← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

دخل بها، ففعلا، فقال: ليمضِ كلٌّ منكما (١) إلى أهله. وهذه الحيلة في غاية اللطف؛ فإن المرأة التي دخل بها كلٌّ منهما قد وطئها بشبهة؛ فله أن ينكحها في عدتها؛ فإنه لا يصان ماؤه عن مائه، وأمره أن يطلِّق واحدة فإنه لم يدخل بالتي طلَّقها فالواحدة تُبِينها، ولا عدةَ عليها منه، فللآخر أن يتزوَّجها. المثال الثامن والخمسون: إذا تزوَّجت المرأة فخافت (٢) أن يسافر عنها الزوج ويَدَعها، أو يسافر بها ولا تريد الخروج من دارها، أو أن يتزوَّج عليها أو يتسرَّى، أو يشرب [١٢٧/أ] المسكر، أو يضربها من غير جُرمٍ، أو تبيَّن فقيرًا وقد ظنته غنيًّا، أو مَعيبًا وقد ظنته سليمًا، أو أميًّا وقد ظنته قارئًا، أو جاهلًا وقد ظنته عالمًا، ونحو ذلك، فلا يُمكنها التخلُّص؛ فالحيلة لها في ذلك كله أن تشترط عليه أنه متى وُجِد شيء من ذلك فأمرُها بيدها، إن شاءت أقامت معه (٣) وإن شاءت فارقتْه، وتُشهِد عليه بذلك. فإن خافتْ أن لا تشترط ذلك بعد لزوم العقد فلا يمكنها إلزامه بالشرط فلا تأذن لوليها أن يزوِّجها منه إلا على هذا الشرط، فيقول: زوَّجتكما على أن أمرها بيدها إن كان الأمر كيت وكيت؛ فمتى كان الأمر كذلك ملكتْ تطليقَ نفسها. ولا بأس بهذه الحيلة، فإن المرأة تتخلص بها من نكاح من لم ترضَ بنكاحه (٤)، وتستغني بها عن رفع أمرها إلى الحاكم ليفسخ بالغيبة والإعسار وغيرهما. والله أعلم.

стр. 2172

المثال التاسع والخمسون: يصح ضمان ما لم يجب كقوله: «ما أعطيتَ لفلان فهو عليَّ» عند الأكثرين، كما دلَّ عليه القرآن في قول (١) مؤذِّن يوسف: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، والمصلحة تقتضي ذلك، بل قد تدعو إليه الحاجة أو الضرورة. وعند الشافعي لا يجوز، وسلَّم جوازه إذا تبين سبب وجوبه كدرك المبيع. والحيلة في جوازه على هذا القول أنه إذا رضي بأن يلتزم عنه مقدارًا لم يجب عليه بعد أن يقرَّ المضمون عنه به للدافع ثم يضمنه عنه الضامن. فإن خشي المقرُّ أن يطالبه المقرُّ له بذلك ولا يدفعه إليه، فالحيلة أن يقول: هو عليَّ من ثمن مبيعٍ لم أقبضه. فإن تحرَّج من الإخبار بالكذب فالحيلة أن يبيعه ما يريد أخذه منه بالمبلغ الذي التزم الضامن أداءه، فإذا صار في ذمته ضمنه عنه. وهكذا الحكم إذا زوَّج ابنه أو عبده أو أجيره وضمن للمرأة نفقتها وكسوتها، فالصحيح في هذا كله جواز الضمان، والحاجة تدعو إليه، ولا محذورَ فيه، وليس بعقد معاوضةٍ فتؤثِّر فيه الجهالة، وعقود الالتزام (٢) لا تؤثِّر فيها الجهالة كالنذر، ثم يمكن رفع الجهالة بأن يحدَّ له حدًّا فيقول: من درهمٍ إلى كذا وكذا. فإن قيل: ما بين الدرهم والغاية مجهول لا يدري كم (٣) يلزمه منه.

стр. 2173

قيل: لا يقدح ذلك في جواز الالتزام؛ لأنه يتبين في الآخرة (١) كم هو الواجب منه، ثم لو أقرَّ بذلك فقال: «له عليَّ ما بين درهمٍ إلى ألف» صح؛ فهكذا إذا قال: «ضمِنتُ عنه ما بين درهمٍ إلى ألف». فإن قيل: الضامن فرعٌ على المضمون عنه، فإذا كان الأصل لم يثبت في ذمته شيء فعلى أي شيء ينبني الضمان ويتفرَّع؟ قيل: إنما يصير ضامنًا إذا ثبت في ذمة المضمونِ عنه، وإلا في الحال فليس هو ضامنًا. وإن صح أن يقال: «هو ضامن بالقوة» ففي الحقيقة هو ضمان معلَّق على شرط، وذلك جائز، والله أعلم. المثال الستون: إذا سبق لسانه بما يؤاخَذ به في الظاهر ولم يُرِد معناه، أو أراده ثم [١٢٧/ب] رجع عنه وتاب منه، أو خاف أن يَشهد عليه به شهودُ زورٍ ولم يتكلم به، فرُفِع إلى الحاكم وادُّعِي عليه به، فإن أنكر شهدوا عليه، وإن أقرَّ حكم عليه، ولا سيما إن كان لا يرى قبول التوبة من ذلك؛ فالحيلة في الخلاص أن لا يُقرَّ به ولا يُنكر، فيشهد عليه الشهود، بل يكفيه في الجواب أن يقول: «إن كنتُ قلته فقد رجعتُ عنه، وأنا تائب إلى الله منه»، وليس للحاكم بعد ذلك أن يقول: لا أكتفي منك بهذا الجواب، بل لا بدَّ من الإقرار أو الإنكار، فإن هذا جواب كافٍ (٢) في مثل هذه الدعوى، وتكليفُه بعد ذلك خُطَّة الخَسْف بالإقرارِ وقد يكون كاذبًا فيه، أو الإنكارِ وقد تاب منه بينه وبين الله تعالى، فيشهد عليه الشهود= ظلمٌ وباطل؛ فلا يحلُّ للحاكم أن يسأله بعد هذا هل وقع منه ذلك أو لم يقع.

стр. 2174

بل أبلغُ من هذا لو شهد عليه بالردّة فقال: «لم أزلْ أشهد أن لا إله لا الله وأن محمدًا رسول الله منذ عقلتُ وإلى الآن» لم يُستكشَف عن شيء، ولم يُسأل لا هو (١) ولا الشهود عن سبب ردّته، كما ذكره الخرقي في «مختصره» (٢) وغيرُه من أصحاب الشافعي، فإذا ادُّعي عليه بأنه قال كذا وكذا فقال: «إن كنتُ قلته فأنا تائبٌ إلى الله منه» أو «قد تبتُ منه» اكتُفِي منه (٣) بهذا الجواب، ولم يُكشَف عن شيء بعد ذلك. فإن قيل: هذا تعليق للتوبة أو الإسلام بالشرط، ولا يصح تعليقه بشرط. قيل: هذا من قلة فقه مُورِده؛ فإن التوبة لا تصح إلا على هذا الشرط، تلفَّظ به أو لم يتلفَّظ به (٤)، وكذلك تجديد الإسلام لا يصح إلا بشرط أن يوجد ما يناقضه، فتلفُّظه بالشرط تأكيدٌ لمقتضى عقدِ التوبة والإسلام. وهذا كما إذا قال: «إن كان (٥) هذا ملكي فقد بعتُك إياه» فهل يقول أحد: إن هذا بيع معلَّق بشرط فلا يصح؟ وكذلك إذا قال: «إن كانت هذه امرأتي فهي طالق» لا يقول أحد: إنه طلاق معلَّق، ونظائره أكثر من أن تُذكر. وقد شرع الله لعباده التعليق بالشروط في كل موضع يحتاج إليه العبد، حتى بينه وبين ربه، كما قال النبي ﷺ لضُباعة بنت الزبير وقد شكت إليه

