← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

بستمائة درهم نقدًا، فأقبلتْ عليها وهي غضبى، فقالت: بئسما شريتِ، وبئسما اشتريتِ، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده إلا أن يتوب، وأفحمت صاحبتنا فلم تكلّم طويلًا، ثم إنها سهل عنها فقالت: يا أم المؤمنين أرأيتِ إن لم آخذ إلا رأس مالي؟ فتلَتْ عليها: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] (١). وأيضًا فهذا الحديث إذا انضمَّ إلى تلك الأحاديث والآثار أفادت بمجموعها الظن الغالب إن لم تفد اليقين. وأيضًا فإن آثار الصحابة كما تقدم موافِقةٌ لهذا الحديث، مشتقَّة منه، مفسِّرة له. وأيضًا فلو لم يأتِ في هذه المسألة أثر لكان محضُ القياس ومصالح العباد وحكمة الشريعة تحريمها أعظم من تحريم الربا، فإنها ربا مستحلّ بأدنى الحيل. وأيضًا فكيف يليق بالشريعة الكاملة التي لعنت آكل الربا وموكله، وبالغت في تحريمه، وآذنت صاحبه بحرب من الله ورسوله، أن تُبيحه بأدنى الحيل مع استواء المفسدة؟ ولولا أن عند أم المؤمنين ﵂ علمًا من رسول الله ﷺ لا تستريب فيه ولا تشكُّ بتحريم مسألة العينة لما أقدمتْ على الحكم بإبطال جهاد رجل من الصحابة باجتهادها، لا سيما إن كانت قصدت أن العمل يبطل بالردة، واستحلال الربا ردة، ولكن عذر زيدٍ أنه لم يعلم أن

стр. 1857

هذا محرم، كما عُذِر ابن عباس بإباحته بيعَ الدرهم بالدرهمين (١)، وإن لم يكن قصدها هذا، بل قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد، ويصير بمنزلة من عمل حسنةً وسيئةً بقدرها فكأنه لم يعمل شيئًا، ولو كان هذا اجتهادًا منها لم تمنع زيدًا منه، ولم تحكم ببطلان جهاده، ولم تَدْعُه إلى التوبة؛ فإن الاجتهاد لا يحرِّم الاجتهاد، ولا يُحكَم ببطلان عمل المسلم المجتهد بمخالفته لاجتهاد نظيره، والصحابة ــ ولا سيما أم المؤمنين ــ أعلم بالله ورسوله، وأفقه في دينه من ذلك. وأيضًا فإن الصحابة كعائشة وابن عباس وأنس أفتوا بتحريم مسألة العِينة (٢)، وغلَّظوا فيها هذا التغليظ في أوقات ووقائع مختلفة؛ فلم يجئ عن واحد من الصحابة ولا التابعين الرخصة فيها، فيكون إجماعًا. فإن قيل: فزيد بن أرقم قد خالف عائشة ومن ذكرتم، فغاية الأمر أنها مسألة قولين للصحابة، وهي مما يسوغ فيها الاجتهاد. قيل: لم يقل زيد قطُّ إن هذا حلال، ولا أفتى بها يومًا ما، ومذهب الرجل لا يؤخذ من فعله؛ إذ لعله فعله ناسيًا أو ذاهلًا أو غيرَ متأمل ولا ناظر أو متأولًا أو ذنبًا يستغفر منه ويتوب أو يصرُّ عليه وله حسنات تقاومه، فلا تؤثّر شيئًا. قال بعض السلف (٣): [أضعفُ] (٤) العلمِ علم الرؤية، يعني أن

стр. 1858

يقول: رأيت فلانًا يفعل كذا وكذا؛ ولعله قد فعله ساهيًا. وقال إياس بن معاوية: لا تنظر إلى عمل الفقيه، ولكن سَلْه [٥٧/أ] يصدقك (١). ولم يُذكر عن زيد أنه أقام على هذه المسألة بعد إنكار عائشة، وكثيرًا ما يفعل الرجل الكبير الشيء مع ذهوله عما في ضمنه من مفسدة فإذا نُبِّه انتبه. وإذا كان الفعل محتملًا لهذه الوجوه وغيرها لم يجز أن يقدَّم على المحكم، ولم يجز أن يقال: مذهب زيد بن أرقم جواز العِينة، لا سيما وأم ولده قد دخلت على عائشة تستفتيها وأفتَتْها بأخذ رأس مالها، وهذا كله يدل على أنهما لم يكونا جازمين بصحة العقد وجوازه، وأنه مما أباحه الله ورسوله. وأيضًا فبيع العينة إنما يقع غالبًا من مضطرٍّ إليها، وإلا فالمستغني عنها لا يَشْغَل ذمته بألف وخمسمائة في مقابلة ألف بلا ضرورة وحاجةٍ تدعو إلى ذلك، وقد روى أبو داود (٢) من حديث علي: نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطرّ، وبيع الغَرر، وبيع الثمرة قبل أن تُدرك. وفي «مسند الإمام أحمد» (٣) عنه قال: سيأتي على الناس زمان عَضوضٌ يَعَضُّ الموسِرُ على ما في يديه، ولم يؤمَرْ (٤) بذلك، قال الله تعالى:

стр. 1859

﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ويَنْهَدُ الأشرار، ويُستذلُّ الأخيار، ويُبايَعُ (١) المضطرون، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطرّ، وعن بيع الغَرر، وبيع الثمر قبل أن يطعم. وله شاهد من حديث حذيفة عن النبي ﷺ رواه سعيد (٢) عن هُشيم عن كوثر بن حكيم عن مكحول: بلغني عن حذيفة أنه حدّث عن رسول الله ﷺ : «إن بعد زمانكم هذا زمانًا عَضوضًا، يعضُّ الموسر على ما في يديه، ولم يُؤمر (٣) بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، ويَنْهَد شرار خلق الله، يبايعون كلَّ مضطر، ألا إنّ بيعَ المضطرّ حرام، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخونه، إن كان عندك خير فعُدْ به على أخيك، ولا تزِدْه هلاكًا إلى هلاكه». وهذا من دلائل النبوة، فإن عامة العِينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نفقة يضِنُّ بها (٤) عليه الموسر بالقرض حتى يربح عليه في المائة ما أحب، وهذا المضطر إن أعاد السلعة إلى بائعها فهي العينة، وإن باعها لغيره فهو

стр. 1860

التورُّق، وإن رجعتْ إلى ثالث يدخل بينهما فهو محلِّل الربا، والأقسام الثلاثة يعتمدها المرابون، وأخفُّها التورُّق، وقد كرهه عمر بن عبد العزيز، وقال: هو آخِيَةُ الربا (١). وعن أحمد فيه روايتان، وأشار في رواية الكراهة إلى أنه مضطر، وهذا من فقهه ﵁، فإن هذا لا يدخل فيه إلا مضطر. وكان شيخنا ﵁ يمنع من مسألة التورُّق، ورُوجع فيها وأنا حاضر مرارًا، فلم يرخِّص فيها (٢)، وقال: المعنى الذي لأجله حُرِّم الربا موجود فيها بعينه، مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها؛ فالشريعة لا تحرّم الضرر الأدنى وتُبيح ما هو أعلى منه. [٥٧/ب] وقد تقدَّم الاستدلال على تحريم العينة بقوله ﷺ : «لا يحلُّ سلفٌ وبيع، ولا شرطانِ في بيع» (٣)، وبقوله: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسُهما أو الربا» (٤)، وأن ذلك لا يمكن وقوعه إلا على العِينة. ومما يدلُّ على تحريم الحيل قوله ﷺ : «صيدُ البرّ لكم حلال، ما لم تَصيدوه أو يُصَدْ لكم». رواه أهل السنن (٥).

