← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

عنهم ابن المغلِّس وابن حزم وغيرهما (١). وأفتى به بعض أصحاب مالك، حكاه التِّلِمْسَاني في «شرح تفريع ابن الجلّاب» قولًا لبعض المالكية (٢). وأفتى به بعض الحنفية، حكاه أبو بكر الرازي عن محمد بن مقاتل (٣). وأفتى به بعض أصحاب الإمام أحمد، حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية عنه، قال (٤): وكان الجد يفتي به أحيانًا. وأما الإمام أحمد نفسه فقد قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس: «كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر واحدة» بأيّ شيء تدفعه؟ قال: برواية الناس عن ابن عباس من وجوهٍ خلافَه، ثم ذكر عن عدة عن ابن عباس أنها ثلاث (٥). فقد صرَّح بأنه إنما ترك القول به لمخالفة راويه له، وأصل مذهبه وقاعدته التي بنى عليها أن الحديث إذا صح لم يردَّه لمخالفة راويه له، بل الأخذ عنده بما رواه، كما فعل في رواية ابن عباس وفتواه في بيع الأمة (٦)، فأخذ بروايته أنه لا يكون طلاقًا، وترك رأيه. وعلى أصله يخرَّج له قول إن الثلاث واحدة؛ فإنه إذا صرَّح بأنه إنما

стр. 1647

ترك الحديث لمخالفة الراوي وصرَّح في عدة مواضع أن مخالفة الراوي لا توجب ترك الحديث خُرِّج له في المسألة قولان، وأصحابه يخرِّجون على مذهبه أقوالًا دون ذلك بكثير. والمقصود أن هذا القول قد دلَّ عليه الكتاب والسنة والقياس والإجماع القديم، ولم يأتِ بعده إجماعٌ يُبطله، ولكن رأى أمير المؤمنين عمر ﵁ أن الناس قد استهانوا بأمر الطلاق، وكثر منهم إيقاعه جملةً واحدة؛ فرأى من المصلحة عقوبتهم [١٢/أ] بإمضائه عليهم؛ ليعلموا أن أحدهم إذا أوقعه جملة بانتْ منه المرأة وحرمتْ عليه حتى تنكح زوجًا غيره نكاحَ رغبة يراد للدوام لا نكاحَ تحليل، فإنه كان من أشدّ الناس فيه، فإذا علموا ذلك كفُّوا عن الطلاق المحرم (١)، فرأى عمر أن هذا مصلحة لهم في زمانه، ورأى أن ما كانوا عليه في عهد النبي ﷺ وعهد الصديق وصدرًا من خلافته كان الأليقَ بهم؛ لأنهم لم يتتابعوا فيه، وكانوا يتَّقون الله في الطلاق، وقد جعل الله لكل من اتقاه مخرجًا، فلما تركوا تقوى الله وتلاعبوا بكتاب الله وطلّقوا على غير ما شرعه الله ألزمهم بما التزموه عقوبةً لهم؛ فإن الله سبحانه إنما شرع الطلاق مرةً بعد مرة، ولم يشرعْه كلَّه مرةً واحدةً، فمن جمع الثلاث في مرة واحدة فقد تعدَّى حدود الله، وظلم نفسه، ولعِبَ بكتاب الله، فهو حقيق أن يُعاقَب، ويُلزَم بما التزمه، ولا يؤهَّل لرخصة (٢) الله وسعته، وقد صعَّبها على نفسه، ولم يتَّقِ الله ويطلِّقْ كما أمره الله وشرعه له، بل استعجل فيما جعل الله له الأناة فيه رحمةً منه وإحسانًا، ولَبَس على نفسه واختار الأغلظ والأشد.

стр. 1648

فهذا مما تغيَّرت به الفتوى لتغيُّر الزمان، وعلِم الصحابة ﵃ حسنَ سياسة عمر وتأديبه لرعيته في ذلك، فوافقوه على ما ألزم به، وصرَّحوا لمن استفتاهم بذلك، فقال عبد الله بن مسعود: من أتى الأمرَ على وجهه فقد بُيِّن له، ومن لَبَس على نفسه جعلنا عليه لَبْسَه، والله لا تَلْبِسون على أنفسكم ونتحمَّلُه عنكم، هو كما تقولون (١). فلو كان وقوع الثلاث ثلاثًا في كتاب الله وسنة رسوله لكان المطلِّق قد أتى الأمرَ على وجهه، ولما كان قد لَبَس على نفسه، ولما قال النبي ﷺ لمن فعل ذلك: «أيُلعَبُ بكتاب الله وأنا بين أظهُرِكم؟» (٢)، ولَمَا توقَّف عبد الله بن الزبير في الإيقاع وقال للسائل: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، فاذهبْ إلى ابن عباس وأبي هريرة. فلما جاء إليهما قال ابن عباس لأبي هريرة: أَفْتِه فقد جاءتك مُعضِلة، ثم أفتياه بالوقوع (٣). فالصحابة ﵃ ومقدَّمهم عمر بن الخطاب لما رأوا الناس قد استهانوا بأمر الطلاق وأرسلوا ما بأيديهم منه ولَبَسوا على أنفسهم ولم يتقوا الله في التطليق الذي شرعه لهم وأخذوا بالتشديد على أنفسهم ولم يقفوا على ما حُدَّ لهم= ألزموهم بما التزموه، وأمضَوا عليهم ما اختاروه لأنفسهم من التشديد الذي وسَّع الله عليهم ما شرعه لهم بخلافه. ولا ريبَ أن من فعل

стр. 1649

هذا حقيق بالعقوبة بأن ينفَّذ عليه ما أنفذه على نفسه؛ إذ لم يقبل رخصة الله وتيسيره ومهلته، ولهذا قال ابن عباس لمن طلَّق مائة: «عصيتَ ربك وبانتْ منك امرأتك؛ إنك لم تتَّقِ الله فيجعل لك مخرجًا، ومن يتقِ الله يجعل له مخرجًا» (١). وأتاه رجل فقال: إن عمّي طلق ثلاثًا، فقال: «إن عمَّك عصى الله فأندمَه الله، وأطاع [١٢/ب] الشيطان فلم يجعل له مخرجًا»، فقال: أفلا تُحلِّلها له؟ فقال: من يُخادع الله يَخدعه (٢). فليتدبَّر العالم الذي قصْدُه معرفة الحق واتباعه من الشرع والقدر في قبول الصحابة هذه الرخصة والتيسير على عهد رسول الله ﷺ وتقواهم ربهم ﵎ في التطليق، فجرت عليهم رخصة الله وتيسيره شرعًا وقدرًا، فلما ركب الناس الأُحموقةَ، وتركوا تقوى الله، ولَبَسوا على أنفسهم، وطلّقوا على غير ما شرعه الله لهم= أجرى الله على لسان الخليفة الراشد والصحابة معهم (٣) شرعًا وقدرًا إلزامَهم بذلك، وإنفاذَه عليهم، وإبقاءَ الإصْر الذي جعلوه هم في أعناقهم كما جعلوه. وهذه أسرارٌ من أسرار الشرع والقدر لا تناسب عقول أبناء الزمان، فجاء أئمة الإسلام، فمضَوا على آثار الصحابة سالكين مسلكهم، قاصدين رِضَى الله ورسوله وإنفاذ دينه. فمنهم من ترك القول بحديث ابن عباس لظنِّه أنه

