← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٨]، أراد بالحيلة التحيُّل على التخلُّص من بين الكفار، وهذه حيلة محمودة يثاب عليها، وكذلك الحيلة على هزيمة الكفار، كما فعل نُعيم بن مسعود يوم الخندق (١)، أو على تخليص ماله منهم كما فعل الحجّاج بن عِلَاط بامرأته (٢)، وكذلك الحيلة على قتل رأس من رؤوس أعداء الله كما فعل الذين قتلوا ابن أبي الحُقَيق اليهودي وكعب بن الأشرف وأبا رافع (٣) وغيرهم؛ فكل هذه حيل محمودة محبوبة لله ومرضية له. والحيلة: مشتقة من التحوُّل، وهي النوع والحالة كالجِلسة والقِعدة والرِّكبة، فإنها بالكسر للحالة وبالفتح للمرَّة، كما قيل: الفَعْلة للمرة، والفِعْلة للحالة، والمَفْعل للموضع، والمِفْعل للآلة. وهي من ذوات الواو، فإنها من التحوُّل من حال يحول، وإنما انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وهو قلب مَقِيسٌ مطّرد في كلامهم، نحو ميزان وميقات وميعاد؛ فإنها مفعال من الوزن والوقت والوعد. فالحيلة هي نوع [٨١/أ] مخصوص من التصرف والعمل

стр. 1962

الذي يتحوَّل به فاعله من حال إلى حال، ثم غلب عليها بالعرف استعمالها في سلوك الطرق الخفية التي يتوصَّل بها الرجل إلى حصول غرضه، بحيث لا يتفطَّن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة؛ فهذا أخص من موضوعها في أصل اللغة، وسواء كان المقصود أمرًا جائزًا أو محرمًا، وأخصُّ من هذا استعمالها في التوصل إلى الغرض الممنوع منه شرعًا أو عقلًا أو عادةً، وهذا هو الغالب عليها في عرف الناس؛ فإنهم يقولون: فلان من أرباب الحيل، ولا تعاملوه فإنه يتحيَّل، وفلان يعلِّم الناسَ الحيلَ، وهذا من استعمال المطلق في بعض أنواعه كالدابة والحيوان وغيرهما. وإذا قُسِّمت باعتبارها لغة انقسمت إلى الأحكام الخمسة؛ فإن مباشرة الأسباب الواجبة (١) حيلة على حصول مسبباتها؛ فالأكل والشرب واللبس والسفر الواجب حيلة على المقصود منه، والعقود الشرعية واجبها ومستحبها ومباحها كلها حيلة على حصول المعقود عليه، والأسباب المحرَّمة كلها حيلة على حصول مقاصدها منها، وليس كلامنا في الحيلة بهذا الاعتبار العام الذي هو مورد التقسيم إلى مباح ومحظور؛ فالحيلة جنس تحته التوصُّل إلى فعل الواجب، وترك المحرم، وتخليص الحق، ونصر المظلوم، وقهر الظالم، وعقوبة المعتدي، وتحته التوصُّل إلى استحلال المحرَّم، وإبطال الحقوق، وإسقاط الواجبات. ولما قال النبي ﷺ : «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلُّوا محارمَ الله بأدنى الحيل» (٢) غلب استعمال الحيل في عرف الفقهاء على النوع المذموم. وكما يذمُّ الناس

стр. 1963

أربابَ الحيل فهم يذمُّون أيضًا (١) العاجز الذي لا حيلةَ عنده لعجزه وجهله بطرق تحصيل مصالحه، فالأول ماكر مخادعٌ، والثاني عاجز مفرِّط، والممدوح غيرهما، وهو من له خبرة بطرق الخير والشر خفيِّها وظاهرِها، فيُحسِن التوصّلَ إلى مقاصده المحمودة التي يحبُّها الله ورسوله بأنواع الحيل، ويعرف طرق الشر الظاهرة والخفية التي يُتوصَّل بها إلى خداعه والمكر به فيحترز منها أو لا يفعلها ولا يدلُّ عليها. وهذه كانت حال سادات الصحابة ﵃، فإنهم كانوا أبرَّ الناس قلوبًا، وأعلمَ الخلق بطرق الشر ووجوه الخداع، وأتقى لله من أن يرتكبوا منها شيئًا أو يدخلوه في الدين، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: لست بخِبٍّ ولا يخدعني الخِبُّ (٢). وكان حذيفة أعلم الناس بالشر والفتن، وكان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكان هو يسأله عن الشر (٣). والقلب السليم ليس هو الجاهل بالشرّ الذي لا يعرفه، بل الذي يعرفه

стр. 1964

ولا يريده، بل يريد الخير والبر. والنبي ﷺ قد سمَّى الحرب خَدْعة (١)، ولا ريبَ في انقسام الخداع إلى ما يحبه الله ورسوله وإلى ما يبغضه وينهى عنه، وكذلك المكر ينقسم إلى قسمين: محمود ومذموم؛ فالحيلة والمكر والخديعة تنقسم إلى محمود ومذموم. فالحيل المحرَّمة منها ما هو كفر، ومنها ما هو كبيرة، ومنها ما هو صغيرة. وغير [٨٠/ب] المحرَّمة منها ما هو مكروه، ومنها ما هو جائز، ومنها ما هو مستحب، ومنها ما هو واجب: فالحيلة بالردّة على فسخ النكاح كفر، ثم إنها لا تتأتَّى إلا على قول من يقول بتعجيل الفسخ بالردة، فأما من وقفه على انقضاء العدة فإنها لا يتمُّ لها غرضها حتى تنقضي عدتها؛ فإنها متى علم بردّتها قُتِلتْ، إلا على قول من لا يقتل المرتدة، بل يحبسها حتى تسلم أو تموت. وكذلك التحيُّل بالردة على حرمان الوارث كفر، والإفتاء بها كفر، ولا تتمُّ إلا على قول من يرى أن (٢) مال المرتدّ لبيت المال، فأما على القول الراجح أنه لورثته من المسلمين فلا تتم الحيلة، وهذا القول هو الصواب، فإن ارتداده أعظم من مرض الموت المَخُوف، وهو في هذه الحال قد تعلَّق حق الورثة بماله، فليس له أن يُسقِط هذا التعلق بتبرع، فهكذا المرتد بردته تعلَّق حق الورثة بماله إذ صار مستحقَّ القتل.

стр. 1965

فصل وأما الحيل التي هي من الكبائر: فمثل قتل امرأته إذا قتل حماته وله من امرأته ولد، والصواب أن هذه الحيلة لا تُسقِط عنه القَوَد، وقولهم: «إنه ورث ابنه بعضَ دم أبيه فسقط عنه القَوَد» ممنوع؛ فإن القود وجب عليه (١) أولًا بقتل أم المرأة، وكان لها أن تستوفيه ولها أن تُسقطه، فلما قتلها قام وليها في هذه الحال مقامها بالنسبة إليها وبالنسبة إلى أمها، ولو كان ابنَ القاتل؛ فإنه لم يدل كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا ميزان عادل على أن الولد لا يستوفي القصاص من والده لغيره. وغاية ما دلَّ عليه الحديث أنه لا يُقاد الوالد بولده (٢)، على ما فيه من الضعف وفي حكمه من النزاع، ولم يدلَّ على أنه لا يقاد بالأجنبي إذا كان الولد هو مستحق القود، والفرق بينهما ظاهر؛ فإنه في مسألة المنع قد أُقِيد بابنه، وفي هذه الصورة إنما أُقِيد بالأجنبي، وكيف تأتي شريعة أو سياسة عادلة بوجوب القود على من قتل نفسًا بغير حق فإن عاد فقتل نفسًا أخرى بغير حق وتضاعفَ إثمه وجرمه سقط عنه القود؟ بل لو قيل بتحتُّمِ قتله ولا بدَّ إذا قصد هذا كان أقرب إلى العقول والقياس. و من الحيل المحرَّمة التي يكفر من أفتى بها تمكين (٣) المرأة ابنَ زوجها من نفسها لينفسخ نكاحها حيث صارت موطوءةَ ابنِه، وكذا بالعكس، أو وَطْأَه حماته لينفسخ نكاح امرأته، مع أن هذه الحيلة لا تتمشى إلا على قول من يرى أن حرمة المصاهرة تثبت بالزنا كما تثبت بالنكاح، كما يقوله أبو حنيفة وأحمد

стр. 1966

في المشهور من مذهبه. والقول الراجح أن ذلك لا يحرم كما هو قول الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد ومالك؛ فإن التحريم بذلك موقوف على الدليل، ولا دليلَ من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح، وقياسُ السِّفاح على النكاح في ذلك لا يصح لما بينهما من الفروق. والله سبحانه جعل الصِّهر قسيم النسب، وجعل ذلك من نعمه التي امتنَّ بها على عباده، فكلاهما من نعمه وإحسانه؛ فلا يكون الصهر من آثار الحرام وموجباته كما لا يكون النسب من آثاره، بل إذا كان النسب الذي هو أصل لا يحصل بوطء [٨٢/أ] الحرام فالصهر الذي هو فرع عليه ومُشبَّه به أولى أن لا يحصل بوطء الحرام. وأيضًا فإنه لو ثبت تحريم المصاهرة لا تثبت المَحْرَمية التي هي من أحكامه، فإذا لم تثبت المَحْرَمية لم تثبت الحرمة. وأيضًا فإن الله سبحانه إنما قال: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣]، ومن زنى بها الابن لا تسمَّى حليلةً لغةً ولا شرعًا ولا عرفًا. وكذلك قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] إنما المراد به النكاح الذي هو ضد السِّفاح، ولم يأتِ في القرآن النكاح المراد به الزنا قطُّ، ولا الوطء المجرد عن عقد. وقد تناظر الشافعي هو وبعض العراقيين في هذه المسألة، ونحن نذكر مناظرته بلفظها. قال الشافعي (١): الزنا لا يحرِّم الحلال، وقال به ابن عباس (٢).

