ذلك قبل تحريم الخمر، [١٨/ب] ولم يعُدْ بذلك كافرًا؛ لعدم القصد، وجريانِ اللفظ على اللسان من غير إرادة لمعناه.
فإيّاك أن تُهمِل قصد المتكلم ونيته وعُرفه، فتجني عليه وعلى الشريعة، وتنسب إليها ما هي بريئة منه، وتُلزِم الحالفَ والمقرَّ والناذر والعاقد ما لم يُلزِمه الله ورسوله به؛ ففقيه النفس يقول: ما أردتَ، ونصفُ الفقيه يقول: ما قلتَ؛ فاللغو في الأقوال نظير الخطأ والنسيان في الأفعال، وقد رفع الله سبحانه المؤاخذة بهذا وهذا، كما قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فقال ربهم ﵎: قد فعلتُ (١).
فصل
ومن هذا الباب اليمين بالطلاق والعتاق؛ فإن إلزام الحالف بهما إذا حَنِثَ بطلاق زوجته وعِتْق عبده مما حدث الإفتاء به بعد انقراض عصر الصحابة؛ فلا يُحفظ عن صحابي في صيغة القسم إلزامُ الطلاق به أبدًا، وإنما المحفوظ إلزام الطلاق بصيغة الشرط والجزاء الذي قصد به الطلاق عند وجود الشرط، كما في «صحيح البخاري» (٢) عن نافع قال: طلَّق رجل امرأته البتةَ إن خرجت، فقال ابن عمر: «إن خرجت فقد بانت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء». فهذا لا ينازع فيه إلا من يمنع وقوع الطلاق المعلَّق
стр. 1682
بالشرط مطلقًا، وأما من يفصِّل بين القسم المحض والتعليق الذي يقصد به الوقوع فإنه يقول بالآثار المروية عن الصحابة كلها في هذا الباب؛ فإنهم صحَّ عنهم الإفتاء بالوقوع في صورٍ، وصحَّ عنهم عدم الوقوع في صور، والصواب ما أفتَوا به في النوعين، ولا يؤخذ ببعض فتاويهم ويُترك بعضها.
فأما الوقوع فالمحفوظ عنهم ما ذكره البخاري عن ابن عمر (١)، وما رواه الثوري عن الزبير بن عربي (٢) عن إبراهيم عن ابن مسعود ﵁ في رجل قال لامرأته: «إن فعلتْ كذا وكذا فهي طالق»، ففعلتْه، قال: هي واحدة، وهو أحق بها (٣)، على أنه منقطع. وكذلك ما ذكره البيهقي وغيره عن ابن عباس في رجل قال لامرأته: هي طالقٌ إلى سَنَةٍ، قال: يستمتع بها إلى سنة (٤). ومن هذا قول أبي ذر لامرأته وقد ألحَّتْ عليه في سؤاله عن ليلة القدر، فقال: «إن عُدتِ سألتِني فأنتِ طالق» (٥).
وههنا نكتة لطيفة يحسُن التنبيه عليها، وهي أن أبا ذر سأل النبي ﷺ عن ليلة القدر وألحَّ عليه، حتى قال له النبي ﷺ في آخر مساءلته: «التمسوها في
стр. 1683
العشر الأواخر، ولا تَسألْني عن شيء بعدها» (١). ثم حدّث النبي ﷺ وحدّث، قال: فاهتبلتُ غفلتَه فقلت: أقسمتُ عليك يا رسول الله بحقّي عليك لتحدِّثنِّي في أيّ العشر هي، قال: فغضِبَ عليَّ غضبًا ما غضِبَ عليَّ من قبلُ ولا من بعدُ، ثم قال: «التمسوها في السبع الأواخر، ولا تسألْني عن شيء بعدُ». ذكره النسائي والبيهقي (٢). فأصاب أبا ذر من امرأته وإلحاحِها عليه [١٩/أ] ما أوجب غضَبه وقال: إن عُدتِ سألتِني فأنتِ طالق.
فهذه جميع الآثار المحفوظة عن الصحابة في وقوع الطلاق المعلَّق.
وأما الآثار عنهم في خلافه فصح عن عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة فيمن حلفت بأنّ كل مملوكٍ لها حرٌّ إن لم تفرِّق بين عبدها وبين امرأته، أنها تُكفِّر عن يمينها ولا تفرِّق بينهما.
قال الأثرم في «سننه» (٣): حدثنا عارِم بن الفضل ثنا معتمِر بن سليمان قال: قال لي أبي: ثنا بكر بن عبد الله قال أخبرني أبو رافع قال: قالت مولاتي ليلى بنت العَجْماء: كل مملوكٍ لها محرَّر، وكل مالٍ لها هديٌ، وهي يهودية وهي (٤) نصرانية إنْ لم تُطلِّق امرأتك أو تُفرِّق بينك وبين امرأتك. قال: فأتيتُ زينبَ بنت أم سلمة، وكانت إذا ذُكِرت امرأة بالمدينة فقيهة ذُكِرت
стр. 1684
زينب، قال: فأتيتُها فجاءت معي (١) إليها، فقالت: في البيت هاروت وماروت؟ فقالت: يا زينب، جعلني الله فداك، إنها قالت: كلُّ مملوك لها محرَّر، وكلُّ مالٍ لها هديٌ، وهي يهودية وهي نصرانية. فقالت: يهودية ونصرانية! خلِّ بين الرجل وامرأته. فأتيتُ حفصة أم المؤمنين، فأرسلتْ إليها فأتَتْها، فقالت: يا أم المؤمنين، جعلني الله فداك، إنها قالت: كل مملوك لها حرٌّ، وكل مال لها هَدْي، وهي يهودية ونصرانية، فقالت: يهودية ونصرانية! خلِّ بين الرجل وبين امرأته. قالت: فأتيت عبد الله بن عمر، فجاء معي (٢) إليها، فقام على الباب فسلَّم، فقالت: بِيَبَا أنتَ وبِيَبَا (٣)
أبوك، فقال: أمِن حجارةٍ أنتِ أم من حديدٍ أنتِ أم من أي شيء أنت؟ أفتتْكِ زينبُ وأفتتْكِ أم المؤمنين فلم تقبلي فتياهما، فقالت: يا أبا عبد الرحمن جعلني الله فداك، إنها قالت: كلُّ مملوك لها حرٌّ، وكل مالٍ لها هديٌ، وهي يهودية وهي نصرانية، فقال: يهودية ونصرانية! كفِّري عن يمينكِ، وخلِّي بين الرجل وبين امرأته.
стр. 1685
وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني في «المترجم» له (١): حدثنا صفوان بن صالح ثنا عمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي قال: حدثني جَسْر (٢) بن الحسن، قال: حدثني بكر بن عبد الله المزني قال: حدثني رُفيع قال: كنت أنا وامرأتي مملوكينِ لامرأة من الأنصار، فحلفَتْ بالهدي والعتاقة أن تفرِّق بيننا، فأتيتُ امرأة من أزواج النبي ﷺ ، فذكرتُ لها ذلك، فأرسلتْ إليها أن كفِّري يمينَك، فأبَتْ، ثم أتيت زينب ابنة أم سلمة (٣)، فذكرت لها ذلك (٤)، فأرسلتْ إليها أن كفِّري يمينك، فأبَتْ (٥). فأتيتُ ابن عمر، فذكرت ذلك له، فأرسل إليها: أن كفِّري يمينك، فأبَتْ، فقام ابن عمر فأتاها فقال: أرسلتْ إليك فلانةُ زوج النبي ﷺ وزينبُ أن تكفِّري يمينك فأبيتِ، قالت: يا أبا عبد الرحمن إني حلفتُ بالهدي والعتاقة، قال: وإن كنتِ قد حلفتِ (٦).
وقال الدارقطني (٧): ثنا أبو بكر النيسابوري ثنا محمد بن يحيى بن
стр. 1686
عبد الله الأنصاري ثنا أشعث ثنا بكر بن عبد الله المزني عن أبي رافع أن [١٩/ب] مولاةً له أرادت أن تفرِّق بينه وبين امرأته فقالت: هي يومًا يهودية ويومًا نصرانية وكل مملوكٍ لها حرّ إن لم تفرِّق بينهما، فسألت عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة ﵃، فكلهم قال لها: أتريدين أن تكوني (١) مثل هاروت وماروت؟ فأمروها أن تكفِّر عن يمينها وتخلِّي بينهما.
