فصل
والحيلة في جواز الصلح على الإقرار عند من يمنعه أن يبيعه سلعة ويُحابيه فيها بالقدر الذي اتفقا على إسقاطه بالصلح.
فصل
والحيلة في الصلح عن الحال ببعضه مؤجلًا حتى يلزم التأجيل أن يُبرِئه من الحال، ويقرّ أنه لا يستحق عليه إلا المؤجّل، والحيلة في الصلح عن المؤجل ببعضه حالًّا أن يتفاسخا العقد الأول، ثم يجعلانه بذلك القدر الحالّ، فإذا اشترى منه سلعة أو استأجر منه دابة أو خالعَتْه على عوض مؤجل فسخا العقدَ ثم (١) جعلا عوضَه ذلك القدر الحالّ. فإن لم يمكن فيه الفسخُ كالدية وغيرها فالحيلة في جواز ذلك أن (٢) يعاوض على الدين بسلعة أو شيء غير جنسه، وذلك جائز؛ لأن غاية ما فيه بيع الدين ممن هو في ذمته، فإن أتلفَ له مثليًّا لزِمه مثلُه دينًا عليه، فإن صالح عليه بأكثر من جنسه لم يجز؛ لأنه ربا، وإن كان المتلف متقوّمًا لزمه قيمتُه، فإن صالح عليه بأكثر من قيمته فإن كان من جنسها لم يجز ذلك، وإن كان من غير جنسها جاز؛ إذ هو تبعٌ (٣) للقيمة، وهي (٤) دينٌ بذلك العوض، وهو جائز.
المثال السادس والعشرون: إذا وكّله في شراء جارية بألف، فاشتراها
стр. 2137
الوكيل، وقال: أذنتَ لي في شرائها بألفين وقد فعلتُ (١)، فالقول قول الوكيل، ولا يلزمه الألفانِ، ولا يملك الجاريةَ والوكيلُ مقرٌّ أنها للموكل، وأنه لا يحلُّ له وطؤها، والألف الزائدة دين عليه، ولا يمكن الوكيلَ بيعُها ولا التصرفُ فيها؛ لأنه معترف أنها مِلك للموكِّل، وأن الألف الأخرى في ذمته والوكيل ضامن لها.
فالحيلة في ملك الوكيل لها أن يقول له الموكّل: إن كنتُ أذنت لك في اشترائها بألفين فقد بعتُكها بألفين. فيقول: قد اشتريتها منك، فيملكها حينئذٍ، ويتصرف فيها. وهذا قول المزني وأكثر أصحاب الشافعي، ولا يضر تعليق البيع بصورة الشرط؛ فإنه لا يمكن صحته إلا على هذا (٢) الشرط، فهو كما لو (٣) قال: «إن كانت ملكي فقد بعتُكها بألفينِ» ولا يلتفت إلى نصفِ فقيهٍ يقول: هذا تعليق للبيع بالشرط فيبطل، كما لو قال: إن قدم زيد فقد بعتُك كذا، بل هذا نظير قوله: إن كنتَ جائز التصرف [١١٩/ب] فقد بعتك كذا، وإن أعطيتَني ثمن هذا المبيع فقد بعتُكه، ونحو ذلك.
المثال السابع والعشرون: إذا أودعه وديعة وأشهد عليه (٤) فتَلِفَتْ من غير تفريطه لم يضمن، فإذا ادَّعى عليه قَبْض الوديعة فأنكر فأقام البينة عليه ضمن، فإن ادعى التلف بعد ذلك لم يُقبل منه؛ لأنه معترف أنه غير أمين له،
стр. 2138
وقد قامت البينة على قبضه ماله فيضمنه، ولا ينفعه تكذيب البينة. فالحيلة في سقوط الضمان أن يقول: ما لك عندي شيء، فإن حلَّفه حلف صادقًا، فإن أقام البينة بالوديعة فليصدِّق البينة، ويقول: صدقتْ فيما شهدتْ به، ويدَّعي التلف بغير تفريط؛ فإن كذَّب البينة لزمه الضمان، ولا ينفعه دعوى التلف.
المثال الثامن والعشرون: إذا رهن عنده رهنًا، ولم يثق بأمانته، وخاف أن يدّعي هلاكه ويذهب به، فالحيلة في أن يجعله مضمونًا عليه أن يُعِيره إياه أولًا، فإذا قبضه رهنَه منه بعد ذلك؛ فإن تلف كان من ضمانه؛ لأن طريانَ الرهن على العارية لا يُبطل حكمها؛ لأن المرتهن يجوز له الانتفاع بها بعد الرهن كما كان ينتفع بها قبله، ولو بطل لم يجز له الانتفاع.
المثال التاسع والعشرون: اختلف الناس في العارية: هل توجب الضمان إذا لم يفرِّط المستعير؟ على أربعة أقوال:
أحدها: توجب الضمان مطلقًا، وهو قول الشافعي وأحمد في المشهور عنه.
الثاني: لا توجب الضمان، ويد المستعير يد أمانة، وهو قول أبي حنيفة.
الثالث: أنه (١) إن كان التلف بأمر ظاهر كالحريق وأخذ السيل وموت الحيوان وخراب الدار لم يضمن، وإن كان بأمر لا يطلع عليه (٢) كدعوى سرقة الجوهرة والمنديل والسكّين ونحو ذلك ضمن، وهو قول مالك.
الرابع: أنه إن شرط نفي ضمانها لم يضمن، وإن أطلق ضمن. وهذا
стр. 2139
إحدى الروايتين عن أحمد.
والقول بعدم الضمان قوي متَّجه، وإن كنا لا نقبل قوله في دعوى التلف؛ لأنه ليس بأمينه، لكن إذا صدَّقه المالك في التلف بأمر لا يُنسب (١) فيه إلى تفريط فعدم التضمين أقوى.
فالحيلة في سقوط الضمان أن يشترط نفيه، فإن خاف أن لا يفي له بالشرط فله حيلة أخرى، وهي أن يشهد عليه أنه متى ادّعى عليه بسبب هذه العين ما يوجب الضمان فدعواك باطلة.
فإن لم يصعد (٢) معه هذه الحيلة أو خاف من ورثته بعده الدعوى فله حيلة ثالثة، وهي أن يستأجر العين منه بأقل شيء للمدة التي يريد الانتفاع بها، أو (٣) يستأجرها منه بأجرة مثلها ويشهد عليه (٤) أنه قبض الأجرة أو أبرأه منها، فإن تلفتْ بعد ذلك لم يضمنها، وليست هذه الحيلة مما تحلِّل حرامًا أو تحرِّم حلالًا (٥).
المثال الثلاثون: اختلف الناس في تأجيل القرض والعارية إذا أجَّلها؛ فقال الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه وأبو حنيفة: لا يتأجل شيء من ذلك بالتأجيل، وله المطالبة متى شاء، وقال مالك: يتأجَّل بالتأجيل، فإن أطلق ولم يؤجِّل ضُرِب له أجل مثله. وهذا هو الصحيح لأدلة كثيرة مذكورة في
стр. 2140
موضعها.
وعلى هذا القول فالمستقرض والمستعير أمينٌ (١) من غدر المقرِض غنيٌّ عن الحيلة للزوم الأجل، وعلى القول الأول فالحيلة في لزوم التأجيل أن يشهد عليه أنه لا يستحقُّ ما عليه من الدين إلى مدة كذا وكذا، [١٢٠/أ] ولا يستحق المطالبة بتسليم العين إلى مدة كذا وكذا، فإن أراد (٢) حيلة غير هذه فليستأجر منه العين إلى تلك المدة ثم يُبرِئه من الأجرة كما تقدم. وأما القرض فالحيلة في تأجيله أن يشتري من المُقرِض شيئًا ما بمبلغ القرض ثم يكتبه مؤجلًا من ثمن مبيع قبضه المشتري؛ فإنه لا يتمكن من المطالبة به قبل الأجل، وهذه حيلة على أمر جائز لا يُبطِل بها حقًّا (٣) فلا تُكره.
المثال الحادي والثلاثون: إذا رهنه رهنًا بدين، وقال: «إن (٤) وفَّيتُك الدينَ إلى كذا وكذا، وإلا فالرهن لك (٥) بما عليه» صح ذلك، وفعله الإمام أحمد، وقال أصحابنا: لا يصح، وهو المشهور من مذاهب (٦) الأئمة الثلاثة، واحتجوا بقوله: «لا يَغلَق الرَّهنُ» (٧). ولا حجةَ لهم فيه؛ فإن هذا كان موجبه
стр. 2141
في الجاهلية أن المرتهن يتملَّك الرهن بغير إذن المالك إذا لم يُوفِّه؛ فهذا هو غَلَقُ الرهن الذي أبطله النبي ﷺ . وأما بيعه للمرتهن بما عليه عند الحلول فلم يُبطله كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح ولا مفسدة (١)
ظاهرة، وغاية ما فيه أنه بيع عُلِّق على شرط، ونعم فكان ماذا؟ وقد تدعو الحاجة والمصلحة إلى هذا من المتراهنين، ولا يحرم عليهما ما لم يحرِّمه الله ورسوله، ولا ريبَ أن هذا خير للراهن والمرتهن من تكليفه الرفعَ إلى الحاكم، وإثباته الرهن، واستئذانه في بيعه، والتعب الطويل الذي لا مصلحة فيه سوى الخسارة والمشقة، فإذا اتفقا على أنه له بالدين عند الحلول كان أصلح لهما وأنفع وأبعد من الضرر والمشقة والخسارة، والحيلة في جواز ذلك بحيث لا يحتاج إلى حاكم أن يملِّكه العين التي يريد أن يرهنها منه، ثم يشتريها منه بالمبلغ الذي يريد استدانته، ثم يقول: إن وفَّيتك الثمن إلى كذا وكذا وإلا فلا بيعَ بيننا، فإن وفَّاه وإلا انفسخ البيع وعادت السلعة إلى ملكه. وهذه حيلة حسنة محصِّلة لغرضهما (٢) من غير مفسدةٍ، ولا تضمُّنٍ لتحريم ما أحلَّ الله، ولا تحليل ما حرَّم.