стр. 1967

قال الشافعي: لأن الحرام ضد الحلال، ولا يقاس شيء على ضده. فقال لي قائل: نقول لو قبَّلَتْ امرأةُ الرجلِ ابنَه لشهوة حرمت على زوجها أبدًا، فقلتُ: لِمَ قلتَ ذا والله إنما حرَّم أمهاتِ نسائكم ونحو هذا بالنكاح، فلم يجز أن يقاس الحرام بالحلال؟ فقال: أجد جماعًا وجماعًا. قلت: جماعًا حُمِدتْ به وحُصِّنت وجماعًا رُجِمتْ به، أحدهما نقمة والآخر نعمة، وجعله الله سبحانه نسبًا وصِهْرًا وأوجب به حقوقًا، وجعلك مَحْرَمًا لامرأتك وابنتها تسافر بهما، وجعل على الزنا نقمة في الدنيا بالحد وفي الآخرة بالنار، إلا أن يعفو الله، فتقيس الحرام الذي هو نقمة على الحلال الذي هو نعمة؟ وقلت له (١): فلو قال لك وجدتُ المطلقة ثلاثًا تَحِلُّ بجماع زوج وإصابةٍ (٢)، فأُحِلُّها بالزنا لأنه جماع كجماع، قال: إذًا أُخطِئ؛ لأن الله تعالى أحلها بنكاح زوج وإصابةٍ (٣). قلت: وكذلك ما حرَّم الله في كتابه بنكاح زوج وإصابة زوج. قال: أفيكون شيء يحرِّمه الحلال ولا يحرِّمه الحرام أقول به؟ قلت: نعم, ينكح أربعًا فيحرم عليه أن ينكح من النساء خامسة، أفيحرم عليه إذا زنى بأربعٍ شيءٌ من النساء؟ قال: لا يمنعه الحرام مما يمنعه الحلال، قال: فقد ترتدُّ فتحرم على زوجها، قلت: نعم، وعلى جميع الخلق، وأقتلُها وأجعل مالها فيئًا، قال: فقد نجد الحرام يحرم الحلال، قلت: أما في مثل ما اختلفنا فيه من أمر النساء فلا. انتهى.

стр. 1968

ومما يدل على صحة هذا القول أن أحكام النكاح التي رتبها الله سبحانه عليه من العدّة والإحداد والميراث، والحلّ والحرمة، ولحوق النسب، ووجوب النفقة والمهر، وصحة الخلع والطلاق والظهار والإيلاء، والقصر على أربع، ووجوب القَسْم والعدل بين الزوجات، وملك الرجعة، وثبوت الإحصان والإحلال للزوج الأول، وغير ذلك من الأحكام (١) = لا يتعلق شيء منها بالزنا، وإن اختلف في العدة والمهر. والصواب أنه لا مهرَ لبغيٍّ كما دلت عليه سنة رسول الله ﷺ (٢)، وكما فطر الله سبحانه عقول الناس على استقباحه، فكيف يثبت تحريم المصاهرة من بين هذه الأحكام؟ والمقصود أن هذه الحيلة باطلة شرعًا كما هي محرَّمة في الدين. وكذلك الحيلة على إسقاط حدّ السرقة بقول السارق: هذا مِلْكي، وهذه داري، وصاحبها عبدي، من الحيل التي هي إلى المَضْحكة [٨٢/ب] والسخرية والاستهزاء بها أقرب منها إلى الشرع، ونحن نقول: معاذَ الله أن يجعل في فِطَر الناس وعقولهم قبولَ مثل هذا الهذيان البارد المناقض للعقول والمصالح، فضلًا عن أن يَشرع لهم قبوله، وكيف يُظنّ بالله وشرعِه ظن السوء أنه شرع ردّ الحق بالباطل الذي يقطع كل أحد ببطلانه، وبالبهتان الذي يجزم كل حاضر ببهتانه. ومتى كان البهتان والوقاحة والمجاهرة بالزور والكذب مقبولًا في دين من الأديان أو شريعة من الشرائع أو سياسة

стр. 1969

أحد من الناس؟ ومن له مُسْكةٌ من عقلٍ وإن بُلِي بالسرقة فإنه لا يرضى لنفسه بدعوى هذا البهت والزور، ويا لله وللعقول! أيعجِزُ سارق قطُّ عن التكلم بهذا البهتان ويتخلّص من قطع اليد؟ فما معنى شَرْعِ قطع يد السارق ثم إسقاطه بهذا الزور والبهتان؟ وكذلك إذا غصَبَه (١) شيئًا فادّعاه المغصوبُ منه، فأنكر، فطلب تحليفه، قالوا: فالحيلة في إسقاط اليمين عنه أن يُقِرَّ به لولده الصغير فتسقط عنه اليمين ويفوز بالمغصوب. وهذه حيلة باطلة في الشرع كما هي محرمة في الدين، بل المُقَرُّ له إن كان كبيرًا صار هو الخصم في ذلك، وتوجهتْ عليه اليمين، وإن كان صغيرًا توجهت اليمين على المدعى عليه، فإن نكلَ قُضِي به للمدعي، وغُرم قيمته لمن أقرَّ له به؛ لأنه بنكوله قد فوَّته عليه. وكذلك إذا جرح رجلًا، فخشي أن يموت من الجرح، فدفع إليه دواء مسمومًا فقتله، قال أرباب الحيل: يسقط عنه القصاص. وهذا خطأ عظيم، بل يجب عليه القصاص بقتله بالسُّم، كما يجب عليه بقتله بالسيف، ولو أسقط الشارع القتلَ عمن قتل بالسم لما عَجزَ قاتلٌ عن قتل من يريد قتله به آمنًا؛ إذ قد علم أنه لا يجب عليه القَوَد، وفي هذا من فساد العالم ما لا تأتي به شريعة. وكذلك إذا أراد إخراج زوجته من الميراث في مرضه، وخاف أن الحاكم يُورِّث المبتوتةَ، قالوا: فالحيلة أن يُقِرَّ أنه كان طلَّقها ثلاثًا. وهذه حيلة محرمة باطلة لا يحل تعليمها، ويفسق من علَّمها المريضَ، ويستحق

стр. 1970

عقوبة الله، ومع ذلك فلا تنفذ، فإنه كما هو متَّهم بطلاقها فهو متَّهم بالإقرار بتقدم الطلاق على المرض، وإذا كان الطلاق لا يمنع الميراث بالتهمة فالإقرار لا يمنعه للتهمة، ولا فرقَ بينهما؛ فالحيلة باطلة محرمة. وكذلك إذا كان في يده نصاب فباعه أو وهَبَه قبل الحول، ثم استردَّه، قال أرباب الحيل: تسقط عنه الزكاة، بل لو ادعى ذلك لم يأخذ العامل زكاته. وهذه حيلة محرمة باطلة، ولا يُسقِط ذلك عنه فرضَ الله الذي فرضه وأوعد بالعقوبة الشديدة من ضيَّعه وأهملَه، فلو جاز إبطاله بالحيلة التي هي مكر وخداع لم يكن في إيجابه والوعيد على تركه فائدة. وقد استقرت سنة الله في خلقه شرعًا وقدرًا على معاقبة العبد بنقيض قصده، كما حَرَمَ القاتلَ الميراثَ، وورَّثَ المطلقةَ في مرض الموت، وكذلك الفارّ من الزكاة لا يُسقِطها عنه فراره، ولا [٨٣/أ] يُعان على قصده الباطل فيتمّ مقصوده ويسقط مقصود الرب سبحانه، وكذلك عامة الحيل إنما يساعد فيها المتحيل على بلوغ غرضه ويبطل غرض الشارع. وكذلك المجامع في نهار رمضان إذا تغدَّى أو شرب الخمر أولًا ثم جامع، قالوا: لا تجب عليه الكفارة. وهذا ليس بصحيح؛ فإن إضمامه إلى إثم الجماع إثمَ الأكل والشرب لا يناسب التخفيف عنه، بل يناسب تغليظ الكفارة عليه، ولو كان هذا يُسقط الكفارة لم تجب الكفارة (١) على واطئ اهتدى لجرعة (٢) ماء أو ابتلاع لُبابةٍ أو أكل زبيبة. فسبحان الله! هل أوجب الشارع الكفارة لكون الوطء لم يتقدمه مفطر قبله أو للجناية على زمن الصوم

