الشروط وأضعافها وأضعاف أضعافها من باب التعاون على الإثم والعدوان، والله تعالى إنما أمَر بالتعاون على البرِّ والتقوى، وهو ما شرعه على لسان رسوله (١)، دون ما لم يشرعه، فكيف بما شُرِع خلافَه!
والوقف إنما يصح على القُرَب والطاعات، ولا فرق في ذلك بين مصرفه وجهته وشرطه؛ فإن الشرط صفة وحال في الجهة والمصرف، فإذا اشترط أن يكون المصروف (٢) قربة وطاعة فالشرط كذلك، ولا يقتضي الفقه إلا هذا. ولا يمكن أحدًا أن ينقل عن أئمة الإسلام الذين لهم في الأمة لسانُ صدق ما يخالف ذلك البتة. بل نشهد بالله ولله أن الأئمة لا تخالف ما ذكرناه، وأن هذا نفس قولهم، وقد أعاذهم الله من غيره. وإنما يقع الغلط الكثير (٣) من المنتسبين إليهم في فهم أقوالهم، كما وقع لبعض من نصَب نفسَه للفتوى من أهل عصرنا: ما تقول السادة الفقهاء (٤) في رجل وقَف وقفًا على أهل الذمة، هل يصحُّ ويتقيَّد الاستحقاق بكونه منهم؟ فأجاب بصحة الوقف، وتقيُّد (٥) الاستحقاق بذلك الوصف، وقال: هكذا قال أصحابنا، ويصح الوقف على أهل الذمة. فأنكر ذلك شيخُنا عليه غاية الإنكار، وقال: مقصود الفقهاء بذلك أن كونه من أهل الذمة ليس مانعًا من صحة الوقف عليه بالقرابة أو بالتعيين. وليس مقصودهم أن الكفر بالله ورسوله أو عبادة
стр. 2487
الصليب وقولهم إن المسيح ابن الله شرطٌ لاستحقاق الوقف، حتَّى إن من آمن بالله ورسوله واتبع دينَ الإسلام لم يحِلَّ له أن يتناول بعد ذلك من الوقف، فيكون حلُّ تناوله مشروطًا بتكذيب الله ورسوله، والكفر بدين الإسلام. ففرقٌ بين كون وصف الذمة مانعًا من صحة الوقف، وبين كونه مقتضيًا. فغلُظَ طبعُ هذا المفتي، وكثُفَ فهمُه، وغلُظَ حجابُه عن ذلك، ولم يميِّز.
ونظير هذا أن يقف على الأغنياء، فهذا يصح إذا كان الموقوف عليه غنيًّا أو ذا قرابة، فلا يكون الغنى مانعًا. ولا يصح أن يكون جهة الاستحقاق هو الغنى، فيستحق ما دام غنيًّا، فإذا افتقر واضطُرَّ إلى ما يقيم أوَدَه حرُم عليه تناولُ الوقف؛ فهذا لا يقوله إلا من حُرِم التوفيقَ، وصحِبه الخذلان. ولو رأى رسول الله ﷺ أحدًا من الأئمة يفعل ذلك لاشتدَّ إنكارُه وغضبُه عليه، ولَمَا أقرَّه البتة. وكذلك لو رأى رجلًا من أمته قد وقف على من يكون من الرجال عزَبًا غير متأهِّل، فإذا تأهَّلَ حرُم عليه تناولُ الوقف= لاشتدَّ غضبُه ونكيرُه عليه. بل دينُه يخالف هذا، فإنه كان إذا جاءه مالٌ أعطى العزبَ حظًّا، وأعطى الآهل حظَّين (١). وأخبر أن ثلاثةً حقٌّ على الله [١٩٥/ب] عونُهم، فذكَر منهم الناكحَ يريد العفافَ (٢)، وملتزم هذا الشرط حقٌّ عليه عدمُ إعانة الناكح.
ومن هذا: أن يشترط أنه لا يستحقُّ الوقفَ إلا مَن ترك الواجبَ عليه من طلب النصوص ومعرفتها، والتفقُّهِ في متونها، والتمسُّكِ بها، إلى الأخذ
стр. 2488
بقول فقيه معيَّن يترك لقوله قولَ من سواه، بل يترك النصوصَ لقوله. فهذا شرطٌ من أبطَل الشروط، وقد صرَّح أصحابُ الشافعي وأحمد بأن الإمام إذا شرَط على القاضي أن لا يقضي إلا بمذهب معيَّن بطل الشرطُ، ولم يجُز له التزامه. وفي بطلان التولية قولان مبنيَّان على بطلان العقود بالشروط الفاسدة.
وطردُ هذا: أن المفتي متى شُرِط عليه أن لا يفتي إلا بمذهب معيَّن بطل الشرط. وطردُه أيضًا: أن الواقف متى شرَط على الفقيه أن لا ينظر ولا يشتغل إلا بمذهب معيَّن بحيث يهجُر له كتابَ الله وسنةَ رسوله، وفتاوى الصحابة ومذاهب العلماء= لم يصحَّ هذا الشرط قطعًا، ولا يجب التزامه، بل ولا يسوغ.
وعقدُ هذا الباب وضابطُه: أن المقصود إنما هو التعاون على البرِّ والتقوى، وأن يطاع الله ورسوله بحسب الإمكان، وأن يقدَّم من قدَّمه الله ورسولُه، ويؤخَّر من أخّره الله ورسوله، ويُعتبَر ما اعتبره الله ورسوله، ويُلغى ما ألغاه الله ورسوله. وشروط الواقفين لا تزيد على نذر الناذرين، فكما أنه لا يوفَى من النذور إلا بما كان طاعةً لله ورسوله، فلا يلتزم (١) من شروط الواقفين إلا ما كان طاعةً الله ورسوله.
فإن قيل: الواقف إنما نقل ماله لمن قام بهذه الصفة، فهو الذي رضي بنقل ماله إليه، ولم يرضَ بنقله إلى غيره، وإن كان أفضل منه. فالوقف يجري مجرى الجِعالة، فإذا بذل الجاعلُ ماله لمن يعمل عملًا لم يستحقَّه من عمل
стр. 2489
غيره، وإن كان بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض.
قيل: هذا منشأ الوهم والإيهام في هذه المسألة، وهو الذي قام بقلوب ضعَفة المتفقِّهين، فالتزموا وألزموا من الشروط بما غيرُه أحبُّ إلى الله، وأرضى له منه، بإجماع الأمة بالضرورة المعلومة من الدين.
وجواب هذا الوهم أن الجاعل يبذل ماله في غرضه الذي يريده، إما محرَّمًا أو مكروهًا أو مباحًا أو مستحبًّا راجحًا (١)، لينال غرضه الذي بذل فيه ماله. وأما الواقف فإنما يبذل ماله فيما يقرِّبه إلى الله وثوابه، فهو لما علم أنه لم يبق له تمكُّنٌ من بذل ماله في أغراضه أحبَّ أن يبذله فيما يقرِّبه إلى الله وما هو أنفع له في الدار الآخرة. ولا يشك عاقل أن هذا غرض الواقفين، بل ولا يشك واقف أن هذا غرضه. والله ملَّكه المال لينتفع به في حياته، وأذِن له أن يحبسه لينتفع به بعد وفاته، فلم يملِّكه أن يفعل به بعد موته ما كان يفعل به في حياته، بل حجَر عليه فيه، وملَّكه ثُلُثَه يوصي به بما يجوز ويسوغ أن يوصي به، حتى إن حاف (٢) أو جار أو أثم في وصيته ساغ (٣) بل وجب على الموصَى والورثة ردُّ ذلك الجور والحيف (٤) والإثم، ورفَع سبحانه الإثم عمن يردُّ ذلك الحيف والإثم، [١٩٦/أ] من الورثة والأوصياء. فهو سبحانه لم يملِّكه أن يتصرَّف في ماله بتحبيس أصله (٥) إلا على وجهٍ
стр. 2490
يقرِّبه إليه، ويُدنيه من رضاه، لا على أيِّ وجه أراد. ولم يأذن الله ولا رسوله للمكلَّف أن يتصرَّف في تحبيس ماله بعده على أيِّ وجه أراده أبدًا. فأين في كلام الله ورسوله أو أحد من الصحابة ما يدل على أن لصاحب المال أن يقف ما أراد على من أراد، ويشرط ما أراد، ويجب على الحكام والمفتين أن ينِّفذوا وقفه، ويُلزموا بشروطه؟
وأما ما قد لهِج به بعضُهم من قوله «نصوص (١) الواقف كنصوص الشارع»، فهذا يراد به معنى صحيح ومعنى باطل. فإن أريد أنها كنصوص الشارع في الفهم والدلالة وتقييد مطلقها بمقيَّدها وتقديم خاصِّها على عامِّها، والأخذ فيها بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ فهذا حقٌّ من حيث الجملة. وإن أريد أنها كنصوص الشارع في وجوب مراعاتها والتزامها وتنفيذها فهذا من أبطل الباطل، بل يبطل منها ما لم يكن طاعة لله ورسوله، وما غيرُه أحبُّ إلى الله وأرضى له ولرسوله منه، وينفَّذ منها ما كان قربة وطاعة، كما تقدَّم.