وقد رواه البيهقي (٢) من طريق الأنصاري: ثنا أشعث ثنا بكر عن أبي رافع أن مولاته أرادت أن تفرِّق بينه وبين امرأته، فقالت: هي يومًا يهودية ويومًا نصرانية، وكل مملوكٍ لها حرّ، وكل مالٍ لها في سبيل الله، وعليها المشي إلى بيت الله إن لم تُفرِّق بينهما، فسألت عائشةَ وابن عمر وابن عباس وحفصة وأم سلمة، فكلهم قال لها: أتريدين أن تكوني مثل هاروت وماروت؟ وأمروها أن تكفّر عن يمينها وتخلّي بينهما. رواه رَوْح و (٣) الأنصاري واللفظ له، وحديث رَوْح مختصر. وقال النضْر بن شُمَيل: أنا أشعث عن بكر بن عبد الله عن أبي رافع عن ابن عمر وعائشة وأم سلمة في هذه القصة قالوا: تكفّر يمينَها.
وقال يحيى بن سعيد القطّان (٤) عن سليمان التيمي ثنا بكر بن عبد الله عن أبي رافع أن ليلى بنت العَجْماء مولاتَه قالت: هي يهودية وهي نصرانية، وكل مملوك لها محرر، وكل مالٍ لها هَدْيٌ، إن لم يُطلِّق امرأتَه إن لم تفرِّق
стр. 1687
بينكما، فذكر القصة، وقال: فأتيتُ ابن عمر فجاء معي فقام بالباب، فلما سلّم قالت: بأبي أنت وأبوك، قال (١): أمن حجارةٍ أنتِ أم من حديدٍ؟ أتَتْكِ زينبُ وأرسلتْ إليكِ حفصة! قالت: قد حلفتُ بكذا وكذا، قال: كفِّري عن يمينك وخلِّي بين الرجل وامرأته.
فقد تبيَّن بسياق هذه الطرق انتفاءُ العلة التي أُعِلّ بها حديث ليلى هذا، وهي تفرُّد التيمي فيه بذكر العتق، كذا قال الإمام أحمد: «لم يقل: وكل مملوكٍ لها حرٌّ، إلا التيمي»، وبرئ التيمي من عُهدة التفرد، وقاعدة الإمام أحمد أن ما أفتى به الصحابة لا يُخرَج عنه إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه؛ فعلى أصله الذي بنى مذهبه عليه يلزمه القولُ بهذا الأثر لصحته وانتفاء علته.
فإن قيل: للحديث علة أخرى، وهي التي منعت الإمام أحمد من القول به، وقد أشار إليها في رواية الأثرم، فقال الأثرم (٢): سمعت أبا عبد الله يقول في حديث ليلى بنت العجماء حين حلفتْ بكذا وكذا وكلّ مملوكٍ لها حرٌّ، فأُفتِيَتْ بكفارة يمين، فاحتج بحديث ابن عمر وابن عباس حين أفتيا فيمن حلف بعتق جاريته وأيمانٍ، فقال (٣): أما الجارية فتعتق.
قلت: يريد به (٤) ما رواه معمر عن إسماعيل بن أمية عن عثمان بن أبي حاضر، قال: حلفتْ امرأة من آل ذي أَصْبَح فقالت: مالُها في سبيل الله
стр. 1688
وجاريتها حرة إن لم تفعل كذا وكذا، لشيء يكرهه زوجها، فحلف زوجها أن لا يفعله، فسُئل عن ذلك ابن عباس وابن عمر، فقالا: أما الجارية فتعتق، وأما [٢٠/أ] قولها: «مالي في سبيل الله» فتتصدق بزكاة مالها (١).
فقيل (٢): لا ريبَ أنه قد روي عن ابن عمر وابن عباس ذلك، ولكنه أثر معلول تفرَّد به عثمان هذا، وحديث ليلى بنت العجماء أشهر إسنادًا وأصحُّ من حديث عثمان، فإن رواته حفّاظ أئمة، وقد خالفوا عثمان. وأما ابن عباس فقد روي عنه خلاف ما رواه عثمان فيمن حلف بصدقة ماله، قال: يكفِّر يمينه (٣). وغاية هذا الأثر إن صح أن يكون عن ابن عمر روايتان، ولم يختلف على عائشة وزينب وحفصة وأم سلمة. قال أبو محمد ابن حزم (٤): وصح عن ابن عمر وعائشة وأم سلمة أمي المؤمنين وعن ابن عمر أنهم جعلوا في قول ليلى بنت العجماء: «كل مملوك لها حرّ، وكل مال لها هدي، وهي يهودية ونصرانية إن لم تطلق امرأتك» كفارة يمين واحدة.
فإذا صحّ هذا عن الصحابة، ولم يُعلَم لهم مخالف ــ سوى هذا الأثر المعلول أثرِ عثمان بن حاضر (٥) ــ في قول الحالف: عبدُه حرٌّ إن فعل، أنه
стр. 1689
يُجزئه كفارة يمين، ولم يُلزِموه بالعتق المحبوب إلى الله، فأن لا يُلزِموه بالطلاق البغيض إلى الله أولى وأحرى. كيف وقد أفتى علي بن أبي طالب الحالفَ بالطلاق أنه لا شيء عليه، ولم يُعرَف له في الصحابة مخالف؟
قال عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن علي التيمي (١) المعروف بابن بَزِيزة في «شرحه لأحكام عبد الحق» (٢): الباب الثالث في حكم اليمين بالطلاق أو الشك فيه، وقد قدَّمنا في كتاب الأيمان اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق والعتق والمشي وغير ذلك: هل يلزم أم لا؟ فقال علي بن أبي طالب وشُريح وطاوس: لا يلزم من ذلك شيء، ولا يُقضَى بالطلاق على من حلف به بحنث (٣)، ولا يُعرف لعلي في ذلك مخالف من الصحابة. هذا لفظه بعينه.
فهذه فتوى أصحاب رسول الله ﷺ في الحلف بالعتق والطلاق، وقد قدّمنا فتاويهم في وقوع الطلاق المعلَّق بالشرط، ولا تعارضَ بين ذلك؛ فإن الحالف لم يقصد وقوعَ الطلاق، وإنما قصد منْعَ نفسه بالحلف بما لا يريد وقوعه، فهو كما لو خصَّ منْعَ نفسه بالتزام التطليق والإعتاق والحج والصوم وصدقة المال، وكما لو قصد منْعَ نفسه بالتزام ما يكرهه من الكفر، فإن كراهته لذلك كله وإخراجه مُخْرَجَ اليمين بما لا يريد وقوعه منَعَ من ثبوت حكمه. وهذه علة صحيحة فيجب طردها في الحلف بالعتق والطلاق إذ لا
стр. 1690
فرقَ البتةَ، والعلة متى تخصَّصت بدون فوات شرط أو وجود مانع دلَّ ذلك على فسادها، كيف والمعنى الذي منعَ لزومَ الحج والصدقة والصوم بل لزومَ الإعتاق والتطليق بل لزومَ اليهودية والنصرانية هو في الحلف بالطلاق أولى؟
أما العبادات المالية والبدنية فإذا منعَ لزومَها قصد اليمين وعدم قصد وقوعها [٢٠/ب] فالطلاق أولى، فكل ما يقال في الطلاق فهو بعينه في صور الإلزام سواء بسواء. وأما الحلف بإلزام التطليق والإعتاق فإذا كان قصدُ اليمين قد منعَ ثلاثة أشياء ــ وهي وجوب التطليق وفعله وحصول أثره وهو الطلاق ــ فلَأن يَقوى على منع واحدٍ من الثلاثة وهو وقوع الطلاق وحده أولى وأحرى. وأما الحلف بالتزام الكفر الذي يحصل بالنية تارة وبالفعل تارة وبالقول تارة وبالشك تارة ومع هذا فقصدُ اليمين منَعَ من وقوعه، فلَأن يمنع من وقوع الطلاق أولى وأحرى. وإذا كان العتق الذي هو أحبُّ الأشياء إلى الله، ويسري في ملك الغير، وله من القوة وسرعة النفوذ ما ليس لغيره، ويحصل بالملك والفعل، قد منَعَ قصدَ اليمين من وقوعه كما أفتى به الصحابة= فالطلاق أولى وأحرى بعدم الوقوع. وإذا كانت اليمين بالطلاق قد دخلت في قول المكلَّف: «أيمانُ المسلمين تَلزمني» عند من ألزمه بالطلاق، فدخولها في قول رب العالمين: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] أولى وأحرى. وإذا دخلت في قول الحالف: «إن حلفتُ يمينًا فعبدي حرٌّ»، فدخولها في قول رسول الله ﷺ : «من حلفَ على يمينٍ فرأى غيرَها خيرًا منها، فليكفِّر عن يمينه ولْيأتِ الذي هو خير» (١) أولى وأحرى.
