّزتموه خالفتم النص. وإذا كان النصُّ قد منعَ من بيع اللحم بالحيوان، فهو دليل على المنع من بيع الخبز بالبُرِّ، والزيت بالزيتون، وكلِّ ربوي بأصله. قيل: الكلام في هذا الحديث في مقامين: أحدهما في صحته، والثاني في معناه. أما الأول فهو حديث لا يصح موصولًا، وإنما هو صحيح مرسلًا. فمن لم يحتجَّ بالمرسل لم يَرِدْ عليه، ومن رأى قبول المرسل مطلقًا أو مراسيلَ سعيد بن المسيِّب فهو حجة عنده. قال أبو عمر (١): «لا أعلم حديثَ النهي عن بيع اللحم بالحيوان متصلًا عن النبي ﷺ من وجه ثابت. وأحسَنُ أسانيده مرسَلُ سعيد بن المسيِّب، كما ذكره مالك في «موطئه» (٢). وقد اختلف الفقهاء في القول بهذا الحديث والعمل به والمراد منه. فكان مالك يقول: معنى الحديث تحريمُ التفاضل في الجنس الواحد حيوانِه بلحمه. وهو عنده من باب المزابَنة والغَرر والقمار, لأنه لا يدري هل في الحيوان مثلُ اللحم الذي أعطَى أو أقلُّ أو أكثرُ، وبيعُ اللحم باللحم لا يجوز متفاضلًا، فكان بيعُ الحيوان باللحم كبيع اللحم المغيَّب في جلده بلحمٍ إذا كانا من جنس واحد».

стр. 1142

قال (١): «وإذا اختلف الجنسان، فلا خلاف عن مالك وأصحابه أنه جائز حينئذ بيعُ الحيوان باللحم (٢)». وأما أهل الكوفة كأبي حنيفة وأصحابه، فلا يأخذون بهذا الحديث، ويجوِّزون بيعَ اللحم بالحيوان مطلقًا. وأما أحمد، فيمنع بيعَه بحيوان من جنسه، ولا يمنع بيعه بغير جنسه، وإن منعه بعض [٣٤٠/أ] أصحابه. وأما الشافعي فيمنع بيعه بجنسه وبغير جنسه. وروى الشافعي (٣) عن ابن عباس أن جزورًا نُحِرَت على عهد أبي بكر الصديق، فقُسِمت على عشرة

стр. 1143

أجزاء. فقال رجل: أعطوني جزءًا منها بشاة، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا. قال الشافعي: ولست أعلم لأبي بكر في ذلك مخالفا من الصحابة (١). والصواب في هذا الحديث ــ إن ثبت ــ أن المراد به إذا كان الحيوان مقصودًا للَّحم كشاةٍ يقصد لحمُها، فيباع (٢) بلحم؛ فيكون قد باع لحمًا بلحمٍ أكثرَ منه من جنس واحد. واللحم قوت موزون، فيدخله ربا الفضل. وأما إذا كان الحيوان غير مقصود به اللحم، كما إذا كان غيرَ مأكول أو مأكولًا لا يُقصَد لحمُه كالفرس تباع بلحم إبل؛ فهذا لا يحرم بيعه به. بقي إذا كان الحيوان مأكولًا لا يُقصَد لحمُه، وهو من غير جنس اللحم، فهذا يشبه المزابنة بين الجنسين كبيع صُبْرَةِ تمرٍ بصُبْرة زبيب. وأكثر الفقهاء لا يمنعون من ذلك، إذ غايته التفاضل بين الجنسين، والتفاضل المتحقِّق جائز بينهما فكيف بالمظنون؟ وأحمد في إحدى الروايتين عنه يمنع ذلك، لا لأجل التفاضل، ولكن لأجل المزابنة وشبه القمار؛ وعلى هذا فيمتنع بيعُ اللحم بحيوان من غير جنسه. والله أعلم. فصل وأما قوله: «ومنَعَ المرأة من الإحداد على أبيها وابنها (٣) فوق ثلاث، وأوجَبه على زوجها أربعة أشهر وعشرًا وهو أجنبي»، فيقال: هذا من تمام محاسن هذه الشريعة، وحكمتها، ورعايتها لمصالح العباد على أكمل

