← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

شهدتُ بأن وعد الله حقٌّ ... وأن النار مَثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طافٍ ... وفوق العرش ربُّ العالمينا وتَحمِله ملائكةٌ شِدادٌ ... ملائكةُ الإلهِ مسوّمينا فقالت: آمنتُ بكتاب الله وكذَّبتُ بصري. فبلغ النبيَّ ﷺ ، فضحك ولم ينكر عليه (١). وهذا تحيّلٌ منه بإظهار القراءة لما أوهم أنه قرآن ليتخلَّص به من مكروه الغيرة. وكان بعض السلف إذا أراد أن لا يَطعم طعامَ رجلٍ قال: أصبحتُ صائمًا، يريد أنه أصبح فيما سلف قبل ذلك اليوم صائمًا (٢). وكان محمد بن سيرين إذا اقتضاه بعض غرمائه وليس عنده ما يعطيه قال: أُعطيك في أحد اليومين إن شاء الله، يريد بذلك يومي الدنيا والآخرة. وسأل رجل عن المرّوذي (٣) وهو في دار أحمد بن حنبل، فكره الخروج إليه، فوضع أحمد إصبعه في كفه وقال: ليس المرّوذي هاهنا، وما يصنع المرّوذي هاهنا؟ (٤).

стр. 1892

وحضر سفيان الثوري مجلسًا، فلما أراد النهوض منعوه، فحلف أنه يعود، ثم خرج وترك نعله كالناسي لها، فلما خرج عاد وأخذها وانصرف. وقد كان لشُريح في هذا الباب فقه دقيق، كما أعجب رجلًا فرسُه وأراد أخذها منه، فقال له شريح: إنها إذا رَبَضَتْ لم تقم حتى تُقام، فقال الرجل: أف أف، وإنما أراد شريح أن الله هو الذي يُقِيمها (١). وباع من رجل ناقةً، فقال له المشتري: كم تحمل؟ فقال: احملْ على الحائط ما شئتَ، فقال: كم تحلب؟ قال: احلُبْ في أيّ إناء شئتَ، قال: كيف سيرها؟ قال: الريح لا تلحق. فلما قبضها المشتري لم يجد شيئًا من ذلك، فجاء إليه وقال: ما وجدتُ شيئًا من ذلك، فقال: ما كَذَبتُك (٢). قالوا: ومن المعلوم أن الشارع جعل العقود وسائلَ وطُرقًا إلى إسقاط الحدود والمأثم، ولهذا لو وطئ الإنسان امرأة أجنبية من غير عقد ولا شبهةٍ لزمه الحدُّ، فإذا عقد عليها عقد النكاح ثم وطئها لم يلزمه الحدُّ، وكان العقد حيلة على إسقاط الحد. بل قد جعل الله سبحانه الأكل والشرب واللباس حيلةً على دفع أذى الجوع والعطش والبرد، والأكْنانَ (٣) حيلة على دفع أذى الصائل من الحيوان وغيره، وعقد التبايع حيلة على حصول الانتفاع بملك

стр. 1893

الغير، وسائر العقود حيلة على التوصُّل إلى ما لا يباح إلا بها، وشرع الرهن حيلة على رجوع صاحب الدين في ماله من عين الرهن إذا أفلس الراهن أو تعذَّر الاستيفاء منه. وقد روى سلمة بن صالح عن يزيد الواسطي عن عبد الكريم عن عبد الله ابن بُريدة [عن أبيه] قال: سئل رسول الله ﷺ عن أعظم آية في كتاب الله، فقال: «لا أخرج من المسجد حتى أُخبرك»، فقام رسول الله ﷺ من مجلسه، فلما أخرج إحدى رجليه أخبره بالآية [٦٥/أ] قبل أن يُخرِج رِجلَه الأخرى (١). وقد بنى الخصاف «كتابه في الحيل» (٢) على هذا الحديث، ووجه الاستدلال به أن من حلف لا يفعل شيئًا فأراد التخلُّص من الحِنْث بفعل بعضه لم يكن حانثًا، فإذا حلف لا يأكل هذا الرغيف ولا يأخذ هذا المتاع فلْيدَعْ بعضه ويأخذ الباقي ولا يحنث، وهذا أصل في بابه في التخلُّص من الأيمان. وهذا السلف الطيب قد فتحوا لنا هذا الباب، ونهجوا لنا هذا (٣) الطريق، فروى قيس بن الربيع عن الأعمش عن إبراهيم في رجل أخذه رجل فقال: إن لي معك حقًّا، فقال: لا، فقال: احلِفْ لي بالمشي إلى بيت الله، فقال: يحلف له بالمشي إلى بيت الله، ويعني به مسجد حيِّه (٤).

стр. 1894

وبهذا الإسناد أنه قال له رجل: إن فلانًا أمرني أن آتي مكانَ كذا وكذا، وأنا لا أقدر على ذلك المكان، فكيف الحيلة؟ قال: يقول: والله ما أُبصِر إلا ما سدَّدني غيري (١). وذكر عبد الملك بن مَيْسرة عن النزَّال بن سَبْرة قال: جعل حذيفة يحلف لعثمان بن عفان على أشياء بالله ما قالها، وقد سمعناه يقولها، فقلنا: يا أبا عبد الله، سمعناك تحلف لعثمان على أشياء ما قلتَها، وقد سمعناك قلتَها، فقال: إني أشتري ديني بعضَه ببعضٍ مخافةَ أن يذهب كلُّه (٢). وذكر قيس بن الربيع عن الأعمش عن إبراهيم أن رجلًا قال له: إني أنال من رجل شيئًا فيبلغه عني، فكيف أعتذر إليه؟ فقال له إبراهيم: قُل: والله إن الله ليعلم ما قلتُ من ذلك من شيء (٣). وكان إبراهيم يقول لأصحابه إذا خرجوا من عنده وهو مستخفٍ من الحجاج: إن سُئلتم عني فاحلفوا بالله لا تدرون أين أنا، ولا في أيّ موضع أنا، واعْنُوا لا تدرون أين أنا من البيت، وفي أي موضع منه، وأنتم صادقون (٤). وقال مجاهد عن ابن عباس: ما يسُرُّني بمعاريض الكلام حُمْرُ النَّعم (٥).

стр. 1895

وقد ثبت في الصحيح من حديث حُميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط ــ وكانت من المهاجرات الأُول ــ أن رسول الله ﷺ رخَّص في الكذب في ثلاث: في الرجل يُصلِح بين الناس، والرجل يَكذِب لامرأته، والكذب في الحرب (١). وقال معتمر بن سليمان التيمي عن أبيه: حدثني نُعيم بن أبي هند عن سُويد بن غَفَلة أن عليًّا لما قتل الزنادقة نظر في الأرض، ثم رفع رأسه إلى السماء، ثم قال: صدق الله ورسوله، ثم قام فدخل بيته، فأكثر الناس في ذلك، فدخلتُ عليه فقلت: يا أمير المؤمنين أشيء عهدَ إليك رسول الله ﷺ أم شيء رأيتَه؟ فقال: هل عليَّ من بأسٍ (٢) أن أنظر إلى السماء؟ قلت: لا، قال: فهل عليَّ من بأسٍ أن أنظر إلى الأرض؟ قلت: لا، قال: فهل عليَّ من بأسٍ أن أقول صدق الله ورسوله؟ قلت: لا، قال: فإني رجل مُكايد (٣).