стр. 1691
وإذا دخلت في قول النبي ﷺ : «من حلفَ فقال إن شاء الله، فإن شاء فعل وإن شاء ترك» (١)،
فدخولها في قوله: «من حلفَ على يمينٍ فرأى غيرَها خيرًا منها فليأتِ الذي هو خير وليكفِّر عن يمينه» [أولى وأحرى] (٢)، فإن الحديث أصح وأصرحُ. وإذا دخلت في قوله: «من حلفَ على يمينٍ فاجرةٍ يقتطعُ بها مالَ امرئ مسلم لقيَ الله وهو عليه غضبانُ» (٣)، فدخولها في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] أولى بالدخول أو مثله. وإذا دخلت في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] فلو حلف بالطلاق كان مُولِيًا، فدخولها في نصوص الأيمان أولى وأحرى، لأن الإيلاء نوع من اليمين؛ فإذا دخل الحلفُ (٤) بالطلاق في النوع فدخوله في الجنس سابق عليه، فإن النوع مستلزمٌ الجنسَ ولا ينعكس. وإذا دخلت في قوله: «يمينُك على ما يُصدِّقك به صاحبُك» (٥)، فكيف لا تدخل في بقية نصوص الأيمان؟ وما الذي أوجب هذا التخصيصَ من غير مخصِّص؟ وإذا
стр. 1692
دخلت في قوله: «إياكم وكثرةَ الحَلف في البيع، فإنه يُنفِّق ثم يَمْحَق» (١)، فهلّا دخلت في غيره من نصوص اليمين؟ وما الفرق المؤثِّر شرعًا أو عقلًا أو لغةً؟ وإذا دخلت في قوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ فهلّا دخلت في قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]؟ وإذا دخلت في قول الحالف «أيمانُ البيعةَ تَلزمُني» وهي [٢١/أ] الأيمان التي رتّبها الحَجَّاج، فلِمَ لا تكون أولى بالدخول في لفظ الأيمان في كلام الله تعالى ورسوله؟
فإن كانت (٢) يمينُ الطلاق يمينًا شرعيةً بمعنى أن الشرع اعتبرها وجب أن تُعطَى حكمَ الأيمان، وإن لم تكن يمينًا شرعيةً كانت باطلة في الشرع، فلا يَلزم الحالفَ بها شيءٌ، كما صحّ عن طاوس، من رواية عبد الرزاق (٣) عن معمر عن ابن طاوس عنه: ليس الحلف بالطلاق شيئًا. وصحّ عن عكرمة من رواية سُنيد بن داود في «تفسيره» عنه: أنها من خطوات الشيطان لا يلزم بها شيء (٤). وصحّ عن شُريح (٥) قاضي علي وابن مسعود أنها لا يلزم بها طلاق.
стр. 1693
وهو مذهب داود بن علي وجميع أصحابه، وهو قول بعض أصحاب مالك في بعض الصور فيما إذا حلف عليها بالطلاق على شيء لا تفعله هي، كقوله: إن كلَّمتِ فلانًا فأنتِ طالق، فقال: لا تُطلَّق إن كلّمتْه؛ لأن الطلاق لا يكون بيدها إن شاءت طلَّقتْ وإن شاءت أمسكتْ، وهو قول بعض الشافعية في بعض الصور، كقوله: الطلاق يَلزمُني أو لازمٌ لي لا أفعل كذا وكذا، فإن لهم فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه إن نوى وقوع الطلاق بذلك لزمه، وإلا فلا يلزمه، وجعله هؤلاء كناية، والطلاق يقع بالكناية مع النية.
الوجه الثاني: أنه صريح، فلا يحتاج إلى نيةٍ، وهذا اختيار الرُّوياني، ووجهه أن هذا اللفظ قد غلب في إرادة الطلاق فلا يحتاج إلى نية.
الوجه الثالث: أنه ليس بصريح ولا كناية، ولا يقع به طلاق وإن نواه، وهذا اختيار القفّال في «فتاويه». ووجهه أن الطلاق لا بدَّ فيه من إضافته إلى المرأة، كقوله: أنتِ طالق، أو طلّقتكِ، أو قد طلّقتكِ، أو يقول: امرأتي طالق، أو فلانة طالق، ونحو هذا، ولم توجد هذه الإضافة في قوله: الطلاق يلزمني. ولهذا قال ابن عباس فيمن قال لامرأته: طلِّقي نفسكِ، فقالت: أنتَ طالق، فإنه لا يقع بذلك طلاق، وقال: خَطَّأ الله نَوْءَها (١)، وتبعه على ذلك الأئمة. فإذا قال «الطلاق يلزمني» لم يكن لازمًا له إلا أن يُضِيفه إلى محلِّه، ولم
стр. 1694
يُضِفْه فلا يقع. والمُوقِعون يقولون: إذا التزمه فقد لزمه، ومن ضرورة لزومه إضافتُه إلى المحلّ، فجاءت الإضافة من ضرورة اللزوم.
ولِمن نصرَ قول القفّال أن يقول: إما أن يكون قائل هذا اللفظ قد التزم التطليقَ أو وقوعَ الطلاق الذي هو أثره، فإن كان الأول لم يلزمه لأنه نذرَ أن يطلِّق، ولا تُطلَّق المرأة بذلك، وإن كان قد التزم الوقوع فالتزامه بدون سبب الوقوع ممتنع، وقوله: «الطلاق يلزمني» التزامٌ لحكمه عند وقوع سببه، وهذا حق، فأين في هذا اللفظ وجود سبب الطلاق؟ وقوله: «الطلاق يَلزمني» لا يصلح أن يكون سببًا؛ إذ لم يُضِف فيه الطلاق إلى محلِّه، فهو كما لو قال: «العتق يَلزمني»، ولم يُضِف فيه العتق إلى محلّه بوجه. ونظير هذا أن يقول له: بِعْني أو آجِرْني، فيقول: البيع يلزمني، أو الإجارة [٢١/ب] تلزمني، فإنه لا يكون بذلك موجبًا لعقد البيع والإجارة، حتى يُضِيفهما إلى محلّهما. وكذلك لو قال: «الظهار يلزمني» لم يكن بذلك مظاهرًا حتى يُضيفه إلى محلّه. وهذا بخلاف ما لو قال: «الصوم يلزمني، أو الحج، أو الصدقة» فإن محلّه الذمة، وقد أضافه إليها.
فإن قيل: وههنا محلُّ الطلاق والعتاق الذمةُ.
قيل: هذا غلط، بل محلُّ الطلاق والعتاق نفسُ الزوجة والعبد، وإنما الذمة محلُّ وجوب ذلك وهو التطليق والإعتاق، وحينئذٍ فيعود الالتزام إلى التطليق والإعتاق، وذلك لا يوجب الوقوع. والذي يوضح هذا أنه لو قال: «أنا منكِ طالق» لم تُطلَّق بذلك، لإضافة الطلاق إلى غير محلّه، وقيل: تَطلُق إذا نوى طلاقها هي بذلك، تنزيلًا لهذا اللفظ منزلة الكنايات، فهذا كشف سرِّ هذه المسألة.
стр. 1695
وممن ذكر هذه الأوجه الثلاثة أبو القاسم ابن يونس (١) في «شرح التنبيه»، وأكثر أيمان الطلاق بهذه الصيغة، فكيف يحلُّ لمن يؤمن بأنه موقوف بين يدي الله ومسؤول أن يكفِّر أو يجهِّل من يفتي بهذه المسألة، ويسعى في قتله وحَبْسه، ويلبِّس على الملوك والأمراء والعامة أن المسألة مسألة إجماع، ولم يخالف فيها أحد من المسلمين، وهذه أقوال أئمة المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم؟ وقد علم الله ورسوله وملائكته وعباده أن هذه المسألة لم تُردَّ بغير الشكاوى إلى الملوك ودعوى الإجماع الكاذب، والله المستعان، وهو عند لسان كل قائل: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥].
فصل
وهذا الذي قلناه من اعتبار النيات والمقاصد في الألفاظ، وأنها لا تلزم بها أحكامها حتى يكون المتكلم بها قاصدًا لها مريدًا لموجباتها، كما أنه لا بدّ أن يكون قاصدًا للتكلّم باللفظ مريدًا له، فلا بدَّ من إرادتين: إرادة التكلم باللفظ اختيارًا، وإرادة موجبه ومقتضاه، بل إرادة المعنى آكدُ من إرادة اللفظ؛ فإنه المقصود، واللفظ وسيلة، هو قول أئمة الفتوى من علماء الإسلام.