стр. 1650

منسوخ، وهذه طريقة الشافعي. قال (١): فإن كان معنى قول ابن عباس إن الثلاث كانت تُحسَب على عهد رسول الله ﷺ واحدةً معنى أنه بأمر النبي ﷺ ، فالذي يُشبِه أن يكون ابن عباس قد علم شيئًا فنُسِخ. فإن قيل: فما دلَّ على ما وصفتَ؟ قيل: لا يُشبِه أن يكون ابن عباس يروي عن رسول الله ﷺ شيئًا ثم يخالفه بشيء ولم يعلمه كان من النبي ﷺ فيه خلاف. فإن قيل: فلعلّ هذا شيء رُوي عن عمر فقال فيه ابن عباس بقول عمر. قيل: قد علمنا أن ابن عباس يخالف عمر في نكاح المتعة (٢)، وبيع الدينار بالدينارين (٣)، وبيع أمهات الأولاد (٤)، فكيف يوافقه في شيء روي عن النبي ﷺ خلافه؟

стр. 1651

قال المانعون من لزوم الثلاث: النسخ لا يثبت بالاحتمال، ولا ترك الحديث الصحيح المعصوم لمخالفة (١) راويه له؛ فإن مخالفته ليست معصومة، وقد قدَّم الشافعي رواية ابن عباس في شأن بَرِيرة (٢) على فتواه التي تخالفها في كون بيع الأمة طلاقها (٣). وأخذ هو وأحمد وغيرهما بحديث أبي هريرة «من استقاءَ فعليه القضاء» (٤)، وقد خالفه أبو هريرة وأفتى بأنه لا قضاء عليه (٥). وأخذوا برواية ابن عباس أن النبي ﷺ أمر أصحابه أن يَرمُلوا الأشواطَ الثلاثة وأن يمشوا بين الركنين (٦)، وصح عنه أنه قال: «ليس الرمل بسنة» (٧). وأخذوا (٨) برواية عائشة في منع الحائض من الطواف (٩)، وقد صح

стр. 1652

عنها أن امرأة حاضت وهي تطوف معها فأتمَّتْ بها عائشة بقية طوافها، رواه سعيد بن منصور: ثنا أبو عوانة عن أبي بِشْر (١) عن عطاء، فذكره (٢). وأخذوا برواية ابن عباس في تقديم الرمي والحلق والنحر بعضها على بعض، وأنه لا حرجَ في ذلك (٣)، وقد أفتى ابن عباس أن فيه دمًا (٤)، فلم يلتفتوا إلى قوله وأخذوا بروايته. وأخذت الحنفية بحديث ابن عباس «كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه»، قالوا: وهذا صريح في طلاق المُكرَه، وقد صح عن ابن عباس: ليس لمكرهٍ (٥) ولا لمضطَهدٍ طلاق (٦). وأخذوا هم والناس بحديث ابن عمر أنه اشترى جملًا شاردًا بأصح سندٍ يكون (٧).

стр. 1653

وأخذ الحنفية والحنابلة بحديث علي وابن عباس: «صلاة الوسطى صلاة العصر» (١)، وقد ثبت عن علي وابن عباس أنها صلاة الصبح (٢). وأخذ الأئمة الأربعة وغيرهم [١٣/أ] بخبر عائشة في التحريم بلبن الفحل (٣)، وقد صح عنها خلافه، وأنه كان يَدخُل عليها من أرضعتْه بناتُ إخوتها، ولا يدخُل عليها من أرضعتْه نساءُ إخوتها (٤). وأخذ الحنفية بحديث عائشة: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين» (٥)، وصح عنها أنها أتمَّت الصلاة في السفر، فلم يَدَعوا روايتها لرأيها.

стр. 1654

واحتجوا بحديث جابر وأبي موسى في الأمر بالوضوء من الضحك في الصلاة، وقد صح عنهما أنهما قالا: لا وضوء من ذلك (١). وأخذ الناس بحديث عائشة في ترك إيجاب الوضوء مما مست النار، وقد صحّ عن عائشة بأصح إسنادٍ إيجابُ الوضوء للصلاة من أكلِ كلِّ ما مسَّت النار (٢). وأخذ الناس بأحاديث عائشة وابن عباس وأبي هريرة في المسح على الخفين (٣)، وقد صح عن ثلاثتهم المنعُ من المسح جملة (٤)؛ فأخذوا بروايتهم وتركوا رأيهم. واحتجوا في إسقاط القصاص عن الأب بحديث عمر: «لا يُقتَصُّ لولدٍ من والده»، وقد قال عمر: «لأقصَّنَّ للولد من الوالد» (٥)؛ فلم يأخذوا برأيه

стр. 1655

بل بروايته. واحتجت الحنفية والمالكية في أن الخلع طلاق بحديثين لا يصحّان عن ابن عباس (١)، وقد صحّ عن ابن عباس بأصح إسنادٍ يكون أن الخلع فسخٌ لا طلاق (٢). وأخذت الحنفية بحديث لا يصح بل هو من وضع حَرام بن عثمان (٣) ومبشِّر بن عُبيد الحلَبي، وهو حديث جابر: «لا يكون صداقٌ أقلّ من عشرة دراهم» (٤)، وقد صح عن جابر جوازُ النكاح بما قلّ أو كثر (٥).

стр. 1656

واحتجوا هم وغيرهم على المنع من بيع أمهات الأولاد بحديث ابن عباس المرفوع (١)، وقد صح عنه جواز بيعهن (٢)؛ فقدَّموا روايته التي لم تثبت على فتواه الصحيحة عنه. وأخذت الحنابلة وغيرهم بخبر سعيد بن المسيب عن عمر أنه ألحق الولد بأبوين، وقد خالفه سعيد بن المسيّب (٣)؛ فلم يعتدُّوا بخلافه. وصح عن عمر وعثمان ومعاوية أن رسول الله ﷺ تمتَّع بالعمرة إلى الحج (٤)، وصح عنهم النهي عن التمتع (٥)، فأخذ الناس برواياتهم وتركوا رأيهم. وأخذ الناس بحديث أبي هريرة في البحر: «هو الطَّهور ماؤه، الحلُّ مَيتتُه» (٦). وقد روى سعيد بن منصور في «سننه» عن أبي هريرة أنه قال: ماءانِ لا يُجزِئان في غسل الجنابة ماء البحر وماء الحمام (٧).

стр. 1657

وأخذت الحنابلة والشافعية بحديث أبي هريرة في الأمر بغَسْل الإناء من ولوغ الكلب (١)، وقد صح عن أبي هريرة ما رواه سعيد بن منصور في «سننه» أن أبا هريرة سئل عن الحوض يلَغُ فيه الكلب ويشرب منه الحمار، فقال: لا يحرِّم الماءَ شيء (٢). وأخذت الحنفية بحديث علي: «لا زكاةَ فيما زاد على المائتي درهمٍ حتى يبلغ أربعين درهمًا» (٣)، مع ضعف الحديث بالحسن بن عُمارة، وقد صح عن علي أن ما زاد على المائتين ففيه الزكاة بحسابه، رواه عبد الرزاق (٤) عن معمر عن أبي إسحاق السَّبيعي عن عاصم بن ضَمرة عنه. وهذا باب يطول تتبعُه، وترى كثيرًا من الناس إذا جاء الحديث يوافق قولَ من قلّده وقد خالفه راويه يقول: الحجة فيما روى لا في قوله، [١٣/ب] فإذا جاء قول الراوي موافقًا لقول من قلّده والحديث بخلافه قال: لم يكن الراوي يخالف ما رواه إلا وقد صح عنده نسخُه، وإلا كان قدحًا في عدالته، فيجمعون في كلامهم بين هذا وهذا، بل قد رأينا ذلك في الباب الواحد، وهذا من أقبح التناقض.