المثال الثاني والثلاثون: إذا كان عليه دَين مؤجل فادَّعى به صاحبه فأقرَّ به فالصحيح المقطوع به أنه لا يؤاخَذ به قبل أجله؛ لأنه إنما أقرَّ به على هذه
стр. 2142
الصفة، فإلزامه به (١) على غير ما أقرَّ به إلزامٌ بما لم يقرَّ به. وقال بعض أصحاب أحمد والشافعي: يكون مقرًّا بالحق مدَّعيًا لتأجيله، فيؤاخَذ بما أقرَّ به، ولا تُسمع منه دعوى الأجل إلا ببينة.
وهذا في غاية الضعف، فإنه إنما أقرَّ به إقرارًا مقيدًا لا مطلقًا؛ فلا يجوز أن يُلغى التقييد ويُحكم عليه بحكم الإقرار المطلق، كما لو قال: له عليَّ ألفٌ إلا خمسين، أو له عليَّ ألف من ثمن مبيع لم أقبِضْه، أو له عليَّ ألفٌ من نقدِ كذا وكذا ومعاملةِ كذا وكذا؛ فيلزمهم في هذا ونحوه أن يُبطِلوا هذه التقييدات كلها، ويُلزِمونه بألف كاملة من النقد الغالب، ولا يُقبل قوله: إنها من ثمن مبيع لم أقبضه.
ومما يبيِّن بطلان هذا القول أن إقرار المرء [١٢٠/ب] على نفسه شهادة منه على نفسه، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]. ولو شهد عليه شاهدان بألف مؤجَّلة لم يحكم بها عليه قبل الأجل اتفاقًا، فهكذا إذا أقرَّ بها مؤجلة.
فالحيلة في خلاصه من الإلزام بهذا القول الباطل أن يقول: لا يلزمني توفيةُ ما تدَّعيه عليَّ أو أداؤه إليك إلى مدة كذا وكذا، ولا (٢) يزيد على هذا.
فإن ألحَّ عليه وقال: «لي عليك كذا أم ليس لي عليك شيء؟» ولا بدَّ من أن يجيب (٣) بأحد الجوابين، فالحيلة في خلاصه أن يقول: إن ادعيتَها مؤجَّلةً فأنا مقرٌّ بها، وإن ادعيتَها حالَّةً فأنا منكر.
стр. 2143
وكذلك لو كان قد قضاه الدين وخاف أن يقول: كان له عليَّ وقضيتُه، فيجعله الحاكم مقرًّا بالحق مدعيًا لقضائه؛ فالحيلة أن يقول: ليس له عليَّ شيء، أو لا يلزمني أداء (١) ما يدَّعيه، فإن ألحَّ عليه لم يكن له جواب غير هذا. على أن القول الصحيح أنه لا يكون مقرًّا بالحق مدعيًا لقضائه (٢)، بل منكرًا الآن (٣) لثبوته في ذمته، فكيف يلزم به؟
فإن قيل: هو أقرَّ (٤) بثبوت سابق وادَّعى قضاءً طارئًا عليه.
قيل: لم يُقرَّ بثبوت مطلق، بل بثبوت مقيد بقيد وهو الزمن الماضي، ولم يُقرَّ بأنه ثابت الآن في ذمته؛ فلا يجوز إلزامه به الآن استنادًا إلى إقراره به في الزمن الماضي؛ لأنه غير منكرٍ ثبوتَه في الماضي، وإنما هو منكر لثبوته الآن، فكيف يُجعل مقرًّا بما هو منكرٌ له؟
وقياسهم هذا الإقرار على قوله: «له عليَّ ألفٌ لا يلزمني ولا يثبت في ذمتي» قياس باطل، فإنه كلام متناقض لا يُعقل، وأما هذا فكلام معقول، وصدقه فيه ممكن، ولم يُقرَّ بشغل ذمته الآن بالمدَّعى به، فلا يجوز شَغْل ذمته به بناء على إقراره بشَغْلها في الماضي. وما نظير هذا إلا قول الزوج: «كنت طلقتُ امرأتي وراجعتُها»، فهل يُجعل بهذا مطلِّقًا الآن؟ وقول القائل: «كنتُ فيما مضى كافرًا ثم أسلمتُ»، فهل يُجعل بهذا الكلام كافرًا الآن؟ وقول القائل: «كنتُ عبدًا فأعتقني مولاي»، هل يجعل بهذا الكلام رقيقًا؟
стр. 2144
فإن طردوا الحكم في هذا كله، وطلَّقوا على الزوج، وكفَّروا المعترف بنعمة الله عليه وأنه كان كافرًا فهداه الله وأمروه أن يجدِّد إسلامه، وجعلوا هذا قِنًّا= قيل لهم: فاطردوا ذلك فيمن قال: كانت هذه الدار أو هذا البستان أو هذه الأرض أو هذه الدابة لفلان ثم اشتريتُها منه، فأخرِجوها من ملكه بهذا الكلام، وقولوا: قد أقرَّ بها لفلان ثم ادَّعى اشتراءها، فيُقبل إقراره ولا تُقبل دعواه، فمن جرتْ هذه الكلمة على لسانه وقال الواقعَ فأخرِجوا ملكه من يده. وكذلك إذا قالت المرأة: كنت مزوَّجةً لفلانٍ ثم طلَّقني، اجعلوها بمجرد هذا الكلام زوجته، والكلام بآخره، فلا يجوز أن يؤخذ منه بعضه ويُلغى بعضه، ويقال: قد لزمك حكم ذلك البعض، وليس علينا من بقية كلامك؛ فإن هذا يرفع حكم الاستثناء [١٢١/أ] والتقييدات جميعها، وهذا لا يخفى فساده.
ثم إن هذا على أصل من لا يقبل الجواب إلا على وَفْق الدعوى يحول بين الرجل وبين التخلُّص (١) من ظلم المدعي، ويُلجِئه إلى أن يقرَّ له بما يتوصل به إلى الإضرار به وظلمه، أو إلى أن يكذِب. بيانُه: أنه إذا استدان منه ووفَّاه، فإن قال: «ليس له عليَّ شيء» لم تقبلوا منه؛ لأنه لم يجب على نفي الدعوى، وإن قال: «كنت استدنتُ منه ووفَّيتُه» لم تسمعوا منه آخر كلامه وسمعتم منه أوله، وإن قال: «لم أستدِنْ منه» كان (٢) كاذبًا. فقد ألجأتموه إلى أن يظلم أو يكذب ولا بدَّ.
فالحيلة لمن بُلِيَ بهذا القول أن يستعمل التورية، ويحلف ما استدان
стр. 2145
منه، وينوي أن تكون «ما» موصولة، فإذا قال: «والله إني ما استدنتُ منه» أي إني الذي استدنتُ منه، وينفعه تأويله بالاتفاق إذا كان مظلومًا، كما لا ينفعه إذا كان ظالمًا بالاتفاق.
المثال الثالث والثلاثون: إذا كان عليه دين فأعسرَ به فادَّعى عليه به (١)، فإن أنكره (٢) كان كاذبًا، وإن أقرَّ له به ألزمه إياه، وإن جحده أقام به البينة، فإن ادعى الإعسار بعد ذلك فإن المدَّعي قد ظهر للحاكم كذبُه في جحده الحقَّ، فهكذا هو كاذب في دعوى الإعسار؛ فالحيلة في تخليصه أن يقول: لا يلزمني توفية ما يدَّعيه عليَّ ولا أداؤه، فإن طالبه الحاكم بجواب يطابق السؤال فله أن يورِّي كما تقدم، ويحلف على ذلك، فإن خشي من إقامة البينة فهنا تَعِزُّ عليه الحيلة، ولم يبقَ له إلا تحليفُ المدَّعي أنه لا يعلم عجزه عن الوفاء، أو إقامة البينة بأنه عاجز عن الوفاء، فإن حلف المدَّعي ولم تقم له بينة بالعجز لم يبقَ له حيلة غير الصبر.