стр. 1896

وقال حجاج بن منهال: ثنا أبو عوانة عن أبي مسكين قال: كنت عند إبراهيم وامرأته تعاتبه في جاريته وبيدها مِروحةٌ، فقال: أُشهِدكم أنها لها، فلما خرجنا قال: على [٦٥/ب] مَا شهدتم؟ قلنا: أَشْهَدتَنا أنك جعلت الجارية لها، قال: أما رأيتموني أشير إلى المروحة؟ (١). وقال محمد بن الحسن عن عُمر (٢) بن ذر عن الشعبي: لا بأس بالحيل فيما يحلّ ويجوز، وإنما الحيل شيء يتخلَّص به الرجل من الحرام، ويخرج به إلى الحلال، فما كان من هذا ونحوه فلا بأس به، وإنما يُكره من ذلك أن يحتال الرجل في حقّ رجلٍ حتى يُبطِله، أو يحتال في باطل حتى يُوهِم أنه حق، أو يحتال في شيء حتى يدخل فيه شبهة، فأما ما كان على السبيل الذي قلنا فلا بأس بذلك (٣). قالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، قال غير واحد من المفسرين: مخرجًا مما ضاق على الناس. ولا ريب أن هذه الحيل مخارج مما ضاق على الناس (٤). ألا ترى أن الحالف يضيق عليه إلزام ما حلف عليه، فيكون له بالحيلة مخرجٌ منه، وكذلك الرجل تشتدُّ به الضرورة إلى نفقة ولا يجد من يُقرِضه فيكون له من هذا الضيق مخرجٌ بالعِينة

стр. 1897

والتورُّق ونحوهما، فلو لم يفعل ذلك لهلك وهلكت عياله، والله سبحانه لا يشرع ذلك، ولا يَضِيق عنه شرعُه الذي وَسِعَ جميعَ خلقه؛ فقد دار أمره بين ثلاثة لا بدَّ له من واحدٍ منها: إما إضاعة نفسه وعياله، وإما الربا صريحًا، وإما المخرج من هذا الضيق بالحيلة، فأَوجِدُونا أمرًا رابعًا نصير إليه. وكذلك الرجل يَنْزَغه الشيطان فيقع به الطلاق فيضيق عليه جدًّا مفارقةُ امرأته وأولاده وخراب بيته، فكيف يُنكَر في حكمة الله ورحمته أن نتحيَّل له بحيلة تُخرِجه من هذا الإصر والغُلّ؟ وهل الساعي في ذلك إلا مأجور غير مأزور كما قاله إمام الظاهرية في وقته أبو محمد بن حزم وأبو ثور وبعض أصحاب أبي حنيفة، وحملوا أحاديث التحريم على ما إذا شُرِط في صلب العقد أنه نكاح تحليل؟ قالوا: وقد روى عبد الرزاق (١) عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: أرسلت امرأة إلى رجل، فزوَّجتْه نفسَها ليُحِلَّها لزوجها، فأمره عمر بن الخطاب ﵁ أن يقيم معها ولا يطلِّقها، وأوعده أن يعاقبه إن طلَّقها. فهذا أمير المؤمنين قد صحَّح نكاحه، ولم يأمره باستئنافه، وهو حجة في صحة نكاح المحلِّل والنكاح بلا وليّ. وذكر عبد الرزاق (٢) عن معمر عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان لا يرى بأسًا بالتحليل، إذا لم يعلم أحد الزوجين.

стр. 1898

قال ابن حزم (١): وهو قول سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد. وصح عن عطاء فيمن نكح امرأة محلِّلًا ثم رغب فيها فأمسكها، قال: لا بأس بذلك (٢). وقال الشعبي: لا بأسَ بالتحليل إذا لم يأمر به الزوج (٣). وقال الليث بن سعد: إن تزوجها ثم فارقها لترجع إلى زوجها ولم يعلم المطلّق ولا هي بذلك وإنما كان ذلك منه إحسانًا فلا بأس بأن ترجع إلى الأول، فإن بيَّن الثاني ذلك للأول بعد دخوله بها لم يضرَّه (٤). وقال الشافعي وأبو ثور: [٦٦/أ] المحلّل الذي يفسُدُ نكاحه هو الذي يعقد عليه في نفس عقد النكاح أنه إنما يتزوّجها ليُحِلَّها ثم يطلّقها، فأما من لم يشترط ذلك في عقد النكاح فعقده (٥) صحيح لا داخلةَ فيه (٦)، سواء شرط ذلك عليه قبل العقد أو لم يشرط، نوى ذلك أو لم ينوِه، قال أبو ثور: وهو مأجور. وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثل هذا سواء. وروى أيضًا عن محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: إذا نوى الثاني

стр. 1899

وهي تحليلَها للأول لم تحلَّ له بذلك. وروى الحسن بن زياد (١) عن زفر وأبي حنيفة: أنه إن شرطَ عليه في نفس العقد أنه إنما تزوَّجها ليُحِلَّها للأول فإنه نكاح صحيح، ويبطُلُ الشرط، وله أن يقيم معها؛ فهذه ثلاث روايات عن أبي حنيفة. قالوا: وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وهذا زوج قد عقدَ بمهر وولي ورضاها وخلوّها من الموانع الشرعية، وهو راغب في ردِّها إلى الأول؛ فيدخل في حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «لا نكاحَ إلا نكاحُ رغبةٍ» (٢)، وهذا نكاح رغبة في تحليلها للمسلم كما أمر الله بقوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. والنبي ﷺ إنما شرط في عَودها إلى الأول مجرد ذوق العُسَيلة بينهما، وغَيَّا (٣) الحِلَّ بذلك فقال: «لا، حتى تذوقَ عُسيلته ويذوق عُسيلتها» فإذا تذاوقا العُسيلةَ حلَّت له بالنص (٤). قالوا: وأما نكاح الدُّلسة فنعم هو باطل، ولكن ما هو نكاح الدُّلسة؟ فلعله أراد به أن تدلَّس له المرأةُ بغيرها، أو تدلَّس له أنها انقضتْ عدتها ولم تنقضِ لتستعجلَ عودَها إلى الأول.

стр. 1900

وأما لعنه للمحلِّل فلا ريبَ أنه ﷺ لم يُرِد كل محلِّل ومحلَّل له؛ فإن الولي محلِّل لما كان حرامًا قبل العقد، والحاكم المزوِّج محلِّل بهذا الاعتبار، والبائع لأمته محلِّل للمشتري وطأها، فإن قلنا: «العام إذا خُصَّ صار مجملًا» بطل الاحتجاج بالحديث، وإن قلنا: «هو حجة فيما عدا محلِّ التخصيص» فذلك مشروط ببيان المراد منه، ولسنا ندري المحلِّل المراد من هذا النص، أهو الذي نوى التحليل أو شرطه قبل العقد أو شرطه في صلب العقد؟ أو الذي أحلَّ ما حرَّمه الله ورسوله؟ ووجدنا كلّ من تزوج مطلقةً ثلاثًا فإنه محلِّل، ولو لم يشترط التحليل ولم ينوِه؛ فإن الحلَّ حصل بعقده ووطئه. ومعلوم قطعًا أنه لم يدخل في النص، فعُلِم أن النص إنما أراد به من أحلَّ الحرام بفعله أو عقده، ونحن وكل مسلم لا نشكُّ في أنه أهلٌ للعنة الله. أما من قصد الإحسان إلى أخيه المسلم ورغب في جمع شَمْله بزوجته، ولمِّ شَعَثِه وشَعَثِ أولاده وعياله؛ فهو محسن، وما على المحسنين من سبيل، فضلًا عن أن تلحقهم لعنة رسول الله ﷺ . ثم قواعد الفقه وأدلته لا تحرِّم مثل ذلك؛ فإن هذه العقود التي لم يشترط المحرم في صلبها عقودٌ صدرت من أهلها في محلِّها [٦٦/ب] مقرونة بشروطها، فيجب الحكم بصحتها؛ لأن السبب هو الإيجاب والقبول وهما تامّانِ، وأهلية العاقد لا نزاع فيها، ومحلية العقد قابلة، فلم يبقَ إلا القصد المقرون بالعقد، ولا تأثير له في بطلان الأسباب الظاهرة لوجوه: أحدها: أن المُعْتانَ (١) مثلًا إنما قصد الربح الذي وُضعت له التجارة، وإنما لكل امرئ ما نوى، فإذا حصل له الربح حصل له مقصوده، وقد سلك