стр. 1861

ومما يدلُّ على تحريمها ما رواه ابن ماجه في «سننه» (١) عن يحيى بن أبي إسحاق قال: سألت أنس بن مالك: الرجل منّا يُقرِض أخاه المالَ فيُهدي إليه، فقال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أقرضَ أحدكم قرضًا فأُهدِي إليه أو حمله على الدابة فلا يركَبْها ولا يقبَلْه إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك». رواه من حديث إسماعيل بن عيّاش عن عُتبة بن حُميد الضبّي عن يحيى. قال شيخنا (٢) ﵁: وهذا يحيى بن يزيد الهُنَائي من رجال مسلم، وعتبة بن حميد معروف بالرواية عن الهنائي. قال أبو حاتم مع تشدده: هو صالح الحديث. وقال أحمد: ليس بالقوي (٣). وإسماعيل بن عيّاش ثقة في حديثه عن الشاميين (٤). ورواه سعيد في «سننه» (٥) عن إسماعيل بن عيّاش، لكن قال: عن يزيد بن أبي إسحاق (٦) الهُنائي عن أنس عن النبي ﷺ . وكذلك رواه البخاري في «تاريخه» (٧) عن يزيد بن أبي يحيى الهُنائي عن أنس يرفعه: «إذا

стр. 1862

أقرض أحدكم فلا يأخذ هدية». قال شيخنا (١): وأظنه هو ذاك، انقلب اسمه. وفي «صحيح البخاري» (٢) عن أبي بُرْدَة بن أبي موسى قال: قدمتُ المدينة، فلقيتُ عبد الله بن سلام، فقال لي: إنك بأرضٍ الربا فيها فاشٍ، فإذا كان لك على رجل حقٌّ فأهدى إليك حِمْلَ تِبْنٍ أو حِملَ شعيرٍ أو حِملَ قَتٍّ فلا تأخذه فإنه ربًا». وفي «سنن سعيد» هذا المعنى عن أبي بن كعب (٣)، وجاء عن ابن مسعود أيضًا (٤). وأتى رجل عبدَ الله بن عمر فقال: إني أقرضتُ رجلًا بغير معرفة فأهدى إليَّ هدية جَزْلةً، فقال: رُدَّ إليه هديَّتَه أو احْسُبْها له (٥). وقال سالم بن أبي الجعد: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني أقرضتُ رجلًا يبيع السمك عشرين درهمًا، فأهدى لي سمكةً قوَّمتُها بثلاثة عشر درهمًا، فقال: خذْ منه سبعةَ دراهم (٦)، ذكرهما سعيد. وذكر حرب عن ابن عباس: إذا

стр. 1863

أسلفتَ رجلًا سلفًا فلا تأخذ منه هدية ولا عارية ركوب دابة (١). فنهى النبي ﷺ هو وأصحابه المقرِضَ عن قبول هدية المقترض قبل الوفاء؛ لأن المقصود بالهدية أن يؤخّر الاقتضاء وإن كان لم يشترط ذلك سدًّا لذريعة الربا، فكيف تجوز الحيلة على الربا؟ ومن لم يَسُدَّ الذرائع ولم يُراعِ المقاصد ولم يحرِّم الحيل يبيح ذلك كله، وسنة رسول الله ﷺ وهَدْي أصحابه أحقُّ أن يتبع. وقد تقدم تحريمُه السلفَ والبيعَ لأنه يُتخذ حيلةً إلى الربا. ويدل على تحريم الحيل الحديث الصحيح، وهو قوله ﷺ : «لا يُجمَع بين متفرق ولا يُفرَّق بين مجتمع خشيةَ الصدقة» (٢). وهذا نصٌّ في تحريم الحيلة المفضية إلى [٥٨/أ] إسقاط الزكاة أو تنقيصها بسبب الجمع والتفريق، فإذا باع بعض النصاب قبل تمام الحول تحيُّلًا على إسقاط الزكاة فقد فرّق بين المجتمع، فلا تسقط الزكاة عنه بالفرار منها. ومما يدلُّ على تحريمها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]، قال المفسرون من السلف ومن بعدهم: لا تُعطِ عطاء تطلب أكثر منه، وهو أن تُهدِي ليُهدَى إليك أكثر مما أهديتَ. وهذا كله يدلُّ على أن صور العقود غير كافية في حِلّها وحصول أحكامها إلا إذا لم يقصد بها قصدًا فاسدًا، وكلُّ ما لو شرطه في العقد كان

стр. 1864

حرامًا فاسدًا فقصده حرام فاسد، واشتراطه إعلان وإظهار للفساد، وقصده ونيته غِشٌّ وخداع ومكر؛ فقد يكون أشدَّ فسادًا من الاشتراط ظاهرًا من هذه الجهة، والاشتراط الظاهر أشدُّ فسادًا منه من جهة إعلان المحرَّم وإظهاره. ومما يدّل على التحريم أن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعوا على تحريم هذه الحيل وإبطالها، وإجماعهم حجة قاطعة، بل هي من أقوى الحجج وآكدِها، ومن جعلهم بينه وبين الله فقد استوثق لدينه. بيان المقدمة الأولى أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس على منبر رسول الله ﷺ وقال: «لا أُوتَى بمحلِّلٍ ولا محلَّلٍ له إلا رجمتُهما» (١). وأقرَّه سائر الصحابة على ذلك، وأفتى عثمان وعلي وابن عباس وابن عمر أن المرأة لا تَحِلُّ بنكاح التحليل (٢). وقد تقدم عن غير واحد من أعيانهم كأُبيّ وابن مسعود وعبد الله بن سلام وابن عمر وابن عباس أنهم نَهَوا المقرِض عن قبول هدية المقترض، وجعلوا قبولها ربًا. وقد تقدم عن عائشة وابن عباس وأنس تحريم مسألة العينة، والتغليظ فيها، وأفتى عمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب وغيرهم من الصحابة أن المبتوتة في مرض الموت ترِث (٣)، ووافقهم سائر المهاجرين والأنصار من

стр. 1865

أهل بدر وبيعة الرضوان ومن عداهم. وهذه وقائع متعددة لأشخاص متعددة في أزمان متعددة، والعادة توجب اشتهارها وظهورها بينهم، لا سيما وهؤلاء أعيان المفتين من الصحابة الذين كانت تُضبط أقوالهم، ويُنتَهى إلى (١) فتاويهم، والناس عنق واحد إليهم متلقُّون لفتاويهم، ومع هذا فلم يحفظ عن أحد منهم إلا الإنكار، ولا إباحة الحيل مع تباعد الأوقات وزوال أسباب السكوت. وإذا كان هذا قولهم في التحليل والعينة وهدية المقترض إلى المقرِض فماذا يقولون في التحيُّل لإسقاط حقوق المسلمين، بل لإسقاط حقوق رب العالمين، وإخراجِ الأبضاع والأموال عن مِلك أربابها، وتصحيحِ العقود الفاسدة والتلاعب بالدين؟ وقد صانهم الله سبحانه أن يروا في وقتهم من يفعل ذلك أو يفتي به، كما صانهم عن رؤية الجهمية والمعتزلة [٥٨/ب] والحلولية والاتحادية وأضرابهم، وإذا ثبت هذا عنهم فيما ذكرنا من الحيل فهو دليل على قولهم فيما هو أعظم منها. وأما المقدمة الثانية فكلُّ من له معرفة بالآثار وأصول الفقه ومسائله ثم أنصفَ لم يشكَّ أن تقرير هذا الإجماع منهم على تحريم الحيل وإبطالها ومنافاتها للدين أقوى من تقرير إجماعهم على العمل بالقياس وغير ذلك مما يُدَّعى فيه إجماعهم، كدعوى إجماعهم على عدم وجوب غسل الجمعة، وعلى المنع من بيع أمهات الأولاد، وعلى الإلزام بالطلاق الثلاث بكلمة واحدة، وأمثال ذلك. فإذا وازنتَ بين هذا الإجماع وتلك الإجماعات

стр. 1866

ظهر لك التفاوتُ، وانضم إلى هذا أن التابعين موافقون لهم على ذلك؛ فإن الفقهاء السبعة وغيرهم من فقهاء المدينة الذين أخذوا عن زيد بن ثابت وغيره متفقون على إبطال الحيل، وكذلك أصحاب عبد الله بن مسعود من أهل الكوفة، وكذلك أصحاب فقهاء البصرة كأيوب وأبي الشعثاء والحسن وابن سيرين، وكذلك أصحاب ابن عباس. وهذا في غاية القوة من الاستدلال، فإنه انضمَّ إلى كثرة فتاويهم بالتحريم في أفراد هذا الأصل وانتشارها أن عصرهم انصرم، ورقعة الإسلام متسعة، وقد دخل الناس في دين الله أفواجًا، وقد اتسعت الدنيا على المسلمين أعظمَ اتساع، وكثر من كان يتعدَّى الحدود، وكان المقتضي لوجود هذه الحيل موجودًا، فلم يُحفظ عن رجل واحد منهم أنه أفتى بحيلة واحدة منها وأمر بها أو دلّ عليها، بل المحفوظ عنهم النهي والزجر عنها؛ فلو كانت هذه الحيل مما يسوغ فيها الاجتهاد لأفتى بجوازها رجل منهم، ولكانت مسألة نزاعٍ كغيرها، بل أقوالهم وأعمالهم وأحوالهم متفقة على تحريمها والمنع منها، ومضى على أثرهم أئمة الحديث والسنة في الإنكار. قال الإمام أحمد في رواية موسى بن سعيد الدَّنداني (١): لا يجوز شيء من الحيل (٢). وقال في رواية الميموني وقد سأله عمن حلف على يمين ثم احتال لإبطالها، فقال: نحن لا نرى الحيلة (٣). وقال في رواية بكر بن