المثال الرابع والثلاثون: إذا تداعيا عينًا هي في يد أحدهما فهي لصاحب اليد، فإن أقام الآخر بينة حُكِم له ببينته؛ فإن أقام كل واحد منهما بينة؛ فقال الشافعي: بينةُ صاحب اليد أولى؛ لأن البينتين قد تعارضتا، وسلمت اليدُ عن معارض. وقال الإمام أحمد في ظاهر مذهبه: بينة الخارج أولى؛ لأن معها زيادةَ علمٍ خفيتْ على بينة صاحب اليد فإنها تستند إلى ظاهر اليد (٣)، وبينة الخارج تستند إلى سبب خفي على بينة الداخل فتكون أولى. فالحيلة في
стр. 2146
تقديم بينة الخارج عند من يقدِّم بينة الداخل: أن يدَّعي الخارج (١) أنه في يد الداخل (٢) غصبًا أو عاريةً أو وديعةً أو ببيعٍ فاسد، ثم تشهد البينة على وَفْق ما ادعاه، فحينئذٍ تُقدَّم بينة الخارج على الصحيح عندهم.
المثال الخامس والثلاثون: الحيلة المخلصة من لدغ العقارب، وذلك إذا اشترى الماكر المخادع من رجل (٣) دارًا أو بستانًا أو سلعةً، وأشهد عليه بالبيع، ثم مضى إلى البيت أو الحانوت ليأتيه بالثمن، فأقرَّ بجميع ما في يده لولده أو لامرأته، فلا يصل البائع إلى أخذ الثمن، فالحيلة له (٤) أن يبيعه بحضرة الحاكم أو يمضي بعد البيع معه إليه ليثبت له التبايع، ثم يسأله قبل مفارقته أن يَحجُر على المشتري في ماله ويَقِفَه [١٢١/ب] حتى يُسلِم إليه الثمن؛ لئلا يتلف ماله أو يتبرع به فيتعذّر عليه الوصول إلى حقه. ويلزم الحاكم إجابته إذا خشي ذلك من المشتري؛ لأن فيه إعانةً لصاحب الحق على التوصل إلى حقه.
فإن تعذَّرت عليه هذه الحيلة ولدغَتْه العقرب وادَّعى الإعسار (٥) عند
стр. 2147
الجمهور سأل الحاكمَ الحجْرَ عليه، فإن (١) فعل ذلك رجع عليه في عين ماله.
فإن كانت العقرب داهيةً بأن غيَّر العين المبيعة أو ملَّكها لولده أو زوجته أو كان الحاكم لا يرى رجوع البائع في عين المبيع إذا أفلس المشتري؛ فالحيلة أن يتوصل إلى إبطال العقد بإقرار سابق على البيع أن المبيع لولده أو لزوجته أو يرهنه أو يبيعه لمن يثق به، ويقدِّم تاريخ ذلك على بيع العقرب، وله أن يتوصل بهذه الحيلة وإن كانت مكرًا وخداعًا؛ فإن المكر والخداع حسن إذا كان على وجه المقابلة لا على وجه الظلم، كما قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠]، وقال: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٢) [آل عمران: ٥٤]، وقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، وأخبر سبحانه أنه كاد ليوسف في مقابلة كيد إخوته، وقد تقدم (٣) ذلك.
стр. 2148
المثال السادس والثلاثون: إذا تحيَّل المكَّار المخادع على سقوط نفقة القريب بالمماطلة، وقال: إنها تسقط بمضيِّ الزمان فلا تبقى دينًا عليَّ، فتركها آمنًا من إلزامه بها لما مضى، فالحيلة للمنفق عليه أن يرفعه إلى الحاكم ليفرضها عليه، ثم يستأذنه في الاستدانة عليه بقدرها، فإذا فعل ألزمه الحاكم بقضاء ما استدانه المنفق عليه. فإن فرضها عليه ولم يستأذنه في الاستدانة (١) ومضى الزمان فهل تستقرُّ عليه بذلك؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي، والأكثرون منهم صرَّحوا بسقوطها مطلقًا فُرِضت أو لم تُفرض، ومنهم من قال: إن فُرضت لم تسقط.
فإن لم يمكنه الرفع إلى الحاكم فليقل له: اشفَعْ لي إلى فلان يُنفق عليَّ أو يعطيني ما أحتاج إليه، فإذا فعل فقد لزم الشافع؛ لأن ذلك حق أدَّاه المشفوع عنده عن الشفيع بإذنه، فإن أنفق عليه الغير بغير إذنه ناويًا للرجوع فله الرجوع في أصح المذهبين، وهو مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين، وهكذا كل من أدَّى (٢) عن غيره واجبًا بغير إذنه. بل لا يُشترط (٣) أن يكون واجبًا على (٤) المنصوص من مذهب مالك وأحمد، فإن أحمد نصَّ في رواية الجرجرائي على رجوع مَن عمَّر قناةَ غيرِه بغير إذنه، وهو مذهب مالك.
ولو أن القريب استدان وأنفق على نفسه ثم أحال بالدين على من تلزمه نفقته لزمه أن يقوم له به؛ لأنه أحال على من له عليه حق، ولا يقال: قد
стр. 2149
سقطتْ بمضيِّ الزمان فلم تُصادِف (١) الحوالة محلًّا؛ لأنها إنما تسقط بمضيِّ الزمان إذا لم يكن المنفَق عليه قد استدان على المنفِق، بل تبرَّع له (٢) غيره أو تكلَّف أو صبر. فأما إذا استدان عليه بقدر نفقته الواجبة عليه فهنا لا وجهَ لسقوطها، وإن كان الأصحاب وغيرهم [١٢٢/أ] قد أطلقوا السقوط فتعليلهم يدلُّ على ما قلناه، فتأملْه.
المثال السابع والثلاثون (٣): إذا استنبط في ملكه أو أرضٍ استأجرها عينَ ماءٍ ملَكَه، ولم يملك بيعَه لمن يسوقه إلى أرضه أو يسقي به بهائمَه، بل يكون أولى به من كل أحد، وما فضلَ منه لزمه بذلُه لبهائمِ غيره وزرْعِه. والحيلة على جواز المعاوضة أن يبيعه نصفَ العين أو ثلثها أو يُؤجِره ذلك؛ فيكون الماء بينه وبينه على حسب ذلك، ويدخل الماء تبعًا لملك العين أو منفعتها. ولا تدخل هذه الحيلة تحت النهي عن بيع الماء، فإنه لم يبعه، وإنما باع العين، ودخل الماء تبعًا، والشيء قد يستتبع ما لا يجوز أن يُفردَ (٤) وحده.
المثال الثامن والثلاثون: إذا باع عبده من رجل وله غرض أن لا يكون إلا عنده أو عند بائعه، فالحيلة في ذلك أن يشهد عليه أنه إن باعه فهو أحقُّ به بالثمن، فهذا يجوز على نص أحمد، وهو قول عبد الله بن مسعود (٥)، ولا
стр. 2150
محذورَ في ذلك. وقول المانعين: «إنه يخالف مقتضى العقد» فنعم يخالف مقتضى العقد المطلق، وجميع الشروط اللازمة تخالف مقتضى العقد المطلق، ولا تخالف مقتضى العقد المقيَّد، بل هي مقتضاه.
فإن لم تصعد (١) معه هذه الحيلة فله حيلة أخرى، وهي أن يقول له في مدة الخيار: إما أن تقول: «متى بعتُه فهو حرٌّ» وإلا فسختُ البيع، فإذا قال ذلك فمتى باعه عتق عليه بمجرد الإيجاب قبل قبول المشتري على ظاهر المذهب؛ فإن الذي علّق عليه العتق هو الذي يملكه البائع وهو الإيجاب، وذلك بيعٌ حقيقة، ولهذا يقال: «بعتُه العبد فاشتراه» فكما أن الشِّرى هو قبول المشتري، فكذلك البيع هو إيجاب البائع، ولهذا يقال: البائع والمشتري، قال الشاعر (٢):
وإذا تُباع كريمةٌ أو تُشتَرى ... فسِواك بائعُها وأنتَ المشترِي
هذا منصوص أحمد.
فإن لم تصعد معه هذه الحيلة فليقلْ له في مدة الخيار: «إما أن تقول متى بعتُك فأنت حرٌّ قبله بساعة، وإما أن أفسخ»، فمتى قال ذلك لم يمكنه بيعه البتةَ.
المثال التاسع والثلاثون: إذا كان للموكِّل عند وكيله شهادة تتعلق بما هو وكيلٌ فيه لم تُقبل، فإن أراد قبولها فليعزِلْه أو ليعزِلْ نفسه قبل الخصومة ثم يقيم الشهادة، فإذا تمَّت عاد فوكَّله. وليس في هذه الحيلة محذور؛ فلا تكون محرَّمة.
стр. 2151
المثال الأربعون: إذا توضَّأ ولبس إحدى خفَّيه قبل غسل رجله الأخرى، ثم غسل رجله الأخرى وأدخلها الخفَّ، جاز له المسح على أصح القولين، وفيه قول آخر أنه لا يجوز؛ لأنه لم يلبس الأولى على طهارة كاملة؛ فالحيلة في جواز المسح أن ينزع خفَّ الرِّجل الأولى ثم يلبسه. وهذا نوعُ عبثٍ لا غرضَ للشارع فيه، ولا مصلحة للمكلَّف؛ فالشرع لا يأمر به.
