← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

عمل كأنه رأيُ عينٍ، وجمهور التابعين يعمل به بالمدينة وغيرها من الأمصار كما حكاه البخاري ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما عنهم، ثم صار العمل بخلافه. وانظر إلى العمل الذي كأنه رأيُ عينٍ من صلاة رسول الله ﷺ على ابنَيْ بيضاءَ سهيلٍ وأخيه في المسجد والصحابةُ معه، وصلَّت عائشة على سعد بن أبي وقاص في المسجد (١)، وصُلِّي (٢) على عمر بن الخطاب في المسجد، ذكره مالك (٣) عن نافع عن عبد الله. قال الشافعي (٤): ولا نرى أحدًا من الصحابة حضر موتَه فتخلَّف عن جنازته، فهذا عمل مجمع عليه عندكم. قاله لبعض المالكية. وروى هشام عن أبيه أن أبا بكر صُلِّي عليه في المسجد (٥)، [١١٥/ب] فهذا العمل حقًّا، ولو تُرِكت السنن للعمل لتعطَّلت سنن رسول الله ﷺ ودَرستْ رسومها وعَفَتْ آثارها، وكم من عملٍ قد (٦) اطَّرد بخلاف السنة الصريحة (٧) على

стр. 1542

تقادم الزمان وإلى الآن، وكلَّ وقت تُترك سنة ويُعمل بخلافها ويستمرُّ عليها العمل، فخُذْ يسيرًا من السنة معمولًا به على نوع تقصير، وخُذْ بلا حُسْبانٍ ما شاء الله من سُنَنٍ قد أُهمِلتْ وعُطِّلَ العملُ بها جملة؛ فلو عمل بها من يعرفها لقال الناس: تَركتَ السنة! فقد تقرَّر أن كل عمل خالف السنة الصحيحة لم يقع من طريق النقل البتةَ، وإنما يقع (١) من طريق الاجتهاد، والاجتهاد إذا خالف السنة كان مردودًا، وكل عمل طريقه النقلُ فإنه لا يخالف سنة صحيحة البتةَ. فلنرجع إلى الأمثلة التي تُرِك فيها المحكم للمتشابه، فنقول: المثال السابع والخمسون: تركُ السنة المحكمة الصحيحة في الجهر بآمين في الصلاة كقوله في «الصحيحين»: «إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا فإنه من وافقَ تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفِر له» (٢). ولولا جهره بالتأمين لما أمكن المأمومَ أن يؤمِّن معه ويوافقه في التأمين. وأصرحُ من هذا حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كُهيل عن حُجْر بن عَنْبس عن وائل بن حجر قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: «آمين»، ورفع بها صوته. وفي لفظ: وطوَّل بها». رواه الترمذي وغيره (٣)، وإسناده صحيح. وقد خالف شعبةُ سفيانَ في هذا الحديث فقال: «وخفَضَ بها

стр. 1543

صوته» (١)، وحكم أئمة الحديث وحفَّاظه (٢) في هذا لسفيان، فقال الترمذي (٣): سمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل في هذا الباب أصحُّ من حديث شعبة، أخطأ شعبة في هذا الحديث في مواضع، فقال: «عن حجر أبي العَنْبس»، وإنما كنيته أبو السكن، وزاد فيه «علقمة بن وائل»، [١١٦/أ] وإنما هو حُجْر بن عَنْبس عن وائل بن حجر، ليس فيه علقمة، وقال: «وخفض بها صوته»، والصحيح أنه جهر بها. قال الترمذي (٤): وسألت أبا زرعة عن حديث سفيان وشعبة هذا، فقال: حديث سفيان أصحُّ من حديث شعبة، وقد روى العلاء بن صالح عن سلمة بن كهيل نحو رواية سفيان. وقال الدارقطني (٥): كذا (٦) قال شعبة: «وأخفى بها صوته»، ويقال: إنه وهمَ فيه؛ لأن سفيان الثوري (٧) ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما رووه عن سلمة فقالوا: ورفع صوتَه بآمين، وهو الصواب.

стр. 1544

وقال البيهقي (١): لا أعلم اختلافًا بين أهل العلم بالحديث أن سفيان وشعبة إذا اختلفا فالقول قول سفيان. وقال يحيى بن سعيد: ليس أحد أحبَّ إليَّ من شعبة، ولا يعدِلُه عندي أحد، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان. وقال شعبة: سفيان أحفظُ مني (٢)؛ فهذا ترجيح لرواية سفيان. وترجيح ثان: وهو متابعة العلاء بن صالح ومحمد بن سلمة بن كهيل له (٣). وترجيح ثالث: وهو أن أبا الوليد الطيالسي ــ وحسْبُك به ــ رواه عن شعبة بوفاق الثوري في متنه (٤)، فقد اختلف على شعبة كما ترى. قال البيهقي (٥): فيحتمل أن يكون تنبَّه لذلك فعاد إلى الصواب في متنه، وترك ذكر علقمة في إسناده. وترجيح رابع: وهو أن الروايتين لو تقاومتا لكانت رواية الرفع متضمنة لزيادة، وكانت أولى بالقبول. وترجيح خامس: وهو موافقتها وتفسيرها لحديث أبي هريرة: «إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا، فإنّ الإمام يقول آمين والملائكة تقول: آمين، فمن وافقَ تأمينُه

стр. 1545

تأمينَ الملائكة غفر له» (١). وترجيح سادس: وهو ما رواه الحاكم (٢) بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغَ من (٣) قراءة أم القرآن رفع صوتَه بآمين. ولأبي داود بمعناه، وزاد بيانًا فقال: «قال آمين حتى [١١٦/ب] يسمع من يليه من الصف الأول» (٤). وفي رواية عنه: «كان النبي ﷺ إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، يرفع بها صوته، ويأمر بذلك» (٥). وذكر البيهقي عن علي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول آمين إذا قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٦). وعنده أيضًا عنه: أن النبي ﷺ كان إذا قرأ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ رفع صوته بآمين. وعند أبي داود عن بلال أنه (٧) قال