стр. 1867

محمد: إذا حلف على شيء ثم احتال بحيلة فصار إليها فقد صار إلى ذلك الذي حلف عليه بعينه. وقال: من احتال بحيلة فهو حانث (١). وقال في رواية صالح وأبي الحارث وقد ذكر قول أصحاب الحيل فأنكره (٢). وقال في رواية إسماعيل بن سعيد وقد سئل عمن احتال في إبطال الشفعة، فقال: لا يجوز شيء من الحيل في إبطال حق امرئ مسلم (٣). وقال في رواية أبي طالب وغيره في الرجل يحلف وينوي غير ذلك: فاليمين على نية ما يُحلِّفه عليه صاحبه إذا لم يكن مظلومًا، فأما إذا كان مظلومًا حلف على نيته، ولم يكن عليه من نية الذي حَلَّفه شيء (٤). وقال في رواية عبد الخالق بن منصور: من كان عنده كتاب الحيل في بيته يفتي به فهو كافر بما أنزل الله على محمد ﷺ (٥). [٥٩/أ] قلت: والذين ذكروا الحيل لم يقولوا إنها كلها جائز، وإنما أخبروا أن كذا حيلةٌ وطريق إلى كذا، ثم قد تكون الطريق محرمة، وقد تكون مكروهة، وقد يُختلف فيها، فإذا قالوا (٦): الحيلة في فسخ المرأة النكاحَ أن ترتدّ ثم تسلم.

стр. 1868

والحيلة في سقوط القصاص عمن قتل أم امرأته أن يقتل امرأته إذا كان لها ولد منه. والحيلة في سقوط الكفارة عمن أراد الوطء في رمضان أن يتغدّى ثم يطأ بعد الغداء. والحيلة لمن أرادت (١) أن تفسخ نكاح زوجها أن تُمكِّن ابنَه من الوقوع عليها. والحيلة لمن أراد أن يفسخ نكاح امرأته ويحرِّمها عليه (٢) على التأبيد أن يطأ حماتَه أو يقبِّلها. والحيلة لمن أراد سقوط حدّ الزنا عنه أن يَسْكَر ثم يزني. والحيلة لمن أراد سقوط الحج عنه مع قدرته عليه أن يُملِّك مالَه لابنه أو زوجته عند خروج الركْب، فإذا أبعدَ استردَّ ماله. والحيلة لمن أراد حرمانَ وارثه ميراثَه أن يُقِرَّ بماله كله لغيره عند الموت. والحيلة لمن أراد إبطال الزكاة وإسقاط فرضها عنه بالكلية أن يُملِّك مالَه عند الحول لابنه أو امرأته أو أجنبيٍّ ساعةً من زمان ثم يستردّه منه، ويفعل هكذا كلَّ عام، فيبطل فرض الزكاة عنه أبدًا. والحيلة لمن أراد أن يَملِك مال غيره بغير رضاه أن يُفسِده عليه أو يغيِّر

стр. 1869

صورته فيملكه، فيذبح شاته، ويشقُّ قميصه، ويطحن حبَّه ويخبزه، ونحو ذلك. والحيلة لمن أراد قتل غيره ولا يُقتَل به أن يضربه بدَبُّوسٍ (١) أو مِرزَبة (٢) حديدٍ يَنثُر دماغَه فلا يجب عليه قصاص. والحيلة لمن أراد أن يزني بامرأة ولا يجب عليه الحد أن يستأجرها لكَنْسِ بيته أو لطَيِّ ثيابه أو لغَسْلها أو لنقْلِ متاع من مكان إلى مكان، ثم يزني بها ما شاء مجَّانًا بلا حدّ ولا غرامة، أو يستأجرها لنفس الزنا. والحيلة لمن أراد أن يسقط عنه حدّ السرقة أن يدَّعي أن المال له أو أنّ له فيه شركةً فيسقط القطع عنه بمجرد دعواه، أو يَنْقُب الدار ثم يَدَعُ غلامه أو ابنه أو شريكه يدخل يُخرج المتاع، أو يدعه على ظهر دابة تخرج به، ونحو ذلك. والحيلة لمن أراد سقوط حدّ الزنا عنه بعد أن يشهد به عليه أربعة عدول غير متهمين أن يصدِّقهم، فيسقط عنه الحدُّ بمجرد تصديقهم. والحيلة لمن أراد قطعَ يد غيره ولا يُقطَع بها أن يمسك هو وآخر السكِّين أو السيف ويقطعانها معًا. والحيلة لمن أرادت التخلُّف عن زوجها في السفر أن تُقِرَّ لغيره بدين. والحيلة لمن أراد الصيد في الإحرام أن ينصِبَ الشِّباكَ قبل أن يُحرِم ثم يأخذ ما وقع فيها حالَ إحرامه بعد أن يحلَّ.

стр. 1870

فهذه الحيل وأمثالها لا يحلُّ لمسلمٍ أن يفتي بها في دين الله، ومن استحلَّ الفتيا بها فهو الذي كفَّره الإمام أحمد وغيره من الأئمة، حتى قالوا: إن من أفتى بهذه الحيل فقد قلبَ الإسلام ظهرًا لبطنٍ، ونقضَ عُرى الإسلام عروةً عروةً. وقال بعض أهل الحيل (١): ما نَقَموا علينا من أنّا عَمَدنا إلى أشياء كانت [٥٩/ب] حرامًا عليهم فاحتلْنا فيها حتى صارت حلالًا. وقال آخر منهم: إنا نحتال للناس منذ كذا وكذا سنة في تحليل ما حرَّم الله عليهم. قال أحمد بن زهير بن مروان: كانت امرأة هاهنا بمَروْ أرادت أن تختلع من زوجها، فأبى زوجها عليها، فقيل لها: لو ارتددتِ عن الإسلام لبِنْتِ منه، ففعلتْ، فذكرتُ ذلك لعبد الله بن المبارك، فقال: من وضع هذا الكتاب فهو كافر، ومن سمع به ورضي به فهو كافر، ومن حمله من كُورةٍ إلى كُورةٍ فهو كافر، ومن كان عنده فرضي به فهو كافر. وقال إسحاق بن راهويه: عن شقيق بن عبد الملك أن ابن المبارك قال في قصة بنت أبي رَوْح حيث أُمِرت بالارتداد، وذلك في أيام أبي غسَّان، فذكر شيئًا، ثم قال ابن المبارك وهو مغضب: أحدثوا في الإسلام، ومن كان أمر بهذا فهو كافر، ومن كان هذا الكتاب عنده أو في بيته ليأمر به أو هَوِيه ولم يأمر به فهو كافر. ثم قال ابن المبارك: ما أرى الشيطان كان يُحسِن مثل هذا، حتى جاء هؤلاء فأفادها منهم فأشاعها حينئذٍ، أو كان يحسنها ولم يجد من يُمضِيها فيهم حتى جاء هؤلاء.

стр. 1871

وقال إسحاق الطَّالَقاني: قيل يا أبا عبد الرحمن إن هذا الكتاب وضعه إبليس، قال: إبليسٌ من الأبالسة. وقال النضْر بن شُمَيل: في كتاب «الحيل» ثلاثمائة وعشرون أو ثلاثون مسألة كلها كفر. وقال أبو حاتم الرازي: قال شَرِيك ــ يعني ابن عبد الله قاضي الكوفة ــ وذُكِر له كتاب «الحيل»، فقال: من يُخادع الله يخدَعْه. وقال حفص بن غياث: ينبغي أن يُكتب عليه كتاب الفجور. وقال إسماعيل بن حماد: قال القاسم بن معن ــ يعني ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قاضي الكوفة ــ: كتابكم هذا الذي وضعتموه في الحيل كتاب الفجور. وقال حماد بن زيد: سمعت أيوب يقول: ويلَهم، مَن يخدعون؟ يعني أصحاب الحيل. وقال عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي: سمعت يزيد بن هارون يقول: لقد أفتى أصحاب الحيل بشيء (١) لو أفتى به اليهودي والنصراني كان قبيحًا، [أتى رجل إلى صاحب الحيل] (٢) فقال: إني حلفتُ أن لا أطلِّق امرأتي بوجه من الوجوه، وإنهم قد بذلوا لي مالًا كثيرًا، فقال له: قبِّلْ أمَّها، فقال يزيد بن هارون: ويلَه، يأمره أن يقبِّل امرأةً أجنبية! وقال حُبَيش بن سِندي: سئل أبو عبد الله ــ يعني الإمام أحمد ــ عن