المثال الحادي والأربعون: إذا استُحْلِف على شيء، فأحبَّ أن يحلف ولا يحنث؛ فالحيلة أن [١٢٢/ب] يحرِّك لسانه يقول: «إن شاء الله»، وهل يُشترط أن يُسمِعها نفسه؟ فقيل: لا بدّ أن يُسمِع نفسه. وقال شيخنا: هذا لا دليل عليه، بل متى حرك لسانه بذلك كان متكلمًا، وإن لم يَسمَعْه نفسُه، وهكذا حكم الأقوال الواجبة والقراءة الواجبة.
قلت: وكان بعض السلف يُطبِق شفتَيه ويحرِّك لسانه بلا إله إلا الله ذاكرًا، وإن لم يُسمِع نفسَه؛ فإنه لا حظَّ للشفتين في حروف هذه الكلمة، بل كلها حلقية لسانية (١)؛ فيمكن الذاكرَ أن يحرِّك لسانَه بها ولا يُسمِع نفسَه ولا أحدًا (٢) من الناس، ولا تراه العين يتكلم، وكذلك التكلُّم (٣) بقول: «إن شاء الله» يمكن مع إطباق الفم؛ فلا يسمعه أحد ولا يراه، وإن أطبق أسنانه وفتح شفتيه أدنى شيء سمعته أذناه بجملته.
المثال الثاني والأربعون: إذا لاعن امرأته وانتفى من ولدها، ثم قتل
стр. 2152
الولد لزمه القصاص، وكذلك إن قتلها فلولدها القصاص (١) إذا بلغ. فإن أراد إسقاط القصاص عن نفسه؛ فالحيلة أن يكذِّب نفسه، ويقرَّ بأنه ابنه؛ فيسقط القصاص في الموضعين. وفي جواز هذه الحيلة نظر.
المثال الثالث والأربعون: إذا كان له عليه حق وقد أبرأه منه ولا بينةَ له بالإبراء ثم عاد فادّعاه؛ فإن قال: «قد أبرأني منه» لم يكن مقرًّا، كما لو قال: «كان له عليَّ وقضيتُه». وعلى القول الآخر يكون مقرًّا به مدَّعيًا للإبراء؛ فيكلف البينة؛ فالحيلة على التخلُّص أن يقول: قد أبرأتَني من هذه الدعوى؛ فإذا قال ذلك لم يكن مقرًّا بالمدعى به؛ فإذا سأل إحلاف خصمه أنه لم يُبرِئه من الدعوى مَلكَ (٢) ذلك؛ فإن لم يحلف صرفَهما، وإن حلف طُولب بالجواب، ولا يسمع منه بعد ذلك أنه أبرأه من الدعوى. فإن قال: «أبرأني من الحق» ففيه الخلاف المذكور، وإن قال: «لا شيء عندي» اكتفى منه بهذا الجواب عند الجمهور؛ فإن طالبه الحاكم بالجواب على وَفْق الدعوى فالحيلة أن يجيب (٣) ويورِّي كما تقدم.
المثال الرابع والأربعون: إذا خاف المضارب أن يسترجع ربُّ المال منه المال فقال: «قد ربحتُ ألفًا» لم يكن له الاسترجاع؛ لأنه قد صار شريكًا؛ فإن كان قال ذلك حيلةً، ولم يربح، فقال بعد ذلك: «كذبتُ» لم يُسمع منه؛ فالحيلة في تخلُّصه أن يدَّعي خسارتها بعد ذلك أو تلَفَها (٤) فيُقْبل قوله مع يمينه.
стр. 2153
المثال الخامس والأربعون: إذا وقف وقفًا وجعل النظر فيه لنفسه مدةَ حياته ثم من (١) بعدِه لغيره، صح ذلك عند الجمهور، وهو اتفاق من الصحابة؛ فإن عمر ﵁ كان يلي صدقته، وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة، والنبي ﷺ لما أشار على عمر بوقف أرضه (٢) لم يقل له (٣) لا يصح ذلك حتى تُخرِجها عن يدك ولا تَلِي نظَرَها، وأيُّ غرضٍ للشارع في ذلك؟ وأيُّ مصلحةٍ للواقف أو الموقوف عليه؟ بل المصلحة خلاف ذلك؛ لأنه أخبرُ بماله، وأقومُ بعمارته ومصالحه وحفظه من الغريب الذي ليست خِبرته وشفقته كخبرة صاحبه [١٢٣/أ] وشفقته، ويكفي في صحة الوقف إخراجه عن ملكه، وثبوت نظره ويده عليه كثبوت نظر الأجنبي ويده، ولا سيما إن كان متبرعًا، فأيُّ مصلحةٍ في أن يقال له: «لا يصح وقفُك حتى تجعله في يدِ من لستَ (٤) على ثقةٍ من حفظه والقيامِ بمصالحه وإخراجِ نظرك عنه؟».
فإن قيل: إخراجه لله يقتضي رفْعَ يده عنه بالكلية كالعتق.
قيل: بالعتق خرج العبد عن أن يكون مالًا، وصار محرَّمًا (٥) محضًا، فلا تثبت عليه يدُ أحدٍ. وأما الوقف فإنه لا بدَّ من ثبوت اليد عليه لحفظه والقيام
стр. 2154
بمصالحه، وأحقُّ ما يثبت (١) عليه يدُ أشفقِ الناس عليه وأقومِهم بمصالحه، وثبوتُ يده ونظره لا ينافي وقفه لله، فإنه وقفَه لله وجعلَ نظره عليه ويده لله، فكلاهما قربة وطاعة، فكيف يُحرَم ثوابَ هذه القربة ويقال له: لا يصلح (٢) لك قربةُ الوقف إلا بحرمان قربة النظر والقيام بمصالح الوقف؟ فأيُّ نص وأيُّ قياس وأيُّ مصلحة وأيُّ غرضٍ للشارع أوجب ذلك؟ بل أي صاحب قال ذلك؟
فإن احتاج الواقف إلى ذلك في موضع لا يحكم فيه إلا بقول من يُبطِل الوقف إذا لم يخرجه عن يده وإذا شرط النظر لنفسه، فالحيلة في ذلك أن يفوِّض النظر إلى من يثق به ويجعل إليه تفويضَ النظر لمن شاء، فيقبل الناظر ذلك، ويصحُّ الوقف ويلزم، ثم يفوِّضه الناظر إليه، فإنه قد صار أجنبيًّا بمنزلة سائر الناس. فهذه حيلة صحيحة يتوصَّل بها إلى حق، فهي جائزة. وكذلك لو جعل النظر فيه للحاكم ثم فوَّضه الحاكم إليه، فإن خاف أن لا يفوِّضه الحاكم إليه فليملِّكه لمن يثق به، ويَقِفُه ذلك على ما يريد المملك، ويشترط (٣) أن يكون نظره له، وأن يكون تحت يده.
المثال السادس والأربعون: إذا وقف على نفسه ثم على غيره صح في أصحّ (٤) الروايتين عن الإمام أحمد، وهو قول أبي يوسف (٥) وهو قول
стр. 2155
بعض (١) الشافعية، وممن اختاره أبو عبد الله الزبيري. وعند الفقهاء الثلاثة لا يصح.
المانعون من صحته قالوا: يمتنع كون الإنسان معطيًا من نفسه لنفسه؛ ولهذا لا يصح أن يبيع نفسَه ولا يهب نفسَه ولا يُؤجِر مالَه من نفسه، فكذا لا يصح وقفه على نفسه.
قال المجوِّزون: الوقف شبيهُ العتق والتحرير من حيث إنه يمتنع نقل الملك في رقبته، ولهذا لا يفتقر إلى قبول إذا كان على غير معيَّن اتفاقًا، ولا إذا كان على معيَّن على أحد القولين، وأشبهُ شيء به أم الولد. وإذا كان مثل التحرير لم يكن الواقف مملِّكًا لنفسه، بل يكون مُخرِجًا للملك عن نفسه ومانعًا لها (٢) من التصرف في رقبته مع انتفاعه بالعين كأم الولد.
وهذا إذا قلنا بانتقال رقبة الوقف إلى الله تعالى ظاهر؛ فإن الواقف أخرج رقبة الوقف لله، وجعل نفسه أحد المستحقين للمنفعة مدةَ حياته، فإن لم يكن أولى من البطون المرتبة فلا يكون دون بعضهم، فهذا محض القياس.
وإن [١٢٣/ب] قلنا: الوقف ينتقل إلى الموقوف عليهم بطنًا بعد بطنٍ يتلقَّونه من الواقف، فالطبقة الأولى أحد الموقوف عليهم، ومعلوم أن أحد الشريكين إذا اشترى لنفسه أو باع من مال الشركة جاز على المختار لاختلاف (٣) حكم الملكين، فلأن يجوز أن ينقل ملكه المختصّ إلى طبقاتٍ موقوفٍ عليها هو أحدها أولى؛ لأنه في كلا الموضعين نقل مِلْكه المختصّ إلى
стр. 2156
مِلكٍ مشترك له فيه نصيب، بل في الشركة الملكُ الثاني من جنس الأول يملك به التصرف في الرقبة، وفي الوقف ليس من جنسه فيكون أولى بالجواز.