стр. 1546

للنبي ﷺ : «لا تسبِقْني بآمينَ» (١). قال الربيع (٢): سئل الشافعي عن الإمام: هل يرفع صوته بآمين؟ قال: نعم، ويرفع بها مَن خلفه أصواتَهم، فقلت: وما الحجة؟ فقال: أخبرنا مالك، وذكر حديث أبي هريرة (٣) المتفق على صحته، ثم قال: ففي قول رسول الله ﷺ : «إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا» دلالةٌ على أنه أمر الإمام أن يجهر بآمين؛ لأن من خلفه لا يعرفون وقتَ (٤) تأمينه إلا بأن يسمع تأمينه، ثم بيَّنه ابن شهاب فقال: وكان رسول الله ﷺ يقول: آمين (٥). فقلت للشافعي: فإنا نكره للإمام أن يرفع صوته بآمين، فقال: هذا خلاف ما روى صاحبنا وصاحبكم عن رسول الله ﷺ ، ولو لم يكن عندنا وعندهم علم إلا هذا الحديث الذي ذكرناه عن مالك فينبغي أن يستدل بأن النبي ﷺ كان يجهر بآمين، وأنه أمر الإمام أن يجهر بها، فكيف ولم يزل أهل العلم عليه؟ وروى وائل بن حجر أن النبي ﷺ كان يقول آمين يرفع بها صوته، ويحكي مدَّه إياها (٦) (٧). وكان أبو هريرة يقول للإمام: لا تَسبِقْني بآمين، وكان يؤذن له (٨). أخبرنا مسلم بن خالد عن

стр. 1547

ابن جريج عن عطاء: كنتُ أسمع الأئمة ابن الزبير ومن بعده يقولون آمين، ومن خلفهم آمين، حتى إن للمسجد للجَّةً (١). وقوله: «كان أبو هريرة [١١٧/أ] يقول للإمام لا تسبِقْني بآمين»، يريد ما ذكره البيهقي (٢) بإسناده عن أبي رافع أن أبا هريرة كان يؤذِّن لمروان بن الحكم، فاشترط أن لا يسبقه بالضالين، حتى يعلم أنه قد وصل الصفّ، فكان مروان إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال (٣) أبو هريرة: «آمين» يمدُّ بها صوته، وقال: إذا وافق تأمينُ أهل الأرض تأمينَ أهل السماء غُفِر لهم. وقال عطاء: أدركتُ مائتين من أصحاب رسول الله ﷺ في هذا المسجد إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ سُمِعتْ لهم رجَّةٌ بآمين (٤). فردَّ هذا كله بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. والذي أُنزِلت عليه هذه الآية هو الذي رفع صوتَه بالتأمين، والذين أُمِروا بها رفعوا به أصواتهم، ولا معارضةَ بين الآية والسنة بوجهٍ ما. المثال الثامن والخمسون: ترك القول بالسنة الصحيحة الصريحة المحكمة في أن الصلاة الوسطى صلاة العصر، بالمتشابه من قوله: ﴿وَقُومُوا

стр. 1548

لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وهذا عجب من العجب، وأعجبُ منه تركها بأن في مصحف عائشة: «وصلاة العصر»، وأعجب منهما تركها (١) بأن صلاة الظهر تُقام في شدّة الحر، وهي (٢) في وسط النهار، فأكَّدها الله سبحانه بقوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. وأعجب من ذلك تركها بأن المغرب وُسطى بين الثنائية والرباعية؛ فهي أحقُّ بهذا الاسم من غيرها! وأعجب منه تركها بأن صلاة العشاء قبلها صلاة آخر النهار، وبعدها صلاة أول النهار، وهي وسطى بينهما، فهي أحقُّ بهذا الاسم من غيرها. وقول رسول الله ﷺ ونصُّه الصريح المحكم الذي لا يحتمل إلا ما دل عليه أولى بالاتباع، والله الموفق. المثال التاسع والخمسون: ترك السنة الصحيحة الصريحة في قول الإمام: «ربنا ولك الحمد»، كما في «الصحيحين» (٣) من حديث أبي هريرة: [١١٧/ب] كان رسول الله ﷺ إذا قال: «سمع الله لمن حمده» قال: «اللهم ربنا ولك الحمد». وفيهما (٤) أيضًا عنه: كان رسول الله ﷺ يكبّر حين يقوم، ثم يكبّر حين يركع، ثم يقول: «سمع الله لمن حمده»، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: «ربنا ولك الحمد». وفي «صحيح مسلم» عن ابن عمر (٥) أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: «سمع الله لمن

стр. 1549

حمده، اللهمَّ ربنا لك الحمد مِلءَ السماوات ومِلءَ الأرض ومِلءَ ما شئتَ من شيء بعدُ». وعن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: «سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات وملءَ الأرض وملءَ ما شئتَ من شيء بعدُ، أهلَ الثناء والمجد، أحقّ ما قال العبد ــ وكلُّنا لك عبد ــ لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا معطيَ لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ» (١). فرُدَّت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من قوله: «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد» (٢). المثال الستون: ردُّ السنة الصحيحة المحكمة في إشارة المصلي في التشهد بإصبعه (٣) كقول ابن عمر: كان رسول الله ﷺ إذا جلس في الصلاة وضع كفَّه اليمنى (٤) على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلَّها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام. رواه مسلم. وعنده أيضًا عنه: أن رسول الله ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ووضع إصبعه التي تلي الإبهام فدعا بها (٥). وعنده أيضًا عن عبد الله بن الزبير: أن رسول الله ﷺ كان إذا قعد في الصلاة وضع يديه على ركبتيه وأشار بإصبعه (٦)، ورواه خُفاف بن

стр. 1550

إِيماء بن رَحَضَة (١) ووائل بن حُجر وعبادة بن الصامت ومالك بن نُمير (٢) الخزاعي عن أبيه كلُّهم عن النبي ﷺ أنه فعل ذلك (٣). وسئل ابن عباس [١١٨/أ] عنه فقال: هو الإخلاص (٤). فردُّوا ذلك كلَّه بحديث لا يصح، وهو ما رواه محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن أبي غطفان المرّي عن أبي هريرة مرفوعًا: «التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء، ومن أشار في صلاته إشارةً تُفهَم عنه فليعِدْها» (٥).

стр. 1551

قال الدارقطني (١): قال لنا ابن أبي داود: أبو غطفان هذا مجهول، وآخر الحديث زيادة في الحديث، ولعله من قول ابن إسحاق، والصحيح عن النبي ﷺ أنه (٢) كان يشير في الصلاة. المثال الحادي والستون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة في ضَفْر (٣) رأس المرأة الميتة ثلاثَ ضَفَائر (٤)، كقوله في «الصحيحين» في غسل ابنته: «اجعلنَ رأسها ثلاثة قرون». قالت أم عطية: ضَفَرنا (٥) رأسها وناصيتها وقرنيها ثلاثة قرون وألقيناه من خلفها (٦). فردَّ ذلك بأنه يُشبِه زينة الدنيا، وإنما يُرسَل شعرها شُقَّتينِ على ثَديَيْها. وسنة رسول الله ﷺ أحقُّ بالإتباع. المثال الثاني والستون: ترك السنة الصحيحة الصريحة التي رواها الجماعة عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال: «صليتُ مع رسول الله ﷺ ، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره» (٧). لم يقل: «على صدره» غير مؤمَّل بن إسماعيل.

