أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٠ - ٧٦]. وقد ذكروا في تسميتهم سارقين وجهين:
أحدهما: أنه من باب المعاريض، وأن يوسف نوى بذلك أنهم سرقوه من أبيه، حيث غيَّبوه عنه بالحيلة التي احتالوا عليه وخانوه فيه، والخائن يسمَّى سارقًا، وهو من الكلام المرموز، ولهذا يسمَّى خَوَنةُ الدواوين لصوصًا.
الثاني: أن المنادي هو الذي قال ذلك من غير أمر يوسف.
قال القاضي أبو يعلى وغيره: أمر يوسف بعض أصحابه أن يجعل الصواع في رحل أخيه، ثم قال بعض الموكّلين وقد فقدوه فلم يُدْرَ (١) آخِذُه: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ على ظنٍّ منهم أنهم كذلك، من غير أمر يوسف لهم بذلك، أو لعل يوسف قد قال للمنادي: هؤلاء سرقوا، وعَنَى أنهم سرقوه من أبيه، والمنادي فَهِمَ سرقة الصُّواع، فصدق يوسف في قوله، وصدق المنادي. وتأمَّلْ حذف المفعول في قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ ليصح أن يضمن سرقتهم [٧٢/ب] ليوسف فيتمّ التعريض، ويكون الكلام صدقًا. وذكر المفعول في قوله: ﴿نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ وهو صادق في ذلك، فصدق في الجملتين معًا تعريضًا وتصريحًا. وتأمَّل قول يوسف: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾، ولم يقل إلا من سرق، وهو أخصر لفظًا، تحرِّيًا للصدق، فإن الأخ لم يكن سارقًا بوجه، وكان عنده المتاع حقًّا؛
стр. 1927
فالكلام من أحسن المعاريض وأصدقها.
ومثل هذا قول الملَكينِ لداود ﵇: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٢ - ٢٣] أي غلبني في الخطاب، ولكن تخريج هذا الكلام على المعاريض لا يكاد يتأتَّى، وإنما وجهه أنه كلام خرج على ضرب المثال، أي إذا كان كذلك فكيف الحكم بيننا.
ونظير هذا قول الملَك للثلاثة الذين أراد الله أن يبتليهم: «مسكين وغريب وعابر سبيل، وقد تقطَّعت بي الحِبال، ولا بلاغ لي اليومَ إلا بالله ثم بك، فأسألك بالذي أعطاك هذا المال بعيرًا أتبلَّغُ به في سفري هذا» (١). وهذا ليس بتعريض، وإنما هو تصريح على وجه ضرب المثال وإيهام أني أنا صاحب هذه القضية، كما أوهم الملَكانِ داود أنهما صاحبا القصة ليتمَّ الامتحان.
ولهذا قال نصر بن حاجب: سئل ابن عيينة عن الرجل يعتذر إلى أخيه من الشيء الذي قد فعله، ويحرِّف القول فيه ليرضيه، لم يأثم في ذلك؟ فقال: ألم تسمع قوله: «ليس بكاذبٍ من أصلحَ بين الناس يكذِب (٢) فيه» (٣)، فإذا أصلح بينه وبين أخيه المسلم خير من أن يصلح بين الناس بعضهم من بعض، وذلك إذا أراد به مرضاة الله، وكره أذى المؤمن، ويندم على ما كان
стр. 1928
منه، ويدفع شرَّه عن نفسه، ولا يريد بالكذب اتخاذ المنزلة عندهم ولا طمعًا في شيء يصيب منهم؛ فإنه لم يرخَّص في ذلك، ورُخِّص له إذا كره مَوجدتَهم وخاف عداوتهم.
قال حذيفة: إني أشتري ديني بعضَه ببعض مخافةَ أن أُقدِم على ما هو أعظم منه (١).
قال سفيان: وقال الملكان: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾، أراد معنى سِيّ (٢) ولم يكونا خصمين فلم يصيرا بذلك كاذبين، وقال إبراهيم: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقال يوسف: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾. فبيَّن سفيان أن هذا من المعاريض المباحة.
فصل
وقد احتج بعض الفقهاء بقصة يوسف على أنه جائز للإنسان التوصُّل إلى أخذ حقه من الغير بما يمكنه الوصول إليه بغير رضى مَن عليه الحق.
قال شيخنا (٣) ﵁: وهذه الحجة ضعيفة؛ فإن يوسف لم يكن (٤) يملك حبْسَ أخيه عنده بغير رضاه، ولم يكن هذا الأخ ممن ظلم (٥) يوسف
стр. 1929
حتى يقال إنه قد اقتصّ منه، وإنما سائر الإخوة هم الذين كانوا قد فعلوا ذلك، نعم تخلُّفه عنده كان يؤذيهم من أجل تأذِّي أبيهم والميثاق الذي أخذه عليهم، وقد استثنوا (١) في الميثاق بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦]، وقد أحيط بهم، ولم يكن قصد يوسف باحتباس أخيه الانتقام من إخوته؛ فإنه كان أكرمَ من هذا، وكان في [٧٣/أ] ذلك من الإيذاء لأبيه أعظم مما فيه من إيذاء إخوته، وإنما هو أمر أمره الله به ليبلُغَ الكتاب أجلَه، ويتمَّ البلاء الذي استحقَّ به يعقوب ويوسف كمال الجزاء، وتبلغَ حكمة الله التي قضاها لهم نهايتها.
ولو كان يوسف قصد القصاص منهم بذلك فليس هذا موضع الخلاف بين العلماء؛ فإن الرجل له أن يعاقب بمثل ما عوقب به، وإنما موضع الخلاف: هل يجوز له أن يسرق أو يخون سرقةً أو خيانةً (٢) مثل ما سرقَ منه أو خانه إياه؟ وقصة يوسف لم تكن من هذا الضرب.
نعم، لو كان يوسف أخذ أخاه بغير أمره لكان لهذا المحتجّ شبهةٌ، مع أنه لا دلالة في ذلك على هذا التقدير أيضًا؛ فإن مثل هذا لا يجوز في شرعنا بالاتفاق، وهو أن يُحبس رجل بريء، ويُعتقل للانتقام من غيره من غير أن يكون له جرم، ولو قدِّر أن ذلك وقع من يوسف فلا بدّ أن يكون بوحي من الله ابتلاء منه لذلك المعتقل، كما ابتلى إبراهيمَ بذبح ابنه، فيكون المبيح له على هذا التقدير وحيًا خاصًّا كالوحي الذي جاء إبراهيم بذبح ابنه، وتكون حكمته في حقّ المبتلَى امتحانه وابتلاؤه لينال درجة الصبر على حكم الله
стр. 1930
والرضا بقضائه، وتكون حاله في هذا كحال أبيه يعقوب في احتباس يوسف عنه.
وهذا معلوم من فقه القصة وسياقها ومن حال يوسف، ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، فنسب الله سبحانه هذا الكيد إلى نفسه كما نسبه إلى نفسه في قوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦]، وفي قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠]، وفي قوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠].
وقد قيل: إن تسمية ذلك مكرًا وكيدًا واستهزاءً وخداعًا من باب الاستعارة ومجاز المقابلة، نحو: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، ونحو قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
وقيل ــ وهو أصوب ــ: بل تسميته بذلك حقيقة على بابه؛ فإن المكر إيصال الشيء إلى الغير بطريق خفي، وكذلك الكيد والمخادعة، ولكنه نوعان: قبيح وهو إيصال ذلك لمن لا يستحقّه، وحسن وهو إيصاله إلى مستحقه عقوبة له؛ فالأول مذموم والثاني ممدوح، والرب تعالى إنما يفعل من ذلك ما يُحمد عليه عدلًا منه وحكمةً، وهو سبحانه يأخذ الظالم والفاجر من حيث لا يحتسب كما يفعل الظلمة بعباده.
وأما السيئة فهي فَيْعِلَة مما يسوء، ولا ريبَ أن العقوبة تسوء صاحبها؛ فهي سيئة له حسنة من الحَكَم العدل.
стр. 1931
وإذا عُرِف ذلك فيوسف الصديق كان قد كِيدَ غير مرة: أولها أن إخوته كادوا به كيدًا حيث احتالوا في التفريق بينه وبين أبيه. ثم إن امرأة العزيز كادتْه بما أظهرتْ أنه راودها عن نفسه، حتى أُودع السجن. ثم إن النسوة كادوه حتى (١) استجار بالله [٧٣/ب] من كيدهن فصرفه عنه؛ فقال له يعقوب: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥]، وقال الشاهد لامرأة العزيز: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ [يوسف: ٢٨]، وقال تعالى في حق النسوة: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣٤]. وقال للرسول: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠].
فكاد الله سبحانه له أحسنَ كيدٍ وألطفَه وأعدلَه، بأن جمع بينه وبين أخيه، وأخرجه من أيدي إخوته بغير اختيارهم كما أخرجوا يوسف من يد أبيه بغير اختياره، وكاد له عوضَ كيدِ المرأة بأن أخرجه من ضيق السجن إلى فضاء الملك، ومكّنه في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، وكادَ له في تصديق النسوة اللاتي كذّبنه وراودنَه حين شهدن ببراءته وعفته، وكاد له في تكذيب امرأة العزيز لنفسها واعترافها بأنها هي التي راودته وأنه من الصادقين؛ فهذه عاقبةُ من صبر على كيد الكائد له بغيًا وعدوانًا.
