← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

صلاة الصبح، فرأى رسول الله ﷺ رجلًا يصلّي والمؤذّن يقيم الصلاة، فقال: «أتصلِّي الصبح أربعًا؟». وقال أبو داود الطيالسي في «مسنده» (١): ثنا أبو عامر الخزّاز عن ابن أبي مُليكة عن ابن عباس قال: كنت أصلّي وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني (٢) النبي ﷺ فقال: «أتصلّي الصبح أربعًا؟». وكان عمر بن الخطاب إذا رأى رجلًا يصلّي وهو يسمع الإقامة ضربه (٣). وقال [١٠٥/أ] حماد بن سلمة: عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه أبصر رجلًا يصلّي الركعتين والمؤذّن يقيم، فحَصَبه وقال: «أتصلِّي الصبحَ أربعًا؟» (٤). فردّت هذه السنن كلّها بما رواه حجّاج بن نُصير المتروك عن عبّاد بن كثير الهالك عن ليث عن عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة»، وزاد: «إلا ركعتي الصبح» (٥). فهذه

стр. 1507

الزيادة كاسمها زيادة في الحديث لا أصلَ لها. فإن قيل: فقد كان أبو الدرداء يدخل المسجد والناس صفوف في صلاة الفجر فيصلّي الركعتين في ناحية المسجد، ثم يدخل مع القوم في الصلاة (١)، وكان ابن مسعود يخرج من داره لصلاة الفجر ثم يأتي الصلاة فيصلي ركعتين في ناحية المسجد ثم يدخل معهم في الصلاة (٢). قيل: عمر بن الخطاب وابنه عبد الله في مقابلة أبي الدرداء وابن مسعود، والسنة سالمة لا معارض لها، ومعها أصحُّ قياسٍ يكون؛ فإن وقتها يضيق بالإقامة فلم يقبل غيرها، بحيث لا يجوز لمن حضر أن يؤخّرها ويصلّيها بعد ذلك، والله الموفق. المثال الخامس والخمسون: ردُّ السنة الصحيحة المحكمة في استحباب صلاة النساء جماعةً لا منفرداتٍ، كما في «المسند» و «السنن» من حديث عبد الرحمن بن خلّاد (٣) عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث: أن رسول الله ﷺ كان يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذّنًا كان يؤذّن لها، وأمرها أن تؤمَّ أهلَ دارها». قال عبد الرحمن: فأنا رأيتُ مؤذّنَها شيخًا كبيرًا. وقال الوليد بن جُمَيع: حدثتني جدتي عن أم ورقة أن النبي ﷺ أمرها ــ أو أذِن لها ــ أن تؤمَّ أهلَ دارها، وكانت قد قرأت القرآن على عهد رسول الله ﷺ (٤).

стр. 1508

وقال الإمام أحمد: ثنا وكيع ثنا سفيان عن مَيْسرة أبي حازم عن رائطة الحنفية أن عائشة [١٠٥/ب]﵂ أمَّتْ نسوة في المكتوبة، فأمَّتْهن بينهن وسطًا (١). تابعه ليث عن عطاء عن عائشة (٢). وروى الشافعي عن أم سلمة أنها أمَّتْ نساء فقامت وسطَهن (٣). ولو لم يكن في المسألة (٤) إلا عموم قوله ﷺ : «تَفْضُل صلاة الجماعة على صلاة الفذِّ بسبع وعشرين درجة» (٥) لكفى. وروى البيهقي من حديث يحيى بن يحيى أنا ابن لهيعة عن الوليد بن أبي الوليد عن القاسم بن محمد عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «لا خيرَ في جماعة النساء إلا في صلاة أو جنازة» (٦). والاعتماد على ما تقدم.

стр. 1509

فردّت هذه السنن بالمتشابه من قوله: «لن يُفلح قومٌ ولَّوا أمرَهم امرأة» (١). وهذا إنما هو في الولاية والإمامة العظمى والقضاء، وأما الرواية والشهادة والفتيا والإمامة فلا تدخل في هذا. والعجب أن من خالف هذه السنة جوَّز للمرأة أن تكون قاضية تلي أمور المسلمين، فكيف أفلحوا وهي حاكمة عليهم ولم تُفلِح أخواتها من النساء إذا أمَّتْهن؟ المثال السادس والخمسون: ردُّ السنن الصحيحة الصريحة المحكمة عن النبي ﷺ التي رواها عنه خمسة عشر نفسًا من الصحابة (٢): أنه كان يسلِّم في الصلاة عن يمينه وعن يساره: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله» (٣). منهم عبد الله بن مسعود، وسعد (٤) بن أبي وقاص، وجابر بن سمرة، وأبو موسى الأشعري، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، ووائل بن حُجر، وأبو مالك الأشعري، وعدي بن عَمِيْرة (٥) الضَّمري، وطَلْق بن علي، وأوس بن أوس، وأبو رِمْثة. والأحاديث

стр. 1510

بذلك ما بين صحيح وحسن، فرُدَّ ذلك بخمسة أحاديث مختلف في صحتها: أحدها: حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان [١٠٦/أ] يسلِّم تسليمةً واحدة. رواه الترمذي (١). والثاني: حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن مصعب بن ثابت عن إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن سعد أن رسول الله ﷺ كان يسلِّم في آخر الصلاة تسليمة (٢) واحدة: السلام عليكم (٣). الثالث: حديث عبد المهيمن بن عباس عن أبيه عن جده أنه سمع رسول الله ﷺ يسلِّم تسليمة واحدة لا يزيد عليها. رواه الدارقطني (٤). الرابع: حديث عطاء بن أبي ميمونة (٥) عن أبيه عن الحسن عن سمرة بن جندب: كان رسول الله ﷺ يسلِّم واحدةً في الصلاة قِبَلَ وجهه؛ فإذا سلَّم عن يمينه سلَّم عن يساره. رواه الدارقطني (٦).