стр. 1901

الطريق المفضية إليه في ظاهر الشرع. والمحلِّل غايته أنه قصد الطلاق ونواه إذا وطئ المرأة، وهو مما ملَّكه الشارع إياه، فهو كما لو نوى المشتري إخراج المبيع عن مِلكه إذا اشتراه، وسرُّ ذلك أن السبب مقتضٍ لتأبُّد الملك، والنية لا تغيِّر موجبَ السبب حتى يقال: إن النية تُوجِب تأقيتَ العقد، وليست هي منافية لموجب العقد، فإن له أن يطلِّق. ولو نوى بعقد الشراء إتلافَ المبيع وإحراقَه أو إغراقَه لم يقدح في صحة البيع، فنية الطلاق أولى. وأيضًا فالقصد لا يقدح في اقتضاء السبب لحكمه؛ لأنه خارج عما يتمُّ به العقد، ولهذا لو اشترى عصيرًا ومن نيته أن يتخذه خمرًا، أو جاريةً ومن نيته أن يُكرِهها على البغاء أو يجعلها مغنيةً، أو سلاحًا ومن نيته أن يقتل به معصومًا= فكل ذلك لا أثر له في صحة البيع من جهة أنه منقطع عن السبب؛ فلا يخرج السبب عن اقتضاء حكمه. وقد ظهر بهذا الفرقُ بين (١) هذا القصد وبين الإكراه؛ فإن الرضا شرط في صحة العقد، والإكراه ينافي الرضا، وظهر أيضًا الفرقُ بينه وبين الشرط المقارن؛ فإن الشرط المقارن يقدح في مقصود العقد؛ فغاية الأمر أن العاقد قصد محرمًا، لكن ذلك لا يمنع ثبوتَ الملك، كما لو تزوَّجها ليُضارَّ بها امرأةً له أخرى. ومما يؤيّد ما ذكرناه أن النية إنما تعمل في اللفظ المحتمل للمنْويّ وغيره، مثل الكنايات، ومثل أن يقول: اشتريتُ كذا؛ فإنه يحتمل أن يشتريه لنفسه ولموكِّله، فإذا نوى أحدهما صح، فإذا كان السبب ظاهرًا متعينًا

стр. 1902

لمسببه لم يكن للنية الباطنة أثر في تغيير حكمه. يوضحه أن النية لا تؤثّر في اقتضاء الأسباب الحسية والعقلية المستلزمة لمسبباتها، [و] لا تؤثّر النية في تغييرها. يوضحه أن النية إما أن تكون بمنزلة الشرط أو لا تكون، فإن كانت بمنزلة الشرط لزم أنه إذا نوى أن لا يبيع ما اشتراه ولا يهبه ولا يتصرف فيه، أو نوى أن يُخرِجه عن ملكه، أو نوى أن لا يطلِّق الزوجة أو يبيت عندها كل ليلة أو لا يسافر عنها، بمنزلة أن يشترط ذلك في العقد، وهو خلاف الإجماع، وإن لم يكن بمنزلة الشرط فلا تأثير له حينئذٍ. وأيضًا فنحن لنا ظواهر الأمور، وإلى الله سرائرها وبواطنها؛ ولهذا تقول الرسل لربهم تعالى يوم القيامة إذا سألهم: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ فيقولون: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩]، كان [٦٧/أ] لنا ظواهرهم، وأما ما انطوت عليه ضمائرهم وقلوبهم فأنت العالم به. قالوا: فقد ظهر عذرنا، وقامت حجتنا، وتبيَّن أنا لم نخرج فيما أصَّلناه ــ من اعتبار الظاهر، وعدم الالتفات إلى القصود في العقود، وإلغاء الشروط المتقدمة الخالي عنها العقدُ، والتحيُّل على التخلُّص من مضايق الأيمان وما حرَّمه الله ورسوله من الربا وغيره ــ عن كتاب ربنا وسنة نبينا وأقوال السلف الطيب. ولنا بهذه الأصول رهنٌ عند كل طائفة من الطوائف المنكرة علينا. فلنا عند الشافعية رهونٌ كثيرة في عدة مواضع، وقد سلَّموا لنا أن الشرط المتقدم على العقد مُلغًى، وسلَّموا لنا أن القصود غير معتبرة في العقود، وسلَّموا لنا جواز التحيُّل على إسقاط الشفعة، وقالوا بجواز التحيُّل على بيع

стр. 1903

المعدوم من الثمار فضلًا عما لم يبدُ (١) صلاحه بأن يُؤْجِره الأرضَ ويُساقيه على الثمر من كل ألف جزء على جزء، وهذا نفس الحيلة على بيع الثمار قبل وجودها، فكيف ينكرون علينا التحيُّل على بيعها قبل بدوِّ صلاحها؟ وهل مسألة العينة إلا ملك باب الحيل؟ وهم يُبطلون الشركة بالعروض ثم يقولون: الحيلة في جوازها أن يبيع كلٌّ منهما نصفَ عَرضه لصاحبه، فيصيران شريكين حينئذٍ بالفعل، ويقولون: لا يصح تعليق الوكالة بالشرط، والحيلة على جوازها أن يوكِّله الآن ويعلِّق تصرُّفَه بالشرط. وقولهم في الحيل على عدم الحنث بالمسألة السُّريجية (٢) معروف، وكل حيلة سواه محلّل بالنسبة إليه؛ فإن هذه المسألة حيلة على أن يحلف دائمًا بالطلاق ويحنَث ولا يقع عليه الطلاق أبدًا. وأما المالكية فهم من أشدِّ الناس إنكارًا علينا للحيل، وأصولُهم تخالف أصولَنا في ذلك؛ إذ عندهم أن الشرط المتقدم كالمقارن، والشرط العرفي كاللفظي، والقصود في العقود معتبرة، والذرائع يجب سدُّها، والتغرير الفعلي كالتغرير القولي، وهذه الأصول تسدُّ باب الحيل سدًّا محكمًا. ولكن قد غلقنا (٣) لهم برهونٍ نطالبهم بفِكاكها أو بموافقتهم لنا على ما أنكروه علينا، فجوَّزوا التحيُّلَ على إسقاط الشفعة، وقالوا: لو

стр. 1904

تزوَّجها ومِن نيته أن يقيم معها سنةً صح النكاح، ولم تعمل هذه النية في فساده. وأما الحنابلة فبيننا وبينهم مُعتَرك النِّزال في هذه المسائل؛ فإنهم هم الذين شنُّوا علينا الغارات، ورمَونا بكل سلاح من الأثر والنظر، ولم يراعُوا لنا حرمة، ولم يُراقبوا (١) فينا إلًّا ولا ذمَّة. وقالوا: لو نصبَ شِباكًا للصيد قبل الإحرام ثم أخذ ما وقع فيها حالَ الإحرام بعد الحل جاز. ويا لله العجب! أيُّ فرقٍ بين هذه الحيلة وحيلة أصحاب السبت على الحيتان؟ وقالوا: لو نوى الزوج الثاني أن يُحِلَّها للأول ولم يشترط ذلك جاز وحلَّت، لأنه لم يشترط ذلك في العقد. [٦٧/ب] وهذا تصريح بأن النية لا تؤثِّر في العقد. وقالوا: لو تزوَّجها ومِن نيته أن يقيم معها شهرًا ثم يطلِّقها صح العقد، ولم تكن نية التوقيت مؤثرةً فيه. وكلامهم في باب المخارج من الأيمان بأنواع الحيل معروف، وعنَّا تلقَّوه، ومنّا أخذوه. وقالوا: لو حلف أن لا يشتري منه ثوبًا فاتَّهبه منه وشرط له العوض لا يحنث. وقالوا بجواز مسألة التورُّق. وهي شقيقة مسألة العِينة؛ فأيُّ فرق بين مصير السِّلعة إلى البائع وبين مصيرها إلى غيره؟ بل قد يكون عَودُها إلى

стр. 1905

البائع أرفقَ بالمشتري وأقلَّ كلفةً عليه وأرفهَ (١) لخسارته وتعنِّيه. فكيف يُحرِّمون الضرر اليسير ويُبيحون ما هو أعظم منه والحقيقة في الموضعين واحدة، وهي عشرة بخمسة عشر وبينهما حريرةٌ، رجعتْ في إحدى الصورتين إلى مالكها وفي الثانية إلى غيره؟ وقالوا: لو حلف بالطلاق لا يزوِّج عبدَه بأمته أبدًا ثم أراد تزويجه بها ولا يحنث، فإنه يبيع العبد والجارية من رجل ثم يزوِّجهما المشتري ثم يستردُّهما منه. قال القاضي (٢): وهذا غير ممتنع على أصلنا؛ لأن عقد النكاح قد وُجِد في حال زوال مِلكه عنهما، ولا يتعلَّق الحنثُ باستدامة العقد بعد أن ملكهما؛ لأن التزويج عبارة عن العقد وقد انقضى، وإنما بقي حكمه فلم يحنث باستدامة حكمه. وقالوا: لو كان له عليه مال وهو محتاج فأحبَّ أن يدعه له من زكاته، فالحيلة أن يتصدَّق عليه بذلك القدر ثم يقبضه منه. ثم قالوا: فإن كان له شريك فيه (٣) فخاف أن يُحاصَّه (٤) فيه، فالحيلة أن يهبَ المطلوب للطالب مالًا بقدر حصة الطالب مما له عليه (٥)، ويقبضه منه للطالب، ثم يتصدق