قال مالك وأحمد فيمن قال «أنت طالق البتةَ» وهو يريد أن يحلِف على
стр. 1696
شيء، ثم بدا له فترك اليمينَ: لا يلزمه شيء؛ لأنه لم يُرِد أن يطلّقها. وكذلك قال أصحاب أحمد. وقال أبو حنيفة: لو أراد أن يقول كلامًا فسبق لسانه فقال «أنتِ حرّة» لم تكن بذلك حرة. وقال أصحاب أحمد: لو قال الأعجمي لامرأته «أنت طالق» وهو لا يفهم معنى هذه اللفظة لم تَطلُق؛ لأنه ليس مختارًا للطلاق، فلم يقع طلاقه كالمُكْره. قالوا: فلو نوى موجَبَه عند أهل العربية لم يقع أيضًا؛ لأنه لا يصح منه اختيارُ ما لا يعلمه. وكذلك لو نطق بكلمة الكفر من لا يعلم معناها لم يكفر.
وفي «مصنَّف وكيع»: أن عمر بن الخطاب قضى في امرأة قالت لزوجها سَمِّني فسمّاها الظبية، فقالت: لا، فقال لها: ما تريدين أن أسمِّيكِ؟ [٢٢/أ] قالت: سَمِّني خَليَّة طالق، قال لها: فأنتِ خليّة طالق، فأتت عمر بن الخطاب، فقالت: إن زوجي طلَّقني، فجاء زوجها فقصَّ عليه القصة، فأوجع عمر بن الخطاب رأسها، وقال لزوجها: خُذْ بيدها وأوجع رأسها (١).
وهذا هو الفقه الحي الذي يدخل على القلوب بغير استئذان، وإن تلفَّظ بصريح الطلاق. وقد تقدّم أن الذي قال لما وجد راحلته: «اللهم أنتَ عبدي وأنا ربك»، أخطأ من شدة الفرح (٢)؛ لم يكفُر بذلك وإن أتى بصريح الكفر؛ لكونه لم يُرِده، والمُكرَه على كلمة الكفر أتى بصريح كلمته ولم يكفر لعدم إرادته، بخلاف المستهزئ والهازل؛ فإنه يلزمه الطلاق والكفر وإن كان هازلًا، لأنه قاصد للتكلم باللفظ، وهزلُه لا يكون عذرًا له، بخلاف المكره والمخطئ والناسي فإنه معذور،
стр. 1697
مأمور بما يقوله أو مأذون له فيه، والهازل غير مأذونٍ له في الهزل بكلمة الكفر والعقود؛ فهو متكلم باللفظ مريدٌ له، ولم يصرِفه عن معناه إكراه ولا خطأ ولا نسيان ولا جهل. والهزل لم يجعله الله ورسوله عذرًا صارفًا، بل صاحبه أحقُّ بالعقوبة. ألا ترى أن الله سبحانه عَذَرَ المكره في تكلُّمه بكلمة الكفر إذا كان قلبه مطمئنًّا بالإيمان، ولم يَعذِر الهازل بل قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]، وكذلك رفع المؤاخذة عن المخطئ والناسي.
فصل
ومن ذلك أنه لو قال: «أنت طالق»، وقال: أردتُ إن كلمتِ رجلًا أو خرجتِ من داري، لم يقع به الطلاق في أحد الوجهين لأصحاب أحمد والشافعي. وكذلك لو قال: أردتُ (١) إن شاء الله، ففيه وجهان لهم. ونصَّ الشافعي فيما لو قال: «إن كلمتِ زيدًا فأنتِ طالق» ثم قال: أردتُ به إلى شهر، فكلَّمتْه (٢) بعد شهر، لم تطلَّق باطنًا. ولا فرقَ بين هذه الصورة والصورتين اللتين قبلها، فإن التقييد بالغاية المنوية كالتقييد بالمشيئة المنوية، وهو أولى بالجواز من تخصيص العام بالنية، كما إذا قال: «نسائي طوالق» واستثنى بقلبه واحدة منهن، فإنه إذا صح الاستثناء بالنية في إخراج ما تناولَه اللفظ صحّ التقييد بالنية بطريق الأولى؛ فإن اللفظ لا دلالة له بوضعه على
стр. 1698
عموم الأحوال والأزمان، ولو دلّ عليها بعمومه فإخراج بعضها تخصيص للعام، وهذا ظاهر جدًّا، وغايته استعمال العام في الخاص أو المطلق في المقيّد، وذلك غير بِدْعٍ لغةً وشرعًا وعرفًا، وقد قال النبي ﷺ : «أما معاوية فصُعلوكٌ لا مالَ له، وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» (١)، فالصواب قبول مثل هذا فيما بينه وبين الله وفي الحكم أيضًا.
فصل
قد عُرِف أن الحلف بالطلاق له صيغتان؛ إحداهما: إن فعلتُ كذا فأنتِ طالق، والثانية: الطلاق يلزمني لا أفعل كذا، وأن الخلاف في الصيغتين قديمًا وحديثًا. وهكذا [٢٢/ب] الحلف بالحرام له صيغتان؛ إحداهما: إن فعلتُ كذا فأنتِ عليَّ حرام، أو ما أحلَّ الله عليَّ حرام، والثانية: الحرام يلزمني لا أفعلُ كذا، فمن قال في «الطلاق يلزمني» إنه ليس بصريح ولا كناية ولا يقع به شيء، ففي قوله: «الحرام يلزمني» أولى، ومن قال: إنه كناية إن نوى به الطلاق كان طلاقًا وإلّا فلا، فهكذا يقول في «الحرام يلزمني»: إن نوى به التحريم كان كما لو نوى بالطلاق التطليقَ (٢)، فكأنه التزم أن يحرِّم كما التزم ذاك أن يطلِّق؛ فهذا التزامٌ للتحريم وذاك التزام للتطليق. وإن نوى به ما حرَّم الله عليَّ يلزمني تحريمه= لم يكن يمينًا ولا تحريمًا ولا طلاقًا ولا ظهارًا.
ولا يجوز أن يفرَّق بين المسلم وبين امرأته بغير لفظٍ لم يوضع للطلاق ولا نواه، وتلزمه كفارةُ يمينٍ حرمةً لشدة اليمين؛ إذ ليست كالحلف بالمخلوق التي لا تنعقد ولا هي من لغو اليمين، وهي يمينٌ منعقدة ففيها
стр. 1699
كفارة يمين. وبهذا أفتى ابن عباس ورفعه إلى النبي ﷺ ؛ فصحَّ عنه بأصح إسنادٍ: الحرام يمينٌ يكفِّرها، ثم قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] (١). وهكذا حكم قوله: «إن فعلت كذا فأنتِ عليَّ حرام»، وهذا أولى بكفارة يمينٍ من قوله: «أنتِ عليَّ حرام».
وفي قوله: «أنتِ عليَّ حرام» أو «ما أحلّ الله عليّ حرام» أو «أنتِ (٢) عليَّ حرام كالميتة والدم ولحم الخنزير» مذاهب (٣):
أحدها: أنه لغو وباطل لا يترتَّب عليه شيء، وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس، وبه قال مسروق وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعطاء والشعبي (٤) وداود وجميع أهل الظاهر وأكثر أصحاب الحديث، وهو أحد قولَي المالكية اختاره أصبغ بن الفرج.
وفي «الصحيح» (٥) عن سعيد بن جبير أنه سمع ابن عباس يقول: إذا حرَّم امرأته فليس بشيء، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. وصح عن مسروق: ما أبالي أحرَّمتُ امرأتي أو قصعةً من ثريد (٦). وصح عن الشعبي
стр. 1700
في تحريم المرأة: لهو أهونُ عليَّ من نعلي (١). وقال أبو سلمة: ما أبالي أحرَّمتُ امرأتي أو حرَّمتُ ماء النهر (٢). وقال حجّاج بن مِنهال (٣): إن رجلًا جعل امرأته عليه حرامًا، فسأل عن ذلك حميد بن عبد الرحمن، فقال له حميد: قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨]، وأنت رجل تلعب، فاذهبْ فالْعَبْ (٤).
فصل
المذهب الثاني: أنها ثلاث تطليقات، وهو قول علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن عمر والحسن البصري ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٥)، وقضى فيها عليٌّ بالثلاث في عديّ بن قيس الكِلابي، وقال له: والذي نفسي بيده لئن مَسِسْتَها قبل أن تتزوَّج غيرك لأرجمنَّك (٦). وحجة
стр. 1701
هذا القول أنها لا تحرم عليه إلا بالثلاث، فكان وقوع الثلاث من ضرورة كونها حرامًا عليه.
