← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

تعالى الأمرية والقدرية، وظهرت حكمته الباهرة، وتجلت للعقول الزكية المستنيرة بنور ربِّها ﵎ (١). والمقصود: أن المفتي جدير بأن (٢) يذكر بين يدي الحكم الغريب الذي لم يُؤلَف مقدماتٍ تُؤنس به، وتدلّ عليه، وتكون توطئةً بين يديه. وبالله التوفيق. الفائدة الثامنة: يجوز للمفتي والمناظِر أن يحلِف على ثبوت الحكم عنده، وإن لم يكن حَلِفُه موجِبًا لثبوته عند السائل والمنازع؛ ليشعر السائل والمنازع له أنه على ثقة ويقين مما قال (٣)، وأنه غيرُ شاكٍّ فيه. فقد تناظر رجلان في مسألة، فحلَف أحدُهما على ما يعتقده، فقال له منازعه: لا يثبت الحكمُ بحلفك، فقال: إني لم أحلف لأُثبِت (٤) الحكمَ عندك، ولكن لأعلمك أني على يقين وبصيرة من قولي، وأن شبهتك لا تُغبِّر (٥) عندي في وجه يقيني بما أنا جازم به. وقد أمر الله [١٨٩/أ] نبيَّه ﷺ أن يحلف على ثبوت الحق الذي جاء به

стр. 2452

في ثلاثة (١) مواضع من كتابه: أحدها: قوله: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣]. والثاني: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (٢). والثالث: قوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]. وقد أقسم النبيُّ ﷺ على ما أخبر به من الحقِّ في أكثر من ثمانين موضعًا (٣)، وهي موجودة في الصحاح والمساند (٤). وقد كان الصحابة ﵃ يحلفون على الفتاوى والرواية، فقال علي بن أبي طالب لابن عباس في متعة النساء: إنك امرؤ تائه، فانظر ما تفتي به في متعة النساء، فوالله وأشهد (٥) بالله لقد نهى عنها رسولُ الله ﷺ (٦). ولما ولي عمر ﵁ حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس إنَّ رسولَ الله ﷺ أحلَّ المتعةَ ثلاثًا، ثم حرَّمها ثلاثًا. فأنا أُقسم بالله قسمًا، لا أجد أحدًا من المسلمين متمتِّعًا إلا رجمتُه، إلا أن يأتي بأربعة من المسلمين

стр. 2453

يشهدون أن رسول الله ﷺ أحلَّها بعد أن حرَّمها (١). وقد حلف الشافعيُّ في بعض أجوبته، فقال محمد بن الحكم: سألتُ الشافعيَّ عن المتعة كان يكون فيها طلاق أو ميراث أو نفقة أو شهادة؟ فقال: لا، والله ما أدري (٢). وقال يزيد بن هارون: من قال: القرآن مخلوق أو شيء منه مخلوق، فهو ــ والله ــ عندي زنديق (٣). وسئل عن حديث جرير في الرؤية (٤)، فقال: والله الذي لا إله إلا هو، مَن كذَّب به ما هم إلا زنادقة (٥). وأما الإمام أحمد ﵁ فإنه حلف على عدة مسائل من فتاويه: قيل: أيزيد الرجل في الوضوء على ثلاث مرات؟ فقال: لا والله، إلا

стр. 2454

رجل مبتلى. يعني: بالوسواس (١). وسئل: يُخلِّل (٢) الرجل لحيته إذا توضأ؟ فقال: إي والله (٣). وسئل: يكون الرجل في الجهاد بين الصفَّين يبارز عِلْجًا بغير إذن الإمام، فقال: لا والله (٤). وقيل له: أتكره الصلاة في المقصورة؟ فقال: إي والله (٥). قلت: وهذا لما كانت المقصورة تُحمَى للأمراء وأتباعهم. وسئل: أيؤجر الرجلُ على بغضِ من خالف حديثَ رسول الله ﷺ ؟ فقال: إي والله (٦). وسئل: من قال: القرآن مخلوق، كافر؟ قال (٧): إي والله (٨). وسئل: هل صحَّ عندك في النبيذ حديث؟ فقال: والله ما صحَّ عندي حديث واحد إلا على التحريم (٩).

стр. 2455

وسئل: يكره (١) الخضاب بالسواد؟ فقال: إي والله (٢). وسئل عن الرجل يؤمُّ أباه، ويصلِّي الأبُ خلفه. فقال: إي والله (٣). وسئل: هل يكره النفخ في الصلاة؟ فقال: إي والله (٤). وسئل عن المرأة تستلقي على قفاها وتنام، يكره ذلك؟ فقال: إي والله (٥). وسئل عن تزوُّج الرجل المسلم الأمةَ من أهل الكتاب، فقال: لا والله (٦). وسئل عن الرجل يرهَن جاريتَه، فيطؤها وهي مرهونة، فقال: لا والله (٧). وسئل عن حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قضى في رجل استسقى قومًا، وهو عطشان، فلم يسقُوه، فمات؛ فأغرمهم عمرُ الديةَ (٨): تقول أنت كذا؟ قال: إي والله (٩).

стр. 2456

وسئل عن الرجل إذا حُدَّ في القذف، ثم قذَف زوجتَه؛ يلاعنها؟ فقال: إي والله (١). وسئل: يضرب (٢) الرجلُ رقيقَه؟ [١٨٩/ب] فقال: إي والله (٣). ذكر هذه المسائل القاضي أبو علي الشريف (٤). وقال الإمام أحمد في رواية ابنه صالح (٥): والله لقد أعطيتُ المجهودَ من نفسي، ولَوددتُ أني أنجو من هذا الأمر كفافًا لا عليَّ ولا لي. وقال في روايته أيضًا (٦): والله لقد تمنَّيتُ الموتَ في الأمر الذي كان، وإني لأتمنَّى الموتَ في هذا، وهذا (٧) فتنة الدنيا. وقال إسحاق بن منصور لأحمد: يكره الخاتم من ذهب أو حديد؟ فقال: إي والله (٨).

стр. 2457

وقال إسحاق أيضًا: قلت لأحمد: يؤجَر الرجلُ يأتي أهلَه، وليس له شهوة في النساء؟ فقال: إي والله، يحتسب الولد، وإن لم يُرِد الولد، إلا أنه يقول: هذه امرأة شابَّة (١). وقال له محمد بن عوف: يا أبا عبد الله، يقولون: إنك وقفتَ على عثمان! فقال: كذبوا والله عليَّ. إنما حدَّثتهم بحديث ابن عمر: كنَّا نُفاضِل بين أصحاب رسول الله ﷺ ، نقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان (٢)، فيبلغ ذلك النبيَّ ﷺ ، فلا ينكره. ولم يقل النبي ﷺ : لا تَخايَروا بعد هؤلاء. فمن وقف على عثمان ولم يربِّع بعليٍّ فهو على غير السنة (٣). وسئل أحمد عن المقام (٤) بالثغر أفضل من المقام بمكة؟ فقال: إي والله (٥). وذكر أبو أحمد بن عدي في «الكامل» (٦): أن أيوب بن إسحاق بن سَافِري قال: سألت أحمد بن حنبل، فقلت: يا أبا عبد الله، ابنُ إسحاق إذا

стр. 2458

انفرد بحديثٍ تقبلُه؟ قال (١): لا والله. إني رأيته يحدِّث عن جماعة بالحديث (٢)، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا (٣). وقال صالح بن أحمد: قلتُ لأبي: نقتُل (٤) الحيَّةَ والعقربَ في الصلاة؟ فقال: إي والله (٥). وقال أيضًا: قلتُ لأبي: تجهرَ (٦) بآمين؟ فقال: إي والله، الإمام وغير الإمام (٧). وقال أيضًا: قلتُ لأبي: يفتح على الإمام؟ قال: إي والله (٨). وقال الميموني: قلت لأحمد: ونحن نحتاج في رمضان أن نبيِّت الصومَ من الليل؟ فقال: إي والله (٩).

