← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

ذلك له، إما بالثمن أو مجَّانًا (١)، على الخلاف في ذلك؛ والصحيح وجوب بذله مجّانًا؛ لوجوب المواساة وإحياء النفوس مع القدرة على ذلك، والإيثار بالفضل مع ضرورة المحتاج، وهذه شبهة قوية تدرأ القطع، وهي (٢) أقوى من كثير من الشُّبه التي يذكرها كثير من الفقهاء، بل إذا وازنتَ بين هذه الشبهة وبين ما يذكرونه ظهر لك التفاوت، فأين شبهة كون المسروق مما يسرع إليه الفساد، وكون أصله على الإباحة، وشبهة القطع به مرة، وشبهة دعوى مِلْكه بلا بينة، وشبهة إتلافه في الحِرز بأكل أو احتلاب من الضرع، وشبهة نقصان ماليته في الحرز بذبح أو تحريق ثم إخراجه، وغير ذلك من الشُّبه الضعيفة جدًّا إلى هذه الشبهة القوية؟ لا سيَّما وهو مأذون له في مغالبة صاحب المال على أخذ ما يسدُّ رمقَه. وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرون، ولا يتميّز المستغني منهم والسارق لغير حاجة من غيره، فاشتبه من يجب عليه الحدُّ بمن لا يجب عليه، فدُرِئَ. نعم إذا بانَ السارق لا حاجةَ به وهو مستغنٍ عن السرقة قُطِع. فصل المثال الرابع: أن النبي ﷺ فرضَ صدقة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من أَقِطٍ (٣)، وهذه كانت غالبَ أقواتهم بالمدينة، فأما أهل بلدٍ أو محلةٍ قُوتُهم غير ذلك فإنما عليهم صاع من قُوتِهم،

стр. 1612

كمن قوتُهم الذُّرة أو الأرز أو التين أو غير ذلك من الحبوب، فإن كان قوتُهم من غير الحبوب كاللبن واللحم والسمك أخرجوا فطرتهم من قوتهم كائنًا ما كان. هذا قول جمهور العلماء، وهو الصواب الذي لا يقال بغيره؛ إذ المقصود سَدُّ خَلَّة المساكين يوم العيد ومواساتُهم من جنس ما يقتاته أهل بلدهم. وعلى هذا فيُجزِئ [٤/ب] إخراج الدقيق وإن لم يصح فيه الحديث (١). وأما إخراج الخبز والطعام فإنه وإن كان أنفعَ للمساكين لقلة المُؤْنة والكُلْفة فيه، فقد يكون الحَبُّ أنفعَ لهم لطول بقائه وأنه يتأتّى منه ما لا يتأتّى من الخبز والطعام، ولا سيَّما إذا كثر الخبز والطعام عند المسكين فإنه يفسد ولا يمكنه حفظه. وقد يقال: لا اعتبارَ بهذا، فإن المقصود إغناؤهم في ذلك اليوم العظيم عن التعرُّض للسؤال، كما قال النبي ﷺ : «أَغْنُوهم في هذا اليوم عن المسألة» (٢)، وإنما نص على تلك الأنواع المخرَّجة لأن القوم لم يكونوا يعتادون اتخاذ الأطعمة يوم العيد، بل كان قُوتُهم يوم العيد كقوتهم سائر السنة؛ ولهذا لما كان قوتُهم يومَ عيد النحر من لحوم الضحايا (٣) أُمِروا أن

стр. 1613

يُطعِموا منها القانعَ والمعتَرَّ؛ فإذا كان أهل بلدٍ أو محلةٍ عادتهم اتخاذ الأطعمة يومَ العيد جاز لهم بل شُرِع لهم أن يُواسُوا المساكين من أطعمتهم، فهذا محتمل يسوغ القول به، والله أعلم. فصل المثال الخامس: أن النبي ﷺ نصّ في المصرَّاة على ردّ صاع من تمرٍ بدل اللبن (١)، فقيل: هذا حكم عام في جميع الأمصار، حتى في المصر الذي لم يسمع أهله بالتمر قطُّ ولا رأوه؛ فيجب إخراج قيمة الصاع في موضع التمر، ولا يُجزئهم إخراج صاع من قوتهم. وهذا قول أكثر الشافعية والحنابلة، وجعل هؤلاء التمر في المصرَّاة كالتمر في زكاة التمر لا يجزئ سواه، وجعلوه تعبُّدًا، فعيَّنوه اتباعًا للفظ النص. وخالفهم آخرون، فقالوا: بل يُخرِج في كل موضع صاعًا من قوتِ ذلك البلد الغالب؛ فيخرج في البلاد التي قوتهم البرُّ صاعًا من برٍّ، وإن كان قوتهم الأرز فصاعًا من أرز، وإن كان الزبيب والتين عندهم كالتمر في موضعه أجزأ صاع منه. وهذا هو الصحيح، وهو اختيار أبي المحاسن الروياني وبعضِ أصحاب أحمد، وهو الذي ذكره أصحاب مالك. قال القاضي أبو الوليد (٢): روى ابن القاسم أن الصاع يكون من غالب قوت البلد. قال صاحب «الجواهر» (٣)، بعد حكاية ذلك: ووجهه أنه ورد في

стр. 1614

بعض ألفاظ هذا الحديث: «صاعًا من طعام» (١)؛ فيحمل تعيين صاع التمر في الرواية المشهورة على أنه غالب قُوتِ ذلك البلد. انتهى. ولا ريبَ أن هذا أقربُ إلى مقصود الشارع ومصلحة المتعاقدين من إيجاب قيمة صاع من التمر في موضعه، والله أعلم. وكذلك حكم ما نصَّ عليه الشارع من الأعيان التي يقوم غيرها مقامها من كل وجه أو يكون أولى منها، كنصه على الأحجار في الاستجمار (٢)، ومن المعلوم أن الخِرَق والقطن والصوف أولى منها بالجواز، وكذلك نصه على التراب في الغسل من ولوغ الكلب (٣)، والأُشنان أولى منه. هذا فيما عُلِم مقصود الشارع منه، وحصول ذلك المقصود على أتمِّ الوجوه بنظيره وما هو أولى منه. فصل المثال السادس: أن النبي ﷺ منع الحائض من الطواف بالبيت حتى تطهر، وقال: «اصنعي ما يصنع الحاجُّ غيرَ أن لا [٥/أ] تطوفي بالبيت» (٤). فظنَّ من ظنّ أن هذا حكم عام في جميع الأحوال والأزمان، ولم يفرق بين حال القدرة والعجز، ولا بين زمن إمكان الإحباس لها حتى تطهر وتطوف وبين الزمن الذي لا يمكن فيه ذلك، وتمسَّك بظاهر النص، ورأى منافاة

стр. 1615

الحيض للطواف كمنافاته للصلاة والصيام؛ إذ نهيُ الحائض عن الجميع سواء، ومنافاة الحيض لعبادة الطواف كمنافاته لعبادة الصلاة. ونازعَهم في ذلك فريقان: أحدهما صحَّحوا الطواف مع الحيض، ولم يجعلوا الحيض مانعًا من صحته، بل جعلوا الطهارة واجبة تُجبَر بالدم، ويصح الطواف بدونها، كما يقوله أبو حنيفة وأصحابه، وأحمد في إحدى الروايتين عنه وهي أنصُّهما عنه. وهؤلاء لم يجعلوا ارتباط الطهارة بالطواف كارتباطها بالصلاة ارتباطَ الشرط بالمشروط، بل جعلوها واجبةً من واجباته، وارتباطها به كارتباط واجبات الحج به، يصح فعلُه مع الإخلال بها ويَجبُرها الدم. والفريق الثاني جعلوا وجوب الطهارة للطواف واشتراطَها بمنزلة وجوب السترة واشتراطها، بل وبمنزلة سائر شروط الصلاة وواجباتها التي تجب وتُشترط مع القدرة وتسقط مع العجز. قالوا: وليس اشتراط الطهارة للطواف أو وجوبها له بأعظمَ من اشتراطها للصلاة، فإذا سقطت بالعجز عنها فسقوطها في الطواف بالعجز عنها أولى وأحرى. قالوا: وقد كان في زمن النبي (١) ﷺ وخلفائه الراشدين يحتبس أمراء الحج للحيَّض حتى يطهُرن ويطُفْن، ولهذا قال النبي ﷺ في شأن صفية وقد حاضت: «أحابستُنا هي؟» قالوا: إنها قد أفاضت، قال: «فلْتنفِرْ إذًا» (٢). وحينئذٍ فكانت الطهارة مقدورةً لها يُمكِنها الطواف بها، فأما في هذه الأزمان