стр. 1658

والذي نَدِينُ الله به ولا يسعُنا غيره وهو القصد في هذا الباب: أن الحديث إذا صح عن رسول الله ﷺ ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذُ بحديثه وتركُ كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنًا من كان لا راويه ولا غيره؛ إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث، أو لا يحضره وقتَ الفتيا، أو لا يتفطّن لدلالته على تلك المسألة، أو يتأول فيه تأويلًا مرجوحًا، أو يقوم في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضًا في نفس الأمر، أو يقلّد غيرَه في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه. ولو قُدِّر انتفاء ذلك كله ــ ولا سبيلَ إلى العلم بانتفائه ولا ظنه ــ لم يكن الراوي معصومًا، ولم توجب مخالفته لما رواه سقوطَ عدالته حتى تغلب سيئاته حسناته، وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك. فصل إذا عُرِف هذا فهذه المسألة مما تغيَّرت الفتوى بها بحسب الأزمنة كما عرفت؛ لِما رآه الصحابة من المصلحة؛ لأنهم رأوا مفسدةَ تتابُعِ الناس في إيقاع الثلاث لا تندفع إلا بإمضائها عليهم، فرأوا مصلحة الإمضاء أقوى من مفسدة الوقوع. ولم يكن باب التحليل الذي لعن رسول الله ﷺ فاعلَه مفتوحًا بوجهٍ ما، بل كانوا أشدَّ خلق الله في المنع منه، وتواعد عمر فاعلَه بالرجم، وكانوا عالمين بالطلاق المأذون فيه وغيره. وأما في هذه الأزمان التي قد شَكَت الفروجُ فيها إلى ربها من مفسدة التحليل، وقُبْحِ ما يرتكبه المحلّلون مما هو رَمَدٌ بل عمًى في عين الدين وشَجًى في حلوق المؤمنين، من قبائحَ تُشْمِتُ أعداء الدين به وتَمنع كثيرًا ممن يريد الدخول فيه بسببه،

стр. 1659

بحيث لا يحيط بتفاصيلها خطابٌ، ولا يحصُرها كتاب، يراها المؤمنون كلهم من أقبح القبائح، ويعدُّونها من أعظم الفضائح، قد قلَبتْ من الدين رسمه، وغيَّرتْ منه اسمه، وضَمَّخَ التيسُ المستعار فيها المطلقةَ بنجاسة التحليل، وزعم أنه قد طيَّبها (١) للحليل. فيا لله العجب! أيُّ طِيبٍ أعارها هذا التَّيس الملعون؟ وأيُّ مصلحة حصلت لها ولمطلِّقها بهذا الفعل الدُّون؟ أترى وقوف الزوج المطلِّق (٢) أو الولي على الباب، والتيس الملعون قد حلَّ إزارها وكشف النقاب وأخذ في ذلك المُرتَبَع (٣)، والزوج أو الولي يُناديه: لم يُقدَّم إليك هذا الطعام لِتَشْبع، فقد علمتَ أنت والزوجة ونحن والشهود والحاضرون والملائكة الكاتبون ورب العالمين أنك لستَ معدودًا من الأزواج، ولا للمرأة [١٤/أ] وأوليائها بك رضًى ولا فرح ولا ابتهاج، وإنما أنت بمنزلة التيس المستعار للضِّراب، الذي لولا هذه البلوى لما رضينا وقوفَك على الباب؛ فالناس يُظهرون النكاح ويعلنونه فرحًا وسرورًا، ونحن نتواصى بكتمان هذا الداء العُضال ونجعله أمرًا مستورًا؛ بلا نِثارٍ (٤) ولا دُفٍّ ولا إخوان (٥) ولا إعلان، بل التواصي بِهُسْ (٦) ومُسْ والإخفاء والكتمان. فالمرأة تُنكح لدينها وحسبها

стр. 1660

ومالها وجمالها، والتيس المستعار لا يسأل عن شيء من ذلك، فإنه لا يمسك بعصمتها، بل قد دخل على زوالها. والله سبحانه قد جعل كل واحد من الزوجين سَكنًا لصاحبه، وجعل بينهما مودةً ورحمةً ليحصل بذلك مقصود هذا العقد العظيم، وتتم بذلك المصلحة التي شرعه لأجلها العزيزُ الحكيم، فسَلِ التيس المستعار: هل له من ذلك نصيب، أو هو من حكمة هذا العقد ومقصودِه ومصلحتِه أجنبي غريب؟ وسَلْه: هل اتخذ هذه المُصابة حليلةً وفراشًا يأوي إليه؟ ثم سَلْها: هل رضيتْ به قطُّ زوجًا وبعلًا تُعوِّل في نوائبها عليه؟ وسَلْ أولي التمييز والعقول: هل تزوَّجت فلانة بفلان؟ وهل يُعدُّ هذا نكاحًا في شرع أو عقل أو فطرة إنسان؟ وكيف يلعن رسول الله ﷺ رجلًا من أمّته نكح نكاحًا شرعيًّا صحيحًا، ولم يرتكب في عقده محرَّمًا ولا قبيحًا؟ وكيف يُشبِّهه بالتيس المستعار، وهو من جملة المحسنين الأبرار؟ وكيف تُعيَّر به المرأة طولَ دهرها بين أهلها والجيران؛ وتظلُّ ناكسةً رأسَها إذا ذُكر ذلك بين النسوان؟ وسَلِ التيس المستعار: هل حدَّث نفسَه وقتَ هذا العقد الذي هو شقيق النفاق بنفقةٍ أو كسوة أو وزن صداق؟ وهل طَمِعت المصابةُ منه في شيء من ذلك، أو حدَّثت نفسَها به هنالك؟ وهل طلب منها ولدًا نجيبًا واتخذته عشيرًا وحبيبًا؟ وسَلْ عقول العالمين وفِطَرَهم: هل كان خيرُ هذه الأمة أكثرهم تحليلًا، أو كان المحلِّل الذي لعنه الله ورسوله أهداهم سبيلًا؟ وسَلِ التيس المستعار ومن ابتُلِيتْ به: هل تجمَّل أحد منهما بصاحبه كما يتجمَّل الرجال بالنساء والنساء بالرجال، أو كان لأحدهما رغبة في صاحبه بحسب أو مال أو جمال؟ وسَلِ المرأة: هل تَكره أن يتزوَّج عليها هذا

стр. 1661

التيس المستعار أو يتسرَّى، أو تكره أن تكون تحته امرأة غيرها أخرى، أو تسأل عن ماله وصنعته أو حسن عشرته وسعة نفقته؟ وسل التيس المستعار (١): هل سأل قطُّ عما يسأل عنه من قصد حقيقة النكاح، أو يتوسَّل إلى بيت أحمائه بالهدية والحمولة والنقد الذي يتوسّل به خاطب المِلاح؟ وسَلْه: هل هو أبو يأخذُ أو أبو يُعطي؟ وهل قوله عند إقراءةِ (٢) أبي جادِ هذا العقد: خذي نفقة هذا العرس أو حُطِّي؟ وسَلْه عن وليمة عرسه: هل أولَمَ ولو بشاة؟ وهل دعا إليها أحدًا من أصحابه فقضى حقَّه وأتاه؟ [١٤/ب] وسَلْه: هل تحمَّل من كلفة هذا العقد ما يتحمَّله المتزوّجون، أم جاءه كما جرت به عادة الناس الأصحابُ والمهنِّئون؟ وهل قيل له: بارك الله لكما وعليكما وجمعَ بينكما في خير وعافية، أم لعن الله المحلِّل والمحلَّل له لعنة تامة وافية؟ فصل ثم سَلْ من له أدنى اطلاع على أحوال الناس: كم من حرّةٍ مَصُونة أنشبَ فيها المحلِّل مخالبَ (٣) إرادته فصارت له بعد الطلاق من الأخدان، وكان بعلها منفردًا بوطئها فإذا هو والمحلّل فيها ببركة التحليل شريكان؟ فلعمرُ الله كم أخرج التحليلُ مخدَّرةً من سِترها (٤) إلى البِغاء، وألقاها بين براثن العُشَراء