стр. 1511

الخامس: حديث يحيى بن راشد عن يزيد مولى سلمة بن الأكوع قال: رأيت رسول الله ﷺ يسلِّم (١) مرة واحدة (٢). وهذه الأحاديث لا تقاوِم تلك ولا تقارِبها حتى تُعارَض بها. أما حديث عائشة فحديث معلول باتفاق أهل العلم بالحديث (٣). قال البخاري (٤): زهير بن محمد من أهل الشام يُروى عنه مناكير. وقال يحيى: ضعيف. والحديث من رواية عمرو بن أبي سلمة عنه. قال الطحاوي (٥): «وهو وإن كان ثقةً فإن رواية عمرو بن أبي سلمة عنه تضعف جدًّا، هكذا قال يحيى بن معين فيما حكى لي عنه غير واحد من أصحابنا منهم علي بن عبد الرحمن بن المغيرة، وزعم أن فيها تخليطًا كثيرًا». قال (٦): والحديث أصله موقوف على عائشة، هكذا رواه الحفّاظ. فإن قيل (٧): فإذا ثبت ذلك عن عائشة فبمن نعارضها في ذلك من أصحاب النبي ﷺ ؟

стр. 1512

قيل له: بأبي بكر وعمر وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وسهل بن سعد الساعدي، وذكر (١) الأسانيد [١٠٦/ب] عنهم بذلك، ثم قال: فهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعمار ومن ذكرنا معهم يسلِّمون عن أيمانهم وعن شمائلهم، ولا ينكر ذلك عليهم غيرهم، على قرب عهدهم برؤية رسول الله ﷺ ، وحِفْظهم لأفعاله، فما ينبغي لأحدٍ خلافه لو لم يكن رُوي في ذلك عن النبي ﷺ ، فكيف وقد رُوي عنه ما يوافق فعلهم؟ وأما حديث سعد بن أبي وقّاص فحديث معلول، بل باطل، والدليل على بطلانه أن الذي رواه هكذا الدراوردي خاصة، وقد خالف في ذلك جميع من رواه عن مصعب بن ثابت كعبد الله بن المبارك ومحمد بن عمرو. ثم قد رواه إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن سعد كما رواه الناس: كان رسول الله ﷺ يسلّم عن يمينه حتى يُرى بياض خدّه، وعن يساره حتى يُرى بياض خده. رواه مسلم في «صحيحه» (٢)؛ فقد صح رواية سعد أن رسول الله ﷺ سلَّم تسليمتين ومعه من ذكرنا من الصحابة، وبان بذلك بطلانُ رواية الدراوردي. وأما حديث عبد المهيمن بن عباس (٣) بن سهل عن أبيه عن جده فقال

стр. 1513

الدارقطني (١): عبد المهيمن ليس بالقوي، وقال ابن حبان (٢): بطل الاحتجاج به. وأما حديث عطاء بن أبي ميمونة عن أبيه عن الحسن فمن رواية رَوْح ابنه عنه. قال الإمام أحمد: «منكر الحديث»، وتركه يحيى (٣). وأما حديث يحيى بن راشد عن يزيد مولى سلمة فقال يحيى: يحيى بن راشد ليس بشيء، وقال النسائي: ضعيف (٤). وقال أبو عمر بن عبد البر (٥): روي عن النبي ﷺ أنه كان يسلّم تسليمة واحدة من حديث سعد بن أبي وقّاص، [١٠٧/أ] ومن حديث عائشة، ومن حديث أنس، إلا أنها معلولة لا يصححها أهل العلم بالحديث؛ لأن حديث سعد أخطأ فيه الدراوردي، فرواه على غير ما رواه الناس بتسليمة واحدة، وغيرُه يروي فيه بتسليمتين (٦). ثم ذكر حديثه عن مصعب بن ثابت أن رسول الله ﷺ كان يسلّم في الصلاة تسليمة واحدة. ثم قال: وهذا وهم عندهم وغلطٌ، وإنما الحديث كما رواه ابن المبارك وغيره عن مصعب بن ثابت عن

стр. 1514

إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه: كان يسلّم عن يمينه وعن يساره (١). وقد روي هذا الحديث عن سعد من طريق مصعب، ثم ساق طرقه بالتسليمتين، ثم ساق من (٢) طريق ابن المبارك عن مصعب عن إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ يسلّم عن يمينه وعن شماله، كأني أنظر إلى صفحة خدِّه. فقال الزهري: ما سمعنا هذا من حديث رسول الله ﷺ ، فقال له إسماعيل بن محمد: أكلَّ حديث رسول الله ﷺ سمعتَ؟ قال: لا، قال: فنصفه؟ قال: لا، قال: فاجعلْ هذا في النصف الذي لم تسمع (٣). قال (٤): وأما حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يسلّم تسليمة واحدة (٥)، فلم يرفعه أحد إلا زهير بن محمد وحده عن هشام بن عروة، رواه عنه عمرو بن أبي سلمة، وزهير بن محمد ضعيف عند الجميع كثير الخطأ لا يُحتجُّ به، وذُكر ليحيى بن معين هذا الحديث فقال: عمرو بن أبي سلمة وزهير (٦) ضعيفان لا حجة فيهما. وأما حديث أنس فلم يأتِ إلا من طريق أيوب السختياني عن أنس، ولم

стр. 1515

يسمع أيوب من أنس عندهم شيئًا (١). قال (٢): وقد روي عن الحسن مرسلًا أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يسلّمون تسليمة [١٠٧/ب] واحدة (٣)، ذكره وكيع عن الربيع عنه، قال: والعمل المشهور بالمدينة التسليمة الواحدة، وهو عمل قد توارثه أهل المدينة كابرًا عن كابرٍ، ومثله يصح فيه الاحتجاج بالعمل في كل بلد، لأنه (٤) لا يخفى؛ لوقوعه في كل يوم مرارًا. قلت: هذا أصل قد نازعهم فيه الجمهور، وقالوا: عمل أهل المدينة كعمل غيرهم من أهل الأمصار، لا فرقَ بين عملهم وعمل أهل الحجاز والعراق والشام؛ فمن كانت السنة معهم فهم أهل العمل المتَّبع، وإذا اختلف علماء المسلمين لم يكن عمل بعضهم حجة على بعض، وإنما الحجة اتباع السنة، ولا تُترك السنة لكون عمل بعض المسلمين على خلافها أو عمل بها غيرهم، ولو ساغ ترك السنة لعمل بعض الأمة على خلافها لتُرِكت السنن وصارت تبعًا لغيرها؛ فإن عَمل بها ذلك الغير عُمِل بها وإلا فلا. والسنة هي العِيار على العمل، وليس العمل عِيارًا على السنة، ولم تُضمَن لنا العصمة قطُّ في عمل مصر من الأمصار دون سائرها، والجدران والمساكن والبقاع لا تأثير لها في ترجيح الأقوال، وإنما التأثير لأهلها وسكّانها.