стр. 1616

التي يتعذّر إقامة الركْب لأجل (١) الحيَّض فلا تخلو من ثمانية أقسام: أحدها أن يقال لها: أقيمي بمكة وإن رحَلَ الركْبُ حتى تطهري وتطوفي، وفي هذا من الفساد وتعريضها للمُقَام وحدَها في بلد الغربة مع لحوق غاية الضرر لها ما فيه. الثاني أن يقال: يسقط طواف الإفاضة للعجز عن شرطه. الثالث أن يقال: إذا علمتْ أو خشيتْ مجيء الحيض في وقته جاز لها تقديمُه على وقته. الرابع أن يقال: إذا كانت تعلم بالعادة أن حيضها يأتي في أيام الحج وأنها إذا حجَّت أصابها الحيض هناك سقط عنها فرضه، حتى تصير آيسةً، وينقطع حيضها بالكلية. الخامس أن يقال: بل تحج، فإذا حاضت ولم يمكنها الطواف ولا المُقام رجعت وهي على إحرامها تمتنع من النكاح ووطء الزوج، حتى تعود إلى البيت فتطوف وهي طاهرة، ولو كان بينها وبينه مسافة سنين، ثم إذا أصابها الحيض في سنة العود رجعت كما هي، ولا تزال كذلك كلَّ عام حتى يصادفَها عامٌ تطهُر فيه. السادس أن يقال: بل تتحلَّل إذا عجزتْ عن المُقام حتى تطهر كما يتحلَّل المُحصَر، مع بقاء الحج في ذمتها، فمتى قدرت على الحج لزِمَها؛ ثم إذا أصابها ذلك أيضًا تحلّلتْ، وهكذا أبدًا حتى يمكنها الطواف طاهرًا.

стр. 1617

السابع أن يقال: يجب عليها أن تستنيب من يحجُّ عنها كالمعضوب، وقد أجزأ [٥/ب] عنها الحج، وإن انقطع حيضُها بعد ذلك. الثامن أن يقال: بل تفعل ما تقدر عليه من مناسك الحج، ويسقط عنها ما تعجز عنه من الشروط والواجبات، كما سقط عنها طواف الوداع بالنص (١)، وكما سقط عنها فرض السترة إذا شَلَّحها (٢) العبيد أو غيرهم، وكما يسقط عنها فرض طهارة الجنب إذا عجَزتْ عنها لعدم الماء أو مرضٍ بها، وكما يسقط فرض اشتراط طهارة مكان الطواف والسعي إذا فُرِض فيه نجاسة تتعذر إزالتها (٣)، وكما سقط شرط استقبال القبلة في الصلاة إذا عجز عنه، وكما يسقط فرض القيام والقراءة والركوع والسجود إذا عجز عنه المصلّي، وكما يسقط فرض الصوم عن العاجز عنه عجزًا إلى بَدَلٍ وهو الإطعام، ونظائر ذلك من الواجبات والشروط التي تسقط بالعجز عنها إما إلى بدلٍ أو مطلقًا. فهذه ثمانية أقسام لا مزيدَ عليها، ومن المعلوم أن الشريعة لا تأتي بسوى هذا القسم الثامن؛ فإن القسم الأول وإن قاله من قاله من الفقهاء (٤) فلا يتوجَّه ههنا؛ لأن هذا الذي قالوه متوجِّه فيمن أمكنها الطواف فلم تطُفْ، والكلام في امرأة لا يمكنها الطواف ولا المُقام لأجله، وكلام الأئمة والفقهاء هو مطلق كما يتكلّمون في نظائره، ولم يتعرَّضوا لمثل هذه الصورة

стр. 1618

التي عمَّت بها البلوى، ولم يكن ذلك في زمن الأئمة، بل قد ذكروا أن المُكْرِيَ يلزمه المُقام والاحتباسُ عليها لتطهر ثم تطوف، فإنه كان ممكنًا بل واقعًا في زمنهم، فأفتَوا بأنها لا تطوف حتى تطهر لتمكُّنها من ذلك، وهذا لا نزاعَ فيه ولا إشكال، فأما في هذه الأزمان فغيرُ ممكن. وإيجاب سفرين كاملين في الحج من غير تفريط من الحاج ولا سببٍ صدرَ منه يتضمن إيجابَ حجتين إلى البيت، والله تعالى إنما يوجب حجة واحدة، بخلاف من أفسد الحج فإنه قد فرَّط بفعل المحظور، وبخلاف من ترك طواف الزيارة أو الوقوف بعرفة فإنه لم يفعل ما يتمُّ به حجُّه. وأما هذه فلم تُفرِّط ولم تترك ما أُمِرت به، فإنها لم تؤمر بما لا تقدر عليه، وقد فعلت ما تقدر عليه؛ فهي بمنزلة الجنب إذا عجز عن الطهارة الأصلية والبدلية وصلَّى على حسب حاله، فإنه لا إعادة عليه في أصح الأقوال. وأيضًا فهذه قد لا يمكنها السفر مرة ثانية، فإذا قيل إنها تبقى محرِمةً إلى أن تموت، فهذا ضرر لا يكون مثله في دين الإسلام، بل يُعلم بالضرورة أن الشريعة لا تأتي به. فصل وأما التقدير الثاني ــ وهو سقوط طواف الإفاضة ــ فهذا مع أنه لا قائلَ به فلا يمكن القول به؛ فإنه ركن الحج الأعظم، وهو الركن المقصود لذاته، والوقوف بعرفة وتوابعه مقدمات له. فصل وأما التقدير الثالث ــ وهو أن تقدّم طواف الإفاضة على وقته إذا خشيت الحيضَ في وقته ــ فهذا لا يُعلم به قائل، والقول به كالقول بتقديم الوقوف

стр. 1619

بعرفة (١) على يوم عرفة، وكلاهما مما لا سبيلَ إليه. فصل وأما التقدير الرابع ــ وهو أن يقال: يسقط عنها فرض الحج إذا خشيت ذلك ــ فهذا وإن كان أفقهَ [٦/أ] مما قبله من التقديرات، فإن الحج يسقط بما هو دون هذا من الضرر، كما لو كان بالطريق أو بمكة خوفٌ، أو أخذ خَفارةً مُجحِفة أو غير مُجحِفة على أحد القولين، أو لم يكن لها محرم، ولكنه ممتنع لوجهين: أحدهما: أن لازمه سقوط الحج عن كثير من النساء أو أكثرهن؛ فإنهن يخفن من الحيض وخروج الركب قبل الطهر، وهذا باطل؛ فإن العبادات لا تسقط بالعجز عن بعض شرائطها ولا عن بعض أركانها، وغاية هذه أن تكون عجزَتْ عن شرط أو ركن، وهذا لا يُسقِط المقدور عليه، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال ﷺ : «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأْتوا منه ما استطعتم» (٢). ولهذا وجبت الصلاة بحسب الإمكان، وما عجز عنه من فروعها أو شروطها سقط عنه؛ والطواف والسعي إذا عجز عنه ماشيًا فعَله راكبًا اتفاقًا، والصبيُّ يفعل عنه وليُّه ما يَعجِز عنه. الوجه الثاني: أن يُقال: فالكلام فيمن تكلَّفَتْ وحجَّتْ وأصابها هذا العذر، فما يقول صاحب هذا التقدير حينئذٍ؟ فإما أن يقول: تبقى محرِمةً حتى تعود إلى البيت، أو يقول: تتحلَّلُ كالمُحْصَر.

