← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقد أخبر ﷺ عن الذين أرادوا دخولَ النار لمَّا أمرَهم أميرُهم بدخولها أنهم لو دخلوا لما خرجوا منها (١)، مع أنهم إنما كانوا يدخلونها طاعةً لأميرهم، وظنًّا أن ذلك واجب عليهم. ولكن لما قصَّروا في الاجتهاد، وبادروا [٢٦/أ] إلى طاعته (٢) في معصية الله (٣)، وحمَّلوا عمومَ الأمر بالطاعة ما (٤) لم يُرِده الآمر ﷺ وما قد عُلِم من دينه إرادةُ (٥) خلافه، فقصَّروا في الاجتهاد، وأقدموا على تعذيب أنفسهم وإهلاكها من غير تثبُّت وتبيُّن هل ذلك طاعة لله ورسوله أم لا. فما الظنُّ بمن أطاع غيرَه في صريح (٦) مخالفة ما بعث الله به رسولَه؟ ثم أمر تعالى بردِّ ما تنازع فيه المؤمنون إلى الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأخبرهم أن ذلك خيرٌ لهم في العاجل، وأحسنُ تأويلًا في العاقبة. وقد تضمَّن هذا أمورًا. منها: أن أهل الإيمان قد يتنازعون في بعض الأحكام، ولا يخرجون بذلك عن الإيمان. وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين وأكملُ الأمة إيمانًا، ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل

стр. 247

كلُّهم على إثبات (١) ما نطق به الكتاب والسنة كلمةً واحدةً، من أولهم إلى آخرهم. لم يسوموها تأويلًا، ولم يحرِّفوها عن مواضعها تبديلًا، ولم يبدُوا لشيء منها إبطالًا (٢)، ولا ضربوا لها أمثالًا، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم: يجب صرفُها عن حقائقها وحملُها على مجازها. بل تلقَّوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها كلِّها أمرًا واحدًا، وأجرَوها على سَنَن واحد. ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع حيث جعلوها عِضين، وأقرُّوا بعضها (٣) وأنكروا بعضها من غير فرقان مبين، مع أن اللازم لهم فيما أنكروه كاللازم فيما أقرُّوا به وأثبتوه. [٢٦/ب] والمقصود: أن أهل الإيمان لا يُخرجهم تنازعُهم في بعض مسائل الأحكام عن حقيقة الإيمان, إذا ردُّوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله, كما شرَطه الله عليهم بقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. ولا ريب أنَّ الحكم المعلَّق على شرط ينتفي عند انتفائه (٤). ومنها: أن قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ نكرة في سياق الشرط تعُمُّ كلَّ ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين: دِقَّه وجِلَّه، جليَّه وخفيَّه. ولو لم يكن

стр. 248

في كتاب الله وسنة رسوله (١) بيانُ حكمِ ما تنازعوا فيه ولم يكن كافيًا لم يأمر بالرِّد إليه، إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرَّدِّ عند النزاع (٢) إلى من لا يوجد عنده فصلُ النزاع. ومنها: أنَّ الناس أجمعوا أنَّ (٣) الردَّ إلى الله سبحانه هو الردُّ إلى كتابه، والردَّ إلى الرسول ﷺ هو الردُّ إليه نفسِه في حياته، وإلى سنَّته بعد وفاته (٤). ومنها: أنه جعل هذا الردَّ من موجِبات الإيمان ولوازمه، فإذا انتفى هذا الردُّ انتفى الإيمان ضرورةَ انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه؛ ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين فإنه من الطرفين، فكلٌّ (٥) منهما ينتفي بانتفاء الآخر. ثم أخبرهم أنَّ هذا الردَّ (٦) خير لهم، وأنَّ عاقبته أحسن عاقبة. ثم أخبر سبحانه أنَّ مَن تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسولُ فقد حكَّم الطاغوتَ وتحاكم إليه. والطاغوت: كلُّ ما تجاوز به العبدُ حدَّه من معبود أو متبوع أو مطاع. فطاغوتُ كلِّ قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله. فهذه طواغيت العالم [٢٧/أ] إذا تأمَّلتَها وتأمَّلتَ أحوالَ الناس معها رأيت أكثرهم ممَّن أعرض عن عبادة الله إلى