стр. 1662

والحُرَفاء (١)؟ ولولا التحليل لكان منالُ الثريّا دون منالها، والتدرُّع بالأكفان دون التدرُّع بجمالها، وعِناق القَنا دون عِناقها، والأخذ بذراع الأسد دون الأخذ بساقها. وسَلْ أهل الخبرة: كم عقَد المحلِّلُ على أمّ وابنتها؟ وكم جمع ماءه في أرحام ما زاد على الأربع وفي رحم الأختين؟ وذلك محرَّم باطل في المذهبين. وهذه المفسدة في كتب مفاسد التحليل لا ينبغي أن تُفرَد بالذكر، وهي كموجةٍ واحدة من الأمواج، ومن يستطيع عدَّ أمواج البحر؟ وكم من امرأةٍ كانت قاصرةَ الطرف على بَعْلها، فلما ذاقت عُسيلةَ المحلِّل خرجت على وجهها فلم يجتمع شَمْلُ الإحصان والعفة بعد ذلك بشَمْلِها، وما كان هذا سبيلَه، فكيف يَحتمل أكملُ الشرائع وأحكمُها تحليلَه؟ فصلوات الله وسلامه على من صرَّح بلعنته، وسماه بالتيس المستعار (٢) من بين فسَّاق أمته، كما شهد به علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبو هريرة وجابر بن عبد الله وعقبة بن عامر وعبد الله بن عباس (٣)، وأخبر عبد الله بن عمر أنهم كانوا يعدُّونه على عهد رسول الله ﷺ سِفاحًا (٤). أما ابن مسعود ففي «مسند الإمام أحمد» و «سنن النسائي» و «جامع الترمذي» (٥) عنه قال: لعن رسول الله ﷺ المحلِّل والمحلَّل له. قال

стр. 1663

الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال سفيان الثوري: حدثني أبو قيس الأَودي عن هُزَيل بن شُرحبيل عن عبد الله بن مسعود قال: لعنَ رسول الله ﷺ الواشمةَ والمستوشمة، والواصلة والموصولة، والمحلِّل والمحلَّل له، وآكلَ الربا ومُوكِله. رواه النسائي والإمام أحمد (١). وروى الترمذي منه لَعْنَ المحلِّل، وصححه، ثم قال: والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر، وهو قول الفقهاء من التابعين. ورواه الإمام أحمد (٢) من حديث أبي الواصل عن ابن مسعود عن النبي ﷺ : «لُعِن المحلِّل والمحلَّل له». وفي «مسند الإمام أحمد» والنسائي (٣) من حديث الأعمش عن عبد الله بن مُرَّة عن الحارث عن ابن مسعود قال: «آكلُ الربا ومُوكِله وشاهداه وكاتبه إذا علموا به، والواصلة والمستوصلة (٤)، ولَاوِي الصدقة والمعتدي فيها، والمرتدُّ [١٥/أ] على عقبيه أعرابيًّا بعد هجرته= ملعونون على لسان محمدٍ ﷺ يوم القيامة». وأما حديث علي بن أبي طالب ففي «المسند» و «سنن أبي داود»

стр. 1664

والترمذي وابن ماجه (١) من حديث الشعبي عن الحارث عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ أنه لعنَ المحلِّل والمحلَّل له. وأما حديث أبي هريرة ففي «مسند الإمام أحمد» و «مسند أبي بكر بن أبي شيبة» (٢) من حديث عثمان بن الأخنس عن المقبُري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله المحلّل والمحلَّل له». قال يحيى بن معين: عثمان بن الأخنس ثقة (٣). والذي رواه عنه عبد الله بن جعفر القرشي ثقة من رجال مسلم، وثّقه أحمد ويحيى وعلي (٤) وغيرهم؛ فالإسناد جيد. وفي كتاب «العلل» للترمذي (٥): ثنا محمد بن يحيى ثنا معلّى بن منصور عن عبد الله بن جعفر المَخْرَمي (٦) عن عثمان بن محمد الأخنسي عن سعيد المقْبُري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ لعن المحلِّل والمحلَّل له. قال الترمذي: سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن، وعبد الله بن جعفر المَخْرَمي صدوق، وعثمان بن محمد الأخنسي ثقة، وكنت أظنُّ أن عثمان لم يسمع من سعيد

стр. 1665

المَقبري. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (١): هذا إسناد جيد. وأما حديث جابر بن عبد الله ففي «جامع الترمذي» (٢) من حديث مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ لعن المحلِّل والمحلَّل له. ومجالد وإن كان غيره أقوى منه فحديثه شاهدٌ ومقوٍّ. وأما حديث عقبة بن عامر ففي «سنن ابن ماجه» (٣) عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أُخبِركم بالتيس المستعار؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «هو المحلِّل، لعن الله المحلِّل والمحلَّل له». ورواه الحاكم في «صحيحه» من حديث الليث بن سعد عن مِشْرَح بن هَاعَان (٤) عن عقبة بن عامر، فذكره. وقد أُعِلَّ هذا الحديث بثلاث علل: إحداها: أن أبا حاتم البستي ضعَّف مِشْرح بن هَاعان (٥). والعلة الثانية: ما حكاه الترمذي في كتاب «العلل» (٦) عن البخاري، فقال: سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن حديث عبد الله بن صالح حدثني الليث عن مِشْرَح بن هاعان عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أُخبِركم بالتَّيس المستعار؟ هو المحِلُّ والمحلَّل له، لعن الله

стр. 1666

المحِلَّ والمحلَّل له». فقال: عبد الله بن صالح لم يكن أخرجه في أيامنا، ما أرى الليث سمعه من مِشْرَح بن هَاعان؛ لأن حَيْوة روى عن بكر بن عمرو عن مِشْرَح. العلة الثالثة: ما ذكرها الجوزجاني في «مُتَرجَمِه» (١) فقال: كانوا ينكرون على عثمان في هذا الحديث إنكارًا شديدًا (٢). فأما العلة الأولى فقال محمد بن عبد الواحد المقدسي (٣): مِشْرح قد وثّقه يحيى بن معين في رواية عثمان بن سعيد (٤)، وابن معين أعلم بالرجال من ابن حبان. قلت: وهو صدوق عند الحفّاظ، لم يتَّهمه أحدٌ البتةَ، ولا أطلقَ عليه أحد من أهل الحديث [١٥/ب] قطُّ أنه ضعيف، ولا ضعَّفه ابن حبان، وإنما قال: يروي عن عقبة بن عامر مناكير لا يُتابَع عليها؛ فالصواب تركُ ما انفرد به. وانفردَ ابن حبان من بين أهل الحديث بهذا القول فيه. وأما العلة الثانية فعبد الله بن صالح قد صرَّح بأنه سمعه من الليث، وكونه لم يُخرِجه وقتَ اجتماع البخاري به لا يضرُّه شيئًا. وأما قوله: «إن حيوة روى عن بكر بن عمرو عن مِشْرَح» فإنه يريد به أن حيوة بن شُريح المصري من أقران الليث أو أكبر منه، وإنما روى عن بكر بن عمرو عن