стр. 1144

الوجوه. [٣٤٠/ب] فإنَّ الإحدادَ على الميت من تعظيم مصيبة الموت التي كان أهلُ الجاهلية يبالغون فيها أعظمَ مبالغة، ويُضيفون إلى ذلك شقَّ الجيوب، ولطمَ الخدود، وحلقَ الشعور، والدعاءَ بالويل والثبور. وتمكُث المرأة سنةً في أضيق بيت وأوحشه لا تمَسُّ طيبًا ولا تدَّهن ولا تغتسل، إلى غير ذلك مما هو تسخُّطٌ (١) على الربِّ تعالى وأقداره. فأبطل الله سبحانه برحمته ورأفته سنَّة الجاهلية، وأبدَلَنا بها الصبرَ والحمدَ والاسترجاعَ الذي هو أنفع للمُصاب في عاجلته وآجلته. ولما كانت مصيبةُ الموت لا بد أن تُحدِث للمصاب من الجزع والألم والحزن ما تتقاضاه الطباعُ سمَح لها الحكيمُ الخبيرُ في اليسير من ذلك، وهو ثلاثة أيام يجد بها نوعَ راحةٍ، ونقضي (٢) بها وطرًا من الحزن؛ كما رخَّص للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا. وما زاد على الثلاث فمفسدته راجحة، فمنَع منه؛ بخلاف مفسدة الثلاث فإنها مرجوحة مغمورة بمصلحتها. فإن فطام النفوس عن مألوفاتها بالكلِّية من أشقِّ الأمور عليها، فأُعطيت بعضَ الشيء ليسهل عليها تركُ الباقي، فإن النفس إذا أخذت بعضَ مرادها قنِعت به، فإذا سئلت تركَ الباقي كانت إجابتُها إليه أقربَ من إجابتها لو حُرِمَتْه بالكلِّية. ومَن تأمَّل أسرارَ الشريعة وتدبَّر حِكَمَها رأى ذلك ظاهرًا على صفحات أوامرها ونواهيها، باديًا لمن بصرُه ثاقب (٣)؛ فإذا حرم عليهم شيئا عوَّضهم

стр. 1145

عنه بما هو [٣٤١/أ] خير لهم منه وأنفع، وأباح لهم منه ما تدعو حاجتُهم إليه ليسهُل عليهم تركُه؛ كما حرَّم عليهم بيع الرطب بالتمر، وأباح لهم منه العرايا. وحرَّم عليهم النظرَ إلى الأجنبية وأباح لهم منه نظرَ الخاطب والمُعامل والطبيب. وحرَّم عليهم أكلَ المال بالمغالبات الباطلة كالنَّرد والشِّطْرَنج وغيرهما، وأباح لهم أكلَه بالمغالبات النافعة كالمسابقة والنضال. وحرَّم عليهم لباسَ الحرير، وأباح لهم منه اليسير الذي تدعو الحاجة إليه. وحرَّم عليهم كسبَ المال بربا النسيئة، وأباح لهم كسبَه بالسَّلَم. وحرَّم عليهم في الصيام وطءَ نسائهم، وعوَّضهم عن ذلك بأن أباحه لهم ليلًا، فسهَّل عليهم تركَه بالنهار. وحرَّم عليهم الزنا، وعوَّضهم بأخذ ثانية وثالثة ورابعة، ومن الإماء ما شاؤوا، فسهّل عليهم تركَه غاية التسهيل. وحرَّم عليهم الاستقسامَ بالأزلام، وعوَّضهم عنه بالاستخارة ودعائها، ويا بُعدَ ما بينهما! وحرَّم عليهم نكاح أقاربهم، وأباح لهم منه بناتِ العَمِّ والعَمَّةِ والخالِ والخالة. وحرَّم عليهم وطءَ الحائض، وسمح لهم في مباشرتها وأن يصنعوا بها كلَّ شيء إلا الوطَء، فسهَّل عليهم تركَه غاية السهولة. وحرَّم عليهم الكذبَ، وأباح لهم المعاريض التي لا يحتاج مَن عَرَفها إلى الكذب معها البتة، وأشار إلى هذا بقوله: «إنَّ في المعاريض مندوحةً عن الكذب» (١). وحرم عليهم الخيلاء بالقول والفعل، وأباحها لهم في الحرب