стр. 1552

وفي «صحيح مسلم» (١) عنه: أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة ثم كبَّر، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده (٢) اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه ثم رفعهما وكبَّر فرفع، فلما قال سمع الله لمن حمده رفع يديه، فلما سجد سجد بين كفَّيه». وزاد أحمد وأبو داود: «ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرُّصْغ (٣) والساعد» (٤). وفي «صحيح البخاري» (٥) عن سهل بن سعد قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: [١١٨/ب] ولا أعلمه إلا يَنْمِي ذلك إلى النبي ﷺ . وفي «السنن» عن ابن مسعود أنه كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه النبي ﷺ فوضع يده اليمنى على اليسرى (٦). وقال [علي] (٧):

стр. 1553

«من السنة في الصلاة وضع الأكُفّ على الأكُفّ تحت السرّة». رواه أحمد (١). وقال مالك في «موطّئه» (٢): «وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة»، ثم ذكر حديث سهل بن سعد. وذكر عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصري أنه قال: «من كلام النبوة إذا لم تستحِ فافعلْ ما شئتَ، ووضعُ إحدى اليدين على الأخرى في الصلاة يضع اليمنى على اليسرى، وتعجيل الفطر، والاستيناء بالسحور» (٣). وذكر أبو عمر في كتابه (٤) من حديث الحارث بن غُطَيف أو غُطَيف بن الحارث قال: مهما رأيتُ شيئًا فنسيتُه فإني لم أنسَ أني رأيت رسول الله ﷺ واضعًا يده اليمنى على اليسرى في الصلاة (٥). وعن قَبِيصة بن هُلْب (٦) عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ واضعًا يمينه على

стр. 1554

شماله في الصلاة (١). وقال علي بن أبي طالب: من السنة وضع اليمنى على الشمال في الصلاة (٢). وعنه أيضًا أنه كان إذا قام إلى الصلاة وضع يمينه على رُسْغه، فلا يزال كذلك حتى يركع، إلا أن يُصلِح ثوبه أو يَحُكَّ جسده (٣). وقال علي في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]: إنه وضع اليمين (٤) على الشمال في الصلاة تحت (٥) الصدر» (٦). وذكر ابن أبي شيبة عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال هكذا، ووضع اليمنى على اليسرى (٧).

стр. 1555

وقال أبو الدرداء: من أخلاق النبيين وضع اليمين على الشمال في الصلاة (١). وقال ابن الزبير: صفُّ القدمين ووضع اليد على اليد من السنة (٢). ذكر هذه الآثار أبو عمر بأسانيدها، وقال: هي آثار ثابتة، وقال وهب بن بقية: ثنا محمد [١١٩/أ] بن المطّلب عن أبان بن بشير المعلّم ثنا يحيى بن أبي كثير ثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثٌ من النبوة: تعجيل الفطر، وتأخير السحور، ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة» (٣). وقال سعيد بن منصور: أنا هشيم أنا منصور بن زاذان عن محمد بن أبان الأنصاري عن عائشة قالت: ثلاث من النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة (٤). فردَّتْ هذه الآثار برواية ابن القاسم عن مالك قال: تركه أحبُّ إليّ. ولا أعلم شيئا قطُّ رُدَّتْ به سواه.

стр. 1556

المثال الثالث والستون: ردّ السنة المحكمة الصريحة في تعجيل الفجر وأن النبي ﷺ كان يقرأ فيها بالستين إلى المائة (١)، ثم ينصرف منها والنساء لا يُعرفن من الغَلَس (٢)، وأن صلاته كانت التغليس حتى توفّاه الله (٣)، وأنه إنما أسفرَ بها مرةً واحدة (٤)، وكان بين سحوره وصلاته قدر خمسين آية (٥). فردَّ (٦) ذلك بمجمل حديث رافع بن خَديج: «أسْفِروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر» (٧). وهذا بعد ثبوته إنما المراد به (٨) الإسفار بها دوامًا لا ابتداءً، فيدخل (٩) فيها مغلِّسًا ويخرج منها مُسفِرًا كما كان يفعله ﷺ ؛ فقوله موافق لفعله لا مناقضٌ له، وكيف يُظنُّ به المواظبة على فعلِ ما الأجرُ الأعظم (١٠) في خلافه.

стр. 1557

المثال الرابع والستون: ردّ السنة الثابتة الصريحة المحكمة في امتداد وقت المغرب إلى سقوط الشفق، كما في «صحيح مسلم» (١) من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : «وقتُ صلاة الظهر ما لم تحضر العصرُ، ووقتُ العصر ما لم تصفرَّ الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط ثَوْرُ (٢) الشفق، ووقت العشاء (٣) إلى نصف [١١٩/ب] الليل، ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس». وفي «صحيحه» أيضًا (٤) عن أبي موسى أن سائلًا سأل رسول الله ﷺ عن المواقيت فذكر الحديث، وفيه: «ثم أمره فأقام المغرب حين وَجَبتِ الشمس، فلما كان في اليوم الثاني قال: ثم أخَّر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، ثم قال: الوقت ما بين هذين». وهذا متأخر عن حديث جبريل؛ لأنه كان بمكة، وهذا قول وذاك فعل، وهذا يدلّ على الجواز وذاك على الاستحباب، وهذا في «الصحيح» وذاك في «السنن»، وهذا يوافق قوله ﷺ : «وقتُ كل صلاةٍ ما لم يدخل وقت التي بعدها» (٥)، وإنما خُصَّ منه الفجر بالإجماع؛ فما عداها من الصلوات داخل في عمومه، والفعل إنما يدل على الاستحباب فلا يعارض العام ولا الخاص.