ولما نذر أبو إسرائيل أن يصوم ويقوم في الشمس، ولا يجلس، ولا يتكلَّم= أمره النبيُّ ﷺ أن يجلس في الظل، ويتكلَّم، ويتمَّ صومه (٢). فألزمه بالوفاء بالطاعة، ونهاه عن الوفاء بما ليس بطاعة.
وهكذا (٣) أخت عقبة بن عامر لما نذرت الحجَّ ماشيةً مكشوفةَ الرأس
стр. 2491
أمرَها أن تختمر، وتركَب، وتحُجَّ، وتُهدي بدَنة (١). فهكذا الواجب على أتباع الرسول صلوات الله وسلامه عليه أن يعتمدوا في شروط الواقفين. وبالله التوفيق.
الفائدة الثامنة عشرة: ليس للمفتي أن يطلق الجوابَ في مسألةٍ فيها تفصيل، إلا إذا علِم أن السائل إنما سأل عن أحد تلك الأنواع. بل إذا كانت المسألة تحتاج إلى التفصيل استفصله، كما استفصل النبيُّ ﷺ ماعزًا لما أقرَّ بالزنا: هل وجد منه مقدِّماته أو حقيقته؟ فلما أجابه عن الحقيقة استفصله: هل به جنون، فيكون إقراره غير معتبَر أم هو عاقل؟ فلما علِم عقلَه استفصله بأن أمَر باستنكاهه، ليعلم هل هو سكران أم صاح؟ فلما علم أنه صاحٍ استفصله: هل أحصن أم لا؟ فلما علم أنه قد أحصن أقام عليه الحد (٢).
ومن هذا: قوله لمن سألته: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال: «نعم إذا رأت الماء» (٣). فتضمَّن هذا الجوابُ الاستفصالَ بأنها يجب عليها الغسل في حال، ولا يجب عليها في حال.
стр. 2492
ومن ذلك أن أبا النعمان بن بشير سأل رسول الله ﷺ أن يشهد على غلامٍ نحَلَه ابنَه، فاستفصله، وقال: «أكلَّ ولدِك نحلتَه كذلك؟» فقال: لا، فأبى أن يشهد (١). وتحت هذا الاستفصال: أن ولدك إن كانوا اشتركوا في النَّحْل صلح ذلك، وإلا لم يصلح (٢).
ومن ذلك: أن ابن أم مكتوم استفتاه: هل يجد له رخصة أن يصلِّي في بيته؟ فقال له (٣): «هل تسمع النداء؟» قال: نعم. قال: «فأجِبْ» (٤). فاستفصله بين أن يسمع النداء [١٩٦/ب] أو لا يسمعه.
ومن ذلك أنه لما استفتي عن رجلٍ وقع على جارية امرأته، فقال: إن كان استكرهها فهي حرَّة وعليه مثلُها، وإن كانت طاوعته فهي له، وعليه لسيدتها مثلُها (٥).
وهذا كثير في فتاويه ﷺ .
فإذا سئل المفتي عن رجلٍ دفع ثوبه إلى قصَّار يقصُره، فأنكر القصار الثوبَ ثم أقرَّ به، هل يستحق الأجرةَ على القِصارة أم لا؟ فالجواب بالإطلاق خطأٌ نفيًا وإثباتًا، والصواب التفصيل. فإن كان قصَره قبل جحوده (٦) فله أجرة القِصارة، لأنه قصَره لصاحبه. وإن كان قصَره بعد
стр. 2493
جحوده فلا أجرة له لأنه قصَره لنفسه.
وكذلك إذا سئل عن رجلٍ حلَف يفعل كذا (١)، ففعَلَه، لم يجُز له أن يفتي بحِنثه حتَّى يستفصله: هل كان ثابتَ العقل وقتَ فعلِه أم لا؟ وإذا كان ثابتَ العقل فهل كان مختارًا في يمينه أم لا؟ وإذا كان مختارًا فهل استثنى عقيبَ يمينه أم لا؟ وإذا لم يستثنِ فهل فعَل المحلوفَ عليه عالمًا ذاكرًا مختارًا أم كان ناسيًا أو جاهلًا أو مُكرَهًا؟ وإذا كان عالمًا مختارًا فهل كان المحلوفُ عليه داخلًا في قصده ونيته، أو قصَد عدمَ دخوله، فخصَّصه بنيته، أو لم يقصد دخوله ولا نوى تخصيصه؟ فإنَّ الحِنثَ يختلف باختلاف ذلك كلِّه. ورأينا من مفتي العصر من بادر إلى التحنيث، فاستفصلنا (٢)، فوجدناه غيرَ حانث في مذهب من أفتاه؛ وقع ذلك مرارًا. فخطر المفتي عظيم، فإنه موقِّع عن الله ورسوله، زاعمٌ أن الله أمَر بكذا، وحرَّم كذا، وأوجب كذا.
ومن ذلك: أن يستفتيه عن الجمع بين الظهر والعصر مثلًا: هل يجوز له أن يفرِّق بينهما؟ فجوابه بتفصيل المسألتين، وأن الجمع إن كان في وقت الأولى لم يجُز التفريق، وإن كان في وقت الثانية جاز.
ومن ذلك أنه لو قال له: إن لم تُحرِقْ هذا المتاع أو تَهدِمْ هذه الدار أو
стр. 2494
تُتلف هذا المال، وإلا (١) قتلتُك، ففعل: هل يضمن أم لا؟ جوابه بالتفصيل، فإن كان المال المكرَه على إتلافه للمُكرِه لم يضمن، وإن كان لغيره ضمِنَه.
وكذلك لو سأله عن (٢) المظاهِر إذا وطئ في أثناء الكفارة: هل يلزمه الاستئناف أو يبني؟ فجوابه بالتفصيل أنه إن (٣) كفَّر بالصيام فوطئ في أثنائه لزمه الاستئناف، وإن كفَّر بالإطعام لم يلزمه الاستئناف، وله البناء؛ فإنَّ حكمَ تتابع الصوم وكونه قبل المسيس قد انقطع به (٤)، بخلاف الإطعام.
وكذلك لو سأله عن المكفِّر بالعتق إذا أعتق عبدًا مقطوعةً إصبعُه، فجوابه بالتفصيل: إن كان إبهامًا لم يُجْزئه، وإلا أجزأه. فلو قال له: مقطوعَ الإصبعين، وهما الخنصر والبنصر؛ فجوابه بالتفصيل أيضًا: إن كانا من يد واحدة لم يُجزئه، وإن كانت كلُّ إصبع من يدٍ أجزأه.
وكذلك لو سأله عن فاسقٍ التقط لُقَطةً أو لقيطًا، هل يقرُّ في يده؟ فجوابه بالتفصيل. تقرُّ اللقطة دون اللقيط، لأنها كسبٌ، فلا يُمنَع منه الملتقط. وثبوتُ يده على اللقيط ولاية، وليس من أهلها.
ولو قال له: اشتريتُ سمكةً، فوجدت في جوفها مالًا، ما أصنع به؟ فجوابه: إن كان لؤلؤةً [١٩٧/أ] أو جوهرةً فهو للصياد، لأنه ملَكه بالاصطياد،
стр. 2495
ولم تطِب نفسه لك به. وإن كان خاتمًا أو دينارًا فهو لُقَطة يجب تعريفها كغيرها.
وكذلك لو قال له: اشتريتُ حيوانًا، فوجدتُ في جوفه جوهرةً؛ فجوابه: إن كان (١) شاةً فهي لُقَطة للمشتري، يلزمه تعريفُها حولًا، ثم هي له بعده. وإن كان سمكة أو غيرها من دوابِّ البحر فهي مِلكٌ للصياد. والفرق واضح.