стр. 249

عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى رسوله (١) إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته. وهؤلاء لم يسلكوا طريقَ الناجين الفائزين من هذه الأمة ــ وهم الصحابة ومن تبعهم ــ ولا قصدوا قصدَهم، بل خالفوهم (٢) في الطريق والقصد معًا. ثم أخبر تعالى عن هؤلاء بأنهم إذا قيل لهم: تعالَوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول أعرضوا عن ذلك، ولم يستجيبوا للداعي، ورضُوا بحكم غيره. ثم توعَّدهم بأنهم إذا أصابتهم مصيبة في عقولهم وأديانهم وبصائرهم وأبدانهم وأموالهم، بسبب إعراضهم عما جاء به الرسول وتحكيمِ غيره والتحاكُمِ إليه، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩] اعتذروا بأنهم إنما قصدوا الإحسان والتوفيق، أي بفعل ما يُرضي الفريقين ويوفِّق بينهما، كما يفعله من يَرُوم التوفيقَ بين ما جاء به الرسول وبين ما خالفه، ويزعُم أنه بذلك محسِن قاصِد للإصلاح (٣) والتوفيق. والإيمانُ إنما يقتضي إلقاء الحرب بين ما جاء به الرسول وبين كلِّ ما خالفه من طريقة وحقيقة وعقيدة وسياسة ورأي. فمَحْضُ الإيمانِ في هذا الحرب، لا في التوفيق؛ وبالله التوفيق. ثم أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يحكِّموا رسولَه في كلِّ ما شجَر بينهم من الدقيق والجليل. ولم يكتفِ في إيمانهم بهذا

стр. 250

التحكيم بمجرَّده حتى ينتفي [٢٧/ب] عن صدورهم الحرجُ والضيقُ عن قضائه وحكمه، ولم يكتفِ منهم أيضًا بذلك حتى يسلِّموا تسليمًا، وينقادوا انقيادًا (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. فأخبر سبحانه أنه ليس لمؤمن أن يختار بعد قضائه وقضاء رسوله، ومن يختَرْ (٢) بعد ذلك فقد ضلَّ ضلالًا مبينًا (٣). وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١]. أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تأمروا حتى يأمر، ولا تُفتوا حتى يُفتي، ولا تقطعوا أمرًا حتى يكون هو الذي يحكُم فيه ويمضيه (٤). روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة (٥). وروى العوفي عنه قال: نُهُوا أن يتكلَّموا بين يدي كلامه (٦). والقول الجامع في معنى الآية: لا تعجلوا بقول أو فعل (٧) قبل أن يقول

стр. 251

رسول الله ﷺ أو يفعل. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]. فإذا كان رفعُ أصواتهم فوق صوته سببًا لحبوط أعمالهم، فكيف تقديمُ آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به، ورفعُها عليه؟ أوَ ليس هذا أولى أن يكون مُحبِطًا لأعمالهم (١)؟ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢]. فإذا جعَل من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهبًا (٢) إذا كانوا معه إلا باستئذانه، فأولى أن يكون من لوازمه أن لا [٢٨/أ] يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي إلا بعد استئذانه. وإذنُه يُعرَف بدلالة ما جاء به على أنّه أذِن فيه (٣). وفي "صحيح البخاري" (٤) من حديث أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال: حجَّ علينا عبد الله بن عمرو بن العاص، فسمعته يقول: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إن الله لا ينزِع العلمَ بعد إذ أعطاكموه انتزاعًا، ولكن ينزِعه معَ قبضِ (٥) العلماء بعلمهم، فيبقى ناسٌ جُهَّالٌ يُستفتَون، فيُفْتُون برأيهم،

стр. 252

فيَضِلُّون ويُضِلُّون". وقال وكيع: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينزِع الله العلمَ من صدور الرجال، ولكن ينزع العلمَ بموت العلماء، فإذا لم يُبْقِ عالِمًا اتخذ الناسُ رؤساءَ جُهَّالًا، فقالوا بالرأي، فضلُّوا وأضلُّوا" (١). وفي "الصحيحين" (٢) من حديث عروة بن الزبير قال: قالت لي (٣) عائشة: يا ابن أختي بلغني أنَّ عبد الله بن عمرو مارٌّ بنا إلى الحج، فَالْقَه، فاسأله، فإنه قد حمَل عن النبي ﷺ علمًا كثيرًا. قال: فلقيتُه، فسألته عن أشياء يذكرها عن رسول الله ﷺ . قال عروة: فكان فيما ذكر أن النبي ﷺ قال: "إنَّ الله لا ينزِع العلم من الناس انتزاعًا، ولكن يقبِض العلماءَ، فيرفع العلمَ معهم، ويبقى في الناس رؤوس جهال يُفتونهم بغير علم، فيَضِلُّون ويُضِلُّون". قال عروة: فلما حدَّثتُ عائشةَ بذلك أعظمَتْ ذلك وأنكرَته، قالت: أحدَّثك أنه سمع رسولَ الله ﷺ [٢٨/ب] يقول هذا؟ قال عروة: نعم. حتَّى إذا كان عامٌ قابلٌ قالت لي (٤): إن ابن عمرو قد قدِمَ، فَالْقَه, ثم فاتِحْه حتى تسأله عن