المذهب الثالث: أنها بهذا القول حرام عليه، صحّ أيضًا عن أبي هريرة والحسن وخِلاس بن عمرو وجابر بن زيد وقتادة، ولم يذكر هؤلاء طلاقًا، بل أمروه باجتنابها [٢٣/أ] فقط (١). وصحّ ذلك أيضًا عن علي (٢)، فإما أن يكون عنه روايتان، أو يكون أراد تحريم الثلاث.
وحجة هذا القول أن لفظه إنما اقتضى التحريم ولم يتعرض لعدد الطلاق؛ فحرمت عليه بمقتضى تحريمه.
المذهب الرابع: الوقف فيها، صح ذلك عن عليّ أيضًا، وهو قول الشعبي، قال: يقول رجال في «الحلال حرام» إنها حرام حتى تنكح زوجًا غيره، وينسبونه إلى علي، واللهِ ما قال ذلك عليّ، إنما قال: ما أنا بمُحِلّها ولا بمُحَرِّمها عليك، إن شئتَ فتقدَّمْ وإن شئتَ فتأخَّرْ (٣).
وحجة هؤلاء أن التحريم ليس بطلاق، وهو لا يملك تحريم الحلال، إنما يملك إنشاء السبب الذي يحرم به وهو الطلاق، وهذا ليس بصريح في الطلاق، ولا هو مما ثبت له عُرف الشرع في تحريم الزوجة، فاشتبه الأمر فيه.
المذهب الخامس: إن نوى به الطلاق فهو طلاق، وإلا فهو يمين، وهذا
стр. 1702
قول طاوس والزهري والشافعي ورواية عن الحسن (١).
وحجة هذا القول أنه كناية في الطلاق، فإن نواه به كان طلاقًا، وإن لم ينوِه كان يمينًا، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢].
المذهب السادس: أنه إن نوى بها الثلاث فثلاث، وإن نوى واحدةً فواحدة بائنة، وإن نوى يمينًا فهو يمين، وإن لم ينوِ شيئًا فهي كذبة لا شيء فيها. قاله سفيان (٢)، وحكاه النخعي عن أصحابه (٣).
وحجة هذا القول أن اللفظ يحتمل لما نواه من ذلك، فيتبع نيته.
المذهب السابع: مثل هذا، إلا أنه إن لم ينوِ شيئًا فهي يمينٌ يكفِّرها، وهو قول الأوزاعي (٤).
وحجة هذا القول ظاهر قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، فإذا نوى به الطلاق لم يكن يمينًا، وإذا أطلق (٥) ولم ينو الطلاق كان يمينًا.
стр. 1703
المذهب الثامن: مثل هذا أيضًا، إلا أنه إن لم ينوِ شيئًا فواحدة بائنة إعمالًا للفظ التحريم.
المذهب التاسع: أن فيه كفارة الظهار، صح ذلك (١) عن ابن عباس أيضًا وأبي قلابة وسعيد بن جبير ووهب بن منبِّه وعثمان البَتّي (٢)، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد.
وحجة هذا القول أن الله سبحانه جعل تشبيه المرأة بأمه المحرمة عليه (٣) ظهارًا، وجعله منكرًا من القول وزورًا، فإذا كان التشبيه بالمحرَّمة يجعله مظاهِرًا فإذا صرَّح بتحريمها كان أولى بالظهار.
وهذا أقيسُ الأقوال وأفقهها، ويؤيّده أن الله لم يجعل للمكلّف التحريم والتحليل، وإنما ذلك إليه سبحانه، وإنما جعل له مباشرة الأفعال والأقوال التي يترتّب عليها التحريم والتحليل، فالسبب إلى العبد، وحكمه إلى الله؛ فإذا قال «أنتِ عليّ كظهر أمي» أو قال «أنتِ عليّ حرام» فقد قال المنكر من القول والزور وكذَبَ، فإن الله لم يجعلها كظهر أمه، ولا جعلها عليه حرامًا، فأوجب عليه بهذا القول من المنكر والزور أغلظَ الكفارتينِ، وهي كفارة الظهار.
[٢٣/ب] المذهب العاشر: أنها تطليقة واحدة، وهو إحدى الروايتين
стр. 1704
عن عمر بن الخطاب (١)، وقول حماد بن أبي سليمان (٢) شيخ أبي حنيفة.
وحجة هذا القول أن مطلق التحريم لا يقتضي التحريم بالثلاث، بل يصدُق بأقله، والواحدة متيقنة؛ فحُمِل اللفظ عليها لأنها اليقين؛ فهو نظير التحريم بانقضاء العدة.
المذهب الحادي عشر: أنه يُنوَّى (٣) ما أراده من ذلك في إرادة أصل الطلاق وعدده، وإن نوى تحريمًا بغير طلاق فيمينٌ مكفّرة، وهو قول الشافعي.
وحجة هذا القول أن اللفظ صالح لذلك كله؛ فلا يتعين واحد منها إلا بالنية، فإن نوى تحريمًا مجرّدًا كان امتناعًا منها بالتحريم كامتناعه باليمين، ولا تحرم عليه في الموضعين.
المذهب الثاني عشر: أنه يُنوَّى أيضًا في أصل الطلاق وعدده، إلا أنه إن نوى واحدة كانت بائنة، وإن لم ينوِ طلاقًا فهو مُولٍ، وإن نوى الكذب فليس بشيء، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
وحجة هذا القول احتمال اللفظ لما ذكره، إلا أنه إن نوى واحدة كانت بائنة؛ لاقتضاء التحريم للبينونة وهي صغرى وكبرى، والصغرى هي المتحققة فاعتُبِرت دون الكبرى، وعنه رواية أخرى: إن نوى الكذب دُيِّنَ ولم يُقبَل في الحكم، بل يكون مُوليًا، ولا يكون ظهارًا عنده نواه أو لم ينوِه،
стр. 1705
ولو صرَّح به فقال «أعني به الظهار» لم يكن مظاهرًا.
المذهب الثالث عشر: أنه يمين يكفِّره ما يكفِّر اليمين على كل حال، صح ذلك أيضًا عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن عباس وعائشة وزيد بن ثابت وابن مسعود وعبد الله بن عمر وعكرمة وعطاء ومكحول وقتادة والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وجابر بن زيد وسعيد بن جبير ونافع والأوزاعي وأبي ثور وخلق سواهم (١).
وحجة هذا القول ظاهر القرآن؛ فإن الله سبحانه ذكر فرضَ تحلَّةِ الأيمان عَقيبَ تحريم الحلال، فلا بدّ أن يتناوله يقينًا؛ فلا يجوز جعلُ تحلَّة الأيمان لغير المذكور قبلها ويُخرج المذكور عن حكم التحلّة التي قُصِد ذكرها لأجله.
المذهب الرابع عشر: أنه يمين مغلَّظة يتعين فيها عتق رقبة، صح ذلك أيضًا عن ابن عباس وأبي بكر وعمر وابن مسعود وجماعة من التابعين (٢).
وحجة هذا القول أنه لما كان يمينًا مغلَّظة غلِّظت كفارتها بتحتُّمِ العتق، ووجه تغليظها تضمُّنها تحريمَ ما أحلّ الله وليس إلى العبد، وقول المنكر والزور إن أراد الخبر فهو كاذب في إخباره مُعتدٍ في إقسامه؛ فغلِّظت كفارته بتحتُّم العتق كما غلِّظت كفارة الظهار به أو بصيام شهرين أو إطعامِ ستين مسكينًا.
المذهب الخامس عشر: أنه طلاق، ثم إنها إن كانت غير مدخول بها
стр. 1706
فهو ما نواه من الواحدة وما فوقها، وإن كانت مدخولًا بها فهو ثلاث، وإن نوى [٢٤/أ] أقلَّ منها، وهو إحدى الروايتين عن مالك.
وحجة هذا القول أن اللفظ لما اقتضى التحريم وجب أن يُرتَّب عليه حكمه، وغير المدخول بها تحرم بواحدة، والمدخول بها لا تحرم إلا بالثلاث.
وبعدُ ففي مذهب مالك خمسة أقوال:
هذا أحدها، وهو مشهورها.
والثاني: أنه ثلاث بكل حالٍ، نوى الثلاثَ أو لم ينوِها، اختارهُ عبد الملك في «مبسوطه».
الثالث: أنه واحدة بائنة مطلقا، حكاه ابن خُواز مَنْداد رواية عن مالك.
الرابع: أنه واحدة رجعية، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة.