стр. 1146

لما فيها من المصلحة الراجحة الموافقة لمقصود الجهاد. [٣٤١/ب] وحرَّم عليهم كلَّ ذي ناب من السباع ومِخلَبٍ من الطير، وعوَّضهم عن ذلك بسائر أنواع الوحوش والطير على اختلاف أجناسها وأنواعها. وبالجملة فما حرَّم عليهم خبيثًا ولا ضارًّا إلا أباح لهم طيّبًا بإزائه أنفعَ لهم منه. ولا أمرَهم بأمرٍ إلا وأعانهم عليه، فوَسِعَتهم رحمتُه، ووَسِعَهم تكليفُه. والمقصود: أنه أباح للنساء ــ لضعف عقولهن وقلة صبرهن ــ الإحدادَ على موتاهن ثلاثة أيام. وأما الإحداد على الأزواج (١)، فإنه تابع للعِدَّة وهو من مقتضياتها ومكمِّلاتها، فإن المرأة إنما تحتاج إلى التزيُّن والتجمُّل والتعطُّر، لتتحبَّب إلى زوجها، وتردَّ (٢) نفسَه، ويحسن ما بينهما من العشرة. فإذا مات الزوج، واعتدَّت منه، وهي لم تصل إلى زوج آخر= فاقتضى تمامُ حقِّ الأول وتأكيدُ المنع من الثاني قبل بلوغ الكتابِ أجلَه أن تُمنَع مما تصنعه النساء لأزواجهن؛ مع ما في ذلك من سدِّ الذريعة إلى طمعها في الرجال، وطمعهم فيها بالزينة والخضاب والتطيُّب. فإذا بلغ الكتابُ أجلَه صارت محتاجةً إلى ما يرغِّب في نكاحها، فأبيح لها من ذلك ما يباح لذات الزوج. فلا شيءَ أبلغُ في الحسن من هذا المنع والإباحة، ولو اقترحت عقولُ

стр. 1147

العالمين لم تقترح شيئًا أحسنَ منه (١). فصل وأما قوله: «وسوَّى بين الرجل والمرأة في العبادات البدنية والحدود، وجعلها على النصف منه في الدية والشهادة والميراث والعقيقة»، فهذا أيضًا من كمال شريعته (٢) وحكمتها ولطفها. [٣٤٢/أ] فإنَّ مصلحةَ العبادات البدنية ومصلحةَ العقوبات، الرجالُ والنساءُ مشتركون فيها، وحاجة أحد الصنفين إليها كحاجة الصنف الآخر، فلا يليق التفريق بينهما. نعم، فرَّقت بينهما في أليق المواضع بالتفريق وهو الجمعة والجماعة، فخُصَّ وجوبُهما بالرجال دون النساء لأنهن لسن من أهل البروز ومخالطة الرجال؛ وكذلك فُرِّق (٣) بينهما في عبادة الجهاد التي ليس الإناث من أهلها. وسوَّت بينهما في وجوب الحج لاحتياج النوعين إلى مصلحته، وفي وجوب الزكاة والصيام والطهارة. وأما الشهادة فإنما جُعِلت المرأة فيها على النصف من الرجل؛ لحكمة أشار إليها العزيز الحكيم في كتابه، وهي أن المرأة ضعيفة العقل قليلة الضبط لما تحفظه. وقد فضَّل الله الرجال على النساء في العقول والفهم والحفظ والتمييز، فلا تقوم المرأة في ذلك مقام الرجل. وفي منع قبول شهادتها بالكلية إضاعةٌ لكثير من الحقوق وتعطيلٌ لها، فكان من أحسن الأمور وألصقها بالعقول، أن ضُمَّ إليها في قبول الشهادة نظيرُها لِتُذَكِّرها إذا

стр. 1148

نسيَتْ، فتقوم شهادة المرأتين مقامَ شهادة الرجل، ويقع من العلم أو الظن الغالب بشهادتهما ما يقع بشهادة الرجل الواحد. وأما الدية، فلما كانت المرأةُ أنقصَ من الرجل، والرجلُ أنفعَ منها، ويسُدُّ ما لا تسُدُّه المرأة من المناصب الدينية والولايات، وحفظ الثغور والجهاد، وعمارة الأرض، وعمل الصنائع التي لا تتم مصالح العالم [٣٤٢/ب] إلا بها، والذَّبِّ عن الدنيا والدين= لم تكن قيمتُهما مع ذلك متساويةً، وهي الدية. فإنَّ ديةَ الحرِّ جاريةٌ مجرى قيمة العبد وغيره من الأموال، فاقتضت حكمة الشارع أن جعل قيمتها على النصف من قيمته لتفاوت ما بينهما. فإن قيل: لكنكم نقضتم هذا، فجعلتم ديتهما سواءً فيما دون الثلث. قيل: لا ريب أن السنة وردت بذلك، كما رواه النسائي (١) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «عَقْلُ المرأة مثلُ عَقْل الرَّجُل حتَّى تبلُغَ الثُّلُثَ من ديَتها» (٢). وقال سعيد بن المسيِّب: إنَّ