стр. 253

الحديث الذي ذكره لك في العلم. قال: فلقيتُه، فسألتُه، فذكره لي نحوَ ما حدَّثني به في المرَّة الأولى. قال عروة: فلما أخبرتُها بذلك قالت: ما أحسبه إلا قد صدَق، أراه لم يزِد فيه شيئًا ولم ينقص. وقال البخاري (١) في بعض طرقه: "فيفتون برأيهم، فيَضِلُّون ويُضِلُّون". وقال: فقالت عائشة: والله لقد حفِظ عبد الله. وقال نُعَيم بن حماد: ثنا ابن المبارك، ثنا عيسى بن يونس، عن حَرِيز بن عثمان الرَّحَبي (٢)، ثنا عبد الرحمن بن جُبير بن نُفَير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله ﷺ : "تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقةً، أعظمُها فتنةً قومٌ يقيسون الدين برأيهم، يحرِّمون به ما أحلَّ الله ويُحِلُّون ما حرَّم الله" (٣).

стр. 254

قال أبو عمر بن عبد البر (١): "هذا هو القياس على غير أصل، والكلام في الدين بالخرص والظن. ألا ترى إلى قوله في الحديث: "يُحِلُّون الحرام ويُحرِّمون الحلال"، ومعلوم أنَّ الحلال: ما في كتاب الله وسنة رسوله تحليلُه، والحرام: ما في كتاب الله وسنة رسوله تحريمُه. فمَن جهِل ذلك، وقال فيما سئل عنه بغير علم، وقاس برأيه ما خرج به (٢) عن السنة= فهذا هو الذي قاس الأمورَ برأيه، فضلَّ وأضلَّ. ومَن ردَّ الفروع إلى أصولها فلم يقُل برأيه". وقالت طائفة من أهل العلم (٣): من أدَّاه اجتهاده إلى رأي رآه، ولم يقُم عليه حجة فيه بعدُ (٤) فليس مذمومًا، بل هو معذور، خالفًا كان أو سالفًا. ومن قامت عليه الحجة، فعاند، وتمادى [٢٩/أ] على الفتيا برأي إنسان بعينه= فهو الذي يلحقه الوعيد. وقد رُوِّينا في "مسند عبد بن حميد": ثنا عبد الرزاق، ثنا سفيان الثوري،

стр. 255

عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال في القرآن برأيه فليتبوَّأْ مقعدَه من النار" (١). فصل فيما روي عن صدِّيق الأمة وأعلَمِها من إنكار الرأي رُوِّينا عن عبد بن حميد: ثنا أبو أسامة (٢)، عن نافع بن عمر (٣) الجُمَحي، عن ابن أبي مُليكة قال: قال أبو بكر ﵁: أيُّ أرضٍ تُقِلُّني، وأيُّ سماءٍ تُظِلُّني إن قلتُ في آية من كتاب الله برأيي، أو بما لا أعلم (٤). وذكر الحسن بن علي الحُلْواني، ثنا عارم، ثنا حماد (٥) بن زيد، عن

стр. 256

سعيد بن أبي صدَقة، عن ابن سيرين قال: لم يكن أحدٌ أهيَبَ لما (١) لا يعلم من أبي بكر ﵁. ولم يكن أحدٌ بعد أبي بكر أهيَبَ لما لا يعلم من عمر ﵁. وأن أبا بكر نزلت به قضيةٌ فلم يجد في كتاب الله منها أصلًا ولا في السنَّة أثرًا، فاجتهد برأيه، ثم قال: هذا رأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمنِّي، وأستغفر الله (٢). فصل في المنقول من ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁ قال ابن وهب: ثنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب أنَّ عمر بن الخطاب قال وهو على المنبر: يا أيها الناس إنَّ الرأي إنما كان من رسول الله ﷺ مصيبًا، إنَّ الله كان يُرِيه، وإنما هو منَّا الظنُّ والتكلُّف (٣). قلتُ: مراد عمر ﵁ قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] فلم يكن له رأيٌ غير ما أراه الله إياه. وأمَّا رأيُ غيرِه (٤) فظنٌّ وتكلُّف.