فصل
وكيد الله سبحانه لا يخرج عن نوعين:
стр. 1932
أحدهما ــ وهو الأغلب ــ: أن يفعل سبحانه فعلًا خارجًا عن قدرة العبد الذي كاد له؛ فيكون الكيد قدرًا محضًا ليس هو من باب لا يسوغ، كما كاد أعداء الرسل بانتقامه منهم بأنواع العقوبات، وكذلك كانت قصة يوسف؛ فإن أكثر ما أمكنه أن يفعل أن ألقى الصُّواع في رحل أخيه، وأن أذن المؤذّن بسرقتهم، فلما أنكروا قال: ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ أي جزاء السارق أو جزاء السُّرَّق، ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٤ - ٧٥] أي جزاؤه نفس السارق، يستعبده المسروق منه إما مطلقًا وإما إلى مدة. وهذه كانت شريعة آل يعقوب.
ثم في إعراب هذا الكلام وجهان:
أحدهما: أن قوله: ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ جملة مستقلة قائمة من مبتدأ وخبر، وقوله: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ جملة ثانية كذلك مؤكِّدة للأولى مقرِّرة لها، والفرق بين الجملتين أن الأولى إخبار عن استحقاق المسروق لرقبة السارق، والثانية إخبار أن هذا جزاؤه في شرعنا وحكمنا؛ فالأولى إخبار عن المحكوم عليه، والثانية إخبار عن الحكم، وإن كانا متلازمين، وإن أفادت الثانية معنى الحصر وأنه لا جزاء له غيره.
والقول الثاني: أن ﴿جَزَاؤُهُ﴾ الأول مبتدأ وخبره الجملة الشرطية، والمعنى جزاء السرق أن من وُجد المسروق في رحله كان هو الجزاء، كما تقول: جزاء السرقة من سَرق قُطعت يده، وجزاء الأعمال مَن عمل حسنةً فبعشرٍ أو سيئةً فواحدة، ونظائره.
стр. 1933
قال شيخنا (١) ﵁: وإنما احتمل الوجهين لأن الجزاء قد يراد به نفس الحكم باستحقاق العقوبة، وقد يراد به نفس فعل العقوبة، وقد يراد به نفس الألم الواصل إلى المعاقب؛ والمقصود أن إلهام الله سبحانه لهم هذا الكلام (٢) كيدٌ كاده ليوسف خارج عن قدرته؛ [٧٤/أ] إذ قد كان يُمكنهم أن يقولوا: لا جزاء عليه حتى يثبت أنه هو الذي سرق؛ فإن مجرد وجوده في رحله لا يوجب ثبوت السرقة، وقد كان يوسف عادلًا لا يأخذهم بغير حجة. وقد كان يمكنهم أن يقولوا: يُفعل به ما يُفعل بالسرَّاق في دينكم، وقد كان من دين ملك مصر ــ كما قاله أهل التفسير ــ أن يُضرب السارق ويُغرم قيمة المسروق مرتين، ولو قالوا ذلك لم يمكنه أن يُلزِمهم ما لا يلزم به غيرهم.
ولهذا قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٦]، أي ما كان يمكنه أخذُه في دين ملك مصر؛ إذ لم يكن في دينه طريق له إلى أخذه، وعلى هذا فقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ استثناء منقطع، أي لكن إن شاء الله أخذه بطريق آخر، أو يكون متصلًا على بابه، أي إلا أن يشاء الله ذلك فيهيِّئ له سببًا يؤخذ به في دين الملك من الأسباب التي كان الرجل يُعتقل بها، فإذا كان المراد من الكيد فعلًا من الله ــ بأن ييسِّر لعبده المؤمن المظلوم المتوكل عليه أمورًا يحصل بها مقصوده من الانتقام من الظالم ــ كان هذا خارجًا عن الحيل الفقهية؛ فإن كلامنا في الحيل التي يفعلها العبد، لا فيما يفعله الله سبحانه.
стр. 1934
بل في قصة يوسف تنبيهٌ على بطلان الحيل، وأن من كاد كيدًا محرَّمًا فإن الله يكيده ويعامله بنقيض قصده وبمثل عمله، وهذه سنة الله في أرباب الحيل المحرَّمة أنه لا يبارك لهم فيما نالوه بهذه الحيل، ويهيِّئ لهم كيدًا على يد من يشاء من خلقه يجزون به من جنس كيدهم وحيلهم.
وفيها تنبيه على أن المؤمن المتوكِّل على الله إذا كاده الخلق فإن الله يكيد له وينتصر له بغير حولٍ منه ولا قوة.
وفيها دليل على أن وجود المسروق بيد السارق كافٍ في إقامة الحد عليه، بل هو بمنزلة إقراره، وهو أقوى من البينة، وغاية البينة أن يستفاد منها ظن، وأما وجود المسروق بيد السارق فيستفاد منه اليقين وبهذا جاءت السنة في وجوب الحد بالحَبَل والرائحة في الخمر كما اتفق عليه الصحابة، والاحتجاج بقصة يوسف على هذا أحسن وأوضح (١) من الاحتجاج بها على الحيل.
وفيها تنبيه على أن العلم الخفي الذي يُتوصَّل به إلى المقاصد الحسنة مما يرفع الله به درجاتِ العبد؛ لقوله بعد ذلك: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: ٧٦]، قال زيد بن أسلم وغيره: بالعلم (٢). وقد أخبر تعالى عن رفعه درجات أهل العلم في ثلاث (٣) مواضع من كتابه:
стр. 1935
أحدها: قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣]، فأخبر أنه يرفع درجات من يشاء بعلم الحجة.
وقال في قصة يوسف: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: ٧٦]، فأخبر أنه يرفع درجات من يشاء بالعلم الخفي الذي [٧٤/ب] يتوصَّل به صاحبه إلى المقاصد المحمودة.
وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، فأخبر أنه يرفع درجات أهل العلم والإيمان.
فصل
النوع الثاني من كيده لعبده المؤمن: هو أن يلهمه سبحانه أمرًا مباحًا أو مستحبًّا أو واجبًا يوصله به إلى المقصود الحسن؛ فيكون على هذا إلهامه ليوسف أن يفعل ما فعل هو من كيده سبحانه أيضًا، وقد دلّ على ذلك قوله: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾، فإنّ فيها تنبيهًا على أن العلم الدقيق الموصل إلى المقصود الشرعي صفة مدح، كما أن العلم الذي يخصم به المُبطِل صفة مدح؛ وعلى هذا فيكون من الكيد ما هو مشروع، لكن لا يجوز أن يراد به الكيد الذي تُستحلُّ به المحرّمات أو تسقط به الواجبات؛ فإن هذا كيدٌ لله، والله هو الذي يكيد الكائد، ومحال أن يشرع الله سبحانه أن يُكاد دينُه. وأيضًا فإن هذا الكيد لا يتم إلا بفعل يُقصَد به غير مقصوده الشرعي، ومحال أن يشرع الله لعبده أن يقصد بفعله ما لم يشرع الله ذلك الفعل له.
стр. 1936
فهذا هو الجواب عن احتجاج المتحيِّلين بقصة يوسف ﵊، وقد تبيَّن أنها من أعظم الحجج عليهم، وبالله التوفيق.
فصل
وأما حديث أبي هريرة وأبي سعيد: «بع الجمع بالدراهم ثم ابتَعْ بالدراهم جَنيبًا» فما أصحَّه من حديث، ونحن نتلقّاه بالقبول والتسليم. والكلام معكم فيه في مقامين: أحدهما: إبطال استدلالكم به على جواز الحيل، والثاني: بيان دلالته على نقيض مطلوبكم؛ إذ هذا شأن كل دليل صحيح احتج به محتج على باطل؛ فإنه لا بدَّ أن يكون فيه ما يدل على بطلان قوله ظاهرًا أو إيماءً، مع عدم دلالته على قوله.
فأما المقام الأول (١) فنقول: غاية ما دلَّ الحديث أن النبي ﷺ أمره أن يبيع سِلعته الأولى بثمن ثم يبتاع بثمنها تمرًا آخر، ومعلوم قطعًا أن ذلك إنما يقتضي البيع الصحيح؛ فإن النبي ﷺ لا يأذن في العقد الباطل؛ فلا بدَّ أن يكون العقد الذي أذن فيه صحيحًا، والشأن كل الشأن في العقد المتنازع فيه؛ فلو سلَّم لكم المنازع صحته لاستغنيتم عن الاستدلال بالحديث، ولا يمكن الاستدلال بالحديث على صحته لأنه ليس بعام؛ فإن قوله: «بع» مطلق لا عام؛ فهذا البيع لو كان صحيحًا متفقًا على صحته لم يكن هناك لفظ عام يحتجُّ به على تناوله له، فكيف وهذا البيع مما قد دلّت السنة الصحيحة وأقوال الصحابة والقياس الصحيح على بطلانه كما تقدم؟ ولو اختلف رجلان في بيع هل هو صحيح أو فاسد، وأراد كل واحد منهما إدخاله في
стр. 1937
هذا اللفظ؛ لم يُمكِنه ذلك حتى يُثبِت أنه بيع صحيح، ومتى أثبت [٧٥/أ] أنه بيع صحيح لم يحتج إلى الاستدلال بهذا المطلق؛ فتبيَّن أنه لا حجة فيه على صورة من صور النزاع البتةَ.