стр. 1558

المثال الخامس والستون: ردُّ السنة الصريحة المحكمة الثابتة في وقت العصر، وأنه إذا صار ظلُّ كل شيء مثله، وأنهم كانوا يصلّونها مع النبي ﷺ ثم يذهب أحدهم إلى العوالي قدرَ أربعة أميال والشمس مرتفعة (١)، وقال أنس: صلّى لنا (٢) رسول الله ﷺ العصر، فأتاه رجل من بني سَلِمَة فقال: يا رسول الله إنا نريد أن ننحر جَزورًا لنا، وإنا نحبُّ أن تحضرها، قال: «نعم»، فانطلق وانطلقنا معه، فوجد الجَزور لم تُنْحَر، فنُحِرت ثم قُطِّعت ثم طُبخ منها ثم أكلنا منها قبل أن تغيب الشمس» (٣). ومحالٌ أن يكون هذا بعد المثلين. وفي «صحيح مسلم» (٤) عنه: «وقتُ صلاة الظهر ما لم تحضر العصر». ولا معارضَ لهذه السنن، لا في الصحة ولا في الصراحة والبيان. فردَّتْ بالمجمل من قوله ﷺ : «مثلكم ومثل أهل الكتاب قبلكم كمثل رجل استأجر أُجراءَ فقال: من يعمل لي إلى نصف [١٢٠/أ] النهار على قيراطٍ قيراطٍ؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي إلى صلاة العصر على قيراطٍ قيراطٍ؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي على قيراطينِ قيراطينِ، فعملتم أنتم (٥)، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملًا وأقلُّ أجرًا، فقال: هل ظلمتُكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أُوتيه من أشاء» (٦).

стр. 1559

ويا لله العجب! أيُّ دلالة في هذا على أنه لا يدخل وقت العصر حتى يصير الظلُّ مثلين بنوعٍ من أنواع الدلالة؟ وإنما يدلُّ على أن (١) من صلاة العصر إلى غروب الشمس أقصرُ من نصف النهار إلى وقت العصر، وهذا لا ريبَ فيه. المثال السادس والستون (٢): ردّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في المنع من تخليل الخمر، كما في «صحيح مسلم» (٣) عن أنس: سئل رسول الله ﷺ عن الخمر تُتَّخذ خلًّا، قال: «لا». وفي «المسند» (٤) وغيره من حديث أنس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ وفي حِجْره يتيم، وكان عنده خمر حين حُرِّمت الخمر، فقال: يا رسول الله أصنعُها خلًّا؟ قال: «لا»، فصَبَّها حتى سال الوادي. وقال أحمد (٥): ثنا وكيع ثنا سفيان عن السدّي (٦) عن أبي هريرة عن أنس: أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتامٍ ورِثُوا خمرًا، فقال: «أهرِقْها»، قال: أفلا نجعلها خلًّا؟ قال: «لا».

стр. 1560

وروى الحاكم والبيهقي (١) من حديث أنس أيضًا قال: كان في حِجْر أبي طلحة يتامى، فاشترى لهم خمرًا، فلما أنزل الله تحريم الخمر أتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال: أجعلُه خلًّا؟ قال: «لا» (٢)، فأَهراقَه. وفي الباب عن أبي الزبير (٣) عن جابر (٤)، وصحَّ ذلك عن عمر بن الخطاب (٥)، ولا يُعلم له في الصحابة مخالف. فرُدَّتْ بحديث مجمل لا يثبت، وهو ما رواه الفرج بن فَضالة عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن أم سلمة أنها كانت لها شاة تَحلُبها (٦)، ففقدَها النبي ﷺ ، فقال: «ما فعلتْ شاتُك؟» فقلت: ماتت، قال: «أفلا انتفعتم بإهابها؟» قلت: إنها ميتة، قال: «فإن (٧) [١٢٠/ب] دِباغَها يُحِلّ كما يُحِلُّ الخلُّ الخمرَ» (٨).

стр. 1561

قال الحاكم (١): تفرَّد به الفرج بن فضالة عن يحيى، والفرج ممن لا يُحتجّ بحديثه، ولم يصحَّ تحليل خلّ الخمر من وجهٍ. وقد فسَّره راويه (٢) الفرج فقال: يعني أن الخمر إذا تغيّرت فصارت خلًّا حلَّت. فعلى هذا التفسير الذي فسَّره راوي الحديث يرتفع الخلاف. وقد قال الدارقطني (٣): كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدِّث عن فَرَج بن فَضالة، ويقول: حدَّث عن يحيى بن سعيد الأنصاري أحاديث مقلوبة منكرة. وقال البخاري: الفرج بن فضالة منكر الحديث (٤). وردَّتْ بحديث واهٍ من رواية مغيرة بن زياد (٥) عن أبي الزبير عن جابر يرفعه: «خيرُ خلِّكم خلُّ خمرِكم» (٦). ومغيرة هذا يقال له أبو هشام المكفوف صاحب مناكير عندهم، ويقال: إنه حدث عن عطاء بن أبي رباح وأبي الزبير بجملة من المناكير، وقد حدّث عن عبادة بن نُسَي بحديث غريب موضوع (٧)، فكيف يُعارَض بمثل هذه الرواية الأحاديث الصحيحة

стр. 1562

المحفوظة عن رسول الله ﷺ في النهي عن تخليل الخمر؟ ولم يزل أهل مدينة رسول الله ﷺ ينكرون ذلك. قال الحاكم (١): سمعت أبا الحسن علي بن عيسى الحِيري يقول: سمعت محمد بن إسحاق يقول: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: قدمتُ المدينة أيام مالك، فتقدَّمتُ إلى فامِيٍّ (٢) فقلت: عندك خلُّ خمر؟ فقال: سبحان الله! في حرم رسول الله ﷺ ؟ قال: ثم قدمتُ بعد موت مالك، فذكرت ذلك لهم، فلم ينكر عليّ. وأما ما روي عن علي ﵁ من اصطباغه بخلِّ الخمر، وعن عائشة أنه لا بأس به (٣)؛ فهو خلُّ الخمر الذي تخلّلْت بنفسها لا باتخاذها. المثال السابع والستون: ردُّ السنة الصحيحة الصريحة في تسبيح المصلّي إذا نابه شيء في صلاته، كما في «الصحيحين» (٤) من حديث أبي

стр. 1563

سلمة عن أبي هريرة [١٢١/أ] عن النبي ﷺ قال: «التسبيح في الصلاة للرجال، والتصفيق للنساء». وفي «الصحيحين» (١) أيضًا عن سهل بن سعد الساعدي: أن النبي ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فذكر الحديث وقال في آخره: فقال رسول الله ﷺ : «مالي أراكم أكثرتم التصفيقَ؟ مَن نابَه شيء في صلاته فليسبِّح؛ فإنه إذا سبَّح التفتَ إليه، وإنما التصفيق للنساء». وذكر البيهقي (٢) من حديث إبراهيم بن طهمان عن الأعمش عن ذكوان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا استُؤذِن على الرجل وهو يصلِّي فإذنه التسبيح، وإذا استُؤذِن على المرأة وهي تصلِّي فإذنها التصفيق». قال البيهقي: رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات (٣). فردَّت هذه السنن بأنها معارضة لأحاديث تحريم الكلام في الصلاة، وقد تعارض مبيح وحاظر (٤)، فيقدَّم الحاظر. والصواب أنه لا تعارضَ بين سنن رسول الله ﷺ بوجه، وكلٌّ منها له وجه، والذي حرَّم الكلام في الصلاة ومنعَ منه هو الذي شرع (٥) التسبيح المذكور، وتحريم الكلام كان قبل الهجرة، وأحاديث التسبيح بعد ذلك؛ فدعوى نسخها بأحاديث تحريم الكلام محال. ولا تعارضَ بينهما بوجهٍ ما؛ فإن «سبحان الله» ليس من الكلام الذي مُنِع منه المصلّي، بل هو مما أُمر به أمرَ إيجاب أو استحباب (٦)،