стр. 1149

ذلك (١) السنة (٢)؛ وإن خالف فيه أبو حنيفة والشافعي والليث والثوري وجماعة، وقالوا: هي النصف (٣) في القليل والكثير؛ ولكن السنة أولى. والفرق بين ما دون الثلث وما زاد عليه أن ما دونه قليل، فجُبِرت مصيبةُ المرأة فيه بمساواتها للرجل. ولهذا استوى الجنين الذكر والأنثى في الدية، لقلَّة ديته، وهي الغُرَّة، فنزل ما دون الثلث منزلة الجنين. وأما الميراث، فحكمة التفضيل فيه ظاهرة. فإن الذكر أحوج إلى المال من الأنثى، لأن الرجال قوَّامون على النساء، والذكر أنفع للميت في حياته من الأنثى. وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله بعد أن فرَض الفرائض وفاوَتَ بين مقاديرها: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١]. وإذا كان الذكر أنفع من الأنثى وأحوج كان أحقَّ بالتفضيل. فإن قيل: فهذا ينتقض بولد الأم. [٣٤٣/أ] قيل: بل طردُ هذا (٤) التسويةُ بين ولد الأم ذكرهم وأنثاهم،

стр. 1150

فإنهم إنما يرثون بالرحم المجرَّد، فالقرابة التي يرثون بها قرابةُ أنثى فقط، وهم فيها سواء؛ فلا معنى لتفضيل ذكرهم على أنثاهم، بخلاف قرابة الأب. وأما العقيقة، فأمر التفضيل فيها تابع لشرف الذكر، وما ميَّزه الله به على الأنثى. ولما كانت النعمة به على الوالد أتمَّ، والسرور والفرحة به أكمل؛ كان الشكران عليه أكثر؛ فإنه كلما كثرت النعمة كان شكرها أكثر. والله أعلم. فصل وأما قولهم (١): «وخصَّ بعضَ الأزمنة والأمكنة، وفضَّل بعضها على بعض، مع تساويها» إلى آخره، فالمقدمة الأولى صادقة، والثانية كاذبة. وما فضَّل بعضَها على بعض إلا لخصائص قامت بها، اقتضت التخصيص؛ وما خصَّ سبحانه شيئًا إلا بمخصص، ولكنه قد يكون ظاهرًا وقد يكون خفيًّا. واشتراكُ الأزمنة والأمكنة في مسمَّى الزمان والمكان كاشتراك الحيوان في مسمَّى الحيوانية، والإنسان في مسمَّى الإنسانية، بل وسائر الأجناس في المعنى الذي يعمُّها؛ وذلك لا يوجب استواءها في أنفسها. والمختلفات تشترك في أمور كثيرة. والمتفقات تتباين في أمور كثيرة، والله سبحانه أحكَمُ وأعلَمُ من أن يرجِّح مِثلًا على مِثلٍ من كلِّ وجه، بلا صفة تقتضي ترجيحه؛ هذا مستحيل في خلقه وأمره، كما أنه سبحانه لا يفرِّق بين المتماثلين من كلِّ وجه. فحكمته وعدله تأبى هذا وهذا. وقد نزَّه سبحانه نفسَه عمَّن يظنُّ [٣٤٣/ب] به ذلك، وأنكر عليه زعمَه الباطل، وجعله حكمًا منكرًا. ولو جاز عليه ما يقول هؤلاء لبطلت حججه