стр. 2175

وقتَ الإحرام، فقال: «حُجِّي واشترِطي على ربكِ فقولي: إن حبسني حابسٌ فمحلِّي حيث حبستَني، فإن لكِ ما شرطتِ على ربك» (١). فهذا شرطٌ مع الله في العبادة، وقد شرعه على لسان رسوله لحاجة الأمة إليه، ويفيد شيئين: جواز التحلل، وسقوط الهدي. وكذلك الداعي بالخِيَرة يشترط على ربه في دعائه، فيقول: «اللهم إن كان هذا الأمر خيرًا (٢) لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدُرْه لي ويسِّره لي» (٣)، فيعلِّق طلب الإجابة بالشرط لحاجته إلى ذلك لخفاء المصلحة عليه. وكذلك النبي ﷺ اشترط على ربه أيُّما رجلٍ سبَّه أو لعنَه وليس لذلك (٤) بأهل أن يجعلها كفارةً له وقربةً يقرِّبه بها إليه (٥)، وهذا تعليق للمدعو به بشرط الاستحقاق. وكذلك المصلِّي [١٢٨/أ] على الميت شُرع له تعليق الدعاء بالشرط، فيقول: اللهم أنت أعلمُ بسرِّه وعلانيته، إن كان محسنًا فتقبَّل حسناتِه، وإن

стр. 2176

كان مسيئًا فتجاوزْ عن سيئاته (١)؛ فهذا طلبٌ للتجاوز عنه بشرطه، فكيف يُمنع تعليق التوبة بالشرط؟ وقال شيخنا: كان يُشكل عليَّ أحيانًا حالُ من أصلي عليه من الجنائز، هل هو مؤمن أو منافق؟ فرأيت رسول الله ﷺ في المنام فسألته عن مسائل عديدة منها هذه المسألة، فقال: يا أحمد الشرطَ الشرطَ، أو قال: علِّق الدعاء بالشرط. وكذلك أرشد أمته ﷺ إلى تعليق الدعاء بالحياة والموت بالشرط، فقال: «لا يتمنَّى أحدكم الموتَ لِضرٍّ نزل به، ولكن ليقلْ: اللهم أَحيِني إذا كانت الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» (٢). وكذلك قوله في الحديث الآخر: «وإذا أردتَ بعبادك فتنةً فتوفَّني إليك غيرَ مفتونٍ» (٣). وقال: «المسلمون عند شروطهم، إلا شرطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا» (٤). وتعليق العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات وغيرها بالشروط أمر قد تدعو إليه الضرورة أو الحاجة أو المصلحة؛ فلا يستغني عنه المكلَّف. وقد صح تعليق النذر بالشرط بالإجماع ونص الكتاب (٥)، وتعليق الضمان

стр. 2177

بالشرط بنص القرآن (١)، وتعليق النكاح بالشرط (٢) في تزويج موسى بابنة صاحب مدين وهو من أصح نكاحٍ على وجه الأرض، ولم يأتِ في شريعتنا ما ينسخه، بل أتت مقرِّرةً له، كقوله ﷺ : «إنّ أحقَّ الشروط أن تُوفوا به ما استحللتم به الفروج» (٣)، فهذا صريح في أن حل الفرج بالنكاح قد يعلَّق على شرط، ونصَّ الإمام أحمد على جواز تعليق النكاح بالشرط، وهذا هو الصحيح، كما يعلق الطلاق والجعالة والنذر وغيرها من العقود. وعلَّق أمير المؤمنين عمر ﵁ عقد المزارعة بالشرط، فكان يدفع أرضه إلى من يعمل عليها على أنه إن جاء عمر بالبذر فله كذا وإن جاء العامل بالبذر (٤) فله كذا، ذكره البخاري (٥)، ولم يخالفه صاحب. ونصَّ الإمام أحمد على جواز تعليق البيع بالشرط في قوله: إن بعت هذه الجارية فأنا أحقُّ بها بالثمن، واحتج بأنه قول ابن مسعود (٦). ورهنَ

стр. 2178

الإمام أحمد نعله وقال للمرتهن: إن جئتك بالحق إلى كذا وإلا فهو لك. وهذا بيعٌ بشرط، فقد فعله وأفتى به. وكذلك تعليق الإبراء بالشرط، نصَّ على جوازه فعلًا منه، فقال لمن اغتابه ثم استحلَّه: «أنت في حلٍّ إن لم تَعُد»، فقال له الميموني: قد اغتابك وتحلِّله؟ فقال: ألم ترني قد اشترطتُ عليه أن لا يعود؟ والمتأخرون من أصحابه يقولون: لا يصح تعليق الإبراء بالشرط، وليس ذلك موافقًا لنصوصه ولا لأصوله. وقد علَّق النبي ﷺ ولاية الإمارة بالشرط (١)، وهذا تنبيه على تعليق ولاية الحكم وكل ولاية، وعلى تعليق الوكالة الخاصة والعامة. وقد علَّق أبو بكر تولية عمر ﵁ بالشرط (٢)، ووافقه عليه سائر الصحابة فلم ينكره منهم رجل واحد. وقال النبي ﷺ : «من باع نخلًا قد أُبِّرت فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها [١٢٨/ب] المبتاع» (٣)، فهذا اشتراطٌ خلاف مقتضى العقد المطلق، وقد

стр. 2179

جوَّزه الشارع (١). وقال: «من باع عبدًا وله مالٌ فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع» (٢). وفي «السنن» (٣) عنه: «من أعتق عبدًا وله مالٌ فمال العبد له، إلا أن يشترطه السيد». وفي «السنن» و «المسند» (٤) عن سَفِينة قال: كنت مملوكًا لأم سلمة، فقالت: أعتقتك، واشترطتُ عليك أن تخدم رسول الله ﷺ ما عشتَ، فقلتُ: إن لم تشترطي عليَّ ما فارقتُ رسول الله ﷺ ما عشتُ، فأعتقتْني واشترطتْ عليَّ.

стр. 2180

وذكر البخاري في «صحيحه» (١) عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: مقاطع الحقوق عند الشروط ولك ما شرطتَ. وقال البخاري في باب الشروط في القرض (٢): وقال ابن عمر وعطاء: إذا أجَّله في القرض جاز.

стр. 2181

وقال في باب ما يجوز من الاشتراط والثُّنيا في الإقرار والشروط التي يتعارفها الناس بينهم (١): وقال ابن عون عن ابن سيرين قال: قال رجلٌ لكَرِيِّه: أَرحِلْ (٢) رِكابَك، فإن لم أرحَلْ معك يومَ كذا وكذا فلك مائة درهم، فلم يخرج، فقال شريح: من شرطَ على نفسه طائعًا غيرَ مُكْرهٍ فهو عليه (٣). وقال أيوب عن ابن سيرين: إن رجلًا باع طعامًا وقال: إن لم آتِك الأربعاءَ فليس بيني وبينك بيعٌ (٤)، فقال للمشتري: أنت أخلفتَه، فقضى عليه (٥). وقال في باب الشروط في المهر (٦): وقال المِسْوَر: سمعت رسول الله ﷺ ذكر صِهْرًا له فأثنى عليه في مصاهرته فأحسنَ، فقال: «حدَّثني فصَدَقني، ووعدني فوَفَى لي». ثم ذكر فيه حديث: «أحقُّ الشروط أن تُوفوا به ما استحللتم به الفُروجَ» (٧). وقال في كتاب الحرث (٨): وعاملَ عمرُ الناسَ على إن جاء عمر بالبذر

стр. 2182

من عنده فله (١) الشطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا (٢). وهذا صريح في جواز: «إن خِطْتَه اليومَ فلك كذا، وإن خِطْتَه غدًا فلك كذا»، وفي جواز: «بعتُكه بعشرةٍ نقدًا أو بعشرين نسيئةً»، فالصواب جواز هذا كله للنص والآثار والقياس. وقال جابر: بعتُ رسولَ الله ﷺ بعيرًا، واشترطتُ حُملانَه إلى أهلي (٣). وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن فرُّوخ عن نافع بن عبد الحارث عاملِ عمرَ على مكة أنه اشترى من صفوان بن أمية دارًا لعمر بن الخطاب بأربعة آلاف درهم، واشترط عليه نافع إن رضي عمر فالبيع له، وإن لم يرضَ فلصفوانَ أربعُ مائة درهم (٤). ومن هاهنا قال أحمد: لا بأس ببيع العربون؛ لأن عمر فعله، وأجاز هذا البيعَ والشرطَ فيه مجاهد (٥) ومحمد بن سيرين (٦) وزيد بن أسلم (٧)