ونكتة الجواب أن يقال: الأمر المطلق بالبيع إنما يقتضي البيع الصحيح، ومن سلَّم لكم أن هذه الصورة التي تواطأ فيها البائع والمشتري على الربا، وجعلا السلعة الدخيلة محلِّلًا له غير مقصودة بالبيع= بيع صحيح؟ وإذا كان الحديث ليس فيه عموم، وإنما هو مطلق، والأمر بالحقيقة المطلقة ليس أمرًا بشيء من صورها؛ لأن الحقيقة مشتركة بين الأفراد، والقدر المشترك ليس هو ما يميَّز به كل واحد من الأفراد عن الآخر، ولا هو مستلزمًا له؛ فلا يكون الأمر بالمشترك أمرًا بالمميّز بحال، وإن كان مستلزمًا لبعض تلك القيود لا بعينه، فيكون عامًّا لها على سبيل البدل، لكن ذلك لا يقتضي العموم للأفراد على سبيل الجمع، وهو المطلق في قوله: «بع هذا الثوب»، لا يقتضي الأمر ببيعه من زيد أو عمرو، ولا بكذا وكذا، ولا بهذه السوق أو هذه؛ فإن اللفظ لا دلالة له (١) على شيء من شيء من ذلك، إذا أتى بالمسمى حصل ممتثلًا من جهة وجود تلك الحقيقة، لا من جهة وجود (٢) تلك القيود. وهذا الأمر لا خلاف فيه، لكن بعض الناس يعتقد أن عدم الأمر بالقيود يستلزم عدم الإجزاء إذا أتى بها إلا بقرينة، وهو خطأ، والصواب أن القيود لا تنافي الأمر ولا تستلزمه، وإن كان لزوم بعضها لزومًا عقليًّا ضرورةَ وقوعِ القدر المشترك في ضمن قيدٍ من تلك القيود.
стр. 1938
وإذا تبيَّن هذا فليس في الحديث أمرُه أن يبيع التمر لبائع النوع الآخر ولا لغيره، ولا بحلول ولا بأجل، ولا بنقد البلد ولا بغيره (١)، ولا بثمن المثل أو غيره، وكل هذه القيود خارجة عن مفهوم اللفظ، ولو زعم زاعم أن اللفظ يعمُّ هذا كله كان مبطلًا، لكن اللفظ لا يمنع الإجزاء إذا أتى بها، وإنما استفيد عدم الامتثال إذا بيع بدون ثمن المثل أو بثمن مؤجّل أو بغير نقد البلد من العرف الذي ثبت للبيع المطلق. وكذلك ليس في اللفظ ما يدلُّ على أنه يبيعه من البائع بعينه ولا غيره، كما ليس فيه ما يمنعه، بل كل واحد من الطرفين يحتاج إلى دليل خارج عن اللفظ المطلق؛ فما قام الدليل على إباحته أبيح فعله بالدليل الدال على جوازه لا بهذا اللفظ، وما قام الدليل (٢) على المنع منه لم يعارض دليل المنع بهذا اللفظ المطلق حتى يطلب الترجيح، بل يكون دليل المنع سالمًا عن المعارضة بهذا، فإن عورض بلفظ عام متناول لإباحته بوضع اللفظ له أو بدليل خاص صحت المعارضة. فتأمَّلْ هذا الموضع الذي كثيرًا ما يَغلَط فيه الناظر والمناظر، وبالله التوفيق.
وقد ظهر بهذا جوابُ من قال: «لو كان الابتياع من المشتري حرامًا لنهى عنه»، فإن مقصوده ﷺ إنما كان بيان الطريق التي بها يحصل اشتراء التمر الجيد لمن عنده رديء، وهو أن يبيع الرديء بثمن ثم يبتاع بالثمن جيدًا، ولم يتعرض لشروط (٣) المبيع وموانعه؛ لأن المقصود ذكر الحكم [٧٥/ب] على وجه الجملة، أو لأن المخاطب أُحيل على فهمه وعلمه بأنه
стр. 1939
إنما أذن له في بيع يتعارفه الناس، وهو البيع المقصود في نفسه، ولم يؤذن له في بيع يكون وسيلة وذريعة ظاهرة إلى ما هو ربا صريح، وكان القوم أعلم بالله ورسوله وشريعته من أن يفهموا عنه أنه أذن لهم في الحيل الربوية التي ظاهرها بيع وباطنها ربًا، ونحن نشهد بالله أنه كما لم يأذن فيها بوجه لم يفهمها عنه أصحابه بخطابه بوجه.
وما نظير هذا الاستدلال إلا استدلال بعضهم على جواز أكل ذي الناب والمِخْلَب بقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، واستدلال آخر بقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] على جواز نكاح الزانية المُصِرَّة على الزنا، واستدلال آخر على ذلك بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، واستدلال غيره به على صحة نكاح التحليل بذلك، وعلى صحة نكاح المتعة، واستدلال آخر على جواز نكاح المخلوقة من مائه إذا كان زانيًا. ولو أن رجلًا استدلَّ بذلك على جواز نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأخذ يعارض به السنة= لم يكن فرق بينه وبين هذا الاستدلال، بل لو استدل به على كل نكاح حرَّمته السنة لم يكن فرق بينه وبين هذا الاستدلال. وكذلك قوله: «بع الجمع» لو استدل به مستدل على بيع من البيوع المتنازع فيها لم يكن فيه حجة، وليس الغالب أن بائع التمر بدراهم يبتاع بها من المشتري حتى يقال: هذه الصورة غالبة فيُحمَل اللفظ عليها، ولا هو المتعارف عند الإطلاق عرفًا وشرعًا.
وبالجملة فإرادة هذه الصورة وحدها من اللفظ ممتنع، وإرادتها مع غيرها فرع على عمومه، ولا عمومَ له، وإرادة القدر المشترك بين أفراد البيع إنما ينصرف إلى البيع المعهود عرفًا وشرعًا، وعلى التقديرات كلها لا تدخل
стр. 1940
هذه الصورة.
ومما يدلُّ على ذلك أن هذه الصورة لا تدخل في أمر الرجل لعبده وولده ووكيله أن يشتري له كذا، فلو قال: «بع هذه الحنطة العتيقة واشترِ لنا جديدة» لم يفهم السامع إلا بيعًا مقصودًا أو شِرًى مقصودًا (١)، فثبت أن الحديث ليس فيه إشعار بالحيلة الربوية البتةَ.
يوضحه أن قوله: «بع كذا واشترِ كذا» أو «بعتُ واشتريتُ» لا يفهم منه إلا البيع الذي يُقصد به نقل ملك المبيع نقلًا مستقرًّا؛ ولهذا لا يفهم منه بيع الهازل ولا المُكرَه، ولا بيع الحيلة، ولا بيع العينة، ولا يعدُّ الناس من اتخذ خَرزةً أو عرضًا يحلِّل به الربا ويبيعه ويشتريه صورة خالية عن حقيقة البيع ومقصودِه تاجرًا، وإنما يسمونه مرابيًا ومتحيلًا، فكيف يدخل هذا تحت لفظ النبي ﷺ ؟
يزيده إيضاحًا أن النبي ﷺ قال: «من باع بيعتينِ في بيعةٍ فله أوكسُهما أو الربا» (٢)، ونهى عن بيعتين في بيعة، ومعلوم أنهما متى تواطآ على أن يبيعه بالثمن ثم يبتاع به منه فهو بيعتان في بيعة، فلا يكون ما نهى عنه داخلًا فيما [٧٦/أ] أذن فيه.
يوضحه أيضًا أنه قال: «لا يحلُّ سَلفٌ وبيعٌ، ولا شرطانِ في بيع» (٣)، وتواطؤهما على أن يبيعه السلعة بثمن ثم يشتري منه غيرها بذلك الثمن
стр. 1941
منطبق على لفظ الحديث؛ فلا يدخل ما أخبر أنه لا يحلُّ تحت ما أذن فيه.
يوضحه أيضًا أن النبي ﷺ قال: «بعِ الجمعَ بالدراهم ثم ابتَعْ بالدراهم جَنيبًا»، وهذا يقتضي بيعًا ينشئه ويبتدئه بعد انقضاء البيع الأول، ومتى واطأه في أول الأمر على أن أبيعك وأبتاع منك فقد اتفقا على العقدين معًا؛ فلا يكون الثاني عقدًا مستقلًّا مبتدأً، بل هو من تتمة العقد الأول عندهما وفي اتفاقهما، وظاهر الحديث أنه أمر بعقدين مستقلَّين لا يرتبط أحدهما بالآخر ولا ينبني عليه.