стр. 1906

الطالب على المطلوب بما وهبه له ويحتسب بذلك من زكاته، ثم يهب المطلوب ماله عليه من الدين، ولا يضمن الطالب لشريكه شيئًا؛ لأن هبة الدَّين لمن في ذمته براءة. وإذا أبرأ أحد الشريكين الغريمَ من نصيبه لم يضمن لشريكه شيئًا، وإنما يضمن إذا حصل الدَّين في ضمانه. وقالوا: لو آجرَه الأرضَ بأجرة معلومة وشرطَ عليه أن يؤدِّي خراجَها لم يجز؛ لأن الخراج على المالك لا على المستأجر. والحيلة في جوازه أن يُؤجِره إياها بمبلغ يكون زيادته بقدر الخراج، ثم يأذن له أن يدفع في خراجها ذلك القدر الزائد على أجرتها. قالوا: لأنه متى زاد مقدار الخراج على الأجرة حصلَ ذلك دينًا على المستأجر، وقد أمره أن يدفعه إلى مستحقّ الخراج، وهو جائز. قالوا: ونظير هذا أن يُؤجِره دابةً ويشترط علفَها على المستأجر لم يجزْ، والحيلة في جوازه هكذا سواء، يزيد في الأجرة ويوكِّله أن يعلِف الدابة بذلك القدر الزائد. وقالوا: لا يصح استئجار الشجرة للثمرة (١)، والحيلة في ذلك أن يُؤجِره الأرضَ ويساقيه على الثمرة من كل ألف جزءٍ جزءًا مثلًا. [٦٨/أ] وقالوا: لو (٢) وكَّله أن يشتري له جارية معينة بثمن معين دفعه إليه، فلما رآها أراد شراءها لنفسه، وخاف أن يحلِّفه أنه إنما اشتراها بمال الموكِّل له، وهو وكيله، فالوجه أن يَعزِل نفسه عن الوكالة، ثم يشتريها بثمن

стр. 1907

في ذمته، ثم ينقد ما معه من الثمن، ويصير (١) لموكّله في ذمته نظيره. قالوا: وأما نحن فلا تتأتَّى هذه الحيلة على أصولنا؛ لأن الوكيل لا يملك عزل نفسه إلا بحضرة موكله. قالوا: وقد قالت الحنابلة أيضًا: لو أراد إجارة أرض له فيها زرع لم يجز، والحيلة في جوازه أن يبيعه الزرعَ ثم يُؤجِره الأرضَ، فإن أراد بعد ذلك أن يشتري منه الزرع جاز. وقالوا: لو شرط ربُّ المال على المضارب ضمانَ مال المضاربة لم يصح، والحيلة في صحته أن يُقرِضه المال في ذمته ثم يقبضه المضارب منه، فإذا قبضه دفعه إلى مالكه الأول مضاربة، ثم يدفعه ربُّ المال إلى المضارب بضاعة، فإن تَوى (٢) فهو من ضمان المضارب؛ لأنه قد صار مضمونًا عليه بالقرض، فتسليمه إلى رب المال مضاربة كتسليم مالٍ له آخر. وحيلة أخرى، وهي أن يُقرِض ربُّ المال المضارب ما يريد دفعه إليه، ثم يُخرِج من عنده درهمًا واحدًا، فيشاركه على أن يعملا بالمالين جميعًا على أن ما رزقه الله فهو بينهما نصفين، فإن عمل أحدهما بالمال بإذن صاحبه فربح كان الربح بينهما على ما شرطاه (٣)، وإن خسر كان الخسران على قدر المالين، على رب المال بقدر الدرهم وعلى المضارب بقدر رأس المال، وإنما جاز ذلك لأن المضارب هو الملزِم نفسَه الضمانَ بدخوله في القرض.

стр. 1908

وقالوا: لا تجوز المضاربة على العَرض، فإن كان عنده عرضٌ فأراد أن يضارب عليه فالحيلة في جوازه أن يبيعه العرض ويقبض ثمنه فيدفعه إليه مضاربة، ثم يشتري المضارب ذلك المتاع بالمال. وقالوا: لو حلَّفتْه امرأته أن كل جارية يشتريها فهي حرة، فالحيلة في جواز الشراء ولا تُعتَق أن يعني بالجارية السفينة ولا تعتق، وإن لم تحضره هذه النية وقتَ اليمين فالحيلة أن يشتريها صاحبه ويهبه إياها ثم يهبه نظير الثمن. وقالوا: لو حلَّفتْه أن كل امرأة يتزوجها عليها فهي طالق، وخاف من هذه اليمين عند من يصحح هذا التعليق، فالحيلة أن ينوي كل امرأة أتزوجها على طلاقك، أي: يكون طلاقك صداقها، أو كل امرأة أتزوجها على رقبتك، أي: تكون رقبتك صداقها، فهي طالق، فلا يحنث بالتزويج على غير هذه الصفة. وقالوا: لو أراد أن يصرف دنانير بدراهم ولم يكن عند الصيرفي مبلغ الدراهم وأراد أن يصبر عليه بالباقي لم يجز، والحيلة فيه أن يأخذ ما عنده من الدراهم بقدر صرفه، ثم يُقرِضه إياها فيصرف بها الباقي، فإن لم يعرف (١) فعل ذلك مرارًا حتى يستوفي [٦٨/ب] صرفه، ويصير ما أقرضه دينًا عليه، لا أنه عوض الصرف. وقالوا: لو أراد أن يبيعه دراهم بدنانير إلى أجلٍ لم يجز، والحيلة في ذلك أن يشتري منه متاعًا وينقُده ثمنَه ويقبض المتاع، ثم يشتري البائع منه ذلك المتاع بدنانير إلى أجل، والتأجيل جائز في ثمن المتاع.

стр. 1909

وقالوا: لو مات ربُّ المال بعد أن قبض المضارب المال انتقل إلى ورثته، فلو اشترى المضارب به بعد ذلك متاعًا ضَمِنَ؛ لأنه تصرّف بعد بطلان الشركة. والحيلة في تخلُّص المضارب من ذلك أن يشهد ربُّ المال أن حصّته من المال الذي دفعه مضاربة لولده، وأنه مقارض إلى هذا الشريك بجميع ما تركه، وأمره أن يشتري لولده ما أحبَّ في حياته وبعد وفاته. فيجوز ذلك؛ لأن المانع منه كونُه متصرفًا في ملك الغير بغير وكالة ولا ولاية، فإذا أذن له في التصرُّف برئ من الضمان، وإن (١) كانت هذه الحيلة إنما تتم إذا كان الورثة أولادًا صغارًا. وقالوا: لو صالح عن المؤجَّل ببعضه حالًا لم يصح، والحيلة في تصحيحه أن يفسخا العقد الذي وقع على المؤجّل ويجعلاه بذلك القدر الحال. وقالوا: لو لبس المتوضئ أحد الخفَّين قبل غَسل الرجل الأخرى ثم غسل الأخرى ولبس عليها لم يجز المسح؛ لأنه لم يلبس على كمال الطهارة، والحيلة في جواز المسح أن يخلع هذه الفردة الثانية ثم يلبسها. قالوا: ولو أوصى لرجلٍ بخدمة عبده أو بما في بطن أمته جاز، فلو أراد الورثة شراء خدمة العبد أو ما في بطن الأمة من الموصى له لم يجز، والحيلة في جوازه أن يصالحوه من الموصى به على ما يبذلونه له فيجوز، وإن لم يجز البيع فإن الصلح يجوز فيه ما لا يجوز في البيع. قالوا: ولا تجوز الشركة بالعروض، فإن كان لأحدهما عرضٌ يساوي