الخامس: أنه ما نواه من ذلك مطلقًا، سواء قبل الدخول وبعده.
وقد عرفتَ توجيه هذه الأقوال.
فصل
وأما تحرير مذهب الشافعي فإنه إن نوى به الظهار كان ظهارًا، وإن نوى التحريم كان تحريمًا لا يترتب عليه إلا تقدم الكفارة، وإن نوى الطلاق كان طلاقًا وكان ما نواه. وإن أطلق فلأصحابه فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه صريح في إيجاب الكفارة.
والثاني: لا يتعلق به شيء
стр. 1707
والثالث: أنه في حق الأمة صريح في التحريم الموجب للكفارة وفي حق الحرَّة كناية. قالوا: لأن أصل الآية إنما وردَ في الأمة. قالوا: فلو قال «أنتِ عليَّ حرام» وقال «أردتُ به الظهار والطلاق» فقال ابن الحدّاد: يقال له عيِّنْ أحد الأمرين؛ لأن اللفظة الواحدة لا تصلُح للظهار والطلاق معًا، وقيل: يلزمه ما بدأ به منهما. قالوا: ولو ادعى رجل على رجل حقًّا فأنكره فقال «الحِلُّ عليك حرام، والنية نيتي لا نيتك، ما لي عليك شيء»، فقال: «الحِلُّ عليَّ حرام والنية في ذلك نيتك، ما لَكَ عندي شيء» = كانت النية نية الحالف لا المحلّف؛ لأن النية إنما تكون ممن إليه الإيقاع.
فصل
وأما تحرير مذهب الإمام أحمد فهو أنه ظهار بمطلقه وإن لم ينوِه، إلا أن ينوي به الطلاق أو اليمين فيلزمه ما نواه، وعنه رواية ثانية أنه يمين بمطلقه إلا أن ينوي به الطلاق أو الظهار فيلزمه ما نواه، وعنه رواية ثالثة أنه ظهار بكل حال، ولو نوى به الطلاق أو اليمين لم يكن يمينًا ولا طلاقًا، كما لو نوى الطلاق واليمين بقوله «أنتِ عليَّ كظهر أمي» فإن اللفظين صريحان في الظهار، فعلى هذه الرواية لو وصلَه بقوله «أعني به الطلاق» فهل يكون طلاقًا أو ظهارًا؟ على روايتين: إحداهما: يكون ظهارًا كما لو قال «أنتِ عليّ كظهر أمي أعني به الطلاق أو التحريم»؛ إذ (١) التحريم صريح في الظهار. والثانية أنه طلاق لأنه قد صرَّح بإرادته بلفظ يحتمله، وغايته أنه كناية فيه. فعلى هذه الرواية إن قال «أعني به طلاقًا» طلقت واحدة، وإن قال «أعني به الطلاق» فهل تطلَّق ثلاثًا أو واحدة؟ على روايتين، مأخذُهما حمل اللام على الجنس
стр. 1708
أو العموم، هذا تحرير مذهبه وتقريره.
وفي المسألة [٢٤/ب] مذهب آخر وراء هذا كلِّه، وهو أنه إن أوقع التحريم كان ظهارًا ولو نوى به الطلاق، وإن حلف به كان يمينًا مكفَّرة، وهذا اختيار شيخ الإسلام (١)، وعليه يدلّ النص والقياس؛ فإنه إذا أوقعه كان قد أتى منكرًا من القول وزورًا، وكان أولى بكفارة الظهار ممن شبَّه امرأته بالمحرَّمة، وإذا حلف به كان يمينًا من الأيمان كما لو حلف بالتزام الإعتاق والحج والصدقة، وهذا محض القياس والفقه. ألا ترى أنه إذا قال: «لله عليَّ أن أُعتق أو أحج أو أصوم» لزِمه، ولو قال: «إن كلّمتُ فلانًا فللّه عليَّ ذلك» على وجه اليمين فهو يمين، وكذلك لو قال: «هو يهودي أو نصراني» كفَر بذلك، ولو قال: «إن فعلتُ كذا فهو يهودي أو نصراني» كان يمينًا، وطَرْدُ هذا ــ بل نظيره من كل وجه ــ أنه إذا قال: «أنتِ عليّ كظهر أمي» كان ظهارًا؛ فلو قال: «إن فعلت كذا فأنتِ عليّ كظهر أمي» كان يمينًا. وطردُ هذا أيضًا إذا قال: «أنتِ طالق» كان طلاقًا، وإن قال: «إن فعلت كذا فأنت طالق» كان يمينًا. فهذه هي الأصول الصحيحة المطردة المأخوذة من الكتاب والسنة والميزان، والله الموفِّق.
فصل
ومن هذه الالتزامات التي لم يُلزِم بها الله ولا رسوله لمن حلف بها: الأيمانُ التي رتّبها الفاجر الظالم الحجاج بن يوسف، وهي أيمان البيعة، وكانت البيعة على عهد رسول الله ﷺ بالمصافحة، وبيعة النساء بالكلام، وما
стр. 1709
مسَّتْ يده الكريمة ﷺ يد امرأة لا يملكها، فيقول لمن يبايعه: بايعتُك ــ أو أبايعك ــ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، كما في «الصحيحين» (١) عن ابن عمر: كنا نبايع رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، فيقول: «فيما استطعتَ».
وفي «صحيح مسلم» (٢) عن جابر: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة، فبايعناه وعمر آخذٌ بيده تحت الشجرة، بايعناه على أن لا نفرَّ، ولم نبايعه على الموت.
وفي «الصحيحين» (٣) عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أَثَرةٍ علينا، وعلى أن لا ننازع الأمرَ أهلَه، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم.
وفي «الصحيحين» (٤) أيضًا عن جُنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض، فقلنا: حدِّثنا ــ أصلحك الله ــ بحديث ينفع الله به سمعتَه من رسول الله ﷺ ، قال: دعانا رسول الله ﷺ فبايعناه، وكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعُسرنا ويُسرنا وأثرةٍ علينا، ولا ننازع الأمر أهله، قال: «إلا أن تروا كفرًا بَواحًا عندكم من الله فيه برهان».
стр. 1710
وفي «الصحيحين» (١) [٢٥/أ] عن عائشة ﵂ قالت: كان المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله ﷺ يمتحنهن بقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ إلى آخر الآية [الممتحنة: ١٢]. قالت عائشة: فمن أقرَّ بهذا من المؤمنات فقد أقرّ بالمحنة، وكان رسول الله ﷺ إذا أقررن بذلك من قولهن قال لهن رسول الله ﷺ : «انطلقن فقد بايعتكن». ولا والله ما مَسَّتْ يدَ رسول الله ﷺ يد امرأة قطُّ، غير أنه يبايعهن بالكلام. قالت عائشة: والله ما أخذ رسول الله ﷺ على النساء قطُّ إلا بما أمره الله، وما مسَّتْ كفُّ رسول الله ﷺ كفَّ امرأة قطُّ، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن: «قد بايعتُكن كلامًا».
فهذه هي البيعة النبوية التي قال الله فيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]، وقال فيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨].
فأحدث الحجاج في الإسلام بيعةً غير هذه تتضمن اليمينَ بالله سبحانه والطلاق والعتاق (٢) وصدقة المال والحج؛ فاختلف علماء الإسلام في ذلك على عدة أقوال، ونحن نذكر تحرير هذه المسألة وكشفها؛ فإن كان مراد الحالف بقوله «أيمانُ البيعة تَلزمني» البيعةَ النبوية التي كان رسول الله ﷺ
стр. 1711
يبايع عليها أصحابه لم يلزمه الطلاق والإعتاق ولا شيء مما رتَّبه الحجاج، وإن لم ينوِ تلك البيعة ونوى البيعة الحجَّاجية فلا يخلو: إما أن يذكر في لفظه طلاقًا أو عتاقًا أو حجًّا أو صدقةً أو يمينًا بالله أو لا يذكر شيئًا من ذلك؛ فإن لم يذكر في لفظه شيئًا فلا يخلو: إما أن يكون عارفًا بمضمونها أو لا؛ وعلى التقديرين فإما أن ينوي مضمونها كلَّه أو بعضَ ما فيها أو لا ينوي شيئًا من ذلك، فهذه تقاسيم هذه المسألة.