стр. 1667

مِشْرح، وهذا تعليل قوي، ويؤكِّده أن الليث قال: «قال مشرح» ولم يقل: «حدثنا»، وليس بلازم؛ فإن الليث كان معاصرًا لمِشْرح وهو في بلده، وطلبُ الليثِ للعلم وجمعُه لم يمنعه أن لا يسمع من مِشْرَح حديثَه عن عقبة بن عامر وهو معه في البلد. وأما التعليل الثالث فقال شيخ الإسلام (١): إنكارُ من أنكر هذا الحديث على عثمان غير جيد، وإنما هو لتوهُّم انفراده به عن الليث، وظنِّهم أنه لعله أخطأ فيه حيث لم يبلغهم عن غيره من أصحاب الليث، كما قد يتوهَّم بعض من يكتب الحديث أن الحديث إذا انفرد به عن الرجل من ليس بالمشهور من أصحابه كان ذلك شذوذًا فيه وعلةً قادحة، وهذا لا يتوجَّه ههنا لوجهين: أحدهما: أنه قد تابعه عليه أبو صالح كاتب الليث عنه، رويناه من حديث أبي بكر القَطيعي: حدثنا جعفر بن محمد الفِريابي حدثني العباس المعروف بأبي قُرَيق (٢) ثنا أبو صالح حدثني الليث به، فذكره. ورواه أيضًا الدارقطني في «سننه» (٣): ثنا أبو بكر الشافعي ثنا إبراهيم بن الهيثم أخبرنا أبو صالح، فذكره. الثاني: أن عثمان بن صالح هذا المصري نفسه (٤) روى عنه البخاري في «صحيحه»، وروى عنه ابن معين وأبو حاتم الرازي، وقال: هو شيخ

стр. 1668

صالح سليم الناحية (١)، قيل له: كان يلقَّن؟ قال: لا (٢). ومن كان بهذه المثابة كان ما ينفرد به حجة، وإنما الشاذ ما خالفه به الثقات، لا ما انفرد به عنهم، فكيف إذا تابعه مثل ابن صالح (٣) وهو كاتب الليث وأكثر الناس حديثًا عنه؟ وهو ثقة أيضًا، وإن كان قد وقع في بعض حديثه غلط. ومشرح بن هاعان (٤) قال فيه ابن معين: ثقة (٥)، وقال فيه الإمام أحمد: هو معروف (٦)؛ فثبت أن هذا الحديث حديث جيد وإسناده حسن، انتهى (٧). وقال الشافعي (٨): ليس الشاذ أن ينفرد الثقة عن الناس بحديث، إنما الشاذ أن يخالف ما رواه الثقات. وأما حديث عبد الله بن عباس فرواه ابن ماجه في «سننه» (٩) عنه قال:

стр. 1669

«لعن رسول الله ﷺ المحلِّل والمحلَّل له». وفي إسناده زَمْعة بن صالح، وقد ضعّفه قوم، ووثّقه آخرون، وأخرج له مسلم في «صحيحه» مقرونًا بآخر (١)، وعن ابن معين فيه روايتان (٢). وأما [١٦/أ] حديث عبد الله بن عمر ففي «صحيح الحاكم» (٣) من حديث ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسّان عن عمرو بن نافع عن أبيه قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن رجل طلّق امرأته ثلاثًا، فتزوَّجها أخ له من غير مؤامرة بينهما (٤) ليُحِلَّها لأخيه: هل تَحِلُّ للأول؟ قال: لا، إلا نكاح رغبة، كنا نعدُّ هذا سِفاحًا على عهد رسول الله ﷺ . قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال سعيد في «سننه» (٥): حدثنا محمد بن نشيط البصري قال: قال بكر بن عبد الله المزني: لعن المحلل والمحلل له، وكان يسمى في الجاهلية التيس المستعار. وعن الحسن البصري قال: كان المسلمون يقولون: هذا التيس المستعار (٦).

стр. 1670

فصل فسَلْ هذا التيس: هل دخل في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، وهل دخل في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]، وهل دخل في قوله ﷺ : «من استطاع منكم الباءةَ فليتزوَّج، فإنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرج» (١)، وهل دخل في قوله ﷺ : «تزوَّجوا الودودَ الولودَ، فإني مُكاثِرٌ بكم الأممَ يوم القيامة» (٢)، وهل دخل في قوله ﷺ : «أربعٌ من سنن المرسلين: النكاح، والتعطُّر، والختان» وذكر الرابعة (٣)، وهل دخل في قوله ﷺ : «النكاح سنتي؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٤)، وهل دخل في قول ابن عباس: «خير هذه الأمة أكثرها نساء» (٥)، وهل له نصيب من قوله ﷺ :

стр. 1671

«ثلاثةٌّ حق على الله عونُهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتَب يريد الأداء» وذكر الثالث (١)، أم حقٌّ على الله لعنتُه تصديقًا لرسوله فيما أخبر عنه؟ وسَلْه: هل يلعن الله ورسوله من فعل مستحبًّا أو جائزًا أو مكروهًا أو صغيرةً، أم لعنتُه مختصة بمن ارتكب كبيرة أو ما هو أعظم منها؟ كما قال ابن عباس: كل ذنب خُتِم بلعنةٍ أو غضبٍ أو عذابٍ أو نارٍ فهو كبيرة (٢). وسَلْه: هل (٣) كان في الصحابة محلِّل واحد أو أُقِرَّ رجل منهم على التحليل؟ وسَلْه لأيّ شيء قال عمر بن الخطاب: لا أوتى بمحلِّل ولا محلَّل له إلا رجمتُهما (٤). وسَلْه: كيف تكون المتعة حرامًا نصًّا مع أن المستمتع له غرض في نكاح الزوجة إلى وقت، لكن لما كان غيرَ داخلٍ على النكاح المؤبَّد كان مرتكبًا للمحرم؟ فكيف يكون نكاح المحلّل الذي إنما قصدُه أن يمسكها ساعة من زمان أو دونها، ولا غرضَ له في النكاح البتةَ، بل قد شرطَ انقطاعه وزواله إذا أخبثَها (٥) بالتحليل، فكيف يجتمع في عقل أو شرعٍ تحليلُ هذا