стр. 1872

الرجل يشتري جارية ثم يُعتقها من يومه ويتزوَّجها، أيطؤها من يومه؟ فقال: كيف يطؤها من يومه وقد وطئها ذلك بالأمس؟ هذا من طريق الحيلة. وغضِب وقال: هذا أخبثُ قول. وقال رجل للفضيل بن عياض: يا أبا علي، استفتيتُ رجلًا في يمينٍ حلفتُ بها فقال لي: إن فعلتَ كذا حنثتَ، وأنا أحتال لك حتى تفعل ولا تحنثَ. فقال له الفضيل: تعرف الرجل؟ قال: نعم، قال: ارجعْ فاستثبِتْه، فإني أحسبه شيطانًا شُبِّه لك في صورة إنسان (١). وإنما قال هؤلاء الأئمة وأمثالهم هذا الكلام في هذه الحيل لأن فيها الاحتيالَ على تأخير صوم رمضان، وإسقاط [٦٠/أ] فرائض الله تعالى من الحج والزكاة، وإسقاط حقوق المسلمين، واستحلال ما حرَّم الله من الربا والزنا، وأخذ أموال الناس وسَفْك دمائهم، وفسخ العقود اللازمة، والكذب وشهادة الزور وإباحة الكفر، وهذه الحيل دائرة بين الكفر والفسق. ولا يجوز أن تُنسب هذه الحيل إلى أحد من الأئمة، ومن نسبها إلى أحد منهم فهو جاهل بأصولهم ومقاديرهم ومنزلتهم من الإسلام، وإن كان بعض هذه الحيل قد تنفُذُ على أصول إمامٍ بحيث إذا فعلها المتحيلُ نفذَ حكمها عنده، ولكن هذا أمرٌ غير الإذن فيها وإباحتها وتعليمها، فإن إباحتها شيء ونفوذها إذا فُعِلتْ شيء، ولا يلزم من كون الفقيه والمفتي لا يُبطِلها أن يبيحَها ويأذنَ فيها، وكثير من العقود يحرِّمها الفقيه ثم يُنفِذها ولا يُبطِلها، ولكن الذي نَدين الله به تحريمها وإبطالها وعدم تنفيذها، ومقابلة أربابها

стр. 1873

بنقيضِ قصودهم موافقةً لشرع الله وحكمته وقدرته. والمقصود أن هذه الحيل لا يجوز أن تُنسب إلى إمام؛ فإن ذلك قدحٌ في إمامته، وذلك يتضمن القدح في الأمة حيث ائتمَّتْ بمن لا يصلح للإمامة، وهذا غير جائز، ولو فُرِض أنه حُكي عن واحد من الأئمة بعضُ هذه الحيل المُجمَع على تحريمها فإما أن تكون الحكاية باطلة، أو يكون الحاكي لم يضبط لفظه فاشتبه عليه فتواه بنفوذها بفتواه بإباحتها مع بُعْدِ ما بينهما، ولو فُرِض وقوعها منه في وقت ما فلا بدَّ أن يكون قد رجع عن ذلك، وإن لم يُحمَل الأمر على ذلك لزم القدح في الإمام وفي جماعة المسلمين المؤتمِّين به، وكلاهما غير جائز. ولا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز الإذن في التكلُّم بكلمة الكفر لغرضٍ من الأغراض، إلا المُكْرَه إذا اطمأنَّ قلبه بالإيمان. ثم إن هذا على مذهب أبي حنيفة وأصحابه أشدُّ؛ فإنهم لا يأذنون في كلمات وأفعال دون ذلك بكثير، ويقولون: إنها كفر، حتى قالوا: لو قال الكافر لرجل: إني أريد أن أُسلم، فقال: «اصبِرْ ساعة» فقد كفر، فكيف بالأمر بإنشاء الكفر؟ وقالوا: لو قال: «مُسَيجِد»، أو صغّر لفظ المصحف كفر. فعلمت أن هؤلاء المحتالين الذين يفتون بالحيل التي هي كفر أو حرام ليسوا بمقتدين بمذهب أحد من الأئمة، وأن الأئمة أعلم بالله ورسوله ودينه وأتقى له من أن يفتوا بهذه الحيل. وقد قال أبو داود في «مسائله» (١): سمعت أحمد وذكر أصحاب

стр. 1874

الحيل: يحتالون لنقض سنن رسول الله ﷺ . وقال في رواية أبي الحارث الصّائغ (١) (٢): هذه الحيل التي وضعوها عَمَدوا إلى السنن واحتالوا لنقضها، والشيء الذي قيل لهم إنه حرام احتالوا فيه حتى أحلُّوه. قالوا: الرهن لا يحلُّ أن يستعمل، ثم قالوا: يحتال له حتى يستعمل، فكيف يحلُّ بحيلةٍ ما حرَّم الله ورسوله (٣)؟ وقال ﷺ : «لعن الله اليهود حُرِّمت عليهم الشحوم، فأذابوها فباعوها وأكلوا أثمانَها» (٤)، أذابوها حتى أزالوا عنها اسم الشحم. [٦٠/ب] وقد لعن رسول الله ﷺ المحلِّل (٥) والمحلَّل له (٦). وقال في رواية ابنه صالح (٧): عجبتُ مما يقول أرباب الحيل في الحيل في الأيمان، يُبطِلون الأيمان بالحيل وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]، وقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]. وكان ابن عيينة يشتدُّ عليه أمر هذه الحيل.

стр. 1875

وقال في رواية الميموني (١) وقد سأله: إنهم يقولون في رجل حلف على امرأته وهي على درجة: إن صعدتِ أو نزلتِ فأنتِ طالق، قالوا (٢): تُحمَل حملًا، فقال: هذا هو الحنثُ بعينه، ليس هذه حيلة، هذا هو الحنث. وقالوا: إذا حلف لا يطأُ بساطًا، يطأُ بساطينِ، وإذا حلف لا يدخل دارًا يُحمل. فأقبل أبو عبد الله يَعجَب. وقال أبو طالب (٣): سمعت أبا عبد الله قال له رجل: في كتاب «الحيل»: إذا اشترى الرجل الأمة فأراد أن يقعَ بها، يُعتقها ثم يتزوجها. فقال أبو عبد الله: سبحان الله، ما أعجبَ هذا! أبطلوا كتاب الله والسنة، جعل الله على الحرائر العدةَ (٤) من أجل الحمل، فليس من امرأة تُطلَّق أو يموت زوجها إلا تعتدُّ من أجل الحمل، ففرجٌ يوطأ يشتريه ثم يُعتقه على المكان فيتزوجها فيطؤها! فإن كانت حاملًا كيف يصنع؟ يطؤها رجلٌ اليوم ويطؤها الآخر غدًا؟ [هذا] (٥) نقضٌ للكتاب والسنة، قال النبي (٦) ﷺ : «لا تُوطأ الحاملُ حتى تضعَ، ولا غيرُ الحامل حتى تَحيضَ» (٧). ولا يدري هي حامل أم لا، سبحان الله، ما أسمجَ هذا!

стр. 1876

وقال محمد بن الهيثم (١): سمعت أبا عبد الله ــ يعني أحمد بن حنبل ــ يحكي عن محمد بن مقاتل (٢) قال: شهدتُ هشامًا وهو يُقرئ كتابًا، فانتهى بيده إلى مسألة فجازها، فقيل له في ذلك، فقال: دعوه، وكره مكاني، فتطلعتُ في الكتاب، فإذا فيه: لو أن رجلًا لفَّ على ذكر فرجِه (٣) حريرةً في شهر رمضان ثم جامع امرأته نهارًا فلا قضاء عليه ولا كفارة. فصل ومما يدلّ على بطلان الحيل وتحريمها أن الله سبحانه إنما أوجب الواجبات وحرَّم المحرمات لما تتضمن من مصالح عباده في معاشهم ومعادهم؛ فالشريعة لقلوبهم بمنزلة الغذاء الذي لا بدّ لهم منه والدواء الذي لا يندفع الداء إلا به، فإذا احتال العبد على تحليل ما حرَّم الله وإسقاطِ ما فرض الله وتعطيلِ ما شرع الله كان ساعيًا في دين الله بالفساد من وجوه: أحدها: إبطاله ما في الأمر المحتال عليه من حكمة الشارع، ونقضُ حكمته فيه، ومناقضتُه له. والثاني: أن الأمر المحتال به ليس له عنده حقيقة، ولا هو مقصوده، وهو ظاهر المشروع؛ فالمشروع ليس مقصودًا له، والمقصود له هو المحرَّم نفسه، وهذا ظاهرٌ كلَّ الظهور فيما قصد الشارع؛ فإن المرابي مثلًا مقصوده