стр. 1151

وأدلته، فإن مبناها على أنَّ حكمَ الشيء حكمُ مثله، وعلى أنه لا يسوِّي (١) بين المختلفين، فلا يجعل الأبرار كالفجار، ولا المؤمنين كالكفار، ولا من أطاعه كمن عصاه، ولا العالم كالجاهل. وعلى هذا مبنى الجزاء، فهو حكمه الكوني والديني، وجزاؤه الذي هو ثوابه وعقابه. وبذلك حصل الاعتبار، ولأجله ضُربت الأمثال، وقُصَّت علينا أخبار الأنبياء وأممهم. ويكفي في بطلان هذا المذهب المتروك الذي هو من أفسَدِ مذاهبِ العالم أنه يتضمن لمساواة (٢) ذات جبريل لذات إبليس، وذات الأنبياء لذات أعدائهم، ومكان البيت العتيق لمكان (٣) الحُشوش (٤) وبيوت الشياطين، وأنه لا فرق بين هذه الذوات في الحقيقة. وإنما خُصَّت (٥) هذه الذات عن هذه الذات بما خُصَّت به لمحض المشيئة المرجِّحة مِثلًا على مِثلٍ بلا مُوجِب. بل قالوا ذلك في جميع الأجسام، وأنها متماثلة. فجسمُ المسك عندهم مساوٍ لجسم البول والعَذِرة، وإنما امتاز عنه بصفة عرضية، وجسمُ الثلج عندهم مساوٍ لجسم النار في الحقيقة. وهذا مما خرجوا به عن صريح المعقول، وكابروا فيه الحِسَّ، وخالفهم فيه جمهورُ العقلاء من أهل الملل والنحل. وما سوَّى الله بين جسم السماء وجسم الأرض، ولا بين جسم النار وجسم الماء، ولا بين جسم الهواء وجسم الحجر. وليس مع المنازعين في

стр. 1152

ذلك [٣٤٤/أ] إلا الاشتراك في أمر عام، وهو قبولُ الانقسام، وقيامُ الأبعاد الثلاثة، والإشارةُ الحِسِّيَّة، ونحو ذلك، مما لا يوجب التشابه، فضلًا عن التماثل. وبالله التوفيق. فصل وأما قوله: «إن الشريعة جمعت بين المختلفات، كما جمعت بين الخطأ والعمد في ضمان الأموال» فغيرُ منكَر في العقول والفِطَر والشرائع والعادات اشتراكُ المختلفات في حكم واحد، باعتبار اشتراكها في سبب ذلك الحكم؛ فإنه لا مانع من اشتراكها في أمرٍ يكون علةً لحكم من الأحكام، بل هذا هو الواقع. وعلى هذا، فالخطأ والعمد اشتركا في الإتلاف الذي هو علّة للضمان، وإن افترقا في علّة الإثم. وربطُ الضمان بالإتلاف من باب ربط الأحكام بأسبابها. وهو من (١) مقتضى العدل الذي لا تتم المصلحة إلا به، كما أوجب على القاتل خطأً ديةَ القتيل. ولذلك لا يعتمد التكليف، فيضمن الصبي والمجنون والنائم ما أتلفوه من الأموال. وهذا من الشرائع العامة التي لا تتم مصالح الأمة إلا بها. فلو لم يضمنوا جنايات أيديهم لأتلفَ بعضُهم أموالَ بعض، وادَّعى الخطأ وعدم القصد. وهذا بخلاف أحكام الإثم والعقوبات، فإنها تابعة للمخالفة وكسب العبد ومعصيته؛ ففرَّقت الشريعة فيها بين العامد والمخطئ. وكذلك البر والحنث في الأيمان، فإنه نظير الطاعة والعصيان في الأمر والنهي؛ فيفترق الحال فيه بين العامد والمخطئ.

стр. 1153

وأما جمعُها [٣٤٤/ب] بين المكلَّف وغيره في الزكاة، فهذه مسألة نزاع واجتهاد. وليس عن صاحب الشرع نصٌّ بالتسوية ولا بعدمها، والذين سوَّوا بينهما رأوا ذلك من حقوق الأموال التي جعل (١) الله سبحانه الأموال سببًا في ثبوتها. وهي حقٌّ للفقراء في نفس هذا المال، سواء كان مالكه مكلَّفًا أو غير مكلَّف؛ كما جعل في ماله حقَّ الإنفاق على بهائمه ورقيقه وأقاربه، فكذلك جعل في ماله حقًّا للفقراء والمساكين. فصل وأما جمعُها بين الهرَّة والفأرة في الطهارة، فهذا حقٌّ، وأيُّ تفاوت في ذلك؟ وكأن السائل رأى أن العداوة التي بينهما توجب اختلافهما في الحكم كالعداوة التي بين الشاة والذئب. وهذا جهل منه؛ فإن هذا أمرٌ لا تعلُّقَ له بطهارة ولا نجاسة ولا حِلٍّ ولا حرمة. والذي جاءت به الشريعة من ذلك في غاية الحكمة والمصلحة، فإنها لو جاءت بنجاستهما لكان فيه أعظمُ حرج ومشقة على الأمة لكثرة طوفانهما على الناس ليلًا ونهارًا، وعلى فُرُشهم وثيابهم وأطعمتهم، كما أشار إليه ﷺ بقوله في الهرة: «إنَّها ليستْ بِنَجَسٍ. إنَّها مِنَ الطَّوَّافين عليكم والطَّوَّافات» (٢). فصل وأما جمعُها بين الميتة وذبيحةِ غيرِ الكتابي في التحريم، وبين ميتة الصيد وذبيحة المُحْرِم له، فأيُّ تفاوت في ذلك؟ وكأن السائل رأى أن الدم لما احتَقَن في الميتة كان سببًا لتحريمها، وما ذبَحه المُحْرِم أو الكافر غيرُ