стр. 1910

خمسة آلاف درهم، وللآخر عرضٌ يساوي ألفًا، فأحبَّا أن يشتركا في العرضين، فالحيلة أن يشتري صاحب العرض الذي قيمته خمسة آلاف من الآخر خمسةَ أسداسِ عرضِه بسدسِ عرضِه هو؛ فيصير للذي (١) يساوي عرضه سدسُ جميع المال، وللآخر (٢) خمسةُ أسداسه؛ لأن جميع ماليهما ستة آلاف، وقد حصل كل واحد من العرضين بهذه الشركة بينهما أسداسًا، خمسةُ أسداسِه لأحدهما وسدسُه للآخر، فإذا هلك أحدهما هلك على الشركة. قالوا: ولا تُقبل شهادة الموكَّل لموكِّله فيما هو وكيلٌ فيه، فلو لم يكن له شاهد غيره وخاف ضياع حقه فالحيلة أن يعزِله حتى يشهد له، ثم يوكِّله بعد ذلك إن أراد. قالوا: ولو أعتق عبده في مرضه، وثلثُه يحتمله، وخاف عليه من الورثة أن يجحدوا المال ويرِثوا (٣) ثلثيه؛ فالحيلة أن يدفع إليه مالًا يشتري نفسَه منه بحضرة شهود، ويشهدون أنه قد أقبضَه المال، وصار العبد حرًّا. قالوا: وكذلك الحيلة لو كان لأحد الورثة دينٌ على الموروث، وليست له به بينة، فأراد بيعه العبد بدَينه الذي له عليه فعلَ مثل ذلك سواء. قالوا: ولو [٦٩/أ] قال: «أوصيتُ إلى فلان، وإن لم يقبلْ فإلى فلان» وخاف أن تبطل الوصية على مذهب من لا يرى جواز تعليق الولاية بالشرط،

стр. 1911

[فالحيلة] (١) أن يقول: «فلان وفلان وصيّانِ، فإن لم يقبل أحدهما وقبل الآخر فالذي قبِلَ هو الوصي»، فيجوز على قول الجميع؛ لأنه لم يعلِّق الولاية بالشرط. قالوا: ولو أراد ذمي أن يُسلِم وعنده خمر كثير، فخاف أن يذهب عليه بالإسلام؛ فالحيلة أن يبادر ببيعها من ذمي آخر ثم يسلم، فإنه يملك تقاضِيَه بعد الإسلام، فإن بادر الآخر وأسلم لم يسقط عنه ذلك. وقد نصّ عليه الإمام أحمد في مجوسي باع مجوسيًّا خمرًا ثم أسلما: يأخذ الثمن، قد وجب له يومَ باعَه. قال أرباب الحيل: فهذا رَهنُ الفِرَقِ عندنا بأنهم قالوا بالحيل وأفتوا بها، فماذا يُنكرون علينا بعد ذلك ويُشنعون؟ ومثالنا ومثالهم في ذلك كقوم وجدوا كنزًا فأصاب كل منهم طائفةً منه في يديه، فمستقلٌ ومستكثرٌ، ثم أقبل بعض الآخذين يَنقِمُ على بقيتهم، وما أخذه من الكنز في يديه، فلْيرمِ بما أخذ منه ثم لْينكرْ على الباقين. قال المبطلون للحيل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فسبحان الله الذي فرض الفرائض وحرّم المحارم وأوجب الحقوق رعايةً لمصالح العباد في المعاش والمعاد، وجعل شريعته الكاملة قيامًا للناس، وغذاء لحفظ حياتهم، ودواء لدفع أدوائهم، وظلّه الظليل الذي من استظلَّ به أَمِنَ من الحَرور (٢)، وحِصنه

стр. 1912

الحصين الذي من دخله نجا من الشرور. فتعالى شارعُ هذه الشريعة الفائقة لكل شريعة أن يشرع فيها الحيل التي تُسقِط فرائضه، وتُحِلُّ محارمه، وتُبطِل حقوق عباده، وتفتح للناس أبواب الاحتيال، وأنواع المكر والخداع، وأن يُبيح التوصُّلَ بالأسباب المشروعة إلى الأمور المحرمة الممنوعة، وأن يجعلها مُضغةً (١) لأفواه المحتالين، عُرضةً لأغراض المخادعين الذين يقولون ما لا يفعلون، ويُظهرون خلاف ما يُبطنون، ويرتكبون العبثَ الذي لا فائدة فيه سوى ضُحْكة الضاحكين وسُخرية الساخرين، فيخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، ويتلاعبون بحدوده كتلاعب المُجَّان، فيحرِّمون الشيء ثم يستحلُّونه إياه بعينه بأدنى الحيل، ويسلكون إليه نفسِه طريقًا تُوهِم أن المراد غيره، وقد علموا أنه هو المراد لا غيره، ويُسقطون الحقوق التي وصَّى الله بحفظها وأدائها بأدنى شيء، ويفرِّقون بين متماثلينِ من كل وجه لاختلافهما في الصورة أو الاسم أو الطريق الموصل إليهما، ويستحلُّون بالحيل ما هو أعظم فسادًا مما يحرّمونه (٢)، ويُسقطون بها ما هو أعظم وجوبًا مما يوجبونه. والحمد لله الذي نزَّه شريعته عن هذا التناقض (٣) والفساد، وجعلها كَفيَّةً (٤) وَفيَّة بمصالح خلقه في المعاش والمعاد، وجعلها من أعظم [٦٩/ب] آياته الدالة عليه، ونصبها طريقًا مُرشدًا لمن سلكه إليه؛ فهو نوره المبين،

стр. 1913

وحِصنه الحصين، وظلُّه الظليل، وميزانه الذي لا يَعُول (١). لقد تعرّف بها إلى ألبَّاء عباده غايةَ التعرف، وتحبَّب بها إليهم غايةَ التحبُّب، فآنَسُوا بها (٢) منه حكمتَه البالغة، وتمت بها عليهم منه نِعمُه السابغة، ولا إله إلا الله الذي في شرعه أعظم آية تدلُّ على تفرُّده بالإلهية وتوحُّده بالربوبية، وأنه الموصوف بصفات الكمال، المستحقّ لنعوت الجلال، الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى وله المثل الأعلى، فلا يدخل السوء في أسمائه، ولا النقص والعيب في صفاته، ولا العبث ولا (٣) الجور في أفعاله، بل هو منزَّه في ذاته وأوصافه وأفعاله وأسمائه عما يضادُّ كمالَه بوجه من الوجوه. تبارك اسمه، وتعالى جَدُّه، وبَهرتْ حكمته، وتمَّت نعمته، وقامت على عباده حجته، والله أكبر كبيرًا أن يكون في شرعه تناقض أو اختلاف، فلو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا، بل هي شريعة مؤتلفة النظام، متعادلة الأقسام، مبرَّأة من كل نقص، مطهَّرة من كل دَنَس، مسلَّمة لا شِيةَ فيها، مؤسَّسة على العدل والحكمة والمصلحة والرحمة قواعدُها ومبانيها، إذا حرَّمت فسادًا حرَّمت ما هو أولى منه أو نظيره، وإذا رعَتْ صلاحًا رعَتْ ما هو فوقه أو شبيهه؛ فهي صراطه المستقيم الذي لا أَمْتَ (٤) فيه ولا عِوَج، وملّته الحنيفية السمحة التي لا ضِيقَ فيها ولا حرج، بل هي حنيفية التوحيد سمحة العمل، لم تأمر بشيء فيقول العقل لو نهتْ عنه لكان أوفق، ولم تَنْهَ

стр. 1914

عن شيء فيقول الحِجَا لو أباحته لكان أوفق، بل أمرت بكل صلاح، ونهت عن كل فساد، وأباحت كل طيِّب، وحرّمت كل خبيث، فأوامرها غذاء ودواء، ونواهيها حِميةٌ وصيانة، وظاهرها زينة لباطنها، وباطنها أجمل من ظاهرها، شعارها الصدق، وقِوامُها الحق، وميزانها العدل، وحكمها الفَصْل، لا حاجة بها البتةَ إلى أن تُكْمَل بسياسة ملكٍ أو رأي ذي رأي أو قياس فقيه أو ذوقِ ذي رياضة أو منامِ ذي دين وصلاح، بل بهؤلاء كلِّهم أعظمُ الحاجة إليها، ومن وُفِّقَ منهم للصواب فلاعتماده وتعويله عليها. لقد أكملها الذي أتمَّ نعمته علينا بشرعها قبل سياسات الملوك، وحيل المتحيّلين، وأقيسة القياسيين، وطرائق الخلافيين، وأين كانت هذه الحيل والأقيسة والقواعد المتناقضة والطرائق القِدَد (١) وقتَ نزول قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]؟ وأين كانت يومَ قوله ﷺ : «لقد تركتُكم على المَحجَّة البيضاءِ ليلُها كنهارِها، لا يَزِيغُ عنها إلا هالكٌ» (٢)، ويومَ قوله: «ما تركتُ من شيء يُقرِّبكم إلى (٣) الجنة ويُباعِدكم من النار إلا أعلمتُكموه» (٤)؟ وأين كانت عند قول أبي ذر: لقد توفي رسول الله ﷺ [٧٠/أ] وما طائرٌ يقلِّب جناحَيه في السماء