стр. 257

[٢٩/ب] قال سفيان الثوري: ثنا أبو إسحاق الشيباني، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: كتب كاتبٌ (١) لعمر بن الخطاب: "هذا ما رأى الله ورأى عمرُ" فقال: بئسَ ما قلتَ! قل: هذا ما رأى عمر، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمن عمر (٢). وقال ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: السُّنَّةُ ما سنَّه الله ورسوله ﷺ . لا تجعلوا خطأَ الرأي سنّةً للأمة (٣). قال ابن وهب: وأخبرني ابن لهيعة، عن ابن الهاد (٤) عن محمد بن إبراهيم التَّيمي أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ قال: أصبح أهلُ الرأي أعداءَ السُّنن، أعيَتْهم أن يَعُوها، وتفلَّتت منهم أن يَرْوُوها، فاشتقُّوها (٥) بالرأي (٦).

стр. 258

قال ابن وهب: وأخبرني عبد الله بن عيَّاش، عن محمد بن عجلان، عن عبيد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: اتّقُوا الرأيَ في دينكم (١). وذكر ابن عجلان عن صدقة بن أبي عبد الله أن عمر بن الخطاب كان يقول: أصحابُ الرأي أعداءُ السُّنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وتفلَّتت منهم أن يعُوها، واستَحْيَوا حين سئلوا أن يقولوا: لا نعلم؛ فعارضَوا السُّننَ برأيهم، فإياكم وإياهم (٢). وذكر ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم التيمي قال: قال عمر بن الخطاب: إياكم والرأي، فإنَّ أصحابَ الرأي أعداءُ السنن، أعيتهم الأحاديث أن يَعُوها، وتفلَّتت منهم أن يحفظوها، فقالوا في الدين برأيهم (٣).

стр. 259

وقال الشعبي: عن عمرو بن حُرَيث قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: إياكم وأصحابَ الرأي، فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلُّوا وأضلُّوا (١). وأسانيد هذه الآثار عن عمر في غاية الصحة (٢). [٣٠/أ] وقال محمد بن عبد السلام الخُشَني: ثنا محمد بن بشار، ثنا يونس بن عبيد [الله] العُمَيري (٣) ثنا مبارك بن فَضالة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب أنه قال: أيها الناس، اتَّهِمُوا الرأيَ في الدين، فلقد رأيتُني وإني لَأرُدُّ أمرَ رسول الله ﷺ برأيي، فأجتهد ولا آلو، وذلك يومَ أبي جندل، والكتابُ يُكتَب، وقال: "اكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال (٤): نكتُب: "باسمك اللهم"، فرضي رسولُ الله ﷺ ، وأبيتُ،

стр. 260

فقال: "يا عمر تراني قد رضيتُ، وتأبى؟ " (١). وقال أبو بكر بن أبي شيبة (٢): حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مَعْمَر بن أبي حبيبة مولى بنت صفوان، عن عبيد بن رفاعة، عن أبيه رفاعة بن رافع قال: بينما أنا عند

стр. 261

عمر بن الخطاب ﵁، إذ دخل عليه رجل فقال: يا أميرَ المؤمنين هذا زيد بن ثابت يفتي الناس في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة. فقال عمر: عليَّ به. فجاء زيد، فلما رآه عمر فقال عمر: أيْ عدوَّ نفِسه قد بلغتَ أن تفتي الناس برأيك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، والله ما فعلتُ، ولكن سمعتُ من أعمامي حديثًا، فحدَّثتُ به: من أبي أيوب، ومن أبي بن كعب، ومن رفاعة بن رافع. فقال عمر: عليَّ برفاعة بن رافع، فقال: قد كنتم تفعلون ذلك إذا أصاب أحدُكم المرأةَ فأكسَلَ، لم يغتسل (١)؟ قال: قد كنَّا نفعل ذلك على عهد رسول الله ﷺ ، لم يأتنا فيه عن الله تحريم، ولم يكن فيه من (٢) رسول الله ﷺ شيء (٣). فقال عمر: ورسول الله ﷺ يعلم ذلك؟ قال: ما أدري. فأمر عمرُ بجمع (٤) المهاجرين والأنصار، [٣٠/ب] فجُمِعوا، فشاورَهم فأشار الناسُ أن لا غسلَ؛ إلا ما كان من معاذ وعلي، فإنهما قالا: إذا جاوز الختانُ الختانَ وجب الغسل. فقال عمر: هذا وأنتم أصحابُ بدر قد اختلفتم، فمَن بعدكم أشدُّ اختلافًا. فقال علي: يا أمير المؤمنين إنه ليس أحدٌ أعلمَ بهذا من شأن رسول الله ﷺ من أزواجه. فأرسَلَ إلى حفصة فقالت: لا علم لي بهذا، فأرسَلَ إلى عائشة فقالت: إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسلُ. فقال: لا أسمع برجلٍ فعَلَ ذلك إلا أوجعتُه ضربًا.