стр. 1672

وتحريمُ المتعة؟ هذا مع أن المتعة أُبيحت في أول الإسلام، وفعلها الصحابة، وأفتى بها بعضهم (١) [١٦/ب] بعد موت النبي ﷺ (٢)، ونكاح المحلِّل لم يُبَحْ في ملّة من الملل قطُّ، ولم يفعله أحد من الصحابة، ولا أفتى به واحد منهم. وليس الغرضُ بيانَ تحريم هذا العقد وبطلانه وذكر مفاسده وشره، فإنه يستدعي (٣) سِفْرًا ضخمًا نختصر فيه الكلام، وإنما المقصود أن هذا شأن التحليل عند الله ورسوله وأصحاب رسوله، فألزمهم عمر بالطلاق الثلاث إذا جمعوها ليكفُّوا عنه إذا علموا أن المرأة تَحرُم به، وأنه لا سبيلَ إلى عودها بالتحليل. فلما تغيَّر الزمان، وبعُدَ العهد بالسنة وآثار القوم، وقامت سوقُ التحليل ونَفَقَتْ في الناس= فالواجب أن يُرَدَّ الأمر إلى ما كان عليه في زمن النبي ﷺ وخليفتَيه (٤)، من الإفتاء بما يُعطِّل سوقَ التحليل أو يقلِّلها ويخفِّف شرها. وإذا عُرِض على من وفَّقه الله وبصَّره بالهدى وفقَّهه في دينه مسألةُ كون الثلاث واحدة ومسألةُ التحليل ووازنَ بينهما= تبينَ له التفاوت، وعَلم أي المسألتين أولى بالدين وأصلح للمسلمين. فهذه حجج المسألتين قد عُرِضت عليك، وقد أُهدِيت ــ إن قبِلْتها ــ إليك، وما أظنُّ عمى التقليد يزيد (٥) الأمرَ على ما هو عليه، ولا يَدَعُ التوفيقَ

стр. 1673

يقودك اختيارًا إليه، وإنما أشرنا إلى المسألتين إشارةً تُطلِع العالمَ على ما وراءها، وبالله التوفيق. فصل فقد تبيَّن أن أمر مسألة من المسائل التي تمنع التحليل، أفتى بها المفتي، وقد قال بها بعض أهل العلم؛ فهي خير من التحليل، حتى لو أفتى المفتي بحِلِّها (١) بمجرد العقد من غير وطء، لكان أعذَرَ عند الله من أصحاب التحليل، وإن اشترك كل منهما (٢) في مخالفة النص؛ فإن النصوص المانعة من التحليل المصرِّحة بلعن فاعله كثيرة جدًّا، والصحابة والسلف مجمعون عليها، والنصوص المشترطة للدخول لا تبلغ مبلغها، وقد اختلف فيها التابعون؛ فمخالفتها أسهلُ من مخالفة أحاديث التحليل، والحق موافقة جميع النصوص، وأن لا يُترَك منها شيء. وتأمَّلْ كيف كان الأمر على عهد رسول الله ﷺ وعهد أبي بكر الصديق من كون الثلاث واحدةً والتحليل ممنوع منه، ثم صار في بقية خلافة عمر الثلاث ثلاث (٣) والتحليل ممنوع منه، وعمر من أشدّ الصحابة فيه، وكلهم على مثل قوله فيه، ثم صار في هذه الأزمنة التحليلُ كثيرًا مشهورًا والثلاثُ ثلاث. وعلى هذا فيمتنع في هذه الأزمنة معاقبةُ الناس بما عاقبَهم به عمر من

стр. 1674

وجهين: أحدهما: أن أكثرهم لا يعلم أن جمع الثلاث حرام، لا سيّما وكثير من الفقهاء لا يرى تحريمه، فكيف يُعاقَب من لم يرتكب محرمًا عند نفسه؟ الثاني: أن عقوبتهم بذلك تفتح عليهم باب التحليل الذي كان مسدودًا على عهد الصحابة، والعقوبة إذا تضمَّنتْ مفسدةً أكثر من الفعل المعاقب عليه كان تركها أحبَّ [١٧/أ] إلى الله ورسوله، ولو فرضنا أن التحليل مما أباحته الشريعة ــ ومعاذَ الله ــ لكان المنع منه إذا وصل إلى هذا الحد الذي قد تفاحش قبحه من باب سدّ الذرائع، وتعيَّن على المفتين والقضاة المنعُ منه جملةً، وإن فُرِض أن بعض أفراده جائز؛ إذ لا يستريب أحد في أن الرجوع إلى ما كان عليه الصحابة في عهد النبي ﷺ وأبي بكر الصديق (١) وصدر خلافة عمر أولى من الرجوع إلى التحليل، والله الموفق. فصل المثال الثامن: ممّا تتغيَّر به الفتوى لتغيُّر العرف والعادة: موجبات الأيمان والإقرار والنذور وغيرها؛ فمن ذلك أن الحالف إذا حلف «لا ركبتُ دابةً»، وكان في بلدٍ عُرفُهم في لفظ الدابة الحمار خاصةً، اختصَّتْ يمينه به، ولا يحنَث بركوب الفرس ولا الجمل، وإن كان عُرفهم في لفظ الدابة الفرس خاصةً حُمِلت يمينه عليها دون الحمار، وكذلك إن كان الحالف مما (٢) عادته ركوب نوع خاص من الدوابّ كالأمراء ومن جرى مجراهم

стр. 1675

حُمِلت يمينه على ما اعتاده من ركوب الدوابّ؛ فيُفتَى في كل بلد بحسب عُرف أهله، ويُفتَى كل أحد بحسب عادته. وكذلك إذا حلف «لا أكلتُ رأسًا» في بلدٍ عادتهم أكل رؤوس الضأن خاصة، لم يحنث بأكل رؤوس الطير والسمك ونحوها، وإن كان عادتهم أكل السمك حَنِثَ بأكل رؤوسها. وكذلك إذا حلف «لا اشتريتُ كذا ولا بعتُه، ولا حرثتُ هذه الأرض ولا زرعتُها» ونحو ذلك، وعادته أن لا يباشر ذلك بنفسه كالملوك، حَنِثَ قطعًا بالإذن والتوكيل فيه، فإنه نفس ما حَلَفَ عليه. وإن كان عادته مباشرةَ ذلك بنفسه كآحاد الناس، فإن قصدَ مَنْع نفسه من المباشرة لم يحنَثْ بالتوكيل، وإن قصدَ عدم الفعل والمنع منه جملةً حنِثَ بالتوكيل، وإن أطلق اعتُبِر سببُ اليمين وبِساطُها وما هيَّجَها. وعلى هذا إذا أقرَّ الملِكُ أو أغنى أهل البلد لرجلٍ بمال كثير، لم يُقبل تفسيره بالدرهم والرغيف ونحوه مما يُتموَّل، فإن أقرَّ به فقير يُعَدُّ عنده الدرهم والرغيف كثيرًا قُبِلَ منه. وعلى هذا إذا قيل له: جاريتك أو عبدك يرتكبان الفاحشة، فقال: ليس كذلك، بل هما حرَّانِ لا أعلم عليهما فاحشة؛ فالحق المقطوع به أنهما لا يعتقانِ بذلك، لا في الحكم ولا فيما بينه وبين الله تعالى؛ فإنه لم يُرِد ذلك قطعًا، واللفظ مع القرائن المذكورة ليس صريحًا في العتق ولا ظاهرًا فيه، بل ولا محتملًا له، فإخراج عبده أو أمته عن ملكه بذلك غير جائز.