стр. 1620

وبالجملة فالقول بعدم وجوب الحج على من تخاف الحيض لا يُعلم به قائل، ولا تقتضيه الشريعة؛ فإنها لا تَسقُط مصلحة الحج التي هي من أعظم المصالح لأجل العجز عن أمرٍ غايتُه أن يكون واجبًا في الحج أو شرطًا فيه؛ فأصول الشريعة تُبطِل هذا القول. فصل وأما التقدير الخامس ــ وهي أن ترجع وهي على إحرامها ممتنعة من النكاح والوطء إلى أن تعود في العام المقبل، ثم إذا أصابها الحيض رجعت كذلك، وهكذا كل عام ــ فمما تردُّه أصول الشريعة وما اشتملت عليه من الحكمة والمصلحة والرحمة (١) والإحسان؛ فإن الله لم يجعل على الأمة مثلَ هذا الحرج، ولا ما هو قريب منه. فصل وأما التقدير السادس ــ وهو أنها تتحلّل كما يتحلّل المُحْصَر ــ فهذا أفقه من التقدير الذي قبله؛ فإن هذه منعَها خوفُ المقام من إتمام النسك، فهي كمن منعها عدوٌّ عن الطواف بالبيت بعد التعريف، ولكن هذا التقدير ضعيف، فإن الإحصار أمر عارض للحاج يمنعُه من الوصول إلى البيت في وقت الحج، وهذه متمكنة من البيت ومن الحج من غير عدو ولا مرض ولا ذهاب نفقة، وإذا جُعِلت هذه كالمحصر أوجبنا عليها الحج مرة ثانية مع خوف وقوع الحيض منها، والعذر الموجب للتحلل بالإحصار إذا كان قائمًا به (٢) منعَ

стр. 1621

فرْضَ الحج ابتداءً كإحاطة العدو بالبيت وتعذُّر النفقة، وهذه عذرُها لا يُسقِط فرض الحج عليها ابتداءً؛ فلا يكون عروضه موجبًا للتحلّل كالإحصار؛ فلازمُ هذا التقدير أنها إذا علمت أن هذا العذر يصيبها أو غلب على ظنها أن يسقط عنها فرض الحج وهو رجوع إلى التقدير الرابع. فصل وأما التقدير السابع ــ وهو أن يقال: يجب عليها أن تستنيب من يحج عنها إذا خافت الحيض، وتكون كالمعضوب العاجز عن الحج بنفسه ــ فما أحسنَه [٦/ب] من تقدير لو عُرِف به قائل؛ فإن هذه عاجزة عن إتمام نسكها، ولكن هو باطل أيضًا؛ فإن المعضوب الذي تجب عليه الاستنابة هو الذي يكون آيسًا من زوال عذره، فلو كان يرجو زوالَ عذره كالمرض العارض والحبس لم يكن له أن يستنيب، وهذه لا تيأسُ من زوال عذرها؛ لجواز أن تبقى إلى زمن اليأس وانقطاع الدم، أو أن دمها ينقطع قبل سنّ اليأس لعارضٍ بفعلها أو بغيرِ فعلها؛ فليست كالمعضوب حقيقةً ولا حكمًا. فصل فإذا بطلت هذه التقديرات تعيَّن التقدير الثامن، وهو أن يقال: تطوف بالبيت والحالة هذه، وتكون هذه الضرورة مقتضيةً لدخول المسجد مع الحيض والطواف معه، وليس في هذا ما يخالف قواعد الشريعة، بل يوافقها كما تقدم؛ إذ غايته سقوط الواجب أو الشرط بالعجز عنه، ولا واجب في الشريعة مع عجز، ولا حرام مع ضرورة. فإن قيل: في ذلك محذوران:

стр. 1622

أحدهما: دخول الحائض المسجدَ، وقد قال النبي ﷺ : «لا أُحِلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا جُنُبٍ» (١)، فكيف بأفضل المساجد؟ الثاني: طوافها في حال الحيض وقد منعها الشارع منه كما منعها من الصلاة، فقال: «اصنَعي ما يصنَعُ الحاجُّ، غير أن لا تطوفي بالبيت» (٢). فالذي منعها من الصلاة مع الحيض هو الذي منعها من الطواف معه. فالجواب عن الأول من أربعة أوجه: أحدها: أن الضرورة تُبيح دخول المسجد للحائض والجنب؛ فإنها لو خافت العدوَّ أو من يستكرهها على الفاحشة أو أخذ مالها ولم تجد ملجأً إلا دخول المسجد جاز لها دخوله مع الحيض، وهذه تخاف ما هو قريب من ذلك؛ فإنها تخاف إن أقامت بمكة أن يؤخذ مالها إن كان لها مال، وإلا أقامت بغيره (٣) مضرورةً، وقد تخاف في إقامتها ممن يتعرَّض لها، وليس لها من يدفع عنها. الجواب الثاني: أن طوافها بمنزلة مرورها في المسجد، ويجوز للحائض المرور فيه إذا أمِنَت التلويثَ، وهي في دورانها حول البيت بمنزلة

стр. 1623

مرورها ودخولها من باب وخروجها من آخر؛ فإذا جاز مرورها للحاجة فطوافها للحاجة التي هي (١) أعظم من حاجة المرور أولى بالجواز. يوضحه الوجه الثالث: أن دم الحيض في تلويثه المسجد كدم الاستحاضة، والمستحاضة يجوز لها دخول المسجد للطواف إذا تلجَّمتْ اتفاقًا، وذلك لأجل الحاجة، وحاجة هذه أولى. يوضحه الوجه الرابع: أن منعها من دخول المسجد للطواف كمنع الجنب؛ فإن النبي ﷺ سوَّى بينهما في تحريم المسجد عليهما، وكلاهما يجوز له الدخول عند الحاجة. وسرُّ المسألة أن قول النبي ﷺ : «لا تطوفي بالبيت» هل ذلك لأن الحائض ممنوعة من المسجد والطوافُ لا يكون إلا في المسجد، أو أن عبادة الطواف لا تصح مع الحيض كالصلاة، أو لمجموع الأمرين، أو لكل واحدٍ من الأمرين؟ فهذه أربعة تقادير، فإن قيل بالمعنى الأول [٧/أ] لم يمنع صحة الطواف مع الحيض، كما قاله أبو حنيفة ومَن وافقه، وكما هو إحدى الروايتين عن أحمد، وعلى هذا فلا يمتنع الإذن لها في دخول المسجد لهذه الحاجة التي تلتحق بالضرورة، ويُقيَّد بها مطلقُ نهي النبي ﷺ ، وليس بأول مطلقٍ قُيِّد بأصول الشريعة وقواعدها. وإن قيل بالمعنى الثاني فغايته أن تكون الطهارة شرطًا من شروط الطواف، فإذا عجزتْ عنها سقط اشتراطها، كما لو انقطع دمها وتعذَّر عليها الاغتسال والتيمم، فإنها تطوف على حسب حالها كما تصلِّي بغير طهور.

стр. 1624

فصل وأما المحذور الثاني ــ وهو طوافها مع الحيض والطواف كالصلاة ــ فجوابه من وجوه: أحدها: أن يقال: لا ريب أن الطواف تجب فيه الطهارة وستر العورة، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يطوف بالبيت عريانٌ» (١)، وقال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. وفي «السنن» مرفوعًا وموقوفًا: «الطواف بالبيت صلاةٌ إلا أن الله أباحَ فيه الكلام، فمن تكلَّم فيه فلا يتكلَّم إلا بخير» (٢)، ولا ريبَ أن وجوب الطهارة وستر العورة في الصلاة آكدُ من وجوبها في الطواف؛ فإن الصلاة بلا طهارة مع القدرة باطلة بالاتفاق، وكذلك صلاة العُريان. وأما طواف الجنب والحائض والمحدِث والعُريان بغير عذر ففي صحته قولان مشهوران، وإن حصل الاتفاق على أنه منهيٌّ عنه في هذه الحال. بل وكذلك أركان الصلاة وواجباتها آكدُ من أركان الحج وواجباته، فإن واجبات الحج إذا تركها عمدًا لم يبطل حجه، وواجبات الصلاة إذا تركها عمدًا بطلت صلاته، وإذا نقصَ من الصلاة ركعةً عمدًا لم تصح، ولو طاف ستة أشواطٍ صح ووجب عليه دم عند أبي حنيفة وغيره، ولو نكسَ الصلاةَ لم تصح، ولو نكسَ الطواف ففيه خلاف، ولو صلَّى محدِثًا لم تصح صلاته، ولو طاف محدِثًا أو جُنبًا صح في أحد القولين، وغاية الطواف أن يُشبَّه بالصلاة.