стр. 1516

ومعلوم أن أصحاب رسول الله ﷺ شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وظَفِروا (١) من العلم بما لم يَظفَرْ به مَن بعدهم؛ فهم المقدَّمون في العلم على من سواهم، كما هم المقدَّمون في الفضل والدين، وعملهم هو العمل الذي لا يُخالَف، وقد انتقل أكثرهم عن المدينة، وتفرقوا في الأمصار، بل أكثر علمائهم صاروا إلى الكوفة والبصرة والشام، مثل علي بن أبي طالب وأبي موسى وعبد الله بن مسعود وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان ومعاذ بن جبل، وانتقل إلى الكوفة والبصرة نحو ثلاثمائة صحابي ونيِّف، وإلى الشام ومصر نحوهم، [١٠٨/أ] فكيف يكون عمل هؤلاء معتبرًا ما داموا في المدينة، فإذا خالفوا غيرهم لم يكن عمل من خالفوه معتبرًا، فإذا فارقوا جدران المدينة كان عمل من بقي فيها هو المعتبر، ولم يكن خلاف ما انتقل عنها معتبرًا؟ هذا من (٢) الممتنع. وليس جعلُ عمل الباقين معتبرًا أولى من جَعْل عمل المفارقين معتبرًا؛ فإن الوحي انقطع بعد رسول الله ﷺ ، ولم يبقَ إلا كتاب الله وسنة رسوله، فمن كانت السنة معه فعمله هو العمل المعتبر حقًّا. ثم كيف تُترك السنة المعصومة لعمل غير معصوم؟ ثم يقال: أرأيتم لو استمرَّ عمل أهل مصرٍ من الأمصار التي انتقل الصحابة (٣) إليها على ما أدّاه إليهم من صار إليهم من الصحابة، ما الفرق بينه

стр. 1517

وبين عمل أهل المدينة المستمرّ على ما أدّاه إليهم من بها من الصحابة، والعمل إنما استند إلى قول رسول الله ﷺ وفعله؟ فكيف يكون قوله وفعله الذي أدَّاه من بالمدينة موجبًا للعمل دون قوله وفعله الذي أدّاه غيرهم؟ هذا إذا كان النص مع عمل (١) أهل المدينة، فكيف إذا كان مع غيرهم النص (٢)، وليس معهم نصٌّ يعارضه، وليس معهم إلا مجرد العمل؟ ومن المعلوم أن العمل لا يقابل النص، بل يقابل العمل بالعمل، ويَسلَم النص عن المعارض. وأيضًا فنقول: هل يجوز أن يخفى على أهل المدينة بعد مفارقة جمهور الصحابة لها سنةٌ من سنن رسول الله ﷺ ويكون علمها عند من فارقها أم لا؟ فإن قلتم: «لا يجوز»، أبطلتم أكثر السنن التي لم يروِها أهل المدينة، وإن كانت (٣) من رواية إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، ومن رواية أهل بيت علي عنه، ومن رواية أصحاب معاذ عنه، ومن رواية أصحاب أبي موسى عنه، ومن رواية أصحاب عمرو بن العاص وابنه عبد الله وأبي الدرداء ومعاوية [١٠٨/ب] وأنس بن مالك وعمار بن ياسر وأضعاف هؤلاء، وهذا مما لا سبيل إليه. وإن قلتم: «يجوز أن يخفى على من بقي بالمدينة بعض السنن ويكون علمها عند غيرهم»، فكيف تُترك السنن لعملِ مَن قد اعترفتم بأن السنة قد تخفى عليهم؟ وأيضًا فإن عمر بن الخطاب كان إذا كتب إليه بعض الأعراب بسنة عن رسول الله ﷺ عمل بها، ولو لم يكن معمولًا بها بالمدينة، كما كتب إليه

стр. 1518

الضحاك بن سفيان الكلابي أن رسول الله ﷺ ورَّث امرأةَ أشيم الضِّبابي (١) من دية زوجها فقضى به عمر (٢). وأيضًا فإن هذه السنة التي لم يعمل بها أهل المدينة لو جاء من رواها إلى المدينة وعمِل بها لم يكن عملُ (٣) من خالفه حجةً عليه، فكيف يكون حجة عليه إذا خرج من المدينة؟ وأيضًا فإن هذا يوجب أن يكون جميع أهل الأمصار تبعًا للمدينة فيما يعملون به، وأنه لا يجوز لهم مخالفتهم في شيء، فإن عملهم إذا قُدِّم على السنة فلأن يقدَّم على عمل غيرهم أولى، وإن قيل إن عملهم نفسه سنة لم يحلَّ لأحد مخالفتهم، ولكن عمر بن الخطاب ومن بعده من الخلفاء لم يأمر أحد منهم أهلَ الأمصار أن لا يعملوا بما عرفوه من السنة وعلَّمهم إياه الصحابة إذا خالف عمل أهل المدينة، وأنهم لا يعملون إلا بعمل أهل المدينة، بل مالك نفسه منع الرشيد من ذلك وقد عزم عليه، وقال له: قد تفرق أصحاب رسول الله ﷺ في البلاد، وصار عند كل طائفة علمٌ ليس عند غيرهم، وهذا يدلُّ على أن عمل أهل المدينة ليس عنده حجة لازمة لجميع الأمة (٤)، وإنما هو اختيار منه لما رأى عليه العمل، ولم يقل قطُّ في «موطَّئه» ولا غيره: لا يجوز العمل بغيره، بل يخبر إخبارًا مجرَّدًا أن هذا عمل أهل

стр. 1519

بلده؛ فإنه ــ ﵁ وجزاه عن الإسلام خيرًا ــ ادّعى إجماع أهل المدينة في نيف وأربعين مسألة. [١٠٩/أ] ثم هي ثلاثة أنواع: أحدها: لا يعلم أن أهل المدينة خالفهم فيه غيرهم. والثاني: ما خالف أهل المدينة (١) فيه غيرهم وإن لم يعلم اختلافهم فيه. والثالث: ما فيه الخلاف بين أهل المدينة أنفسِهم. ومن ورعه ﵁ لم يقل: إن هذا إجماع الأمة الذي لا يحلّ خلافه. وعند هذا فنقول: ما عليه العمل إما أن يُراد به القسم الأول، أو هو والثاني، أو هما والثالث؛ فإن أريد الأول فلا ريبَ أنه حجة يجب اتباعه، وإن أريد الثاني والثالث فأين دليله؟ وأيضًا فأحقُّ عملِ أهل المدينة أن يكون حجةً العملُ القديم الذي كان في زمن رسول الله ﷺ وأصحابه وزمن خلفائه الراشدين، وهذا كعملهم الذي كأنه مُشاهَدٌ بالحس ورأي عينٍ (٢) في إعطائهم أموالَهم التي قسمها رسول الله ﷺ على من شهد معه خيبر، فأعطوها اليهود على أن يعملوها بأنفسهم وأموالهم والثمرة بينهم وبين المسلمين، يُقرّونهم ما أقرَّهم الله ويُخرِجونهم متى شاؤوا (٣)، واستمرَّ هذا العمل كذلك بلا ريب إلى أن