стр. 262

قول عبد الله بن مسعود: قال البخاري (١): حدثنا سُنيد، ثنا يحيى بن زكريا، عن مجالد (٢)، عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله قال: لا يأتي عليكم عام إلا وهو شرٌّ من الذي قبله. أمَا، إنِّي لا أقول: أمير خير من أمير، ولا عام أخصَبُ من عام، ولكن فقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلَفًا، ويجيء قوم يقيسون الأمور (٣) برأيهم. وقال ابن وهب: ثنا سفيان (٤) عن مجالد به، وقال: ولكن ذهابُ خياركم وعلمائكم، ثم يحدُث قومٌ يقيسون الأمور برأيهم، فينهدم الإسلام، ويُثْلَم (٥).

стр. 263

وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا أبو خالد الأحمر، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود: علماؤكم يذهبون، ويتخذ الناس رؤوسًا جهالًا يقيسون الأمور برأيهم (١). وقال سُنيد (٢) بن داود: ثنا محمد بن فضيل (٣)، عن سالم بن أبي حفصة، عن منذر الثوري، عن الربيع بن خُثَيم أنه قال: قال عبد الله (٤): ما علَّمك الله في كتابه من علمٍ فاحمَدِ الله، وما استأثر به عليك من علمٍ فَكِلْه إلى عالمه. ولا تتكلَّف، فإنَّ الله يقول لنبيه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ [٣١/أ] عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] (٥).

стр. 264

يروى هذا عن الربيع بن خُثَيم وعن عبد الله (١). وقال سعيد بن منصور: ثنا خلَف بن خليفة، ثنا أبو يزيد (٢) عن الشعبي قال: قال ابن مسعود: إياكم وأرأيت، أرأيت؛ فإنما هلك من كان قبلكم بأرأيتَ، أرأيت. ولا تقيسوا شيئًا، فتزِلَّ قدمٌ بعد ثبوتها. وإذا سئل أحدكم عما لا يعلم فليقل: لا أعلم، فإنه ثلث العلم (٣). وصح عنه في المفوضة (٤) أنه قال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمنِّي ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريء (٥).

стр. 265

قول عثمان بن عفان ﵁: قال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير (١)، عن عبد الله بن الزبير قال: أنا والله مع عثمان بن عفان بالجُحْفة إذ قال عثمان، وذُكِر (٢) له التمتُّع بالعمرة إلى الحج: أتِمُّوا الحجَّ، وأخلصوه في أشهر الحج، فلو أخَّرتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زَورتَين كان أفضل، فإنَّ الله قد أوسعَ في الخير. فقال له علي: عمدتَ إلى سنة رسول الله ﷺ ورخصةٍ رخَّص الله للعباد بها (٣) في كتابه، تضيِّقُ عليهم فيها، وتنهى عنها، وكانت لذي الحاجة والنائي الدار (٤)؟ ثم أهلَّ عليٌّ بعمرة وحجٍّ معًا. فأقبل عثمان بن عفان ﵁ على الناس فقال: أنهيتُ عنها؟ إنِّي لم أنهَ عنها. إنما كان رأيًا أشرتُ به، فمن شاء أخذه ومن شاء تركه (٥). فهذا عثمان يُخبر عن رأيه أنه ليس بلازم للأمة الأخذُ به، بل من شاء أخذ به ومن شاء تركه، بخلاف سنَّة رسولِ الله ﷺ فإنه لا يسع أحدًا تركُها

стр. 266

لقول أحدٍ كائنًا من كان. قول علي بن أبي طالب ﵁: [٣١/ب] قال أبو داود (١): حدثنا أبو كُريب محمد بن العلاء، ثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي إسحاق السَّبِيعي، عن عبد خير، عن علي ﵁ أنه قال: لو كان الدينُ بالرأي لكان أسفلُ الخفِّ أولى بالمسح من أعلاه. قول عبد الله بن عباس ﵄: قال ابن وهب: أخبرني بِشْر بن بكر، عن الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لُبابة، عن ابن عباس أنه قال: مَن أحدَثَ رأيًا ليس في كتاب الله، ولم تَمْضِ به سنةٌ من رسول الله ﷺ ، لم يدرِ على ما هو منه إذا لقيَ اللهَ (٢). وقال عفان (٣) بن مسلم الصفَّار: ثنا عبد الرحمن بن زياد، ثنا الحسن بن عمرو الفُقَيمي، عن أبي فزارة قال: قال ابن عباس: إنما هو كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ . فمن قال بعد ذلك برأيه، فلا أدري أفي حسناته يجِدُ

стр. 267

ذلك أم في سيئاته (١). وقال عبد بن حميد (٢): حدثنا حسين بن علي الجُعفي، عن زائدة، عن ليث، عن بكر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار (٣). قول سهل بن حنيف ﵁: قال البخاري (٤): حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي وائل قال: قال سهل بن حُنيَف: أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم. لقد رأيتُني يومَ أبي جندل، ولو أستطيع أن أرُدَّ أمرَ رسول الله ﷺ لرددتُه.