ومن ذلك: لو سأله عن عبدٍ التقط لُقَطةً، فأنفقها: هل تتعلَّق بذمته أو برقبته؟ فجوابه: أنه إن أنفقها قبل التعريف حولًا فهي في رقبته، وإن أنفقها بعد حول التعريف فهي في ذمته يتبع بها بعد العتق. نصَّ عليهما (٢) الإمام أحمد مفرِّقًا بينهما، لأنه قبل الحول ممنوع منها، فإنفاقُه لها جنايةٌ منه عليها؛ وبعد الحول غير ممنوع منها بالنسبة إلى مالكها، فإذا أنفقها في هذه الحال فكأنه أنفقها بإذن مالكها، فتتعلَّق بذمته كديونه.
ومن ذلك: لو سأله عن رجل جعَل جُعْلًا لمن ردَّ عليه لُقَطتَه، فهل يستحقُّه من ردَّها؟ فجوابه: إن التقطها قبل بلوغ قول الجاعل لم يستحقَّه، لأنه لم يلتقطها لأجل الجُعْل، وقد وجب عليه ردُّها بظهور مالكها. وإن التقطها بعد أن بلغه الجُعْلَ استحقَّه.
ومن ذلك: أن يسأل فيقول: هل يجوز للوالدين أن يتملَّكا مالَ ولدهما، أو يرجعان (٣) فيما وهباه؟ فالجواب أن ذلك للأب، دون الأم.
стр. 2496
وكذلك إذا شهد له اثنان من ورثته غير الأب والابن بالجرح، فالجواب فيه تفصيل: فإن شهدا قبل الاندمال لم تُقبَل للتهمة، وإن شهدا بعده قُبلت لعدم التهمة.
ومن ذلك: إذا سئل عن رجل ادَّعى نكاحَ امرأة، فأقرَّت له؛ هل يُقبَل إقرارُها أم لا؟ جوابه بالتفصيل: إن ادَّعى زوجيَّتَها وحدَه قُبِل إقرارها، وإن ادعاها معه آخَرُ لم يُقبَل.
ومن ذلك: لو سئل عن رجل مات، فادَّعى ورثته شيئًا من تركته، وأقاموا شاهدًا، حلَف كلٌّ منهم يمينًا مع الشاهد، فإن حلف بعضُهم استحقَّ قدرَ نصيبه من المدَّعَى؛ وهل يشاركه من لم يحلِف في قدر حصَّته التي انتزعها بيمينه، أو لا يشاركه؟ فالجواب فيه تفصيل: إن كان المدَّعَى دَينًا لم يشاركه وينفرد الحالف بقدر حصته، وإن كان عينًا شاركه من لم يحلف؛ لأن الدَّين غير متعيِّن، فمن حلَف فإنما ثبت بيمينه مقدارُ حصته من الدَّين لا غيره، ومن لم يحلف لم يثبت له حقّ. وأما العين فكلُّ واحد من الورثة يُقِرُّ أن كلَّ جزء منها مشترك بين جماعتهم، وحقوقهم متعلِّقة بعينه، فالمخلص مشترك بين جماعتهم، والباقي غصبٌ على جماعتهم (١).
ومن ذلك: إذا سئل عن رجل استعدى على خصمه ولم يحرِّر الدعوى، هل يحضره الحاكم؟ الجواب بالتفصيل: إن استعدى على حاضر في البلد أحضره لعدم المشقة، وإن كان غائبًا لم يُحضِره حتى يحرِّرها.
ومن ذلك: لو سئل عن رجل قطَع عضوًا من صيد، وأفلَتَ، هل يحِلُّ
стр. 2497
أكلُ العضو؟ الجواب بالتفصيل: إن كان صيدًا بحريًّا حلَّ أكلُه، وإن كان برِّيًّا لم يحِلَّ.
ومن ذلك: لو سئل عن تاجر أهل الذمة، هل يؤخذ منه العُشر؟ [١٩٧/ب] فالجواب بالتفصيل: إن كان رجلًا أُخِذ منه (١). وإن كانت امرأةً، ففيها تفصيل: إن تجرَت (٢) إلى أرض الحجاز أُخِذ منها العُشْر، وإن تجَرت إلى غيرها لم يؤخذ منها شيء، لأنها تُقَرُّ في غير أرض الحجاز بلا جزية.
ومن ذلك: لو سئل عن ميِّتٍ مات، فطلب الأبُ ميراثه، ولم يُعلَم من هم (٣) الورثة غيرُه؛ كم يُعطى الأب؟ فالجواب بالتفصيل: إن كان الميِّت ذكرًا أعطي الأبُ أربعةً من سبعة وعشرين سهمًا، لأن غاية ما يمكن أن يقدَّر معه: زوجة وأم وابنتان، فله أربعةٌ بلا شك من سبعة وعشرين. وإن كان الميِّت أنثى فله سهمان من خمسة عشر (٤)، لأن أكثر ما يمكن أن يقدَّر معه: زوج وأم وابنتان، فله سهمان من خمسة عشر قطعًا.
فإن قال السائل: مات ميِّت، وترك ثلاثَ بنات ابنُ بعضهن أسفل من بعض، مع العليا جدُّها. قال المفتي: إن كان الميِّت ذكرًا فالمسألة محال، لأن جدَّ العليا نفس الميِّت. وإن كان الميت أنثى فجدُّ العليا إما أن يكون زوجَ الميتة أو لا يكون كذلك، فإن كان زوجَها فله الربع، وللعليا النصف، وللوسطى السدس تكملة الثلثين، والباقي للعصبة.
стр. 2498
فلو قال السائل: ميِّتٌ خلَّف ابنتين وأبوين (١)، ولم تُقسَم التركة حتى ماتت إحداهما وخلَّفت من خلَّفت. قال المفتي: إن كان الميت ذكرًا فمسألته من ستة، للأبوين سهمان، ولكلِّ بنت سهمان. فلما ماتت إحداهما خلَّفت جدَّةً وجدًّا وأختًا لأب، فمسألتها من ستة، وتصح من ثمانية عشر، وتركتها سهمان توافق مسألتها بالنصف، فترد إلى تسعة، ثم تضربها في ستة تكون أربعة وخمسين، ومنها تصح. وإن كان الميت أنثى ففريضتها أيضًا من ستة، ثم ماتت إحدى البنتين عن سهمين، وخلَّفت جدّةً وجدًّا من أم وأختًا لأب، فلا شيء للجدّ، وللجدّة السدس، وللأخت النصف، والباقي للعصبة. فمسألتها من ستة، وسهامها اثنان فاضرب ثلاثة في المسألة الأولى تكن ثمانية عشر.
والمقصود: التنبيه على وجوب التفصيل إذا كان يجد السؤال محتملًا. وبالله التوفيق. فكثيرًا ما يقع غلطُ المفتي في هذا القسم، فالمفتي ترد عليه المسائل في قوالب متنوعة جدًّا، فإن لم يتفطَّن لحقيقة السؤال وإلا هلَك (٢) وأهلَك. فتارةً تورد عليه المسألتان صورتُهما واحدة وحكمُهما مختلف: صورةُ الصحيح (٣) والجائزِ صورةُ الباطل والمحرَّم، ويختلفان بالحقيقة، فيذهل بالصورة عن الحقيقة، فيجمع بين ما فرَّق الله ورسوله بينه.
وتارةً تورد عليه المسألتان صورتهما مختلفة، وحقيقتهما واحدة،
стр. 2499
وحكمهما واحد؛ فيذهل باختلاف الصورة عن تساويهما في الحقيقة، فيفرِّق بين ما جمع الله بينه.
وتارةً تورد عليه المسألة مجملةً تحتها عدة أنواع، فيذهب وهمُه إلى واحد منها، أو يشِذّ عنه المسؤول (١) عنه منها، فيجيب بغير الصواب. وتارةً تورد عليه المسألة الباطلة في دين الله في قالبٍ مزخرَف ولفظٍ حسن، فيبادر إلى تسويغها، وهي من أبطل الباطل، وتارةً بالعكس؛ فلا إله إلا الله، كم هاهنا من مزلَّة أقدام، ومحلِّ أوهام!