стр. 1971

الذي لم يجعله الله محلًّا للوطء؟ أفترى بالأكل والشرب قبله صار الزمان محلًّا للوطء وانقلبت كراهة الشارع له (١) محبةً ومنعُه إذنًا؟ هذا من المحال. وأفسدُ من هذا قولهم: إن الحيلة في إسقاط الكفارة أن ينوي قبل الجماع قطع الصوم، فإذا أتى بهذه النية فليجامع آمنًا من وجوب الكفارة. ولازمُ هذا القول الباطل أنه لا تجب كفارة على مجامعٍ أبدًا، وإبطال هذه الشريعة رأسًا؛ فإن المجامع لا بدَّ أن يعزِمَ على الجماع قبل فعله، وإذا عزم على الجماع فقد تضمَّنت نيته قطعَ الصوم، فأفطر قبل الفعل بالنية الجازمة للإفطار، فصادفه الجماع وهو مفطر بنية الإفطار السابقة على الفعل، فلم يفطر به، فلا تجب الكفارة، فتأملْ كيف تتضمن الحيل المحرمة مناقضةَ الدين وإبطال الشرائع؟ وكذلك قالوا: لو أن مُحرِمًا خاف الفوت وخشي القضاء من قابلٍ فالحيلة في إسقاط القضاء أن يكفُر بالله ورسوله في حال إحرامه فيبطل إحرامه، فإذا عاد إلى الإسلام لم يلزمه القضاء من قابلٍ، بناء على أن المرتد كالكافر الأصلي، فقد أسلم إسلامًا مستأنفًا لا يجب عليه فيه قضاء ما مضى. ومن له مُسْكةٌ من علم ودين يعلم أن هذه الحيلة مناقضة لدين الإسلام أشدَّ مناقضة، فهو في شِقٍّ والإسلام في شِقٍّ. وكذلك لو وكَّل رجلًا في استيفاء حقه فرفعه إلى الحاكم فأراد أن يحلِّفه بالطلاق أنه لا حقَّ لوكيله قِبَله، فالحيلة في حلفه صادقًا أن يُحضِر

стр. 1972

الموكّل إلى منزله ويدفع إليه حقه ثم يغلق عليه الباب ويمضي مع الوكيل، فإذا حلف أنه لا حقَّ لوكيله قِبَله حلف صادقًا، فإذا رجع إلى البيت فشأنه وشأن صاحب الحق. وهذه شرٌّ من حيلة اليهود أصحاب الحيتان، وهذه وأمثالها إنما هي من حيل اللصوص وقُطَّاع الطريق، فما لدين الله ورسوله وإدخالها فيه؟ ولا يُجدِي عليه هذا الفعل في برِّه في اليمين شيئًا، بل هو حانثٌ كلَّ الحنث؛ إذ لم يتمكَّن صاحب الحق من الظفر بحقه، فهو في ذمة الحالف كما هو، وإنما يبرأ منه إذا تمكَّن صاحبه من قبضه وعدَّ نفسَه مستوفيًا لحقه. وكذلك لو كان له عُروضٌ (١) للتجارة فأراد أن يُسقِط زكاتها، قالوا: فالحيلة أن ينوي بها القُنيةَ (٢) في آخر الحول يومًا أو أقلَّ، ثم ينقض هذه النية ويُعيدها (٣) للتجارة، فيستأنف [٨٣/ب] بها حولًا، ثم يفعل هكذا في آخر كل حولٍ، فلا تجب عليه زكاتها أبدًا. فيا لله العجب! أيروج هذا الخداع والمكر والتلبيس على أحكم الحاكمين الذي يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور؟ ثم إن هذه الحيلة كما هي مخادعة لله، ومكرٌ بدين الإسلام، فهي باطلة في نفسها، فإنها إنما تصير للقُنية إذا لم يكن من نيته إعادتها للتجارة، فأما وهو يعلم أنه لا يقتنيها البتةَ ولا له حاجة باقتنائها، وإنما أعدَّها للتجارة، فكيف تُتصوَّر منه النية الجازمة للقُنية وهو يعلم قطعًا أنه لا يقتنيها ولا يريد اقتناءها، وإنما هو مجرد

стр. 1973

حديث نفسٍ وخاطرٍ أجراه على قلبه، بمنزلة أن يقول بلسانه: «أعددتُها للقنية» وليس ذلك في قلبه؟ أفلا يستحيي من الله من يُسقِط فرائضه بهذا الهوس وحديث النفس؟ وأعجب من هذا أنه لو كان عنده عينٌ من الذهب والفضة فأراد إسقاط زكاتها في جميع عمره، فالحيلة أن يدفعها إلى محتالٍ مثله أو غيره في آخر الحول ويأخذ منه نظيرها فيستأنف له الحول، ثم في آخره يعود فيستبدل بها مثلها، فإذا هو فعل ذلك لم تجب عليه زكاته ما عاش. وأعظم من هذه البلية إضافة هذا المكر والخداع إلى الرسول، وأن هذا من الدين الذي جاء به. ومثل هذا وأمثاله منع كثيرًا من أهل الكتاب من الدخول في الإسلام، وقالوا: كيف يأتي رسول بمثل هذه الحيل؟ وأساؤوا ظنَّهم به وبدينه، وتواصَوا بالتمسك بما هم عليه، وظنوا أن هذا هو الشرع الذي جاء به، وقالوا: كيف تأتي بهذا شريعة أو تقوم به مصلحة أو يكون من عند الله؟ ولو أن ملِكًا من الملوك ساس رعيته بهذه السياسة لقدح ذلك في ملكه. قالوا: وكيف يشرع الحكيم الشيء لما في شرعه من المصلحة ويحرِّمه لما في فعله من المفسدة ثم يبيح إبطال ذلك بأدنى حيلة تكون؟ وترى الواحد منهم إذا ناظره المسلم في صحة دين الإسلام إنما يحتج عليه بهذه الحيل، كما هو في كتبهم وكما نسمعه من لفظهم عند المناظرة، فالله المستعان. وكذلك قالوا: لو كان له نصاب من السائمة فأراد إسقاط زكاتها، فالحيلة في ذلك أن يَعلِفها يومًا واحدًا ثم يعود إلى السَّوم، وكذلك يفعل في كل حولٍ. وهذه الحيلة باطلة لا تُسقِط عنه وجوبَ الزكاة، بل وكذلك كل حيلة يتحيل بها على إسقاط فرض من فرائض الله أو حق من حقوق عباده لا

стр. 1974

يزيد ذلك الفرض إلا تأكيدًا وذلك الحق إلا إثباتًا (١). وكذلك قالوا: إذا علم أن شاهدين يشهدان عليه فأراد أن يبطل شهادتهما، فليخاصمهما قبل الرفع إلى الحاكم. وهذه الحيلة حسنة إذا كانا يشهدان عليه بالباطل، فإذا علم أنهما يشهدان بحق لم تحلَّ له مخاصمتهما، ولا تُسقط هذه المخاصمة شهادتَهما. وكذلك قالوا: لا يجوز ضمان البساتين، والحيلة على ذلك أن يُؤجِره الأرضَ ويساقيه على الثمر من كل ألف جزء على جزء. وهذه [٨٤/أ] الحيلة لا تتمُّ إذا كان البستان وقفًا وهو ناظره أو كان ليتيم، فإن هذه المحاباة في المساقاة تقدح في نظره ووصيته. وإن قيل: إنها تُغتفر لأجل العقد الآخر وما فيه من محاباة (٢) المستأجر له، فهذا لا يجوِّز له أن يحابي في المساقاة، لما حصل للوقف واليتيم من محاباة أخرى. وهو نظير أن يبيع له سلعة بربح ثم يشتري له سلعة بخسارة توازن ذلك الربح، هذا إذا لم يُبْنَ (٣) أحد العقدين على الآخر، فإن بُني عليه كانا عقدين في عقد، وكانا بمنزلة سَلَفٍ وبيع، وشرطين في بيع، وإن شرط أحد العقدين في الآخر فسدَا، مع أن هذه الحيلة لا تتم إلا (٤) على أصل من لم ير جواز المساقاة أو من خصَّها بالتحيل وحده. ثم فيها مفسدة أخرى، وهي أن المساقاة عقد جائز، فمتى أراد أحدهما

стр. 1975

فسْخَها فسَخَها وتضرر الآخر، ومفسدة ثانية وهو أنه يجب عليه تسليم هذا الجزء من ألف جزء من جميع ثمرة البستان من كل نوع من أنواعه، وقد يتعذّر عليه ذلك أو يتعسّر، إما بأن يأكل الثمرة أو يُهديها كلَّها أو يبيعها على أصولها، فلا يمكنه تسليم ذلك الجزء، وهكذا يقع سواء. ثم قد يكون ذلك الجزء من الألف (١) يسيرًا جدًّا، فلا يطالب به عادة، فيبقى في ذمته لليتيم ولجهة الوقف. إلى غير ذلك من المفاسد التي في هذه الحيلة. وأصحاب رسول الله ﷺ كانوا أفقهَ من ذلك، وأعمق علمًا، وأقلَّ تكلفًا، وأبرَّ قلوبًا، فكانوا يرون ضمان الحدائق بدون هذه الحيلة، كما فعله عمر بن الخطاب ﵁ بحديقة أُسَيد بن حُضَير (٢)، ووافقه عليه جميع الصحابة، فلم ينكره منهم رجل واحد. وضمان البساتين كما هو إجماع الصحابة فهو مقتضى القياس الصحيح، كما تضمن الأرض لمُغَلّ الزرع فكذلك تضمن الشجر لمُغَلّ الثمر، ولا فرقَ بينهما البتةَ؛ إذ الأصل هنا كالأرض هناك، والمُغَلّ يحصل بخدمة المستأجر والقيام على الشجر كما يحصل بخدمته والقيام على الأرض. ولو استأجر أرضًا ليحرُثَها ويسقيها ويستغلَّ ما يُنبته الله سبحانه فيها من غير بذر منه كان بمنزلة استئجار الشجر من كل وجه، لا فرقَ بينهما البتةَ، فهذا أفقه من هذه الحيلة، وأبعد عن الفساد، وأصلح للناس، وأوفق للقياس، وهو اختيار أبي الوفاء ابن عقيل وشيخ الإسلام ابن تيمية (٣) ﵄، وهو الصواب.