стр. 1520

استأثر الله بنبيه ﷺ مدةَ أربعة أعوام، ثم استمرّ مدة خلافة الصديق، وكلهم على ذلك، ثم استمرَّ مدة خلافة عمر، إلى أن أجلاهم قبل أن يُستشهد بعامٍ (١)؛ فهذا هو العمل حقًّا، فكيف ساغ خلافه وتركُه لعملٍ حادث؟ ومن ذلك عمل الصحابة مع نبيهم ﷺ على الاشتراك في الهدي، البدنة عن عشرة والبقرة عن سبعة (٢)، فيا له من عملٍ ما أحقَّه وأولاه بالاتباع! فكيف يخالف إلى عمل حادث بعده مخالف له؟ ومن ذلك عمل أهل المدينة الذي كأنه رأيُ عينٍ في سجودهم في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١] مع نبيهم ﷺ وتَبِعهم أبو هريرة، وإنما صحب النبيَّ ﷺ ثلاثة أعوام وبعضَ الرابع، وقد أخبر عن عمل الصحابة مع نبيهم في آخر أمره، فهذا والله هو العمل، فكيف [١٠٩/ب] يقدَّم عليه عمل من بعدهم بما شاء الله من السنين ويقال: العمل على ترك السجود؟ ومن ذلك عمل الصحابة مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقد قرأ السجدة على المنبر في خطبته يوم الجمعة، ثم نزل عن المنبر فسجد، وسجد معه أهل المسجد، ثم صعِدَ (٣). فهذا العملُ حقًّا، فكيف يقال: العمل على خلافه ويقدَّم العمل الذي يخالف ذلك عليه؟

стр. 1521

ومن ذلك عمل الصحابة مع النبي ﷺ في اقتدائهم به وهو جالس (١)، وهذا كأنه رأيُ عينٍ، سواء كانت صلاتهم خلفه قعودًا أو قيامًا، فهذا عمل في غاية الظهور والصحة، فمن العجب أن تُقدَّم عليه رواية جابر الجعفي عن الشعبي ــ وهما كوفيان ــ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يَؤمَّنَّ أحدٌ بعدي جالسًا» (٢)؟ وهذه من أسقط روايات أهل الكوفة. ومن ذلك أن سليمان بن عبد الملك عامَ حجَّ جمع ناسًا من أهل العلم فيهم عمر بن عبد العزيز وخارجة بن زيد بن ثابت والقاسم بن محمد وسالم وعبد الله (٣) ابنا عبد الله بن عمر ومحمد بن شهاب الزهري وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فسألهم عن الطيب قبل الإفاضة، فكلهم أمره بالطيب، وقال القاسم: أخبرتني عائشة أنها طيَّبتْ رسول الله ﷺ لحِرْمه حين أحرم ولحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت. ولم يختلِفْ عليه أحد منهم، إلا أن عبد الله بن عبد الله قال: كان عبد الله رجلًا (٤) جادًّا مُجِدًّا، كان يرمي الجمرةَ، ثم يذبح، ثم يحلق، ثم يركب فيُفِيض قبل أن يأتي منزله. قال سالم: صدق. ذكره النسائي (٥). فهذا عمل أهل المدينة وفتياهم، فأي عمل بعد ذلك يخالفه يستحق التقديم عليه؟

стр. 1522

ومن ذلك ما روى البخاري في «صحيحه» (١) عن قيس بن مسلم عن أبي جعفر قال: «ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع»، وزارعَ عليٌّ وسعد بن مالك وعبد الله [١١٠/أ] بن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي وابن سيرين، وعاملَ عمر بن الخطاب الناس على: إنْ (٢) جاء عمرُ بالبِذْر من عنده فله الشطر، وإن جاءوا بالبِذْر فلهم كذا وكذا. فهذا والله هو العمل الذي يستحقّ تقديمَه على كل عمل خالفه، والذي من جعله بينه وبين الله فقد استوثق. فيا لله العجب! أيُّ عملٍ بعد هذا يقدَّم عليه (٣)؟ وهل يكون عمل يمكن أن يقال إنه إجماع أظهر من هذا وأصحّ منه؟ وأيضًا فالعمل نوعان: نوع لم يعارضه نص ولا عمل قبله ولا عملُ مصرٍ آخر غيره، وعمل عارضه واحد من هذه الثلاثة؛ فإن سوَّيتم بين أقسام هذا (٤) العمل كلها فهي تسوية بين المختلفات التي فرَّق النص والعقلُ بينها، وإن فرّقتم بينها فلا بدَّ من دليل فارقٍ بين ما هو معتبر منها وما هو غير معتبر، ولا تذكرون دليلًا قطُّ إلا كان دليل مَن قدَّم النص أقوى، وكان به أسعد. وأيضًا فإنا نقسم عليكم هذا العمل من وجه آخر ليتبين به المقبول من

стр. 1523

المردود، فنقول: عمل أهل المدينة وإجماعهم نوعان؛ أحدهما: ما كان من طريق النقل والحكاية، والثاني: ما كان من طريق الاجتهاد والاستدلال. فالأول على ثلاثة أضرب: أحدها: نقل الشرع مبتدأً من جهة النبي ﷺ ، وهو أربعة أنواع؛ أحدها: نقل قوله، والثاني: نقل فعله، والثالث: نقل تقريره لهم على أمرٍ شاهدَهم عليه أو أُخبِر به، الرابع: نقلٌ لترك شيء قام سبب وجوده ولم يفعله. الثاني: نقل العمل المتصل زمنًا بعد زمن من عهده ﷺ . والثالث: نقلٌ لأماكنَ وأعيانٍ ومقاديرَ لم تتغير عن حالها. ونحن نذكر أمثلة هذه الأنواع: فأما نقل قوله فظاهر، وهو الأحاديث المدنية التي هي أم الأحاديث النبوية، وهي أشرف أحاديث [١١٠/ب] أهل الأمصار، ومن تأمَّل أبواب البخاري وجده أول ما يبدأ في الباب بها ما وجدها، ثم يُتبِعها بأحاديث أهل الأمصار، وهذه كمالك عن نافع عن ابن عمر، وابن شهاب (١) عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة، ومالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وأبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وابن شهاب (٢) عن سالم عن أبيه، وابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، ويحيى بن سعيد عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس، ومالك عن موسى بن عقبة عن كُريب عن أسامة بن زيد، والزهري

стр. 1524

عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب (١)، وأمثال ذلك. وأما نقلُ فعله فكنقلهم أنه توضأ من بئر بُضاعة (٢)، وأنه كان يخرج كلَّ عيدٍ إلى المصلَّى فيصلِّي به العيد هو والناس (٣)، وأنه كان يخطبهم قائمًا على المنبر وظهره إلى القبلة ووجهه إليهم (٤)، وأنه كان يزور قُباءً كلَّ سبتٍ ماشيًا وراكبًا (٥)، وأنه كان يزورهم في دُورهم (٦) ويعود مرضاهم (٧) ويشهد جنائزهم (٨) ونحو ذلك. وأما نقل التقرير فكنَقْلِهم إقرارَه لهم (٩) على تلقيح النخل، وعلى تجاراتهم التي كانوا يتجرونها (١٠)، وهي على ثلاثة أنواع: تجارة الضرب في الأرض، وتجارة الإدارة، وتجارة السَّلَم، فلم ينكر عليهم منها تجارة