стр. 2183

ونافع بن عبد الحارث، وقال أبو عمر (١): وكان زيد بن أسلم يقول: أجازه رسول الله ﷺ . وذكر الإمام أحمد أن محمد بن مَسلمة الأنصاري اشترى من نَبطيٍّ حُزمةَ حطبٍ، واشترط عليه حمْلَها إلى قصر سعد (٢). واشترى عبد الله بن مسعود جارية من امرأته وشرطتْ عليه أنه إن باعها فهي لها بالثمن (٣). وفي ذلك اتفاقهما على صحة البيع والشرط، ذكره الإمام أحمد وأفتى به. والمقصود أن للشروط عند الشارع شأنًا ليس عند كثير من [١٢٩/أ] الفقهاء؛ فإنهم يُلغون شروطًا لم يُلغِها الشارع، ويُفسدون بها العقد من غير مفسدة تقتضي فساده، وهم متناقضون فيما يقبل التعليق بالشروط من العقود وما لا يقبله؛ ليس لهم ضابط مطَّرد منعكس يقوم عليه دليل؛ فالصواب الضابط الشرعي الذي دلَّ عليه النص أن كل شرط خالف حكم الله وكتابه فهو باطل، وما لم يخالف حكمه فهو لازم. يوضِّحه أن الالتزام بالشرط كالالتزام بالنذر، والنذر لا يَبطُل منه إلا ما خالف حكم الله، بل الشرط (٤) في حقوق العباد أوسعُ من النذر في حق الله،

стр. 2184

والالتزام به أوسع من الالتزام بالنذر. وإنما بُسِط القول في هذا؛ لأن باب الشروط يدفع أكثر حيل المتحيلين، ويجعل للرجل مخرجًا مما يخاف منه ومما (١) يضيق عليه؛ فالشرط الجائز بمنزلة العقد، بل هو عقد وعهد، وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقال: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧]. وهاهنا قضيتان كلّيتان من قضايا الشرع الذي بعث الله به رسوله. إحداهما: أن كل شرط خالف حكم الله وناقض كتابه فهو باطل كائنًا ما كان. والثانية: أن كل شرط لا يخالف حكمه ولا يناقض كتابه، وهو ما يجوز بذلُه وفعلُه بدون الشرط، فهو لازم بالشرط. ولا يُستثنى من هاتين القضيتين شيء (٢)، وقد دلَّ عليهما كتاب الله وسنة رسوله واتفاق الصحابة، ولا يُعبأ (٣) بالنقض (٤) بالمسائل المذهبية والأقوال الآرائية، فإنه لا يهدم قاعدة من قواعد الشرع؛ فالشروط في حق المكلفين كالنذر في حقوق رب العالمين، فكل طاعةٍ جاز فعلها قبل النذر لزمت بالنذر، وكذلك كل شرطٍ جاز بذله بدون الاشتراط لزم بالشرط، فمقاطعُ

стр. 2185

الحقوق عند الشروط. وإذا كان من علامات النفاق إخلاف الوعد وليس بمشروط، فكيف الوعد المؤكَّد بالشرط؟ بل ترك الوفاء بالشرط يدخل في الكذب والخُلف والخيانة والغدر، وبالله التوفيق. المثال الحادي والستون: إذا باعه جاريةً معيبة وخاف من ردِّها عليه بالعيب فليبيِّن له من (١) عيبها ويشهد أنه دخل عليه، فإن خاف ردَّها بعيب آخر لا يعلمه البائع فليعيِّن له عيوبًا يدخل في حكمها وأنه رضي بها كذلك، فإن كان العيب غير متصور ولا داخلٍ في جملة تلك العيوب فليقل: «وأنك رضيتَ بها بجملة ما فيها من العيوب التي تُوجِب الردّ» مقتصرًا على ذلك. ولا يقلْ: «وأنك أسقطتَ حقَّك من الردّ»، ولا: «أبرأتَني من كل دعوى تُوجب الردَّ»، ولا يبيعها بشرط البراءة من كل عيب؛ فإن هذا لا يُسقط الرد عند كثير من الفقهاء، وهي مسألة البيع بالبراءة من العيوب. وللشافعي فيها ثلاثة أقوال؛ أحدها: صحة البيع والشرط، والثاني: صحة البيع وفساد الشرط وأنه لا يبرأ من شيء من العيوب، والثالث: أنه يبرأ من العيوب الباطنة في الحيوان خاصة دون غيرها. والمشهور من مذهب مالك (٢) جواز العقد والشرط، وأنه يبرأ من جميع العيوب. وهل يعمُّ ذلك جميعَ المبيعات أو [١٢٩/ب] يخصّ بعضها؟

стр. 2186

فذكر ابن حبيب عن مالك وابن وهب أنه يعمُّ جميعَ المبيعات عرضًا كان المبيع أو حيوانًا. وعنه أنه يختص ببعض المبيعات. واختُلف عنه في تعيينه، فالذي في «الموطأ» (١) عنه أنه يختصُّ بالحيوان ناطقًا كان أو بهيمًا. والذي في «التهذيب» (٢) اختصاصه بناطق الحيوان. قالوا: وعلى المذهب في صحة ذلك مطلقًا، فبيع السلطان وبيع الميراث إذا علم أنه ميراثٌ جاري (٣) مجرى بيع البراءة وإن لم يشترط، وعلى هذا فإذا قال: أبيعك بيع الميراث لا قيام بعيب صحَّ ذلك ويكون بيع براءة؛ وفي الميراث لا يحتاج إلى ذكره. قالوا: وإذا قلنا إن البراءة تنفع فإنما منفعتها في امتناع الرد بعيب لم يعلم به البائع؛ وأما ما علم به البائع فإن شرط البراءة لا يمنع ردَّ المشتري به إذا لم يكن عالمًا به وقتَ العقد؛ فإذا ادعى المشتري علم البائع فأقرَّ أو نكلَ بعد توجُّه اليمين عليه توجَّه الرد عليه. قالوا: ولو ملك شيئًا ثم باعه قبل أن يستعمله بشرط البراءة لم ينفعه ذلك، حتى يستعمله ويستبرئه ثم يبيعه بشرط البراءة. قال في «التهذيب» (٤): في التجَّار يَقدَمون بالرقيق فيبيعونه بالبراءة ولم

стр. 2187

تطُلْ إقامة الرقيق عندهم: هؤلاء يريدون أن يذهبوا بأموال الناس باطلًا، لا تنفعهم البراءة. وقال عبد الملك وغيره: لا يشترط استعلامه ولا طولُ مقامه عنده، بل تنفعه البراءة كما تنفعه مع الطول والاستعلام. قالوا: وإذا كان في المبيع عيب يعلمه البائع بعينه فأدخله في جملة عيوب ليست موجودة، وتبرَّأ منها كلها، لم يبرأ منه حتى يُفرده بالبراءة ويعيِّن موضعه وجنسه ومقداره بحيث لا يبقى للمبتاع فيه قول. قالوا: وكذلك لو أراه العيب وشاهده لم يبرأ منه، إذا كان ظاهره لا يستلزم الإحاطة بباطنه وباطنُه فيه فساد آخر، كما إذا أراه دَبَرَةَ (١) البعير وشاهدها وهي مُنْغِلةٌ مفسدة، فلم يذكر له ما فيها من نَغَلٍ وغيره، ونظائر ذلك. قالوا: وكذلك لو أخبره أن به إباقًا أو سرقةً، وهو إباقٌ بعيدٌ أو سرقة عظيمة والمشتري يظنه يسيرًا، لم يبرأ حتى يبيّن له ذلك. قال أبو القاسم بن الكاتب: لا يختلف قول مالك في أن بيع السلطان بيع براءة على المفلس أو لقضاء ديون من تركة ميت بيع براءة أيضًا وإن لم يشترطها. قال: وإنما كان كذلك؛ لأنه حكم منه بالبيع، وبيع البراءة مختلف فيه، فإذا حكم السلطان بأحد أقوال العلماء لم تُردَّ قضيته عند من يرى خلاف رأيه فيما (٢) حكم به.