стр. 1625

وإذا تبيَّن هذا فغاية هذه إذا طافت مع الحيض للضرورة أن تكون بمنزلة من طافت عريانةً للضرورة؛ فإن نهي الشارع صلوات الله عليه وسلامه عن الأمرين واحد، بل الستارةُ في الطواف آكدُ من وجوه: أحدها: أن طواف العريان منهيٌّ عنه بالقرآن والسنة، وطواف الحائض منهيٌّ عنه بالسنة وحدها. الثاني: أن كشف العورة حرام في الطواف وخارجه. الثالث: أن طواف العريان أقبحُ شرعًا وعقلًا وفطرةً من طواف الحائض والجنب؛ فإذا صح طوافها مع العُرْي للحاجة فصحة طوافها مع الحيض للحاجة أولى وأحرى. ولا يقال: فيلزمكم على هذا أن تصح صلاتها وصومها مع الحيض للحاجة، فإنّ (١) هذا سؤال فاسد؛ فإن الحاجة لا تدعوها إلى ذلك بوجه من الوجوه، وقد جعل الله سبحانه صلاتها زمنَ الطهر مُغنِيةً [٧/ب] لها عن صلاتها في الحيض وكذلك صيامها، وهذه لا يُمكِنها تتعوَّض في حال طهرها بغير البيت. وهذا يبيِّن سرَّ المسألة وفقهها، وهو أن الشارع قسّم العبادات بالنسبة إلى الحائض إلى قسمين: قسم يُمكِنها التعوُّض عنه في زمن الطهر فلم يوجبه عليها في الحيض، بل أسقطه إما مطلقًا كالصلاة، وإما إلى بَدَلِه زمنَ الطهر كالصوم.

стр. 1626

وقسم لا يُمكِنها التعوُّضُ عنه ولا تأخيره إلى زمن الطهر، فشرعه لها مع الحيض أيضًا، كالإحرام والوقوف بعرفة وتوابعه، ومن هذا جواز قراءة القرآن لها وهي حائض؛ إذ لا يُمكِنها التعوُّض عنها زمنَ الطهر؛ لأن الحيض قد يمتدُّ بها غالبه أو أكثره، فلو مُنِعت من القراءة لفاتت عليها مصلحتها، وربما نَسيتْ ما حفظتْه زمنَ طهرِها. وهذا مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين (١) وأحد قولي الشافعي. والنبي ﷺ لم يمنع الحائض من قراءة القرآن، وحديث «لا تقرأ الحائض والجنُب شيئًا من القرآن» (٢) لم يصح؛ فإنه حديث معلول باتفاق أهل العلم بالحديث، فإنه من رواية إسماعيل بن عيّاش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر. قال الترمذي (٣): لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عيّاش عن موسى بن عقبة، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: إن إسماعيل بن عيّاش يروي عن أهل الحجاز وأهل العراق أحاديث مناكير، كأنه يضعِّف روايته عنهم فيما ينفرد به، وقال: إنما (٤) حديث إسماعيل بن عيّاش عن أهل الشام». انتهى.

стр. 1627

وقال البخاري أيضًا: إذا حدّث عن أهل بلده فصحيح، وإذا حدّث عن غيرهم ففيه نظر. وقال علي بن المديني: ما كان أحدٌ أعلمَ بحديث أهل الشام من إسماعيل بن عيّاش لو ثبت في حديث أهل الشام، ولكنه خلَّط في حديث أهل العراق، وحدَّثنا عنه عبد الرحمن ثم ضرب على حديثه؛ فإسماعيل عندي ضعيف (١). وقال عبد الله بن أحمد: عرضتُ على أبي حديثًا حدثناه الفضل بن زياد الطَّسْتي (٢) ثنا ابن عيّاش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: «لا تقرأ الحائض ولا الجنبُ شيئًا من القرآن»، فقال أبي: هذا باطل، يعني أن إسماعيل وهمَ (٣). وإذا لم يصح الحديث لم يبقَ مع المانعين حجة إلا القياس على الجنب، والفرق الصحيح بينها وبين الجنب مانعٌ من الإلحاق، وذلك من وجوه: أحدها: أن الجنب يُمكِنه التطهر متى شاء بالماء أو بالتراب، فليس له عذر في القراءة مع الجنابة بخلاف الحائض. والثاني: أن الحائض يُشرع لها الإحرام والوقوف بعرفة وتوابعه مع الحيض بخلاف الجنب. الثالث: أن الحائض يُشرع لها أن تشهد العيد مع المسلمين وتعتزل

стр. 1628

المصلَّى (١) بخلاف الجنب. وقد تنازع من حرَّم عليها القراءة: هل يباح لها أن تقرأ بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال؟ على ثلاثه أقوال: أحدها: المنع مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد؛ لأنها بعد انقطاع الدم تصير كالجُنب. الثاني: [٨/أ] الجواز مطلقًا، وهو اختيار القاضي أبي يعلى، قال: وهو ظاهر كلام أحمد. والثالث: إباحته للنُّفَساء وتحريمه على الحائض، وهو اختيار الخلّال. فالأقوال الثلاثة في مذهب الإمام (٢) أحمد، فإذا لم تُمنَع الحائض من قراءة القرآن لحاجتها إليه فعدمُ منعِها في هذه الصورة عن الطواف الذي هي أشدُّ حاجةً إليه بطريق الأولى والأحرى. فصل هذا إذا كان المنع من طوافها لأجل دخول المسجد أو لأجل الحيض ومنافاته للطواف. وإن قيل بالتقدير الثالث وهو أنه لمجموع الأمرين بحيث إذا انفرد أحدهما لم يستقل بالتحريم، أو بالتقدير الرابع وهو أن كلًّا منهما علة مستقلة= كان الكلام على هذين التقديرين كالكلام على التقديرينِ الأولينِ. وبالجملة فلا يمتنع تخصيص العلة لفوات شرط أو لقيام مانع،

стр. 1629

وسواء قيل: إن وجود الشرط وعدم المانع من أجزاء العلة أو هو أمر خارج عنها؛ فالنزاع لفظي، فإن أريد بالعلةِ التامةُ فهما من أجزائها، وإن أريد بها المقتضيةُ كانا خارجين عنها. فإن قيل: الطواف كالصلاة، ولهذا تشترط له الطهارة من الحدث، وقد أشار إلى هذا بقوله في الحديث: «الطواف بالبيت صلاة» (١)، والصلاة لا تشرع ولا تصح مع الحيض، فهكذا شقيقُها ومُشبِهُها، ولأنها عبادة متعلقة بالبيت، فلم تصح مع الحيض كالصلاة، وعكسه الوقوف بعرفة وتوابعه. فالجواب: أن القول باشتراط طهارة الحدث للطواف لم يدلَّ عليه نصٌّ ولا إجماع، بل فيه النزاع قديمًا وحديثًا؛ فأبو حنيفة وأصحابه لا يشترطون ذلك، وكذلك الإمام (٢) أحمد في إحدى الروايتين عنه. قال أبو بكر في «الشافي»: باب في الطواف بالبيت غير طاهر، قال أبو عبد الله في رواية أبي طالب: لا يطوف أحد بالبيت إلا طاهرًا، والتطوع أيسرُ، ولا يقف مشاهدَ الحج إلا طاهرًا. وقال في رواية محمد بن الحكم: إذا طاف طواف الزيارة وهو ناسٍ لطهارته حتى رجع فإنه لا شيء عليه، واختار له أن يطوف وهو طاهر. وقد نصَّ أحمد في إحدى الروايتين عنه على أن الرجل إذا طاف جنبًا ناسيًا صح طوافه ولا دم عليه، وعنه رواية أخرى عليه دم، وثالثة أنه لا يجزئه الطواف.