стр. 1676

ومن ذلك ما أخبرني به بعض أصحابنا أنه قال لامرأته: إن أذِنتُ لك في الخروج إلى الحمّام فأنتِ طالق، فتهيَّأت للخروج إلى الحمام، فقال لها: اخرجي وأبصِرِي، فاستفتى بعض الناس، فأفتوه بأنها قد طلقتْ منه، فقال للمفتي: بأي شيء أوقعتَ عليَّ الطلاق؟ قال: بقولك لها اخرجي، فقال: إني لم أقل لها ذلك (١) إذنًا، [١٧/ب] وإنما قلتُه تهديدًا، أي: إنك لا يُمكِنكِ الخروج. وهذا كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]، فهل هذا إذن لهم أن يعملوا ما شاؤوا؟ فقال: لا أدري، أنت لفظتَ بالإذن، فقال له: ما أردتُ الإذن، فلم يفقه المفتي هذا، وغَلُظَ حجابُه عن إدراكه، وفرَّق بينه وبين امرأته بما لم يأذن الله به (٢) ورسوله ولا أحد من أئمة الإسلام. وليت شعري هل يقول هذا المفتي: إن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] إذنٌ له في الكفر؟ وهؤلاء أبعدُ الناس عن الفهم عن الله ورسوله وعن المطلِّقين مقاصدَهم. ومن هذا إذا قال العبد لسيده ــ وقد استعمله في عملٍ يَشُقُّ عليه ــ: أعتِقْني من هذا العمل، فقال: أعتقتُك، ولم ينوِ إزالة ملكه عنه، لم يعتق بذلك. وكذلك إذا قال عن امرأته: هذه أختي، ونوى أختي في الدين، لم تحرُمْ بذلك، ولم يكن مظاهرًا. والصريح لم يكن موجِبًا لحكمه لذاته، وإنما أوجبه لأنا نستدلُّ على قصد المتكلم به لمعناه؛ بجريان اللفظ على لسانه اختيارًا؛ فإذا ظهر قصده بخلاف معناه لم يجُزْ أن يلزم بما لم يُرِده، ولا

стр. 1677

التزمه، ولا خطر بباله، بل إلزامه بذلك جنايةٌ على الشرع وعلى المكلَّف. والله سبحانه رفع المؤاخذة عن المتكلم بكلمة الكفر مُكرَهًا لمَّا لم يقصد معناها ولا نواه، وكذلك المتكلم بالطلاق والعتاق والوقف واليمين والنذر مُكرَهًا لا يلزمه شيء من ذلك؛ لعدم نيته وقصده؛ وقد أتى باللفظ الصريح؛ فعُلِم أن اللفظ إنما يوجب معناه لقصد المتكلم به. والله سبحانه رفع المؤاخذة عمن حدَّث نفسَه بأمر بغير تلفظٍ أو عمل، كما رفعها عمن تلفَّظ باللفظ من غير قصدٍ لمعناه ولا إرادة، ولهذا لا يكفر من جرى على لسانه لفظ الكفر سبقًا من غير قصدٍ لفرح أو دهش أو غير ذلك، كما في حديث الفرح الإلهي بتوبة العبد، وضرب مثل ذلك بمن فقَدَ راحلته عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة، فأَيِسَ منها، ثم وجدها فقال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك» أخطأ من شدّة الفرح (١)، ولم يؤاخذ (٢) بذلك. وكذلك إذا أخطأ من شدة الغضب لم يؤاخذ بذلك (٣)، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١]، قال السلف: هو دعاء الإنسان على نفسه وولده وأهله في حال الغضب (٤). ولو استجابه الله تعالى لأهلكه وأهلك من يدعو عليه،

стр. 1678

ولكنه لا يستجيبه لعلمه بأن الداعي لم يقصده. ومن هذا رفعُه ﷺ حكم الطلاق عمن طلَّق في إغلاق (١). وقال الإمام أحمد في رواية حنبل: هو الغضب (٢)، وبذلك فسَّره أبو داود (٣)، وهو قول القاضي إسماعيل بن إسحاق أحد أئمة المالكية ومقدَّم فقهاء أهل العراق منهم، وهي عنده من لغو اليمين أيضًا، فأدخل يمين الغضبان في لغو اليمين وفي يمين الإغلاق، وحكاه شارح «أحكام» عبد الحق [١٨/أ] عنه، وهو ابن بَزِيْزة الأندلسي، قال: وهذا قول علي وابن عباس (٤) وغيرهما من الصحابة إن الأيمان المنعقدة كلها في حال الغضب لا تلزم. وفي «سنن الدارقطني» (٥) بإسناد فيه لين من حديث ابن عباس يرفعه: «لا يمينَ في غضب، ولا عتاقَ فيما لا يملك». وهو وإن لم يثبت رفعه فهو قول ابن عباس (٦)، وقد فسَّر الشافعي

стр. 1679

«لا طلاقَ في إغلاق» بالغضب (١)، وفسَّره مسروق به (٢). فهذا مسروق والشافعي وأحمد وأبو داود والقاضي إسماعيل كلهم فسَّروا الإغلاق بالغضب، وهو من أحسن التفسير؛ لأن الغضبان قد أُغلِق عليه باب القصد بشدة غضبه، وهو كالمُكْرَه، بل الغضبان أولى بالإغلاق من المكره؛ لأن المكره قد قصدَ رفْعَ الشر الكثير بالشر القليل (٣) الذي هو دونه، فهو قاصدٌ حقيقة، ومن ههنا أوقع عليه الطلاقَ من أوقعه. وأما الغضبان فإن انغلاق باب القصد والعلم عنه كانغلاقه عن السكران والمجنون، فإن الغضب غولُ (٤) العقلِ، يغتالُه كما يغتاله الخمر بل أشدّ، وهو شعبة من الجنون، ولا يشكُّ فقيه النفس في أن هذا لا يقع طلاقه؛ ولهذا قال حبر الأمة الذي دعا له النبي ﷺ بالفقه في الدين: «إنما الطلاق عن وَطَرٍ»، ذكره البخاري في «صحيحه» (٥)، أي عن غرضٍ من المطلِّق في وقوعه. وهذا من كمال فقهه ﵁ وإجابةِ الله دعاء رسوله له، إذ الألفاظ إنما يترتّب عليها موجباتُها لقصد اللافظ بها، ولهذا لم يؤاخذنا الله باللغو في أيماننا، ومن اللغو ما قالته أم المؤمنين عائشة وجمهور السلف أنه قول

стр. 1680

الحالف: «لا والله، وبلى والله» (١)، في عرض كلامه من غير عقدٍ لليمين. وكذلك لا يؤاخذ الله باللغو في أيمان الطلاق، كقول الحالف في عرض كلامه: عليَّ الطلاقُ لا أفعل، والطلاق يلزمني لا أفعل، من غير قصدٍ لعقد اليمين، بل إذا كان اسم الرب ﷻ لا ينعقد به يمين اللغو فيمينُ الطلاق أولى أن لا ينعقد ولا يكون أعظم حرمة من الحلف بالله. وهذا أحد القولين في مذهب أحمد، وهو الصواب، وتخريجه على نص أحمد صحيح؛ فإنه نصَّ على اعتبار الاستثناء في يمين الطلاق لأنها عنده يمين، ونصَّ على أن اللغو أن يقول: «لا والله, وبلى والله» من غير قصدٍ لعقد اليمين، وقد قال النبي ﷺ : «إن الله ينهاكم أن تَحلِفوا بآبائكم» (٢)، وصح عنه أنه قال: «أفلحَ وأبيه إن صدق» (٣)، ولا تعارضَ بينهما، ولم يَعقِد النبي ﷺ اليمينَ بغير الله قطُّ. وقد قال حمزة للنبي ﷺ : «هل أنتم إلا عبيدٌ لأبي»، وكان نشوانًا (٤) من الخمر (٥)، فلم يكفرْ بذلك. وكذلك الصحابي الذي قرأ: «قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون» (٦)، وكان