يؤيِّده أنه لو وقف على جهة عامة جاز أن يكون كواحد من تلك الجهة، كما وقف عثمان بئر رُومةَ وجعل دَلْوه فيها كدِلاء المسلمين (١)، وكما يصلِّي المرء في المسجد الذي وقَفَه، ويشرب من السقاية التي وقَفَها، ويُدفن في المقبرة التي سَبَّلها، أو يمرُّ في الطريق التي فتحها، وينتفع بالكتاب الذي وقَفَه، ويجلس على البساط والحصير اللذين وقفهما، وأمثال ذلك، فإذا جاز للواقف أن يكون موقوفًا عليه في الجهة العامة جاز مثله في الجهة الخاصة، لاتفاقهما في المعنى، بل الجواز هنا أولى من حيث إنه موقوف عليه بالتعيين، وهناك دخل في الوقف بشمول الاسم له (٢).
وتقليد هذا القول خير (٣) من الحيلة الباردة التي يملِّك الرجل فيها مالَه لمن لا تطيب نفسُه أن يُعطيه درهمًا ثم يقفه ذلك المملَّك على المملِّك؛ فإن هذه الحيلة تضمَّنت أمرين:
أحدهما: لا حقيقة له، وهو انتقال الملك إلى المملّك.
стр. 2157
والثاني: اشتراطه عليه أن يَقِفَه على هذا الوجه، أو إذنه (١) له فيه. وهذا في المعنى توكيلٌ له في الوقف، كما أن اشتراطه حَجْرٌ عليه في التصرف بغير الوقف؛ فصار وجود هذا التمليك وعدمه سواءً، لم يملكه المملك ولا يمكنه التصرف فيه، ولو مات قبل وقفه لم يحلَّ لورثته أخذُه، ولو أنه أخذه ولم يقِفْه على صاحبه ولم يردَّه إليه عُدَّ ظالمًا غاصبًا (٢)، ولو تصرَّف فيه صاحبه بعد هذا التمليك لكان تصرفه فيه نافذًا كنفوذه قبله، هذا فيما بينه وبين الله تعالى، وكذلك في الحكم إن قامتْ بينة بأنهما (٣) تواطآ على ذلك وأنه إنما وهبه إياه بشرط أن يقِفَه عليه أو أقرَّ له بذلك.
فإن قيل: فهل عندكم أحسنُ من هذه الحيلة؟
قيل: نعم، أن يقفَه على الجهات التي يريد؛ ويستثني غلَّته ومنفعتَه لنفسه (٤) مدةَ حياته أو مدةً معلومة. وهذا جائز بالسنة الصحيحة والقياس الصحيح، وهو مذهب فقهاء أهل الحديث؛ فإنهم يجوِّزون أن يبيع الرجل الشيء أو يهبَه أو يُعتقَ العبد ويستثني بعضَ منفعة ذلك مدةً. ويجوِّزون أن يقف الشيءَ على غيره ويستثني بعضَ منفعته مدةً معلومة أو إلى حين موته. ويستدلُّون بحديث جابر (٥)، وبحديث عِتق أم سلمة سَفِينةَ (٦)، وبحديث
стр. 2158
عِتق [١٢٤/أ] صفية (١)، وبآثارٍ صحاح كثيرة (٢) عن الصحابة لم يُعلَم فيهم من خالفها، ولهذا القول (٣) قوة في القياس.
فإن قيل: فلو عدل إلى الحيلة الأولى فما حكمها في نفس الأمر؟ وما حكم الموقوف عليه إذا علم بالحال، هل يطيب له تناولُ الوقف أم لا؟
قيل: لا يمنع ذلك صحةَ الوقف ونفوذه، ويطيب للموقوف عليه تناولُ الوقف؛ فإن المقصود مقصود صحيح شرعي وإن كانت الطريق إليه غير مشروعة. وهذا كما إذا أعتق العبد أو طلَّق المرأة وجحد (٤) ذلك، فأقام العبد أو المرأة شاهدين لم يعلما ذلك فشهدَا به، وسِعَ العبد أن يتصرفَ لنفسه والمرأةَ أن تتزوج.
وفقهُ المسألة: أن هذا الإذن والتوكيل في الوقف وإن حصل في ضمن عقدٍ فاسد فإنه لا يفسد بفساد العقد، كما لو فسدت الشركة أو المضاربة لم يفسد تصرفُ الشريك والعامل لما تضمَّنه العقد الفاسد من الإذن، بل هذا أولى من وجهين:
стр. 2159
أحدهما: أن الاتفاق يلزمهما قبل التمليك إذنٌ صحيح ووكالة صحيحة في الباطن لم يَرِدْ بعدها ما ينافيها.
وأيضًا فإنما بطل عقد الهبة لكونه شرَطَ على الموهوب له أن لا يتصرف فيه إلا بالوقف على الواهب، ومعلوم أن التصرف في العين لا يتوقف على الملك، بل يصح بطريق الوكالة وبطريق الولاية؛ فلا يلزم من إبطال الملك بطلانُ الإذن الذي تضمَّنه الشرط؛ لأن للإذن مستندًا غير الملك.
فإن قيل: إذا بطل الملك ينبغي أن يبطل التصرف الذي هو من توابعه.
قيل: لا يلزم ذلك؛ لأن التصرف في مثل هذه الصورة ليس من توابع الملك الحقيقي، وإنما هو من توابع الإذن والتوكيل.
يوضِّحه أن هذه الحيل التي لا حقيقةَ لها يجب أن تُسلَب الأسماءَ التي أُعِيرتْها وتُعطَى الأسماءَ الحقيقية، كما سُلِب منها ما يُسمَّى بيعًا ونكاحًا وهديةً هذه الأسماء، وأُعطِي اسم الربا والسِّفاح والرشوة (١)؛ فكذلك هذه الهبة تُسلَب اسمَ الهبة وتُسمَّى إذنًا وتوكيلًا، ولا سيما فإن صحة الوكالة لا تتوقف على لفظ مخصوص، بل تصح بكل لفظ يدلُّ على الوكالة؛ فهذه الحيلة في الحقيقة توكيلٌ للغير أن يقفَ على الموكّل؛ فمن اعتقد صحة وقف الإنسان على نفسه اعتقد جواز هذا الوقف، ومن اعتقد بطلانه وبطلان الحيل المُفضِية إلى الباطل فإنه عنده يكون منقطع الابتداء، وفيه من الخلاف ما هو مشهور. فمن أبطله رأى أن الطبقة الثانية ومن بعدها تبعٌ للأولى، فإذا لم يصح في المتبوع ففي التابع أولى أن لا يصح، ولأن الواقف
стр. 2160
لم يرضَ أن تصير الثانية إلا بعد الأولى، فلا يجوز أن يلزم بما لم يرضَ به؛ إذ لا بدَّ في صحة التصرف من رضا المتصرف وموافقة الشرع؛ فعلى هذا هو باقٍ على ملك الواقف.
فإذا مات فهل يصح الوقف حينئذٍ؟ يحتمل وجهين. ويكون مأخذهما أن ذلك كما لو قال: «هو وقفٌ بعد موتي» فيصح، أو أنه وقف معلَّقٌ على شرط، [١٢٤/ب] وفيه وجهان: فإن قيل بصحته كان من الثلث، وفي الزائد يقف على إجازة الورثة. وإن قيل ببطلانه كان ميراثًا. ومن رأى صحته قال: قد أمكن تصحيح تصرف العاقل الرشيد بأن يصحّح الوقف ويصرِفه في الحال إلى الجهة التي يصح الوقف عليها، وتُلغَى الجهة التي لا تصح فتُجعَل كالمعدومة. وقيل على هذا القول: بل (١) يصرف مصرفَ الوقف المنقطع، فإذا مات الواقف صُرِفَ مصرفَ الجهة الصحيحة.
فإن قيل: فما تقولون لو سلك حيلةً غيرَ هذا كلِّه وأسهلَ منه وأقرب؟ وهي أن يقرَّ أن ما في يده من العقار وقفٌ عليه انتقل إليه من جائز الملك جائز الوقف، ثم بعده على كذا وكذا، فما حكمُ (٢) هذه الحيلة في الباطن، وحكمُ من علم بها من الموقوف عليهم؟
قيل: هذه الحيلة إنما قصد المتكلم بها إنشاء الوقف، وإن أظهر (٣) أنه قصدَ بها الإخبار؛ فهي إنشاء في الباطن إخبار في الظاهر، فهي كمن أقرَّ
стр. 2161
بطلاقٍ أو عتاقٍ ينوي به الإنشاء. والوقف ينعقد بالصريح وبالكناية مع النية وبالفعل مع النية عند الأكثرين، وإذا (١) كان مقصودُه الوقفَ على نفسه، وتكلَّم بقوله: «هذا وقف عليَّ»، وميَّزه بفعله عن ملكه= صار وقفًا؛ فإن الإقرار يصح أن يكون كنايةً عن الإنشاء مع النية، فإذا قصده به صح، كما أن لفظ الإنشاء يجوز أن يقصد به الإخبار، وإذا أراد به الإخبار دُيِّنَ، فكلٌّ من الأمرين صالح لاستعماله في الآخر، فقد يقصد بالإقرار الإخبار عما مضى، وقد يقصد به الإنشاء، وإنما ذكر بصيغة الإخبار لغرضٍ من الأغراض.