стр. 1976

فصل (١) ومن هذا الباب الحيلة السُّريجية (٢) التي حدثت في الإسلام بعد المائة الثالثة، وهي تمنع الرجل من القدرة على الطلاق البتة، بل تسدُّ عليه باب الطلاق بكل وجه، فلا يبقى له سبيل إلى التخلُّص منها، ولا يمكنه مخالعتُها عند من يجعل الخلع طلاقًا، وهي نظير سدِّ الإنسان على نفسه بابَ النكاح بقوله: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، فهذا لو صح تعليقه لم يمكنه في الإسلام أن يتزوج امرأةً ما عاش، وذلك لو صح شرعه لم يمكنه أن يطلق امرأة أبدًا. وصورة هذه الحيلة أن يقول: كلّما طلقتُك ــ أو كلما وقع عليك طلاقي ــ فأنتِ طالق قبله ثلاثًا، قالوا: [٨٤/ب] فلا يتصور وقوع الطلاق بعد ذلك؛ إذ (٣) لو وقع لزم وقوع ما عُلِّق به وهو الثلاث، وإذا وقعت الثلاث امتنع وقوع هذا المنجَّز، فوقوعه يفضي إلى عدم وقوعه، وما أفضى وجوده إلى عدم وجوده لم يوجد. هذا اختيار أبي العباس ابن سُرَيج، ووافقه عليه جماعة من أصحاب الشافعي، وأبى ذلك جمهور الفقهاء من المالكية والحنفية والحنبلية وكثير من الشافعية. ثم اختلفوا في وجه إبطال هذا التعليق: فقال الأكثرون: هذا التعليق لغو وباطل من القول؛ فإنه يتضمن المحال، وهو وقوع طلقة مسبوقة بثلاث، وهذا محال، فما (٤) تضمَّنه فهو باطل من

стр. 1977

القول، فهو بمنزلة قوله: إذا وقع (١) عليك طلاقي لم يقع، وإذا طلَّقتك لم يقع عليك طلاقي، ونحو هذا من الكلام الباطل، بل قوله: «إذا وقع عليك طلاقي فأنتِ طالق قبله ثلاثًا» أدخَلُ في الإحالة والتناقض؛ فإنه في الكلام الأول جعل وقوع الطلاق مانعًا من وقوعه مع قيام الطلاق، وهنا جعل وقوعه مانعًا من وقوعه مع زيادة محالٍ عقلًا وعادةً، فالمتكلم به يتكلم بالمحال قاصدًا (٢) للمحال، فوجود هذا التعليق وعدمه سواء، فإذا طلَّقها بعد ذلك نفذ طلاقه ولم يمنع منه مانع. وهذا اختيار أبي الوفاء (٣) ابن عقيل وغيره من أصحاب أحمد وأبي العباس ابن القاصّ من أصحاب الشافعي. وقالت فرقة أخرى: بل المحال إنما جاء من تعليق الثلاث على المنجَّز، وهذا محال أن يقع المنجَّز ويقع جميع ما عُلِّق به؛ فالصواب أن يقع المنجَّز وتمام الثلاث من المعلّق، وهذا اختيار القاضي وأبي بكر وبعض الشافعية ومذهب أبي حنيفة. والذين منعوا وقوع الطلاق جملةً قالوا: هو ظاهر كلام الشافعي، فهذا تلخيص الأقوال في هذا التعليق. قال المصححون للتعليق: صدر من هذا الزوج طلاقان منجَّز ومعلَّق، والمحلُّ قابل، وهو ممن يملك التنجيز والتعليق (٤)، والجمع بينهما ممتنع، ولا مزيةَ لأحدهما على الآخر، فتمانعا وتساقطا، وبقيت الزوجية بحالها، وصار كما لو تزوج أختين في عقد واحد فإنه يبطل نكاحهما لهذا الدليل بعينه.

стр. 1978

وكذلك إذا أعتق أمته في مرض موته، وزوجُها عبد، ولم يدخل بها، وقيمتها مائة، ومهرها مائة، وباقي التركة مائة= لم يثبت لها الخيار؛ لأن إثبات الخيار يقتضي سقوط المهر، وسقوط المهر يقتضي نفي الخيار، والجمع بينهما لا يمكن، وليس أحدهما أولى من الآخر، لأن طريق ثبوتهما الشرع، فأبقينا النكاح ورفضنا الخيار ولم يسقط المهر، وكل ما أفضى (١) وقوعه إلى عدم وقوعه فهذه سبيله. ومثاله في الحس إذا تشاحَّ اثنان في دخول دار، وهما سواء في القوة، وليس لأحدهما على الآخر مزيةٌ توجب تقديمه؛ فإنهما يتمانعان فلا يدخل واحد منهما. وهذا مشتقٌّ من دليل التمانع على التوحيد، وهو أنه يستحيل أن يكون للعالم فاعلان مستقلان بالفعل؛ فإن استقلال كل منهما ينفي استقلال الآخر، فاستقلالهما يمنع استقلالهما، ووِزانُه في هذه المسألة أن [٨٥/أ] وقوعهما يمنع وقوعهما. قالوا: وغاية ما في الباب استلزام (٢) هذا التعليق لدور حكمي يمنع وقوع المعلَّق والمنجَّز، ونحن نريكم من مسائل (٣) الدور التي يُفضي وقوعها إلى عدم وقوعها كثيرًا: منها (٤) ما ذكرناه. ومنها: ما لو وُجِد من أحدهما ريحٌ، وشكَّ كل واحد منهما هل هي منه أو من صاحبه= لم يجز اقتداء أحدهما بالآخر؛ لأن اقتداءه به يُبطل اقتداءه.

стр. 1979

وكذلك لو كان معهما إناآن أحدهما نجس، فأدَّى اجتهاد كل منهما إلى إناء= لم تجز القدوة بينهما؛ لأنها تُفضي إلى إبطال القدوة. وكذلك إذا اجتهدا في الثوبين والمكانين. ومنها: لو زوَّج عبدَه حرة وضمِن السيد مهرها ثم باعَها زوجَها قبل الدخول فمَهَرها (١) = فالبيع باطل؛ لأن صحته تؤدّي إلى فساده، إذ لو صح لبطل النكاح؛ لأنها إذا ملكت زوجَها بطل نكاحها، وإذا بطل سقط مهرها؛ لأن الفرقة من جهتها، وإذا سقط مهرها ــ وهو الثمن ــ بطل البيع والعتق البتةَ، بل إما أن يصح البيع ولا يقع العتق إذ لو وقع العتق لبطل البيع، وإذا بطل بطل العتق؛ فوقوعه يؤدِّي إلى عدم وقوعه، وهذا قول المزني. وقال ابن سُريج: لا يصح بيعه؛ لأنه لو صح لوقع العتق قبله، ووقوع العتق قبله يمنع صحة البيع، فصحة البيع تمنع صحته. وكذلك لو قال له: «إذا رهنتُك فأنت حرٌّ قبله بساعة». وكذلك لو قال لعبيده ولا مال له سواهم وقد أفلس: «إن حجَرَ الحاكم عليَّ فأنتم أحرار قبل الحجرِ بيوم» لم يصح الحجر؛ لأن صحته تمنع صحته. ومثله لو قال لعبده: «متى صالحتُ عليك فأنت حرٌّ قبل الصلح»، ومثله لو قال لامرأته: «إن صالحتُ فلانًا وأنتِ امرأتي فأنتِ طالق قبله بساعة» لم يصح الصلح؛ لأن صحته تمنع صحته.