стр. 2188

وردّ ذلك عليه المازري وغيره، وقالوا: السلطان لم يتعرض في البيع إلى خلافٍ ولا وفاق، ولا قصد إلى حكمه يرفع النزاع، وقد حكى بعض الشيوخ الخلاف في بيع البراءة ولو تولّاه السلطان بنفسه. قال: وذلك لأن سحنون قال: وكان قول مالك القديم أن بيع السلطان وبيع الوارث لا قيامَ فيه بعيبٍ ولا بعهدة. قال: وهذا يدل على أن له قولًا آخر خلاف هذا. قال: ويدل عليه أن ابن القاسم [١٣٠/أ] قال: إذا بيع عبد على مفلس فإن للمشتري أن يردَّه بالعيب (١)، قال: والصواب أن بيع السلطان وبيع الورثة كغيرهما. قال المازري: أما بيع الورثة لقضاء ديونه وتنفيذ وصاياه فإن فيه الخلاف المشهور. قال: وأما ما باعوه لأنفسهم للانفصال من شركة بعضهم لبعض فملتحق ببيع الرجل مالَ نفسه بالبراءة، وكذلك من باع للإنفاق على مَن (٢) في ولايته. قلت: وقول المازري: «إن بيع السلطان لا تعرُّضَ فيه لحكمٍ» مبني على أصل، وهو أن الحاكم إذا عقد بنفسه عقدًا مختلَفًا فيه هل يكون بمنزلة حكمه به فيسوغ تنفيذه ولا يسوغ رده، أو لا يكون حكمًا منه به (٣) فيسوغ لحاكمٍ آخر خلافُه؟ وفي هذا الأصل قولان للفقهاء، وهما في مذهب أحمد وغيره. فهذا تقرير مذهب مالك في هذه المسألة. وأما مذهب أبي حنيفة: فإنه يصحِّح البيع والشرط، ولا يمكن المشتري

стр. 2189

من الردّ بعد اشتراط (١) البراءة العامة، سواء علم البائع العيب أو لم يعلمه، حيوانًا كان المبيعُ أو غيره، وتناظر في هذه المسألة أبو حنيفة وابن أبي ليلى، فقال ابن أبي ليلى: لا يبرأ إلا من عيب أشار إليه ووضع يده عليه (٢)، فقال أبو حنيفة: فلو أن امرأة من قريش باعت عبدًا زنجيًّا على ذَكَرِه عيبٌ أفتضع أصبعها على ذَكَرِه؟ فسكت ابن أبي ليلى. وأما مذهب الإمام أحمد فعنه ثلاث روايات (٣): إحداهن: أنه لا يبرأ بذلك، ولا يسقط حقُّ المشتري من الردّ بالعيب إلا من عيبٍ عيَّنه وعلم به المشتري. والثانية: أنه يبرأ مطلقًا. والثالثة: أنه يبرأ من كل عيبٍ لم يعلمه، ولا يبرأ من كل عيب عَلِمه حتى يعلم به المشتري. فإن صححنا البيع والشرط فلا إشكال، وإن أبطلنا الشرط فهل يبطل البيع أو يصح ويثبت الردّ؟ فيه وجهان، وإذا أثبتنا الردَّ وأبطلنا الشرط فللبائع الرجوع بالتفاوت الذي نقص من ثمن السلعة بالشرط الذي لم يسلم له؛ فإنه إنما باعها بذلك الثمن بناء على أن المشتري لا يردُّها عليه بعيب، ولو علم

стр. 2190

أن المشتري يتمكَّن من ردِّها لم يبعها بذلك الثمن؛ فله الرجوع بالتفاوت. وهذا هو العدل وقياس أصول الشريعة؛ فإن المشتري كما يرجع بالأَرْش عند فوات غرضه من سلامة المبيع فهكذا البائع يرجع بالتفاوت عند فوات غرضه من الشرط الذي أبطلناه عليه. والصحيح في هذه المسألة ما جاء عن الصحابة؛ فإن عبد الله بن عمر باع زيد بن ثابت عبدًا بشرط البراءة بثمان مائة درهم، فأصاب به زيدٌ عيبًا، فأراد ردَّه على ابن عمر، فلم يقبله، فترافعا إلى عثمان، فقال عثمان لابن عمر: تَحلِف أنك لم تعلم بهذا العيب، فقال: لا، فردَّه عليه، فباعه ابن عمر بألف درهم. ذكرها الإمام أحمد وغيره (١). وهذا اتفاقٌ منهم على صحة البيع وجواز شرط البراءة، واتفاقٌ من عثمان وزيد على أن البائع إذا علم بالعيب لم ينفعه شرط البراءة، وعلى أن المدَّعى عليه متى نكَلَ عن اليمين قُضي عليه بالنكول، ولم تُردَّ اليمين على المدعي. لكن هذا فيما إذا كان المدعى عليه منفردًا بمعرفة الحال، فإذا لم يحلف مع كونه عالمًا بصورة الحال قضي عليه بالنكول، وأما [١٣٠/ب] إذا كان المدعي هو المنفرد بالعلم بالحال أو كان مما لا يخفى عليه علمها رُدَّت عليه اليمين: فمثال الأول قضية ابن عمر هذه، فإنه هو العالم بأنه هل كان يعلم العيب

стр. 2191

أو لا يعلمه، بخلاف زيد بن ثابت، فإنه لا يعلم علم ابن عمر بذلك، ولا عدم علمه، فلا يُشرَع ردُّ اليمين (١) عليه. ومثال الثاني: إذا ادعى على وارث ميت أنه أقرض مورثه (٢) مائة درهم أو باعه سِلعةً ولم يقبضه ثمنها أو أودعه (٣) وديعة والوارث غائب لا يعلم ذلك، وسأل إحلافه، فنكل عن اليمين، لم يُقْضَ عليه بالنكول، ورُدَّت اليمين على المدعي؛ لأنه منفرد بعلم ذلك، فإذا لم يحلف لم يُقْضَ له. ومثال الثالث: إذا ادعى عليه أنه باعه أو آجرَه فنكلَ عن اليمين، حلف المدعي وقُضِي له، فإن لم يحلف لم يُقضَ له بنكول المدعى عليه؛ لأنه عالم بصحة ما ادعاه، فإذا لم يحلف ولم يقم له (٤) بينة لم يكن مجردُ نكولِ خصمِه مصححًا لدعواه. فهذا التحقيق أحسن ما قيل في مسألة النكول وردِّ اليمين، وعليه تدلُّ آثار الصحابة ويزول عنها الاختلاف، ويكون هذا في موضعه وهذا في موضعه. وعرف حذيفة (٥) جملًا له فادَّعاه، فنكلَ المدَّعى عليه، وتوجهت اليمين على حذيفة، فقال: أتُراني أترك جملي؟ فحلف بالله أنه ما باع ولا

стр. 2192

وهبَ (١). وقد ثبت تحليف المدَّعي إذا أقام شاهدًا واحدًا، والشاهد أقوى من النكول، فتحليفه مع النكول أولى. وقد شرع الله ورسوله تحليف المدَّعي في أيمان القسامة؛ لقوة جانبه باللَّوث، فتحليفه (٢) مع النكول أولى. وكذلك شرع تحليف الزوج في اللعان، وكذلك شرع تحليف المدعي إذا كان شاهد الحال يصدِّقه، كما إذا تداعيا متاع البيت أو تداعى النجّار والخيّاط آلة كل منهما، فإنه يُقضى لمن تدلُّ الحال على صحة دعواه مع يمينه. وقد رُوي في حديث مرفوع أن النبي ﷺ ردَّ اليمين على طالب الحق، ذكره الدارقطني وغيره (٣).