стр. 2459

وقال الميموني أيضًا: تباع الفرسُ من الحبس (١) إذا عطِبَت أو إذا فسدت؟ فقال: إي والله (٢). وقال الميموني أيضًا: قلت لأحمد: هل ثبت عن النبي ﷺ في العقيقة شيء؟ فأملى علي: إي والله. في غير حديث عن النبي ﷺ : «عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة» (٣). وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء؟ قال: إي والله (٤). وقال الكوسج أيضًا: قلت لأحمد: قال سفيان: تجزئه تكبيرة إذا نوى بها افتتاح الصلاة. قال أحمد: إي والله، تجزئه إذا نوى، ابن عمر (٥) وزيد (٦).

стр. 2460

وقال أيضًا: قلت لأحمد: المؤذِّن يجعل إصبعيه في أذنيه؟ قال: إي والله (١). وقال أيضًا: قلت لأحمد: سئل سفيان عن امرأة ماتت وفي بطنها ولد يتحرَّك، [قال:] (٢) ما أرى بأسًا أن يُشَقَّ بطنُها (٣). قال أحمد: بئس والله ما قال ــ يردِّد ذلك ــ سبحان الله، بئس ما قال! (٤). وقال أيضًا: قلت لأحمد: تجوز شهادة رجل وامرأتين في الطلاق؟ قال أحمد: لا والله (٥). وقال أيضًا: قلت لأحمد: المرجئ إذا كان داعيًا؟ قال: إي والله يُجفَى ويُقصَى (٦). وقال أبو طالب: قلتُ لأحمد: رجلٌ قال: القرآن كلام الله، ليس بمخلوق، ولكن لفظي هذا به مخلوق. قال: من قال هذا فقد [١٩٠/أ] جاء بالأمر كلِّه، إنما هو كلام الله على كلِّ حال. والحجة فيه حديث أبي بكر ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١ - ٢] فقيل له: هذا مما جاء به صاحبك؟

стр. 2461

فقال: لا والله، ولكنه كلام الله (١)، هذا وغيره، وإنما (٢) هو كلام الله. قلت: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] هذا الذي قرأتُ الساعةَ كلام الله؟ قال: إي والله هو كلام الله. ومن قال: «لفظي بالقرآن مخلوق» فقد جاء بالأمر كلِّه (٣). وقال الفضل بن زياد: سألتُ أبا عبد الله عن حديث ابن شُبْرُمة عن الشعبي في رجلٍ نذَر أن يطلِّق امرأته، فقال له الشعبي: أوفِ بنذرك (٤)، أترى ذلك؟ فقال: لا والله (٥).

стр. 2462

وقال الفضل أيضًا: سمعتُ أبا عبد الله وذكر يحيى بن سعيد القطان، فقال: لا والله، ما أدركنا مثلَه (١). وذكر أحمد في «رسالته إلى مسدَّد»: ولا عين تطرِف بعد النبي ﷺ خيرٌ (٢) من أبي بكر، ولا بعد أبي بكر عين تطرف خيرٌ من عمر، ولا بعد عمر عين تطرف خيرٌ من عثمان، ولا بعد عثمان عين تطرف خيرٌ من علي بن أبي طالب ﵁. ثم قال أحمد: هم والله الخلفاء الراشدون المهديون (٣). وقال الميموني: قلت لأحمد: جابر الجعفي؟ قال: كان يرى التشيع. قلت: يتهم (٤) في حديثه بالكذب؟ قال: إي والله (٥). قال القاضي (٦): فإن قيل: كيف استجاز الإمام أحمد أن يحلف في مسائل مختلَفٍ فيها؟ قيل: أما مسائل الأصول فلا يسوغ فيها اختلاف فهي إجماع، وأما الفروع فإنه لما غلب على ظنه صحةُ ذلك حلف عليه، كما لو وجد في دفتر أبيه أنَّ له على فلان دينًا جاز له أن يدَّعيه، لغلبة الظن بصدقه. قلت (٧): ويحلفَ عليه.

стр. 2463

قال: فإن قيل أليس قد امتنع من اليمين على إسقاط الشفعة بالجوار، قيل: لأن اليمين هناك عند الحاكم، والنية نية الخصم (١). قلت: ولم يمنع أحمد اليمين لهذا، بل شفعة الجوار عنده مما يسوغ القول بها. وفيها أحاديث صحاح لا تُرَدّ، ولهذا اختلف قوله فيها، فمرةً نفاها، ومرةً أثبتها، ومرةً فصَل بين أن يشتركا في حقوق الملك كالطريق والماء وغيره، وبين أن لا يشتركا في شيء من ذلك فلا يثبت. وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه، وبه تجتمع الأحاديث. وهو اختيار شيخ الإسلام ومذهب فقهاء البصرة (٢)، ولا يُختار (٣) غيرُه. وقد روى أحمد عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم حلفوا في الرواية والفتوى وغيرها تحقيقًا وتأكيدًا للخبر، لا إثباتًا له باليمين (٤). وقد قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥]. وقال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]. وكذلك أقسم بكلامه كقوله: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١ - ٢]،

стр. 2464

﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١]، ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١]. وأما إقسامه بمخلوقاته التي هي آيات دالَّة عليه [١٩٠/ب] فكثيرٌ جدًّا. الفائدة التاسعة: ينبغي للمفتي أن يفتي بلفظ النصِّ مهما أمكنه، فإنه يتضمَّن الحكم والدليل مع البيان التام، فهو حكم مضمون له الصواب، متضمِّن للدليل عليه في أحسن بيان، وقولُ الفقيه المعيَّن ليس كذلك. وقد كان الصحابة والتابعون والأئمة الذين سلكوا على منهاجهم يتحرَّون ذلك غاية التحرِّي، حتى خلفت من بعدهم خلوفٌ رغبوا عن النصوص، واشتقُّوا لهم ألفاظًا غير ألفاظ النصوص؛ فأوجب ذلك هجرَ النصوص، ومعلومٌ أن تلك الألفاظ لا تفي بما تفي به النصوص من الحكم والدليل وحسن البيان. فتولَّد من هجرانِ ألفاظ النصوص، والإقبالِ على الألفاظ الحادثة، وتعليقِ الأحكام بها= على الأمة من الفساد ما لا يعلمه إلا الله. فألفاظ النصوص عصمة وحجة بريئة من الخطأ والتناقض والتعقيد والاضطراب. ولما كانت هي عصمة الصحابة (١) وأصولهم التي إليها يرجعون كانت علومهم أصحَّ من علوم مَن بعدهم، وخطؤهم فيما اختلفوا فيه أقلُّ من خطأ مَن بعدهم. ثم التابعون بالنسبة إلى من بعدهم كذلك، وهلمَّ جرًّا. ولما استحكم هجرانُ النصوص عند أكثر أهل الأهواء والبدع كانت علومُهم في مسائلهم وأدلّتهم في غاية الفساد والاضطراب والتناقض.