стр. 1154

الكتابي لم يحتقِن دمه؛ فلا وجهَ لتحريمه. وهذا غلط وجهل، فإن علَّة التحريم [٣٤٥/أ] لو انحصرت في احتقان الدم لكان للسؤال وجه. فأما إذا تعددت عللُ التحريم لم يلزم من انتفاء بعضها انتفاءُ الحكم إذا خلَفَه علّةٌ أخرى. وهذا أمر مطرد في الأسباب والعلل العقلية، فما الذي ينكر منه في الشرع؟ فإن قيل: أليس قد سوَّت الشريعة بينهما في كونهما ميتةً، وقد اختلفا في سبب الموت، فتضمَّنت جمعَها بين مختلفين، وتفريقَها بين متماثلين؟ فإن الذبح واحد صورةً وحسًّا وحقيقةً، فجعلت بعضَ صوره مُخْرِجًا للحيوان عن كونه ميتةً، وبعضَ صوره مُوجِبًا لكونه ميتةً، من غير فرق. قيل: الشريعة لم تسوِّ بينهما في اسم الميتة لغةً، وإنما سوَّت بينهما في الاسم الشرعي؛ فصار اسمُ الميتة في الشرع أعمَّ منه في اللغة. والشارع يتصرَّف في الأسماء اللغوية بالنقل تارةً، وبالتعميم تارةً، وبالتخصيص تارة. وهكذا يفعل أهلُ العرف. فهذا ليس بمنكر شرعًا ولا عرفًا. وأما الجمعُ بينهما في التحريم، فلأن الله سبحانه حرَّم علينا الخبائث، والخبثُ الموجِبُ للتحريم قد يظهر لنا وقد يخفى، فما كان ظاهرًا لم ينصِب عليه الشارع علامةً غير وصفه، وما كان خفيًّا نصَب عليه علامةً تدل على خبثه. فاحتقانُ الدم في الميتة سبب ظاهر، وأما ذبيحة المجوسي والمرتدِّ وتاركِ التسمية ومَن أهلَّ بذبيحته لغير الله، فنفسُ ذبيحة هؤلاء أكسبَت المذبوحَ خبثًا أوجَبَ تحريمَه. ولا يُنكِر أن يكون ذكرُ اسم الأوثان والكواكب والجنّ على الذبيحة يُكْسِبها خبثًا، وذكرُ اسمِ [٣٤٥/ب] الله وحده يُكْسِبها طِيبًا، إلا مَن قلَّ نصيبُه من حقائق العلم والإيمان وذوق الشريعة. وقد جعل الله سبحانه ما لم

стр. 1155

يُذكر اسمُ الله عليه من الذبائح فسقًا وهو الخبيث. ولا ريب أن ذكرَ اسمِ الله على الذبيحة يُطيِّبها، ويطرُد الشيطانَ عن الذابح والمذبوح. فإذا أخلَّ بذكر اسمه لابَسَ الشيطانُ الذابحَ والمذبوحَ، فأثَّر ذلك خبثًا في الحيوان. والشيطان يجري في مجاري الدم من الحيوان، والدمُ مركبه وحامله، وهو أخبث الخبائث، فإذا ذكر الذابحُ اسمَ الله خرج الشيطانُ مع الدم، فطابت الذبيحة. فإذا لم يذكُر اسمَ الله لم يخرج الخبث. وأما إذا ذكر اسمَ عدوِّه من الشياطين والأوثان فإن ذلك يكسب الذبيحة خبثًا آخر. يوضِّحه أن الذبيحة تجري مجرى العبادة، ولهذا يقرُن الله سبحانه بينهما، كقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]. وقال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٦ - ٣٧]، فأخبر أنه إنما سخَّرها لمن يذكر اسمَه عليها، وأنه إنما يناله التقوى، وهو التقرُّب إليه بها وذكر اسمه عليها. فإذا لم يذكُر اسمَه عليها كان ممنوعًا من أكلها، وكانت مكروهةً لله، فأكسبتها كراهيتُه لها ــ حيث لم يذكر [٣٤٦/أ] عليها اسمَه أو ذكر عليها اسمَ غيره ــ وصفَ الخبث، فكانت بمنزلة الميتة. وإذا كان هذا في متروك التسمية وما ذُكِر عليه اسمُ غير الله، فما ذبحه عدوُّه المشركُ به الذي هو من أخبَث البريَّةِ أولى بالتحريم؛ فإن فعل الذابح وقصده وخبثه لا ينكر أن يؤثِّر في المذبوح، كما أن خبث الناكح ووصفه وقصده يؤثِّر في المرأة المنكوحة. وهذه أمور إنما يصدِّق بها مَن أشرق فيه نورُ الشريعة وضياؤها، وباشر قلبَه بشاشةُ حِكَمِها وما