стр. 2193

وهذا محض الفقه والقياس؛ فإنه إذا نكَلَ قوِيَ جانب المدَّعي وظُنّ صدقه، فشُرِع اليمين في حقه؛ فإن اليمين إنما شُرعت في جانب المدَّعى عليه لقوة جانبه بالأصل. فإذا شهد الشاهد الواحد ضعُف هذا الأصل، ولم تتمكن قوته من الاستقلال، فقوِيَ جانب المدعي باليمين. وهكذا إذا نكلَ ضعُف أصل البراءة، ولم يكن النكول مستقلًّا بإثبات الدعوى؛ لجواز أن يكون لجهله بالحال، أو لتورُّعه عن اليمين، أو للخوف من عاقبة اليمين، أو لموافقة قضاء وقدرٍ؛ فيظنّ الظانّ أنه بسبب اليمين، أو لترفُّعه (١) عن ابتذاله باستحلاف خصمه له مع علمه بأنه لو حلف كان صادقًا، وإذا احتمل نكولُه هذه الوجوه لم يكن مستقلًّا؛ بل غايته أن يكون مقوِّيًا لجَنْبة المدعي فيُردُّ (٢) اليمين عليه. ولم تكن هذه المسألة مقصودةً، وإنما جرَّ إليها الكلام في أثر ابن عمر وزيد في مسألة البراءة. وقد عُلم حكم هذا الشرط، وأين ينتفع به البارُّ، وأين لا ينتفع به. وإن (٣) قيل: فهل ينفعه أن يشترط على [١٣١/أ] المشتري أنه متى ردَّه فهو حرٌّ أم لا ينفعه؟ وإذا خاف توكيله في الردّ استوثقَ منه بقوله: «متى رددته أو وكَّلت في رده»، فإن خاف من ردِّ الحاكم عليه حيث يردُّه بالشرع فلا يكون المشتري هو الرادّ ولا وكيله، بل الحاكم المنفِّذ للشرع، فاستوثق منه بقوله: «إذا ادَّعيت رده فهو حرٌّ»، فهنا تصعب الحيلة على الردّ، إلا على مذهب أبي ثور وأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد ــ وهو إجماع

стр. 2194

الصحابة ــ أن تعليق العتق متى قصد به الحضّ أو المنع فهو يمينٌ، حكمه حكم اليمين بالحج والصوم والصدقة، وحكمُ ما لو قال: «إن رددته فعليَّ أن أُعتقه» بل أولى بعدم (١) العتق، فإن هذا نذر قربة، ولكن إخراجه مُخرَجَ اليمين منع لزوم الوفاء به، مع أن الالتزام به أكثر من الالتزام بقوله: «فهو حرٌّ»، فكلُّ ما في التزام قوله: «فهو حرٌّ» فهو داخل في التزام: «فعليَّ أن أُعتقه» ولا ينعكس، فإن قوله: «فعليَّ أن أُعتقه» يتضمَّن وجوبَ الإعتاق وفعلَ العتق ووقوعَ الحرية. فإذا منع قصد الحضّ أو المنع وقوع ثلاثة أشياء فلأن يمنع وقوع واحد منها أولى وأحرى. وهذا لا جواب عنه. وهو مما يبيِّن (٢) فضل فقه الصحابة، وأن بين فقههم وفقهِ مَن بعدهم كما بينهم وبينهم، وحتى لو لم يصح ذلك عنهم لكان هذا محضَ القياس ومقتضى قواعد الشرع وأصوله من أكثر من عشرين وجهًا لا تخفى على متحرٍّ (٣) تتبعُها. ويكفي قول فقيه الأمة وحَبْرها وترجمان القرآن ابن عباس: «العتق ما ابتُغِي به وجهُ الله، والطلاق ما كان عن وَطَرٍ» (٤)، فتأمَّلْ هاتين الكلمتين الشريفتين الصادرتين عن علمٍ قد رسخ أسفله، وبَسَقَ (٥) أعلاه، وأينعَتْ ثمرته، وذُلِّلت للطالب قطوفُه، ثم حكِّم الكلمتين (٦) على أيمان

стр. 2195

الحالفين بالعتق والطلاق، هل تجد الحالف بهذا ممن يبتغي به (١) وجه الله والتقرُّب إليه بإعتاق هذا العبد؟ وهل تجد الحالف بالطلاق ممن له وَطَرٌ في طلاق زوجته؟ فرضي الله عن حَبْر الأمة، لقد شَفَتْ كلمتاه هاتان الصدورَ، وطبَّقتا المفصلَ، وأصابتا المَحَزَّ، وكانتا برهانًا على استجابة دعوة رسول الله ﷺ له أن يعلِّمه الله التأويل ويفقِّهه في الدين (٢). ولا (٣) يُوحِشنَّك من قد أقرَّ على نفسه هو وجميع أهل العلم أنه ليس من أولي العلم، فإذا ظَفِرتَ برجل من أولي العلم طالبٍ للدليل مُحكِّم له متبعٍ للحق حيث كان وأين كان ومع من كان زالت الوحشة وحصلت الألفة، ولو خالفك فإنه يخالفك ويعذرك، والجاهل الظالم يخالفك بلا حجة ويكفِّرك أو يبدِّعك بلا حجة، وذنبك رغبتُك عن طريقته الوخيمة وسيرتِه الذميمة، فلا تغترَّ بكثرة هذا الضرب، فإن الآلاف المؤلَّفة منهم لا يُعدَلون بشخص واحد من أهل العلم، والواحد (٤) من أهل العلم يُعدَل بمِلْء الأرض منهم. واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالِم صاحب الحق، وإن كان وحده، وإن خالفه أهل الأرض. قال عمرو بن ميمون الأودي: صحبتُ معاذًا باليمن، فما فارقته حتى واريتُه في التراب [١٣١/ب] بالشام، ثم صحبتُ مِن بعده أفقهَ الناس عبد الله بن مسعود، فسمعته يقول: عليكم

стр. 2196

بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة. ثم سمعته يومًا من الأيام وهو يقول: سيَلي عليكم ولاة يؤخِّرون الصلاة عن مواقيتها، فصلُّوا الصلاة لميقاتها فهي الفريضة، وصلُّوا معهم فإنها لكم نافلة. قال: قلتُ يا أصحاب محمد ما أدري ما تحدثون (١)، قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة وتحضُّني عليها ثم تقول لي (٢): صلِّ الصلاة وحدك وهي الفريضة، وصلِّ مع الجماعة وهي نافلة. قال: يا عمرو بن ميمون، قد كنتُ أظنُّك من أفقه أهل هذه القرية، تدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: إن جمهور الجماعة هم الذين فارقوا الجماعة، الجماعة (٣) ما وافق الحق وإن كنتَ وحدَك. وفي لفظ آخر: فضرب على فخذي وقال: ويحك، إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله . وقال نُعيم بن حماد: إذا فسدت الجماعةُ فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن يفسدوا، وإن كنت وحدَك، فإنك أنت الجماعة حينئذٍ. ذكرهما البيهقي (٤) وغيره.