стр. 1877

الربا المحرّم، وصورة البيع الجائز غير مقصودة له. وكذلك المتحيِّل على إسقاط الفرائض بتمليك ماله لمن لا يهَبه درهمًا واحدًا حقيقةُ مقصوده إسقاط الفرض، وظاهر الهبة المشروعة غير مقصودة له. الثالث: نسبته ذلك إلى الشارع الحكيم وإلى شريعته التي هي غذاءٌ للقلوب ودواؤها وشفاؤها، ولو أن رجلًا [٦١/أ] تحيَّل حتى قلب الدواء والغذاء (١) إلى ضدّه، فجعل الغذاء دواء والدواء غذاء، إما بتغيير اسمه أو صورته مع بقاء حقيقته= لأهلكَ الناس. فمن عَمَد إلى الأدوية المُسهلة فغيَّر صورتها أو أسماءها وجعلها غذاء للناس، أو عَمَد إلى السموم القاتلة فغيَّر أسماءها وصورتها وجعلها أدويةً، أو إلى الأغذية الصالحة فغيَّر أسماءها وصورها؛ كان ساعيًا بالفساد في الطبيعة، كما أن هذا ساعٍ بالفساد في الشريعة؛ فإن الشريعة للقلوب بمنزلة الغذاء والدواء للأبدان، وإنما ذلك بحقائقها لا بأسمائها وصُوَرها. وبيان ذلك على وجه الإشارة أن الله سبحانه إنما حرَّم الزنا والربا وتوابعهما ووسائلهما؛ لما في ذلك من الفساد، وأباح البيع والنكاح وتوابعهما لأن ذلك مصلحة محضة، ولا بدَّ أن يكون بين الحلال والحرام فرق في الحقيقة، وإلا لكان البيع مثل الربا والنكاح مثل الزنا، ومعلوم أن الفرق في الصورة دون الحقيقة مُلغًى عند الله ورسوله وفي فِطَر عباده؛ فإن الاعتبار بالمقاصد والمعاني في الأقوال والأفعال، فإن الألفاظ إذا اختلفت ومعناها واحد كان حكمها واحدًا، فإذا اتفقت الألفاظ واختلفت المعاني كان حكمها مختلفًا، وكذلك الأعمال إذا اختلفت صورها واتفقت

стр. 1878

مقاصدها، وعلى هذه القاعدة يبنى الأمر والنهي والثواب والعقاب. ومن تأمَّل الشريعة علم بالاضطرار صحة هذا؛ فالأمر المحتال به على المحرَّم صورته صورة الحلال، وحقيقته ومقصوده حقيقة الحرام؛ فلا يكون حلالًا، فلا يترتَّب عليه أحكام الحلال فيقع باطلًا، والأمر المحتال عليه حقيقته حقيقة الأمر الحرام وإن لم تكن صورته صورته، فيجب أن يكون حرامًا لمشاركته للحرام في الحقيقة. ويا لله العجب! أين القياس والنظر في المعاني المؤثّرة وغير المؤثّرة فرقًا وجمعًا؟ والكلام في المناسبات ورعاية المصالح وتحقيق المناط وتنقيحه وتخريجه، وإبطال قول من علَّق الأحكام بالأوصاف الطردية التي لا مناسبة بينها وبين الحكم، فكيف يعلِّقه بالأوصاف المناسبة لضدّ الحكم؟ وكيف يعلِّق الأحكام على مجرد الألفاظ والصور الظاهرة التي لا مناسبة بينها وبينها، ويَدَعُ المعاني المناسبة المقتضية لها التي ارتباطُها بها كارتباط العلل العقلية بمعلولاتها؟ والعجب منه كيف ينكر مع ذلك على أهل الظاهر المتمسكين بظواهر كتاب ربهم وسنة نبيهم حيث لا يقوم دليل يخالف الظاهر، ثم يتمسك بظواهر أفعال المكلَّفين وأقوالهم حيث يعلم أن الباطن والقصد بخلاف ذلك؟ ويعلم لو تأمَّل حق التأمُّل أن مقصود الشارع غير ذلك. كما يقطع بأن مقصوده من إيجاب الزكاة سدُّ خَلَّة المساكين وذوي الحاجات وحصولُ المصالح التي أرادها بتخصيص هذه الأوصاف من حماية المسلمين والذبّ عن حَوزة الإسلام، [٦١/ب] فإذا أسقطها بالتحيُّل فقد خالف مقصود الشارع وحصل مقصود المتحيِّل، والواجب الذي لا

стр. 1879

يجوز غيره أن يحصل مقصود الله ورسوله ويبطل مقاصد المتحيلين المخادعين. وكذلك يعلم قطعًا أنه إنما حرّم الربا لما فيه من الضرر بالمحاويج، وأن مقصوده إزالة هذه المفسدة؛ فإذا أبيح التحيلُ على ذلك كان سعيًا في إبطال مقصود الشارع وتحصيلًا لمقصود المرابي. وهذه سبيل جميع الحيل المتوسَّل بها إلى تحليل الحرام وإسقاط الواجب، وبهذه الطريق تبطل جميعًا. ألا ترى أن المتحيِّل لإسقاط الاستبراء مُبطِل لمقصود الشارع من حكمة الاستبراء ومصلحته؛ فالمعين له على ذلك مفوِّتٌ لمقصود الشارع محلِّلٌ لمقصود المتحيِّل. وكذلك التحيُّل على إبطال حقوق المسلمين التي ملَّكَهم إياها الشارع وجعلهم أحقَّ بها من غيرهم إزالةً لضررهم وتحصيلاً لمصالحهم؛ فلو أباح التحيُّلَ لإسقاطها لكان عدم إثباتها للمستحقين أولى وأقلَّ ضررًا من أن يُثبِتها ويوصي بها ويبالغ في تحصيلها ثم يشرع التحيلَ لإبطالها وإسقاطها. وهل ذلك إلا بمنزلة من بنى بناء مشيدًا وبالغ في إحكامه وإتقانه، ثم عاد فنقضَه، وبمنزلة من أمر بإكرام رجل والمبالغة في برِّه والإحسان إليه وأداء حقوقه، ثم أباح لمن أمره أن يتحيل بأنواع الحيل لإهانته وترك حقوقه. ولهذا يسيء الكفار والمنافقون ومن في قلوبهم المرض الظنَّ بالإسلام والشرع الذي بعث الله به (١) رسوله، حيث ظنوا أن هذه الحيل مما جاء به الرسول، وعلموا مناقضتها للمصالح مناقضة ظاهرة ومنافاتَها لحكمة الرب وعدله ورحمته وحمايته وصيانته لعباده؛ فإنه نهاهم عما نهاهم عنه حميةً وصيانةً، فكيف يبيح لهم الحيل على ما حماهم عنه؟ وكيف يبيح لهم

стр. 1880

التحيُّلَ على إسقاط ما فرضه عليهم وعلى إضاعة الحقوق التي أحقَّها عليهم لبعضهم بعضًا لقيام مصالح النوع الإنساني التي لا تتمُّ إلا بما شرعه؟ فهذه الشريعة شرعَها الذي علم ما في ضمنها من المصالح والحِكم والغايات المحمودة وما في خلافها من ضدّ ذلك، وهذا أمر ثابت لها لذاتها وبائنٌ من أمر الرب ﵎ بها ونهيه عنها، فالمأمور به مصلحة وحُسنٌ في نفسه، واكتسى بأمر الرب تعالى مصلحةً وحسنًا آخر، فازداد حسنًا بالأمر ومحبة الرب وطلبه له إلى حسنه في نفسه، وكذلك المنهيُّ عنه مفسدةٌ في نفسه، وازداد بنهي الرب تعالى عنه وبغضه له وكراهته له (١) قبحًا إلى قبحه، وما كان هكذا لم يجز أن ينقلب حسنُه قبحًا بتغيُّر الاسم والصورة مع بقاء الماهية والحقيقة. ألا ترى أن الشارع صلوات الله وسلامه عليه حرَّم بيع الثمار قبل بُدوِّ صلاحها (٢) لما فيه من مفسدة التشاجر والتشاحن (٣)، ولما تؤدي إليه ــ إن منع الله الثمرة ــ من أكلِ مال أخيه [٦٢/أ] بغير حق ظلمًا وعدوانًا، ومعلوم قطعًا أن هذه المفسدة لا تزول بالتحيل على البيع قبل بدوِّ الصلاح؛ فإن الحيلة لا تؤثّر في زوال هذه المفسدة، ولا في تخفيفها، ولا في زوال ذرة منها؛ فمفسدة هذا العقد أمر ثابت له لنفسه، فالحيلة إن لم تزِده فسادًا لم تُزِلْ فسادًا. وكذلك شرع الله سبحانه الاستبراء لإزالة مفسدة اختلاط المياه وفساد