стр. 1525

واحدة، وإنما حرّم عليهم فيها الربا الصريح ووسائله المفضية إليه، أو التوسل بتلك المتاجر إلى الحرام، كبيع السلاح لمن يقاتل به المسلم، وبيع العصير لمن يَعصِره خمرًا، وبيع الحرير لمن يلبسه من الرجال، ونحو ذلك مما هو معاونة على الإثم والعدوان. وكإقرارهم على صنائعهم المختلفة من تجارة وخياطة وصياغة وفلاحة، وإنما حرّم عليهم فيها الغشّ [١١١/أ] والتوسّل بها إلى المحرَّمات. وكإقرارهم على إنشاد الأشعار المباحة وذكر أيام الجاهلية والمسابقة على الأقدام. وكإقرارهم على المناهدة (١) في السفر، وكإقرارهم على الخُيَلاء في الحرب (٢) ولُبسِ الحرير فيه (٣) وإعلامِ الشجاع منهم بعينه

стр. 1526

بعلامة من ريشة أو غيرها. وكإقرارهم على لُبس ما نَسَجَه الكفار من الثياب، وعلى إنفاق ما ضربوه من الدراهم، وربما كان عليها صورُ ملوكهم، ولم يضرب رسول الله ﷺ ولا خلفاؤه مدة حياتهم دينارًا ولا درهمًا، وإنما كانوا يتعاملون بضرب الكفار (١). وكإقراره لهم بحضرته على المُزاح المباح، وعلى الشِّبع في الأكل، وعلى النوم في المسجد، وعلى شركة الأبدان (٢). وهذا كثير من أنواع السنن احتجّ به الصحابة وأئمة الإسلام كلهم. وقد احتجّ به جابر في تقرير الرب في زمن الوحي كقوله: «كنا نَعْزِل والقرآن ينزِل» (٣)، فلو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن. وهذا من كمال فقه الصحابة وعلمهم، واستيلائهم على معرفة طرق الأحكام ومداركها، وهو يدل على أمرين:

стр. 1527

أحدهما: أن أصل الأفعال الإباحة، ولا يحرم منها إلا ما حرّمه الله على لسان رسوله. الثاني: أن علم الرب تعالى بما يفعلونه في زمن شرع الشرائع ونزول الوحي وإقراره لهم عليه دليل على عفوه عنه. والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله أنه في الوجه الأول يكون معفوًّا عنه استصحابًا، وفي الثاني يكون العفو عنه تقريرًا لحكم الاستصحاب. ومن هذا النوع تقريره لهم على أكل الزروع التي تُداس بالبقر، من غير أمر لهم بغَسْلها، وقد علم ﷺ أنها لا بدَّ أن تبول وقت الدِّياس. ومن ذلك تقريره لهم على الوقود في بيوتهم وعلى أطعمتهم بأرواث الإبل وأَخْثاء البقر وأبعار [١١١/ب] الغنم، وقد علم (١) أن دخانها ورمادها يصيب ثيابهم وأوانِيَهم، ولم يأمرهم باجتناب ذلك، وهو دليل على أحد أمرين ولا بدَّ: طهارة ذلك، أو أن دخان النجاسة ورمادها ليس بنجس (٢). ومن ذلك تقريرهم على سجود أحدهم على ثوبه إذا اشتدَّ الحرُّ (٣)، ولا يقال في ذلك: إنه ربما لم يعلمه؛ لأن الله قد علمه وأقرّهم عليه ولم يأمر رسوله بإنكاره عليهم، فتأمل هذا الموضع. ومن ذلك تقريرهم على الأنكحة التي عقدوها في حال الشرك، ولم

стр. 1528

يتعرض لكيفية وقوعها (١)، وإنما أنكر منها ما لا مَسَاغ (٢) له في الإسلام حين الدخول فيه. ومن ذلك تقريرهم على ما بأيديهم من الأموال التي اكتسبوها قبل الإسلام بربا أو غيره، ولم يأمر بردّها، بل جعل لهم بالتوبة ما سلف من ذلك. ومنه تقرير الحبشة باللعب في المسجد بالحِراب، وتقرير عائشة على النظر إليهم، وهو كتقريره (٣) النساء على الخروج والمشي في الطرقات وحضور المساجد وسماع الخطب التي كان ينادي بالاجتماع (٤) لها، وتقريره للرجال على استخدامهن في الطحن والغسل والطبخ والعجن وعلف الفرس والقيام بمصالح البيت (٥)، ولم يقل للرجال قطُّ (٦): لا يحلّ لكم ذلك إلا

стр. 1529

بمعاوضتهن أو استرضائهن حين يتركن الأجرة. وتقريره لهم على الإنفاق عليهن بالمعروف من غير تقدير فرضٍ ولا حَبّ ولا خبز، ولم يقل لهم: لا تَبرأ ذِمَمُكم من الإنفاق الواجب إلا بمعاوضة الزوجات من ذلك على الحب الواجب لهن، مع فساد المعاوضة من وجوه عديدة أو بإسقاط الزوجات حقَّهن من الحب، بل أقرَّهم على ما كانوا يعتادون نفقته قبل الإسلام وبعده، وقرَّر وجوبه بالمعروف، وجعله نظير نفقة الرقيق في ذلك (١). ومنه [١١٢/أ] تقريرهم على التطوُّع بين أذان المغرب والصلاة وهو يراهم ولا ينهاهم (٢). ومنه تقريرهم على بقاء الوضوء وقد خفقَتْ رؤوسهم من النوم في انتظار الصلاة ولم يأمرهم بإعادته (٣)، وتطرُّقُ احتمالِ كونه لم يعلم ذلك مردود بعلم الله به، وبأن القوم أجلُّ وأعرفُ بالله ورسوله أن لا يخبروه بذلك، وبأن خفاء مثل ذلك على رسول الله ﷺ وهو يراهم ويشاهدهم خارجًا إلى الصلاة ممتنع. ومنه تقريرهم على جلوسهم في المسجد وهم مُجْنِبون إذا توضؤوا (٤).