стр. 2197

وقال بعض أئمة الحديث وقد ذُكر له السواد الأعظم، فقال: تدري مَن السواد الأعظم؟ هو محمد بن أسلم الطوسي وأصحابه (١). فمسخ المتخلفون (٢) الذين جعلوا السواد الأعظم والحجة والجماعة هم الجمهور، وجعلوهم (٣) عِيارًا على السنة، وجعلوا السنة بدعةً، والمعروف منكرًا، لقلة أهله وتفرُّدهم في الأعصار والأمصار، وقالوا: من شذَّ شذَّ الله به في النار. وما عرف المتخلفون أن الشاذَّ ما خالف الحق وإن كان عليه الناس كلهم إلا واحدًا منهم فهم الشاذُّون. وقد شذَّ الناس كلهم زمنَ أحمد بن حنبل إلا نفرًا يسيرًا (٤)؛ فكانوا هم الجماعة، وكانت القضاة حينئذٍ والمفتون والخليفة وأتباعه (٥) كلهم هم الشاذُّون، وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة. ولما لم يَحْمِل هذا عقول الناس قالوا للخليفة: يا أمير المؤمنين أتكون أنت وقضاتك ووُلاتك والفقهاء والمفتون كلهم على الباطل وأحمد وحدَه على الحق؟ فلم يتَّسع علمه لذلك؛ فأخذه بالسياط والعقوبة بعد الحبس الطويل. فلا إله إلا الله، ما أشبهَ الليلةَ بالبارحة! وهي السبيل المَهْيَع لأهل السنة والجماعة حتى يَلْقَوا ربَّهم، مضى عليها سلفهم، وينتظرها خلفهم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا

стр. 2198

عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (١). المثال الحادي والستون (٢): إذا وقعت الفرقة البائنة بين الزوجين لم تَجب لها عليه نفقة ولا سكنى بسنة (٣) رسول الله ﷺ الصحيحة الصريحة (٤)، فإن خاف أن ترفعه إلى حاكم يرى وجوب ذلك عليه (٥) فالحيلة أن يتغيَّب مدةَ العدة، فإذا رفعتْه بعد ذلك لم يحكم بها عليه؛ لأنها تسقط عنه (٦) بمضيِّ الزمان، كما يقوله الأكثرون في نفقة القريب، وكما هو متفق عليه في نفقة العبد والحيوان البهيم. ولا كراهةَ في هذه الحيلة؛ لأنها وسيلة إلى إسقاط ما أسقطه الله ورسوله، بخلاف الحيلة على إسقاط ما أوجبه الله، فهذه لون وتلك لون. فإن لم [١٣٢/أ] تُمكِنه الغَيبةُ وأمكنه أن يرفعها إلى حاكم يحكم بسقوط ذلك فعل. والحيلة في أن يتوصل إلى حكم الحاكم بذلك أن يُنشئ الطلاق أو يُقرّ به بحضرته، ثم يسأله الحكمَ بما يراه من سقوط النفقة والسكنى بهذه

стр. 2199

الفرقة، مع علمه باختلاف العلماء في ذلك. فإن بَدَرَتْه (١) إلى حاكمٍ يرى وجوبها فقد ضاقت عليه وجوه الحيل، ولم يبقَ له إلا حيلة واحدة، وهي دعواه أنها كانت بانتْ منه قبلَ ذلك بمدةٍ تزيد على انقضاء عدتها، وأنه نسي سببَ البينونة. وهذه الحيلة تدخل في قسم التوصُّل إلى الجائز بالمحظور، كما تقدم نظائره. المثال الثاني والستون: اختلف الفقهاء في الضمان، هل هو تعدد لمحل الحق وقيامٌ للضمين (٢) مقام المضمون عنه أو هو استيثاقٌ بمنزلة الرهن؟ على قولين، وهما روايتان عن مالك، يظهر أثرهما في مطالبة الضامن مع التمكُّن من مطالبة المضمون عنه. فمن قال بالقول الأول ــ وهم الجمهور ــ قالوا: لصاحب الحق مطالبةُ من شاء منهما على السواء. ومن قال بالقول الثاني قال: ليس له مطالبةُ الضامن إلا (٣) إذا تعذَّر عليه (٤) مطالبة المضمون عنه. واحتجَّ هؤلاء بثلاث حُجج: إحداها: أن الضامن فرع، والمضمون عنه أصل، وقاعدة الشريعة أن الفروع والأبدال لا يُصار إليها إلا عند تعذُّر الأصول، كالتراب في الطهارة، والصوم في كفارة اليمين، وشاهد الفرع مع شاهد الأصل. وقد اطَّرد هذا في ولاية النكاح واستحقاق الميراث، لا يلي فرعٌ مع أصله ولا يرِث معه.

стр. 2200

الحجة الثانية: أن الكفالة تَوثِقةٌ وحفظٌ للحق، فهي جارية مجرى الرهن، ولكن ذاك رهن عينٍ، وهي رهن ذمةٍ، أقامها الشارع مقامَ رهنِ الأعيان للحاجة إليها واستدعاء المصلحة لها، والرهن لا يُستوفى منه إلا مع تعذُّر الاستيفاء من الراهن، فكذا الضَّمين. ولهذا كثيرًا ما يقترن الرهن والضمين لتَواخِيهما وتَشابُههما وحصولِ الاستيثاق بكل منهما. الحجة الثالثة: أن الضامن في الأصل لم يُوضع لتعدد محلِّ الحق كما لم يوضع لنقله، وإنما وُضع ليحفظ صاحب الحق حقه من التَّوَى والهلاك، ويكون له محلٌّ يرجع إليه عند تعذُّر الاستيفاء من محله الأصلي (١)، ولم يَنصِب الضامنُ نفسَه لأن يطالبه المضمونَ له مع وجود الأصيل ويَسْرَتِه والتمكُّن من مطالبته. والناس يستقبحون هذا، ويعدُّون فاعلَه متعديًا، ولا يعذرونه بالمطالبة، حتى إذا تعذَّر عليه مطالبة الأصيل عذروه بمطالبة الضامن وكانوا عونًا له عليه. وهذا أمرٌ مستقر في فِطر الناس ومعاملاتهم، بحيث لو طالب الضامن والمضمون عنه إلى جانبه والدراهم في كُمِّه (٢) وهو متمكِّن من (٣) مطالبته لاستقبحوا ذلك غايةَ الاستقباح. وهذا القول في [١٣٢/ب] القوة كما ترى، وهو رواية ابن القاسم في الكتاب (٤) عن مالك. ولا ينافي هذا قولَ النبي ﷺ : «الزعيم غارمٌ» (٥) فإنه لا

стр. 2201

عمومَ له، ولا يدلُّ على أنه غارم في جميع الأحوال، ولهذا لو أدَّى الأصيل لم يكن غارمًا، ولحديث أبي قتادة في ضمان دَين الميت لتعذُّر مطالبة الأصيل (١). ولا يصح الاحتجاج بأن الضمان مشتقٌّ من «الضم»، فاقتضى لفظه ضمَّ إحدى الذمتين إلى الأخرى لوجهين: أحدهما: أن الضمّ من المضاعف، والضمان من «الضمن»، فمادتهما مختلفة ومعناهما مختلف وإن تشابها لفظًا ومعنًى في بعض الأمور. الثاني: أنه لو كان مشتقًّا من «الضم» فالضمُّ قدر مشترك بين ضمٍّ يطالب معه استقلالًا أو بدلًا، والأعمُّ لا يستلزم الأخصَّ. وإذا عُرِف هذا فأراد الضامن الدخول على هذا، فالحيلة أن يعلِّق الضمان بالشرط فيقول: إن تَوِيَ (٢) المال على الأصيل (٣) فأنا ضامن له. ولا يمتنع تعليق الضمان بالشرط، وقد صرَّح القرآن بتعليقه بالشرط، وهو محضُ القياس؛ فإنه التزامٌ، فجاز تعليقه بالشرط كالنذر، والمؤمنون عند شروطهم

стр. 2202

إلا شرطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا (١)، وهذا ليس واحدًا منهما، ومقاطعُ الحقوق عند الشروط. فإن خاف من قاصرٍ في الفقه غيرِ راسخ في حقائقه فليقل: «ضمِنتُ لك هذا الدين عند تعذُّر استيفائه ممن هو عليه»، فهذا ضمان مخصوص بحالة مخصوصة فلا يجوز إلزامه (٢) به في غيرها، كما لو ضمن الحال مؤجلًا أو ضمنه في مكان دون مكان. فإن خاف من إفساد هذا أيضًا فليُشهِد عليه أنه لا يستحق المطالبة له به إلا عند تعذُّر مطالبة الأصيل، وأنه متى طالبه أو ادَّعى عليه به مع قدرته على الأصيل كانت دعواه باطلة، والله أعلم. المثال الثالث والستون: قد تدعو الحاجة إلى أن يكون عقد الإجارة مبهمًا (٣) غير معين، مثاله أن يقول له: إن ركبتَ هذه الدابة إلى أرض كذا فلك عشرة، وإن ركبتَها إلى أرض كذا فلك خمسة عشر. أو يقول: إن خِطْتَ هذا القميصَ اليوم فلك درهم، وإن خِطْتَه غدًا فنصف درهم، وإن زرعتَ هذه الأرضَ حنطةً فأجرتُها مائة، أو شعيرًا فأجرتُها خمسون، ونحو ذلك؛ فهذا كله جائز صحيح، لا يدلُّ على بطلانه كتاب (٤) ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، بل هذه الأدلة تقتضي صحته، وإن كان فيه نزاع متأخر.