стр. 1881

الأنساب وسَقْي الإنسان ماءه زرعَ غيرِه، وفي ذلك من الفساد ما توجب العقول تحريمه لو لم تأت به شريعة، ولهذا فطر الله الناس على استهجانه واستقباحه، ويرون من أعظم الهُجَنِ (١) أن يقوم هذا عن المرأة ويَخلُفه الآخر عليها، ولهذا حرّم نكاح الزانية وأوجب العِدَد والاستبراء، ومن المعلوم قطعًا أن هذه المفسدة لا تزول بالحيلة على إسقاط الاستبراء ولا تَخِفُّ. وكذلك شرع الحج إلى بيته لأنه قِوامٌ للناس في معاشهم ومعادهم، ولو عُطِّل البيت الحرام عامًا واحدًا عن الحج لما أُمهل الناس، ولعوجلوا بالعقوبة، وتوعّد مَن ملك الزاد والراحلة ولم يحج بالموت على غير الإسلام (٢)، ومعلوم أن التحيُّل لإسقاطه لا يُزيل مفسدةَ الترك، ولو أن الناس كلهم تحيَّلوا لترك الحج والزكاة لبطلت فائدة هذين الفرضين العظيمين، وارتفع من الأرض حكمهما بالكلية، وقيل للناس: إن شئتم كلُّكم أن تتحيّلوا لإسقاطهما فافعلوا. فليتصوَّر العبد ما في إسقاطهما من الفساد المضادِّ لشرع الله وإحسانه وحكمته. وكذلك الحدود جعلها الله سبحانه زواجرَ للنفوس وعقوبةً ونكالًا وتطهيرًا، فشرعها من أعظم مصالح العباد في المعاش والمعاد، بل لا تتمُّ سياسة ملكٍ من ملوك الأرض إلا بزواجرَ وعقوباتٍ لأرباب الجرائم، ومعلوم ما في التحيُّل لإسقاطها من منافاة هذا الغرض وإبطاله، وتسليطِ

стр. 1882

النفوس الشريرة على تلك الجنايات إذا علمتْ أن لها طريقًا إلى إبطال عقوباتها، وأنها تسقط تلك العقوبات بأدنى الحيل؛ فإنه لا فرق عندها البتةَ بين أن تعلم أنه لا عقوبةَ عليها فيها وبين أن تعلم أن لها عقوبةً وأن لها إسقاطَها بأدنى الحيل. ولهذا احتاج البلد الذي تظهر فيه هذه الحيل إلى سياسة والٍ أو أميرٍ يأخذ على يد الجُناة ويكفُّ شرَّهم عن الناس إذا لم يمكن أربابَ الحيل أن يقوموا بذلك، وهذا بخلاف الأزمنة والأمكنة التي قام الناس فيها بحقائقِ ما بعث الله به رسوله؛ فإنهم لم يحتاجوا معها إلى سياسة أميرٍ ولا والٍ، كما كان أهل المدينة في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم، فإنهم كانوا يحدُّون بالرائحة وبالقيء وبالحبل وبظهور المسروق عند السارق، ويقتلون في القسامة، ويعاقبون أهلَ التُّهم، ولا يقبلون الدعوى التي تكذِّبها العادة والعرف، ولا يرون الحيل في شيء من الدين ويعاقبون [٦٢/ب] أربابها، ويحبِسون في التُّهم حتى تتبيَّن حالُ المتَّهم، فإن ظهرت براءته خلَّوا سبيله، وإن ظهر فجوره قرَّروه بالعقوبة اقتداءً بسنة رسول الله ﷺ في عقوبة المتهمين وحبسهم؛ فإن رسول الله ﷺ حبس في تهمةٍ وعاقب في تهمةٍ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى مِن ذكرِ ذلك عنه وعن أصحابه ما فيه شفاء وكفاية وبيان لإغناءِ ما جاء به عن كل والٍ وسائسٍ، وأن شريعته التي هي شريعته لا يُحتاج معها إلى غيرها، وإنما يَحتاج إلى غيرها من لم يُحِط بها علمًا أو لم يقم بها عملًا. والمقصود أن ما في ضمن المحرَّمات من المفاسد والمأمورات من المصالح يمنع أن يشرع إليها التحيل بما يبيحها ويسقطها، وأن ذلك مناقضة

стр. 1883

ظاهرة. ألا ترى أنه بالغ في لعن المحلِّل للمفاسد الظاهرة والباطنة التي في التحليل التي يَعجِز البشر عن الإحاطة بتفاصيلها؛ فالتحيل على صحة هذا النكاح بتقديم اشتراط التحليل عليه وإخلاء صلبه عنه إن لم يَزِد مفسدتَه فإنه لا يُزِيلها ولا يخفِّفها. وليس تحريمه والمبالغة في لعن فاعله تعبُّدًا لا يُعقل معناه، بل هو معقول المعنى من محاسن الشريعة، بل لا يمكن شريعةَ الإسلام ولا غيرَها من شرائع الأنبياء أن تأتي بحيلة؛ فالتحيُّل على وقوعه وصحته إبطالٌ لغرض الشارع وتصحيحٌ لغرض المتحيِّل المخادع. وكذلك الشارع حرَّم الصيد في الإحرام وتوعَّد بالانتقام على من عاد إليه بعد تحريمه، لما فيه من المفسدة الموجبة لتحريمه وانتقام الربّ من فاعله، ومعلوم قطعًا أن هذه المفسدة لا تزول بنَصْب الشِّباك له قبل الإحرام بلحظة، فإذا وقع فيها حالَ الإحرام أخذه بعد الحلِّ بلحظة، فإباحته لمن فعل هذا إبطالٌ لغرض الشارع الحكيم (١) وتصحيحٌ لغرض المخادع. وكذلك إيجاب الشارع الكفارة على من وطئ في نهار رمضان، فيه من المصلحة جَبْر وَهنِ الصوم، وزجر الواطئ، وتكفير جرمه، واستدراك فرطه (٢)، وغير ذلك من المصالح التي علِمَها من شرعَ الكفارة وأحبَّها ورضيَها، فإباحةُ التحيُّلِ لإسقاطها بأن يتغدَّى قبل الجماع ثم يجامع نقضٌ لغرض الشارع وإبطال له، وإعمالٌ لغرض الجاني المتحيِّل وتصحيح له، ثم إن ذلك جناية على حقّ الله وحقّ العبيد؛ فهو إضاعة للحقَّين وتفويت لهما.

стр. 1884

وكذلك الشارع شرع حدود الجرائم التي تتقاضاها الطِّباع أشدَّ تقاضٍ، لما في إهمال عقوباتها من مفاسد الدنيا والآخرة، بحيث لا يمكن سياسةَ ملكٍ ما من الملوك أن يخلو عن عقوباتها البتةَ، ولا يقوم مُلكه بذلك، فالإذن في التحيُّل لإسقاطها بصورة العقد وغيره مع وجود تلك المفاسد بعينها أو أعظم منها نقضٌ وإبطال لمقصود الشارع، وتصحيح لمقصود الجاني، وإغراء بالفساد، وتسليط للنفوس على الشر. ويا لله العجب! كيف يجتمع في الشريعة تحريم الزنا والمبالغة [٦٣/أ] في المنع منه وقتلُ فاعله شرَّ القتلات وأقبحها وأشنعها وأشهرها، ثم يسقط بالتحيل عليه بأن يستأجرها لذلك أو لغيره ثم يقضي غرضه منها؟ وهل يَعجِز عن ذلك زانٍ أبدًا؟ وهل في طباع ولاة الأمر أن يقبلوا قول الزاني: أنا استأجرتُها للزنا، أو استأجرتها لتطوِيَ ثيابي ثم قضيتُ غرضي منها، فلا يحلُّ لك أن تقيم عليَّ الحدَّ؟ وهل ركَّب الله في فِطَر الناس سقوطَ الحدّ عن هذه الجريمة التي هي من أعظم الجرائم إفسادًا للفراش والأنساب بمثل هذا؟ وهل يُسقِط الشارع الحكيم الحدَّ عمن أراد أن ينكح أمه وابنته (١) وأخته بأن يعقد عليها العقد ثم يطأها بعد ذلك؟ وهل زاده صورةُ العقد المحرم إلا فجورًا وإثمًا واستهزاءً بدين الله وشرعه ولعبًا بآياته؟ فهل يليق به مع ذلك رفعُ هذه العقوبة عنه وإسقاطها بالحيلة (٢) التي فعلها مضمومةً إلى فعل الفاحشة بأمه وابنته؟ فأين القياس وذكر المناسبات والعلل المؤثّرة والإنكار