стр. 268

قول عبد الله بن عمر ﵁: قال ابنُ وهب: أخبرني عمرو بن الحارث أن عمرو بن دينار قال: أخبرني طاوس عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا لم يجد في الأمر يُسأَلُ عنه شيئًا قال: إن شئتم أخبرتُكم بالظنِّ (١). وقال البخاري (٢): [٣٢/أ] قال لي صدقة، عن الفضل (٣) بن موسى، عن موسى بن عقبة، عن الضحاك، عن جابر بن زيد قال: لقيني ابنُ عمر فقال: يا جابر، إنك من فقهاء البصرة وتُستفتَى فلا تُفْتِيَنَّ إلا بكتاب ناطق أو سنة ماضية. وقال مالك عن نافع عنه: العلم ثلاث: كتاب الله الناطق، وسنة ماضية،

стр. 269

ولا أدري (١). قول زيد بن ثابت ﵁: قال البخاري (٢): ثنا سُنَيد بن داود، ثنا يحيى بن زكريا ــ هو (٣) ابن أبي زائدة ــ عن إسماعيل بن [أبي] (٤) خالد عن الشعبي، قال: أتى زيدَ بنَ ثابت قومٌ، فسألوه عن أشياء، فأخبرهم بها، فكتبوها. ثم قالوا: لو أخبرناه. قال: فأَتَوه، فأخبَروه، فقال: أغَدْرًا؟ (٥) لعل كلَّ شيء حدَّثتُكم خطأ! إنما اجتهدتُ

стр. 270

لكم رأيي. قول معاذ بن جبل ﵁: قال حمّاد بن سلمة: ثنا أيوب السَّختياني، عن أبي قِلابة، عن يزيد بن أبي عمرة (١)، عن معاذ بن جبل قال: تكون فِتَنٌ، فيكثُر فيها المال. ويُفتَح القرآنُ حتَّى يقرأه الرجل والمرأة والصغير والكبير والمنافق والمؤمن. فيقرؤه الرجلُ فلا يُتَّبع. فيقول: والله لأقرأنَّه علانيةً، فيقرؤه علانيةً فلا يُتَّبع. فيتَّخذ مسجدًا، ويبتدع كلامًا ليس من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ . فإيَّاكم وإيَّاه، فإنه بدعة وضلالة (٢). قاله معاذ ثلاث مرات (٣).

стр. 271

قول أبي موسى الأشعري ﵁: قال البغوي: ثنا الحجّاج بن المِنهال، ثنا حماد بن سلمة، عن حُمَيد، عن أبي رَجاء العُطاردي قال: قال أبو موسى الأشعري: من كان عنده علمٌ فَلْيعلِّمه الناسَ. وإن (١) لم يعلَم فلا يقولَنَّ ما ليس له به عِلْم، فيكونَ من المتكلِّفين، ويمرُقَ من الدين (٢). قول [٣٢/ب] معاوية بن أبي سفيان ﵁: قال البخاري (٣): نا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري قال: كان محمد بن جُبير بن مُطعِم يحدِّث أنه كان عند معاوية في وفد من قريش، فقام معاوية، فحمِد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنه قد بلغني أنَّ رجالًا فيكم يتحدَّثون بأحاديث ليست في كتاب الله، ولا تُؤثَر عن رسول الله ﷺ ، فأولئك (٤) جُهَّالكم.

стр. 272

فهؤلاء من الصحابة: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وسهل بن حُنَيف، ومعاذ بن جبل، ومعاوية خال المؤمنين، وأبو موسى الأشعري ﵃ = يُخْرِجون الرأيَ عن العلم، ويذمُّونه، ويحذِّرون منه، وينهون عن الفتيا به. ومَن اضطُّر منهم إليه أخبَرَ أنه ظنٌّ، وأنه ليس على ثقة منه، وأنه يجوز أن يكون منه ومن الشيطان، وأنَّ الله ورسوله بريء منه، وأنَّ غايته أن يسوغ الأخذُ به عند الضرورة من غير لزوم لاتِّباعه ولا العمل به. فهل تجد عن أحد منهم قطٌّ (١) أنه جعَلَ رأيَ رجلٍ بعينه دينًا تُتْرَك له السُّننُ الثابتةُ عن رسول الله ﷺ ، ويُبدَّع ويُضلَّل مَن خالفه إلى اتباع السُّنن؟ فهؤلاء يَزَكُ (٢) الإسلام، وعِصابة الإيمان، وأئمة الهدى، ومصابيح الدُّجى، وأنصَحُ الأئمة للأمة، وأعلَمُهم بالأحكام وأدلَّتها، وأفقَهُهم في دين الله، وأعمَقُهم علمًا، وأقلُّهم تكلفًا. وعليهم دارت الفتيا، وعنهم انتشر العلم، وأصحابهم هم فقهاء الأمة. ومنهم من كان مقيمًا بالكوفة كعلي وابن [٣٣/أ] مسعود، وبالمدينة كعمر بن الخطاب وابنه وزيد بن ثابت، وبالبصرة كأبي موسى الأشعري، وبالشام كمعاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان، وبمكة