стр. 2465

وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا سئلوا عن مسألة يقولون: قال الله كذا، قال رسول الله ﷺ كذا وفعل كذا؛ ولا يعدِلون عن ذلك ما وجدوا إليه سبيلًا قطُّ (١)، فمن تأمَّل أجوبتهم وجدها شفاءً لما في الصدور. فلما طال العهد وبعُد الناس من نور النبوة صار هذا عيبًا عند المتأخرين: أن يذكروا في أصول دينهم وفروعه: قال الله، وقال رسوله (٢). أما أصول دينهم، فصرَّحوا في كتبهم أن قول الله ورسوله لا يفيد اليقين في مسائل أصول الدين، وإنما يحتجُّ بكلام الله ورسوله فيها الحشويةُ والمجسِّمة والمشبِّهة (٣). وأما فروعهم، فقنعوا بتقليد من اختصر لهم بعضَ المختصرات التي لا يُذكَر فيها نصٌّ عن الله، ولا عن رسوله (٤)، ولا عن الإمام الذي زعموا أنهم قلَّدوه دينهم. بل عمدتُهم فيما يُفتون ويقضُون به، وينقلون به الحقوق، ويبيحون به الفروج والدماء والأموال، على قول ذلك المصنِّف. وأجلُّهم عند نفسه وزعيمُهم عند بني جنسه مَن يستحضر لفظ الكتاب، ويقول: هكذا قال، وهذا لفظه. فالحلال ما أحلَّه ذلك الكتاب، والحرام ما حرَّمه، والواجب ما أوجَبه، والباطل ما أبطَله، والصحيح ما صحَّحه! هذا، وأنَّى لنا بهؤلاء في مثل هذه الأزمان! فقد دُفِعنا إلى أمرٍ تضِجُّ منه الحقوقُ إلى الله ضجيجًا، وتعِجُّ منه الفروجُ والأموال والدماء إلى ربِّها

стр. 2466

عجيجًا، تُبدَّل فيه الأحكام، ويُقلَب الحلالُ بالحرام (١)، ويُجعل فيه المعروفُ في أعلى (٢) مراتب المنكرات، والمنكرُ الذي لم يشرعه الله ورسوله من أفضل القرُبات. الحقُّ فيه غريب، وأغرَبُ منه من يعرفه! وأغرَبُ منهما من يدعو إليه، وينصح به نفسَه [١٩١/أ] والناسَ! قد فلَق له (٣) فالقُ الإصباح صبحَه عن غياهب الظلمات، وأبان له (٤) طريقَه المستقيم من بين تلك الطرق الجائرات، وأراه بعين قلبه ما كان عليه رسولُ الله ﷺ وأصحابه، مع ما عليه أكثرُ الخلق من البدع المضلَّات. رُفِع له علَمُ الهداية فشمَّر إليه، ووضَح له الصراطُ المستقيمُ فقام واستقام عليه. وطوبى له من وحيدٍ على كثرة السكان، غريبٍ على كثرة الجيران، بين أقوامٍ رؤيتُهم قذى العيون، وشجى الحلوق، وكربُ النفوس، وحُمَّى الأرواح، وغمُّ الصدور، ومرضُ القلوب. وإن أنصفتَهم لم تقبل طبيعتهم الإنصاف، وإن طلبتَه منهم فأين الثريَّا من يد الملتمس! قد انتكست قلوبُهم، وعمي عليهم مطلوبُهم. رضُوا بالأماني، وابتلُوا بالحظوظ، وحصلوا على الحرمان، وخاضوا بحار العلم لكن بالدعاوي الباطلة وشقاشق الهذَيان! ولا والله ما ابتلَّت من وَشَلِه (٥)

стр. 2467

أقدامُهم، ولا زكت به عقولُهم وأحلامُهم، ولا ابيضَّت به لياليهم وأشرقت بنوره أيامُهم، ولا ضحكت بالهدى والحقِّ منه وجوهُ الدفاتر إذ بُلَّت بمداده أقلامُهم. أنفقوا في غير شيءٍ نفائسَ الأنفاس، وأتعبوا أنفسَهم وحيَّروا مَن خلفهم من الناس. ضيَّعوا الأصول، فحُرِموا الوصول. وأعرضوا عن الرسالة، فوقعوا في مهامه (١) الحيرة وبيداء الضلالة. والمقصود: أن العصمة مضمونة في ألفاظ النصوص ومعانيها في أتمِّ بيان وأحسن تفسير. ومن رام إدراكَ الهدى ودين الحق من غير مشكاتها فهو عليه عسيرٌ غيرُ يسير. فصل الفائدة العاشرة: ينبغي للمفتي الموفَّق إذا نزلت به المسألة أن ينبعث من قلبه الافتقارُ الحقيقي الحالي، لا العلمي المجرَّد، إلى مُلهِم الصواب، ومعلِّم الخير، وهادي القلوب=أن يُلهِمه الصوابَ، ويفتح له طريقَ السَّداد، ويدلَّه على حكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة. فمتى قرَع هذا البابَ فقد قرَع بابَ التوفيق. وما أجدَرَ مِن فضلِ ربِّه (٢) أن لا يَحْرمه إياه. فإذا وجَد مِن قلبه (٣) هذه الهمّةَ، فهي طلائعُ بشرى التوفيق، فعليه أن يوجِّه وجهَه ويحدِّق نظرَه إلى منبع الهدى، ومعدن الصواب، ومطلع الرشد؛ وهو النصوص من القرآن والسنة وآثار الصحابة= فيستفرغَ وسعَه في تعرُّف حكم تلك النازلة منها. فإن ظفِر بذلك أخبر به، وإن اشتبه عليه بادر إلى التوبة والاستغفار والإكثار من ذكر الله.

стр. 2468

فإن العلم نورُ الله، يقذفه الله (١) في قلب عبده. والهوى والمعصية رياح عاصفة تطفئ ذلك النور أو تكاد، ولا بد أن تُضْعِفه. وشهدتُ شيخَ الإسلام ــ قدَّس الله روحه ــ إذا غشِيَتْه (٢) المسائل واستعصَتْ عليه فرَّ منها إلى الاستغفار والتوبة والاستعانة (٣) بالله، واللَّجَأ إليه، واستنزالِ الصواب من عنده، والاستفتاحِ من خزائن رحمته. فقلما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع (٤) عليه مدًّا، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه (٥) بأيتهن يبدأ. ولا ريب أن من وُفِّق لهذا الافتقار علمًا وحالًا، وسار قلبُه في [١٩١/ب] ميادينه حقيقةً وقصدًا؛ فقد أُعطي حظَّه من التوفيق، ومَن حُرِمَه فقد مُنِعَ الطريقَ والرفيق. فمتى أُعِينَ مع هذا الافتقار ببذل الجهد في درك الحقِّ فقد سُلِكَ به الصراط المستقيم. وذلك فضل الله، يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. الفائدة الحادية عشرة (٦): إذا نزلت بالمفتي أو الحاكم (٧) النازلةُ، فإما أن يكون عالمًا بالحقِّ فيها، أو غالبًا على ظنِّه بحيث قد استفرغ وسعَه في