стр. 1885

على الظاهرية؟ فهل بلغوا في التمسُّك بالظاهر عُشرَ معشارِ هذا؟ والذي يُقضَى منه العجب أن يقال: لا يُعتدُّ بخلاف المتمسكين بظاهر القرآن والسنة، ويُعتدُّ بخلاف هؤلاء، والله ورسوله منزَّهٌ عن هذا الحكم. ويا لله العجب! كيف يسقط القطع عمن اعتاد سرقة أموال الناس، وكلما مُسِكَ معه المال المسروق قال: هذا مِلكي، والدار التي دخلها داري، والرجل الذي دخلتُ دارَه عبدي؟ قال أرباب الحيل: فيسقط عنه الحدّ بدعوى ذلك، فهل تأتي بهذا سياسةٌ قطُّ جائرة أو عادلة، فضلًا عن شريعة نبي من الأنبياء، فضلًا عن الشريعة التي هي أكمل شريعة طرقت العالم؟ وكذلك الشارع أوجب الإنفاق الواجب على الأقارب؛ لما في ذلك من قيام مصالحهم ومصالح المنفق، ولما في تركه (١) من إضاعتهم؛ فالتحيل لإسقاط الواجب بالتمليك في الصورة مناقضةٌ لغرض الشارع، وتتميمٌ لغرض الماكر المحتال، وعودٌ إلى نفس الفساد الذي قصد الشارع إعدامه بأقرب الطرق. ولو تحيَّل هذا المخادع على إسقاط نفقة دوابّه لهلكوا. وكذلك ما فرضه الله سبحانه للوارث من الميراث هو حقٌّ له جعله أولى من سائر الناس به، فإباحة التحيُّل لإسقاطه بالإقرار بماله كله للأجنبي وإخراجِ الوارث مضادَّةٌ لشرع الله ودينه، ونقضٌ لغرضه، وإتمامٌ لغرض المحتال، وكذلك تعليم المرأة أن تُقِرَّ بدينٍ لأجنبي إذا أراد زوجها السفر بها.

стр. 1886

فصل وأكثر هذه الحيل لا تمشي على أصول الأئمة، بل تُناقضها أعظمَ مناقضة. وبيانه أن الشافعي ﵁ يحرِّم مسألة مُدّ عجوة ودرهم بمدٍّ ودرهم، ويبالغ في تحريمها (١) بكل طريق خوفًا (٢) أن تُتّخذ حيلة على نوع ما من ربا الفضل، فتحريمه للحيل الصريحة التي يتوصَّل بها إلى ربا النَّساء أولى [٦٣/ب] من تحريم مُدِّ عجوة بكثير؛ فإن التحيل بمدّ ودرهم من الطرفين على ربا الفضل أخفُّ من التحيل بالعِينة على ربا النَّساء، وأين مفسدة هذه من مفسدة تلك؟ وأين حقيقة الربا في هذه من حقيقته في تلك؟ وأبو حنيفة يحرِّم مسألة العِينة، وتحريمه لها يوجب تحريمه للحيلة في مسألة مُدِّ عجوة بأن يبيعه خمسة عشر درهمًا بعشرة في خرقة؛ فالشافعي يبالغ في تحريم مسألة مدّ عجوة ويبيح العِينة، وأبو حنيفة يبالغ في تحريم العينة ويبيح مسائل مُدّ عجوة، ويتوسع فيها، وأصلُ كلٍّ من الإمامين ﵄ في أحد البابين يستلزم إبطالَ الحيلة في الباب الآخر، وهذا من أقوى التخريج على أصولهم ونصوصهم، وكثير من الأقوال المخرَّجة دون هذا. فقد ظهر أن الحيل المحرَّمة في الدين تقتضي رفع التحريم مع قيام موجبه ومقتضيه وإسقاط الوجوب مع قيام سببه، وذلك حرام من وجوه: أحدها: استلزامها فعلَ المحرَّم وترك الواجب.

стр. 1887

والثاني: ما يتضمن من المكر والخداع والتلبيس. والثالث: الإغراء بها والدلالة عليها وتعليمها من لا يُحسِنها. والرابع: إضافتها إلى الشارع وأن أصول شرعه ودينه تقتضيها. والخامس: أن صاحبها لا يتوب منها ولا يعدُّها ذنبًا. والسادس: أنه يخادع الله كما يخادع المخلوق. والسابع: أنه يسلِّط أعداء الدين على القدح فيه وسوءِ الظن به وبمن شرعه. والثامن: أنه يُعمِل فكره واجتهاده في نقض ما أبرمه الرسول وإبطالِ ما أوجبه وتحليلِ ما حرمه. والتاسع: أنه إعانة ظاهرة على الإثم والعدوان، وإنما اختلفت الطريق؛ فهذا يُعِين عليه بحيلة ظاهرُها صحيح مشروع يتوصل بها إليه، وذاك يُعِين عليه بطريقه المفضية إليه بنفسها، فكيف كان هذا مُعِينًا على الإثم والعدوان والمتحيلُ المخادع يُعِين على البر والتقوى؟ العاشر: أن هذا ظلم في حق الله وحق رسوله وحق دينه وحق نفسه وحق العبد المعين وحقوق عموم المؤمنين؛ فإنه يُغرِي به ويعلّمه ويدلُّ عليه، والمتوصِّل إليه بطريق المعصية لا يظلم إلا نفسه. ومن تعلَّق به ظلمه من المعينين فإنه لا يزعم أن ذلك دين وشرع ولا يقتدي به الناس، فأين فسادُ أحدهما من الآخر وضررُه من ضرره؟ وبالله التوفيق. * * * *

стр. 1888

فصل قال أرباب الحيل: قد أكثرتم مِن ذمّ الحيل، وأجلبتم بِخَيل الأدلة ورَجِلها وسمينها ومهزولها، فاسمعوا الآن تقريرها واشتقاقها من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وأئمة الإسلام، وأنه لا يمكن أحدًا إنكارُها. قال الله تعالى لنبيه أيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] فأذن لنبيه أيوب أن يتحلَّل من يمينه بالضرب بالضِّغْث (١)، وقد كان نذر أن يضربها [٦٤/أ] ضرباتٍ معدودة، وهي في المتعارف الظاهر إنما تكون متفرقة؛ فأرشده سبحانه إلى الحيلة في خروجه من اليمين. فنقيسُ عليه سائر الباب، ونسمِّيه وجوهَ المخارج من المضايق، ولا نُسمِّيه بالحيل التي يَنفُر الناس من اسمها. وأخبر تعالى عن نبيه يوسف ﵇ (٢) أنه جعل صُواعه في رَحْل أخيه ليتوصَّل بذلك إلى أخذه من إخوته، ومدحه بذلك، وأخبر أنه برضاه وإذنه، كما قال: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، فأخبر أن هذا كيده لنبيه وأنه بمشيئته، وأنه يرفع درجة عبده بلطيف العلم ودقيقه الذي لا يهتدي إليه سواه، وأن ذلك من علمه وحكمته. وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:

стр. 1889

٥٠]، فأخبر سبحانه أنه مكرَ بمن مكرَ بأنبيائه ورسله، وكثير من الحيل هذا شأنها، يُمكَر بها على الظالم والفاجر ومن يَعْسُر تخليص الحق منه؛ فتكون وسيلةً إلى نصر مظلوم وقهر ظالم ونصر حق وإبطال باطل. والله سبحانه قادر على أخذهم بغير وجه المكر الحسن، ولكن جازاهم بجنس عملهم، وليُعلِم عبادَه أن المكر الذي يُتوصَّل به إلى إظهار الحق ويكون عقوبةً للماكر ليس قبيحًا. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، وخداعه لهم أن يُظهِر لهم أمرًا ويُبطِن لهم خلافَه. فما تنكرون على أرباب الحيل الذين يُظهِرون أمرًا يتوصَّلون به إلى باطنٍ غيره اقتداءً (١) بفعل الله تعالى؟ وقد روى البخاري في «صحيحه» (٢) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا على خيبر، فجاءهم بتمرٍ جَنيبٍ، فقال: «أكلُّ تمْرِ خيبَر هكذا؟» قال: إنّا لنأخذُ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاث، فقال: «لا تفعلْ، بِعِ الجَمْعَ بالدراهم، ثم ابتَعْ بالدراهم جنيبًا»، وقال في الميزان (٣) مثل ذلك. فأرشده إلى الحيلة على التخلُّص من الربا (٤) بتوسط العقد الآخر، وهذا أصلٌ في جواز العِينة.