стр. 1564

فكيف يُسوَّى بين المأمور والمحظور؟ وهل هذا إلا من أفسدِ قياسٍ واعتبار؟ المثال الثامن والستون: ردُّ السنة الثابتة في إثبات سجدات المفصَّل، والسجدة الأخيرة من سورة (١) الحج، كما روى أبو داود في «السنن» (٢): حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرقي ثنا ابن أبي مريم أنا نافع بن يزيد عن الحارث بن سعيد العُتَقِي عن عبد الله بن مُنَين (٣) عن عمرو بن العاص: أن النبي ﷺ أقرأه خمسَ عشرة سجدةً في القرآن، منها ثلاثة في المفصّل، [١٢١/ب] وفي سورة (٤) الحج سجدتان». تابعه محمد بن إسماعيل السلمي عن سعيد بن أبي مريم، وقال ابن وهب: أخبرنا ابن لهيعة عن مِشْرَح بن هَاعَان (٥) عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «فُضِّلت سورة الحج بسجدتين، فمن لم يسجد فيهما فلا يقرأهما» (٦).

стр. 1565

وحديث ابن لهيعة يُحتجُّ منه بما رواه عنه العبادلة، كعبد الله بن وهب وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن يزيد المقرئ. قال أبو زرعة: كان ابن المبارك وابن وهب يتبعان أصوله. وقال عمرو بن علي: من كتب عنه قبل احتراق كتبه مثل ابن المبارك والمقرئ أصحُّ ممن كتب عنه بعد احتراقها. وقال ابن وهب: كان ابن لهيعة صادقًا. وقد انتقى النسائي هذا الحديث من جملة حديثه، وأخرجه، واعتمده، وقال: ما أخرجتُ من حديث ابن لهيعة قطُّ إلا حديثًا واحدًا أخبرناه هلال بن العلاء ثنا معافى بن سليمان عن موسى بن أعين عن عمرو بن الحارث عن ابن لهيعة، فذكره. وقال ابن وهب: حدثني الصادق البارُّ واللهِ عبد الله بن لهيعة. وقال الإمام أحمد: من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه (١) وإتقانه؟ وقال ابن عيينة: كان عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: ما كان محدث مصر إلا ابن لهيعة. وقال أحمد بن صالح الحافظ: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب طلَّابًا للعلم. وقال ابن حبان: كان صالحًا لكنه يدلِّس عن الضعفاء، ثم احترقت (٢) كتبه، وكان أصحابنا (٣) يقولون: سماع من سمع منه قبل احتراق كتبه مثل العبادلة ابن وهب وابن المبارك والمقرئ والقعنبي فسماعهم صحيح (٤).

стр. 1566

وقد صح عن أبي هريرة أنه سجد مع النبي ﷺ في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١] (١)، وصح عنه ﷺ أنه سجد [١٢٢/أ] في النجم، ذكره البخاري (٢). فرُدَّت هذه السنن برأي فاسد وحديث ضعيف: أما الرأي فهو أن آخر الحج السجود فيها سجود الصلاة لاقترانه بالركوع، بخلاف الأولى؛ فإن السجود فيها مجرد عن ذكر الركوع، ولهذا لم يكن قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] من مواضع السجدات بالاتفاق. وأما الحديث الضعيف فإنه رواه أبو داود (٣): ثنا محمد بن رافع ثنا أزهر بن القاسم ثنا أبو قدامة عن مطر الوراق عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي ﷺ لم يسجد في شيء من المفصّل (٤) منذ تحوَّل إلى المدينة. فأما الرأي فيدلُّ على فساده وجوه:

стр. 1567

منها: أنه مردود بالنص. ومنها: أن اقتران الركوع بالسجود في هذا الموضع لا يخرجه عن كونه سجودًا (١)، وقد صحّ سجوده ﷺ في النجم، وقد قرن السجود فيها بالعبادة كما قرنه بالعبادة في سورة الحج، والركوع لم يزِدْه إلا تأكيدًا. ومنها: أن أكثر السجدات المذكورة في القرآن متناولة لسجود الصلاة؛ فإن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥] يدخل فيه سجود المصلّين قطعًا، وكيف لا وهو أجلُّ السجود وأفرضه؟ وكيف لا يدخل في قوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]، وفي قوله: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وقد قال قبلُ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ - ١٠] ثم قال: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾، فأمره بأن (٢) يفعل هذا الذي نهاه عنه عدوُّ الله، فإرادة سجود الصلاة بآية السجدة لا تمنع (٣) كونها سجدة، بل تؤكِّدها وتقويها. يوضِّحه أن مواضع السجدات في القرآن نوعان: إخبار وأمر؛ فالإخبار خبر من الله تعالى عن سجود مخلوقاته له عمومًا أو خصوصًا، فسنَّ للتالي والسامع (٤)

стр. 1568

وجوبًا أو استحبابًا أن (١) يتشبه بهم عند تلاوة السجدة أو سماعها، وآيات الأوامر بطريق [١٢٢/ب] الأولى. وهذا لا فرقَ فيه بين أمر وأمر، فكيف يكون الأمر بقوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ مقتضيًا للسجود دون الأمر بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]؟ فالساجد إما متشبه بمن أُخبِر عنه، أو ممتثل لما أُمِر به، وعلى التقديرين يُسَنُّ له السجود في آخر الحج كما يُسَنُّ له في أولها؛ فكما سوَّت السنةُ بينهما سوَّى القياسُ الصحيح والاعتبار الحق بينهما. وهذا السجود شرعه الله ورسوله عبوديةً عند تلاوة هذه الآيات واستماعها، وقربةً إليه، وخضوعًا لعظمته، وتذللًا بين يديه، واقتران الركوع ببعض آياته مما يؤكّد ذلك، ويقوّيه، لا يضعفه ويُوهِيه، والله المستعان. وأما قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ فإنما لم يكن موضع سجدة؛ لأنه خبر خاص عن قول الملائكة لامرأة بعينها أن تُدِيم العبادة لربها بالقنوت وتصلِّي له بالركوع والسجود؛ فهو خبر عن قول الملائكة لها ذلك، وإعلامٌ من الله لنا أن الملائكة قالت ذلك لمريم. فسياق ذلك غير سياق آيات السجدات. وأما الحديث الضعيف فإنه من رواية أبي قدامة، واسمه الحارث بن (٢) عبيد قال الإمام أحمد: هو مضطرب الحديث، وقال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال الأزدي: ضعيف، وقال ابن حبان: لا