стр. 2469

طلبه ومعرفته، أو لا. فإن لم يكن عالمًا بالحقِّ فيها ولا غلب على ظنِّه لم يحِلَّ له أن يفتي، ولا يقضي بما لا يعلم. ومتى أقدم على ذلك فقد تعرَّض لعقوبة الله، ودخل تحت قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، فجعل القولَ عليه بلا علمٍ أعظمَ المحرَّمات الأربع التي لا تباح بحال، ولهذا حصر التحريم فيها بصيغة الحصر. ودخل تحت قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٨ - ١٦٩]. ودخل في قول النبي ﷺ : «من أُفتِيَ بغير علمٍ فإنما إثمُه على من أفتاه» (١)، وكان أحد القضاة الثلاثة الذين ثلثاهم في النار. وإن كان قد عرف الحقَّ في المسألة علمًا أو ظنًّا غالبًا لم يحِلَّ له أن يفتي ولا يقضي بغيره بالإجماع المعلوم بالضرورة من دين الإسلام. وهو أحد القضاة الثلاثة، والمفتين الثلاثة، والشهود الثلاثة. وإذا كان من أفتى أو حكَم أو شهِد بغير علم مرتكبًا لأعظم الكبائر، فكيف بمن (٢) أفتى أو حكم أو شهد بما يعلم خلافه؟ فالحاكم والمفتي والشاهد كلٌّ منهم مخبِرٌ عن حكم الله. فالحاكم مخبِر منفِّذ، والمفتي مخبر غير منفِّذ، والشاهد مخبر عن الحكم الكوني القدري المطابق للحكم الديني الأمري. فمن أخبر منهم عما يعلم خلافه

стр. 2470

فهو كاذبٌ على الله عمدًا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]، ولا أظلم ممن كذَب على الله وعلى دينه. وإن أخبروا بما لم يعلموا فقد كذَبوا على الله جهلًا، وإن أصابوا في الباطن، وأخبروا بما لم يأذن الله لهم في الإخبار به. وهم أسوأ حالًا من القاذف إذا رأى الفاحشة وحده، فأخبر بها؛ فإنه كاذب عند الله، وإن أخبر بالواقع، فإن الله لم يأذَن له في الإخبار بها إلا إذا كان رابع أربعة. فإذا (١) كان كاذبًا عند الله في خبر يطابق (٢) لمخبره حيث لم يأذن له في الإخبار به، [فكيف بمن أخبر عن حكمه بما لم يعلم] (٣) أن الله حكَم به، ولم يأذن له في الإخبار به (٤)؟ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ [الزمر: ٣٢]. والكذبُ على الله يستلزم التكذيبَ بالحق والصدق. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].

стр. 2471

وهؤلاء (١) الآيات وإن كانت في حقِّ المشركين والكفار، فإنها متناولة لمن كذَب على الله في توحيده ودينه، وأسمائه وصفاته وأفعاله. [١٩٢/أ] ولا تتناول المخطئَ المأجورَ إذا بذلَ اجتهادَه (٢) واستفرغ وسعَه في إصابة حكم الله وشرعه، فإن هذا هو الذي فرضه الله عليه، فلا يتناول المطيعَ لله وإن أخطأ. وبالله التوفيق. الفائدة الثانية عشرة: حكمُ الله ورسوله يظهر على أربعة ألسنة: لسان الراوي، ولسان المفتي، ولسان الحاكم، ولسان الشاهد. فالراوي يظهر على لسانه لفظُ حكم الله ورسوله، والمفتي يظهر على لسانه معناه وما استنبطه من لفظه، والحاكمُ يظهر على لسانه الإخبارُ بحكمه (٣) وتنفيذُه، والشاهدُ يظهر على لسانه الإخبارُ بالسبب الذي يثبت حكمَ الشارع. والواجب على هؤلاء الأربعة أن يخبروا بالصدق المستند إلى العلم، فيكونون عالمين بما يخبرون به، صادقين في الإخبار به. وآفة أحدهم الكذب والكتمان، فمتى كتَم الحقَّ أو كذَب فيه فقد حادَّ (٤) الله سبحانه في شرعه ودينه. وقد أجرى الله سنته بالمَحْقِ (٥) عليه بركةَ علمه ودينه ودنياه إذا فعل ذلك، كما أجرى عادته سبحانه في المتبايعَين إذا كتما وكذبا أن يمحق

стр. 2472

بركةَ بيعهما. ومن التزم الصدقَ والبيانَ منهم في مرتبته بورك له في علمه ووقته ودينه ودنياه، وكان مع النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. ذلك الفضل من الله، وكفى بالله عليمًا. فبالكتمان يعزل الحقَّ عن سلطانه، وبالكذب يقلبه عن وجهه، والجزاء من جنس العمل؛ فجزاءُ أحدهم أن يعزله الله عن سلطان المهابة والكرامة والمحبة والتعظيم الذي يُلبِسُه أهلَ الصدق والبيان، ويُلبِسَه ثوبَ الهوان والمقت والخزي بين عباده. فإذا كان يومُ اللقاء (١) جازى الله سبحانه من يشاء من الكاذبين الكاتمين بطمس الوجوه وردِّها على أدبارها، كما طمسوا وجهَ الحقِّ، وقلبوه عن وجهه، جزاءً وفاقًا ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. الفائدة الثالثة عشرة: لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله بأنه أحلَّ كذا أو حرَّمه أو أوجبه أو أحبَّه (٢) أو كرهه إلا لما يعلم أن الأمر فيه كذلك، مما نصَّ الله ورسوله على إباحته أو تحريمه أو إيجابه أو كراهته. وأما ما وجده في كتابه الذي تلقَّاه عمن قلَّده دينَه، فليس له أن يشهد على الله ورسوله به، ويغُرَّ الناس بذلك، ولا علمَ له بحكم الله ورسوله. قال غير واحد من السلف: ليحذَر أحدكم أن يقول: أحلَّ الله كذا، أو حرَّم (٣) كذا، فيقول الله له: كذبتَ، لم أُحِلَّ كذا، ولم أُحرِّمه (٤).

стр. 2473

وثبت في «صحيح مسلم» (١) من حديث بُريدة بن الحُصَيب أن رسول الله ﷺ قال: «وإذا حاصرتَ حصنًا فسألوك أن تُنْزِلَهم على حكم الله ورسوله، فلا تُنْزِلْهم على حكم الله ورسوله، فإنك لا تدري أتصيب حكمَ الله فيهم أم لا؛ ولكن أَنزِلْهم على حكمك وحكم أصحابك». وسمعت شيخ الإسلام يقول: حضرت مجلسًا فيه القضاة وغيرهم، فجرت حكومةٌ حكمَ فيها أحدهم بقول زفر. فقلت له: ما هذه الحكومة؟ فقال [١٩٢/ب]: هذا حكمُ الله. فقلت له: صار قولُ زفر هو حكم الله الذي حكم به وألزم به (٢) الأمة؟ قل: هذا حكمُ زفر وقوله (٣)، لا تقل: هذا حكمُ الله. أو نحو هذا من الكلام. الفائدة الرابعة عشرة: المفتي إذا سئل عن مسألة فإما أن يكون قصدُ السائل فيها معرفةَ ما (٤) حكَم الله به ورسولُه (٥) ليس إلا، وإما أن يكون قصدُه معرفةَ ما قاله الإمام الذي شهَر المفتي نفسَه باتباعه وتقليده دون غيره من الأئمة، وإما أن يكون مقصوده معرفةَ ما ترجَّح عند ذلك المفتي وما يعتقده فيها؛ لاعتقاده علمه ودينه وأمانته (٦)، فهو يرضى بتقليده (٧) هو،