стр. 273

كعبد الله بن عباس، وبمصر كعبد الله بن عمرو بن العاص؛ وعن هذه الأمصار انتشر العلم في الآفاق. وأكثرُ مَن رُوِي عنه التحذيرُ من الرأي مَن كان بالكوفة إرهاصًا بين يدي ما علِم الله سبحانه أنه يحدُث فيها بعدهم. فصل قال أهل الرأي: وهؤلاء الصحابة ومَن بعدهم من التابعين والأئمة، وإن ذمُّوا الرأي، وحذَّروا منه، ونَهَوا عن الفتيا والقضاء به، وأخرجوه من جملة العلم؛ فقد رُوي عن كثير منهم الفتيا والقضاءُ به، والدلالةُ عليه، والاستدلالُ به، كقول عبد الله بن مسعود في المفوِّضة: أقول فيها برأيي، وقولِ عمر بن الخطاب لكاتبه: قل هذا ما رأى عمر بن الخطاب، وقولِ عثمان بن عفان في الأمر بإفراد العمرة عن الحج: إنما هو رأيٌ رأيتُه (١)، وقولِ علي في أمهات الأولاد: اتفق رأيي ورأيُ عمر على أن لا يُبَعْنَ (٢). وفي كتاب عمر بن الخطاب إلى شُرَيح: إذا وجدتَ شيئًا في كتاب الله فاقضِ به، ولا تلتفت إلى غيره. وإن أتاك شيء ليس في كتاب الله فاقضِ بما

стр. 274

سنَّ رسولُ الله ﷺ . فإن أتاك ما ليس في كتاب الله ولم يسُنَّ فيه (١) رسولُ الله ﷺ فاقض بما أجمعَ عليه الناس. وإن أتاك ما ليس في كتاب الله ولا سنّة رسول الله ﷺ ، ولم يتكلَّم فيه أحدٌ قبلك؛ فإن شئتَ أن تجتهد رأيَك فتقدَّمْ، وإن شئتَ أن تتأخَّر فتأخَّرْ، وما أرى التأخُّرَ إلا خيرًا لك. ذكره سفيان [٣٣/ب] الثوري عن الشيباني، عن الشعبي، عن شُرَيح أنَّ عمر كتب إليه (٢). وقال أبو عبيد في "كتاب القضاء" (٣): ثنا كَثِير بن هشام عن جعفر بن

стр. 275

بُرْقان عن ميمون بن مِهران قال: كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكمٌ نظَرَ في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به قضَى به. وإن لم يجد في كتاب الله نظَر في سنّة رسول الله ﷺ ، فإن وجد فيها ما يقضي به قضَى به. فإذا (١) أعياه ذلك سأل الناسَ: هل علمتم أن رسول الله ﷺ قضَى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القومُ، فيقولون: قضَى فيه بكذا وكذا. فإن لم يجد سنّةً سنَّها النبيُّ ﷺ جمَع رؤساءَ الناس، فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به. وكان عمر يفعل ذلك، فإذا أعياه أن يجد ذلك في الكتاب والسنَّة سأل: هل كان أبو بكر قضى فيه بقضاء؟ فإن كان لأبي بكر قضاءٌ قضى به، وإلا جمَع علماءَ الناس، واستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به (٢). وقال أبو عبيد: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عُمارة بن عُمَير، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود قال: أكثرَوا عليه ذاتَ يوم فقال: إنه قد أتى علينا زمانٌ ولسنا نقضي، ولسنا هناك؛ ثم إنَّ الله بلَّغنا ما ترون. فمَن عُرِض عليه قضاءٌ بعد اليوم فليقضِ بما في كتاب الله. فإن جاءه أمرٌ ليس في كتاب الله ولا قضَى به نبيُّه ﷺ ، فليقضِ بما قضَى به الصالحون. فإن جاءه أمرٌ ليس في كتاب الله، ولا قضى به نبيُّه ﷺ ، ولا قضى به الصالحون؛ فليجتهِدْ رأيَه، ولا يقل: إني أرى، وإني أخاف؛ فإنَّ [٣٤/أ] الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبين ذلك مشتبهات، فدَعْ ما يَريبك إلى ما لا يريبك (٣).