стр. 1569

يحتجُّ به إذا انفرد (١). قلت: وقد أُنكِر عليه هذا الحديث وهو موضع الإنكار؛ فإن أبا هريرة شهد سجوده ﷺ في المفصّل في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١] و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]. ذكره مسلم في «صحيحه» (٢)، وسجد معه. حتى لو صح خبر أبي قدامة هذا لوجب تقديم خبر أبي هريرة عليه؛ لأنه مُثبِت فمعه زيادة علم، والله أعلم. المثال التاسع والستون: [١٢٣/أ] ردُّ السنن الثابتة الصحيحة في سجود الشكر، كحديث عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ خرج نحو صَدَقتِه، فخرَّ ساجدًا فأطال السجود، ثم قال: «إن جبريل أتاني وبشّرني فقال: إن الله يقول لك: من صلَّى عليك صلّيتُ عليه، ومن سلَّم عليك سلّمتُ عليه، فسجدتُ لله شكرًا» (٣). وكحديث سعد بن أبي وقاص في سجوده ﷺ شكرًا لربه لما أعطاه ثُلثَ أمته، ثم سجد ثانيةً فأعطاه الثلث الآخر، ثم ثالثةً فأعطاه الثلث الباقي (٤).

стр. 1570

وكحديث أبي بكرة: أن رسول الله ﷺ كان إذا جاءه أمر يُسَرُّ به خرَّ ساجدًا شكرًا (١) لله ، وأتاه بشيرٌ يبشِّره بظَفَر جندٍ له على عدوهم، فقام وخرَّ ساجدًا (٢). وسجد كعب بن مالك لما بُشِّر بتوبة الله عليه (٣)، وسجد أبو بكر ﵁ حين جاءه قتل مسيلمة (٤)، وسجد علي ﵁ حين وُجِد ذو الثُّدَيَّة (٥) في الخوارج الذين قتلهم (٦). ولا أعلم شيئًا يدفع هذه السنن والآثار مع صحتها وكثرتها غير رأي فاسد، وهو أن نعم الله سبحانه لا تزال واصلةً إلى عبده، فلا معنى لتخصيص بعضها بالسجود.

стр. 1571

وهذا من أفسدِ رأيٍ وأبطلِه؛ فإن النعم نوعان: مستمرة ومتجددة، فالمستمرة شكرُها بالعبادات والطاعات، والمتجددة شُرِع لها سجود الشكر؛ شكرًا لله عليها، وخضوعًا له وذلًّا، في مقابلة فرحة النعم وانبساط النفس لها، وذلك من أكبر أدوائها؛ فإن الله لا يحبُّ الفَرِحين ولا الأَشِرين؛ فكان دواء هذا الداء الخضوع والذلّ والانكسار لرب العالمين، وكان في سجود الشكر من تحصيل هذا المقصود ما ليس في غيره. ونظير هذا السجودُ عند الآيات التي يخوِّف الله بها عباده، كما في الحديث: «إذا رأيتم آية (١) فاسجدوا» (٢). وقد فَزِع النبي ﷺ عند رؤية انكساف [١٢٣/ب] الشمس إلى الصلاة، وأمر بالفَزَع إلى ذكره (٣)، ومعلوم أن آياته سبحانه لم تزل مُشاهَدةً معلومةً بالحسّ والعقل، ولكن تجدُّدها يُحدِث للنفوس من الرهبة (٤) والفزع إلى الله (٥) ما لا تُحدِثه الآيات المستمرة، فتجدُّد هذه النعم في اقتضائها لسجود الشكر كتجدُّد تلك الآيات في اقتضائها للفزع إلى السجود والصلاة. ولهذا لما بلغ فقيهَ الأمة وترجمانَ القرآن عبد الله بن عباس موتُ ميمونة زوج النبي ﷺ خرَّ ساجدًا، فقيل له: أتسجد لذلك؟ فقال: قال رسول

стр. 1572

الله ﷺ : «إذا رأيتم آية فاسجدوا»، وأيُّ آيةٍ أعظمُ من ذهاب أزواج النبي (١) ﷺ من بين أظهرنا؟ (٢) فلو لم تأتِ النصوص بالسجود عند تجدُّد النعم لكان هو محض القياس، ومقتضى عبودية الرغبة، كما أن السجود عند الآيات مقتضى عبودية الرهبة، وقد أثنى الله سبحانه (٣) على الذين يسارعون في الخيرات ويدعونه رَغبًا ورهبًا. ولهذا فرق الفقهاء بين صلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء بأن (٤) هذه صلاة رهبةٍ وهذه صلاة رغبةٍ، فصلوات الله وسلامه على من جاءت سنته وشريعته بأكملِ ما جاءت به شرائع الرسل وسننُهم. المثال السبعون: ردُّ السنة الثابتة الصحيحة بجواز ركوب المرتهن للدابة المرهونة وشُربه لبنَها بنفقته عليها، كما روى البخاري في «صحيحه» (٥): ثنا محمد بن مقاتل أنا عبد الله أنا زكريا عن الشعبي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الرَّهن يُركَب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبنُ الدَّرِّ يُشرَب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقةُ». وهذا الحكم من أحسن الأحكام وأعدلها، ولا أصلح للراهنين منه، وما عداه ففسادٌ ظاهر؛ فإن الراهن قد يغيب [١٢٤/أ] ويتعذَّر على المرتهن مطالبته