ولو نزَلنا عن ذلك كله وسلَّمنا أن الحديث عام عمومًا لفظيًّا يدخل تحته صورة الحيلة فهو لا ريبَ مخصوص بصور كثيرة؛ فتخصّ منه هذه الصورة المذكورة بالأدلة المتقدمة على بطلان الحيل وأضعافها، والعام يُخَصُّ بدون مثلها بكثير، فكم قد خُصَّ العموم بالمفهوم وخبر الواحد والقياس وغير ذلك، فتخصيصه (١) ــ لو فُرِض عمومه ــ بالنصوص والأقيسة وإجماع الصحابة على تحريم الحيل أولى وأحرى، بل واحد من تلك الأدلة التي ذكرناها على المنع من الحيل وتحريمها كافٍ في التخصيص.
وإذا كنتم قد خصصتم قوله ﷺ : «لعن الله المحلِّلَ والمحلَّلَ له» (٢) مع أنه عام عمومًا لفظيًّا، فخصصتموه بصورة واحدة وهي ما اشترطا في صلب العقد أنه إنما تزوَّجها ليُحِلَّها ومتى أحلَّها فهي طالق، مع أن هذه الصورة نادرة جدًّا لا يفعلها محلِّل، والصور الواقعة في التحليل أضعاف أضعافِ هذه، فحملتم اللفظ العام عمومًا لفظيًّا ومعنويًّا على أندرِ صورة تكون لو قُدِّر
стр. 1942
وقوعها، وأخليتموه عن الصور (١) الواقعة المستعملة بين المحلِّلين؛ فقوله ﷺ : «بع الجمعَ بالدراهم» أولى بالتقييد بالنصوص الكثيرة والآثار والأقيسة الصحيحة التي هي في معنى الأصل، وحملِه على البيع المتعارف المعهود عرفًا وشرعًا، وهذا بحمد الله تعالى في غاية الوضوح، ولا يخفى على منصفٍ يريد الله ورسوله والدار الآخرة، وبالله التوفيق.
فصل
ومما يوضح فساد حمل الحديث على صورة الحيلة وأن كلام الرسول ومنصبه العالي منزَّه عن ذلك: أن المقصود الذي شرع الله سبحانه له البيع وأحلَّه لأجله هو أن يحصل مِلك الثمن للبائع ويحصل مِلك المبيع للمشتري؛ فيكون كلٌّ منهما قد حصل له مقصوده بالبيع، هذا ينتفع بالثمن وهذا بالسلعة، وهذا إنما يكون إذا قصد المشتري نفس السلعة للانتفاع بها أو التجارة فيها وقصد البائع نفس الثمن، ولهذا يحتاط كلُّ واحد منهما فيما يصير إليه من العرض، هذا في وزن الثمن ونقده ورواجه، وهذا في سلامة السلعة من العيب وأنها تساوي الثمن الذي بذله فيها، [٧٦/ب] فإذا كان مقصود كل منهما ذلك فقد قصدا بالسبب ما شرعه الله له، وأتى بالسبب حقيقة وحكمًا، وسواء حصل مقصوده بعقد أو توقَّف على عقود، مثل أن يكون بيده سلعة وهو يريد أن يبتاع سلعة أخرى لا تباع سلعته لمانع شرعي أو عرفي أو غيرهما فيبيع سلعته ليملك ثمنها، وهذا بيع مقصود وعوضه مقصود، ثم يبتاع بالثمن سلعة أخرى.
стр. 1943
وهذه قصة بلال في تمر خيبر سواء، فإنه إذا باع الجمع بالدراهم فقد أراد بالبيع مِلكَ الثمن، وهذا مقصود مشروع، ثم إذا ابتاع بالدراهم جنيبًا فقد عقد عقدًا مقصودًا مشروعًا؛ فلما كان بائعًا قصد مِلك الثمن حقيقة، ولما كان مبتاعًا قصد مِلك السلعة حقيقة.
فإن ابتاع بالثمن من غير المشتري منه فهذا لا محذور فيه؛ إذ كلٌّ من العقدين مقصود مشروع، ولهذا يستوفيان حكم العقد الأول من النقد والقبض وغيرهما. وأما إن ابتاع بالثمن من مبتاعه من جنس ما باعه فهذا يُخشى منه أن لا يكون العقد الأول مقصودًا لهما، بل قصدهما بيع السلعة الأولى بالثانية فيكون ربًا بعينه، ويظهر هذا القصد بأنهما يتفقان على صاع بصاعين أولًا ثم يتوصلا [نِ] إلى ذلك ببيع الصاع بدرهم ويشتري به صاعين، ولا يبالي البائع بنقد ذلك الثمن ولا بقبضه ولا بعيب فيه ولا بعدم رواجه، ولا يحتاط لنفسه فيه احتياطَ من قصدُه تملُّك الثمن؛ إذ قد علم هو والآخر أن الثمن بعينه خارج منه عائد إليه، فنقده وقبضه والاحتياط فيه يكون عبثًا.
وتأمَّلْ (١) حال باعة الحُلِيَّ عنه، كيف يُخرِج كل حلقة من غير جنسه أو قطعةً ما، ويبيعك إياها بذلك الثمن، ثم يبتاعها منك؟ فكيف لا تسأل عن قيمتها ولا عن وزنها ولا مساواتها للثمن؟ بل قد تساوي أضعافه وقد تساوي بعضه؛ إذ ليست هي القصد، وإنما القصد أمرٌ وراءها، وجُعِلت هي محلِّلًا لذلك المقصود.
стр. 1944
وإذا عُرِف هذا فهو إنما عقد معه العقد الأول ليعيد إليه الثمن بعينه ويأخذ العوض الآخر، وهذا تواطؤٌ منهما حين عقداه على فسخه، والعقد إذا قصد به فسخه لم يكن مقصودًا، وإذا لم يكن مقصودًا كان وجوده كعدمه، وكان توسطه عبثًا.
ومما يوضح الأمر في ذلك أنه إذا جاءه بتمر أو زبيب أو حنطة ليبتاعَ به من جنسه فإنهما يتشارطان ويُراوِضانِ (١) على سعر أحدهما من الآخر، وأنه مدٌّ بمدٍّ ونصفٍ مثلًا، ثم بعد ذلك يقول: بعتُك هذا بكذا وكذا درهمًا، ثم يقول: بعني بهذه الدراهم كذا وكذا صاعًا من النوع الآخر، وكذلك في الصرف، وليس للبائع ولا للمشتري غرض في الدراهم، والغرض معروف. فأين من يبيعه السلعة بثمن ليشتري به منه من جنسها إلى من (٢) يبيعه إياها بثمن له غرض في تملُّكه وقبضه؟ وتوسُّط الثمن في الأول عبث محض لا فائدة فيه، فكيف يأمر به الشارع الحكيم مع زيادة [٧٧/أ] التعب والكلفة فيه؟ ولو كان هذا سائغًا لم يكن في تحريم الربا حكمة سوى تضييع الزمان وإتعاب النفوس بلا فائدة؛ فإنه لا يشاء أحد أن يبتاع ربويًّا بأكثر منه من جنسه إلا قال: بعتُك هذا بكذا، وابتعتُ منك هذا بهذا الثمن؛ فلا يَعجِز أحد عن استحلال ما حرَّمه الله قطُّ بأدنى الحيل.
يوضحه أن الربا نوعان: ربا الفضل، وربا النسيئة، فأما ربا الفضل فيمكنه في كل مال ربوي أن يقول: بعتك هذا المال بكذا، ويسمِّي ما شاء، ثم يقول:
стр. 1945
اشتريتُ منك هذا ــ للذي هو من جنسه ــ بذلك الذي سمّاه، ولا حقيقة له مقصودة. وأما ربا النَّساء فيمكنه أن يقول: بعتك هذه الحريرة بألف درهم أو عشرين صاعًا إلى سنة، وابتعتها منك بخمسمائة حالة أو خمسة عشر صاعًا، ويمكنه ربا الفضل، فلا يشاء مُرْبٍ إلا أقرضه ثم حاباه في بيع أو إجارة أو غيرهما، ويحصل مقصوده من الزيادة.