стр. 1530

ومنه تقريرهم على مبايعة عُميانهم على مبايعتهم وشرائهم بأنفسهم من غير نهيٍ لهم عن ذلك يومًا ما (١)، وهو يعلم أن حاجة الأعمى إلى ذلك كحاجة البصير. ومنه تقريرهم على قبول الهدية التي يخبرهم بها الصبي والعبد والأمة (٢)، وتقريرهم على الدخول بالمرأة التي يخبرهم بها النساء أنها امرأته (٣)، بل الاكتفاء بمجرد الإهداء من غير إخبار. ومنه تقريرهم على قول الشعر وإن تغزَّل أحدهم فيه بمحبوبته، وإن قال فيه ما لو أقرّ به في غيره لوَاخذَه (٤) به، كتغزُّل كعب بن زهير بسعاد (٥)،

стр. 1531

وتغزُّل حسان في شعره وقوله فيه (١): كأن سَبيئةً من بيتِ رأسٍ ... يكون مزاجَها عسلٌ وماءُ ثم ذكر وصف الشراب، إلى أن قال: ونشربُها فتتركُنا ملوكًا ... وأُسْدًا لا يُنَهْنِهنا (٢) اللقاءُ فأقرَّهم على قول ذلك وسماعه؛ لعلمه ببرِّ قلوبهم ونزاهتهم وبُعدهم عن كل دنسٍ وعيب، وأن هذا إذا وقع مقدمةً (٣) بين يدي ما يحبُّه الله ورسوله من مدح الإسلام وأهله وذم الشرك وأهله والتحريض على الجهاد والكرم والشجاعة فمفسدته مغمورة جدًّا في جنب هذه المصلحة، مع ما فيه من مصلحة (٤) هزِّ النفوس واستمالة إصغائها وإقبالها على المقصود [١١٢/ب] بعده، وعلى هذا جرت عادة الشعراء بالتغزُّل بين يدي الأغراض التي يريدونها بالقصيد. ومنه (٥) تقريرهم على رفع الصوت بالذكر بعد السلام (٦)، بحيث كان من هو خارج المسجد يعرف انقضاء الصلاة بذلك، ولا ينكره عليهم.

стр. 1532

فصل وأما نقلهم لتركه فهو نوعان، وكلاهما سنة: أحدهما: تصريحهم بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله، كقوله في شهداء أحد: «ولم يغسِلْهم ولم يصلِّ عليهم» (١)، وقوله في صلاة العيد: «لم يكن أذانٌ ولا إقامة ولا نداء» (٢)، وقوله في جمعه بين الصلاتين: «ولم يسبِّح بينهما ولا على إثْرِ واحدةٍ منهما» (٣) ونظائره. والثاني: عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرتْ هِممُهم ودواعيهم أو أكثرهم (٤) أو واحد منهم على نقله؛ فحيثُ لم ينقله واحد منهم البتةَ ولا حدَّث به في مجمعٍ أبدًا عُلِم أنه لم يكن، وهذا كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة، وتركه الدعاء بعد الصلاة مستقبلَ المأمومين وهم يؤمِّنون على دعائه دائمًا بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات، وتركه رفع يديه كل يوم في صلاة الصبح بعد رفع رأسه من ركوع الثانية، وقوله: «اللهم اهْدِنا فيمن هديتَ» يجهر بها ويقول المأمومون كلهم «آمين». ومن الممتنع أن يفعل ذلك ولا ينقله عنه صغير ولا كبير ولا رجل ولا امرأة البتةَ وهو مواظب عليه هذه المواظبة لا يُخِلُّ به يومًا واحدًا. وتركه الاغتسال للمبيت بمزدلفة ولرمي الجمار ولطواف الزيارة ولصلاة الاستسقاء والكسوف. ومن هنا

стр. 1533

يُعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنة؛ فإنَّ تَرْكه ﷺ سنة كما أن فِعْله سنة، فإذا استحببنا فعل ما تركه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله، ولا فرقَ. فإن قيل: من أين لكم [١١٣/أ] أنه لم يفعله، وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟ فهذا سؤال بعيد جدًّا عن معرفة هَدْيه وسنته (١) وما كان عليه، ولو صحّ هذا السؤال وقُبِل (٢) لاستحبَّ لنا مستحِبٌّ الأذانَ للتراويح، وقال: من أين لكم أنه لم يُنقل؟ واستحبّ لنا مستحِبّ آخر الغسلَ لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم يُنقل؟ واستحبّ لنا آخرُ النداءَ بعد الأذان: الصلاة يرحمكم الله، ورفع بها صوته، وقال: من أين لكم أنه لم يُنقل؟ واستحبّ لنا آخر لُبس السواد والطَّرْحة (٣) للخطيب، وخروجه بالشاويش (٤) يصيح بين يديه، ورَفْع المؤذّنين أصواتهم كلما ذُكِر اسم الله أو اسم رسوله جماعةً وفرادى، وقال: من أين لكم أن هذا لم يُنقل؟ واستحبَّ آخرُ صلاة ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة في رجب، وقال: من أين لكم أن (٥) إحياءهما لم ينقل؟ وانفتح باب البدعة، وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أن هذا لم يُنقل؟

стр. 1534

ومن هذا تركه أخذَ الزكاة من الخضراوات والمباطخ (١) وهم يزرعونها بجواره بالمدينة كل سنة؛ فلا يطالبهم بزكاة، ولا هم يؤدُّونها إليه. فصل وأما نقل الأعيان وتعيين الأماكن فكنقلهم المدَّ والصاع (٢)، وتعيين موضع المنبر وموقفه للصلاة والقبر والحجرة ومسجد قباء، وتعيين الروضة والبقيع والمصلى ونحو ذلك، ونقلُ (٣) هذا جارٍ مجرى نقلِ مواضع المناسك، كالصفا والمروة ومنى ومواضع الجمرات ومزدلفة وعرفة، ومواضع الإحرام كذي الحليفة والجحفة وغيرهما. فصل وأما نقل العمل المستمر فكنقل الوقوف والمزارعة، والأذان على المكان المرتفع، والأذان للصبح قبل الفجر، وتثنية الأذان وإفراد الإقامة، والخطبة بالقرآن وبالسنن (٤) دون الخطبة الصناعية بالتسجيع والترجيع التي لا تُسمن ولا تُغني من [١١٣/ب] جوع؛ فهذا النقل وهذا العمل حجة يجب اتباعها، وسنة متلقاة بالقبول على الرأس والعينين، وإذا ظفر العالم بذلك (٥) قرَّت به عينُه، واطمأنَّتْ إليه نفسه.

стр. 1535

فصل وأما العمل الذي طريقه الاجتهاد والاستدلال (١) فهو معترك النِّزال ومحلُّ الجدال. قال القاضي عبد الوهاب (٢): وقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ليس بحجة أصلًا، وأن الحجة هي إجماع أهل المدينة من طريق النقل، ولا يرجَّح به أيضًا أحد الاجتهادين على الآخر، وهذا قول ابن بُكَير (٣) وأبي يعقوب الرازي والقاضي أبي بكر (٤) بن مُنْتاب والطيالسي والقاضي أبي الفرج (٥) والشيخ أبي بكر الأبهري، وأنكروا أن يكون هذا مذهبًا لمالك أو لأحدٍ من معتمدي أصحابه. والوجه الثاني: أنه وإن لم يكن حجة فإنه يرجَّح به اجتهادهم على اجتهاد غيرهم، وبه قال بعض الشافعية (٦).