стр. 1890

وهل الحيل إلا معاريض في الفعل على وِزان (١) المعاريض في القول؟ وإذا كان في المعاريض مندوحةٌ عن الكذب ففي معاريض الفعل مندوحةٌ عن المحرَّمات وتخلُّصٌ (٢) من المضايق. وقد لقي النبي ﷺ طائفةً من المشركين وهو في نفر من أصحابه، فقال المشركون: ممن أنتم؟ فقال النبي ﷺ : «نحن من ماءٍ»، فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: أحياءُ اليمن كثير، فلعلهم منهم، وانصرفوا (٣). وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: احملني، فقال: «ما عندنا إلا ولدُ ناقةٍ»، فقال: ما أصنع بولد ناقة؟ فقال النبي ﷺ : «وهل تَلد الإبلَ إلا النوقُ؟» (٤). وقد رأت امرأة عبد الله بن رواحة عبد الله على جارية له، فذهبتْ وجاءت بالسكّين، فصادفتْه قد قضى حاجته، فقالت: لو وجدتُك على الحال التي كنتَ عليها لوجَأْتُك، فأنكر، فقالت: فاقرأْ إن كنتَ صادقًا، [٦٤/ب] فقال:

стр. 1891

شهدتُ بأن وعد الله حقٌّ ... وأن النار مَثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طافٍ ... وفوق العرش ربُّ العالمينا وتَحمِله ملائكةٌ شِدادٌ ... ملائكةُ الإلهِ مسوّمينا فقالت: آمنتُ بكتاب الله وكذَّبتُ بصري. فبلغ النبيَّ ﷺ ، فضحك ولم ينكر عليه (١). وهذا تحيّلٌ منه بإظهار القراءة لما أوهم أنه قرآن ليتخلَّص به من مكروه الغيرة. وكان بعض السلف إذا أراد أن لا يَطعم طعامَ رجلٍ قال: أصبحتُ صائمًا، يريد أنه أصبح فيما سلف قبل ذلك اليوم صائمًا (٢). وكان محمد بن سيرين إذا اقتضاه بعض غرمائه وليس عنده ما يعطيه قال: أُعطيك في أحد اليومين إن شاء الله، يريد بذلك يومي الدنيا والآخرة. وسأل رجل عن المرّوذي (٣) وهو في دار أحمد بن حنبل، فكره الخروج إليه، فوضع أحمد إصبعه في كفه وقال: ليس المرّوذي هاهنا، وما يصنع المرّوذي هاهنا؟ (٤).

стр. 1892

وحضر سفيان الثوري مجلسًا، فلما أراد النهوض منعوه، فحلف أنه يعود، ثم خرج وترك نعله كالناسي لها، فلما خرج عاد وأخذها وانصرف. وقد كان لشُريح في هذا الباب فقه دقيق، كما أعجب رجلًا فرسُه وأراد أخذها منه، فقال له شريح: إنها إذا رَبَضَتْ لم تقم حتى تُقام، فقال الرجل: أف أف، وإنما أراد شريح أن الله هو الذي يُقِيمها (١). وباع من رجل ناقةً، فقال له المشتري: كم تحمل؟ فقال: احملْ على الحائط ما شئتَ، فقال: كم تحلب؟ قال: احلُبْ في أيّ إناء شئتَ، قال: كيف سيرها؟ قال: الريح لا تلحق. فلما قبضها المشتري لم يجد شيئًا من ذلك، فجاء إليه وقال: ما وجدتُ شيئًا من ذلك، فقال: ما كَذَبتُك (٢). قالوا: ومن المعلوم أن الشارع جعل العقود وسائلَ وطُرقًا إلى إسقاط الحدود والمأثم، ولهذا لو وطئ الإنسان امرأة أجنبية من غير عقد ولا شبهةٍ لزمه الحدُّ، فإذا عقد عليها عقد النكاح ثم وطئها لم يلزمه الحدُّ، وكان العقد حيلة على إسقاط الحد. بل قد جعل الله سبحانه الأكل والشرب واللباس حيلةً على دفع أذى الجوع والعطش والبرد، والأكْنانَ (٣) حيلة على دفع أذى الصائل من الحيوان وغيره، وعقد التبايع حيلة على حصول الانتفاع بملك

стр. 1893

الغير، وسائر العقود حيلة على التوصُّل إلى ما لا يباح إلا بها، وشرع الرهن حيلة على رجوع صاحب الدين في ماله من عين الرهن إذا أفلس الراهن أو تعذَّر الاستيفاء منه. وقد روى سلمة بن صالح عن يزيد الواسطي عن عبد الكريم عن عبد الله ابن بُريدة [عن أبيه] قال: سئل رسول الله ﷺ عن أعظم آية في كتاب الله، فقال: «لا أخرج من المسجد حتى أُخبرك»، فقام رسول الله ﷺ من مجلسه، فلما أخرج إحدى رجليه أخبره بالآية [٦٥/أ] قبل أن يُخرِج رِجلَه الأخرى (١). وقد بنى الخصاف «كتابه في الحيل» (٢) على هذا الحديث، ووجه الاستدلال به أن من حلف لا يفعل شيئًا فأراد التخلُّص من الحِنْث بفعل بعضه لم يكن حانثًا، فإذا حلف لا يأكل هذا الرغيف ولا يأخذ هذا المتاع فلْيدَعْ بعضه ويأخذ الباقي ولا يحنث، وهذا أصل في بابه في التخلُّص من الأيمان. وهذا السلف الطيب قد فتحوا لنا هذا الباب، ونهجوا لنا هذا (٣) الطريق، فروى قيس بن الربيع عن الأعمش عن إبراهيم في رجل أخذه رجل فقال: إن لي معك حقًّا، فقال: لا، فقال: احلِفْ لي بالمشي إلى بيت الله، فقال: يحلف له بالمشي إلى بيت الله، ويعني به مسجد حيِّه (٤).

стр. 1894

وبهذا الإسناد أنه قال له رجل: إن فلانًا أمرني أن آتي مكانَ كذا وكذا، وأنا لا أقدر على ذلك المكان، فكيف الحيلة؟ قال: يقول: والله ما أُبصِر إلا ما سدَّدني غيري (١). وذكر عبد الملك بن مَيْسرة عن النزَّال بن سَبْرة قال: جعل حذيفة يحلف لعثمان بن عفان على أشياء بالله ما قالها، وقد سمعناه يقولها، فقلنا: يا أبا عبد الله، سمعناك تحلف لعثمان على أشياء ما قلتَها، وقد سمعناك قلتَها، فقال: إني أشتري ديني بعضَه ببعضٍ مخافةَ أن يذهب كلُّه (٢). وذكر قيس بن الربيع عن الأعمش عن إبراهيم أن رجلًا قال له: إني أنال من رجل شيئًا فيبلغه عني، فكيف أعتذر إليه؟ فقال له إبراهيم: قُل: والله إن الله ليعلم ما قلتُ من ذلك من شيء (٣). وكان إبراهيم يقول لأصحابه إذا خرجوا من عنده وهو مستخفٍ من الحجاج: إن سُئلتم عني فاحلفوا بالله لا تدرون أين أنا، ولا في أيّ موضع أنا، واعْنُوا لا تدرون أين أنا من البيت، وفي أي موضع منه، وأنتم صادقون (٤). وقال مجاهد عن ابن عباس: ما يسُرُّني بمعاريض الكلام حُمْرُ النَّعم (٥).

стр. 1895

وقد ثبت في الصحيح من حديث حُميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط ــ وكانت من المهاجرات الأُول ــ أن رسول الله ﷺ رخَّص في الكذب في ثلاث: في الرجل يُصلِح بين الناس، والرجل يَكذِب لامرأته، والكذب في الحرب (١). وقال معتمر بن سليمان التيمي عن أبيه: حدثني نُعيم بن أبي هند عن سُويد بن غَفَلة أن عليًّا لما قتل الزنادقة نظر في الأرض، ثم رفع رأسه إلى السماء، ثم قال: صدق الله ورسوله، ثم قام فدخل بيته، فأكثر الناس في ذلك، فدخلتُ عليه فقلت: يا أمير المؤمنين أشيء عهدَ إليك رسول الله ﷺ أم شيء رأيتَه؟ فقال: هل عليَّ من بأسٍ (٢) أن أنظر إلى السماء؟ قلت: لا، قال: فهل عليَّ من بأسٍ أن أنظر إلى الأرض؟ قلت: لا، قال: فهل عليَّ من بأسٍ أن أقول صدق الله ورسوله؟ قلت: لا، قال: فإني رجل مُكايد (٣).
следующие страницы →