فيا سبحان الله! أيعود الربا ــ الذي قد عظَّم الله شأنه في القرآن، وأوجب محاربة مستحلِّيه، ولعن آكله وموكِله وشاهديه وكاتبه، وجاء فيه من الوعيد ما لم يجئ في غيره ــ إلى أن يُستحَلَّ نوعاه بأدنى حيلةٍ لا كلفةَ فيها أصلًا إلا بصورة عقد هي عبث ولعب يُضحك منها ويُستهزأ بها؟ فكيف يستحسن أن يُنسب إلى نبي من الأنبياء فضلًا عن سيد الأنبياء، بل أن يُنسب رب العالمين إلى أن يحرِّم هذه المحرمات العظيمة ويُوعِد عليها بأغلظ العقوبات وأنواع الوعيد، ثم يبيحها بضرب من الحيل والعبث والخداع الذي ليس له حقيقة مقصودة في نفسه للمتعاقدين؟
وترى كثيرًا من المترابين ــ لما علم أن هذا العقد ليس له حقيقة مقصودة البتةَ ــ قد جعل عنده خرزةَ ذهب، فكل من جاءه يريد أن يبيعه جنسًا بجنسه أكثر منه أو أقلَّ ابتاع منه ذلك الجنس بتلك الخرزة، ثم ابتاع الخرزة بالجنس الذي يريد أن يعطيه إياه، أفيستجيز عاقل أن يقول: إن الذي حرَّم بيع الفضة بالفضة متفاضلًا أحلَّها بهذه الخرزة؟ وكذلك كثير من الفجّار قد أعدَّ سِلعة لتحليل ربا النَّساء، فإذا جاءه من يريد ألفًا بألف ومائتين أدخل تلك السلعة محلِّلا. ولهذا كانت أكثر حيل الربا في بابها أغلظ من حيل التحليل، ولهذا حرَّمها أو بعضها من لم يحرِّم التحليل؛ لأن القصد في البيع معتبر في فِطَر الناس، ولأن الاحتيال في الربا غالبًا إنما يتمُّ بالمواطأة اللفظية أو
стр. 1946
العرفية، ولا يفتقر إلى شهادة، ولكن يتعاقدان ثم يشهدان أن له في ذمته دينًا، ولهذا إنما لُعِن شاهداه إذا علما به، والتحليل لا يمكن إظهاره وقت العقد؛ لكون الشهادة شرطًا فيه، والشروط المتقدمة تؤثِّر كالمقارِنة كما تقدم تقريره؛ إذ تقديم (١) الشرط ومقارنته لا تُخرجه عن كونه عقدَ تحليل وتُدخله في نكاح الرغبة، والقصود معتبرة في العقود.
فصل
وجماع الأمر أنه إذا باعه ربويًّا بثمن وهو يريد أن يشتري [٧٧/ب] منه بثمنه من جنسه، فإما أن يواطئه على الشراء منه لفظًا، أو يكون العرف بينهما قد جرى بذلك، أو لا يكون، فإن كان الأول فهو باطل كما تقدم تقريره؛ فإن هذا لم يقصد مِلك الثمن ولا قصَد هذا تمليكَه، وإنما قصد تمليك الثمن بالثمن (٢)، وجعلا تسمية الثمن تلبيسًا وخداعًا ووسيلةً إلى الربا؛ فهو في هذا العقد بمنزلة التيس الملعون في عقد التحليل، وإن لم تجرِ بينهما مواطأة لكن قد علم المشتري أن البائع يريد أن يشتري منه ربويًّا بربوي فكذلك؛ لأن علمه بذلك ضربٌ من المواطأة، وهو يمنع قصد الثمن الذي يخرج به عن قصد الربا، وإن قصد البائع الشراء منه بعد البيع ولم يعلم المشتري؛ فقد قال الإمام أحمد هاهنا: لو باع من رجل دنانير بدراهم لم يجز أن يشتري بالدراهم منه ذهبًا إلا أن يمضي ويبتاع بالورِق من غيره ذهبًا فلا يستقيم، فيجوز أن يرجع إلى الذي ابتاع منه الدنانير فيشتري منه ذهبًا. وكذلك كره مالك أن تصرف دراهمك من رجل بدنانير، ثم تبتاع منه بتلك الدنانير دراهم
стр. 1947
غير دراهمك في الوقت أو بعد يوم أو يومين. قال ابن القاسم: فإن طال الزمان وصح أمرهما فلا بأس به.
فوجه ما منعه الإمام أحمد ﵁ أنه متى قصد المشتري منه تلك الدنانير لم يقصد تملك الثمن، ولهذا لا يحتاط في النقد والوزن، ولهذا يقول: إنه متى بدا له بعد القبض والمفارقة أن يشتري منه ــ بأن يطلب من غيره فلا يجد ــ لم يكن في العقد الأول خللٌ، والمتقدمون من أصحابه حملوا هذا المنع منه (١) على التحريم.
وقال القاضي وابن عقيل وغيرهما: إذا لم يكن غرضًا ومواطأةً بينهما لم يحرم، وقد أومأ إليه الإمام أحمد في رواية حرب؛ فإنه قال: قلت لأحمد: اشترى من رجل ذهبًا ثم باعه منه، قال: يبيعه من غيره أعجبُ إلي. وذكر ابن عقيل أن أحمد لم يكرهه في رواية أخرى.
وكره ابن سيرين للرجل أن يبتاع من الرجل الدراهم بالدنانير ثم يشتري منه بالدراهم دنانير (٢). وهذه المسألة في ربا الفضل كمسائل العِينة في ربا النَّساء، ولهذا عدَّها من الربا الفقهاء السبعة وأكثر العلماء، وهو قول أهل المدينة كمالك وأصحابه، وأهل الحديث كأحمد وأصحابه، وهو مأثور عن ابن عمر (٣). ففي هذه المسألة قد عاد الثمن إلى المشتري، وحصلا على ربا الفضل أو النَّساء، وفي العينة قد عاد المبيع إلى البائع وأفضى إلى ربا الفضل والنَّساء جميعًا، ثم إن كان في الوصفين لم يقصد الثمن ولا المبيع، وإنما
стр. 1948
جعل وصلة إلى الربا؛ فهذا الذي لا ريبَ في تحريمه، والعقد الأول هاهنا باطل بلا توقف عند من يُبطل الحيل. وقد صرَّح به القاضي في مسألة العِينة في غير موضع، وحكى أبو الخطاب في صحته وجهين.
قال شيخنا (١): [٧٨/أ] والأول هو الصواب، وإنما تردد من تردد من الأصحاب في العقد الأول في مسألة العينة؛ لأن هذه المسألة إنما يُنصَب الخلاف فيها في العقد الثاني بناء على أن الأول صحيح، وعلى هذا التقدير فليست من مسائل الحيل، وإنما هي من مسائل الذرائع. ولها مأخذ آخر يقتضي التحريم عند أبي حنيفة وأصحابه؛ فإنهم لا يحرّمون الحيل ويحرّمون مسألة العِينة، وهو أن الثمن إذا لم يُستوفَ لم يتم العقد الأول؛ فيصير الثاني مبنيًّا عليه، وهذا تعليل خارج عن قاعدة الحيل والذرائع. فصار للمسألة ثلاثة مآخذ، فلما لم يتمحّض تحريمها على قاعدة الحيل توقف في العقد الأول من توقف.
قال شيخنا (٢): والتحقيق أنها إذا كانت من الحيل أُعطِيت حكم الحيل، وإلا اعتُبِر فيها المأخذان الآخران، هذا إذا لم يقصد العقد الأول، فإن قصد حقيقته فهو صحيح، لكن ما دام الثمن في ذمة المشتري لم يجز أن يشتري منه المبيع بأقل منه من جنسه، ولا يجوز أن يبتاع منه بالثمن ربويًّا لا يباع بالأول نَساءً؛ لأن أحكام العقد الأول لا تتم إلا بالتقابض؛ فإذا لم يحصل كان ذريعة إلى الربا، وإن تقابضا وكان العقد مقصودًا فله أن يشتري منه كما يشتري من غيره، وإذا كان الطريق إلى الحلال هي العقود المقصودة المشروعة التي لا
стр. 1949
خداعَ فيها ولا تحريمَ لم يصح أن يلحق بها صورة عقد لم تُقصد حقيقته، وإنما قُصِد التوصل به إلى استحلال ما حرمه الله، والله الموفق.
وإنما أطلنا الكلام على هذه الحجة لأنها عمدة أرباب الحيل من السنة، كما عمدتهم من الكتاب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾.
فصل
فهذا تمام الكلام على المقام الأول، وهو عدم دلالة الحديث على الحيل الربوية بوجه من الوجوه.