стр. 2203

فالثابت عن الصحابة الذي لا يُعلم عنهم فيه نزاعٌ جوازُه، كما ذكره البخاري في «صحيحه» (١) عن عمر أنه دفع أرضه إلى من يزرعها وقال: إن جاء عمر بالبَذْر من عنده فله كذا، وإن جاءوا بالبَذْر فلهم كذا. ولم يخالفه صحابي واحد، ولا محذورَ في ذلك ولا خطَرَ ولا غررَ، ولا أكلَ مالٍ [١٣٣/أ] بالباطل، ولا جهالةَ تعود إلى العمل ولا إلى العوض، فإنه لا يقع إلا معينًا، والخِيَرة إلى الأجير؛ أيَّ ذلك أحبَّ أن يستوفي فعلَ، فهو كما لو قال له: أيَّ ثوبٍ أخذتَه من هذه الثياب فثمنُه (٢) كذا، أو أيَّ دابةٍ ركبتَها فأجرتُها كذا، أو أجرةُ هذه الفرس كذا (٣) وأجرة هذا الحمار كذا، فأيَّهما شئتَ فخُذْه، أو ثمنُ هذا الثوب مائة وثمنُ هذا مائتان، ونحو ذلك مما ليس فيه غررٌ ولا جهالة ولا ربا ولا ظلم، فكيف تأتي الشريعة بتحريمه؟ وعلى هذا فلا يُحتاج إلى حيلة على فعله. وكثير من المتأخرين من أتباع الأئمة يُبطِل هذا العقد، فالحيلة على جوازه أن يقول: استأجرتُك لتَخِيْطَه اليومَ بدرهم، فإن خِطته غدًا فلك أجرةُ مثله نصف درهم. وكذا يقول: آجرتُك هذه الدابةَ إلى أرض كذا بعشرة، فإن ركبتَها إلى أرض كذا وكذا فعليك أجرةُ مثلها كذا وكذا. فإن خاف أن يكون يده يدَ عدوانٍ ضامنة فليقل: فإذا انقضت المسافة الأولى فهي أمانة عندك. هذا عند من لم يصحح الإجارة المضافة، ومن صحّحها فالحيلة عنده أن يقول: فإذا قطعتَ هذه المسافة فقد آجرتُكها إلى مسافة كذا وكذا، فإذا

стр. 2204

انتهتْ آجرتُكها إلى مسافة كذا وكذا (١). فإن خشي المستأجر أن ينقضي شغله قبل ذلك فيبقى عقدُ الإجارة لازمًا له وقد فرغ شغله، فالحيلة أن يقول: إذا انقضت المسافة أو المدة فقد وكَّلتُك في إجارتها لمن شئتَ، فليُؤْجِرها لغيره ثم يستأجرها منه. فإن خاف أن لا تتم هذه الحيلة على أصلِ من لا يجوِّز تعليق الوكالة بالشرط فليوكِّله في الحال وكالةً غير معلقة، ثم يعلِّق تصرفَه بالشرط، فيقول: أنت وكيلي في إجارتها، فإذا انقضت المدة فقد أذنتُ لك في إجارتها (٢). وقال القاضي أبو يعلى في كتاب «إبطال الحيل»: إن احتال في إجازة هذا الشرط فقال: استأجِرْها إلى دمشق بكذا، ومن دمشق إلى الرملة بكذا، ومن الرملة إلى مصر بكذا، جاز؛ لأنه إذا سمَّى لكل من المسافتين أجرة معلومة فكل واحدة منهما كالمعقود عليه على حاله، فلا يمنع صحة العقد. قلت: ولكن لا تنفعه هذه الحيلة إذا انقضى غرضه عند المسافة الأولى، ويبقى عقد الإجارة لازمًا له فيما وراءها، فيصير كما لو استأجرها إلى مصر فانقضى غرضه في الرملة، فما الذي أفاده تعدُّد العقود، فوجود هذه الحيلة وعدمها سواء، فالوجه ما ذكرناه، والله أعلم. المثال الرابع والستون: يجوز بيع المَقَاثِئ (٣) والباذنجان ونحوها بعد أن يبدو صلاحُها، كما تُباع الثمار في رؤوس الأشجار، ولا يمنع من صحة

стр. 2205

البيع تلاحقُ المبيع شيئًا بعد شيء، كما لم يمنع ذلك صحةَ بيع التُّوت والتِّين وسائرِ ما يخرج شيئًا بعد شيء. هذا محض القياس، وعليه تقوم مصالح بني آدم، ولا بدّ [١٣٣/ب] لهم منه. ومن منع بيعَ ذلك إلا لقطةً لقطةً فمع أن ذلك متعذِّر في الغالب لا سبيلَ إليه، أو هو في غاية الحرج والعسر، فهو مجهول لا ينضبط، ولا ما هي اللقطة المبيعة أهي الكبار والصغار والمتوسط أو بعض ذلك؟ وتكون المَقْثَأَة كبيرةً جدًّا لا يمكن أخذُ اللقطة الواحدة إلا في أيام متعددة، فيحدث كل يوم لقطةٌ أخرى تختلط بالمبيع ولا يمكن تمييزها منه، ولا سبيلَ إلى الاحتراز من ذلك إلا أن يجمع دوابَّ المصرِ كلها في يوم واحد، ومَن أمكَنه من القطَّافين، ثم يقطع الجميع في يوم واحد ويعرِّضه للتلف والضياع. وحاشا أكمل الشرائع ــ بل غيرها من الشرائع ــ أن تأتي بمثل هذا. وإنما هذا من الأغلاط الواقعة بالاجتهاد، وأين حرَّم الله ورسوله على الأمة ما هم أحوجُ الناس إليه ثم أباح لهم نظيره؟ فإن كان هذا غررًا فبيع الثمار المتلاحقة الأجزاء غررٌ، وإن لم يكن ذلك غررًا فهذا مثله. والصواب أن كليهما ليس غررًا لغةً ولا عرفًا ولا شرعًا؛ ودعوى أن ذلك غررٌ دعوى بلا برهان، فإن ادَّعى ذلك على اللغة طُولب بالنقل، ولن يجد إليه سبيلًا، وإن ادَّعى ذلك على العرف فالعرف شاهدٌ بخلافه، وأهل العرف لا يعدُّون ذلك غررًا، وإن ادَّعاه على الشرع طُولب بالدليل الشرعي. فإن بُلِي بمن يقول: «هكذا في الكتاب، وهكذا قالوا» فالحيلة في الجواز أن يشتري ذلك بعُروقِه، فإذا استوفى ثمرته تصرَّف في العروق بما يريد. والمانعون يجوِّزون هذه الحيلة. ومن المعلوم أن العروق غير مقصودة، وإنما المقصود الثمرة، فإن امتنع البيع لأجل الغرر فالغرر لم يزل