стр. 1630

وقد ظنّ بعض أصحابه أن هذا الخلاف عنه إنما هو في المحدِث والجنب، فأما الحائض فلا يصح طوافها قولًا واحدًا. قال شيخنا ﵁ (١): وليس كذلك، بل صرَّح غير واحد من أصحابنا بأن الخلاف عنه في الحيض والجنابة. قال (٢): وكلام أحمد (٣) يدلّ على ذلك، ويبيِّن أنه كان متوقفًا في طواف الحائض وفي طواف الجنب. قال عبد الملك الميموني في «مسائله»: قلت لأحمد: من طاف طواف الواجب على غير وضوء وهو ناسٍ ثم واقعَ أهلَه، قال: أُخبِرك، مسألة فيها وهمٌ وهم مختلفون، وذكر قول [٨/ب] عطاء والحسن، قلت: ما تقول أنت؟ قال: دَعْها، أو كلمة تُشبِهها. وقال الميموني في «مسائله» أيضًا: قلت له: من سعى وطاف على غير طهارة ثم واقع أهلَه، فقال لي: مسألةٌ الناس فيها مختلفون، وذكر قول ابن عمر (٤)، وما يقول عطاء مما يسهِّل فيها، وما يقول الحسن (٥)، وأن عائشة قال لها النبي ﷺ حين حاضتْ: «افعلي ما يفعلُ الحاج غيرَ أن لا تطوفي

стр. 1631

بالبيت» (١). ثم قال لي: إلا أن هذا أمر بُلِيَتْ به، نزل عليها ليس من قِبَلِها. قلت: فمن الناس من يقول عليها الحج من قابلٍ، فقال لي: نعم كذا أكبرُ علمي. قلت: ومنهم من يذهب إلى أن عليها دمًا، فذكر تسهيل عطاء فيها خاصة. قال لي أبو عبد الله أولًا وآخرًا: هي مسألة مشتبهة فيها موضع نظر، فدَعْني حتى أنظر فيها. قال ذلك غيرَ مرة. ومن الناس من يقول: وإن رجع إلى بلده يرجع حتى يطوف. قلت: والنسيان؟ قال: النسيان أهونُ حكمًا بكثير. يريد أهونُ ممن يطوف على غير طهارةٍ متعمدًا. هذا لفظ الميموني (٢). قلت: وأشار أحمد إلى تسهيل عطاء إلى فتواه أن المرأة إذا حاضت في أثناء الطواف فإنها تُتِمُّ طوافها. وهذا تصريح منه أن الطهارة ليست شرطًا في صحة الطواف، وقد قال إسماعيل (٣) بن منصور: ثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن عطاء قال: حاضت امرأة وهي تطوف مع عائشة أم المؤمنين، فحاضت في الطواف، فأتمَّتْ بها عائشة بقية طوافها هذا (٤). والناس إنما تلقَّوا منع الحائض من الطواف من حديث عائشة، وقد دلّت أحكام الشريعة على أن الحائض أولى بالعذرِ وتحصيلِ (٥) مصلحة العبادة التي تفوتها إذا تركتْها مع الحيض من الجنب، ولهذا إذا حاضت في صوم شهري التتابع لم ينقطع

стр. 1632

تتابعها بالاتفاق، وكذلك تقضي المناسك كلها من أولها إلى آخرها مع الحيض بلا كراهة بالاتفاق سوى الطواف؛ وكذلك تشهد العيد مع المسلمين بلا كراهة، بالنص. وكذلك تقرأ القرآن إما مطلقًا وإما عند خوف النسيان؛ وإذا حاضت وهي معتكفة لم يبطل اعتكافها، بل تُتِمُّه في رحبة المسجد. وسرُّ المسألة ما أشار إليه صاحب الشرع بقوله: «إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم» (١)، وكذلك قال الإمام أحمد: «هذا أمر بُلِيَتْ به نزلَ عليها، ليس من قِبَلِها». والشريعة قد فرقت بينها وبين الجنب كما ذكرناه؛ فهي أحقُّ بأن تُعذَر من الجنب الذي طاف مع الجنابة ناسيًا أو ذاكرًا؛ فإذا كان فيه النزاع المذكور فهي أحقُّ بالجواز منه؛ فإن الجنب يمكنه الطهارة وهي لا يمكنها، فعذرها بالعجز والضرورة أولى من عذره بالنسيان، فإن الناسي لما أمر به من الطهارة والصلاة يؤمر بفعله إذا ذكره، بخلاف العاجز عن الشرط والركن فإنه لا يؤمر بإعادة العبادة معه إذا قدر عليه؛ فهذه إذا لم يمكنها إلا الطواف على غير طهارة وجب عليها ما تقدر عليه وسقط عنها ما تعجز عنه، كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال النبي ﷺ : «إذا أمرتُكم [٩/أ] بأمرٍ فأْتوا منه ما استطعتم» (٢). وهذه لا تستطيع إلا هذا، وقد اتَّقَت الله ما استطاعت؛ فليس عليها غير ذلك بالنص وقواعد الشريعة. والمطلق يقيَّد بدون هذا بكثير.

стр. 1633

ونصوص أحمد وغيره من العلماء صريحة في أن الطواف ليس كالصلاة في اشتراط الطهارة، وقد ذكرنا نصه في رواية محمد بن الحكم: إذا طاف طواف الزيارة وهو ناسٍ لطهارته حتى رجع فلا شيء عليه، وأختارُ له أن يطوف وهو طاهر، وإن وطئ فحجه ماضٍ ولا شيء عليه. وقد تقدم قول عطاء، ومذهب أبي حنيفة صحة الطواف بلا طهارة. وأيضًا فإن الفوارق بين الطواف والصلاة أكثر من الجوامع، فإنه يباح فيه الكلام والأكل والشرب والعمل الكثير، وليس فيه تحريم ولا تحليل (١)، ولا ركوع ولا سجود، ولا قراءة ولا تشهد، ولا تجب له جماعة، وإنما اجتمع هو والصلاة في عموم كونه طاعة وقربة، وخصوص كونه متعلقًا بالبيت، وهذا لا يعطيه شروط الصلاة كما لا يعطيه واجباتها وأركانها. وأيضًا فيقال: لا نسلِّم أن العلة في الأصل كونها عبادة متعلقة بالبيت، ولم تذكروا على ذلك حجة واحدة، والقياس الصحيح ما تبين فيه أن الوصف المشترك بين الأصل والفرع هو علة الحكم في الأصل أو دليل العلة؛ فالأول قياس العلة، والثاني قياس الدلالة. وأيضًا فالطهارة إنما وجبت لكونها صلاة، سواء تعلَّقت بالبيت أو لم تتعلق، ولهذا وجبت للنافلة في السفر إلى غير القبلة، ووجبت حين كانت مشروعة إلى بيت المقدس، ووجبت لصلاة الخوف إذا لم يمكن الاستقبال. وأيضًا فهذا القياس ينتقض بالنظر إلى البيت؛ فإنه عبادة متعلقة بالبيت. وأيضًا فهذا قياس معارَضٌ بمثله، وهو أن يقال: عبادة من شرطها