يوضِّح ذلك أن صيغ العقود قد قيل: هي إنشاءات، وقيل: إخبارات؛ والتحقيق أنها متضمنة للأمرين؛ فهي إخبار عن المعاني التي في القلب، وقصدُ تلك المعاني إنشاء؛ فاللفظ خبر والمعنى إنشاء، فإذا أخبر أن هذا وقفٌ عليه وهو يعلم أن غيره لم يَقِفْه عليه وإنما مقصوده أن يصير وقفًا بهذا الإخبار فقد اجتمع لفظ الإخبار وإرادة الإنشاء، فلو كان أخبر عن هذه الإرادة لم يكن هناك ريبٌ أنه أنشأ الوقف، لكن لما كان لفظه إخبارًا عن غير ما عناه، والذي عناه لم يُنشِئْ له لفظًا صارت المسألة محتملة، ونشأت الشبهة؛ ولكن هذه النية مع هذا اللفظ الصالح للكناية مع الفعل الدال على الوقف يقوم مقام التكلُّم باللفظ الذي ينشأ به الوقف (٢)، والله أعلم.
المثال السابع والأربعون: لو باع غيره دارًا أو عبدًا أو سِلعةً؛ واستثنى منفعةَ المبيع مدةً معلومة= جاز كما دلت عليه النصوص والآثار والمصلحة والقياس الصحيح؛ فإن خاف أن يرفعه إلى حاكم يرى بطلان هذا الشرط
стр. 2162
فيُبطِله عليه؛ فالحيلة في تخلُّصه من ذلك أن يواطئه قبل البيع على أن يُؤجِره إياه تلك المدةَ بمبلغٍ معين؛ ويقرَّ بقبض الأجرة، ثم يبيعه إياه، ثم يستأجره كما اتفقا عليه، ويقرّ له بقبض الأجرة. وهذه حيلة صحيحة جائزة لا تتضمن تحليلَ حرامٍ ولا تحريمَ حلالٍ.
المثال الثامن والأربعون: المطلقة البائن لا نفقةَ [١٢٥/أ] لها ولا سكنى بسنة رسول الله ﷺ الصحيحة الصريحة التي لا معارضَ لها، بل هي موافقة لكتاب الله، وهي مقتضى القياس، وهي مذهب فقهاء الحديث. فإن خاف المطلِّق أن ترفعه إلى حاكم يرى وجوبَ النفقة والسكنى أو السكنى وحدها؛ فالحيلة في تخليصه أن يعلِّق طلاقها على البراءة الصحيحة من ذلك، فيقول: إن صحَّتْ براءتكِ لي من النفقة والسكنى أو من دعوى ذلك فأنتِ طالق؛ فلا يُمكِنها بعد ذلك أن تدَّعي بهما البتة.
وله حيلة أخرى، وهي أن يخالعها على نظير ما يعلم أنه يفرض عليه للنفقة والسكنى أو أكثر منه، فإذا ادَّعت بذلك (١) وفرضه عليه الحاكم صار لها عليه مثل الذي له عليها، فإما أن يأخذ منها ويعطيها وإما أن يتقاصَّا.
المثال التاسع والأربعون: إذا اشترى سلعة من رجل غريب فخاف أن تستحق أو تظهر معيبةً ولا يعرفه؛ فالحيلة أن يقيم له وكيلًا يخاصمه إن ظهر ذلك، فإن خاف أن يعزل البائع الوكيلَ فالحيلة أن يشتريها (٢) من الوكيل نفسه ويضمِّنه دركَ المبيع.
стр. 2163
المثال الخمسون: إذا دفع إليه مالًا يشتري به متاعًا من بلد (١) غير بلده فاشتراه، وأراد تسليمه إليه وإقامته في تلك البلد، فإن أودعه غيره ضمن؛ لأنه لم يأذن له ربه، وإن وكَّل غيره في دفعه إليه ضمن أيضًا، وإن استأجر من يُوصله إليه ضمن؛ لأنه لم يأتمن غيره عليه؛ فالحيلة في إيصاله إلى ربه أن يُشهد عليه قبل الشراء أو بعده أن يعمل في المال برأيه، وأن يوكل فيه وأن (٢) يودع إذا رأى المصلحة في ذلك كله، فإن أبى ذلك الموكل وقال: «لا يوافيني به غيرُك» فقد ضاقت عليه الحيلة، فليُخرِج نفسه من الوكالة، فتصير يده يدَ مُودَع، فلا تلزمه مُؤنةُ ردِّ الوديعة، بل مؤنةُ ردِّها على صاحبها، فإن أحبَّ أخْذَ ماله أرسل من يأخذه أو جاء هو في طلبه.
فإن قيل: فلو لم يعزل نفسه أكان مؤنةُ الردِّ عليه؟
قيل: لما دخل معه في عقد الوكالة فقد التزم له أن يُسلِّم إليه المال، فيلزمه ما التزم به، فإذا أخرج (٣) نفسَه من الوكالة بقي كالمُودَع المحض، فإن كان وكيلًا بجُعْلٍ فهو كالأجير فمؤنةُ الردِّ عليه، ولا يملك إخراج نفسه من الوكالة قبل توفية العمل كالأجير (٤).
المثال الحادي والخمسون: إذا أراد الذمّي أن يُسلِم وعنده خمر، فخاف إن أسلم يجب عليه إراقتها ولا يجوز له بيعها، فالحيلة أن يبيعها من ذمي آخر بثمن معين أو في ذمته، ثم يُسلِم ويتقاضاه الثمن، ولا حرجَ عليه
стр. 2164
في ذلك؛ فإن تحريمها عليه بالإسلام كتحريمها بالكتاب بعد أن لم تكن حرامًا، وفي الحديث: «إن الله يُعرِّض بالخمر، فمن كان عنده منها شيءٌ فلْيبِعْه» (١).
فإن قيل: فلو أسلم من اشتراها ولم يؤدِّ ثمنها هل يسقط عنه؟
قيل (٢): لا يسقط؛ لثبوته في ذمته قبل الإسلام.
فإن قيل: فلو أسلم إليه في خمرٍ ثم أسلما [١٢٥/ب] أو أحدهما.
قيل: ينفسخ العقد، ويُردُّ إليه رأس ماله.
فإن قيل: فلو أراد أن يشتري منه خمرًا ثم عزم على الإسلام، وخاف أن يلزمه بثمنها، فهل له حيلة في التخلُّص من ذلك؟
قيل: الحيلة أن لا يتملكها بالشراء بل بالقرض، فإذا اقترضها منه ثم أسلما أو أحدهما لم يجب عليه ردُّ بدل القرض؛ فإن موجب القرض ردُّ المثل (٣)، وقد تعذَّر بالإسلام.
المثال الثاني والخمسون: إذا اشترى دارًا أو أرضًا قد وقعت الحدود وصُرِّفت (٤) الطرق بينها (٥) وبين جاره فلا شفعة فيها، وإن كانت الحدود لم تقع ولم تُصرَّف الطرق بل طريقهما واحدة ففيها الشفعة. هذا أصح الأقوال
стр. 2165
في شفعة الجوار، وهو مذهب أهل البصرة، وأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، اختاره شيخ الإسلام وغيره. فإن خاف المشتري أن يرفعه الجار إلى حاكم يرى الشفعة وإن صُرِّفت الطرق فله التحيُّل على إبطالها بضربٍ (١) من الحيل:
أحدها: أن يشتريها منه بألف دينار ويكاتبه على ذلك، ثم يعطيه عوضَ كل دينارٍ درهمين أو نحو ذلك.
وثانيها: أن يهبَ منه الدار أو الأرض ثم يهبه ثمنها.
وثالثها: أن يقول المشتري للشفيع إن شئتَ بعتُكها (٢) بما اشتريتُها به أو بأقلَّ من ذلك أو أصبر عليك بالثمن، فيجيبه إلى ذلك فتسقط شفعته.
ورابعها: أن يتصادق البائع والمشتري على شرط أو صفة تُفسِد البيع، كأجل مجهول أو خيار مجهول أو إكراه أو تلجئة ونحو ذلك، ثم يقرّها البائع في يد المشتري، ولا يكون للشفيع سبيلٌ عليها.
وخامسها: أن يشترط الخيار مدة طويلة، فإن صح لم يكن له أن يأخذ قبل انقضائه، وإن بطل لم يكن له أن يأخذ ببيع فاسد.
وسادسها: أن يهب له تسعة أعشار الدار أو الأرض، ويبيعه العُشر الباقي بجميع الثمن.
وسابعها: أن يوكِّل الشفيعَ في بيع داره أو أرضه، فيقبل الوكالة ويبيع، أو يوكِّله المشتري في الشراء له.
стр. 2166
وثامنها: أن يزِن له الثمن الذي اتفقا عليه سرًّا (١) ثم يجعله صُبرةً غير معلومة ويبيعه الدار بها.
وتاسعها: أن يقرّ البائع بسهمٍ من ألف سهمٍ للمشتري فيصير شريكه، ثم يبيعه باقي الدار، فلا يجد جاره إليها (٢) سبيلًا؛ لأن حق الشريك مقدَّمٌ على حق الجار (٣).