стр. 2206

بملك العروق، وهذا في غاية الظهور، وبيع ذلك كبيع الثمار. وهو قول أهل المدينة، وأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، اختاره شيخنا (١). المثال الخامس والستون: تجوز قسمة الدَّين المشترك بميراث أو عقد أو (٢) إتلافٍ، فينفرد كل من الشريكين بحصته، ويختصُّ بما قبضه، سواء كان في ذمة واحدة أو في ذمم متعددة؛ فإن الحق لهما، فيجوز أن يتفقا على قسمته وعلى بقائه مشتركًا، ولا محذورَ في ذلك. بل هذا أولى بالجواز من قسمة المنافع بالمهايأة بالزمان أو بالمكان، ولا سيما فإن المهايأة بالزمان تقتضي تقدُّمَ أحدهما على الآخر، وقد تُسلَّم المنفعة إلى نَوبة الشريك، وقد تَتْوى. والدين في الذمة يقوم مقامَ العين، ولهذا تصحُّ المعاوضة عليه من الغريم وغيره، وتجب على صاحبه زكاته إذا تمكَّن من قبضه، ويجب عليه الإنفاق على أهله وولده ورقيقه منه، ولا يُعدُّ فقيرًا مُعدِمًا، فاقتسامه يجري مجرى اقتسام الأعيان والمنافع؛ فإذا رضي كل من الشريكين أن يختصَّ بما يخصُّه من الدين فينفرد هذا برجل يطالبه، [١٣٤/أ] وهذا برجل يطالبه، أو ينفرد هذا بالمطالبة بحصته، وهذا بالمطالبة بحصته، لم يَهدِمَا بذلك قاعدة من قواعد الشريعة، ولا استحلَّا ما حرَّم الله، ولا خالفا نصَّ كتابٍ ولا سنة ولا قولَ صاحب ولا قياسًا شهد له الشرع بالاعتبار، وغاية ما يقدَّر (٣) عدم

стр. 2207

تكافؤ الذمم، ووقوع التفاوت فيها، وأن (١) ما في الذمة لم يتعين فلا يُمكِن قسمته (٢)، وهذا لا يمنع تراضيهما (٣) بالقسمة مع التفاوت؛ فإن الحق لا يعدوهما. وعدمُ تعيُّن ما في الذمة لا يمنع القسمة فإنه يتعيَّن تقديرًا، ويكفي في إمكان (٤) القسمة التعيين بوجهٍ؛ فهو معيَّن تقديرًا، ويتعيَّن بالقبض تحقيقًا. وأما قول أبي الوفاء ابن عقيل: «لا تختلف الرواية عن أحمد في عدم جواز قسمة الدين في الذمة الواحدة، واختلفت الرواية عنه في جواز قسمته إذا كان في الذمتين، فعنه فيه روايتان» فليس كذلك، بل عنه في كلٍّ من الصورتين روايتان، وليس في أصوله ما يمنع جواز القسمة، كما ليس في أصول الشريعة ما يمنعها، وعلى هذا فلا يحتاج إلى حيلة على الجواز. وأما من منع من القسمة فقد تشتدُّ الحاجة إليها، فيحتاج إلى التحيُّل عليها، فالحيلة أن يأذن لشريكه أن يقبض من الغريم ما يخصُّه، فإذا فعل لم يكن لشريكه محاصَّتُه (٥) فيه بعد الإذن، على الصحيح من المذهب كما صرَّح به الأصحاب. وكذلك لو قبض حصته ثم استهلكها قبل المحاصَّة لم يضمن لشريكه شيئًا، وكان المقبوض من ضمانه خاصةً. وذلك أنه لما أذن لشريكه في قبض ما يخصُّه فقد أسقط حقَّه من المحاصَّة، فيختصُّ الشريك

стр. 2208

بالمقبوض. وأما إذا استهلك الشريك ما قبضه فإنه لا يضمن لشريكه حصته منه قبل المحاصة؛ لأنه لم يدخل في ملكه، ولم يتعين له بمجرد قبض الشريك له؛ ولهذا لو وفَّى شريكه نظيره لم يقل انتقل إلى القابض الأول ما كان ملكًا للشريك، فدلَّ على أنه إنما يصير ملكًا له بالمحاصَّة لا بمجرد قبض الشريك. ومن الأصحاب من فرَّق بين كون الدين بعقد، وبين كونه بإتلافٍ أو إرثٍ، ووجهُ الفرق أنه إذا كان بعقد فكأنه عقد مع الشريكين، فلكل منهما أن يطالب بما يخصُّه، بخلاف دين الإرث والإتلاف، والله أعلم. المثال السادس والستون: اختلف الفقهاء في جواز بيع المغيَّبات في الأرض من البصل والثوم والجَزَر واللِّفْت والفُجْل والقُلْقاس ونحوها، على قولين: أحدهما: المنع من بيعه كذلك؛ لأنه مجهول غير مشاهد، والورق لا يدل على باطنه، بخلاف ظاهر الصُّبرة. وعند أصحاب هذا القول لا يُباع حتى يُقلع. والقول الثاني: يجوز بيعه كذلك على ما جرت به عادة أصحاب الحقول. وهذا قول أهل المدينة، [١٣٤/ب] وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، اختاره شيخنا (١). وهو الصواب المقطوع به، فإن في المنع من بيع ذلك حتى يُقلَع أعظمَ الضرر والحرج والمشقة، مع ما فيه من الفساد الذي لا تأتي به شريعة؛ فإنه

стр. 2209

إن قَلَعه (١) كله في وقت واحد تعرَّض للتلف والفساد. وإن قيل: «كلما أردتَ بيع شيء منه فاقلَعْه» كان فيه من الحرج والعسر ما هو معلوم، وإن قيل: «اتركْه في الأرض حتى (٢) يفسد، ولا تَبِعْه فيها» فهذا لا (٣) تأتي به شريعة. وبالجملة فالمُفتون بهذا القول لو بُلُوا بذلك في حقولهم أو ما هو وقفٌ عليهم ونحو ذلك= لم يُمكِنهم إلا بيعُه في الأرض ولا بدَّ، أو إتلافُه وعدم الانتفاع به. وقول القائل: «إن هذا غَررٌ ومجهول» فهذا ليس حظَّ الفقيه، ولا هو من (٤) شأنه، وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك، فإن عدُّوه قِمارًا أو غررًا فهم أعلم بذلك. وإنما حظ الفقيه: يحلُّ كذا لأن الله أباحه، ويحرُم كذا لأن الله حرَّمه، وقال الله وقال رسوله، وقال الصحابة. وأما أن هذا يرى هذا خطرًا وقمارًا وغررًا (٥) فليس من شأنه، بل أربابه أخبرُ بهذا منه، والمرجع إليهم فيه، كما يُرجَع إليهم في كون هذا الوصف عيبًا (٦) أم لا، وكونِ هذا البيع مُربِحًا أم لا، وكونِ هذه السلعة نافقةً في (٧) وقت كذا وبلد كذا، ونحو ذلك من الأوصاف الحسية والأمور العرفية، فالفقهاء بالنسبة إليهم فيها مثلُهم

стр. 2210

بالنسبة إلى باقي (١) الأحكام الشرعية. فإن بُلِيتَ بمن يقول: «هكذا في الكتاب، وهكذا قالوا»، فالحيلة في الجواز أن يستأجر منه الأرضَ المشغولة بذلك مدة يعلم فراغه منها، ويقرُّ له إقرارًا مشهودًا به أن ما في باطن الأرض له لا حقَّ للمُؤجِر فيه. ولكن عكس هذه الحيلة لو أصابته آفة لم يتمكَّن من وضع الجائحة عنه، بخلاف ما إذا اشتراه بعد بدوِّ صلاحه، فإنه كالثمرة على رؤوس الشجر، إن أصابته آفة وضعتْ عنه الجائحة. وهذا هو الصواب في المسألتين: جواز بيعه، ووضع الجوائح فيه، والله أعلم. المثال السابع والستون: اختلفت الفقهاء في جواز البيع بما ينقطع به السعر من غير تقدير الثمن وقتَ العقد (٢)، وصورتها: البيع ممن يعامله من خبَّاز ولحَّام وسمَّان وغيرهم، يأخذ منه كلَّ يوم شيئًا معلومًا ثم يحاسبه عند رأس الشهر أو السنة على الجميع، ويعطيه ثمنه؛ فمنعه الأكثرون، وجعلوا القبضَ به غيرَ ناقلٍ بذلك (٣)، وهو قبض فاسد يجري مجرى المقبوض بالغصب؛ لأنه مقبوض بعقد فاسد. هذا، وكلُّهم ــ إلا من شدَّد على نفسه ــ يفعل ذلك، ولا يجد منه بدًّا، وهو يفتي ببطلانه، وأنه باقٍ على ملكِ الدافع (٤)، ولا يُمكِنه التخلُّص من ذلك إلا بمساومته له عند كل حاجة يأخذها قلَّ ثمنها أو كثُر، وإن كان ممن
следующие страницы →