стр. 1536

والثالث: أن إجماعهم من طريق الاجتهاد حجة وإن لم يحرم خلافه، كإجماعهم من طريق النقل، وهذا مذهب قوم من أصحابنا، وهو الذي عليه كلام أحمد بن المعذَّل (١) وابن بُكَير وغيرهما، وذكر الشيخ أن في «رسالة مالك إلى الليث بن سعد» ما يدلُّ عليه، وقد ذكر أبو مصعب في «مختصره» مثل ذلك، والذي صرَّح به القاضي أبو الحسين (٢) بن أبي عمر في «مسألته التي صنّفها على أبي بكر الصَّيرفي» نقضًا لكلامه على أصحابنا في إجماع أهل المدينة، وإلى هذا يذهب جُلُّ أصحابنا المغاربة أو جميعهم. فأما (٣) حال الأخبار من طريق الآحاد فلا تخلو من ثلاثة أمور: إما أن يكون صحبها (٤) عمل أهل المدينة مطابقًا لها، أو أن يكون عملهم بخلافها، أو أن لا يكون منهم عملٌ أصلًا لا بخلافٍ ولا بوفاقٍ. فإن كان عملهم موافقًا لها كان ذلك آكدَ في تصحيحها (٥) ووجوبِ العمل بها، إذا كان العمل من طريق النقل، وإن كان من طريق الاجتهاد كان مرجِّحًا [١١٤/أ] للخبر على ما ذكرنا من الخلاف.

стр. 1537

وإن كان عملهم بخلافه نُظِر: فإن كان العمل المذكور على الصفة التي ذكرناها فإن الخبر يُترك للعمل (١) عندنا، لا خلاف بين أصحابنا في ذلك، وهذا أكبر الغرض بالكلام في هذه المسألة، وهذا كما نقوله في الصاع والمد وزكاة الخُضر وغير ذلك. وإن كان العمل منهم اجتهادًا فالخبر أولى منه عند جمهور أصحابنا، إلا من قال منهم: إن الإجماع من طريق الاجتهاد حجة. وإن لم يكن بالمدينة عملٌ يوافق موجبَ (٢) الخبر أو يخالفه فالواجب المصير إلى الخبر؛ فإنه دليل منفرد عن مُسقِط أو مُعارِض. هذا جملة قول أصحابنا في هذه المسألة (٣). وقد تضمَّن ما حكاه أن عملهم الجاري مجرى النقل حجة، فإذا أجمعوا عليه فهو مقدَّم على غيره من أخبار الآحاد، وعلى هذا الحرف بنى المسألة وقرّرها، وقال (٤): والذي يدلُّ على ما قلناه أنهم إذا أجمعوا على شيء نقلًا أو عملًا متصلًا فإن ذلك الأمر معلوم بالنقل المتواتر (٥) الذي يحصل به العلم، وينقطع العذر فيه، ويجب ترك أخبار الآحاد له (٦)؛ لأن المدينة بلدة جمعتْ من الصحابة من يقع العلم بخبرهم فيما أجمعوا على

стр. 1538

نقله، فما هذا سبيله إذا ورد خبرُ واحدٍ بخلافه كان حجة على ذلك الخبر وتُرِك له، كما لو رُوِي لنا خبرُ واحدٍ فيما تواتر به نقل جميع الأمة لوجب ترك الخبر للنقل المتواتر من جميعهم. فيقال (١): من المحال عادةً أن يُجمِعوا على شيء نقلًا أو عملًا متصلًا من عندهم إلى زمن رسول الله ﷺ وأصحابه وتكون السنة الصحيحة الثابتة قد خالفته، هذا من أبينِ الباطل؛ وإن وقع ذلك فيما أجمعوا عليه من طريق (٢) الاجتهاد فإن العصمة لم تُضْمَن لاجتهادهم، فلم يُجمِعوا من طريق النقل ولا العمل المستمرِّ على هذه الشريطة على بطلان خيار المجلس، ولا على التسليمة الواحدة، ولا على القنوت في الفجر قبل الركوع، ولا على ترك الرفع عند الركوع [١١٤/ب] والرفع منه، ولا على ترك السجود في المفصَّل، ولا على ترك الاستفتاح والاستعاذة قبل الفاتحة، ونظائر ذلك، كيف وقدماؤهم الذين نقلوا العلم الصحيح الثابت الذي كأنه رأيُ عينٍ عن النبي ﷺ وأصحابه بخلاف ذلك؟ فكيف يقال: إنّ تركه عملٌ مستمرٌّ من عهد رسول الله ﷺ وإلى الآن؟ هذا من المحال. بلى نقلهم للصاع والمدّ والوقوف والأحباس (٣) وترك زكاة الخَضراوات حق، ولم يأتِ عن رسول الله ﷺ سنة تخالفه البتةَ، ولهذا رجع أبو يوسف إلى ذلك

стр. 1539

بحضرة الرشيد لما ناظره مالك وتبيَّن له الحق؛ فلا يُلحَق بهذا عملهم من طريق الاجتهاد، ويُجعل ذلك نقلًا متصلًا عن رسول الله ﷺ ، وتُترك (١) له السنن الثابتة، فهذا لون وذاك لون، وبهذا التمييز والتفصيل يزول الاشتباه ويظهر الصواب. ومن المعلوم أن العمل بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين والصحابة بالمدينة كان بحسب من فيها من المفتين والأمراء والمحتسبين على الأسواق، ولم تكن الرعية تخالف هؤلاء، فإذا أفتى المفتون نفَّذه الوالي، وعمِلَ به المحتسب، وصار عملًا، فهذا هو الذي لا يُلتفَت إليه في مخالفة السنن، لا عمل رسول الله ﷺ وخلفائه والصحابة فذاك هو السنة، فلا يُخلَط أحدهما بالآخر، فنحن لهذا العمل أشدُّ تحكيمًا، وللعمل الآخر إذا خالف السنة أشدُّ تركًا، وبالله التوفيق. وقد كان ربيعة بن أبي (٢) عبد الرحمن يفتي وسليمان بن بلال المحتسب ينفِّذ فتواه، فتعملُ الرعية بفتوى هذا وتنفيذ هذا، كما يطَّرد العمل في بلد أو إقليم ليس فيه إلا قول مالك على قوله وفتواه، ولا يجوِّزون العمل هناك بقول غيره من أئمة الإسلام، فلو عمل به أحد لاشتدَّ نكيرهم (٣) عليه، وكذلك بلد أو إقليم لم يظهر [١١٥/أ] فيه إلا مذهب أبي حنيفة فإن العمل المستمر عندهم على قوله، وكل طائفة اطَّرد عندهم عملُ من (٤) وصل إليهم