стр. 1156

اشتملت عليه من المصالح في القلوب والأبدان، وتلقَّاها صافيةً من مشكاة النبوة، وأحكم العقدَ بينها وبين الأسماء والصفات التي لم يَطمِسْ نورَ حقائقها ظلمةُ التأويل والتحريف. فصل وأما جمعُها بين الماء والتراب في التطهير، فلله ما أحسنه من جَمعٍ، وألطفه وألصقه بالعقول السليمة والفِطَر المستقيمة! وقد عقد الله سبحانه الإخاءَ بين الماء والتراب قدرًا وشرعًا، فجمعهما الله ، وخلَق منهما آدم وذريته، فكانا أبوين اثنين لأبوينا وأولادهما؛ وجعل منهما حياةَ كلِّ حيوان، وأخرج منهما أقواتَ الدَّوابِّ والناس والأنعام. وكانا أعمَّ الأشياء وجودًا، وأسهلَها تناولًا. وكان تعفيرُ الوجه في التراب لله من أحبِّ الأشياء إليه. ولما كان عقدُ هذه الأخوة بينهما قدرًا أحكمَ عَقْدٍ وأقواه كان عقدُ الأخوة بينهما شرعًا أحسنَ عَقْدٍ وأصحَّه. ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ [٣٤٦/ب] فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٦]. فصل فهذا ما يتعلَّق بقول أمير المؤمنين ﵁: «واعرف الأشباه والنظائر»، وفي لفظ: «واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبِّها إلى الله وأشبَهِها بالحق». فلنرجع إلى شرح باقي كتابه. ثم قال: «وإياك والغضب، والقلق (١)، والضجر، والتأذِّيَ بالناس،

стр. 1157

والتنكُّرَ عند الخصومة، أو الخصوم ــ شكَّ أبو عبيد ــ فإن القضاء في مواطن الحقِّ مما يُوجِب الله به الأجر، ويُحسِن به الذخر». هذا (١) الكلام تضمَّنَ (٢) أمرين: أحدهما: التحذير مما يحول بين الحاكم وبين كمال معرفته بالحق، وتجريد قصده له؛ فإنه لا يكون خير الأقسام الثلاثة إلا باجتماع هذين الأمرين فيه. والغضبُ والقلق والضجر مضادٌّ لهما، فإن الغضب غُول العقل يغتاله كما تغتاله الخمر. ولهذا نهى النبيُّ ﷺ أن يقضيَ القاضي بين اثنينِ وهو غضبانُ (٣). والغضب نوع من الغلق والإغلاق الذي يُغلِق على صاحبه بابَ حسن التصور والقصد. وقد نصَّ أحمد على ذلك في رواية حنبل، وترجم عليه أبو بكر في كتابيه «الشافي» و «زاد المسافر»، وعقَد له بابًا، فقال في كتاب «الزاد»: باب النية في الطلاق وذكر الإغلاق. قال أبو عبد الله في رواية حنبل (٤): عن عائشة سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لا طَلاقَ ولا عَتاق في إِغْلاقٍ» (٥) فهذا