وعاشرها: أن يتصدَّق عليه ببيت من الدار، ثم يبيعه باقيها بجميع الثمن، فيصير شريكًا، فلا شفعة لجاره.
وحادي عشرها: أن يأمر غريبًا أو مسافرًا بشرائها، فإذا فعل دفعها إليه ثم وكَّله بحفظها، ويُشهِد على الدفع (٤) إليه وتوكيله حتى لا يخاصمه الشفيع.
وثاني عشرها: أن يجيء المشتري إلى الجار قبل البيع فيشتري منه داره ويرغِّبه في الثمن أضعافَ ما تساوي، ويشترط الخيار لنفسه ثلاثة أيام، ثم (٥) في (٦) مدة الخيار يمضي ويشتري تلك الدار التي يريد شراءها، فإذا تمَّ العقد بينهما فسخ البيع الأول، ولا يستحقُّ جاره عليه شفعة؛ لأنه حين البيع لم يكن [١٢٦/أ] جارًا، وإنما طرأ له الجوار بعد البيع.
стр. 2167
وثالث عشرها: أن يُؤجِر المشتري لبائع الدار عبدَه أو ثوبَه شهرًا بسهمٍ من الدار، فيصير شريكه، ثم بعد يومين أو ثلاثة يشتري منه بقيتها؛ فلا يكون لجاره عليه سبيل.
ورابع عشرها: أن يشتريها بثمن مؤجَّلٍ أضعاف ما تساوي، فإن الجار لا يأخذها بذلك الثمن، فإذا رغب عنها صالحه من ذلك الثمن على ما يساويه حالًا من غير جنسه.
فإن قيل: فأنتم قد بالغتم في الإنكار على من احتال ببعض هذه الوجوه على إسقاط الشفعة، وذكرتم تلك الآثار، فنَكِيْلُ لكم بالكيل الذي كِلْتم به لنا.
قلنا: لا سواء نحن وأنتم في ذلك؛ فإنا ذكرنا هذه الوجوه تحيُّلًا على إبطال ما أبطله رسول الله ﷺ بقوله: «فإذا وقعتِ الحدودُ وصُرِّفتِ الطُّرقُ فلا شفعةَ» (١)، فلما أبطل الشفعة تحيّلْنا على تنفيذ حكمه وأمره بكل طريق؛ فكنّا في هذه الحيل منفِّذين لأمره. وأما أنتم فأبطلتم بها ما أثبته بحكمه وقضائه بالشفعة فيما لم يقسم، وأنه لا يحلُّ له أن يبيع حتى يُؤذِن شريكَه، فإذا حرم عليه البيع قبل استئذانه فما الظن بالتحيل على إسقاط شفعته؟ فتوصَّلتم أنتم بهذه الحيل إلى إسقاط ما أثبته، وتوصَّلنا نحن بها إلى إسقاط ما أسقطه وأبطله، فأيُّ الفريقين أحقُّ بالصواب، وأتبعُ لمقصود الرسول ﷺ ؟ والله المستعان.
المثال الثالث والخمسون: يصح تعليق الوكالة بالشرط، كما يصح تعليق
стр. 2168
الولاية بالشرط، كما صحت به السنة، بل تعليق الوكالة أولى بالجواز؛ فإن الولي وكيل وكالةً عامة، فإنه إنما يتصرف نيابةً عن المُولِّي، فوكالته أعم من وكالة الوكيل في الشيء المعين، فإذا صح تعليقها فتعليق (١) الوكالة الخاصة أولى بالصحة. وقال الشافعي: لا يصح؛ فإذا دعت الحاجة إلى ذلك فالحيلة في جوازه أن يوكّله مطلقًا ثم يعلِّق التصرف على شرط فيصح. ولا يظهر فرقٌ فقهي بين امتناع هذا وجواز هذا، والمقصود من التوكيل التصرف، والتوكيل وسيلة إليه؛ فإذا صح تعليق الغاية فتعليق الوسيلة أولى بالصحة.
المثال الرابع والخمسون: إذا رُفِع (٢) إلى الإمام وادُّعِيَ عليه أنه زنى، فخاف إن أنكر أن تقوم عليه البينة فيُحدّ؛ فالحيلة (٣) في إبطال شهادتهم أن يقرَّ إذا سئل مرة واحدة، ولا يزيد عليها؛ فلا تُسمع البينة مع الإقرار. وليس للحاكم ولا للإمام أن يقرِّره تمامَ النصاب، بل إذا سكت لم يَعرِض له.
فإن كان الإمام ممن يرى وجوب الحدّ بالمرة الواحدة؛ فالحيلة أن يرجع عن إقراره فيسقط عنه الحدُّ؛ فإذا خاف (٤) من إقامة البينة عليه أقرَّ أيضًا ثم رجع، وهكذا أبدًا. وهذه الحيلة جائزة؛ فإنه يجوز له دفع الحدِّ عن نفسه، وأن يُخلدِ إلى التوبة، كما قال النبي ﷺ للصحابة لما فرَّ ماعز من الحد: «هلَّا تركتموه يتوبُ فيتوبُ الله عليه» (٥)، فإذا فرَّ من الحد إلى التوبة فقد أحسن.
стр. 2169
المثال الخامس والخمسون: إذا حلف لغادر أو جاسوس أو سارق أن لا يخبر به أحدًا، ولا يدلّ عليه؛ فأراد التخلُّص [١٢٦/ب] من هذه اليمين وأن لا يُخفيه؛ فالحيلة أن يسأل عن أقوام هو من جملتهم؛ فإذا سئل عن غيره قال: لا، فإذا انتهت النوبة إليه سكت؛ فإنه لا يحنث ولا يأثم بالستر عليه وإيوائه.
وسئل أبو حنيفة ﵀ عن هذه المسألة بعينها، قال له السائل: نزل بي اللصوص؛ فأخذوا مالي واستحلفوني بالطلاق أن لا أُخبر أحدًا بهم؛ فخرجتُ فرأيتهم يبيعون متاعي في السوق جهرةً. فقال له: اذهبْ إلى الوالي فقل له يجمع أهل المحلَّة أو السِّكَّة الذين هم فيهم ثم يُحضِرهم ثم يسألك (١) عنهم واحدًا واحدًا؛ فإذا سألك عمن ليس منهم، فقل: ليس منهم، وإذا سألك عمن هو منهم فاسكتْ. ففعل الرجل؛ فأخذ الوالي متاعه منهم، وسلَّمه إليه (٢). فلو عُمِلت هذه الحيلة مع مظلوم لم تنفع، وحنث الحالف؛ فإن المقصود الدفع عنه، وبالسكوت قد أعانَ عليه، ولم يدفع عنه.
المثال السادس والخمسون: ما سئل عنه أبو حنيفة ﵀ عن امرأة قال لها زوجها: أنت طالق إن سألتِني الخلعَ إن لم أخلعك، وقالت المرأة: كل مملوك لي حرٌّ إن لم أسألك الخلعَ اليوم؛ فجاء الزوج إلى أبي حنيفة فقال: أَحضِر المرأة؛ فأحضرها، فقال لها أبو حنيفة: سليه الخلعَ، فقالت: سألتك أن تخلعني (٣)، فقال له: قل لها قد خلعتُك على ألف درهم تُعطينها، فقال
стр. 2170
ذلك، فقال لها قولي: لا أقبل، فقالت ذلك، فقال: قومي مع زوجك فقد برَّ كل واحدٍ منكما ولم يحنَثْ في شيء، ذكرها محمد بن الحسن في كتاب «الحيل» (١) له.
وإنما تتمُّ هذه الحيلة على الوجه الذي ذكره؛ فلو قالت له: «أسألك الخلعَ على ألف درهم حالَّةً أو إلى شهرٍ» فقال: «قد خلعتك على ذلك» وقع الخلع؛ بخلاف ما إذا قالت له (٢): «اخلعني» قال: «خلعتك على ألف» فإن هذا لا يكون خلعًا حتى تقبل وترضى، وهي لم ترضَ بالألف؛ فلا يقع الخلع.
فإن قيل: فكيف يبرأ إذا لم يقع الخلع؟
قيل: هو إنما حلف على فعله لا على قبولها؛ فإذا قال: «قد خلعتك على ألفٍ» فقد وُجِد الخلع من جهته؛ فانحلَّت يمينه، ولم يقف حِلُّ اليمين على قبولها، كما إذا حلف لا يبيع، فباع، ولم يقبل المشتري، ولا نيةَ له؛ فإنه يحنث.
المثال السابع والخمسون: ما ذكره محمد في كتابه (٣) أيضًا عنه أنه أتاه أخوان قد تزوَّجا بأختين؛ فزُفَّتْ كل امرأة منهما إلى زوج أختها؛ فدخل بها ولم يعلم، ثم علم الحال لما أصبحا؛ فذكرا له ذلك، وسألاه المخرج، فقال لهما: كلٌّ منكما راضٍ بالتي دخل بها؟ فقال: نعم، فقال: ليطلِّق كلٌّ منكما امرأته التي عقد عليها تطليقةً؛ ففعلا، فقال: ليعقِدْ كلٌّ منكما على المرأة التي
стр. 2171
دخل بها، ففعلا، فقال: ليمضِ كلٌّ منكما (١) إلى أهله.