وأما المقام الثاني ــ وهو دلالته على تحريمها وفسادها ــ فلأنه ﷺ نهاه أن يشتري الصاع بالصاعين، ومن المعلوم أن الصفة التي في الحيل مقصودة يرتفع سعره لأجلها، والعاقل لا يُخرج صاعين ويأخذ صاعًا إلا لتميُّز ما يأخذه بصفة، أو لغرض له في المأخوذ ليس في المبذول، والشارع حكيم لا يمنع المكلَّفَ مما هو مصلحة له ويحتاج إليه إلا لتضمنه أو لاستلزامه (١) مفسدة أرجح من تلك المصلحة. وقد خفيت هذه المفسدة على كثير من الناس حتى قال بعض المتأخرين: لا يتبين لي ما وجه تحريم ربا الفضل والحكمة فيه، وقد تقدَّم أن هذا من أعظم حكمة الشريعة ومراعاة مصالح الخلق، وأن الربا نوعان: ربا نسيئة، وتحريمه تحريم المقاصد؛ وربا فضلٍ، وتحريمه تحريم الذرائع والوسائل؛ فإن النفوس متى ذاقت الربح فيه عاجلًا تسوَّرت منه إلى الربح الآجل، فسدت عليها الذريعة وحمي جانب الحمى، وأيُّ حكمة وحكمٍ أحسنُ من ذلك؟
стр. 1950
وإذا كان كذلك فالنبي ﷺ منع بلالًا من أخذ مدٍّ بمدَّينِ (١) لئلا يقع في الربا، ومعلوم أنه لو جوز له ذلك [٧٨/ب] بحيلة لم يكن في منعه من بيع مدين بمد فائدةٌ أصلًا، بل كان بيعه كذلك أسهل وأقل مفسدة من مِرْبَط (٢) الحيلة الباردة التي لا تُغني من المفسدة شيئًا، وقد نبّه على هذا بقوله في الحديث: «لا تفعَلْ، أُوَّهْ، عينُ الربا» (٣)، فنهاه عن الفعل، والنهي يقتضي المنع بحيلة أو غير حيلة؛ لأن المنهي عنه لا بدّ أن يشتمل على مفسدة لأجلها ينهى عنه، وتلك المفسدة لا تزول بالتحيُّل (٤) عليها بل تزيد، وأشار إلى المنع بقوله: «عينُ الربا»، فدلّ على أن المنع إنما كان لوجود حقيقة الربا وعينه، وأنه لا تأثير للصورة المجردة مع قيام الحقيقة؛ فلا تُهمِل قوله: «عين الربا»، فتحت هذه اللفظة ما يشير إلى أن الاعتبار بالحقائق، وأنها هي التي عليها المعوَّل، وهي محلُّ التحليل والتحريم، والله سبحانه لا ينظر إلى صورها وعباراتها التي يكسوها إياها العبد، وإنما ينظر إلى حقائقها وذواتها (٥)، وبالله التوفيق.
فصل
وأما تمسكهم بجواز المعاريض وقولهم: «إن الحيل معاريضُ فعلية
стр. 1951
على وِزان المعاريض القولية»، فالجواب من وجوه:
أحدها: أن يقال: ومن سلَّم لكم أن المعاريض إذا تضمَّنت استباحة الحرام وإسقاط الواجبات وإبطال الحقوق كانت جائزة؟ بل هي من الحيل القولية، وإنما تجوز المعاريض إذا كان فيها تخلُّص من ظالم، كما عرَّض الخليل بقوله: «هذه أختي» (١)، فإذا تضمنت نصْرَ حق أو إبطال باطل كما عرَّض الخليل بقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله: ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وكما عرَّض الملكان (٢) لداود بما ضرباه له من المثال الذي نسباه إلى أنفسهما، وكما عرَّض النبي ﷺ بقوله: «نحن (٣) من ماءٍ» (٤)، وكما كان يُورِّي عن الغزوة بغيرها لمصلحة الإسلام والمسلمين، إذا لم تتضمن مفسدة في دين ولا دنيا، كما عرَّض ﷺ بقوله: «إنّا حاملوك على ولدِ الناقة» (٥)، وبقوله: «إن الجنة لا تدخلها العُجُز» (٦)، وبقوله: «من يشتري منّي هذا العبدَ» (٧) يريد عبد الله، وبقوله لتلك المرأة: «زوجُك الذي في
стр. 1952
عينيه بياضٌ» (١)، وإنما أراد به البياض الذي خلقه الله في عيون بني آدم= فهذه المعاريض ونحوها من أصدق الكلام، فأين في جواز هذه ما يدل على جواز الحيل المذكورة؟
وقال شيخنا (٢) ﵁: والذي قِيستْ عليه الحيل الربوية وليست مثله نوعان:
أحدهما: المعاريض، وهي: أن يتكلم الرجل بكلام جائز يقصد به معنى صحيحًا، ويوهم غيره أنه يقصد به معنى آخر، ويكون سبب ذلك الوهم كون اللفظ مشتركًا بين حقيقتين لغويتين أو عرفيتين أو شرعيتين أو لغوية مع إحداهما أو عرفية مع إحداهما أو شرعية مع إحداهما، فيعني أحدَ معنييه ويوهم السامعَ أنه إنما عنى الآخر: إما لكونه لم يعرف إلا ذلك، وإما لكون دلالة الحال تقتضيه، وإما لقرينة حالية أو مقالية يضمُّها إلى اللفظ. أو يكون سبب التوهم كون اللفظ ظاهرًا في معنى فيعني به معنى يحتمله باطنًا: بأن ينوي مجاز اللفظ دون حقيقته، أو ينوي بالعام الخاصَّ أو بالمطلق [٧٩/أ] المقيدَ. أو يكون سبب التوهم كون المخاطب إنما يفهم من اللفظ غير حقيقته لعرف خاص له أو غفلة منه أو جهلٍ أو غير ذلك من الأسباب، مع كون المتكلم إنما قصد حقيقته؛ فهذا كله إذا كان المقصود به رفع ضرر غير مستحق فهو جائز، كقول الخليل: «هذه أختي»، وقول النبي ﷺ : «نحن من ماءٍ»، وقول الصديق
стр. 1953
- ﵁: «هادٍ يهديني السبيلَ» (١)، ومنه قول عبد الله بن رواحة:
شهدتُ بأن وعد الله حقٌّ ... الأبيات.
أوهم امرأتَه القرآن (٢). وقد يكون واجبًا إذا تضمَّن دفع (٣) ضرر يجب دفعه ولا يندفع إلا بذلك.
وهذا الضرب وإن كان نوعَ حيلةٍ في الخطاب لكنه يفارق الحيل المحرَّمة من الوجه المحتال عليه والوجه المحتال به:
أما الأول: فلكونه دفعَ ضررٍ غير مستحق، فلو تضمَّن كتمان ما يجب إظهاره من شهادة أو إقرار أو علم أو نصيحة مسلم أو التعريف بصفة معقود عليه في بيع أو نكاح أو إجارة= فإنه غِشٌّ محرم بالنص.
قال مثنَّى الأنباري: قلت لأحمد بن حنبل: كيف الحديث الذي جاء في المعاريض؟ فقال: المعاريض لا تكون في الشراء والبيع، تكون في الرجل يُصلح بين الناس أو نحو هذا.
قال شيخنا ﵁ (٤): والضابط أن كلَّ ما وجب بيانه فالتعريض فيه حرام؛ لأنه كتمان وتدليس، ويدخل في هذا الإقرار بالحق، والتعريض في الحلف عليه، والشهادة على العقود، ووصف المعقود عليه، والفتيا والحديث والقضاء. وكلّ ما حَرُم بيانه فالتعريض فيه جائز، بل واجب إذا
стр. 1954
أمكن ووجب الخطاب، كالتعريض لسائل عن مال معصوم أو نفسه يريد أن يعتدي عليه. وإن كان بيانه جائزًا، أو كتمانه جائزًا؛ فإما أن تكون المصلحة في كتمانه أو في إظهاره أو كلاهما متضمن للمصلحة:
فإن كان الأول فالتعريض مستحبٌّ، كتورية الغازي عن الوجه الذي (١) يريد، وتورية الممتنع عن الخروج والاجتماع بمن يصدُّه عن طاعة أو مصلحة راجحة، كتورية أحمد عن المرُّوذي، وتورية الحالف لظالم له أو لمن استحلفه يمينًا لا تجب عليه، ونحو ذلك.
وإن كان الثاني فالتورية فيه مكروهة، والإظهار مستحب، وهذا في كل موضع يكون البيان فيه مستحبًّا.
وإن تساوى الأمران وكان كلٌّ منهما طريقًا إلى المقصود لكون ذلك المخاطبِ التعريضُ والتصريحُ بالنسبة إليه سواء= جاز الأمران، كما لو كان يعرف بعدة ألسُنٍ، وخطابه بكل لسان منها يحصل مقصوده، ومثل هذا ما لو كان له غرض مباح في التعريض ولا حذرَ عليه في التصريح، والمخاطب لا يفهم مقصوده، وفي هذا ثلاثة أقوال للفقهاء وهي في مذهب الإمام أحمد:
أحدها: له التعريض؛ إذ لا يتضمن كتمان حق ولا إضرارًا بغير مستحق.
والثاني: ليس له ذلك، فإنه إيهام للمخاطب من غير حاجة إليه، وذلك تغرير، وربما أوقع السامع في [٧٩/ب] الخبر الكاذب، وقد يترتَّب عليه ضررٌ به.
والثالث: له التعريض في غير اليمين.
стр. 1955
وقال الفضل (١) بن زياد: سألت أحمد عن الرجل يعارض في كلامه يسألني عن الشيء أكره أن أُخبره به، قال: إذا لم يكن يمينًا فلا بأس، في المعاريض مندوحةٌ عن الكذب.
وهذا عند الحاجة إلى الجواب، فأما الابتداء فالمنع فيه (٢) ظاهر، كما دلّ عليه (٣) حديث أم كلثوم أنه لم يرخّص فيما يقول الناس إنه كذِبٌ إلا في ثلاث (٤)، وكلها مما يحتاج إليه المتكلم. وبكلِّ حالٍ فغاية هذا القسم تجهيل السامع بأن يُوقِعه المتكلم في اعتقاد ما لم يُرِده بكلامه، وهذا التجهيل قد تكون مصلحته أرجح من مفسدته، وقد تكون مفسدته أرجح من مصلحته، وقد يتعارض الأمران، ولا ريب أن من كان علمه بالشيء يحمله على ما يكرهه الله ورسوله كان تجهيله به وكتمانه عنه أصلح له وللمتكلم، وكذلك إن كان في علمه مضرَّةٌ على القائل، أو تفوت عليه مصلحة هي أرجح من مصلحة البيان، فله أن يكتمه عن السامع؛ فإن أبى إلا استنطاقه فله أن يعرِّض له.