وما دعا مُحِقٌّ إلى حقٍّ إلا أخرجه الشيطان على لسان أخيه ووليِّه من الإنس في [١٩٨/أ] قالبٍ تنفِر عنه خفافيشُ البصائر وضعفاءُ العقول وهم أكثر الناس. وما حذَّر أحد من باطلٍ إلا أخرجه الشيطان على لسان وليِّه من الإنس في قالبٍ مزيَّف مزخرَف يستخِفُّ به عقولَ ذلك الضرب من الناس، فيستجيبون له. وأكثر الناس نظرهم قاصر على الصور، لا يتجاوزها إلى الحقائق، فهم محبوسون في سجن الألفاظ، مقيَّدون بقيود العبارات، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٣].
وأذكر لك من هذا مثالًا وقع في زماننا، وهو أن السلطان أمر أن يُلزَم أهلُ الذمة بتغيير عمائمهم، وأن تكون خلاف ألوان عمائم المسلمين،
стр. 2500
فقامت لذلك قيامتهم، وعظُم عليهم. وكان في ذلك من المصالح وإعزاز الإسلام وإذلال الكفرة ما قرَّت به عيون المسلمين. فألقى الشيطان على ألسنة أوليائه وإخوانه أن صوَّروا فُتيا يتوصَّلون بها إلى إزالة هذا الغِيَار (١)، وهي: ما تقول السادة العلماء في قوم من أهل الذمة أُلزموا بلباسٍ غير لباسهم المعتاد وزيٍّ غير زيِّهم المألوف، فحصل لهم بذلك ضرر عظيم في الطرقات والفلوات وتجرَّأ عليهم بسببه السفهاء والذُّعَّار (٢)
وآذَوهم غاية الأذى، وطُمِع (٣) بذلك في إهانتهم، والتعدِّي عليهم. فهل يسوغ للإمام ردُّهم إلى زيِّهم الأول، وإعادتُهم إلى ما كانوا عليه، مع حصول التميُّز بعلامةٍ يُعرَفون بها؟ وهل ذلك (٤) مخالفة للشرع أم لا؟ فأجابهم مَن مُنِع التوفيقَ وصُدَّ عن الطريق بجواز ذلك، وأن للإمام إعادتهم إلى ما كانوا عليه.
قال شيخنا: فجاءتني الفتوى، فقلت: لا تجوز إعادتهم، ويجب إبقاؤهم على الزيِّ الذي يتميزون به عن المسلمين. فذهبوا، ثم غيَّروا الفُتيا،
стр. 2501
ثم جاؤوا بها في قالب آخر، فقلت: لا تجوز إعادتهم. فذهبوا، ثم أتوا بها في قالب آخر، فقلت: هي المسألة المعيَّنة، وإن خرجت في عدة قوالب. ثم ذهب إلى السلطان، وتكلَّم عنده بكلام عجِبَ منه الحاضرون، فأطبق القوم على إبقائهم، ولله الحمد.
ونظائر هذه الحادثة أكثر من أن تحصى. فقد ألقى الشيطان على ألسنة أوليائه أن صوَّروا فتوى فيما يحدُث ليلة النصف في الجامع، وأخرجوها في قالب حسن، حتى استخفُّوا عقل بعض المفتين، فأفتاهم بجوازه. وسبحان الله، كم تُوُصِّل بهذه الطرق إلى إبطال حقٍّ، وإثبات باطل! وأكثر الناس إنما هم أهل ظواهر في الكلام واللباس والأفعال، وأهلُ النقد منهم الذين يعبُرون من الظاهر إلى حقيقته وباطنه لا يبلغون عُشْرَ معشار غيرهم، ولا قريبًا من ذلك. فالله المستعان.
الفائدة التاسعة عشرة: إذا سئل عن مسألة من الفرائض لم يجب عليه أن يذكر موانعَ الإرث، فيقول: بشرط أن لا يكون [١٩٨/ب] كافرًا ولا رقيقًا ولا قاتلًا. وإذا سئل عن فريضة فيها أخ وجب عليه أن يقول: إن كان لأبٍ فله كذا، وإن كان لأمٍّ فله كذا. وكذلك إذا سئل عن الأعمام وبنيهم وبني الإخوة وعن الجدِّ والجدَّة فلا بد من التفصيل.
والفرق بين الموضعين أن السؤال المطلق في الصورة الأولى يدل على الوارث الذي لم يقم به مانع من الميراث، كما لو سئل عن رجل باع أو آجرَ أو تزوَّج أو أقرَّ لم يجب عليه أن يذكر موانع الصحة من الجنون والإكراه ونحوهما إلا حيث يكون الاحتمال متساويًا.
стр. 2502
ومن تأمَّل أجوبة النبي ﷺ رآه يستفصل حيث تدعو الحاجة إلى الاستفصال، ويتركه حيث لا يحتاج إليه، ويحيل فيه مرةً على ما عُلِم من شرعه ودينه من شروط الحكم وتوابعه. بل هذا كثير في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقوله: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
ولا يجب على المتكلِّم والمفتي أن يستوعب شرائط الحكم وموانعه كلَّها عند ذكر حكم المسألة، ولا ينفع السائلَ (١) والمتعلِّمَ قولُه «بشرطه، وعدم موانعه» ونحو ذلك، فلا بيانَ أتمُّ من بيان الله ورسوله، ولا هديَ أكملُ من هدي الصحابة والتابعين. وبالله التوفيق.
الفائدة العشرون: لا يجوز للمقلِّد أن يفتي في دين الله بما هو مقلِّد فيه وليس على بصيرة فيه، سوى أنه قولُ من قلَّده دينَه. هذا إجماع من السلف كلِّهم، وصرَّح به أصحاب أحمد والشافعي وغيرهم (٢).
قال أبو عمرو بن الصلاح (٣): قطع أبو عبد الله الحليمي إمام الشافعيين بما وراء النهر والقاضي أبو المحاسن الرُّوياني صاحب «بحر المذهب» وغيرهما بأنه لا يجوز للمقلِّد أن يفتي بما هو مقلِّد فيه.
стр. 2503
قال (١): وذكر الشيخ أبو محمد الجويني في «شرحه لرسالة الشافعي» عن شيخه أبي بكر القفال المروزي أنه يجوز لمن حفِظ مذهبَ صاحبِ مذهبٍ ونصوصَه أن يفتي به، وإن لم يكن عارفًا بغوامضه وحقائقه. وخالفه الشيخ أبو محمد وقال: لا يجوز أن يفتي بمذهب غيره إذا لم يكن متبِّحرًا فيه عالمًا بغوامضه وحقائقه، كما لا يجوز للعامِّي الذي جمع فتاوى المفتين أن يفتي بها. وإذا كان متبحِّرًا فيه جاز أن يفتي به.
وقال أبو عمرو (٢): من قال: لا يجوز له أن يفتي بذلك، معناه: لا يذكره في صورة ما يقوله من عند نفسه، بل يضيفه إلى غيره (٣)، ويحكيه عن إمامه الذي قلَّده. فعلى هذا من عددناه في أصناف المفتين المقلِّدين ليسوا على الحقيقة من المفتين، ولكنهم قاموا مقام المفتين، وأدَّوا عنهم، فعُدُّوا منهم. وسبيلهم في ذلك أن يقولوا مثلًا: مذهب الشافعي كذا وكذا، ومقتضى مذهبه كذا وكذا، وما أشبه ذلك. ومن ترك منهم إضافة ذلك إلى إمامه، فإن كان ذلك اكتفاءً منه بالمعلوم عن الصريح فلا بأس.
قلت: ما ذكره أبو عمرو حسن، إلا أن صاحب هذه المرتبة يحرُم عليه أن يقول: «مذهب [١٩٩/أ] الشافعي» لما لا يعلم أنه نصُّه الذي أفتى به، أو يكون شهرته بين أهل المذهب شهرةً لا يحتاج معها إلى الوقوف على نصِّه، كشهرة مذهبه في الجهر بالبسملة، والقنوت في الفجر، ووجوب تبييت النيَّة
стр. 2504
للفرض (١) من الليل، ونحو ذلك. فأما مجرَّدُ ما يجد في كتبِ مَن انتسب إلى مذهبه من الفروع، فلا يسعه أن يضيفها إلى نصِّه ومذهبه بمجرَّد وجودها في كتبهم. فكم فيها من مسألة لا نصَّ له فيها البتة ولا ما يدل عليه! وكم فيها من مسألة نصُّه على خلافها! وكم فيها من مسألة اختلف المنتسبون إليه في إضافتها إلى مقتضى نصِّه ومذهبه! فهذا يضيف إلى مذهبه إثباتها، وهذا يضيف إليه نفيها، فلا ندري كيف يسع المفتي عند الله أن يقول: هذا مذهب الشافعي، وهذا مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة؟
وأما قول الشيخ أبي عمرو: «إن هذا المفتي يقول (٢): هذا مقتضى مذهب الشافعي (٣)» فلعمرُ الله لا يُقبَل ذلك من كلِّ من نصَب نفسه للفتيا حتى يكون عالمًا بمآخذ صاحب المذهب ومداركه وقواعده جمعًا وفرقًا، ويعلم أن ذلك الحكم مطابق لأصوله وقواعده. بعد استفراغ وسعه في معرفة ذلك فيها إذا أخبر أن هذا مقتضى مذهبه كان له حكمُ أمثاله ممَّن قال بمبلغ علمه، ولا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعَها.