стр. 1980

ومثله لو قال لعبده: «متى ضمِنتُ عنك صداقَ امرأتك فأنت حرٌّ قبله إن كنت في حال الضمان مملوكي» ثم ضمِنَ عنه الصداق= لم يصح؛ لأنه لو صح لعتق (١) قبله، وإذا عتق قبله لم يصادف الضمان شرطه، وهو كونه مملوكه وقت الضمان. وكذلك لا يقع العتق؛ لأن وقوعه يؤدِّي إلى أن لا يصح الضمان عنه، وإذا لم يصح الضمان عنه (٢) لم يصح العتق، فكلٌّ من الضمان والعتق تؤدّي صحته إلى بطلانه؛ فلا يصح واحد منهما. ومثله ما لو قال: «إن شاركني في هذا العبد شريكٌ فهو حرٌّ قبلَه بساعة» لم تصح الشركة فيه بعد ذلك؛ لأنها لو صحت لعتق العبد وبطلت الشركة، فصحتها تُفضي إلى بطلانها. ومثله لو قال: «إن وكَّلتُ إنسانًا ببيع هذا العبد أو رَهْنه أو هبته وكالة صحيحة فهو قبلها بساعةٍ حرٌّ» لم تصح الوكالة؛ لأن صحتها تؤدي إلى بطلانها. ومثله لو قال لامرأته: «إن وكَّلتُ وكيلًا في طلاقك فأنتِ طالق قبله أو معه (٣) ثلاثًا» لم يصح توكيله في طلاقها؛ إذ لو صحت الوكالة لطلِّقت في حال الوكالة أو قبلها، فتبطل الوكالة، فصحتها تؤدّي إلى بطلانها. وكذلك لو خلَّف الميت ابنًا، فأقرّ بابنٍ آخر للميت، فقال المُقَرُّ به: «أنا ابنه، وأما أنت فلستَ بابنه» لم يُقبل إنكار المقر به؛ لأن قبول قوله يبطل قوله،

стр. 1981

ومن هاهنا قال الشافعي: لو ترك أخًا لأب وأم فأقر [٨٥/ب] الأخ بابنٍ للميت ثبت نسبه ولم يرث؛ لأنه لو ورث لخرج المقرُّ عن أن يكون وارثًا، وإذا لم يكن وارثًا لم يُقبل إقراره بوارث آخر، فتوريث الابن يُفضي إلى عدم توريثه. ونازعه الجمهور في ذلك، وقالوا: إذا ثبت نسبه ترتّب عليه أحكام النسب، ومنها الميراث، ولا يُفضي توريثه إلى عدم توريثه؛ لأنه بمجرد الإقرار ثبت النسب وترتَّب عليه الميراث، والأخ كان وارثًا في الظاهر، فحين أقرَّ كان هو كل الورثة، وإنما خرج عن الميراث بعد الإقرار وثبوت النسب؛ فلم يكن توريث الابن مُبطِلًا (١) لكون المقرّ وارثًا حين الإقرار، وإن بطل كونه وارثًا بعد الإقرار وثبوت النسب. وأيضًا فالميراث تابع لثبوت النسب، والتابع أضعف من المتبوع، فإذا ثبت المتبوع الأقوى فالتابع أولى. ألا ترى أن النساء تُقبل شهادتهن منفرداتٍ في الولادة ثم في النسب، ونظائر ذلك كثيرة. ومن المسائل التي يُفضي ثبوتُها إلى إبطالها: لو أعتقت المرأة في مرضها عبدًا فتزوجها، وقيمته تخرج من الثلث، صحَّ النكاح ولا ميراث له؛ إذ لو ورثها لبطل تبرُّعها له بالعتق؛ لأنه يكون تبرعًا لوارث، وإذا بطل العتق بطل النكاح، وإذا بطل بطل الميراث، وكان توريثه يؤدّي إلى إبطال توريثه. وهذا على (٢) أصل الشافعي. وأما على قول الجمهور فلا يبطل ميراثه ولا عتقه ولا نكاحه؛ لأنه حينَ العتق لم يكن وارثًا، فالتبرع نزل في غير وارث، والعتق المنجَّز يتنجَّز من

стр. 1982

حينه، ثم صار وارثًا بعد ثبوت عتقه، وذلك لا يضره شيئًا. ومن ذلك لو أوصى له بابنه، فمات قبل قبول الوصية، وخلَّف إخوة لأبيه (١)، فقبلوا الوصية، عَتَقَ على الموصى له ولم يصح ميراثه منه؛ إذ لو ورث لأسقط ميراث الإخوة، وإذا سقط ميراثهم بطل قبولهم للوصية، فيبطل عتقه، لأنه مرتّب على القبول، وكان توريثه مُفضِيًا إلى عدم توريثه. والصواب قول الجمهور أنه يرث، ولا دورَ؛ لأن العتق حصل حال القبول وهم ورثة، ثم ترتَّب على العتق تابِعُه وهو الميراث، وذلك بعد القبول، فلم يكن الميراث مع القبول ليلزم الدور، وإنما ترتَّب على القبول العتق وعلى العتق الميراث؛ فهو مترتّب عليه بدرجتين. ومن المسائل التي يُفضي ثبوتها إلى بطلانها: لو زوَّج عبدَه امرأةً وجعل رقبته صداقها لم يصح؛ إذ لو صح لملكَتْه وانفسخ النكاح. ومنها: لو قال لأمته: «متى أكرهتُكِ فأنتِ حرَّة حالَ النكاح (٢) أو قبله» فأكرهها على النكاح لم يصح؛ إذ لو صح النكاح عتقت، ولو عتقت بطل إكراهها، فيبطل نكاحها. ومنها: لو قال لامرأته قبل الدخول: «متى استقرَّ مهرك عليَّ فأنتِ طالق قبله ثلاثًا» ثم وطئها لم يستقرَّ مهرها بالوطء؛ لأنه لو استقر لبطل النكاح قبله، ولو بطل النكاح قبله لكان المستقرُّ نصف المهر لا جميعه؛ فاستقراره يؤدّي إلى بطلان استقراره. هذا على قول ابن سُرَيج، وأما على قول المزني

стр. 1983

فإنه يستقر المهر بالوطء، ولا يقع الطلاق؛ لأنه معلَّق على صفة تقتضي [٨٦/أ] حكمًا مستحيلًا. فصل ومن المسائل التي يؤدِّي ثبوتها إلى نفيها: لو (١) قال لامرأته: «إن لم أطلِّقك اليوم فأنتِ طالق اليوم» ومضى اليوم ولم يطلِّقها لم تطلَّق؛ إذ لو طلِّقت بمضيِّ اليوم لكان طلاقها مستندًا إلى وجود الصفة وهي عدم طلاقها اليوم، وإذا مضى اليوم ولم يطلِّقها لم يقع الطلاق المعلَّق باليوم. ومنها: لو (٢) تزوج أمة ثم قال لها: «إن مات مولاكِ وورثتكِ فأنتِ طالق» أو قال: «إن ملكتكِ فأنتِ طالق» ثم ورثها أو ملكها بغير إرث لا يقع الطلاق؛ إذ لو وقع لم تكن الزوجة في حال وقوعه مِلكًا له؛ لاستحالة وقوع الطلاق في ملكه، فكان وقوعه مفضيًا إلى عدم وقوعه. ومنها: لو كان العبد بين موسرين فقال كل منهما لصاحبه: «متى أعتقتَ نصيبك فنصيبي حرٌّ قبل ذلك» فأعتق أحدهما نصيبه= لم ينفذ عتقه؛ لأنه لو نفذ لوجب عتق نصيب صاحبه قبله، وذلك يوجب السراية إلى نصيبه، فلا يصادف (٣) إعتاقه محلًّا، فنفوذ عتقه يؤدِّي إلى عدم نفوذه. والصواب في هذه المسألة بطلان هذا التعليق لتضمُّنه المحالَ، وأيهما عَتَقَ نصيبه صحَّ وسرى إلى نصيب شريكه.

стр. 1984

ومنها: لو قال لعبده: «إن دبَّرتُك فأنت حرٌّ قبله» ثم دبَّره صح التدبير ولم يقع العتق؛ لأن وقوعه يمنع صحة التدبير، وعدم صحته يمنع وقوع العتق، وكانت صحته تفضي إلى بطلانه. هذا على قول المزني، وعلى قول ابن سُريج لا يصح التدبير؛ لأنه لو صح لوقع العتق قبله، وذلك يمنع التدبير، وكان وقوعه يمنع وقوعه. ونظيره أن يقول لمدبَّره: «متى أبطلتَ تدبيرك فأنت حرٌّ قبله» ثم أبطله بطل ولم يقع (١) العتق على قول المزني؛ إذ لو وقع لم يصادف (٢) إبطالُ التدبير محلًّا. وعلى قول ابن سُريج لا يصح إبطال التدبير (٣)؛ لأنه لو صح إبطاله لوقع (٤) العتق، ولو وقع العتق لم يصح إبطال التدبير. ومثله لو قال لمدبَّره: «إن بعتك فأنت حرٌّ قبله». ومثله لو قال لعبده: «إن كاتبتك غدًا فأنت اليوم حرٌّ» ثم كاتَبَه من الغد. ومثله لو قال لمكاتَبه: «إن عجَّزتُك عن كتابتك فأنت حرٌّ قبله». ومثله لو قال: «متى زنيتَ أو سرقتَ أو وجب عليك حدٌّ وأنت مملوك فأنت حرٌّ قبله» ثم وجد الوصف= وجب الحد ولم يقع العتق المعلَّق به؛ إذ لو وقع لم توجد الصفة، فلم يصح، وكان مستلزمًا لعدم وقوعه. ومثله أن يقول له: «متى جنيتَ جناية وأنت مملوكي فأنت حرٌّ قبله» ثم جَنَى لم يعتق.

стр. 1985

ومثله لو قال: «متى بعتك وتمَّ البيع فأنت حرٌّ قبله» (١) ثم باعه، فعلى قول المزني يصح البيع ولا يقع العتق؛ لأن وقوعه مستلزمٌ عدم وقوعه، وعلى قول ابن سُريج لا يصح البيع؛ لأنه (٢) يعتق قبله، وعتقه يمنع صحة بيعه. ومثله لو قال لأمته: «إن صلَّيتِ ركعتين مكشوفة الرأس فأنتِ حرَّة قبل ذلك» فصلَّت مكشوفة الرأس، فعلى (٣) قول المزني تصح الصلاة دون العتق، وعلى قول ابن سُريج لا تصح الصلاة لأنها لو صحت عتقت [٨٦/ب] قبل ذلك، وإذا عتقت بطلت صلاتها، وكانت صحة صلاتها مستلزمةً لبطلانها. ومنها: لو زوَّج أمته بحرٍّ، وادعى عليه مهرها قبل الدخول، وادعى الزوج الإعسار، وادعى سيد الأَمة يساره قبل نكاح الأمة بميراث أو غيره= لم تُسمع دعواه؛ إذ لو ثبتت دعواه لبطل النكاح؛ لأنه لا يصح نكاح الأمة مع وجود الطَّول، وإذا بطل النكاح بطل دعوى المهر. وكذلك لو تزوج بأمة فادَّعت أن الزوج عنِّين لم تُسمع دعواها؛ إذ لو ثبتت دعواها لزال (٤) خوف العَنَت الذي هو شرط في نكاح الأمة، وذلك يبطل النكاح، وبطلانه يوجب بطلان الدعوى منها، فلما كانت صحة دعواها تؤدِّي إلى إفسادها أفسدناها.