стр. 1634

المسجد، فلم تكن الطهارة شرطًا فيها كالاعتكاف، وقد قال تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وليس إلحاق الطائفين بالركَّع السجود أولى من إلحاقهم بالعاكفين، بل إلحاقهم بالعاكفين أشبه؛ فإن المسجد شرط في كل منهما بخلاف الركَّع السجود. فإن قيل: الطائف لا بدّ أن يصلّي ركعتي الطواف، والصلاة لا تكون إلا بطهارة. قيل: وجوب ركعتي الطواف فيه نزاع، وإذا قيل بوجوبهما لم تجب الموالاة بينهما وبين الطواف، وليس اتصالهما بأعظم من اتصال الصلاة بالخطبة يوم الجمعة، ولو خطب مُحدِثًا ثم توضأ وصلّى الجمعة جاز؛ فجواز طوافه محدِثًا ثم يتوضأ ويصلّي ركعتي الطواف أولى بالجواز، وقد نص الإمام (١) أحمد على أنه إذا خطب جنبًا جاز. فصل وإذا ظهر أن الطهارة ليست شرطًا في الطواف، فإما أن تكون واجبة وإما أن تكون سنة، وهما قولان للسلف والخلف، ولكن من يقول هي سنة من أصحاب أبي حنيفة يقول: عليها دم، والإمام (٢) أحمد يقول: ليس عليها دم ولا غيره، كما صرَّح به فيمن [٩/ب] طاف جنبًا وهو ناسٍ. قال شيخنا (٣): فإذا طافت حائضًا مع عدم العذر توجَّه القول بوجوب

стр. 1635

الدم عليها، وأما مع العجز فهنا غاية ما يقال عليها دم؛ والأشبه أنه لا يجب الدم؛ لأن الطهارة واجب يؤمر به مع القدرة لا مع العجز، فإن لزوم الدم إنما يكون مع ترك المأمور أو فِعْل المحظور، وهذه لم تترك مأمورًا في هذه الحال ولا فعلت محظورًا، فإنها إذا رَمَت الجمرة وقصَّرت حلَّ لها ما كان محظورًا عليها بالإحرام غير النكاح؛ فلم يبقَ بعد التحلل الأول محظورٌ يجب بفعله دم، وليست الطهارة مأمورًا بها مع العجز فيجب بتركها دم. فإن قيل: لو كان طوافها مع الحيض ممكنًا أُمِرت بطواف القدوم وطواف الوداع، فلمّا سقط عنها طواف القدوم والوداع عُلِمَ أن طوافها مع الحيض غير ممكن. قيل: لا ريبَ أن النبي ﷺ أسقط طواف القدوم عن الحائض، وأمر عائشة لما قدِمتْ وهي متمتعة فحاضت أن تدَعَ أفعال العمرة وتُحرِم بالحج (١)، فعُلِم أن الطواف مع الحيض محظور لحرمة المسجد أو للطواف أو لهما، والمحظورات لا تُباح إلا في حال الضرورة، ولا ضرورةَ بها إلى طواف القدوم؛ لأنه سنة بمنزلة تحية المسجد، ولا إلى طواف الوداع؛ فإنه ليس من تمام الحج، ولهذا لا يودِّع المقيم بمكة، وإنما يودِّع المسافر عنها فيكون آخر عهده بالبيت (٢). فهذان الطوافان أُمِر بهما القادر عليهما إما أمرَ إيجابٍ فيهما أو في أحدهما أو استحبابٍ كما هي أقوال معروفة، وليس واحد منهما ركنًا يقف صحةُ الحج عليه، بخلاف طواف الفرض فإنها مضطرة إليه. وهذا كما يباح لها الدخول إلى المسجد واللُّبث

стр. 1636

فيه للضرورة، ولا يباح لها الصلاة ولا الاعتكاف فيه وإن كان منذورًا، ولو حاضت المعتكفة خرجت من المسجد إلى فنائه فأتمَّت اعتكافها ولم يبطل. وهذا يدل على أن منع الحائض من الطواف كمنعها من الاعتكاف، وإنما هو لحرمة المسجد لا لمنافاة الحيض لعبادة الطواف والاعتكاف، ولما كان الاعتكاف يمكن أن يُفعل في رحبة المسجد وفِنائه جُوِّز لها إتمامه فيها لحاجتها، والطواف لا يمكن إلا في المسجد، وحاجتها في هذه الصورة إليه أعظم من حاجتها إلى الاعتكاف، بل لعل حاجتها إلى ذلك أعظم من حاجتها إلى دخول المسجد واللبث فيه لبردٍ أو مطرٍ أو نحوه. وبالجملة فالكلام في هذه الحادثة في فصلين؛ أحدهما: في اقتضاء قواعد الشريعة لها لا منافاتها لها، وقد تبين ذلك بما فيه كفاية. والثاني: في أن كلام الأئمة وفتاويهم في الاشتراط أو الوجوب إنما هو في حال القدرة والسعة لا في حال الضرورة والعجز. فالإفتاء بها لا ينافي نصَّ الشارع ولا قول الأئمة، وغايةُ المفتي بها أنه يقيِّد مطلقَ كلام الشارع بقواعد شريعته وأصولها، ومطلقَ كلام الأئمة بقواعدهم وأصولهم، فالمفتي بها موافق [١٠/أ] لأصول الشرع وقواعده ولقواعد الأئمة، وبالله التوفيق. فصل المثال السابع: أن المطَلِّق في زمن النبي ﷺ وزمن خليفته أبي بكر الصديق (١) وصدرًا من خلافة عمر كان إذا جمع الطلقات الثلاث بفمٍ واحد جُعِلَتْ واحدةً، كما ثبت ذلك في الصحيح عن ابن عباس؛ فروى مسلم في

стр. 1637

«صحيحه» (١) عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم. وفي «صحيحه» (٢) أيضًا عن طاوس أن أبا الصَّهْباء قال لابن عباس: ألم تعلم أن الثلاث كانت تُجعل واحدةً على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم. وفي «صحيحه» (٣) أيضًا عنه أن أبا الصَّهْباء قال لابن عباس: هاتِ من هَناتِك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر واحدةً؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابعَ (٤) الناس في الطلاق، فأجازه عليهم. وفي «سنن أبي داود» (٥) عن طاوس أن رجلًا يقال له أبو الصهباء كان

стр. 1638

كثير السؤال لابن عباس، فقال: أما علمتَ أن الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله وأبي بكر وصدرًا من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: أُجيزهنّ عليهم. وفي «مستدرك الحاكم» (١) من حديث عبد الله بن المؤمَّل عن ابن أبي مُليكة أن أبا الجَوْزاء أتى ابنَ عباس، فقال: أتعلمُ أن ثلاثًا كنَّ يُردَدْن على عهد رسول الله ﷺ إلى واحدة؟ قال: نعم. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح». وهذه غير طريق طاوس عن أبي الصهباء. وقال الإمام أحمد في «مسنده» (٢): ثنا سعد بن إبراهيم، ثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال: حدثني داود بن الحُصَين عن عكرمة مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس، قال: طلّق رُكانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا، قال: فسأله رسول الله ﷺ : «كيف طلّقتَها؟» قال: طلّقتُها ثلاثًا، قال: فقال: «في مجلس واحد؟» قال: نعم، قال: «فإنما تلك (٣) واحدة، فارْجِعْها إن شئتَ»، قال:

стр. 1639

فراجعها. فكان ابن عباس يرى أنما الطلاق عند كل طهر. وقد صحّح الإمام أحمد هذا الإسناد وحسّنه، فقال في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ ردّ ابنتَه على أبي العاص بمهرٍ جديد ونكاحٍ جديد: «هذا حديث ضعيف، أو قال: واهٍ، لم يسمعه الحجّاج من عمرو بن شعيب، [١٠/ب] وإنما سمعه من محمد بن عُبَيد الله العَرْزَمي (١)، والعَرْزَمي لا يساوي حديثه شيئًا، والحديث الصحيح: الذي رُوِي أن النبي ﷺ أقرَّهما على النكاح الأول» (٢). وإسناده عنده هو إسناد حديث رُكانة بن عبد يزيد (٣). هذا، وقد قال الترمذي فيه: ليس بإسناده بأس (٤). فهذا إسناد صحيح عند أحمد، وليس به بأس عند الترمذي؛ فهو حجة ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، فكيف إذا عضده ما هو نظيره وأقوى منه؟ وقال أبو داود (٥): ثنا أحمد بن صالح ثنا عبد الرزاق أنا ابن جريج قال: أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي ﷺ عن عكرمة مولى ابن عباس عن