стр. 2474

وليس له غرضٌ في قول إمام بعينه. فهذه أجناس الفتيا التي ترِد على المفتين. ففرضُ المفتي في القسم الأول أن يجيب بحكم الله ورسوله إذا عرفه وتيقَّنه، لا يسعُه غير ذلك. وأما في القسم الثاني، فإذا عرف قولَ الإمام نفسِه وسِعَه أن يخبر به. ولا يحِلُّ له أن ينسب إليه القولَ ويُطلق عليه أنه قولُه بمجرَّد ما يراه في بعض الكتب التي حفظها أو طالعها من كلام المنتسبين إليه، فإنه قد اختلطت أقوال الأئمة وفتاويهم بأقوال المنتسبين إليهم واختياراتهم. فليس كلُّ ما في كتبهم منصوصًا عن الأئمة، بل كثيرٌ منه يخالف نصوصهم، وكثيرٌ منه لا نصَّ لهم فيه، وكثير منه مخرَّجٌ (١) على فتاويهم (٢)، وكثير منه أفتوا به بلفظه أو بمعناه. فلا يحِلُّ لأحد أن يقول: «هذا قول فلان ومذهبه» إلا أن يعلم يقينًا أنه قوله ومذهبه، فما أعظم خطر المفتي وأصعب مقامه بين يدي الله سبحانه! وأما القسم الثالث، فإنه يسعه أن يخبر المستفتي بما عنده في ذلك، وما (٣) يغلب على ظنه أنه الصواب، بعد بذل جهده واستفراغ وسعه. ومع هذا فلا يلزم المستفتي الأخذُ بقوله، وغايته أنه يسوغ له الأخذُ به. فليُنزل المفتي نفسَه في منزلة من هذه المنازل الثلاث، وليقم بواجبها؛ فإن الدين دين الله، واللهُ سبحانه ــ ولا بدَّ ــ سائلُه عن كلِّ ما أفتى به. وهو موقوف (٤)

стр. 2475

عليه، ومحاسب (١) ولا بدَّ. والله المستعان. الفائدة الخامسة عشرة: ليحذر المفتي الذي يخاف مقامه بين يدي الله سبحانه أن يفتي السائلَ بمذهبه الذي يقلِّده، وهو يعلم أن مذهبَ غيره في تلك المسألة أرجح من مذهبه وأصحُّ دليلًا، فتحمله الرياسة على أن يتقحَّم (٢) الفتوى بما يغلب على ظنِّه أن الصواب في خلافه= فيكون خائنًا لله ورسوله وللسائل، وغاشًّا له. والله لا يهدي كيد الخائنين، وحرَّم الجنّةَ على من لقيه وهو غاشٌّ للإسلام وأهله. والدين النصيحة، والغِشُّ مضادٌّ للدين كمضادَّة الكذب للصدق، والباطل للحق. وكثيرًا ما ترِد المسألة نعتقد فيها خلافَ المذهب، فلا يسعنا أن نفتي بخلاف ما نعتقده. فنحكي المذهب، ثم نحكي المذهب الراجح ونرجِّحه، ونقول: هذا هو الصواب، وهو أولى أن يؤخذ به. وبالله التوفيق. الفائدة السادسة عشرة: لا يجوز للمفتي الترويج (٣)، وتخيير السائل (٤)، وإلقاؤه في الإشكال والحيرة، بل عليه [١٩٣/أ] أن يبيِّن بيانًا مُزيلًا للإشكال، متضمِّنًا لفصل الخطاب، كافيًا في حصول المقصود، لا يحتاج معه إلى غيره. ولا يكون كالمفتي الذي سُئل عن مسألة (٥) المواريث، فقال: تُقسَم (٦) بين

стр. 2476

الورثة على فرائض الله . وكَتبَه فلان. وسئل آخر عن صلاة الكسوف، فقال: يصلِّي (١) على حديث عائشة؛ وإن كان هذا أعلم من الأول. وسئل آخر عن مسألة من الزكاة فقال: أما أهل الإيثار فيُخرِجون المالَ كلَّه، وأما غيرُهم فيُخرِج القدرَ الواجب عليه! أو كما قال. وسئل آخر عن مسألة، فقال: فيها قولان، ولم يزد. قال أبو محمد بن حزم (٢): وكان عندنا مفتٍ إذا سئل عن مسألة لا يفتي فيها حتى يتقدَّمه من يكتب، فيكتب هو: جوابي فيها مثل جواب الشيخ. فقُدِّر أن مفتيين اختلفا في جواب، فكتب تحت جوابهما: جوابي مثل جواب الشيخين. فقيل له: إنهما قد تناقضا. فقال: وأنا أتناقض كما تناقضا! وكان في زماننا رجلٌ مشار إليه في الفتوى (٣)، وهو مقدَّم في مذهبه، وكان نائبُ السلطان يرسل إليه في الفتاوي، فيكتب: يجوز كذا، أو يصح كذا، أو ينعقد بشرطه. فأرسل إليه يقول له: تأتينا فتاوٍ منك فيها: يجوز، أو ينعقد، أو يصح بشرطه. ونحن لا نعلم شرطه، فإما أن تبيِّن شرطه، وإما أن لا تكتب ذلك. وسمعت شيخنا يقول: كلُّ أحد يُحسِن أن يفتي بهذا الشرط، فإنه (٤) أيُّ مسألة وردت عليه يكتُب فيها: يجوز بشرطه، أو يصح بشرطه، أو يقبل

стр. 2477

بشرطه، ونحو ذلك. وهذا ليس بعلم، ولا يفيد فائدةً أصلًا، سوى حيرة السائل وتبلُّده (١). وكذلك قول بعضهم في فتاويه: يرجع في ذلك إلى رأي الحاكم (٢). فيا سبحان الله! والله لو كان الحاكم شريحًا وأشباهَه لما كان مردُّ أحكام الله ورسوله إلى رأيه، فضلًا عن حكام زماننا. فالله المستعان. وسئل بعضهم عن مسألة، فقال: فيها خلاف. فقيل له: كيف يعمل المفتَى (٣)؟ فقال: يختار له القاضي أحد المذهبين (٤). قال أبو عمرو بن الصلاح (٥): كنت عند أبي السعادات بن الأثير الجزري، فحُكي له عن بعض المفتين أنه سئل عن مسألة، فقال: فيها قولان. فأخذ يُزري عليه، وقال: هذا حَيَدٌ عن الفتوى، ولم يخلِّص السائل من عَمايته، ولم يأت بالمطلوب. قلت: وهذا فيه تفصيل، فإن المفتي المتمكّنَ من العلم المضطلعَ به قد يتوقف في الصواب في المسألة المتنازَع فيها، فلا يُقدِم على الجزم بغير علم، وغايةُ ما يمكنه أن يذكر الخلاف فيها للسائل.

стр. 2478

وكثيرًا ما يُسأل الإمام أحمد وغيره من الأئمة عن المسألة (١) فيقول: فيها قولان، أو قد اختلفوا فيها. وهذا كثير في أجوبة الإمام أحمد لسعة علمه وورعه. وهو كثير في كلام الإمام الشافعي، يذكر المسألة، ثم يقول: فيها قولان. وقد اختلف أصحابه هل يضاف القولان اللذان يحكيهما إلى مذهبه وينسبان إليه أم لا؟ على طريقين. وإذا اختلف علي وابن مسعود، أو ابن عمر وابن عباس، أو زيد وأُبيّ وغيرهم [١٩٣/ب] من الصحابة، ولم يتبيَّن للمفتي القول الراجح من أقوالهم، فقال: هذه مسألة اختلف فيها فلان وفلان من الصحابة، فقد انتهى إلى ما يقدِر عليه من العلم. قال أبو إسحاق الشِّيرازي (٢): سمعتُ شيخَنا أبا الطيِّب الطبري يقول: سمعتُ أبا العباس الخُضَري يقول: كنتُ جالسًا عند أبي بكر بن داود الظاهري، فجاءته امرأة، فقالت: ما تقول في رجلٍ له زوجة، لا هو ممسكها ولا هو (٣) مطلقها. فقال لها: اختلف في ذلك أهل العلم، فقال قائلون: تؤمر بالصبر والاحتساب، ويُبْعَث على التطلب والاكتساب. وقال قائلون: يؤمر بالإنفاق، ولا يُحمَل على الطلاق. فلم تفهم المرأة قوله، فأعادت المسألة. فقال: يا هذه أجبتُك عن مسألتك، وأرشدتك إلى طَلِبتِك، ولستُ بسلطان فأُمضي، ولا قاضٍ فأقضي، ولا زوجٍ فأُرضي؛ انصرِفي.