стр. 1986

وكذلك المرأة إذا ادَّعت على سيد زوجها أنه باعه إياها بمهرها قبل الدخول لم تصح دعواها؛ لأنها لو صحت لسقط نصف (١) المهر وبطل البيع في العبد. وكذلك لو شهد شاهدان على عتق عبد فحكم بعتقه، ثم ادعى العبد بعد الحكم بحريته على أحد الشاهدين أنه مملوكه= لم تُسمع دعواه؛ لأن تحقيقها يؤدّي إلى بطلان الشهادة على العتق، فتبطل دعوى ملكه للشاهد. وكذلك لو سُبِي مراهقٌ من أهل الحرب ولم يعلم بلوغه، فأنكر البلوغ= لم يُستحلف؛ لأن إحلافه يؤدّي إلى إبطال استحلافه، فإنا لو حلّفناه لحكمنا بصغره، والحكم بالصغر يمنع الاستحلاف. ونظيره: لو ادعى على امرئ (٢) مراهق ما يوجب القصاص أو قذفًا يوجب الحد أو مالًا من مبايعة أو ضمان أو غير ذلك (٣)، وادعى أنه بالغ، وأنه يلزمه الحكم بذلك فأنكر الغلام ذلك= فالقول قوله، ولا يمينَ عليه؛ إذ لو حلَّفناه لحكمنا بصغره، والحكم بالصغر يُسقط اليمين عنه، وإذا لم يكن هنا يمينٌ لم يكن ردُّ يمين؛ لأن ردَّ اليمين إنما يكون عند نكول من هو من أهلها. وكذلك لو أعتق المريض جارية له قيمتها مائة، وتزوَّج بها في مرض موته،

стр. 1987

ومهرها مائة، وترك مائتي درهم= فالنكاح صحيح، ولا مهرَ لها، ولا ميراثَ. أما الميراث فلأنها لو ورثت (١) لبطلت الوصية بعتقها؛ لأن العتق في المرض وصية، وفي بطلان الوصية بطلان الحرية، وفيه بطلان الميراث. وأما سقوط المهر فلأنه لو ثبت لركب السيدَ دينٌ، ولم تخرج قيمتها من الثلث، فيبطل عتقها كلها، فلم يكن للزوج أن ينكحها وبعضها رقيق، فيبطل المهر، فكان ثبوت المهر مؤدّيًا إلى بطلانه. فالحكم بإبطالها مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢]، فعيَّر سبحانه من نقض شيئًا بعد أن أثبته؛ فدلَّ على أن (٢) كل ما كان إثباته مؤديًا إلى نفيه وإبطاله كان باطلًا. فهذا ما احتج به المسرِّجون (٣). قال الآخرون (٤): لقد أطلتم الخَطْب في هذه المسألة، ولم تأتوا بطائل، وقلتم ولكن (٥) تركتم مقالًا لقائل، وتأبى قواعد اللغة والشرع (٦) والعقل لهذه المسائل تصحيحًا، والميزان العادل لها عند الوزن ترجيحًا، وهيهات أن تكون شريعتنا في هذه المسألة مشابهة لشريعة (٧) أهل الكتاب؛ إذ

стр. 1988

يستحيل وقوع الطلاق وسُدَّ دونه الأبواب. [٨٧/أ] وهل هذا إلا تغييرٌ لما عُلِم (١) بالضرورة من الشريعة، وإلزامٌ لها بالأقوال الشنيعة؟ وهذا أشنعُ مِن سدِّ باب (٢) النكاح بتصحيح تعليق الطلاق لكل من تزوَّجها في مدة عمره؛ فإنه وإن كان نظيرَ سدِّ باب الطلاق، لكن قد ذهب إليه بعض السلف، وأما هذه المسألة فمما (٣) حدث في الإسلام بعد انقراض الأعصار المفضَّلة. ونحن نبيِّن مناقضة هذه المسألة للشرع واللغة والعقل، ثم نجيب عن شُبَهِكم شبهة شبهة. أما مناقضتها للشرع فإن الله سبحانه شرع للأزواج - إذا أرادوا استبدال زوجٍ مكانَ زوج والتخلُّص (٤) من المرأة - الطلاقَ، وجعله بحكمته ثلاثًا توسعةً على الزوج (٥)؛ إذ لعله يبدو له ويندم (٦) فيراجعها، وهذا من تمام حكمته ورأفته ورحمته بهذه الأمة، ولم يجعل أنكحتهم كأنكحة النصارى تكون المرأة غُلًّا في عنق الزوج إلى الموت. ولا يخفى ما بين الشريعتين من التفاوت، وأن هذه المسألة منافية لإحداهما منافاةً ظاهرة، ومشتقة من الأخرى اشتقاقًا ظاهرًا، ويكفي هذا الوجه وحده في إبطالها. وأما مناقضتها للغة فإنها تضمَّنت كلامًا ينقض بعضه بعضًا، ومضمونه:

стр. 1989

إذا وُجِد الشيء لم يوجد، وإذا وُجِد الشيء اليوم فهو موجود قبل اليوم، أو إذا (١) فعلتُ الشيء اليوم فقد وقع مني قبل اليوم، ونحو هذا من الكلام المتناقض في نفسه الذي هو إلى المحال أقرب منه إلى الصحيح من المقال. وأما مناقضتها لقضايا العقول فلأن الشرط يستحيل أن يتأخَّر وجوده عن وجود المشروط، ويتقدم المشروط عليه في الوجود، هذا مما لا يُعقل عند أحد من العقلاء؛ فإن رتبة الشرط التقدُّم أو المقارنة، والفقهاء وسائر العقلاء معهم مجمعون على ذلك؛ فلو صح تعليق المشروط بشرط متأخر بعده لكان ذلك إخراجًا له عن كونه شرطًا أو جزءَ شرطٍ أو علةً أو سببًا؛ فإن الحكم لا يسبق شرطَه ولا سببَه ولا علّته؛ إذ في ذلك إخراج الشروط والأسباب والعلل عن حقائقها وأحكامها. ولو جاز تقديم الحكم على شرطه لجاز تقديم وقوع الطلاق على إيقاعه؛ فإن الإيقاع سبب، والأسباب تتقدم مسبَّباتِها، كما أن الشروط رتبتُها التقدّم؛ فإذا جاز إخراج هذا عن رتبته جاز إخراج الآخر عن رتبته، فجوَّزوا حينئذٍ تقدُّمَ الطلاق على التطليق، والعتق على الإعتاق، والمِلك على البيع، وحِلّ المنكوحة على عقد النكاح. وهل هذا في الشرعيات إلا بمنزلة تقدُّم الانكسار على الكسر، والسيل على المطر، والشِّبع على الأكل، والولد على الوطء، وأمثال ذلك؟ ولا سيما على أصلِ من يجعل هذه العلل والأسباب علاماتٍ محضة لا تأثيرَ لها، بل هي معرِّفات، والمعرِّف يجوز تأخُّره عن المعرَّف. وبهذا يخرج الجواب عن قولكم: «إن الشروط الشرعية معرِّفات

стр. 1990

وأمارات وعلامات، والعلامة يجوز تأخُّرها»؛ فإن هذا وهم وإيهام من وجهين: أحدهما: أن الفقهاء [٨٧/ب] مجمعون على أن الشرائط الشرعية لا يجوز تأخُّرها عن المشروط، ولو تأخَّرت لم تكن شروطًا (١). الثاني: أن هذا شرط لغوي، كقوله: «إن كلَّمتُ زيدًا فأنتِ طالق» ونحو ذلك (٢)، و «إن خرجتِ بغير إذني فأنتِ طالق» ونحو ذلك، والشروط اللغوية أسباب وعلل مقتضية لأحكامها اقتضاءَ المسبَّبات لأسبابها. ألا ترى أن قوله: «إن دخلتِ الدار فأنتِ طالق» سبب ومسبَّب ومؤثِّر وأثر، ولهذا يقع جوابًا عن العلة، فإذا قال: «لِمَ طلقها؟ (٣)» قال: لوجود الشرط الذي علَّقتُ عليه الطلاق، فلولا أن وجوده مؤثّر في الإيقاع لما صح هذا الجواب. ولهذا يصح أن يخرجه بصيغة القسم فيقول: «الطلاق يلزمني لا تدخلين الدار»؛ فيجعل إلزامه للطلاق في المستقبل مسببًا عن دخولها الدارَ بالقسم والشرط. وقد غلِطَ في هذا طائفة من الناس حيث قسموا الشرطَ إلى شرعي ولغوي (٤) وعقلي، ثم حكموا عليه بحكم شامل فقالوا: الشرط يجب تقديمه على المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود المشروط، ويلزم من انتفائه انتفاء المشروط، كالطهارة للصلاة والحياة للعلم. ثم أوردوا على