стр. 1640

ابن عباس قال: طلّق عبد يزيد ــ أبو ركانة وإخوتِه ــ أمَّ ركانة، ونكح امرأة من مُزينة، فجاءت إلى النبي ﷺ فقالت: ما يُغنِي عني إلا كما تُغنِي هذه الشعرة ــ لشعرةٍ أخذَتْها من رأسها ــ ففرِّقْ بيني وبينه. فأخذت النبيَّ ﷺ حميةٌ، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: «أترون فلانًا يُشبِه منه كذا وكذا من عبد يزيد، وفلانًا منه كذا وكذا؟»، قالوا: نعم، فقال النبي ﷺ لعبد يزيد: «طلِّقْها»، ففعلَ، فقال: «راجِعْ امرأتك أمَّ ركانة وإخوتِه»، فقال: إني طلقتها ثلاثًا يا رسول الله، قال: «قد علمتُ، راجِعْها»، وتلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. وقال أبو داود (١): حديث نافع بن جُبَير وعبد الله بن علي بن يزيد بن رُكانة عن أبيه عن جده أن ركانة طلَّق امرأته فردّها إليه النبي ﷺ (٢) أصح، لأنهم ولد الرجل وأهله وأعلمُ به، وأن ركانة إنما طلق امرأته البتةَ، فجعلها النبي ﷺ واحدة. قال شيخنا ﵁ (٣): وأبو داود لما لم يروِ في «سننه» الحديثَ الذي في «مسند أحمد» ــ يعني الذي ذكرناه آنفًا ــ فقال: حديث البتّةِ أصح من حديث ابن جريج أن ركانة طلَّق امرأته ثلاثًا، لأنهم أهلُ بيته، ولكن الأئمة

стр. 1641

الأكابر العارفون بعلل الحديث والفقه كالإمام أحمد (١) وأبي عبيد (٢) والبخاري (٣) ضعَّفوا حديث البتة، وبينوا أنّ رواته قوم مجاهيل لم تُعرف عدالتهم وضبطهم. وأحمد ثبَّتَ حديث الثلاث، وبيّن أنه الصواب، وقال: حديث ركانة لا يثبت أنه طلق امرأته البتة. وفي رواية عنه: حديث ركانة في البتة ليس بشيء؛ لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس (٤) أن ركانة طلَّق امرأته ثلاثًا، وأهلُ المدينة يسمُّون الثلاث البتة (٥). قال الأثرم: قلت لأحمد: حديث ركانة في البتة؟ فضعَّفه (٦). والمقصود أن عمر بن الخطاب ﵁ لم يخْفَ عليه أن هذا هو السنة، وأنه توسعةٌ من الله لعباده؛ إذ جعل الطلاق مرةً بعد مرة، وما كان مرةً بعد مرة لم يملك المكلَّف إيقاعَ مرَّاتِه كلها جملة واحدة، كاللعان فإنه لو قال: «أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين» كان مرة واحدة، ولو حلف في القسامة وقال: «أقسم بالله خمسين يمينًا أن هذا [١١/أ] قاتله» كان ذلك يمينًا واحدة، ولو قال المقرُّ بالزنا: «أنا أقرُّ أربع مرات أني زنيت» كان مرة واحدة؛ فمن يعتبر الأربع لا يجعل ذلك إلا إقرارًا واحدًا. وقال النبي

стр. 1642

- ﷺ : «من قال في يومٍ (١) سبحان الله وبحمده مائة مرة حُطَّتْ عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر» (٢)، فلو قال: «سبحان الله وبحمده مائة مرة» لم يحصل له هذا الثواب حتى يقولها مرةً بعد مرة. وكذلك قوله: «من سبَّح الله دُبُرَ كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمِدَه ثلاثًا وثلاثين، وكبَّره ثلاثًا وثلاثين» (٣) الحديث؛ لا يكونعاملًا به حتى يقول ذلك مرةً بعد مرة، ولا يجمع الكلَّ بلفظ واحد. وكذلك قوله: «من قال في يومٍ لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة، كانت له حِرزًا من الشيطان يومَه ذلك حتى يُمسي» (٤)، لا يحصل هذا إلا بقولها مرةً بعد مرة. وهكذا قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٨]. وهكذا قوله في الحديث: «الاستئذان ثلاثَ مرات، فإن أُذِن لك وإلّا فارجِعْ» (٥)، لو قال الرجل ثلاث مرات هكذا كانت مرة واحدة حتى يستأذن مرة بعد مرة. وهذا كما أنه في الأقوال والألفاظ فكذلك هو في الأفعال سواء، كقوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] إنما هو مرةً بعد مرة، وكذا قول ابن عباس ﵁: «رأى محمد ربَّه بفؤاده مرتين» (٦) إنما هو مرةً بعد مرة، وكذا قول النبي ﷺ :

стр. 1643

«لا يُلدغ المؤمنُ من جُحْرٍ مرتين» (١). فهذا المعقولُ من اللغة والعرف، فالأحاديث المذكورة وهذه النصوص المذكورة وقولُه تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] كلُّها من باب واحد ومشكاة واحدة، والأحاديث المذكورة تفسِّر المراد من قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، كما أن حديث اللعان تفسير لقوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦]. فهذا كتاب الله، وهذه سنة رسوله، وهذه لغة العرب، وهذا عُرف التخاطب، وهذا خليفة رسول الله ﷺ والصحابة كلهم معه في عصره وثلاثَ سنين من عصر عمر على هذا المذهب؛ فلو عدَّهم العادُّ بأسمائهم واحدًا واحدًا أنهم كانوا يرون الثلاث واحدة إما بفتوى وإما بإقرار عليها (٢)، ولو فُرِض فيهم من لم يكن يرى ذلك فإنه لم يكن مُنكِرًا للفتوى به، بل كانوا ما (٣) بين مُفْتٍ ومقرٍّ بفتيا وساكتٍ غيرِ مُنكِر. وهذا حال كل صحابي من عهد الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر، وهم يزيدون على الألف قطعًا كما ذكره يونس بن بُكَير عن ابن

стр. 1644

إسحاق قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال: استُشهِد من المسلمين في وقعة اليمامة ألف ومائتا رجلٍ، ومنهم سبعون من القرّاء كلهم قد قرؤوا القرآن، وتوفي في خلافة الصدّيق فاطمة بنت رسول الله ﷺ وعبد الله بن أبي بكر. قال محمد بن إسحاق: فلما أصيب المسلمون من المهاجرين والأنصار باليمامة أصيب فيهم عامة فقهاء المسلمين [١١/ب] وقرّائهم= فزِعَ أبو بكر إلى القرآن، وخاف أن يَهلِك منه طائفة (١). وكل صحابي من لدُنْ خلافة الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر كان على أن الثلاث واحدة فتوى أو إقرار أو سكوت، ولهذا ادّعى بعض أهل العلم (٢) أن هذا إجماع قديم، ولم تُجمِع الأمة ولله الحمد على خلافه، بل لم يزل فيهم من يُفتي به قرنًا بعد قرن، وإلى يومنا هذا (٣)، فأفتى به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس كما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس: «إذا قال أنتِ طالق ثلاثًا بفم واحدٍ فهي واحدة» (٤).