стр. 1573

بالنفقة التي تحفظ الرهن، ويشقُّ (١) عليه أو يتعذّر رفعُه إلى الحاكم وإثباتُ الرهن وإثباتُ غيبة الراهن وإثباتُ أن (٢) قدر نفقته عليه هي قدر حلبه وركوبه وطلبُه منه الحكمَ له بذلك، وفي هذا من العسر والحرج والمشقة ما ينافي الحنيفية السمحة؛ فشرع الشارع الحكيم القيِّم بمصالح العباد للمرتهن أن يشرب لبن الرهن ويركب ظهره وعليه نفقته، وهذا محض القياس لو لم تأتِ به السنة الصحيحة، وهو يخرج على أصلين: أحدهما: أنه إذا أنفق على الرهن صارت النفقة دينًا على الراهن؛ لأنه واجب أدَّاه عنه، ويتعسَّر عليه الإشهاد على ذلك كلَّ وقت واستئذان الحاكم، فجوَّز له الشارع استيفاء دينه من ظَهر الرهن ودَرِّه، وهذا مصلحة محضة لهما، وهي بلا شك أولى من تعطيل منفعة ظَهْرِه وإراقة لبنه أو تركه يفسد في الحيوان ويُفسِده حيث يتعذّر الرفع إلى الحاكم، لا سيما ورَهْن الشاءِ ونحوها إنما يقع غالبًا بين أهل البوادي حيث لا حاكم، ولو (٣) كان فلم يولِّ الله ولا رسوله الحاكمَ هذا الأمر. الأصل الثاني: أن ذلك معاوضة في غَيبة أحد المعاوضين للحاجة والمصلحة الراجحة، وذلك أولى من الأخذ بالشفعة بغير رضا المشتري، لأن الضرر في ترك هذه المعاوضة أعظم من الضرر في ترك الأخذ بالشفعة. وأيضًا فإن المرتهن يريد حفظ الوثيقة لئلّا يذهب ماله، وذلك إنما يحصل ببقاء الحيوان، والطريق إلى ذلك إما النفقةُ عليه، وذلك مأذون فيه عرفًا كما

стр. 1574

هو مأذون فيه شرعًا. وقد أُجرِي العرفُ مُجرَى النطق في أكثر من مائة موضع: منها: نقد البلد في المعاملات، وتقديم الطعام إلى الضيف، وجواز تناول اليسير مما يسقط من الناس من مأكول وغيره، والشرب من خوابي [١٢٤/ب] السيل (١) ومصانعه في الطرق، ودخول الحمّام وإن لم يعقد عقد الإجارة مع الحمَّامي لفظًا (٢)، وضرب الدابة المستأجَرة إذا حَرَنَتْ في السير، وإيداعها في الخان إذا قَدِمَ بلدة أو ذهب في حاجة، ودفع الوديعة إلى من جرت العادة بدفعها (٣) إليه من امرأة أو خادم أو ولد، وتوكيل الوكيل لما لا يباشِر مثلَه بنفسه، وجواز التخلّي في دار من أذن له بالدخول إلى داره والشرب من مائه والاتكاء على الوسادة المنصوبة، وأكل الثمرة الساقطة من الغصن الذي على الطريق، وإذن المستأجر للدار لمن شاء من أصحابه وأضيافه في الدخول والمبيت والثَّواء (٤) عنده والانتفاع بالدار وإن لم يتضمَّنهم عقد الإجارة لفظًا اعتمادًا على الإذن العرفي، وغَسْل القميص الذي استأجره للُّبس مدة يحتاج فيها إلى الغسل. ولو وكَّل غائبًا أو حاضرًا في بيع شيء والعرف قبض ثمنه ملك ذلك. ولو اجتاز بحرثِ غيره في الطريق ودَعَتْه الحاجة إلى التخلِّي فيه فله ذلك إذا لم يجد موضعًا سواه، إما لضيقِ الطريق أو لتتابع المارِّين فيها، فكيف بالصلاة فيه والتيمم بترابه؟

стр. 1575

ومنها: ما لو رأى شاة غيره (١) تموت فذبحها حفظًا لماليتها عليه كان ذلك أولى من تركها تذهب ضياعًا، وإن كان من جامدي الفقهاء من يمنع من ذلك ويقول: هذا تصرُّفٌ في ملك الغير، ولم يعلم هذا اليابس أن التصرف في ملك الغير إنما حُرِّم لما فيه من الإضرار به، وتركُ التصرُّف ها هنا هو الإضرار. ومنها: لو استأجر غلامًا فوقعت الأَكِلَةُ (٢) في طَرَفه فتيقَّن أنه إن لم يقطعه سرتْ إلى نفسه فمات، جاز له قطعُه ولا ضمانَ عليه. ومنها: لو رأى السيل يمرُّ بدار جاره فبادر ونقبَ حائطه وأخرج متاعه فحفظه عليه جاز ذلك، ولم يَضمَن نَقْبَ الحائط. ومنها: لو قصد العدو مالَ جاره فصالحه ببعضه [١٢٥/أ] دفعًا عن بقيته (٣) جاز، ولم يَضْمَن ما دفعه إليه (٤). ومنها: لو وقعت النار في دار جاره فهدم جانبًا منها على النار لئلا تَسْرِي إلى بقيتها لم يَضْمَن. ومنها: لو باعه صُبْرةً عظيمة (٥) أو حطبًا أو حجارةً ونحو ذلك جاز له أن يدخل ملكه من الدوابّ والرجال ما ينقلها به، وإن لم يأذن له في ذلك لفظًا.

стр. 1576

ومنها: لو جَدَّ (١) ثماره أو حصدَ زرعه ثم بقي من ذلك ما يُرغَب عنه عادةً جاز لغيره التقاطُه وأخذه، وإن لم يأذن فيه لفظًا. ومنها: لو وجد هَدْيًا مُشْعَرًا منحورًا ليس عنده أحد جاز له (٢) أن يقتطع ويأكل منه. ومنها: لو أتى إلى دار رجل جاز له طَرْقُ حلقة الباب عليه، وإن كان تصرفًا (٣) في بابه لم يأذن له فيه لفظًا. ومنها: الاستناد إلى جداره (٤) والاستظلال به. ومنها: الاستمداد من مِحْبرته، وقد أنكر أحمد على من استأذنه في ذلك. وهذا أكثر من أن نحصره، وعليه يُخرَّج حديث عروة بن الجعد البارقي حيث أعطاه النبي ﷺ دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى شاتين بدينار، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بالدينار والشاة الأخرى (٥)، فباع وأقبض وقبض بغير إذن لفظي اعتمادًا منه على الإذن العرفي الذي هو أقوى من اللفظي في أكثر المواضع، ولا إشكالَ بحمد الله في هذا الحديث بوجهٍ ما، وإنما الإشكال في استشكاله؛ فإنه جارٍ على محض القواعد كما عرفته.