стр. 1540

قوله ومذهبه لم (١) يألفوا غيره. ولا فرقَ في هذا العمل بين بلد وبلد (٢)، والعمل الصحيح ما وافقتْه السنة. وإذا أردتَ وضوح ذلك فانظر العمل في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في جهره بالاستفتاح في الفرض في مصلَّى النبي ﷺ وعمل الصحابة به (٣)، ثم العمل في زمن مالك بوصل التكبير بالقراءة من غير استفتاح ولا تعوُّذٍ. وانظر العمل في زمن الصحابة كعبد الله بن عمر في اعتبار خيار المجلس ومفارقته لمكان التبايع ليلزم العقد (٤) ولا يخالفه في ذلك صحابي، ثم العمل به في زمن التابعين وإمامهم وعالمهم سعيد بن المسيّب، يعمل به ويفتي به ولا ينكره عليه منكر، ثم صار العمل في زمن ربيعة وسليمان بن بلال بخلاف ذلك. وانظر إلى العمل في زمن رسول الله ﷺ والصحابة خلفه وهم يرفعون أيديهم في الصلاة في الركوع والرفع منه (٥)، ثم العمل في زمن الصحابة بعده حتى كان عبد الله بن عمر إذا رأى من لا يرفع يديه حَصَبَه (٦)، وهو

стр. 1541

عمل كأنه رأيُ عينٍ، وجمهور التابعين يعمل به بالمدينة وغيرها من الأمصار كما حكاه البخاري ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما عنهم، ثم صار العمل بخلافه. وانظر إلى العمل الذي كأنه رأيُ عينٍ من صلاة رسول الله ﷺ على ابنَيْ بيضاءَ سهيلٍ وأخيه في المسجد والصحابةُ معه، وصلَّت عائشة على سعد بن أبي وقاص في المسجد (١)، وصُلِّي (٢) على عمر بن الخطاب في المسجد، ذكره مالك (٣) عن نافع عن عبد الله. قال الشافعي (٤): ولا نرى أحدًا من الصحابة حضر موتَه فتخلَّف عن جنازته، فهذا عمل مجمع عليه عندكم. قاله لبعض المالكية. وروى هشام عن أبيه أن أبا بكر صُلِّي عليه في المسجد (٥)، [١١٥/ب] فهذا العمل حقًّا، ولو تُرِكت السنن للعمل لتعطَّلت سنن رسول الله ﷺ ودَرستْ رسومها وعَفَتْ آثارها، وكم من عملٍ قد (٦) اطَّرد بخلاف السنة الصريحة (٧) على

стр. 1542

تقادم الزمان وإلى الآن، وكلَّ وقت تُترك سنة ويُعمل بخلافها ويستمرُّ عليها العمل، فخُذْ يسيرًا من السنة معمولًا به على نوع تقصير، وخُذْ بلا حُسْبانٍ ما شاء الله من سُنَنٍ قد أُهمِلتْ وعُطِّلَ العملُ بها جملة؛ فلو عمل بها من يعرفها لقال الناس: تَركتَ السنة! فقد تقرَّر أن كل عمل خالف السنة الصحيحة لم يقع من طريق النقل البتةَ، وإنما يقع (١) من طريق الاجتهاد، والاجتهاد إذا خالف السنة كان مردودًا، وكل عمل طريقه النقلُ فإنه لا يخالف سنة صحيحة البتةَ. فلنرجع إلى الأمثلة التي تُرِك فيها المحكم للمتشابه، فنقول: المثال السابع والخمسون: تركُ السنة المحكمة الصحيحة في الجهر بآمين في الصلاة كقوله في «الصحيحين»: «إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا فإنه من وافقَ تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفِر له» (٢). ولولا جهره بالتأمين لما أمكن المأمومَ أن يؤمِّن معه ويوافقه في التأمين. وأصرحُ من هذا حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كُهيل عن حُجْر بن عَنْبس عن وائل بن حجر قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: «آمين»، ورفع بها صوته. وفي لفظ: وطوَّل بها». رواه الترمذي وغيره (٣)، وإسناده صحيح. وقد خالف شعبةُ سفيانَ في هذا الحديث فقال: «وخفَضَ بها

стр. 1543

صوته» (١)، وحكم أئمة الحديث وحفَّاظه (٢) في هذا لسفيان، فقال الترمذي (٣): سمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل في هذا الباب أصحُّ من حديث شعبة، أخطأ شعبة في هذا الحديث في مواضع، فقال: «عن حجر أبي العَنْبس»، وإنما كنيته أبو السكن، وزاد فيه «علقمة بن وائل»، [١١٦/أ] وإنما هو حُجْر بن عَنْبس عن وائل بن حجر، ليس فيه علقمة، وقال: «وخفض بها صوته»، والصحيح أنه جهر بها. قال الترمذي (٤): وسألت أبا زرعة عن حديث سفيان وشعبة هذا، فقال: حديث سفيان أصحُّ من حديث شعبة، وقد روى العلاء بن صالح عن سلمة بن كهيل نحو رواية سفيان. وقال الدارقطني (٥): كذا (٦) قال شعبة: «وأخفى بها صوته»، ويقال: إنه وهمَ فيه؛ لأن سفيان الثوري (٧) ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما رووه عن سلمة فقالوا: ورفع صوتَه بآمين، وهو الصواب.

стр. 1544

وقال البيهقي (١): لا أعلم اختلافًا بين أهل العلم بالحديث أن سفيان وشعبة إذا اختلفا فالقول قول سفيان. وقال يحيى بن سعيد: ليس أحد أحبَّ إليَّ من شعبة، ولا يعدِلُه عندي أحد، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان. وقال شعبة: سفيان أحفظُ مني (٢)؛ فهذا ترجيح لرواية سفيان. وترجيح ثان: وهو متابعة العلاء بن صالح ومحمد بن سلمة بن كهيل له (٣). وترجيح ثالث: وهو أن أبا الوليد الطيالسي ــ وحسْبُك به ــ رواه عن شعبة بوفاق الثوري في متنه (٤)، فقد اختلف على شعبة كما ترى. قال البيهقي (٥): فيحتمل أن يكون تنبَّه لذلك فعاد إلى الصواب في متنه، وترك ذكر علقمة في إسناده. وترجيح رابع: وهو أن الروايتين لو تقاومتا لكانت رواية الرفع متضمنة لزيادة، وكانت أولى بالقبول. وترجيح خامس: وهو موافقتها وتفسيرها لحديث أبي هريرة: «إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا، فإنّ الإمام يقول آمين والملائكة تقول: آمين، فمن وافقَ تأمينُه

стр. 1545

تأمينَ الملائكة غفر له» (١). وترجيح سادس: وهو ما رواه الحاكم (٢) بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغَ من (٣) قراءة أم القرآن رفع صوتَه بآمين. ولأبي داود بمعناه، وزاد بيانًا فقال: «قال آمين حتى [١١٦/ب] يسمع من يليه من الصف الأول» (٤). وفي رواية عنه: «كان النبي ﷺ إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، يرفع بها صوته، ويأمر بذلك» (٥). وذكر البيهقي عن علي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول آمين إذا قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٦). وعنده أيضًا عنه: أن النبي ﷺ كان إذا قرأ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ رفع صوته بآمين. وعند أبي داود عن بلال أنه (٧) قال
следующие страницы →