وبالجملة، فالمفتي مخبِرٌ عن الحكم الشرعي، وهو إما مخبِر عما فهمه عن الله ورسوله، وإما مخبِر (٤) عما فهمه من كتابه (٥) أو نصوص من قلَّده دينَه. وهذا لون، وهذا لون. فكما لا يسع الأولَ أن يخبر عن الله ورسوله إلا
стр. 2505
بما علمِه، فكذا لا يسع الثاني أن يخبر عن إمامه الذي قلَّده دينَه إلا بما يعلمه. وبالله التوفيق.
الفائدة الحادية والعشرون: إذا تفقَّه الرجل، وقرأ كتابًا من كتب الفقه أو أكثر، وهو مع ذلك قاصر في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف، والاستنباط والترجيح؛ فهل يسوغ تقليده في الفتوى؟
فيه للناس أربعة أقوال: الجواز مطلقًا، والمنع مطلقًا، والجواز عند عدم المجتهد ولا يجوز مع وجوده، والجواز إن كان مُطَّلِعًا على مأخذِ من يفتي بقولهم، والمنع إن لم يكن مطَّلعًا.
والصواب فيه: التفصيل. وهو أنه إن كان السائل يمكنه التوصُّلُ إلى عالم يهديه السبيل لم يحِلَّ له استفتاءُ مثل هذا، ولا يحِلُّ لهذا أن ينصب نفسه للفتوى مع وجود هذا العالم. وإن لم يكن في بلده أو ناحيته غيرُه، بحيث لا يجد المستفتي من يسأله سواه، فلا ريب أن رجوعه إليه أولى من أن يُقدِم على العمل بلا علم، أو يبقى مرتبكًا في حيرته، مترددًا في عماه وجهالته؛ بل هذا هو المستطاع من تقواه المأمور بها.
ونظير هذه المسألة: إذا لم يجد السلطان من يولِّيه إلا قاضيًا عاريًا عن شروط القضاء لم يعطِّل البلد عن قاض، ووَلَّى الأمثل فالأمثل.
ونظير هذا: لو كان الفسق هو الغالب على أهل ذلك البلد (١)، وإن لم تُقبَل شهادةُ بعضهم على بعض [١٩٩/ب] وشهادتُه له تعطَّلت الحقوق وضاعت قُبِلَ شهادةُ الأمثل فالأمثل.
стр. 2506
ونظيرها: لو غلب الحرام والشبهة (١) حتى لم يجد الحلال المحض فإنه يتناول الأمثل بالأمثل.
ونظيرها (٢): لو شهد بعضُ النساء على بعض بحقٍّ في بدن أو عرض أو مال، وهن منفردات، بحيث لا رجل معهن كالحمامات والأعراس، قُبِلت شهادةُ الأمثل فالأمثل منهن قطعًا. ولا يضيع الله ورسوله حقَّ المظلوم، ولا يعطِّل إقامة دينه في مثل هذه الصورة أبدًا.
بل قد نبَّه الله تعالى على القبول في مثل هذه الصورة، بقبول شهادة الكفار على المسلمين في السفر في الوصية في آخر سورةٍ أنزلت في القرآن، ولم ينسخها شيء البتة، ولا نسخ هذا الحكمَ كتابٌ ولا سنّةٌ، ولا أجمعت الأمة على خلافه، ولا يليق بالشريعة سواه. فالشريعة شُرِعت لتحصيل مصالح العباد بحسب الإمكان، وأيُّ مصلحة لهم في تعطيل حقوقهم إذا لم يحضر أسبابَ تلك الحقوق شاهدان حرَّان ذكران عدلان؟
بل إذا قلتم: تقبل شهادة الفساق حيث لا عدل، وينفَّذ حكم الجاهل والفاسق (٣) إذا خلا الزمان عن قاض عالم عادل، فكيف لا تقبل شهادة النساء إذا خلا جمعُهن عن رجل، أو شهادة العبيد إذا خلا جمعُهم عن حرٍّ، أو شهادة الكفار بعضهم على بعض إذا خلا جمعُهم عن مسلم؟
стр. 2507
وقد قبل ابن الزبير شهادةَ الصبيان بعضهم على بعض في تجارُحهم (١)، ولم ينكره عليه أحد من الصحابة. وقال به مالك والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه حيث يغلب على الظن صدقُهم بأن يجيؤوا (٢) قبل أن يُخَبَّبُوا (٣) أو يتفرَّقوا إلى بيوتهم. وهذا هو الصواب (٤)، وبالله التوفيق.
وكلام أصحاب أحمد في ذلك يخرَّج على وجهين. فقد منع كثيرٌ منهم الفتوى والحكم بالتقليد، وجوَّزه بعضهم لكن على وجه الحكاية لقول المجتهد، كما قال أبو إسحاق بن شَاقْلا ــ وقد جلس في جامع المنصور فذكر قول أحمد: إن المفتي ينبغي له أن يحفظ أربعمائة ألف حديث، ثم يفتي ــ: فقال لي رجلٌ: فأنت تحفظ هذا؟ قلت (٥): إن لم أحفظ هذا، فأنا أفتي بقول من كان يحفظه (٦). وقال أبو الحسن بن بشار من كبار أصحابنا:
стр. 2508
ما ضرَّ رجلًا (١) عنده ثلاث مسائل أو أربع (٢) من فتاوى الإمام أحمد يستند إلى هذه السارية ويقول: قال أحمد بن حنبل.
الفائدة الثانية والعشرون: إذا عرف العامِّيُّ حكمَ حادثة بدليلها، فهل له أن يفتي به، ويسوغ لغيره تقليده فيه؟ ففيه ثلاثة أوجه للشافعية وغيرهم:
أحدها: الجواز، لأنه قد حصل له العلم بحكم تلك الحادثة عن دليلها كما حصل للعالم، وإن تميَّز العالمُ عنه بقوة يتمكَّن بها من تقرير الدليل ودفع المعارض له، فهذا قدر زائد على معرفة الحق بدليله.
والثاني: لا يجوز له ذلك مطلقًا، لعدم أهليته للاستدلال، وعدم علمه بشروطه وما يعارضه، ولعله يظن دليلًا ما ليس بدليل.
والثالث: إن كان الدليل كتابًا أو سنةً جاز له الإفتاء. وإن كان غيرهما لم يجز، لأن القرآن والسنة [٢٠٠/أ] خطاب لجميع المكلفين، فيجب على المكلَّف أن يعمل بما وصل إليه من كتاب ربِّه وسنة نبيه، ويجوز له أن يرشد غيره إليه ويدلَّه عليه.
الفائدة الثالثة والعشرون: ذكر أبو عبد الله بن بطَّة في «كتابه في
стр. 2509
الخلع» (١) عن الإمام أحمد أنه قال: لا ينبغي للرجل أن ينصِب نفسَه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال: أولها: أن تكون له نية، فإن لم تكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور. الثانية: أن يكون له حلم (٢) ووقار وسكينة. الثالثة: أن يكون قويًّا على ما هو فيه، وعلى معرفته. الرابعة: الكفاية وإلا مضَغه الناس. الخامسة: معرفة الناس.
وهذا مما يدل على جلالة أحمد ومحلِّه من العلم والمعرفة، فإن هذه الخمسة هي دعائم الفتوى، وأي شيء نقص منها ظهر الخلل في المفتي بحسبه.