стр. 2479

الفائدة السابعة عشرة: إذا سئل عن مسألةٍ فيها شرطُ واقف لم يحِلَّ له أن يُلزِم بالعمل به، بل ولا يسوِّغه على الإطلاق، حتى ينظر في ذلك الشرط. فإن كان يخالف حكمَ الله ورسوله فلا حرمة له، ولا يحِلُّ له تنفيذه، ولا تسويغُ (١) تنفيذه. وإن لم يخالف حكمَ الله ورسوله (٢) فلينظر: هل فيه قربة أو رجحانٌ عند الشارع أم لا؟ فإن لم يكن فيه قربة ولا رجحان لم يجب التزامُه، ولم يحرَّم، فلا تضرُّ مخالفته. وإن كان فيه قربة وهو راجح على خلافه، فلينظر: هل يفوت بالتزامه والتقيُّد (٣) به ما هو أحبُّ إلى الله ورسوله وأرضى له، وأنفع للمكلَّف، وأعظم تحصيلًا لمقصود الواقف من الأجر؟ فإن فات ذلك بالتزامه لم يجب التزامه ولا التقيُّد به قطعًا، وجاز العدولُ بل استُحِبَّ (٤) إلى ما هو أحبُّ إلى الله ورسوله، وأنفع للمكلَّف، وأكثر تحصيلًا لمقصود الواقف. وفي جواز التزام شرط الواقف في هذه الصورة تفصيل سنذكره إن شاء الله. وإن كان قربة وطاعة (٥)، ولم يفُت بالتزامه ما هو أحبُّ إلى الله ورسوله منه، وتساوى هو وغيره في تلك القربة، ويحصل غرض الواقف بحيث يكون هو وغيره طريقين موصلين إلى مقصوده ومقصود الشارع من كلِّ وجه= لم يتعيَّن عليه التزام الشرط، بل له العدول عنه إلى ما هو أسهل عليه،

стр. 2480

وأرفق به. وإن ترجَّح موجَب الشرط وكان قصدُ القربة والطاعة فيه أظهرَ وجب التزامه. فهذا هو القول الكلي في شروط الواقفين، وما يجب التزامه منها، وما يسوغ، وما لا يجب. ومن سلك غير هذا المسلك تناقَض أظهر تناقض، ولم يثبت له قدمٌ يعتمد عليه. فإذا شرَط الواقفُ أن يصلّي الموقوفُ عليه في هذا المكان المعيَّن الصلوات الخمس ولو كان وحده، وإلى جانبه المسجد الأعظم وجماعة المسلمين= لم يجب عليه الوفاء بهذا الشرط، بل ولا يحِلُّ له التزامُه إذا فاتته الجماعة؛ فإن الجماعة إما شرطٌ لا تصح الصلاة بدونها، وإما واجبة يستحقُّ تاركها العقوبة، وإن صحَّت صلاته؛ وإما سنة [١٩٤/أ] مؤكدة يقاتَل تاركُها. وعلى كلِّ تقدير فلا يحِلُّ التزامُ شرطٍ يُخِلُّ بها. وكذلك إذا شرَط الواقفُ العزوبيةَ وتركَ التأهُّل لم يجب الوفاء بهذا الشرط (١) ولا التزامه، بل من التزمه رغبةً عن السنة فليس من الله ورسوله في شيء. فإن النكاح عند الحاجة إليه إما فرضٌ يعصي (٢) تاركه، وإما سنّةٌ الاشتغالُ بها (٣) أفضلُ من صيام النهار وقيام الليل وسائر أوراد التطوعات، وإما سنّةٌ يثاب فاعلُها كما يثاب فاعلُ السنن والمندوبات. وعلى كلِّ تقدير

стр. 2481

فلا يجوز اشتراط تعطيله وتركه (١)، إذ يصير مضمونُ هذا الشرط أنه لا يستحقُّ تناولَ الوقف إلا من عطَّل ما فرض الله عليه وخالَف سنة رسول الله ﷺ ، ومَن فعَلَ ما فرضه الله عليه وقام بالسنَّة لم يحِلَّ له أن يتناول من هذا الوقف شيئًا؛ ولا يخفى ما في التزام هذا الشرط والإلزام به من مضادَّة الله ورسوله. وهو أقبح من اشتراطه تركَ الوتر والسنن الراتبة، وصيام الاثنين والخميس، والتطوع بالليل؛ بل أقبح من اشتراطه تركَ ذكرِ الله بكرةً وعشيًّا ونحو ذلك. ومن هذا (٢): اشتراطه أن يصلّي الصلوات في التربة المدفون بها ويدَعَ المسجد. وهذا (٣) مضادٌّ لدين الإسلام أعظمَ مضادَّة، فإن رسول الله ﷺ لعن المتّخذين قبور أنبيائهم مساجد (٤). فالصلاة في المقبرة معصية لله ورسوله، باطلة عند كثير من أهل العلم، لا يقبلها الله ولا تُبرئ الذمة (٥)؛ فكيف يجوز التزامُ شرط الواقف لها، وتعطيلُ شرط الله ورسوله؟ فهكذا يُغيَّر (٦) الدين لولا أن الله سبحانه يقيم له من يبيِّن أعلامه، ويدعو إليه. ومن ذلك: اشتراط إيقاد سراج أو قنديل على القبر. فلا يحِلُّ للواقف

стр. 2482

شرطُ ذلك (١)، ولا للحاكم تنفيذه، ولا للمفتي تسويغه، ولا للموقوف عليه فعله والتزامه؛ فقد لعن رسولُ الله ﷺ المتَّخذين السُّرُجَ على القبور (٢)، فكيف يحِلُّ للمسلم أن يُلزم أو يسوِّغ فعلَ ما لعَن رسولُ الله (٣) ﷺ فاعلَه؟ وحضرتُ بعضَ قضاة الإسلام يومًا، وقد جاءه كتابُ وقفٍ على تُربة ليثبته، وفيه: «وأنه يُوقِد على القبر كلَّ ليلة قنديلًا (٤)»، فقلت له: كيف يحِلُّ لك أن تُثبت هذا الكتابَ وتحكُمَ بصحته، مع علمك بلعنة رسول الله ﷺ للمتخذين السُّرُجَ على القبور؟ فأمسك عن إثباته، وقال: الأمر كما قلتَ. أو كما قال. ومن ذلك: أن يشترط القراءةَ عند قبره دون البيوت التي أذن الله أن تُرفَع ويُذكَر فيها اسمُه يسبِّح له فيها بالغدو والآصال. والناس لهم فيها (٥) قولان: أحدهما: أن القراءة لا تصل إلى الميت، فلا فرق بين أن يقرأ عند القبر أو