стр. 1991

نفوسهم الشرط اللغوي؛ فإنه يلزم من وجوده وجود المشروط، ولا يلزم من انتفائه انتفاؤه؛ لجواز وقوعه بسبب آخر، ولم يُجيبوا (١) عن هذا الإيراد بطائل. والتحقيق أن الشروط اللغوية أسباب عقلية، والسبب إذا تمَّ لزم من وجوده وجود مسبَّبِه، وإذا انتفى لم يلزم نفي السبب (٢) مطلقًا؛ لجواز خلف (٣) سببٍ آخر، بل يلزم انتفاء السبب المعيَّن عن هذا المسبَّب (٤). وأما قولكم: «إنه صدر من هذا الزوج طلاقانِ منجَّز ومعلَّق، والمحلُّ قابل لهما»، فجوابه بالمنع، فإن المحلّ ليس بقابل للمعلَّق؛ فإنه يتضمن المحال، والمحلّ لا يقبل المُحال، نعم هو قابل للمنجَّز وحده، فلا مانع من وقوعه. وكيف تصح دعواكم أن المحلَّ قابل للمعلَّق، ومُنازعكم إنما نازعكم فيه، وقال: ليس المحلُّ بقابلٍ للمعلَّق؟ فجعلتم نفس الدعوى مقدمةً في الدليل. وقولكم: «إن الزوج ممن يملك التنجيز والتعليق»، جوابه أنه إنما ملكَ (٥) التعليق الممكن، فأما التعليق المستحيل فلم يملكه شرعًا ولا عرفًا ولا عادةً.

стр. 1992

وقولكم: «لا مزيةَ لأحدهما على الآخر» باطل، بل المزية كل المزية لأحدهما على الآخر (١)؛ فإن المنجَّز له مزية الإمكان في نفسه، والمعلَّق له مزية الاستحالة والامتناع، فلم يتمانعا ولم يتساقطا، فلم يمنع من وقوع المنجَّز مانعٌ. وقولكم: «إنه نظيرُ ما لو تزوَّج أختين (٢) في عقد»، جوابه أنه تنظير باطل؛ فإنه ليس نكاح إحداهما شرطًا في نكاح الأخرى، بخلاف مسألتنا، فإن المنجَّز شرط في وقوع المعلَّق، وذلك عين المحال. وقولكم: «إنه لا مزيةَ لأحد الطلاقين على الآخر» باطل، بل للمنجَّز مزية من عدة أوجه: أحدها: قوة التنجيز على التعليق. الثاني: أن التنجيز لا خلافَ في وقوع الطلاق به، وأما التعليق ففيه نزاع مشهور بين الفقهاء. والموقعون لم يقيموا على المانعين حجةً توجب المصير [٨٩/أ] إليها، مع تناقضهم فيما يقبل التعليق وما لا يقبله، فمنازعوهم يقولون: الطلاق لا يقبل التعليق كما قلتم أنتم في الإسقاط والوقف والنكاح والبيع، ولم يفرِّق هؤلاء بفرق صحيح، وليس الغرض ذكر تناقضهم، بل الغرض أن للمنجَّز مزية على المعلَّق. الثالث: أن المشروط هو المقصود لذاته، والشرط تابع ووسيلة. الرابع: أن المنجَّز لا مانع من وقوعه لأهلية الفاعل وقبول المحلّ،

стр. 1993

والتعليق المحال لا يصلح أن يكون مانعًا من اقتضاء السبب الصحيح أثره. الخامس: أن صحة التعليق فرع على مِلك التنجيز، فإذا انتفى ملكه للمنجَّز في هذه المسألة انتفى صحة التعليق، فصحة التعليق تمنع من صحته، وهذه معارضة صحيحة في أصل المسألة فتأمّلْها. السادس: أنه لو قال في مرضه: «إذا أعتقتُ سالمًا فغانمٌ حرٌّ» ثم أعتق سالمًا ولا يخرجان من الثلث، قدِّم عتق المنجَّز على المعلَّق لقوته. يوضحه الوجه السابع (١): أنه لو قال لغيره: «ادخلِ الدار فإذا دخلتَ أخرجتُك» وهو نظيره في القوة؛ فإذا دخل لم يمكنه إخراجه. وهذا المثال وِزَانُ مسألتنا، فإن المعلَّق هو الإخراج والمنجَّز هو الدخول. الثامن: أن المنجَّز في حيِّز (٢) الإمكان، والمعلَّق قد قارنه ما جعله مستحيلًا. التاسع: أن (٣) وقوع المنجَّز يتوقف على أمر واحد وهو التكلم باللفظ اختيارًا، ووقوع المعلَّق يتوقَّف على التكلمُّ باللفظ ووجودِ الشرط، وما توقف على شيء واحد أقربُ وجودًا مما توقَّف على أمرين. العاشر: أن وقوع المنجَّز (٤) موافق لتصرف الشارع وملك المالك، ووقوع المعلَّق بخلافه؛ لأن الزوج لم يُملِّكه الشارع ذلك.

стр. 1994

فهذه عشرة أوجه تدلُّ على مزية المنجَّز وتُبطِل قولكم إنه لا مزيةَ له، والله أعلم. فصل وأما سائر الصور التي ذكرتموها من صور الدور التي يُفضِي ثبوتها إلى إبطالها، فمنها ما هو ممنوع الحكم لا يسلِّمه لكم منازعكم، وإنما هي مسائل مذهبية يُحتجُّ لها لا يُحتجُّ بها، وهم يفكُّون الدور تارة بوقوع الحكمين معًا وعدم إبطال أحدهما للآخر ويجعلونهما معلولَي علةٍ واحدة ولا دورَ، وتارة يسبق أحد الحكمين للآخر سبْقَ السبب لمسبَّبه ثم يرتَّب (١) الآخر عليه. ومنها ما هو مسلَّم الحكم، وثبوت الشيء فيه يقتضي إبطاله، ولكن هذا حجة لهم في إبطال هذا التعليق؛ فإنه لو صح لأفضى ثبوته إلى بطلانه، فإنه لو صح لزم منه وقوع طلقة مسبوقة بثلاث، وسبقُها بثلاث يمنع وقوعها، فبطل التعليق من أصله للزوم المحال؛ فهذه الصور التي استشهدتم بها من أقوى حججهم عليكم (٢) على بطلان التعليق. وأدلتكم في هذه المسألة نوعان: أدلة صحيحة وهي إنما تقتضي بطلان التعليق. وأما الأدلة التي تقتضي بطلان المنجَّز فليس منها دليل صحيح؛ فإنه طلاق صدَرَ من أهله في محلِّه؛ فوجب الحكم بوقوعه؛ أما أهلية المطلِّق

стр. 1995

فلأنه زوج مكلَّف مختار، وأما محلية المطلقة فلأنها زوجة والنكاح صحيح، فيدخل في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وفي سائر نصوص الطلاق؛ [٨٩/ب] إذ لو لم يلحقها طلاق لزم واحد من ثلاثة، وكلها منتفية: إما عدم أهلية المطلِّق، وإما عدم قبول المحلّ، وإما قيام مانعٍ يمنع من نفوذ الطلاق، والمانع مفقود؛ إذ ليس مع مدعي قيامه إلا التعليق المحال الباطل شرعًا وعقلًا، وذلك لا يصلح أن يكون مانعًا. يوضحه أن المانع من اقتضاء السبب لمسبَّبه إنما هو وصف ثابت يعارض سببيتَه فيوقفها (١) عن اقتضائها (٢)، فأما المستحيل فلا يصح أن يكون مانعًا معارضًا للوصف الثابت، وهذا في غاية الوضوح، ولله الحمد. فصل قال المسرّجون: لقد ارتقيتم مُرتقًى صعبًا، وأسأتم الظنّ بمن قال بهذه المسألة وهم أئمة علماء لا يُشَقُّ غبارهم، ولا تُغمَز قناتُهم، كيف وقد أخذوها من نصّ الشافعي ﵀، وبنوها على أصوله، ونظَّروا لها النظائر، وأتوا لها بالشواهد؟ فنص الشافعي (٣) على أنه إذا قال: «أنتِ طالق قبل موتي بشهر» ثم مات لأكثر من شهر بعد هذا التعليق؛ وقع الطلاق قبل موته بشهر. وهذا إيقاع طلاق في زمن ماضٍ سابقٍ لوجود الشرط وهو موته، فإذا وُجد الشرط تبينَّا وقوعَ الطلاق قبله. وإيضاح ذلك بإخراج الكلام مُخرَجَ