فالمقصود بالمعاريض فعلُ واجبٍ أو مستحبٍّ أو مباحٍ أباح الشارع السعي في حصوله، ونصبَ له سببًا يُفضِي إليه؛ فلا يقاس بهذا الحيل التي تتضمن سقوطَ ما أوجبه الشارع وتحليلَ ما حرَّمه، فأين أحد البابين من
стр. 1956
الآخر؟ وهل هذا إلا من أفسد القياس؟ وهو كقياس الربا على البيع والميتة على الذكي (١).
فصل
فهذا الفرق من جهة المحتال عليه، وأما الفرق من جهة المحتال به فإن المعرِّض إنما تكلَّم بحق، ونطقَ بصدق فيما بينه وبين الله تعالى، لا سيما إن لم ينوِ باللفظ خلاف ظاهره في نفسه، وإنما كان الظهورُ (٢) من ضَعْفِ فهم السامع وقصورِه في فهم دلالة اللفظ، ومعاريض النبي ﷺ ومُزاحه كانت من هذا النوع، كقوله: «نحنُ من ماءٍ»، وقوله: «حاملوكَ على ولدِ الناقة»، و «لا يدخل الجنةَ العُجُز»، و «زوجُك الذي في عينيه بياضٌ» (٣)، وأكثر معاريض السلف كانت من هذا. ومن هذا الباب التدليس في الإسناد، لكن هذا مكروه لتعلُّقه بالدين وكون البيان في العلم واجبًا، بخلاف ما قصد به دفع ظالم أو دفع ضرر عن المتكلم.
والمعاريض نوعان:
أحدهما: أن يستعمل اللفظ في حقيقته وما وُضِع له، فلا يخرج به عن ظاهره، ويقصد فردًا من أفراد حقيقته، فيتوهَّم السامع أنه قصد غيره: إما لقصور فهمه، وإما لظهور ذلك الفرد عنده أكثر من غيره، وإما لشاهد الحال عنده، وإما لكيفية المخبر وقتَ التكلُّم من ضحك أو غضب أو إشارة ونحو
стр. 1957
ذلك، وإذا تأملتَ المعاريض النبوية والسلفية وجدت عامتها من هذا النوع.
والثاني: أن يستعمل العام في الخاص والمطلق في المقيّد، وهو الذي يسمِّيه المتأخرون الحقيقة والمجاز، وليس يفهم أكثر من المطلق والمقيد؛ فإن لفظ الأسد والبحر والشمس عند الإطلاق له معنى، وعند التقييد له معنى يسمُّونه المجاز، ولم يفرِّقوا بين مقيّد ومقيّد ولا بين قيد وقيد. فإن قالوا: [٨٠/أ] «كل مقيَّدٍ مجاز» لزمهم أن يكون كل كلام مركب مجازًا؛ فإن التركيب يقيده بقيود زائدة على اللفظ المطلق. وإن قالوا: «بعض القيود يجعله مجازًا دون بعض» سُئلوا عن الضابط ما هو، ولن يجدوا إليه سبيلًا.
وإن قالوا: «يعتبر اللفظ المفرد من حيث هو مفرد قبل التركيب، وهناك يُحكم عليه بالحقيقة والمجاز».
قيل لهم: هذا أبعد وأشدُّ فسادًا؛ فإن اللفظ قبل العقد والتركيب بمنزلة الأصوات التي يَنْعِق بها ولا تفيد شيئًا، وإنما إفادتها بعد تركيبها، وأنتم قلتم: الحقيقة هي اللفظ المستعمل، وأكثركم يقول: استعمال اللفظ فيما وُضِع له أولًا، والمجاز بالعكس؛ فلا بدّ في الحقيقة والمجاز من استعمال اللفظ فيما وضع له (١)، وهو إنما يُستعمل بعد تركيبه، وحينئذٍ فتركيبه بعده بقيود يُفهم منها مراد المتكلم، فما الذي جعله مع بعض تلك القيود حقيقةً ومع بعضها مجازًا؟
وليس الغرض (٢) إبطال هذا التقسيم الحادث المبتدع المتناقض، فإنه
стр. 1958
باطل من أكثر من أربعين وجهًا (١)، وإنما الغرض التنبيه على نوعَي التعريض، وأنه تارةً يكون مع استعمال اللفظ في ظاهره، وتارةً يكون بإخراجه عن ظاهره، ولا يذكر المعرِّض قرينة تبيِّن مراده، ومن هذا النوع عامة التعريض في الأيمان والطلاق، كقوله: «كل امرأة له فهي طالق» وينوي في بلد كذا وكذا، أو ينوي فلانة. وقوله: «أنتِ طالق» وينوي من زوجٍ كان قبلَه ونحو ذلك؛ فهذا القسم شيء والذي قبله شيء، فأين هذا من قصد المحتال بلفظ العقد أو صورِته ما لم يجعله الشارع مقتضيًا له بوجهٍ بل جعله مقتضيًا لضدِّه؟
ولا يلزم من صلاحية اللفظ له إخبارًا صلاحيتُه له إنشاءً؛ فإنه لو قال: «تزوجتُ» في المعاريض وعنى نكاحًا فاسدًا كان صادقًا كما لو بيَّنه، ولو قال: «تزوجتُ» إنشاء وكان فاسدًا لم ينعقد، وكذلك في جميع الحيل؛ فإن الشارع لم يشرع القرض إلا لمن قصد أن يسترجع مثلَ قرضه، ولم يشرعه لمن قصد أن يأخذ أكثر منه لا بحيلة ولا بغيرها. وكذلك إنما شرع البيع لمن له غرضٌ في تمليك الثمن وتملُّك السلعة، ولم يشرعه قطُّ لمن قصد به ربا الفضل أو النَّساء ولا غرضَ له في الثمن ولا في السلعة، وإنما غرضهما الربا. وكذلك النكاح لم يشرعه إلا لراغب في المرأة، لم يشرعه لمحلِّل. وكذلك الخلع لم يشرعه إلا للمفتدية نفسَها من الزوج تتخلَّص منه من سوء العشرة، ولم يشرعه للتحيُّل على الحِنث قطُّ. وكذلك التمليك لم يشرعه الله
стр. 1959
سبحانه إلا لمن قصد نفع الغير والإحسان إليه بتمليكه سواء كان محتاجًا أو غيرَ محتاج، ولم يشرعه لإسقاط فرض من زكاة أو حج أو غيرهما قطُّ. وكذلك المعاريض لم يشرعها إلا لمحتاج إليها أو لمن لا يُسقِط بها حقًّا ولا يضرُّ بها أحدًا، ولم يشرعها إذا تضمَّنت إسقاط حق أو إضرارًا لغير مستحق.
فثبت [٨٠/ب] أن التعريض المباح ليس من المخادعة لله في شيء، وغايته أنه مخادعة لمخلوق أباح الشارع مخادعته لظلمه، ولا يلزم من جواز مخادعة الظالم المُبطِل جوازُ مخادعة المُحِقّ؛ فما كان من التعريض مخالفًا لظاهر اللفظ كان قبيحًا إلا عند الحاجة، وما لم يكن منها مخالفًا لظاهر اللفظ كان جائزًا إلا عند تضمُّن مفسدة.
والمعاريض كما تكون بالقول تكون بالفعل، وتكون بالقول والفعل معًا، مثال ذلك أن يُظهِر المحارب أن يريد وجهًا من الوجوه ويسافر إليه ليحسب العدوُّ أنه لا يريده، ثم يَكُرُّ عليه وهو آمنٌ من قصده، أو يستطرد المبارز بين يدي خصمه ليظنَّ هزيمته ثم يعطف عليه، وهذا من خَدَعاتِ الحرب.
فصل
فهذا أحد النوعين الذي قيست عليه (١) الحيل المحرَّمة.
والنوع الثاني (٢): الكيد الذي شرعه الله للمظلوم أن يكيد به ظالمه ويخدعه به، إما للتوصل إلى أخذ حقِّه منه، أو عقوبةً له، أو لكفِّ شره
стр. 1960
وعدوانه عنه، كما روى الإمام أحمد في «مسنده» (١): أن رجلًا شكا إلى رسول الله ﷺ من جاره أنه يؤذيه، فأمره رسول الله ﷺ أن يطرح متاعه في الطريق، ففعل، فجعل كلّ من مرَّ عليه (٢) يسأل عن شأن المتاع، فيخبر بأنّ جارَ صاحبه يؤذيه، فيسبُّه ويلعنه، فجاء إليه وقال: رُدَّ متاعك إلى مكانه، فوالله لا أُؤذيك بعد ذلك أبدًا.