فقال الشافعي وأصحابه: إن لم يذكر في لفظه طلاقها وعتاقها وحجها وصدقتها لم يلزمه شيء، نواه أو لم ينوِه، إلا أن ينوي طلاقها وعتاقها فاختلف أصحابه؛ فقال العراقيون: يلزمه الطلاق والعتاق؛ فإن اليمين بهما تنعقد بالكناية مع النية. وقال صاحب «التتمَّة»: لا يلزمه ذلك وإن نواه ما لم يتلفَّظ به؛ لأن الصريح لم يوجد، والكناية إنما يترتب عليها الحكم فيما يتضمن الإيقاع، فأما الالتزام فلا، ولهذا لم يجعل الشافعي الإقرار بالكناية مع النية إقرارًا لأنه التزام. ومن ههنا قال من قال من الفقهاء كالقفال وغيره: إذا قال «الطلاق يلزمني لا أفعل» لم يقع به الطلاق وإن نواه، لأنه كناية، والكناية إنما يترتّب عليها الحكم في غير الالتزامات، ولهذا لا تنعقد اليمين بالله بالكناية مع النية.
وأما أصحاب الإمام (١) أحمد فقال أبو عبد الله ابن بطَّة (٢): كنت عند أبي القاسم الخِرَقي وقد سأله رجل عن أيمان البيعة، فقال: لست أفتي فيها [٢٥/ب] بشيء، ولا رأيت أحدًا من شيوخنا يفتي فيها بشيء. قال: وكان أبي -
стр. 1712
- ﵀ ــ يعني أبا علي ــ يهاب الكلام فيها. ثم قال أبو القاسم: إلا أن يلتزم الحالف بها جميعَ ما فيها من الأيمان. فقال له السائل: عرفها أم لم يعرفها؟ قال: نعم.
ووجهُ هذا القول أنه بالتزامه لموجبها صار ناويًا له مع التلفظ، وذلك مقتضى اللزوم، ومتى وُجد سبب اللزوم والوجوب ثبت موجبه وإن لم يعرفه، كما لو قال: إن شفى الله مريضي فثلث مالي صدقة، أو وصَّى به ولم يعرفه، أو قال: أنا مقرٌّ بما في هذا الكتاب، وإن لم يعرفه، أو قال: ما أعطيتَ فلانًا فأنا (١) ضامن له، أو ما لَكَ عليه فأنا ضامِنُه= صحَّ ولزمه وإن لم يعرفه، أو قال «ضمانُ عهدة هذا المبيع عليَّ» صح ولزمه وإن لم يعرفه.
وقال أكثر أصحابنا منهم صاحب «المغني» (٢) وغيره: إن لم يعرفها لم تنعقد يمينُه بشيء مما فيها؛ لأنها ليست بصريحة في القسم، والكناية لا يترتّب عليها مقتضاها إلا بالنية، فمن لم يعرف شيئًا لم يصح أن ينويه. قالوا: وإن عرفها ولم ينوِ عقد اليمين بما فيها لم تصح أيضًا؛ لأنها كناية فلا يلزم حكمها إلا بالنية، وإن عرفها ونوى اليمين بما فيها صحّ في الطلاق والعتاق؛ لأن اليمين بهما تنعقد بالكناية، دون غيرهما؛ لأنها لا تنعقد بالكناية.
وقالت طائفة من أصحابنا: تنعقد في الطلاق والعتاق وصدقة المال دون اليمين بالله تعالى، فإن الكفارة إنما وجبت فيها لما اشتملت عليه من حرمة الاسم المعظَّم الذي تعظيمه من لوازم الإيمان، وهذا لا يوجد فيما عداه من الأيمان.
стр. 1713
فصل
وأما أصحاب مالك فليس عن مالك ولا عن قدماء أصحابه فيها قول؛ واختلف المتأخرون، فقال أبو بكر ابن العربي (١): أجمع هؤلاء المتأخرون على أنه يحنَث فيها بالطلاق في جميع نسائه والعتق في جميع عبيده، وإن لم يكن له رقيق فعليه عتق رقبة واحدة، والمشيُ إلى مكة والحج ولو من أقصى المغرب، والتصدُّق بثلث جميع أمواله، وصيام شهرين متتابعين. ثم قال جُلُّ الأندلسيين: إن كل امرأة له تطلَّق ثلاثًا ثلاثًا (٢)، وقال القَرَوِيّون: إنما تطلَّق واحدة واحدة، وألزمه بعضهم صومَ سنة إذا كان معتادًا للحلف بذلك. فتأمَّلْ هذا التفاوت العظيم بين هذا القول وقول أصحاب الشافعي.
فصل
وهذا اختلافهم فيما لو حلف بأيمان المسلمين أو بالأيمان اللازمة، أو قال: جميع الأيمان تلزمني، أو حلف بأشدِّ ما أخذ أحد على أحد. قالت المالكية (٣): إنما ألزمناه بهذه المذكورات دون غيرها من كسوة العريان (٤) وإطعام الجياع والاعتكاف وبناء الثغور ونحوها ملاحظةً لما غلب الحلفُ به عرفًا، فألزمناه به لأنه المسمَّى العرفي، فيقدَّم على المسمى اللغوي، واختص حلفه بهذه المذكورات دون غيرها لأنها هي المشتهرة، ولفظ
стр. 1714
الحلف واليمين إنما يستعمل فيها دون غيرها. وليس المدرك أن عادتهم أنهم يفعلون مسمَّياتها، وأنهم يصومون شهرين متتابعين أو يحجون، بل غلبة استعمال الألفاظ في هذه المعاني دون غيرها.
قالوا: وقد صرَّح الأصحاب [٢٦/أ] بأنه من كثرت عادته بالحلف بصوم سنة لزِمَه صوم سنة، فجعلوا المدرك الحلف اللفظي دون العرف (١) النقلي (٢)، قالوا: وعلى هذا لو اتفق في وقت آخر أنه اشتهر حلفهم ونذرهم بالاعتكاف والرباط وإطعام الجائع وكسوة العريان وبناء المساجد دون هذه الحقائق المتقدِّمِ ذكرُها= لكان اللازمُ لهذا الحالف إذا حنِثَ الاعتكافَ وما ذكر معه، دون ما هو مذكور قبلها؛ لأن الأحكام المترتبة على القرائن تدور معها كيفما دارت، وتبطُل معها إذا بطلت، كالعقود في المعاملات والعيوب في الأعراض (٣) في المبايعات ونحو ذلك، فلو تغيَّرت العادة في النقد والسكَّة إلى سكَّة أخرى لحُمِلَ الثمن في المبيع عند الإطلاق على السكّة والنقد المتجدّد دون ما قبله، وكذلك إذا كان الشيء عيبًا في العادة رُدَّ به المبيع، فإن تغيرت العادة بحيث لم يُعَدَّ عيبًا لم يُردَّ به المبيع.
قالوا: وبهذا تُعتبر جميع الأحكام المترتبة على العوائد، وهذا مجمع عليه بين العلماء، لا خلاف فيه، وإن وقع الخلاف في تحقيقه: هل وُجد أم لا؟ قالوا: وعلى هذا فليس في عرفنا اليوم الحلف بصوم شهرين متتابعين، فلا تكاد تجد أحدًا يحلف به، فلا تسوغ الفتيا بإلزامه.
стр. 1715
قالوا: وعلى هذا أبدًا تجيء الفتاوى في طول الأيام، فمهما تجدَّد في العرف فاعتبِرْه، ومهما سقط فألْغِه، ولا تجمُدْ على المنقول في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك فلا تُجْرِه على عرف بلدك، وسَلْه عن عرف بلده فأَجْرِه عليه وأَفتِه به، دون عُرْف بلدك والمذكورِ في كتبك.
قالوا: فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين وجهلٌ بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين.
قالوا: وعلى هذه القاعدة تُخرَّج أيمان الطلاق والعتاق وصيغ الصرائح والكنايات؛ فقد يصير الصريح كناية يفتقر إلى النية، وقد تصير الكناية صريحًا تستغني عن النية.
قالوا: وعلى هذه القاعدة فإذا قال «أيمان البيعة تلزمني» خرج ما يلزمه على ذلك، وما جرت به العادة في الحلف عند الملوك المعاصرة إذا لم يكن له نية. فأيُّ شيء جرت به عادة ملوك الوقت في التحليف به في (١) بيعتهم، واشتهر ذلك عند الناس بحيث صار عرفًا متبادرًا إلى الذهن من غير قرينة= حُمِلت يمينه عليه، وإن لم يكن الأمر كذلك اعتُبِرت نيته أو بساط يمينه، فإن لم يكن شيء من ذلك فلا شيء عليه، انتهى (٢).
وهذا محض الفقه، ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم
стр. 1716
فقد ضلّ وأضلّ، وكانت جنايته على الدين أعظمَ من جناية من طبَّب الناسَ كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضرُّ ما على أديان الناس وأبدانهم، والله المستعان.