стр. 1681

ذلك قبل تحريم الخمر، [١٨/ب] ولم يعُدْ بذلك كافرًا؛ لعدم القصد، وجريانِ اللفظ على اللسان من غير إرادة لمعناه. فإيّاك أن تُهمِل قصد المتكلم ونيته وعُرفه، فتجني عليه وعلى الشريعة، وتنسب إليها ما هي بريئة منه، وتُلزِم الحالفَ والمقرَّ والناذر والعاقد ما لم يُلزِمه الله ورسوله به؛ ففقيه النفس يقول: ما أردتَ، ونصفُ الفقيه يقول: ما قلتَ؛ فاللغو في الأقوال نظير الخطأ والنسيان في الأفعال، وقد رفع الله سبحانه المؤاخذة بهذا وهذا، كما قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فقال ربهم ﵎: قد فعلتُ (١). فصل ومن هذا الباب اليمين بالطلاق والعتاق؛ فإن إلزام الحالف بهما إذا حَنِثَ بطلاق زوجته وعِتْق عبده مما حدث الإفتاء به بعد انقراض عصر الصحابة؛ فلا يُحفظ عن صحابي في صيغة القسم إلزامُ الطلاق به أبدًا، وإنما المحفوظ إلزام الطلاق بصيغة الشرط والجزاء الذي قصد به الطلاق عند وجود الشرط، كما في «صحيح البخاري» (٢) عن نافع قال: طلَّق رجل امرأته البتةَ إن خرجت، فقال ابن عمر: «إن خرجت فقد بانت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء». فهذا لا ينازع فيه إلا من يمنع وقوع الطلاق المعلَّق

стр. 1682

بالشرط مطلقًا، وأما من يفصِّل بين القسم المحض والتعليق الذي يقصد به الوقوع فإنه يقول بالآثار المروية عن الصحابة كلها في هذا الباب؛ فإنهم صحَّ عنهم الإفتاء بالوقوع في صورٍ، وصحَّ عنهم عدم الوقوع في صور، والصواب ما أفتَوا به في النوعين، ولا يؤخذ ببعض فتاويهم ويُترك بعضها. فأما الوقوع فالمحفوظ عنهم ما ذكره البخاري عن ابن عمر (١)، وما رواه الثوري عن الزبير بن عربي (٢) عن إبراهيم عن ابن مسعود ﵁ في رجل قال لامرأته: «إن فعلتْ كذا وكذا فهي طالق»، ففعلتْه، قال: هي واحدة، وهو أحق بها (٣)، على أنه منقطع. وكذلك ما ذكره البيهقي وغيره عن ابن عباس في رجل قال لامرأته: هي طالقٌ إلى سَنَةٍ، قال: يستمتع بها إلى سنة (٤). ومن هذا قول أبي ذر لامرأته وقد ألحَّتْ عليه في سؤاله عن ليلة القدر، فقال: «إن عُدتِ سألتِني فأنتِ طالق» (٥). وههنا نكتة لطيفة يحسُن التنبيه عليها، وهي أن أبا ذر سأل النبي ﷺ عن ليلة القدر وألحَّ عليه، حتى قال له النبي ﷺ في آخر مساءلته: «التمسوها في

стр. 1683

العشر الأواخر، ولا تَسألْني عن شيء بعدها» (١). ثم حدّث النبي ﷺ وحدّث، قال: فاهتبلتُ غفلتَه فقلت: أقسمتُ عليك يا رسول الله بحقّي عليك لتحدِّثنِّي في أيّ العشر هي، قال: فغضِبَ عليَّ غضبًا ما غضِبَ عليَّ من قبلُ ولا من بعدُ، ثم قال: «التمسوها في السبع الأواخر، ولا تسألْني عن شيء بعدُ». ذكره النسائي والبيهقي (٢). فأصاب أبا ذر من امرأته وإلحاحِها عليه [١٩/أ] ما أوجب غضَبه وقال: إن عُدتِ سألتِني فأنتِ طالق. فهذه جميع الآثار المحفوظة عن الصحابة في وقوع الطلاق المعلَّق. وأما الآثار عنهم في خلافه فصح عن عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة فيمن حلفت بأنّ كل مملوكٍ لها حرٌّ إن لم تفرِّق بين عبدها وبين امرأته، أنها تُكفِّر عن يمينها ولا تفرِّق بينهما. قال الأثرم في «سننه» (٣): حدثنا عارِم بن الفضل ثنا معتمِر بن سليمان قال: قال لي أبي: ثنا بكر بن عبد الله قال أخبرني أبو رافع قال: قالت مولاتي ليلى بنت العَجْماء: كل مملوكٍ لها محرَّر، وكل مالٍ لها هديٌ، وهي يهودية وهي (٤) نصرانية إنْ لم تُطلِّق امرأتك أو تُفرِّق بينك وبين امرأتك. قال: فأتيتُ زينبَ بنت أم سلمة، وكانت إذا ذُكِرت امرأة بالمدينة فقيهة ذُكِرت

стр. 1684

زينب، قال: فأتيتُها فجاءت معي (١) إليها، فقالت: في البيت هاروت وماروت؟ فقالت: يا زينب، جعلني الله فداك، إنها قالت: كلُّ مملوك لها محرَّر، وكلُّ مالٍ لها هديٌ، وهي يهودية وهي نصرانية. فقالت: يهودية ونصرانية! خلِّ بين الرجل وامرأته. فأتيتُ حفصة أم المؤمنين، فأرسلتْ إليها فأتَتْها، فقالت: يا أم المؤمنين، جعلني الله فداك، إنها قالت: كل مملوك لها حرٌّ، وكل مال لها هَدْي، وهي يهودية ونصرانية، فقالت: يهودية ونصرانية! خلِّ بين الرجل وبين امرأته. قالت: فأتيت عبد الله بن عمر، فجاء معي (٢) إليها، فقام على الباب فسلَّم، فقالت: بِيَبَا أنتَ وبِيَبَا (٣) أبوك، فقال: أمِن حجارةٍ أنتِ أم من حديدٍ أنتِ أم من أي شيء أنت؟ أفتتْكِ زينبُ وأفتتْكِ أم المؤمنين فلم تقبلي فتياهما، فقالت: يا أبا عبد الرحمن جعلني الله فداك، إنها قالت: كلُّ مملوك لها حرٌّ، وكل مالٍ لها هديٌ، وهي يهودية وهي نصرانية، فقال: يهودية ونصرانية! كفِّري عن يمينكِ، وخلِّي بين الرجل وبين امرأته.

стр. 1685

وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني في «المترجم» له (١): حدثنا صفوان بن صالح ثنا عمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي قال: حدثني جَسْر (٢) بن الحسن، قال: حدثني بكر بن عبد الله المزني قال: حدثني رُفيع قال: كنت أنا وامرأتي مملوكينِ لامرأة من الأنصار، فحلفَتْ بالهدي والعتاقة أن تفرِّق بيننا، فأتيتُ امرأة من أزواج النبي ﷺ ، فذكرتُ لها ذلك، فأرسلتْ إليها أن كفِّري يمينَك، فأبَتْ، ثم أتيت زينب ابنة أم سلمة (٣)، فذكرت لها ذلك (٤)، فأرسلتْ إليها أن كفِّري يمينك، فأبَتْ (٥). فأتيتُ ابن عمر، فذكرت ذلك له، فأرسل إليها: أن كفِّري يمينك، فأبَتْ، فقام ابن عمر فأتاها فقال: أرسلتْ إليك فلانةُ زوج النبي ﷺ وزينبُ أن تكفِّري يمينك فأبيتِ، قالت: يا أبا عبد الرحمن إني حلفتُ بالهدي والعتاقة، قال: وإن كنتِ قد حلفتِ (٦). وقال الدارقطني (٧): ثنا أبو بكر النيسابوري ثنا محمد بن يحيى بن
следующие страницы →