стр. 1915

إلا أذكَرَنا منه علمًا (١)، وعند قول القائل لسلمان: لقد علَّمكم نبيكم كلَّ شيء حتى الخِراءة، فقال: أجل (٢)؟ فأين علَّمهم الحيلَ والمخادعة والمكر وأرشدهم إليه ودلّهم عليه؟ كلّا والله، بل حذَّرهموه أشدَّ التحذير، وأوعدهم عليه أشدَّ الوعيد، وجعله منافيًا للإيمان، وأخبر عن لعنة اليهود لما ارتكبوه، وقال لأمته: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلُّوا محارمَ الله تعالى بأدنى الحيل» (٣)، وأغلقَ أبواب المكر والاحتيال، وسدَّ الذرائعَ، وفصَلَ الحلالَ من الحرام، وبيَّن الحدود، وقسَّم شريعته إلى حلال بيِّن وحرام بيِّن وبرزخٍ بينهما (٤)؛ فأباح الأول، وحرَّم الثاني، وحضَّ الأمة على اتقاء الثالث خشيةَ الوقوع في الحرام، وقد أخبر الله سبحانه عن عقوبة المحتالين على حِلّ ما حرَّمه عليهم وإسقاطِ ما فرضه عليهم في غير موضع من كتابه. قال أبو بكر الآجرِّي (٥) وقد ذكر بعض الحيل الربوية التي يفعلها الناس: لقد مُسِخ اليهود قِردةً بدون هذا. وصدقَ واللهِ، لأَكلُ حوتٍ صِيْدَ يوم السبت أهونُ عند الله وأقلّ جرمًا من آكل الربا ــ الذي حرَّمه الله ــ بالحيل والمخادعة، ولكن كما قال الحسن:

стр. 1916

عُجِّل لأولئك عقوبةُ تلك الأكلة الوخيمة وأُرجِئتْ عقوبة هؤلاء (١). وقال الإمام أبو يعقوب الجوزجاني (٢): وهل أصاب الطائفةَ من بني إسرائيل المسخُ إلا باحتيالهم على أمر الله، بأن حَظَروا الحظائر (٣) على الحيتان في يومِ سَبْتِهم، فمنعوها الانتشارَ يومَها إلى الأحد فأخذوها. وكذلك السلسلة التي كانت تأخذ بعنق الظالم، فاحتال لها صاحب الدرَّة إذ صيَّرها في قصبةٍ ثم دفع القصبة إلى خصمه، وتقدَّم إلى السلسلة ليأخذها فُرِفعتْ (٤). وقال بعض الأئمة (٥): في هذه الآية مَزجرةٌ عظيمة للمتعاطين الحيلَ على المناهي الشرعية ممن تلبَّس بعلم الفقه وليس بفقيه؛ إذ الفقيه من يخشى الله في الربويات، واستعارة التيس الملعون لتحليل المطلقات، وغير ذلك من العظائم والمصائب الفاضحات، التي لو اعتمدها مخلوق مع مخلوق لكان في نهاية القبح، فكيف بمن يعلم السرَّ وأخفى الذي يعلم خائنةَ الأعين وما تخفي الصدور؟

стр. 1917

قال: وإذا وازن اللبيب بين حيلة أصحاب السبت والحيل التي يتعاطاها (١) أرباب الحيل في كثير من الأبواب، ظهر له التفاوت ومراتب المفسدة التي بينها وبين هذه الحيل، فإذا عرف قدر الشرع، وعظمة الشارع وحكمته، وما اشتمل عليه شرعه من رعاية مصالح العباد= تبيَّن له حقيقة الحال، وقطَع بأن الله سبحانه يتنزَّه ويتعالى أن يسوِّغ لعباده نقضَ شرعه وحكمته بأنواع الخداع والاحتيال. فصل قالوا: ونحن نذكر ما تمسكتم به في تقرير الحيل والعمل بها، ونبيِّن ما فيه، متحرِّين للعدل والإنصاف، منزِّهين [٧٠/ب] لشريعة الله وكتابه وسنة رسوله عن المكر والخداع والاحتيال المحرّم، ونبيِّن انقسام الحيل والطرق إلى ما هو كفر محض، وفسق ظاهر، ومكروه، وجائز، ومستحبّ، وواجب عقلًا أو شرعًا، ثم نذكر فصلًا نبيِّن فيه التعويض بالطرق الشرعية عن الحيل الباطلة، فنقول وبالله التوفيق والمستعان وعليه التُّكلان: أما قوله تعالى لنبيه أيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾، فقال شيخنا ﵁ (٢): الجواب أن هذا ليس مما نحن فيه؛ فإن للفقهاء في موجب هذه اليمين في شرعنا قولين (٣)، يعني إذا حلف ليضربنَّ عبدَه أو امرأته مائة ضربة:

стр. 1918

أحدهما: قول من يقول: موجبها الضرب مجموعًا أو مفرَّقًا، ثم منهم من يشترط مع الجمع الوصول إلى المضروب؛ فعلى هذا تكون هذه (١) الفتيا موجب هذا اللفظ عند الإطلاق، وليس هذا بحيلة، إنما الحيلة أن يصرف اللفظ عن موجبه عند الإطلاق. والقول الثاني: أن موجبه الضرب المعروف (٢)، وإذا كان هذا موجبه في شرعنا لم يصح الاحتجاج علينا بما يخالف شرعًا من شرائع من قبلنا؛ لأنا إن قلنا: «ليس شرعًا لنا مطلقًا» فظاهر، وإن قلنا: «هو شرعٌ لنا» فهو مشروط بعدم مخالفته لشرعنا، وقد انتفى الشرط. وأيضًا فمن تأمَّل الآية علم أن هذه الفتيا خاصّةُ الحكم؛ فإنها لو كانت عامةَ الحكم في حق كل أحدٍ لم يَخْفَ على نبي كريم موجبُ يمينه، ولم يكن في اقتصاصها علينا كبيرُ عبرةٍ؛ فإنما يُقصُّ ما خرج عن نظائره لنعتبر به ونستدلّ به على حكمة الله فيما قصَّه علينا، أما ما كان هو مقتضى العادة والقياس فلا يُقَصُّ، ويدل على الاختصاص قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤]. وهذه الجملة خرجت مخرج التعليل كما في نظائرها؛ فعُلِم أن الله إنما أفتاه بهذا جزاءً له على صبره، وتخفيفًا عن امرأته، ورحمةً بها، لا أن هذا موجب هذه اليمين. وأيضًا فإن الله سبحانه إنما أفتاه بهذه الفتيا لئلا يحنَثَ، كما أخبر سبحانه. وهذا يدلُّ على أن كفارة الأيمان لم تكن مشروعةً بتلك الشريعة، بل

стр. 1919

ليس في اليمين إلا البر والحنث، كما هو ثابت في نذر التبرُّر في شريعتنا؛ وكما كان في أول الإسلام. قالت عائشة ﵂: لم يكن أبو بكر يحنث في يمين، حتى أنزل الله كفارة اليمين (١). فدلَّ على أنها لم تكن مشروعة في أول الإسلام، وإذا كان كذلك صار كأنه قد نذر ضرْبَها، وهو نذر لا يجب الوفاء به؛ لما فيه من الضرر عليها، ولا يُغني عنه كفارة يمين؛ لأن تكفير النذر فرع عن تكفير اليمين، فإذا لم تكن كفارة النذر إذ ذاك مشروعةً فكفارة اليمين أولى. وقد عُلِم أن الواجب بالنذر يُحتذَى به حذو الواجب بالشرع، وإذا كان الضرب الواجب بالشرع يجب تفريقه إذا كان المضروب [٧١/أ] صحيحًا ويجوز جمعه إذا كان المضروب مريضًا مأيوسًا منه عند الكل أو مريضًا على الإطلاق عند بعضهم، كما ثبتت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ (٢) = جاز أن يقام الواجب بالنذر مقام ذلك عند العذر. وقد كانت امرأة أيوب ﵇ ضعيفة عن احتمال مائة ضربةٍ التي حلف أن يضربها إياها، وكانت كريمةً على ربها، فخفَّف عنها برحمته الواجبَ باليمين بأن أفتاه بجمع (٣) الضربات بالضِّغث كما خفّف عن المريض.