وهذه الحيلة في غاية اللطف؛ فإن المرأة التي دخل بها كلٌّ منهما قد وطئها بشبهة؛ فله أن ينكحها في عدتها؛ فإنه لا يصان ماؤه عن مائه، وأمره أن يطلِّق واحدة فإنه لم يدخل بالتي طلَّقها فالواحدة تُبِينها، ولا عدةَ عليها منه، فللآخر أن يتزوَّجها.
المثال الثامن والخمسون: إذا تزوَّجت المرأة فخافت (٢) أن يسافر عنها الزوج ويَدَعها، أو يسافر بها ولا تريد الخروج من دارها، أو أن يتزوَّج عليها أو يتسرَّى، أو يشرب [١٢٧/أ] المسكر، أو يضربها من غير جُرمٍ، أو تبيَّن فقيرًا وقد ظنته غنيًّا، أو مَعيبًا وقد ظنته سليمًا، أو أميًّا وقد ظنته قارئًا، أو جاهلًا وقد ظنته عالمًا، ونحو ذلك، فلا يُمكنها التخلُّص؛ فالحيلة لها في ذلك كله أن تشترط عليه أنه متى وُجِد شيء من ذلك فأمرُها بيدها، إن شاءت أقامت معه (٣) وإن شاءت فارقتْه، وتُشهِد عليه بذلك. فإن خافتْ أن لا تشترط ذلك بعد لزوم العقد فلا يمكنها إلزامه بالشرط فلا تأذن لوليها أن يزوِّجها منه إلا على هذا الشرط، فيقول: زوَّجتكما على أن أمرها بيدها إن كان الأمر كيت وكيت؛ فمتى كان الأمر كذلك ملكتْ تطليقَ نفسها. ولا بأس بهذه الحيلة، فإن المرأة تتخلص بها من نكاح من لم ترضَ بنكاحه (٤)، وتستغني بها عن رفع أمرها إلى الحاكم ليفسخ بالغيبة والإعسار وغيرهما. والله أعلم.
стр. 2172
المثال التاسع والخمسون: يصح ضمان ما لم يجب كقوله: «ما أعطيتَ لفلان فهو عليَّ» عند الأكثرين، كما دلَّ عليه القرآن في قول (١) مؤذِّن يوسف: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، والمصلحة تقتضي ذلك، بل قد تدعو إليه الحاجة أو الضرورة. وعند الشافعي لا يجوز، وسلَّم جوازه إذا تبين سبب وجوبه كدرك المبيع.
والحيلة في جوازه على هذا القول أنه إذا رضي بأن يلتزم عنه مقدارًا لم يجب عليه بعد أن يقرَّ المضمون عنه به للدافع ثم يضمنه عنه الضامن. فإن خشي المقرُّ أن يطالبه المقرُّ له بذلك ولا يدفعه إليه، فالحيلة أن يقول: هو عليَّ من ثمن مبيعٍ لم أقبضه. فإن تحرَّج من الإخبار بالكذب فالحيلة أن يبيعه ما يريد أخذه منه بالمبلغ الذي التزم الضامن أداءه، فإذا صار في ذمته ضمنه عنه.
وهكذا الحكم إذا زوَّج ابنه أو عبده أو أجيره وضمن للمرأة نفقتها وكسوتها، فالصحيح في هذا كله جواز الضمان، والحاجة تدعو إليه، ولا محذورَ فيه، وليس بعقد معاوضةٍ فتؤثِّر فيه الجهالة، وعقود الالتزام (٢) لا تؤثِّر فيها الجهالة كالنذر، ثم يمكن رفع الجهالة بأن يحدَّ له حدًّا فيقول: من درهمٍ إلى كذا وكذا.
فإن قيل: ما بين الدرهم والغاية مجهول لا يدري كم (٣) يلزمه منه.
стр. 2173
قيل: لا يقدح ذلك في جواز الالتزام؛ لأنه يتبين في الآخرة (١) كم هو الواجب منه، ثم لو أقرَّ بذلك فقال: «له عليَّ ما بين درهمٍ إلى ألف» صح؛ فهكذا إذا قال: «ضمِنتُ عنه ما بين درهمٍ إلى ألف».
فإن قيل: الضامن فرعٌ على المضمون عنه، فإذا كان الأصل لم يثبت في ذمته شيء فعلى أي شيء ينبني الضمان ويتفرَّع؟
قيل: إنما يصير ضامنًا إذا ثبت في ذمة المضمونِ عنه، وإلا في الحال فليس هو ضامنًا. وإن صح أن يقال: «هو ضامن بالقوة» ففي الحقيقة هو ضمان معلَّق على شرط، وذلك جائز، والله أعلم.
المثال الستون: إذا سبق لسانه بما يؤاخَذ به في الظاهر ولم يُرِد معناه، أو أراده ثم [١٢٧/ب] رجع عنه وتاب منه، أو خاف أن يَشهد عليه به شهودُ زورٍ ولم يتكلم به، فرُفِع إلى الحاكم وادُّعِي عليه به، فإن أنكر شهدوا عليه، وإن أقرَّ حكم عليه، ولا سيما إن كان لا يرى قبول التوبة من ذلك؛ فالحيلة في الخلاص أن لا يُقرَّ به ولا يُنكر، فيشهد عليه الشهود، بل يكفيه في الجواب أن يقول: «إن كنتُ قلته فقد رجعتُ عنه، وأنا تائب إلى الله منه»، وليس للحاكم بعد ذلك أن يقول: لا أكتفي منك بهذا الجواب، بل لا بدَّ من الإقرار أو الإنكار، فإن هذا جواب كافٍ (٢) في مثل هذه الدعوى، وتكليفُه بعد ذلك خُطَّة الخَسْف بالإقرارِ وقد يكون كاذبًا فيه، أو الإنكارِ وقد تاب منه بينه وبين الله تعالى، فيشهد عليه الشهود= ظلمٌ وباطل؛ فلا يحلُّ للحاكم أن يسأله بعد هذا هل وقع منه ذلك أو لم يقع.
стр. 2174
بل أبلغُ من هذا لو شهد عليه بالردّة فقال: «لم أزلْ أشهد أن لا إله لا الله وأن محمدًا رسول الله منذ عقلتُ وإلى الآن» لم يُستكشَف عن شيء، ولم يُسأل لا هو (١) ولا الشهود عن سبب ردّته، كما ذكره الخرقي في «مختصره» (٢) وغيرُه من أصحاب الشافعي، فإذا ادُّعي عليه بأنه قال كذا وكذا فقال: «إن كنتُ قلته فأنا تائبٌ إلى الله منه» أو «قد تبتُ منه» اكتُفِي منه (٣) بهذا الجواب، ولم يُكشَف عن شيء بعد ذلك.
فإن قيل: هذا تعليق للتوبة أو الإسلام بالشرط، ولا يصح تعليقه بشرط.
قيل: هذا من قلة فقه مُورِده؛ فإن التوبة لا تصح إلا على هذا الشرط، تلفَّظ به أو لم يتلفَّظ به (٤)، وكذلك تجديد الإسلام لا يصح إلا بشرط أن يوجد ما يناقضه، فتلفُّظه بالشرط تأكيدٌ لمقتضى عقدِ التوبة والإسلام. وهذا كما إذا قال: «إن كان (٥) هذا ملكي فقد بعتُك إياه» فهل يقول أحد: إن هذا بيع معلَّق بشرط فلا يصح؟ وكذلك إذا قال: «إن كانت هذه امرأتي فهي طالق» لا يقول أحد: إنه طلاق معلَّق، ونظائره أكثر من أن تُذكر.
وقد شرع الله لعباده التعليق بالشروط في كل موضع يحتاج إليه العبد، حتى بينه وبين ربه، كما قال النبي ﷺ لضُباعة بنت الزبير وقد شكت إليه
стр. 2175
وقتَ الإحرام، فقال: «حُجِّي واشترِطي على ربكِ فقولي: إن حبسني حابسٌ فمحلِّي حيث حبستَني، فإن لكِ ما شرطتِ على ربك» (١). فهذا شرطٌ مع الله في العبادة، وقد شرعه على لسان رسوله لحاجة الأمة إليه، ويفيد شيئين: جواز التحلل، وسقوط الهدي.
وكذلك الداعي بالخِيَرة يشترط على ربه في دعائه، فيقول: «اللهم إن كان هذا الأمر خيرًا (٢) لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدُرْه لي ويسِّره لي» (٣)، فيعلِّق طلب الإجابة بالشرط لحاجته إلى ذلك لخفاء المصلحة عليه.
وكذلك النبي ﷺ اشترط على ربه أيُّما رجلٍ سبَّه أو لعنَه وليس لذلك (٤) بأهل أن يجعلها كفارةً له وقربةً يقرِّبه بها إليه (٥)، وهذا تعليق للمدعو به بشرط الاستحقاق.
وكذلك المصلِّي [١٢٨/أ] على الميت شُرع له تعليق الدعاء بالشرط، فيقول: اللهم أنت أعلمُ بسرِّه وعلانيته، إن كان محسنًا فتقبَّل حسناتِه، وإن