стр. 2483

بعيدًا منه عند هؤلاء. والثاني: أنها تصل، ووصولُها فرعُ حصول الثواب للقارئ، ثم ينتقل منه إلى الميت. فإذا كانت قراءة القارئ ومجيئه إلى القبر إنما هو لأجل الجُعْل، لم يُقصَد (١) به التقرب إلى الله= لم يحصُل له ثواب، فكيف ينتقل عنه إلى الميِّت، وهو فرعه؟ فما زاد بمجيئه إلى التربة إلا العناء والتعب؛ بخلاف ما إذا قرأ لله (٢) في المسجد أو غيره في مكان يكون أسهلَ عليه، وأعظمَ [١٩٤/ب] لإخلاصه، ثم جعَل ثوابَ ذلك للميِّت= وصل إليه. وذاكرتُ مرةً بهذا المعنى بعضَ الفضلاء، فاعترف به، وقال: لكن بقي شيء آخر، وهو أن الواقف قد يكون قصَد انتفاعَه بسماع القرآن على قبره، ووصولَ بركة ذلك إليه. فقلت له: انتفاعُه بسَماع القرآن مشروطٌ بحياته، فلما مات انقطع عملُه كلُّه. واستماعُ القرآن من أفضل الأعمال الصالحة، وقد انقطع بموته، ولو كان ذلك ممكنًا لكان السلف الطيب من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم أولى بهذا الحظ العظيم، لمسارعتهم إلى الخير وحرصِهم عليه، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه. فالذي لا شكَّ فيه أنه لا يجب حضورُ التربة، ولا تتعيَّن القراءة عند القبر. ونظير هذا ما لو وقف وقفًا يتصدَّق به عند القبر، كما يفعل كثير من الجهال، فإنَّ في ذلك من تعنية الفقير وإتعابه وإزعاجه من موضعه إلى الجبَّانة (٣) في حال الحرّ والبرد والضعف حتَّى يأخذ تلك الصدقة عند القبر

стр. 2484

مما (١) لعله أن يُحبِط أجرها، ويمنع انعقاده بالكلّية. ومن هذا لو شرَط واقفُ الخانقاه وغيرها على أهلها أن لا يشتغلوا بكتابة العلم وسماع الحديث والاشتغال بالفقه، فإن هذا شرط باطل مضادٌّ لدين الإسلام، لا يحلُّ تنفيذه ولا التزامه، ولا يستحق من قام به شيئًا من الوقف (٢)؛ فإن مضمون هذا الشرط أن الوقف المعيَّن إنما يستحقُّه مَن ترَك ما يجب عليه من العلم النافع، وجهِل أمرَ الله ورسوله ودينه، وجهِل أسماءه وصفاته وسنة نبيه ﷺ وأحكام الثواب والعقاب. ولا ريب أن هذا الصنف شرار (٣) خلق الله، وأمقتهم عند الله ورسوله، وهم خاصَّة الشيطان وأولياؤه وحزبه ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩]. ومن ذلك إن شرَطَ (٤) الواقف أن لا يُقرأ في ذلك المكان شيءٌ من آيات الصفات وأحاديث الصفات، كما أمر به بعضُ أعداء الله من الجهمية لبعض الملوك، وقد وقف مسجدًا لله. ومضمون هذا الشرط المضادِّ لما بعث الله به رسوله أن يعطَّل أكثرُ آيات القرآن عن التلاوة والتدبر والتفهم، وكثيرٌ من السنة أو أكثرُها عن أن تُذكَر أو تُروى أو تُسمَع أو يُهتدى بها، ويقام سوقُ التجهُّمِ والكلامِ المبتدَع المذموم، الذي هو كفيل بالبدع والضلالة والشك والحيرة.

стр. 2485

ومن ذلك أيضًا: أن يقف مكانًا إمَّا مسجدًا (١) أو مدرسةً أو رباطًا على طائفة معيَّنة من الناس دون غيرهم، كالعجم مثلًا أو الروم أو الترك أو غيرهم. وهذا من أبطل الشروط، فإن مضمونه أن أقارب رسول الله ﷺ وذرية المهاجرين والأنصار لا يحِلُّ لهم أن يصلُّوا في هذا المسجد، ولا ينزلوا في هذا الرباط أو المدرسة أو الخانقاه. بل لو أمكن أن يكون أبو بكر وعمر وأهلُ بدر وأهلُ بيعة الرضوان بين أظهرنا حرُم عليهم النزولُ بهذا المكان الموقوف. وهذه الشروط والاشتغال بها والاعتداد بها من أسمَج الهذيَان، ولا تصدر من قلب طاهر، ولا ينفِّذها مَن شمَّ روائحَ العلم الذي بعث الله به رسولَه. وكذلك لو شرَط أن يكون المقيمون بهذه الأمكنة طائفةً من أهل البدع [١٩٥/أ] كالشيعة والخوارج والمعتزلة والجهمية، والمبتدعين في أعمالهم كأصحاب الإشارات واللَّاذَن (٢) والتسيير (٣) والتغيير (٤) وأكل الحيات وأصحاب النار، وأشباه الذئاب المشتغلين بالأكل والشرب والرقص= لم يصح هذا الشرط، وكان غيرُهم أحقَّ بالمكان منهم، وشروطُ الله أحقُّ. فهذه

стр. 2486

الشروط وأضعافها وأضعاف أضعافها من باب التعاون على الإثم والعدوان، والله تعالى إنما أمَر بالتعاون على البرِّ والتقوى، وهو ما شرعه على لسان رسوله (١)، دون ما لم يشرعه، فكيف بما شُرِع خلافَه! والوقف إنما يصح على القُرَب والطاعات، ولا فرق في ذلك بين مصرفه وجهته وشرطه؛ فإن الشرط صفة وحال في الجهة والمصرف، فإذا اشترط أن يكون المصروف (٢) قربة وطاعة فالشرط كذلك، ولا يقتضي الفقه إلا هذا. ولا يمكن أحدًا أن ينقل عن أئمة الإسلام الذين لهم في الأمة لسانُ صدق ما يخالف ذلك البتة. بل نشهد بالله ولله أن الأئمة لا تخالف ما ذكرناه، وأن هذا نفس قولهم، وقد أعاذهم الله من غيره. وإنما يقع الغلط الكثير (٣) من المنتسبين إليهم في فهم أقوالهم، كما وقع لبعض من نصَب نفسَه للفتوى من أهل عصرنا: ما تقول السادة الفقهاء (٤) في رجل وقَف وقفًا على أهل الذمة، هل يصحُّ ويتقيَّد الاستحقاق بكونه منهم؟ فأجاب بصحة الوقف، وتقيُّد (٥) الاستحقاق بذلك الوصف، وقال: هكذا قال أصحابنا، ويصح الوقف على أهل الذمة. فأنكر ذلك شيخُنا عليه غاية الإنكار، وقال: مقصود الفقهاء بذلك أن كونه من أهل الذمة ليس مانعًا من صحة الوقف عليه بالقرابة أو بالتعيين. وليس مقصودهم أن الكفر بالله ورسوله أو عبادة