стр. 1920

ألا ترى أن السنة قد جاءت فيمن نذر الصدقة بجميع ماله أنه يُجزئه الثلث (١)، فأقام الثلث في النذر مقام الجميع رحمةً بالناذر وتخفيفًا عنه، كما أقيم مقامه في الوصية رحمة بالوارث ونظرًا له. وجاءت السنة فيمن نذرت الحج ماشيةً أن تركب وتُهدِي (٢)، إقامةً لترك بعض الواجب بالنذر مقامَ ترك بعض (٣) الواجب بالشرع في المناسك عند العجز عنه، كطواف الوداع عن الحائض. وأفتى ابن عباس وغيره من نذر ذَبْحَ ابنه بشاة (٤)، إقامةً لذبح الشاة مقامَ ذبح الابن كما شُرع ذلك للخليل. وأفتى أيضًا من نذر أن يطوف على أربع بأن يطوف أسبوعين (٥)، إقامةً لأحد الأسبوعين مقام طواف اليدين.

стр. 1921

وأفتى أيضًا هو (١) وغيره من الصحابة ﵃ المريض المأيوس منه والشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم بأن يفطرا ويطعما كل يوم مسكينًا (٢)، إقامةً للإطعام مقامَ الصيام. وأفتى أيضًا هو (٣) وغيره من الصحابة: الحامل والمرضع إذا خافتا على ولدَيْهما أن تفطرا وتُطعِما كل يوم مسكينًا (٤)، إقامةً للإطعام مقامَ الصيام، وهذا كثير جدًّا. وغير مستنكر في واجبات الشريعة أن يخفّف الله سبحانه الشيء منها عند المشقة بفعل ما يشبهه من بعض الوجوه كما في الأبدال وغيرها، ولكن مثل قصة أيوب لا يُحتاج إليها في شرعنا؛ لأن رجلًا لو حلف ليضربنَّ أمته أو امرأته مائة ضربة أمكنه أن يكفّر عن يمينه من غير احتياج إلى حيلة وتخفيف الضرب بجمعه، ولو نذر ذلك فهو نذر معصية، فلا شيء عليه عند طائفة، وعند طائفة عليه كفارة يمين. وأيضًا فإن المطلق من كلام الآدميين محمول على ما فسّر به المطلق من كلام الشارع خصوصًا في الأيمان؛ فإن الرجوع فيها إلى عرف الخطاب شرعًا أو عادةً أولى من الرجوع إلى موجب اللفظ في أصل اللغة، والله قد قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]،

стр. 1922

وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]. وفهم الصحابة والتابعون ومن بعدهم من ذلك أنه ضربات متفرقة لا مجموعة، إلا أن يكون المضروب معذورًا عذرًا لا يُرجى زواله؛ فإنه يُضرب ضربًا مجموعًا، وإن كان يرجى زواله فهل يؤخَّر إلى الزوال أو يُقام عليه مجموعًا؟ فيه خلاف بين الفقهاء، فكيف يقال: إن الحالف ليضربنّ موجب يمينه [٧١/ب] هو الضرب المجموع مع صحة المضروب وقوته؟ فهذه الآية هي أقوى ما يعتمد عليه أرباب الحيل، وعليها بَنَوا حيلهم، وقد ظهر بحمد الله أنه لا متمسَّكَ لهم فيها البتةَ. فصل وأما إخباره سبحانه عن يوسف ﵇ أنه جعل صُواعه في رَحْل أخيه ليتوصَّل بذلك إلى أخذه وكيد إخوته، فنقول لأرباب الحيل أولًا: هل تجوِّزون أنتم مثل هذا حتى يكون حجةً لكم؟ وإلا فكيف تحتجُّون بما لا تجوِّزون فعلَه؟، فإن قلتم: فقد كان جائزًا في شريعته، قلنا: وما ينفعكم إذا لم يكن جائزًا في شرعنا؟ قال شيخنا (١) ﵁: ومما قد يُظَنّ أنه من جنس الحيل التي بيَّنا تحريمها وليس من جنسها قصة يوسف، حين كاد الله له في أخذ أخيه كما قصَّ ذلك سبحانه في كتابه، فإن فيها ضروبًا من الحيل الحسنة: أحدها: قوله لفتيانه: ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يوسف: ٦٢]، فإنه تسبَّب بذلك إلى رجوعهم،

стр. 1923

وقد ذكروا في ذلك معاني: منها: أنه تخوَّف أن لا يكون عندهم وَرِقٌ يرجعون بها. ومنها: أنه خشي أن يُضِرَّ أخذُ الثمن بهم. ومنها: أنه رأى لُؤمًا أخذ الثمن منهم. ومنها: أنه أراهم كرمَه في ردّ البضاعة ليكون أدعى لهم إلى العود. ومنها: أنه علم أن أمانتهم تُحوِجهم إلى العود ليردُّوها إليه. فهذا المحتال به عمل صالح، والمقصود رجوعهم ومجيء أخيه، وذلك أمر فيه منفعة لهم ولأبيهم وله، وهو مقصود صالح، وإنما لم يعرِّفهم نفسَه لأسبابٍ أُخر فيها أيضًا منفعة لهم وله ولأبيهم، وتمامٌ لما أراده الله بهم من الخير في البلاء. الضرب الثاني: أنه في المرة الثانية لما جهَّزهم بجَهازهم جعل السقاية في رَحْل أخيه، وهذا القدر تضمَّن إيهام أن أخاه سارق، وقد ذكروا أن هذا كان بمواطأةٍ من أخيه ورِضًى منه بذلك، والحق له في ذلك، وقد دلَّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف: ٦٩]، وفيه قولان: أحدهما: أنه عرَّفه أنه يوسف ووطَّنه على عدم الابتئاس بالحيلة التي فعلها في أخذه منهم، والثاني: أنه لم يصرِّح له بأنه يوسف، وإنما أراد أني مكانَ أخيك المفقود، فلا تبتئس بما يعاملك به إخوتك من الجفاء. ومن قال هذا قال: إنه وضع السقاية في رَحْل أخيه والأخ لا يشعر،

стр. 1924

ولكن هذا خلاف المفهوم من القرآن وخلاف ما عليه الأكثرون، وفيه ترويعٌ لمن لم يستوجب الترويع. وأما على القول الأول (١) فقد قال كعب وغيره (٢): لما قال له إني أنا أخوك، قال: فأنا لا أفارقك. قال يوسف: فقد علمتَ اغتمام والدي بي، فإذا حبستُك ازداد غمُّه، ولا يمكنني هذا إلا بعد أن أشهِّرك بأمر فظيع وأنسبك إلى ما لا يحتمل، قال: لا أبالي، فافعلْ ما بدا لك فإني لا أفارقك، قال: فإني أدسُّ [٧٢/أ] صاعي هذا في رَحْلك، ثم أنادي عليك بالسرقة ليتهيَّأَ لي ردُّك، قال: فافعل. وعلى هذا فهذا التصرف إنما كان بإذن الأخ ورضاه. ومثل هذا النوع ما ذكر أهل السير (٣) عن عدي بن حاتم أنه لما همَّ قومه بالردة بعد رسول الله ﷺ كفَّهم عن ذلك، وأمرهم بالتربُّص، وكان يأمر ابنه إذا رعى إبل الصدقة أن يبعد، فإذا جاء خاصمه بين يدي قومه وهمَّ بضربه، فيقومون فيشفعون إليه فيه؛ ويأمره كل ليلة أن يزداد بعدًا، فلما كان ذات ليلة أمره أن يبعد بها جدًّا، وجعل ينتظره بعدما دخل الليل، وهو يلوم قومه على شفاعتهم ومنعهم إياه من ضربه، وهم يعتذرون عن ابنه، ولا ينكرون إبطاءه،

стр. 1925

حتى إذا ابْهارَّ (١) الليلُ ركب في طلبه فلحقه، واستاق الإبل حتى قدم بها على أبي بكر ﵁. فكانت صدقات طيئ مما استعان بها أبو بكر في قتال أهل الردة. وكذلك في الحديث الصحيح (٢) أن عديًّا قال لعمر ﵁: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى، أعرفك، أسلمتَ إذ كفروا، ووفيتَ إذ غدروا، وأقبلتَ إذ أدبروا، وعرفتَ إذ أنكروا. ومثل هذا ما أذن فيه النبي ﷺ للوفد الذين أرادوا قتل كعب بن الأشرف أن يقولوا (٣)، وأذن للحجّاج بن عِلاط عامَ خيبر أن يقول (٤)، وهذا كله من الاحتيال المباح؛ لكون صاحب الحق قد أذن فيه ورضي به، والأمر المحتال عليه طاعة لله أو أمر مباح. الضرب الثالث: أنه ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ

стр. 1926

أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٠ - ٧٦]. وقد ذكروا في تسميتهم سارقين وجهين: أحدهما: أنه من باب المعاريض، وأن يوسف نوى بذلك أنهم سرقوه من أبيه، حيث غيَّبوه عنه بالحيلة التي احتالوا عليه وخانوه فيه، والخائن يسمَّى سارقًا، وهو من الكلام المرموز، ولهذا يسمَّى خَوَنةُ الدواوين لصوصًا. الثاني: أن المنادي هو الذي قال ذلك من غير أمر يوسف. قال القاضي أبو يعلى وغيره: أمر يوسف بعض أصحابه أن يجعل الصواع في رحل أخيه، ثم قال بعض الموكّلين وقد فقدوه فلم يُدْرَ (١) آخِذُه: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ على ظنٍّ منهم أنهم كذلك، من غير أمر يوسف لهم بذلك، أو لعل يوسف قد قال للمنادي: هؤلاء سرقوا، وعَنَى أنهم سرقوه من أبيه، والمنادي فَهِمَ سرقة الصُّواع، فصدق يوسف في قوله، وصدق المنادي. وتأمَّلْ حذف المفعول في قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ ليصح أن يضمن سرقتهم [٧٢/ب] ليوسف فيتمّ التعريض، ويكون الكلام صدقًا. وذكر المفعول في قوله: ﴿نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ وهو صادق في ذلك، فصدق في الجملتين معًا تعريضًا وتصريحًا. وتأمَّل قول يوسف: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾، ولم يقل إلا من سرق، وهو أخصر لفظًا، تحرِّيًا للصدق، فإن الأخ لم يكن سارقًا بوجه، وكان عنده المتاع حقًّا؛

стр. 1927

فالكلام من أحسن المعاريض وأصدقها. ومثل هذا قول الملَكينِ لداود ﵇: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٢ - ٢٣] أي غلبني في الخطاب، ولكن تخريج هذا الكلام على المعاريض لا يكاد يتأتَّى، وإنما وجهه أنه كلام خرج على ضرب المثال، أي إذا كان كذلك فكيف الحكم بيننا. ونظير هذا قول الملَك للثلاثة الذين أراد الله أن يبتليهم: «مسكين وغريب وعابر سبيل، وقد تقطَّعت بي الحِبال، ولا بلاغ لي اليومَ إلا بالله ثم بك، فأسألك بالذي أعطاك هذا المال بعيرًا أتبلَّغُ به في سفري هذا» (١). وهذا ليس بتعريض، وإنما هو تصريح على وجه ضرب المثال وإيهام أني أنا صاحب هذه القضية، كما أوهم الملَكانِ داود أنهما صاحبا القصة ليتمَّ الامتحان. ولهذا قال نصر بن حاجب: سئل ابن عيينة عن الرجل يعتذر إلى أخيه من الشيء الذي قد فعله، ويحرِّف القول فيه ليرضيه، لم يأثم في ذلك؟ فقال: ألم تسمع قوله: «ليس بكاذبٍ من أصلحَ بين الناس يكذِب (٢) فيه» (٣)، فإذا أصلح بينه وبين أخيه المسلم خير من أن يصلح بين الناس بعضهم من بعض، وذلك إذا أراد به مرضاة الله، وكره أذى المؤمن، ويندم على ما كان

стр. 1928

منه، ويدفع شرَّه عن نفسه، ولا يريد بالكذب اتخاذ المنزلة عندهم ولا طمعًا في شيء يصيب منهم؛ فإنه لم يرخَّص في ذلك، ورُخِّص له إذا كره مَوجدتَهم وخاف عداوتهم. قال حذيفة: إني أشتري ديني بعضَه ببعض مخافةَ أن أُقدِم على ما هو أعظم منه (١). قال سفيان: وقال الملكان: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾، أراد معنى سِيّ (٢) ولم يكونا خصمين فلم يصيرا بذلك كاذبين، وقال إبراهيم: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقال يوسف: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾. فبيَّن سفيان أن هذا من المعاريض المباحة. فصل وقد احتج بعض الفقهاء بقصة يوسف على أنه جائز للإنسان التوصُّل إلى أخذ حقه من الغير بما يمكنه الوصول إليه بغير رضى مَن عليه الحق. قال شيخنا (٣) ﵁: وهذه الحجة ضعيفة؛ فإن يوسف لم يكن (٤) يملك حبْسَ أخيه عنده بغير رضاه، ولم يكن هذا الأخ ممن ظلم (٥) يوسف

стр. 1929

حتى يقال إنه قد اقتصّ منه، وإنما سائر الإخوة هم الذين كانوا قد فعلوا ذلك، نعم تخلُّفه عنده كان يؤذيهم من أجل تأذِّي أبيهم والميثاق الذي أخذه عليهم، وقد استثنوا (١) في الميثاق بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦]، وقد أحيط بهم، ولم يكن قصد يوسف باحتباس أخيه الانتقام من إخوته؛ فإنه كان أكرمَ من هذا، وكان في [٧٣/أ] ذلك من الإيذاء لأبيه أعظم مما فيه من إيذاء إخوته، وإنما هو أمر أمره الله به ليبلُغَ الكتاب أجلَه، ويتمَّ البلاء الذي استحقَّ به يعقوب ويوسف كمال الجزاء، وتبلغَ حكمة الله التي قضاها لهم نهايتها. ولو كان يوسف قصد القصاص منهم بذلك فليس هذا موضع الخلاف بين العلماء؛ فإن الرجل له أن يعاقب بمثل ما عوقب به، وإنما موضع الخلاف: هل يجوز له أن يسرق أو يخون سرقةً أو خيانةً (٢) مثل ما سرقَ منه أو خانه إياه؟ وقصة يوسف لم تكن من هذا الضرب. نعم، لو كان يوسف أخذ أخاه بغير أمره لكان لهذا المحتجّ شبهةٌ، مع أنه لا دلالة في ذلك على هذا التقدير أيضًا؛ فإن مثل هذا لا يجوز في شرعنا بالاتفاق، وهو أن يُحبس رجل بريء، ويُعتقل للانتقام من غيره من غير أن يكون له جرم، ولو قدِّر أن ذلك وقع من يوسف فلا بدّ أن يكون بوحي من الله ابتلاء منه لذلك المعتقل، كما ابتلى إبراهيمَ بذبح ابنه، فيكون المبيح له على هذا التقدير وحيًا خاصًّا كالوحي الذي جاء إبراهيم بذبح ابنه، وتكون حكمته في حقّ المبتلَى امتحانه وابتلاؤه لينال درجة الصبر على حكم الله

стр. 1930

والرضا بقضائه، وتكون حاله في هذا كحال أبيه يعقوب في احتباس يوسف عنه. وهذا معلوم من فقه القصة وسياقها ومن حال يوسف، ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، فنسب الله سبحانه هذا الكيد إلى نفسه كما نسبه إلى نفسه في قوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦]، وفي قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠]، وفي قوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]. وقد قيل: إن تسمية ذلك مكرًا وكيدًا واستهزاءً وخداعًا من باب الاستعارة ومجاز المقابلة، نحو: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، ونحو قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. وقيل ــ وهو أصوب ــ: بل تسميته بذلك حقيقة على بابه؛ فإن المكر إيصال الشيء إلى الغير بطريق خفي، وكذلك الكيد والمخادعة، ولكنه نوعان: قبيح وهو إيصال ذلك لمن لا يستحقّه، وحسن وهو إيصاله إلى مستحقه عقوبة له؛ فالأول مذموم والثاني ممدوح، والرب تعالى إنما يفعل من ذلك ما يُحمد عليه عدلًا منه وحكمةً، وهو سبحانه يأخذ الظالم والفاجر من حيث لا يحتسب كما يفعل الظلمة بعباده. وأما السيئة فهي فَيْعِلَة مما يسوء، ولا ريبَ أن العقوبة تسوء صاحبها؛ فهي سيئة له حسنة من الحَكَم العدل.
следующие страницы →