فهذا من أحسن المعاريض الفعلية، وألطف الحيل التي يتوصَّل بها إلى دفع ظلم الظالم. ونحن لا ننكر هذا الجنس، وإنما الكلام في الحيل على استحلال محارم الله، وإسقاط فرائضه، وإبطال حقوق عباده؛ فهذا النوع هو الذي يفوت أفرادُ الأدلة على تحريمه الحصرَ.
فصل
وأما قولكم: «جعل العقود حيلًا على التوصُّل إلى ما لا يباح إلا بها ... إلى آخره»، فهذا موضع الكلام في الحيل (٣) وأقسامها (٤) إلى أحكامها الخمسة، فنقول:
ليس كل ما يُسمَّى حيلةً (٥) حرامًا، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ
стр. 1961
مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٨]، أراد بالحيلة التحيُّل على التخلُّص من بين الكفار، وهذه حيلة محمودة يثاب عليها، وكذلك الحيلة على هزيمة الكفار، كما فعل نُعيم بن مسعود يوم الخندق (١)، أو على تخليص ماله منهم كما فعل الحجّاج بن عِلَاط بامرأته (٢)، وكذلك الحيلة على قتل رأس من رؤوس أعداء الله كما فعل الذين قتلوا ابن أبي الحُقَيق اليهودي وكعب بن الأشرف وأبا رافع (٣) وغيرهم؛ فكل هذه حيل محمودة محبوبة لله ومرضية له.
والحيلة: مشتقة من التحوُّل، وهي النوع والحالة كالجِلسة والقِعدة والرِّكبة، فإنها بالكسر للحالة وبالفتح للمرَّة، كما قيل: الفَعْلة للمرة، والفِعْلة للحالة، والمَفْعل للموضع، والمِفْعل للآلة. وهي من ذوات الواو، فإنها من التحوُّل من حال يحول، وإنما انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وهو قلب مَقِيسٌ مطّرد في كلامهم، نحو ميزان وميقات وميعاد؛ فإنها مفعال من الوزن والوقت والوعد. فالحيلة هي نوع [٨١/أ] مخصوص من التصرف والعمل
стр. 1962
الذي يتحوَّل به فاعله من حال إلى حال، ثم غلب عليها بالعرف استعمالها في سلوك الطرق الخفية التي يتوصَّل بها الرجل إلى حصول غرضه، بحيث لا يتفطَّن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة؛ فهذا أخص من موضوعها في أصل اللغة، وسواء كان المقصود أمرًا جائزًا أو محرمًا، وأخصُّ من هذا استعمالها في التوصل إلى الغرض الممنوع منه شرعًا أو عقلًا أو عادةً، وهذا هو الغالب عليها في عرف الناس؛ فإنهم يقولون: فلان من أرباب الحيل، ولا تعاملوه فإنه يتحيَّل، وفلان يعلِّم الناسَ الحيلَ، وهذا من استعمال المطلق في بعض أنواعه كالدابة والحيوان وغيرهما.
وإذا قُسِّمت باعتبارها لغة انقسمت إلى الأحكام الخمسة؛ فإن مباشرة الأسباب الواجبة (١) حيلة على حصول مسبباتها؛ فالأكل والشرب واللبس والسفر الواجب حيلة على المقصود منه، والعقود الشرعية واجبها ومستحبها ومباحها كلها حيلة على حصول المعقود عليه، والأسباب المحرَّمة كلها حيلة على حصول مقاصدها منها، وليس كلامنا في الحيلة بهذا الاعتبار العام الذي هو مورد التقسيم إلى مباح ومحظور؛ فالحيلة جنس تحته التوصُّل إلى فعل الواجب، وترك المحرم، وتخليص الحق، ونصر المظلوم، وقهر الظالم، وعقوبة المعتدي، وتحته التوصُّل إلى استحلال المحرَّم، وإبطال الحقوق، وإسقاط الواجبات. ولما قال النبي ﷺ : «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلُّوا محارمَ الله بأدنى الحيل» (٢) غلب استعمال الحيل في عرف الفقهاء على النوع المذموم. وكما يذمُّ الناس
стр. 1963
أربابَ الحيل فهم يذمُّون أيضًا (١) العاجز الذي لا حيلةَ عنده لعجزه وجهله بطرق تحصيل مصالحه، فالأول ماكر مخادعٌ، والثاني عاجز مفرِّط، والممدوح غيرهما، وهو من له خبرة بطرق الخير والشر خفيِّها وظاهرِها، فيُحسِن التوصّلَ إلى مقاصده المحمودة التي يحبُّها الله ورسوله بأنواع الحيل، ويعرف طرق الشر الظاهرة والخفية التي يُتوصَّل بها إلى خداعه والمكر به فيحترز منها أو لا يفعلها ولا يدلُّ عليها.
وهذه كانت حال سادات الصحابة ﵃، فإنهم كانوا أبرَّ الناس قلوبًا، وأعلمَ الخلق بطرق الشر ووجوه الخداع، وأتقى لله من أن يرتكبوا منها شيئًا أو يدخلوه في الدين، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: لست بخِبٍّ ولا يخدعني الخِبُّ (٢). وكان حذيفة أعلم الناس بالشر والفتن، وكان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكان هو يسأله عن الشر (٣).
والقلب السليم ليس هو الجاهل بالشرّ الذي لا يعرفه، بل الذي يعرفه
стр. 1964
ولا يريده، بل يريد الخير والبر. والنبي ﷺ قد سمَّى الحرب خَدْعة (١)، ولا ريبَ في انقسام الخداع إلى ما يحبه الله ورسوله وإلى ما يبغضه وينهى عنه، وكذلك المكر ينقسم إلى قسمين: محمود ومذموم؛ فالحيلة والمكر والخديعة تنقسم إلى محمود ومذموم.
فالحيل المحرَّمة منها ما هو كفر، ومنها ما هو كبيرة، ومنها ما هو صغيرة. وغير [٨٠/ب] المحرَّمة منها ما هو مكروه، ومنها ما هو جائز، ومنها ما هو مستحب، ومنها ما هو واجب:
فالحيلة بالردّة على فسخ النكاح كفر، ثم إنها لا تتأتَّى إلا على قول من يقول بتعجيل الفسخ بالردة، فأما من وقفه على انقضاء العدة فإنها لا يتمُّ لها غرضها حتى تنقضي عدتها؛ فإنها متى علم بردّتها قُتِلتْ، إلا على قول من لا يقتل المرتدة، بل يحبسها حتى تسلم أو تموت.
وكذلك التحيُّل بالردة على حرمان الوارث كفر، والإفتاء بها كفر، ولا تتمُّ إلا على قول من يرى أن (٢) مال المرتدّ لبيت المال، فأما على القول الراجح أنه لورثته من المسلمين فلا تتم الحيلة، وهذا القول هو الصواب، فإن ارتداده أعظم من مرض الموت المَخُوف، وهو في هذه الحال قد تعلَّق حق الورثة بماله، فليس له أن يُسقِط هذا التعلق بتبرع، فهكذا المرتد بردته تعلَّق حق الورثة بماله إذ صار مستحقَّ القتل.
стр. 1965
فصل
وأما الحيل التي هي من الكبائر: فمثل قتل امرأته إذا قتل حماته وله من امرأته ولد، والصواب أن هذه الحيلة لا تُسقِط عنه القَوَد، وقولهم: «إنه ورث ابنه بعضَ دم أبيه فسقط عنه القَوَد» ممنوع؛ فإن القود وجب عليه (١) أولًا بقتل أم المرأة، وكان لها أن تستوفيه ولها أن تُسقطه، فلما قتلها قام وليها في هذه الحال مقامها بالنسبة إليها وبالنسبة إلى أمها، ولو كان ابنَ القاتل؛ فإنه لم يدل كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا ميزان عادل على أن الولد لا يستوفي القصاص من والده لغيره. وغاية ما دلَّ عليه الحديث أنه لا يُقاد الوالد بولده (٢)، على ما فيه من الضعف وفي حكمه من النزاع، ولم يدلَّ على أنه لا يقاد بالأجنبي إذا كان الولد هو مستحق القود، والفرق بينهما ظاهر؛ فإنه في مسألة المنع قد أُقِيد بابنه، وفي هذه الصورة إنما أُقِيد بالأجنبي، وكيف تأتي شريعة أو سياسة عادلة بوجوب القود على من قتل نفسًا بغير حق فإن عاد فقتل نفسًا أخرى بغير حق وتضاعفَ إثمه وجرمه سقط عنه القود؟ بل لو قيل بتحتُّمِ قتله ولا بدَّ إذا قصد هذا كان أقرب إلى العقول والقياس.
و من الحيل المحرَّمة التي يكفر من أفتى بها تمكين (٣) المرأة ابنَ زوجها من نفسها لينفسخ نكاحها حيث صارت موطوءةَ ابنِه، وكذا بالعكس، أو وَطْأَه حماته لينفسخ نكاح امرأته، مع أن هذه الحيلة لا تتمشى إلا على قول من يرى أن حرمة المصاهرة تثبت بالزنا كما تثبت بالنكاح، كما يقوله أبو حنيفة وأحمد