стр. 1158

الغضب. وأوصى بعضُ العلماء لوليِّ أمر فقال [٣٤٧/أ]: إياك والغلَق والضجر، فإن صاحب الغلَق لا يقدم عليه حقٌّ (١)، وصاحبُ الضجر لا يصبر على حقٍّ (٢). والأمر الثاني: التحريض على تنفيذ الحق، والصبر عليه، وجعل الرضا بتنفيذه في موضع الغضب، والصبر في موطن (٣) القلق والضجر، والتحلِّي به واحتساب ثوابه في موضع التأذِّي. فإن هذا دواء ذلك الداء الذي هو من لوازم الطبيعة البشرية وضعفها، فما لم يصادفه هذا الدواءُ فلا سبيل إلى زواله. هذا مع ما في التنكُّر للخصوم من إضعاف نفوسهم، وكسر قلوبهم، وإخراس ألسنتهم عن التكلُّم بحججهم خشيةَ معرَّة التنكُّر. ولا سيما أن يتنكَّر لأحد الخصمين دون الآخر، فإن ذلك الداء العُضال. وقوله: «فإن القضاء في مواطن الحقِّ مما يُوجب الله به الأجر، ويُحسن به الذخر». هذا عبودية الحكام وولاة الأمر التي تراد منهم. ولله سبحانه على كلِّ أحد عبودية بحسب مرتبته، سوى العبودية العامَّة التي سوَّى بين عباده فيها. فعلى العالم من عبوديته نشرُ السنة والعلم الذي بعث الله به رسوله ما

стр. 1159

ليس على الجاهل، وعليه من عبودية الصبر على ذلك ما ليس على غيره. وعلى الحاكم من عبودية إقامةِ الحقِّ وتنفيذِه، وإلزامِ مَن (١) عليه به، والصبرِ على ذلك، والجهاد عليه= ما ليس على المفتي. وعلى الغني من عبودية أداء الحقوق التي في ماله ما ليس على الفقير. وعلى القادر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بيده ولسانه ما ليس على العاجز عنهما. وتكلَّم يحيى بن معاذ الرازي يومًا في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي [٣٤٧/ب] عن المنكر، فقالت له امرأة: هذا واجب قد وُضِعَ عنَّا. فقال: هبي (٢) أنه قد وُضِعَ عنكنَّ سلاحُ اليد واللسان، فلم يُوضَع عنكن سلاحُ القلب. فقالت: صدقتَ، جزاك الله خيرًا. وقد غرَّ إبليسُ أكثرَ الخلق بأن حسَّن لهم القيامَ بنوعٍ من الذكر والقراءة والصلاة والصيام والزهد في الدنيا والانقطاع، وعطَّلوا هذه العبوديات، فلم يحدِّثوا قلوبَهم بالقيام بها. وهؤلاء عند ورثة الأنبياء من أقلِّ الناس دينًا، فإن الدين هو القيام لله بما أمر به. فتاركُ حقوق الله التي تجب عليه أسوأُ حالًا عند الله ورسوله من مرتكب المعاصي؛ فإنَّ تركَ الأمر أعظم من ارتكاب النهي من أكثر من ثلاثين وجهًا ذكرها شيخنا (٣) في بعض تصانيفه (٤).

стр. 1160

ومن له خبرةٌ بما بعث الله به رسولَه وبما كان عليه هو وأصحابه رأى أنَّ أكثرَ من يشار إليهم بالدين هم أقلُّ الناس دينًا، والله المستعان. وأيُّ دين وأيُّ خير فيمن يرى محارمَ الله تُنتهَك، وحدودَه تُضاعُ، ودينَه يُترَك، وسنَّةَ رسوله (١) يُرغَب عنها؛ وهو بارد القلب، ساكت اللسان، شيطان أخرس؟ كما أن المتكلِّم بالباطل شيطان ناطق، وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سَلِمت لهم مآكلُهم ورياساتُهم فلا مبالاةَ بما جرى على الدين؟ وخيارهم المتحزِّن المتلمِّظ (٢). ولو نُوزِع في بعض ما فيه غضاضةٌ عليه في جاهه أو ماله بذَل وتبذَّل وجدَّ واجتهَد، واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة بحسب وسعه. وهؤلاء ــ مع سقوطهم من عين الله، ومقتِ [٣٤٨/أ] الله لهم ــ قد بُلُوا في الدنيا بأعظم بليَّةٍ تكون، وهم لا يشعرون. وهو موت القلوب، فإن القلب كلما كانت حياته أتمَّ كان غضبُه لله ورسوله أقوى، وانتصارُه للدين أكمل. وقد ذكر الإمام أحمد وغيره أثرًا: أنَّ اللهَ سبحانه أوحى إلى مَلَكٍ من الملائكة أن اخسفْ بقرية كذا وكذا. فقال: يا ربِّ كيف وفيهم فلانٌ العابدُ؟ فقال: به فابدأْ، فإنه لم يتمعَّرْ وجهُه فيَّ يومًا قطُّ (٣).
следующие страницы →