ولم يكن الحلف بالأيمان [٢٦/ب] اللازمة معتادًا على عهد السلف الطيب، بل هي من الأيمان الحادثة المبتدعة التي أحدثها الجهلة الأُول؛ ولهذا قال جماعة من أهل العلم: إنها من الأيمان اللاغية التي لا يلزم بها شيء البتةَ، أفتى بذلك جماعة من العلماء، ومن متأخري من أفتى بها تاج الدين أبو عبد الله الأرموي صاحب كتاب «الحاصل».
قال ابن بَزِيزة في «شرح الأحكام»: سأله عنها (١) بعض أصحابنا، فكتب له بخطه تحت الاستفتاء: هذه يمين لاغية، لا يلزم شيء البتةَ، وكتب محمد الأرموي. قال ابن بزيزة: وقفتُ على ذلك بخطه، وثبت عندي أنه خطه.
ثم قال: وقال جماعة من العلماء: لا يلزم فيها شيء سوى كفارة اليمين بالله سبحانه، بناء على أن لفظ اليمين لا ينطلق إلا على اليمين بالله سبحانه، وما عداه التزامات لا أيمانٌ.
قال: والدليل عليه قوله ﷺ : «من كان حالفًا فليحلِفْ بالله أو ليصمُتْ» (٢). والقائلون بأن فيها كفارة يمين اختلفوا: هل تتعدّد فيها كفارة اليمين بناء على أقلِّ الجمع، أو ليس عليه إلا كفارة واحدة لأنها إنما خرجت
стр. 1717
مخرج اليمين الواحدة؟ كما أفتى به أبو عمر بن عبد البر وأبو محمد بن حزم. وقد كان أبو عمر يفتي بأنه لا شيء فيها البتةَ، حكاه عنه القاضي أبو الوليد الباجي (١)، وعاب ذلك عليه.
قال: ومن العلماء من رأى أنه يختلف بحسب اختلاف الأحوال والمقاصد والبلاد، فمن حلف بها قاصدًا للطلاق أو العتاق لزِمَه ما ألزمَ نفسَه، ومن لم يعلم مقتضى ذلك ولم يقصده ولم يقيِّده العرف الغالب الجاري لزِمَه فيها كفارة ثلاثة أيمان بالله، بناء على أن أقل الجمع ثلاثة، وبه كان يفتي أبو بكر الطُّرطوشي (٢)، ومن بعده من شيوخنا الذين حملنا عنهم، ومن شيوخ عصرنا من كان يفتي بها بالطلاق الثلاث بناءً على أنه العرف المستمر الجاري الذي حصل علمه والقصد إليه عند كل حالف بها.
ثم ذكر اختلاف المغاربة: هل يلزم فيها الطلاق الثلاث أم الواحدة؟ ثم قال: والمعتمد عليه فيها الرجوع إلى عرف الناس وما هو المعلوم عندهم في هذه الأيمان، فإذا ثبت فيها عندهم (٣) شيء وقصدوه وعرفوه واشتهر بينهم وجب أن يحملوا عليه، ومع الاحتمال يُرجع إلى الأصل الذي هو اليمين بالله؛ إذ لا يسمَّى غير ذلك يمينًا، فيلزم الحالف بها كفارة ثلاثة أيمان. قال: وعلى هذا كان يُعوِّل أهل التحقيق والإنصاف من شيوخنا.
قلت: ولإجزاء الكفارة الواحدة فيها مدركٌ آخر أفقهُ من هذا، وعليه تدلُّ فتاوى الصحابة ﵃ صريحًا في حديث ليلى بنت العَجْماء المتقدم،
стр. 1718
وهذه الالتزامات الخارجة مخرجَ اليمين إنما فيها كفارة يمينٍ بالنص والقياس واتفاق الصحابة كما تقدم، فموجبها كلُّها شيء واحد ولو تعدد المحلوف به، وصار هذا نظيرَ ما لو حلف بكل سورة من القرآن على شيء واحد فعليه كفارة يمين لاتحاد الموجب وإن تعدد السبب، ونظيره ما لو حلف بأسماء الرب تعالى وصفاته فكفارة واحدة، فإذا حلف بأيمان المسلمين [٢٧/أ] أو الأيمان كلها أو الأيمان اللازمة أو أيمان البيعة أو بما يحلف به المسلمون= لم يكن ذلك بأعظمَ ما لو حلف بكل كتاب أنزله الله أو بكل اسم من أسماء الله أو صفة من صفات الله، فإذا أجزأ في هذا كفارةُ يمين مع حرمة هذه اليمين وتأكُّدها فلَأنْ تجزئ الكفارة في هذه الأيمان بطريق الأولى والأحرى، ولا يليق بهذه الشريعة الكاملة الحكيمة التي لم يَطْرق العالمَ شريعةٌ أكمل منها غير ذلك، وكذلك أفتى به أفقه الأمة وأعلمهم بمقاصد الرسول ودينه وهم الصحابة.
واختلف الفقهاء بعدهم:
فمنهم: من يُلزِم الحالفَ بما التزمه من جميع الالتزامات كائنًا ما كان.
ومنهم: من لا يُلزِمه بشيء منها البتةَ، لأنها أيمان غير شرعية.
ومنهم: من يُلزِمه بالطلاق والعتاق، ويخيِّره في الباقي بين التكفير والالتزام.
ومنهم: من يحتِّم عليه (١) التكفير.
ومنهم: من يُلزِمه بالطلاق وحده دون ما عداه.
стр. 1719
ومنهم: من يُلزِمه بشرط كون الصيغة شرطًا، فإن كانت صيغة التزام فيمينٌ، كقوله «الطلاق يلزمني» لم يلزمه بذلك.
ومنهم: من يتوقَّف في ذلك ولا يفتي فيه بشيء.
فالأول قول مالك وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة.
والثاني قول أهل الظاهر وجماعة من السلف.
والثالث قول أحمد بن حنبل والشافعي في ظاهر مذهبه، وأبي حنيفة في إحدى الروايتين عنه، ومحمد بن الحسن.
والرابع قول بعض أصحاب الشافعي، ويُذكَر قولًا له وروايةً عن أحمد.
والخامس قول أبي ثور إبراهيم (١) بن خالد.
والسادس قول القفّال من الشافعية وبعض أصحاب أبي حنيفة، ويُحكى عنه نفسه.
والسابع قول جماعة من أهل الحديث.
وقول أصحاب رسول الله ﷺ أصحُّ وأفقهُ وأقرب هذه الأقوال إلى الكتاب والسنة، وبالله التوفيق.
فصل
المثال التاسع: الإلزام بالصداق الذي اتفق الزوجان على تأخير المطالبة به، وإن لم يسمِّيا أجلًا، بل قال الزوج: مائة مقدّمة ومائة مؤخّرة، فإن المؤخّر
стр. 1720
لا يستحق المطالبة به إلا بموت أو فرقة. هذا هو الصحيح، وهو منصوص أحمد، فإنه قال في رواية جماعة من أصحابه: إذا تزوّجها على العاجل والآجل (١) لا يحل الآجل (٢) إلا بموت أو فرقة، واختاره قدماء شيوخ المذهب والقاضي أبو يعلى، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وهو قول النخعي والشعبي والليث بن سعد، وله فيه رسالة كتبها إلى مالك ينكر عليه خلاف هذا القول سنذكرها بإسنادها ولفظها. وقال الحسن وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة وسفيان الثوري وأبو عبيد: يبطُل الآجل لجهالة محلّه، ويكون حالًّا. وقال إياس بن معاوية: يصح الآجل، ولا يحلّ الصداق إلا أن يفارقها أو يتزوَّج عليها أو يُخرِجها من بلدها؛ فلها حينئذٍ المطالبةُ به. وقال مكحول والأوزاعي: يحلُّ بعد سنة من وقت الدخول. وقال الشافعي وأبو الخطّاب: تفسُد [٢٧/ب] التسمية ويجب مهر المثل لجهالة العوض بجهالة أجله فترجع إلى مهر المثل.
وأما مذهب مالك (٤) فقال عبد الملك: كان مالك وأصحابه يكرهون أن يكون شيء من المهر مؤخرًا، وكان مالك يقول: إنما الصداق فيما مضى ناجزٌ كله، فإن وقع منه شيء مؤخَّر فلا أحبُّ أن يطول الأجل في ذلك، وحكى عن ابن القاسم تأخيره إلى السنتين والأربع، وعن ابن وهب إلى السنة، وعنه إن زاد الأجل على أكثر من عشرين سنة فُسِخ، وعن ابن القاسم