стр. 1577

فصل ومن هذا: الشرط العرفي كاللفظي، وذلك كوجوب نقد البلد عند (١) الإطلاق، ووجوب الحلول حتى كأنه مشترط لفظًا فانصرف العقد بإطلاقه إليه وإن لم يقتضِه (٢) لفظه. ومنها: السلامة من العيوب حتى سُوِّغ له الرد بوجود العيب تنزيلًا لاشتراط سلامة المبيع عرفًا منزلةَ اشتراطها لفظًا. ومنها: وجوب وفاء المُسْلَم (٣) فيه في مكان العقد وإن لم يشترطه لفظًا بناء على الشرط [١٢٥/ب] العرفي. ومنها: لو دفع ثوبه إلى من يعرف أنه يغسل أو يَخِيط بالأجرة، أو عجينَه لمن يخبزه (٤)، أو لحمًا لمن يطبخه، أو حبًّا لمن يطحَنُه، أو متاعًا لمن يحمله ونحو ذلك ممن نصبَ نفسه للأجرة على ذلك وجب له أجرة مثله، وإن لم يشترط معه ذلك لفظًا عند جمهور أهل العلم، حتى عند المنكرين لذلك؛ فإنهم ينكرونه بألسنتهم ولا يمكنهم العملُ إلا به. بل ليس يقف الإذنُ فيما يفعله الواحد من هؤلاء وغيرهم على صاحب المال خاصة؛ لأن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض في الشفقة والنصيحة والحفظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولهذا جاز

стр. 1578

لأحدهم ضمُّ اللقطة وردُّ الآبق وحفظ الضالَّة، حتى إنه يَحْسِب ما ينفقه على الضالة والآبق واللقطة ويُنزِّل إنفاقَه عليها منزلةَ إنفاقه لحاجة نفسه لما كان حفظًا لمال أخيه وإحسانًا إليه؛ فلو علم المتصرِّف لحفظ مال أخيه أن نفقته تضيع وأن إحسانه يذهب باطلًا في حكم الشرع لما أقدمَ على ذلك، ولضاعت مصالح الناس، ورغبوا عن حفظ أموال بعضهم بعضا، وتعطَّلت حقوق كثيرة، وفسدت أموال عظيمة. ومعلومٌ أن شريعة من بَهَرت العقولَ شريعتُه وفاقت كلَّ شريعة واشتملت على كل مصلحة وعطَّلت كل مفسدة تأبى ذلك كلَّ الإباء. وأين هذا من إجازة أبي حنيفة تصرُّف الفضولي ووقفَ العقود تحصيلًا لمصلحة المالك، ومَنْعِ المرتهن من الركوب والحلب بنفقته؟ فيا لله العجب! يكون هذا الإحسان للراهن وللحيوان ولنفسه بحفظ الرهن حرامًا لا اعتبارَ به شرعًا مع إذن الشارع فيه لفظًا وإذن المالك عرفًا، وتصرُّف الفضولي معتبرًا مرتَّبًا عليه حكمه! هذا، ومن المعلوم أنّا في إبراء الذِّمم أحوجُ منا إلى العقود على أولاد الناس وبناتهم وإمائهم [١٢٦/أ] وعبيدهم ودورهم وأموالهم؛ فالمرتهن محسن بإبراء ذمة المالك من الإنفاق على الحيوان، مؤدٍّ لحقّ الله فيه ولحقّ مالكه ولحقّ الحيوان ولحقّ نفسه، متناولٌ ما أذن له فيه الشارع من العوض بالدَّرّ والظَّهر. وقد أوجب الله سبحانه على الآباء إيتاء المراضع أجرهن بمجرد الإرضاع، وإن لم يعقدوا معهن عقد إجارة؛ فقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بما لو كان الرهن دارًا فخرِبَ بعضها فعَمَرَها ليحفظ الرهن؛ فإنه لا يستحق السكنى عندكم بهذه العمارة، ولا

стр. 1579

يرجع بها. قيل: ليس كذلك، بل يحتسب له بما أنفقه؛ لأنّ فيه إصلاحَ الرهن، ذكره القاضي وابنه وغيرهما. وقد نصّ الإمام أحمد (١) في رواية [ابن] أبي حرب الجرجرائي (٢) في رجل عمل في قناة رجل بغير إذنه، فاستخرج الماء: لهذا الذي عمِلَ نفقته (٣) إذا عمِلَ ما يكون منفعة لصاحب القناة. هذا مع أن الفرق بين الحيوان والدار ظاهر؛ لحاجة الحيوان إلى الإنفاق ووجوبه على مالكه، بخلاف عمارة الدار، فإن صحَّ الفرق بطل السؤال، وإن بطل الفرق ثبت الاستواء في الحكم. فإن قيل: في هذا مخالفةٌ للأصول من وجهين: أحدهما: أنه إذا أدَّى عن غيره واجبًا بغير إذنه كان متطوّعًا، ولم يلزمه القيام له بما أدَّاه عنه. الثاني: أنه لو لزمه عوضُه فإنما يلزمه نظير ما أدَّاه، فأما أن يُعاوَض عليه بغير جنس ما أدَّاه بغير اختياره فأصول الشرع تأبى ذلك. قيل: هذا هو الذي رُدَّتْ به هذه السنة، ولأجله تأوَّلها من تأوَّلها على أن المراد بها أن النفقة على المالك، فإنه الذي يركب ويشرب، وجعل الحديث دليلًا على جواز تصرُّف الراهن في الرهن بالركوب والحلب وغيره، ونحن

стр. 1580

نبيِّن ما في هذين الأصلين من حق وباطل. فأما الأصل الأول فقد دلَّ على فساده القرآن والسنة وآثار الصحابة والقياس [١٢٦/ب] الصحيح ومصالح العباد: أما القرآن فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وقد تقدم تقرير الدلالة منه. وقد اعترض بعضهم على هذا الاستدلال بأن المراد به أجورهن المسمَّاة فإنه أمرٌ لهم بوفائها، لا أمرٌ لهم بإيتاء ما لم يسمُّوه من الأجرة، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]، وهذا التعاسر إنما يكون حالَ العقد بسبب طلبِها الشططَ من الأجر أو حطَّها عن أجرة المثل. وهذا اعتراض فاسد؛ فإنه ليس في الآية ذكر التسمية، ولا يدلُّ عليها بدلالة من الدلالات الثلاث، أما اللفظيتان فظاهر، وأما اللزومية فلِانفكاكِ التلازم بين الأمر بإيتاء الأجر وبين تقدُّم تسميتِه. وقد سمَّى الله سبحانه ما يؤتيه العامل على عمله أجرًا وإن لم يتقدم له تسمية، كما قال تعالى عن خليله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١]، ومعلوم أن الأجر (١) ما يعود إلى العامل عوضًا عن عمله؛ فهو كالثواب الذي يثوب إليه أي يرجع من عمله، وهذا ثابت سواء سُمِّي أو لم يُسَمَّ. وقد نصّ الإمام أحمد (٢) على أنه إذا افتدي الأسير رجع عليه بما غرمه
следующие страницы →