стр. 2487

الصليب وقولهم إن المسيح ابن الله شرطٌ لاستحقاق الوقف، حتَّى إن من آمن بالله ورسوله واتبع دينَ الإسلام لم يحِلَّ له أن يتناول بعد ذلك من الوقف، فيكون حلُّ تناوله مشروطًا بتكذيب الله ورسوله، والكفر بدين الإسلام. ففرقٌ بين كون وصف الذمة مانعًا من صحة الوقف، وبين كونه مقتضيًا. فغلُظَ طبعُ هذا المفتي، وكثُفَ فهمُه، وغلُظَ حجابُه عن ذلك، ولم يميِّز. ونظير هذا أن يقف على الأغنياء، فهذا يصح إذا كان الموقوف عليه غنيًّا أو ذا قرابة، فلا يكون الغنى مانعًا. ولا يصح أن يكون جهة الاستحقاق هو الغنى، فيستحق ما دام غنيًّا، فإذا افتقر واضطُرَّ إلى ما يقيم أوَدَه حرُم عليه تناولُ الوقف؛ فهذا لا يقوله إلا من حُرِم التوفيقَ، وصحِبه الخذلان. ولو رأى رسول الله ﷺ أحدًا من الأئمة يفعل ذلك لاشتدَّ إنكارُه وغضبُه عليه، ولَمَا أقرَّه البتة. وكذلك لو رأى رجلًا من أمته قد وقف على من يكون من الرجال عزَبًا غير متأهِّل، فإذا تأهَّلَ حرُم عليه تناولُ الوقف= لاشتدَّ غضبُه ونكيرُه عليه. بل دينُه يخالف هذا، فإنه كان إذا جاءه مالٌ أعطى العزبَ حظًّا، وأعطى الآهل حظَّين (١). وأخبر أن ثلاثةً حقٌّ على الله [١٩٥/ب] عونُهم، فذكَر منهم الناكحَ يريد العفافَ (٢)، وملتزم هذا الشرط حقٌّ عليه عدمُ إعانة الناكح. ومن هذا: أن يشترط أنه لا يستحقُّ الوقفَ إلا مَن ترك الواجبَ عليه من طلب النصوص ومعرفتها، والتفقُّهِ في متونها، والتمسُّكِ بها، إلى الأخذ

стр. 2488

بقول فقيه معيَّن يترك لقوله قولَ من سواه، بل يترك النصوصَ لقوله. فهذا شرطٌ من أبطَل الشروط، وقد صرَّح أصحابُ الشافعي وأحمد بأن الإمام إذا شرَط على القاضي أن لا يقضي إلا بمذهب معيَّن بطل الشرطُ، ولم يجُز له التزامه. وفي بطلان التولية قولان مبنيَّان على بطلان العقود بالشروط الفاسدة. وطردُ هذا: أن المفتي متى شُرِط عليه أن لا يفتي إلا بمذهب معيَّن بطل الشرط. وطردُه أيضًا: أن الواقف متى شرَط على الفقيه أن لا ينظر ولا يشتغل إلا بمذهب معيَّن بحيث يهجُر له كتابَ الله وسنةَ رسوله، وفتاوى الصحابة ومذاهب العلماء= لم يصحَّ هذا الشرط قطعًا، ولا يجب التزامه، بل ولا يسوغ. وعقدُ هذا الباب وضابطُه: أن المقصود إنما هو التعاون على البرِّ والتقوى، وأن يطاع الله ورسوله بحسب الإمكان، وأن يقدَّم من قدَّمه الله ورسولُه، ويؤخَّر من أخّره الله ورسوله، ويُعتبَر ما اعتبره الله ورسوله، ويُلغى ما ألغاه الله ورسوله. وشروط الواقفين لا تزيد على نذر الناذرين، فكما أنه لا يوفَى من النذور إلا بما كان طاعةً لله ورسوله، فلا يلتزم (١) من شروط الواقفين إلا ما كان طاعةً الله ورسوله. فإن قيل: الواقف إنما نقل ماله لمن قام بهذه الصفة، فهو الذي رضي بنقل ماله إليه، ولم يرضَ بنقله إلى غيره، وإن كان أفضل منه. فالوقف يجري مجرى الجِعالة، فإذا بذل الجاعلُ ماله لمن يعمل عملًا لم يستحقَّه من عمل

стр. 2489

غيره، وإن كان بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض. قيل: هذا منشأ الوهم والإيهام في هذه المسألة، وهو الذي قام بقلوب ضعَفة المتفقِّهين، فالتزموا وألزموا من الشروط بما غيرُه أحبُّ إلى الله، وأرضى له منه، بإجماع الأمة بالضرورة المعلومة من الدين. وجواب هذا الوهم أن الجاعل يبذل ماله في غرضه الذي يريده، إما محرَّمًا أو مكروهًا أو مباحًا أو مستحبًّا راجحًا (١)، لينال غرضه الذي بذل فيه ماله. وأما الواقف فإنما يبذل ماله فيما يقرِّبه إلى الله وثوابه، فهو لما علم أنه لم يبق له تمكُّنٌ من بذل ماله في أغراضه أحبَّ أن يبذله فيما يقرِّبه إلى الله وما هو أنفع له في الدار الآخرة. ولا يشك عاقل أن هذا غرض الواقفين، بل ولا يشك واقف أن هذا غرضه. والله ملَّكه المال لينتفع به في حياته، وأذِن له أن يحبسه لينتفع به بعد وفاته، فلم يملِّكه أن يفعل به بعد موته ما كان يفعل به في حياته، بل حجَر عليه فيه، وملَّكه ثُلُثَه يوصي به بما يجوز ويسوغ أن يوصي به، حتى إن حاف (٢) أو جار أو أثم في وصيته ساغ (٣) بل وجب على الموصَى والورثة ردُّ ذلك الجور والحيف (٤) والإثم، ورفَع سبحانه الإثم عمن يردُّ ذلك الحيف والإثم، [١٩٦/أ] من الورثة والأوصياء. فهو سبحانه لم يملِّكه أن يتصرَّف في ماله بتحبيس أصله (٥) إلا على وجهٍ

стр. 2490

يقرِّبه إليه، ويُدنيه من رضاه، لا على أيِّ وجه أراد. ولم يأذن الله ولا رسوله للمكلَّف أن يتصرَّف في تحبيس ماله بعده على أيِّ وجه أراده أبدًا. فأين في كلام الله ورسوله أو أحد من الصحابة ما يدل على أن لصاحب المال أن يقف ما أراد على من أراد، ويشرط ما أراد، ويجب على الحكام والمفتين أن ينِّفذوا وقفه، ويُلزموا بشروطه؟ وأما ما قد لهِج به بعضُهم من قوله «نصوص (١) الواقف كنصوص الشارع»، فهذا يراد به معنى صحيح ومعنى باطل. فإن أريد أنها كنصوص الشارع في الفهم والدلالة وتقييد مطلقها بمقيَّدها وتقديم خاصِّها على عامِّها، والأخذ فيها بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ فهذا حقٌّ من حيث الجملة. وإن أريد أنها كنصوص الشارع في وجوب مراعاتها والتزامها وتنفيذها فهذا من أبطل الباطل، بل يبطل منها ما لم يكن طاعة لله ورسوله، وما غيرُه أحبُّ إلى الله وأرضى له ولرسوله منه، وينفَّذ منها ما كان قربة وطاعة، كما تقدَّم. ولما نذر أبو إسرائيل أن يصوم ويقوم في الشمس، ولا يجلس، ولا يتكلَّم= أمره النبيُّ ﷺ أن يجلس في الظل، ويتكلَّم، ويتمَّ صومه (٢). فألزمه بالوفاء بالطاعة، ونهاه عن الوفاء بما ليس بطاعة. وهكذا (٣) أخت عقبة بن عامر لما نذرت الحجَّ ماشيةً مكشوفةَ الرأس
следующие страницы →