فأما النية، فهي رأس الأمر وعموده وأساسه وأصله الذي عليه يبنى، فإنها روح العمل وقائده وسائقه، والعملُ تابع لها (٣)، يصحُّ بصحتها، ويفسد بفسادها. وبها يُستجلَب التوفيق، وبعدمها يحصل الخذلان. وبحسبها
стр. 2510
تفاوتت (١) الدرجات في الدنيا والآخرة. فكم بين مريدٍ بالفتوى وجهَ الله ورضاه والقربَ منه وما عنده، ومريدٍ بها وجهَ المخلوق ورجاءَ منفعته وما يناله منه تحقيقًا (٢) أو طمعًا! فيفتي الرجلان بالفتوى الواحدة، وبينهما في الفضل والثواب أعظم مما بين المشرق والمغرب. هذا يفتي لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، ورسوله هو المطاع. وهذا يفتي ليكون قوله هو المسموع، وهو المشار إليه، وجاهه هو القائم سواء وافق الكتاب والسنة أو خالفهما، فالله المستعان.
وقد جرت عادة الله التي لا تبدَّل وسنته التي لا تحوَّل: أن يُلبِس المخلصَ، من المهابة والنور والمحبة في قلوب الخلق وإقبال قلوبهم إليه ما هو بحسب إخلاصه ونيته ومعاملته لربه؛ ويُلبِس المرائي اللابسَ ثوبَي الزور من المقت والمهانة والبغضة ما هو اللائق به. فالمخلص له المهابة والمحبة، وللآخر المقت والبغضاء.
وأما قوله: «أن يكون له حلم ووقار وسكينة»، فليس صاحبُ العلم والفتيا إلى شيء أحوجَ منه إلى الحلم والسكينة والوقار، فإنها كسوةُ علمه وجماله، وإذا فقدها كان علمُه كالبدن العاري من اللباس.
قال (٣) بعض السلف: ما قُرن شيءٌ إلى شيء أحسنُ من علم إلى حلم (٤).
стр. 2511
والناس هاهنا أربعة أقسام: فخيارهم من أوتي العلم والحلم (١). وشرارهم من عَدِمهما. الثالث: من أوتي علمًا بلا حلم. الرابع: عكسه.
فالحلم زينة العلم وبهاؤه وجماله. وضدُّه: الطيش والعجلة والحدَّة والتسرُّع وعدم الثبات. فالحليم لا يستفزُّه البَدَوات (٢)، ولا يستخفُّه الذين لا يعلمون، ولا يُقَلقله (٣) أهلُ الطيش والخفة والجهل. بل هو وقور ثابت ذو أناة، يملك نفسه عند ورود أوائل الأمور عليه، ولا تملكه أوائلها. وملاحظته للعواقب تمنعه من أن تستخفَّه دواعي الغضب والشهوة. فبالعلم تنكشف له مواقع الخير والشرّ والصلاح والفساد، [٢٠٠/ب] وبالحلم يتمكَّن من تثبيت نفسه عند الخير، فيؤثره، ويصبر عليه؛ وعند الشرِّ فيصبر عنه. فالعلم يعرِّفه رشدَه، والحلم يثبِّته عليه.
وإذا شئت أن ترى بصيرًا بالخير والشرِّ لا صبر له على هذا ولا عن هذا رأيته. وإذا شئت أن ترى صابرًا على المشاقِّ لا بصيرةَ له رأيته. وإذا شئت أن ترى من لا صبر له ولا بصيرة رأيته. وإذا شئت أن ترى بصيرًا صابرًا لم تكد. فإذا رأيتَه فقد رأيتَ إمامَ هدًى حقًّا، فاستمسِكْ بغَرْزه!
والوقار والسكينة ثمرة الحلم ونتيجته. ولشدة الحاجة إلى السكينة وحقيقتها وتفاصيلها وأقسامها، نشير إلى ذلك إشارةً بحسب علومنا القاصرة، وأذهاننا الجامدة، وعباراتنا الناقصة. ولكن نحن أبناء الزمان، والناسُ بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، ولكلِّ زمان دولة ورجال.
стр. 2512
فالسكينة فعيلة من السكون، وهو طمأنينة القلب واستقراره. وأصلها في القلب، ويظهر أثرها على الجوارح. وهي عامَّة وخاصَّة. فسكينةُ الأنبياء ــ صلوات الله وسلامه عليهم ــ أخصُّ مراتبها وأعلى أقسامها، كالسكينة التي حصلت لإبراهيم الخليل وقد أُلقي في المنجنيق مسافرًا إلى ما أضرَم له أعداءُ الله من النار. فلله تلك السكينة التي كانت في قلبه حين ذلك السفر!
وكذلك السكينة التي حصلت لموسى، وقد غشِيَه فرعون وجنوده من ورائهم، والبحر أمامهم، وقد استغاث بنو إسرائيل: يا موسى إلى أين تذهب بنا؟ هذا البحر أمامنا، وهذا فرعون خلفنا! وكذلك السكينة التي حصلت له وقتَ تكليم الله له نِداءً ونِجاءً (١) كلامًا حقيقةً، سمعه حقيقةً بأذنه. وكذلك السكينة التي حصلت له، وقد رأى العصا ثعبانًا مبينًا. وكذلك السكينة التي نزلت عليه، وقد رأى حبالَ القوم وعصيَّهم كأنها (٢) تسعى، فأوجس خيفةً في نفسه (٣).
وكذلك السكينة التي حصلت لنبيِّنا ﷺ ، وقد أشرف عليه وعلى صاحبه عدوُّهما (٤)، وهما في الغار، فلو نظر أحدهم إلى تحت قدميه لرآهما. وكذلك السكينة التي نزلت عليه في مواقفه العظيمة، وأعداءُ الله قد أحاطوا به كيوم بدر، ويوم حنين، ويوم الخندق، وغيره. فهذه السكينة أمرٌ فوق عقول
стр. 2513
البشر، وهي من أعظم معجزاته عند أرباب البصائر؛ فإن الكذَّاب ــ ولا سيما على الله ــ أقلقُ ما يكون، وأخوف ما يكون، وأشدُّه اضطرابًا، في مثل هذه المواطن. فلو لم يكن للرسل ــ صلوات الله وسلامه عليهم ــ من الآيات إلا هذه وحدها لكفتهم.
وأما الخاصَّة، فتكون لأتباع الرسل بحسب متابعتهم، وهي سكينة الإيمان، وهي سكينة تسكِّن القلوب عن الريب والشك. ولهذا أنزلها الله على المؤمنين في أصعب المواطن أحوجَ ما كانوا إليها عند القلق والاضطراب الذي لم يصبر عليه مثلُ عمر بن الخطاب ﵁، وذلك يوم الحديبية. قال تعالى يذكر نعمته عليهم بإنزالها أحوجَ ما كانوا إليها ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ [٢٠١/أ] وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ٤]. فذكر نعمته عليهم بالجنود الخارجة عنهم والجنود الداخلة فيهم، وهي السكينة (١)، وقال بعد ذلك (٢): ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]. لمَّا علِم الله سبحانه ما في قلوبهم من القلق والاضطراب، لِما منَعهم كفارُ قريش من دخول بيت الله، وحبسوا الهَدْيَ عن محِلِّه، واشترطوا عليهم تلك الشروط الجائرة الظالمة، فاضطربت قلوبهم
стр. 2514
وقلِقت، ولم تطق الصبر= فعلِم تعالى ما فيها، فثبَّتها (١) بالسكينة رحمةً منه ورأفةً ولطفًا، وهو اللطيف الخبير. وتحتمل الآية وجهًا آخر، وهو أنه سبحانه علِمَ ما في قلوبهم من الإيمان والخير ومحبته ومحبة رسوله، فثبَّتها بالسكينة وقت قلقها واضطرابها.
والظاهر أن الآية تعُمُّ الأمرين، وأنه (٢) علِمَ ما في قلوبهم مما يُحتاج (٣) معه إلى إنزال السكينة، وما في قلوبهم من الخير الذي هو سببُ إنزالها.
ثم قال بعد ذلك: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٦]. لمَّا كانت حميةُ الجاهلية توجب من الأقوال والأعمال ما يناسبها جعل الله في قلوب أوليائه سكينةً تقابل حميةَ الجاهلية، وفي ألسنتهم كلمةَ التقوى مقابِلةً لما توجبه حميةُ الجاهلية من كلمة الفجور. فكان حظُّ المؤمنين السكينةَ في قلوبهم، وكلمةَ التقوى على ألسنتهم؛ وحظُّ أعدائهم حميةَ الجاهلية في قلوبهم، وكلمةَ الفجور والعدوان على ألسنتهم. فكانت هذه السكينة وهذه الكلمة جندًا من جند الله أيَّد بهما (٤) رسولَه والمؤمنين في مقابلة جند الشيطان الذي في قلوب أوليائه وألسنتهم.