стр. 1996

الشرط، كقوله: «إن متُّ ــ أو إذا متُّ ــ فأنتِ طالق قبل موتي بشهر»، ونحن نُلزِمكم بهذه المسألة على هذا الأصل، فإنكم موافقون عليه، وكذا قوله قبل دخوله: «أنتِ طالق طلقةً قبلها طلقة» فإنه يقع بها طلقتان، وإحداهما وقعت في زمن ماضٍ سابق على التطليق. وبهذا خرج الجواب عن قوله: «إن الوقوع كما لم يسبق الإيقاع فلا يسبق الطلاق التطليق، فكذا لا يسبق شرطه، فإن الحكم لا يتقدم عليه، ويجوز تقدُّمه (١) على شرطه وأحدِ سبَبَيْه أو أسبابِه»، فإن الشرط معرِّف محض، ولا يمتنع تقديم المعرَّف عليه. وأما تقديمه على أحد سببيه فكتقديم الكفارة على الحنث بعد اليمين، وتقديمِ الزكاة على الحول بعد ملك النصاب، وتقديم الكفارة على الجرح قبل الزهوق، ونظائره. وأما قولكم: «إن الشرط يجب تقدُّمه على المشروط» فممنوع، بل مقتضى الشرط توقُّفُ المشروط على وجوده، وأنه لا يوجد بدونه، وليس مقتضاه تأخُّر المشروط عنه، وهذا يتعلق باللغة والشرع والعقل، ولا سبيلَ لكم إلى نص عن أهل اللغة في ذلك ولا إلى دليل شرعي ولا عقلي، فدعواه غير مسموعة. ونحن لا ننكر أن من الشروط ما يتقدم مشروطه، ولكن دعوى أن ذلك حقيقة الشرط وأنه إن لم يتقدم خرج عن أن يكون شرطًا دعوى لا دليلَ عليها، وحتى لو جاء عن أهل اللغة ذلك لم يلزم مثلُه في الأحكام الشرعية؛ لأن الشروط في كلامهم تتعلق بالأفعال، كقوله: «إن زرتَني أكرمتُك» و «إذا طلعت الشمسُ جئتُك»، فيقتضي الشرط ارتباطًا بين الأول والثاني، فلا يتقدّم المتأخر ولا يتأخّر المتقدم. وأما الأحكام فتقبل التقدُّم

стр. 1997

والتأخُّر والانتقال، كما لو قال: «إذا متُّ فأنتِ طالق قبل موتي بشهر»، ومعلوم أنه لو قال مثل هذا [٩٠/أ] في الحسيات كان محالًا، فلو قال: «إذا زرتَني أكرمتُك قبل أن تزورني بشهر» كان محالًا، إلا أن يحمل كلامه على معنى صحيح، وهو إذا أردتَ أو عزمتَ على زيارتي أكرمتُك قبلها. وسرُّ المسألة أن نقل الحقائق عن مواضعها ممتنع، والأحكام قابلة للنقل والتحويل والتقديم والتأخير، ولهذا لو قال: «أعتِقْ عبدَك عنّي» ففعل؛ وقع (١) العتق عن القائل، وجعل الملك متقدمًا على العتق حكمًا، وإن لم يتقدم عليه حقيقة. وقولكم: «يلزمنا تجويز تقديم الطلاق على التطليق» فذلك غير لازم؛ فإنه إنما يقع بإيقاعه؛ فلا يسبِقُ إيقاعَه، بخلاف الشرط، فإنه لا يوجب وجودَ المشروط، وإنما يرتبط به، والارتباط أعمُّ من السابق والمقارن (٢) والمتأخر، والأعم لا يستلزم الأخصَّ. ونكتة الفرق أن الإيقاع موجب للوقوع؛ فلا يجوز أن يسبقه أثره وموجبه، والشرط علامة على المشروط؛ فيجوز أن يكون قبله وبعده، فوِزانُ الشرط وِزانُ الدليل، ووِزانُ الإيقاع وِزانُ العلة، فافترقا. وأما قولكم: «إن هذا التعليق يتضمَّن المحال إلى آخره»، فجوابه أن هذا التعليق تضمَّن شرطًا ومشروطًا، وقد تُعقد القضية الشرطية في ذلك للوقوع، وقد تُعقد للإبطال؛ فلا يوجد فيها الشرط ولا الجزاء، بل تعليق (٣) ممتنع

стр. 1998

بممتنع، فتصدق الشرطية وإن انتفى كل من (١) جزأيها، كما نقول: «لو كان مع الله إله آخر لفسد العالم»، وكما في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]، ومعلوم أنه لم يقله ولم يعلمه الله، وهكذا قوله: «إن وقع عليكِ طلاقي فأنتِ طالق قبله ثلاثًا» قضية عُقدت لامتناع وقوع طرفيها، وهما المنجّز والمعلّق. ثم نذكر في ذلك قياسًا حرَّره الشيخ أبو إسحاق (٢) رحمه الله تعالى، فقال: طلاقان متعارضان يسبق أحدهما الآخر؛ فوجب أن ينفي السابق منهما المتأخر. نظيره أن يقول لامرأته: إن قدم زيد فأنتِ طالق ثلاثًا، وإن قدم عمرو فأنت طالق طلقة، فقدم زيد بكرةً، وعمرو عشيةً. ونكتة المسألة أنا لو أوقعنا الطلاق المباشر لزمنا أن نوقع قبله ثلاثًا، ولو أوقعنا قبله ثلاثًا لامتنع وقوعه في نفسه؛ فقد أدى الحكم بوقوعه إلى الحكم بعدم وقوعه، فلا يقع. وقولكم: «إن هذه اليمين تُفضي إلى سدّ باب (٣) الطلاق، وذلك تغيير للشرع، فإن الله ملَّك الزوجَ الطلاقَ رحمةً به ... إلى آخره»، جوابه أن هذا ليس فيه تغيير للشرع، وإنما هو إتيان بالسبب الذي ضيّق به على نفسه ما وسَّعه الله عليه، وهو هذه اليمين، وهذا ليس تغييرًا للشرع. ألا ترى أن الله سبحانه وسَّع عليه أمر الطلاق فجعله واحدة بعد واحدة ثلاث مرات لئلا يندم، فإذا ضيَّق على نفسه وأوقعها بفم واحد حصرَ نفسه

стр. 1999

وضيَّق عليها، ومنعها ما كان حلالًا لها، وربما لم يبقَ له سبيل إلى عودها إليه. وكذلك جعل الله سبحانه الطلاق إلى الرجال، ولم يجعل للنساء فيه حظًّا؛ لنقصان عقولهن وأديانهن، [٩٠/ب] فلو جعله إليهن لكان فيه فساد كبير (١) تأباه حكمة الرب تعالى ورحمته بعباده (٢)، فكانت المرأة لا تشاء أن تستبدل بالزوج إلا استبدلت به، بخلاف الرجال؛ فإنهم أكمل عقولًا وأثبتُ، فلا يستبدل بالزوجة إلا إذا عِيلَ صبرُه. ثم إن الزوج قد يجعل طلاق امرأته بيدها، بأن يملِّكها ذلك أو يحلف عليها أن لا تفعل كذا، فتختار طلاقه متى شاءت، ويبقى الطلاق بيدها، وليس في هذا تغيير للشرع؛ لأنه هو الذي ألزم نفسه هذا الحرج بيمينه وتمليكه. ونظير هذا ما قاله فقهاء الكوفة قديمًا وحديثًا: أنه لو قال: «كل امرأة أتزوجها فهي طالق» لم يمكنه أن يتزوج بعد ذلك امرأة، حتى قيل: إن أهل الكوفة أطبقوا على هذا القول، ولم يكن في ذلك تغيير للشريعة؛ فإنه هو الذي ضيَّق على نفسه ما وسَّع الله عليه. ونظير هذا لو قال: «كل عبد أو أمة أملكهما فهما حران» لم يكن له سبيل بعد هذا إلى ملك رقيقٍ أصلًا، وليس في هذا تغيير للشرع، بل هو المضيِّق على نفسه، والضيق والحرج الذي يُدخِله المكلَّف على نفسه لا يلزم أن يكون الشارع (٣) قد شرعه له، وإن ألزمه به بعد أن ألزم نفسه. ألا ترى أن من كان معه ألف دينار فاشترى بها جارية فأولدها ثم ساءت

стр. 2000

العشرة بينهما لم يبقَ له طريق إلى الاستبدال بها، وعليه ضرر في إعتاقها أو تزويجها (١) أو إمساكها، ولا بدَّ له من أحدها. ثم نقول في معارضة ما ذكرتم: قد يكون في هذه اليمين مصلحة له وغرض صحيح، بأن يكون محبًّا لزوجته شديد الإلف لها، وهو مشفق من أن ينزغ الشيطان بينهما فيقع منه طلاقها من غضبة أو موجدة، أو يحلف يمينًا بالطلاق أو يُبلى بمن يستحلفه بالطلاق ويُضطرّ (٢) إلى الحنث، أو يُبلى بظالم يُكرهه على الطلاق ويرفعه إلى حاكم ينفذه، أو يُبلى بشاهدَيْ زور يشهدان عليه بالطلاق، وفي ذلك ضرر عظيم (٣) به، وكان من محاسن الشريعة أن يُجعل له طريقٌ إلى الأمن من ذلك كله، ولا طريقَ أحسن من هذه؛ فما يُنكر من محاسن هذه الشريعة الكاملة أن تأتي بمثل ذلك، ونحن لا ننكر أن في ذلك نوع ضرر عليه، لكن رأى احتماله لدفع ضرر الفراق الذي هو أعظم من ضرر البقاء، وما يُنكَر في الشريعة من دفع أعلى الضررين باحتمال أدناهما؟ فصل قال الموقعون: لقد دعوتم الشُّبَه الجَفَلَى (٤) إلى وليمة هذه المسألة، فلم تَدَعوا منها داعيًا ولا مجيبًا، واجتهدتم في تقريرها ظانّين إصابة
следующие страницы →