стр. 1645

وأفتى أيضًا بالثلاث (١)، أفتى بهذا وهذا. وأفتى بأنها واحدة الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف، حكاه عنهما ابن وضّاح (٢)، وعن علي (٣) وابن مسعود (٤) روايتان كما عن ابن عباس. وأما التابعون فأفتى به عكرمة، رواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عنه (٥)، وأفتى به طاوس (٦). وأما تابعو التابعين فأفتى به محمد بن إسحاق، حكاه الإمام أحمد (٧) وغيره (٨) عنه، وأفتى به خِلاس بن عمرو (٩) والحارث العُكْلي. وأما أتباع تابعي التابعين فأفتى به داود بن علي وأكثر أصحابه، حكاه

стр. 1646

عنهم ابن المغلِّس وابن حزم وغيرهما (١). وأفتى به بعض أصحاب مالك، حكاه التِّلِمْسَاني في «شرح تفريع ابن الجلّاب» قولًا لبعض المالكية (٢). وأفتى به بعض الحنفية، حكاه أبو بكر الرازي عن محمد بن مقاتل (٣). وأفتى به بعض أصحاب الإمام أحمد، حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية عنه، قال (٤): وكان الجد يفتي به أحيانًا. وأما الإمام أحمد نفسه فقد قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس: «كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر واحدة» بأيّ شيء تدفعه؟ قال: برواية الناس عن ابن عباس من وجوهٍ خلافَه، ثم ذكر عن عدة عن ابن عباس أنها ثلاث (٥). فقد صرَّح بأنه إنما ترك القول به لمخالفة راويه له، وأصل مذهبه وقاعدته التي بنى عليها أن الحديث إذا صح لم يردَّه لمخالفة راويه له، بل الأخذ عنده بما رواه، كما فعل في رواية ابن عباس وفتواه في بيع الأمة (٦)، فأخذ بروايته أنه لا يكون طلاقًا، وترك رأيه. وعلى أصله يخرَّج له قول إن الثلاث واحدة؛ فإنه إذا صرَّح بأنه إنما

стр. 1647

ترك الحديث لمخالفة الراوي وصرَّح في عدة مواضع أن مخالفة الراوي لا توجب ترك الحديث خُرِّج له في المسألة قولان، وأصحابه يخرِّجون على مذهبه أقوالًا دون ذلك بكثير. والمقصود أن هذا القول قد دلَّ عليه الكتاب والسنة والقياس والإجماع القديم، ولم يأتِ بعده إجماعٌ يُبطله، ولكن رأى أمير المؤمنين عمر ﵁ أن الناس قد استهانوا بأمر الطلاق، وكثر منهم إيقاعه جملةً واحدة؛ فرأى من المصلحة عقوبتهم [١٢/أ] بإمضائه عليهم؛ ليعلموا أن أحدهم إذا أوقعه جملة بانتْ منه المرأة وحرمتْ عليه حتى تنكح زوجًا غيره نكاحَ رغبة يراد للدوام لا نكاحَ تحليل، فإنه كان من أشدّ الناس فيه، فإذا علموا ذلك كفُّوا عن الطلاق المحرم (١)، فرأى عمر أن هذا مصلحة لهم في زمانه، ورأى أن ما كانوا عليه في عهد النبي ﷺ وعهد الصديق وصدرًا من خلافته كان الأليقَ بهم؛ لأنهم لم يتتابعوا فيه، وكانوا يتَّقون الله في الطلاق، وقد جعل الله لكل من اتقاه مخرجًا، فلما تركوا تقوى الله وتلاعبوا بكتاب الله وطلّقوا على غير ما شرعه الله ألزمهم بما التزموه عقوبةً لهم؛ فإن الله سبحانه إنما شرع الطلاق مرةً بعد مرة، ولم يشرعْه كلَّه مرةً واحدةً، فمن جمع الثلاث في مرة واحدة فقد تعدَّى حدود الله، وظلم نفسه، ولعِبَ بكتاب الله، فهو حقيق أن يُعاقَب، ويُلزَم بما التزمه، ولا يؤهَّل لرخصة (٢) الله وسعته، وقد صعَّبها على نفسه، ولم يتَّقِ الله ويطلِّقْ كما أمره الله وشرعه له، بل استعجل فيما جعل الله له الأناة فيه رحمةً منه وإحسانًا، ولَبَس على نفسه واختار الأغلظ والأشد.

стр. 1648

فهذا مما تغيَّرت به الفتوى لتغيُّر الزمان، وعلِم الصحابة ﵃ حسنَ سياسة عمر وتأديبه لرعيته في ذلك، فوافقوه على ما ألزم به، وصرَّحوا لمن استفتاهم بذلك، فقال عبد الله بن مسعود: من أتى الأمرَ على وجهه فقد بُيِّن له، ومن لَبَس على نفسه جعلنا عليه لَبْسَه، والله لا تَلْبِسون على أنفسكم ونتحمَّلُه عنكم، هو كما تقولون (١). فلو كان وقوع الثلاث ثلاثًا في كتاب الله وسنة رسوله لكان المطلِّق قد أتى الأمرَ على وجهه، ولما كان قد لَبَس على نفسه، ولما قال النبي ﷺ لمن فعل ذلك: «أيُلعَبُ بكتاب الله وأنا بين أظهُرِكم؟» (٢)، ولَمَا توقَّف عبد الله بن الزبير في الإيقاع وقال للسائل: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، فاذهبْ إلى ابن عباس وأبي هريرة. فلما جاء إليهما قال ابن عباس لأبي هريرة: أَفْتِه فقد جاءتك مُعضِلة، ثم أفتياه بالوقوع (٣). فالصحابة ﵃ ومقدَّمهم عمر بن الخطاب لما رأوا الناس قد استهانوا بأمر الطلاق وأرسلوا ما بأيديهم منه ولَبَسوا على أنفسهم ولم يتقوا الله في التطليق الذي شرعه لهم وأخذوا بالتشديد على أنفسهم ولم يقفوا على ما حُدَّ لهم= ألزموهم بما التزموه، وأمضَوا عليهم ما اختاروه لأنفسهم من التشديد الذي وسَّع الله عليهم ما شرعه لهم بخلافه. ولا ريبَ أن من فعل

стр. 1649

هذا حقيق بالعقوبة بأن ينفَّذ عليه ما أنفذه على نفسه؛ إذ لم يقبل رخصة الله وتيسيره ومهلته، ولهذا قال ابن عباس لمن طلَّق مائة: «عصيتَ ربك وبانتْ منك امرأتك؛ إنك لم تتَّقِ الله فيجعل لك مخرجًا، ومن يتقِ الله يجعل له مخرجًا» (١). وأتاه رجل فقال: إن عمّي طلق ثلاثًا، فقال: «إن عمَّك عصى الله فأندمَه الله، وأطاع [١٢/ب] الشيطان فلم يجعل له مخرجًا»، فقال: أفلا تُحلِّلها له؟ فقال: من يُخادع الله يَخدعه (٢). فليتدبَّر العالم الذي قصْدُه معرفة الحق واتباعه من الشرع والقدر في قبول الصحابة هذه الرخصة والتيسير على عهد رسول الله ﷺ وتقواهم ربهم ﵎ في التطليق، فجرت عليهم رخصة الله وتيسيره شرعًا وقدرًا، فلما ركب الناس الأُحموقةَ، وتركوا تقوى الله، ولَبَسوا على أنفسهم، وطلّقوا على غير ما شرعه الله لهم= أجرى الله على لسان الخليفة الراشد والصحابة معهم (٣) شرعًا وقدرًا إلزامَهم بذلك، وإنفاذَه عليهم، وإبقاءَ الإصْر الذي جعلوه هم في أعناقهم كما جعلوه. وهذه أسرارٌ من أسرار الشرع والقدر لا تناسب عقول أبناء الزمان، فجاء أئمة الإسلام، فمضَوا على آثار الصحابة سالكين مسلكهم، قاصدين رِضَى الله ورسوله وإنفاذ دينه. فمنهم من ترك القول بحديث ابن عباس لظنِّه أنه

стр. 1650

منسوخ، وهذه طريقة الشافعي. قال (١): فإن كان معنى قول ابن عباس إن الثلاث كانت تُحسَب على عهد رسول الله ﷺ واحدةً معنى أنه بأمر النبي ﷺ ، فالذي يُشبِه أن يكون ابن عباس قد علم شيئًا فنُسِخ. فإن قيل: فما دلَّ على ما وصفتَ؟ قيل: لا يُشبِه أن يكون ابن عباس يروي عن رسول الله ﷺ شيئًا ثم يخالفه بشيء ولم يعلمه كان من النبي ﷺ فيه خلاف. فإن قيل: فلعلّ هذا شيء رُوي عن عمر فقال فيه ابن عباس بقول عمر. قيل: قد علمنا أن ابن عباس يخالف عمر في نكاح المتعة (٢)، وبيع الدينار بالدينارين (٣)، وبيع أمهات الأولاد (٤)، فكيف يوافقه في شيء روي عن النبي ﷺ خلافه؟
следующие страницы →