стр. 2515
وثمرة هذه السكينة: الطمأنينة للخبر تصديقًا وإيقانًا، وللأمر تسليمًا وإذعانًا؛ فلا تدع شبهةً تعارض الخبر، ولا إرادةً تعارض الأمر. بل لا تمرُّ (١) معارضات السوء بالقلب إلا وهي مجتازة (٢) مرورَ الوساوس الشيطانية التي يبتلى بها العبد، ليقوى إيمانه، ويعلو عند الله ميزانه، بمدافعتها وردِّها وعدم السكون إليها؛ فلا يظنَّ المؤمن أنها لنقصِ درجته عند الله.
فصل
ومنها: السكينة عند القيام بوظائف العبودية ، وهي التي تورث الخضوع والخشوع وغضَّ الطرف وجمعيةَ القلب على الله تعالى بحيث يؤدِّي عبوديته بقلبه وبدنه. والخشوع نتيجة هذه السكينة وثمرتها، وخشوع الجوارح نتيجة خشوع القلب. وقد رأى النبيُّ ﷺ رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: «لو خشع قلبُ هذا لخشعت جوارحُه» (٣).
فإن قلت: قد ذكرتَ أقسامها، ونتيجتها، وثمرتها، وعلامتها؛ فما أسبابها الجالبة لها؟ قلت: سببها استيلاء مراقبة العبد لربِّه ﷻ حتى كأنه يراه. وكلما اشتدَّت هذه المراقبة أوجبَتْ له من الحياء، والسكينة، والمحبَّة،
стр. 2516
والخضوع [٢٠١/ب] والخشوع، والخوف والرجاء= ما لا يحصل بدونها. فالمراقبة أساس الأعمال القلبية كلِّها، وعمودُها الذي قيامها به. ولقد جمع النبيُّ ﷺ أصول أعمال القلب وفروعها كلَّها في كلمة واحدة، وهي قوله في الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه». فتأمَّلْ كلَّ مقام من مقامات الدين، وكلَّ عمل من أعمال القلوب، كيف تجد هذا أصلَه ومنبعَه؟
والمقصود: أن العبد محتاج إلى السكينة عند الوساوس المعترضة في أصل الإيمان، ليثبت قلبه ولا يزيغ؛ وعند الوساوس والخطرات القادحة في أعمال الإيمان، لئلا تقوى وتصير همومًا وغمومًا وإراداتٍ ينقص بها إيمانه؛ وعند أسباب المخاوف على اختلافها، ليثبت قلبُه ويسكن جأشُه؛ وعند أسباب الفرح، لئلا يطمَح به مركبُه (١)، فيجاوزَ الحدَّ الذي لا يُعبَر، فينقلب ترَحًا وحزنًا ــ وكم ممن أنعم الله عليه بما يُفرِحه، فجمَح به مركبُ الفرح، وتجاوزَ الحدَّ، فانقلب ترحًا عاجلًا! ولو أُعِين بسكينة تعدِل فرحَه لأريد به الخير وبالله التوفيق ــ وعند هجوم الأسباب المؤلمة على اختلافها لظاهره وباطنه (٢)، فما أحوجَه إلى السكينة حينئذ! وما أنفعها له، وأجداها عليه، وأحسن عاقبتها! والسكينة في هذه المواطن علامة على الظفر، وحصول المحبوب، واندفاع المكروه؛ وفقدُها علامة على ضدِّ ذلك، لا يخطئ هذا ولا هذا. والله المستعان.
وأما قوله: «أن يكون قويًّا على ما هو فيه، وعلى معرفته»، أي مستظهرًا مضطلعًا بالعلم، متمكِّنًا منه، غير ضعيف فيه. فإنه إذا كان ضعيفًا قليلَ
стр. 2517
البضاعة غيرَ مضطلع به أحجَم عن الحقِّ في موضع ينبغي فيه الإقدام، لقلة علمه بمواضع الإقدام والإحجام. فهو يُقدِم في غير موضعه، ويُحجِم في غير موضعه، ولا بصيرة له بالحق، ولا قوة له على تنفيذه. فالمفتي محتاج إلى قوة في العلم، وقوة في التنفيذ، فإنه لا ينفع تكلُّمٌ بحقٍّ لا نفاذ له.
وأما قوله: «الرابعة: الكفاية وإلا مضَغَه الناس»، فإنه إذا لم يكن له كفاية احتاج إلى الناس، وإلى الأخذ مما في أيديهم؛ فلا يأكل منهم شيئًا إلا أكلوا من لحمه وعرضه أضعافَه. وقد كان لسفيان الثوري شيء من مال، وكان لا يتهوَّر (١) في بذله، ويقول: لولا ذلك لتمندَلَ بنا هؤلاء (٢). فالعالم إذا مُنِح غنًى فقد أُعِينَ على تنفيذ علمه، وإذا أُحْوِجَ (٣) إلى الناس فقد مات علمه وهو ينظر.
وأما قوله: «الخامسة (٤): معرفة الناس» فهذا أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم. فإن لم يكن فقيهًا فيه، فقيهًا في الأمر والنهي، ثم يطبِّقْ أحدَهما على الآخر= وإلا (٥) كان ما يُفسِد أكثرَ مما يُصلِح، فإنه إذا لم
стр. 2518
يكن (١) له معرفةٌ بالناس تصوَّر له الظالمُ بصورة المظلوم وعكسه، والمحِقُّ بصورة المبطِل وعكسه، وراج عليه المكر والخداع والاحتيال، وتصوَّر له الزنديق في صورة الصدِّيق، والكاذبُ في صورة الصادق، ولبِس كلُّ مبطلٍ ثوبي زورٍ (٢) تحتهما (٣) الإثم والكذب والفجور؛ وهو لجهله بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعرفياتهم لا يميِّز هذا من هذا. بل ينبغي له أن يكون فقيهًا في معرفة مكر الناس (٤) وخداعهم واحتيالهم وعوائدهم وعرفياتهم، فإن الفتوى تتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان والعوائد والأحوال، [٢٠٢/أ] وذلك كلُّه من دين الله، كما تقدَّم بيانه. وبالله التوفيق.
الفائدة الرابعة والعشرون: في كلماتٍ حُفِظت عن الإمام أحمد في أمر الفتيا، سوى ما تقدَّم آنفًا:
قال في رواية ابنه صالح: ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالمًا بوجوه القرآن، عالمًا بالأسانيد الصحيحة، عالمًا بالسنن (٥).
وقال في رواية أبي الحارث: لا تجوز الفتيا إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة (٦).
стр. 2519
وقال في رواية حنبل: ينبغي لمن أفتى أن يكون عالمًا بقول من تقدَّم، وإلا فلا يفتي (١).
وقال في رواية يوسف بن موسى: واجبٌ (٢) أن يتعلَّم رجلٌ (٣) كلَّ ما تكلَّم (٤) فيه الناس.
وقال في رواية ابنه عبد الله (٥)، وقد سأله عن الرجل يريد أن يسأل (٦) عن أمر (٧) دينه، مما يُبتلى به من الأيمان في الطلاق وغيره، وفي مصره من أصحاب الرأي، وأصحاب الحديث لا يحفظون، ولا يعرفون الحديث الضعيف ولا الإسناد القوي؛ فلمن يسأل؟ لهؤلاء، أو لأصحاب الحديث على قلَّة معرفتهم؟ فقال: يسأل أصحاب الحديث، ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث خير من الرأي (٨).
стр. 2520
وقال في رواية محمد بن عبيد الله بن المنادي، وقد سمع رجلًا يسأله: إذا حفظ الرجلُ مائة ألف حديث يكون فقيهًا؟ قال: لا، قال: فمائتي ألف؟ قال: لا، قال: فثلاثمائة ألف؟ قال: لا، قال: فأربعمائة ألف؟ قال بيده هكذا، وحرَّكها. قال حفيده أحمد بن جعفر بن محمد: فقلت لجدِّي: فكم (١) كان يحفظ أحمد؟ فقال: أجاب عن ستمائة ألف (٢).
وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الرجل يكون عنده الكتب المصنَّفة، فيها قول رسول الله ﷺ و [اختلاف] (٣) الصحابة والتابعين، وليس للرجل بصرٌ بالحديث الضعيف المتروك، ولا الإسناد القوي من الضعيف؛ فيجوز أن يعمل بما شاء، ويتخيَّر منها (٤)، فيفتي به، ويعمل به؟ قال: لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها، فيكون يعمل على أمر صحيح؛ يسأل عن ذلك أهلَ العلم.
وقال أبو داود: سمعت أحمد وسئل عن مسألة، فقال: دعنا من هذه المسائل المحدثة. وما أحصي ما سمعتُ أحمد سئل عن كثير مما فيه الاختلافُ من العلم، فيقول: لا أدري (٥). وسمعته يقول: ما رأيت مثل ابن عيينة في الفتيا أحسن فتيا منه، كان أهونَ عليه أن يقول: لا أدري، من يحسن
стр. 2521
هذا (١)؟ سَلِ العلماءَ (٢).
وقال أبو داود: قلت لأحمد: الأوزاعي هو أتبع من مالك، فقال: لا تقلِّد دينَك أحدًا من هؤلاء. ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه فخُذْ به، ثم التابعين بعدُ الرجلُ فيه مخيَّر (٣).
وقال إسحاق بن هانئ: سألت أبا عبد الله عن الذي جاء في الحديث «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار» فقال: يفتي بما لم يسمع (٤).
وقال أيضًا (٥): قلت لأبي عبد الله: يطلب الرجل الحديثَ بقدر ما يظن أنه قد انتفع به. قال: العلم لا يعدِله شيء.
وجاءه رجل يسأل عن شيء، فقال: لا أجيبك في شيء. ثم قال: قال عبد الله بن مسعود: إنَّ كلَّ من يفتي الناس في كلِّ ما يستفتونه [٢٠٢/ب] لمجنون. قال الأعمش: فذكرتُ ذلك للحكم (٦)، فقال: لو حدَّثتَني به قبل اليوم ما أفتيتُ في كثير مما كنتُ أفتي به (٧).
قال ابن هانئ (٨): وقيل لأبي عبد الله: يكون الرجل في قرية، فيسأل عن
стр. 2522
الشيء الذي فيه اختلاف. قال: يفتي بما وافق الكتاب والسنَّة، وما لم يوافق الكتابَ والسنَّة أمسك عنه. قيل له: أفتخاف عليه؟ قال: لا. قيل له: ما كان من كلام إسحاق بن راهويه وما كان وُضع في الكتاب وكلام أبي عبيد ومالك، ترى النظر فيه؟ فقال: كلُّ كتاب ابتُدِع فهو بدعة، أو كلُّ كتاب محدَث فهو بدعة. وأما ما كان عن مناظرة يخبر الرجلُ بما عنده، وما يسمع من الفتيا، فلا أرى به بأسًا. قيل له: فكتاب أبي عبيد «غريب الحديث»؟ قال: ذلك شيء حكاه عن قوم أعراب. قيل له: فهذه الفوائد التي فيها المناكير ترى أن تُكتَب؟ قال: المنكر أبدًا منكر!
الفائدة الخامسة والعشرون: في دلالة العالم للمستفتي على غيره . وهو موضع خطر جدًّا، فلينظر الرجل ما يحدث من ذلك، فإنه متسبِّب بدلالته إما إلى الكذب على الله ورسوله في أحكامه، أو القول عليه بلا علم. فهو (١) معين على الإثم والعدوان، وإما معين على البر والتقوى؛ فلينظر الإنسان إلى من يدلُّ عليه، وليتَّق الله ربَّه.
وكان شيخنا ــ قدَّس الله روحه ــ شديد التجنب لذلك. ودللتُ مرةً بحضرته على مفتٍ أو مذهبٍ، فانتهرني، وقال: ما لك وله؟ دعه (٢). ففهمتُ من كلامه أنك لتبوء (٣) بما عساه يحصل له من الإثم ولمن أفتاه. ثم رأيت هذه المسألة بعينها منصوصة عن الإمام أحمد.
стр. 2523
قال أبو داود في «مسائله» (١): قلت لأحمد: الرجل يَسأل عن المسألة، فأدلُّه على إنسان يسأله؟ فقال: إذا كان ــ يعني الذي أُرْشِدَ إليه ــ يتَّبع (٢) ويفتي بالسنة. فقيل لأحمد: إنه يريد الاتباع، وليس كلُّ قوله يصيب. فقال أحمد: ومن يصيب في كلِّ شيء؟ قلت له: فرأي مالك؟ فقال: لا تتقلد في مثل هذا بشيء.
قلت: وأحمد كان يدلّ على أهل المدينة، ويدلّ على الشافعي، ويدلّ على إسحاق. ولا خلاف عنه في استفتاء هؤلاء، ولا خلاف عنه في أنه لا يُستفتَى أهلُ الرأي المخالفون لسنة رسول الله ﷺ ؛ وبالله التوفيق؛ ولا سيَّما كثيرٌ من المنتسبين إلى الفتوى في هذا الزمان وغيره (٣)!
وقد رأى رجلٌ ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن يبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقال: استُفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم. قال: ولَبعضُ من يفتي هاهنا أحقُّ بالسجن من السُّرَّاق (٤).
قال بعض العلماء (٥): فكيف لو رأى ربيعة زماننا، وإقدامَ من لا علم عنده على الفتيا، وتوثُّبَه عليها، ومدَّ باعِ التكلُّف إليها، وتسلُّقَه بالجهل
стр. 2524
والجرأة عليها، مع قلة الخبرة وسوء السيرة وشؤم السريرة. وهو من بين أهل العلم منكر أو غريب، وليس (١) له في معرفة الكتاب والسنة وآثار السلف نصيب. لا يبتدئ (٢) جوابًا بإحسان، وإن ساعد القدر ففتواه (٣): كذلك يقول فلان بن فلان (٤). [٢٠٣/أ]
يمدُّون للإفتاء باعًا قصيرةً ... وأكثرُهم عند الفتاوى يُكَذْلِكُ
وكثير منهم نصيبهم مثلُ ما حكاه أبو محمد بن حزم، قال (٥): كان عندنا مفتٍ قليلُ البضاعة، فكان لا يفتي حتى يتقدَّمه من يكتب الجواب، فيكتب تحته: جوابي مثلُ جواب الشيخ. فقُدِّر أن اختلف مفتيان في جواب، فكتب تحتهما: جوابي مثل جواب الشيخين. فقيل له: إنهما قد تناقضا، فقال: وأنا أيضًا تناقضتُ كما تناقضا!
وقد أقام الله سبحانه لكلِّ عالم ورئيس وفاضل من يُظهِر مماثلته، ويرى الجهال ــ وهم الأكثرون ــ مساجلته ومشاكلته، وأنه يجري معه في الميدان، وأنهما عند المسابقة كفرسَي رِهان، ولا سيما إذا طوَّل الأردان، وأرخى
стр. 2525
الذَّنَب الطويل (١) وراءه كذنَب الأتان، وهذَر (٢) باللسان، وخلا له الميدان الطويل من الفرسان.
فلو لبِس الحمارُ ثيابَ هذا (٣) ... لقال الناس: يا لك من حمار!
وهذا الضرب إنما يُستفتَون بالشكل لا بالفضل، وبالمناصب لا بالأهلية. قد غرَّهم عكوفُ من لا علم عنده عليهم، ومسارعةُ مَن أجهلُ منهم إليهم. تعِجُّ منهم الحقوق إلى الله عجيجًا، وتضِجُّ منهم الأحكام إلى من أنزلها ضجيجًا.
فمَن أقدَم بالجرأة على ما ليس له بأهل من فتيا أو قضاء أو تدريس استحقَّ اسم الذم، ولم يحِلَّ قبولُ فتياه ولا قضائه. هذا حكم دين الإسلام.
وإن رغِمَتْ أنوفٌ من أناس ... فقل: يا ربِّ لا تُرغِمْ سواها
الفائدة السادسة والعشرون في حكم كذلكة المفتي: ولا يخلو من حالين: إما أن يعلم صوابَ جوابِ مَن تقدَّمه بالفتيا، أو لا يعلم. فإن علِم صوابَ جوابه فله أن يُكَذْلِكَ. وهل الأولى له (٤) الكذلكة، أو الجواب المستقل؟ فيه تفصيل. فلا يخلو المبتدئ إما أن يكون أهلًا أو متسلِّقًا متعاطيًا ما ليس له بأهل. فإن كان الثاني فتركُ (٥) الكذلكة أولى مطلقًا، إذ في كذلكته