стр. 276

وقال محمد بن جرير الطبري: حدثني يعقوب بن إبراهيم، أنا هُشَيم، أنا سيَّار، عن الشعبي قال: لما بعث عمرُ شريحًا على قضاء الكوفة قال له: انظر ما يتبيَّن (١) لك في كتاب الله، فلا تسأل عنه أحدًا. وما لم يتبيَّن لك في كتاب الله فاتَّبِع فيه سنّةَ رسول الله ﷺ . وما لم يتبيَّن لك فيه السنّة فاجتهِدْ فيه رأيَك (٢). وفي كتاب عمر إلى أبي موسى: اعرِفِ الأشباهَ والأمثالَ، وقِسْ الأمورَ (٣).

стр. 277

وقايس عليَّ بن أبي طالب زيدُ (١) بن ثابت في المُكاتَب (٢). وقايسَه في الجدِّ والإخوة، فشبَّهه عليٌّ بسيلٍ انشعبت منه شعبة، ثم انشعبت من الشعبة شعبتان. وقاسه (٣) زيدٌ على شجرةٍ انشعب منها غصنٌ، وانشعب من الغصن غصنان (٤). وقولهما في الجَدِّ: إنه لا يحجب الإخوة (٥). وقاس ابن عباس الأضراسَ بالأصابع، وقال: اعتَبِروها (٦) بها (٧). وسئل عليٌّ عن مسيره إلى صِفِّين: هل كان بعهدٍ عهِده إليه رسولُ الله ﷺ أم رأيٌ رآه؟ قال: بل رأيٌ رأيتُه (٨).

стр. 278

وقال عبد الله بن مسعود ــ وقد سئل عن المفوِّضة ــ: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمنِّي ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريء (١). وقال ابن أبي خَيْثَمة: ثنا أبي، ثنا محمد بن خازم، عن الأعمش، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: من عرض له منكم قضاءٌ فَلْيقضِ بما في كتاب الله. فإن لم يكن في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيُّه ﷺ . فإن جاءه أمرٌ ليس في كتاب الله ولم يقضِ فيه (٢) نبيُّه ﷺ فليقضِ بما قضى به الصالحون. فإن جاءه أمر ليس في كتاب [٣٤/ب] الله، ولم يقضِ به نبيُّه، ولم يقض به الصالحون؛ فليجتهد رأيَه. فإن لم يُحسِنْ فليقُمْ ولا يَسْتَحْيِ (٣). وذكر سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعتُ ابنَ عباس إذا سئل عن شيء، فإن كان في كتاب الله قال به. وإن لم يكن في كتاب الله وكان عن رسول الله ﷺ قال به. فإن لم يكن في كتاب الله، ولا عن

стр. 279

رسول الله ﷺ ، وكان عن أبي بكر وعمر= قال به. فإن لم يكن في كتاب الله، ولا عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أبي بكر وعمر= اجتهَد رأيه (١). وقال ابن أبي خَيثمة: حدَّثني أبي، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عبد الملك بن أبجَر، عن الشعبي، عن مسروق قال: سألتُ أُبَيَّ بن كعب عن شيء، فقال: أكان هذا؟ قلت: لا. قال: فأجِمَّنا (٢) حتى يكون، فإذا كان اجتهَدنا لك رأيَنا (٣). قال أبو عمر بن عبد البر (٤): ورُوِّينا عن ابن عباس أنه أرسل إلى زيد بن

стр. 280

ثابت: أفي كتاب الله ثلثُ ما بقي (١)؟ فقال: أنا أقول برأيي، وتقول برأيك. وعن ابن عمر أنه سئل عن شيء فعَلَه: أرأيتَ رسولَ الله ﷺ فعَل هذا، أو شيءٌ رأيتَه؟ قال: بل شيءٌ رأيتُه (٢). وعن أبي هريرة أنه كان إذا قال في شيء برأيه قال: هذه من كيسي. ذكره ابنُ وهب، عن سليمان بن بلال، عن كَثير بن زيد، عن وليد بن رَباح، عن أبي هريرة (٣). وكان أبو الدرداء يقول: إيّاكم وفراسةَ العلماء. احذروا أن يشهدوا عليكم شهادةً تكُبُّكم على وجوهكم في النار. فوالله، إنَّه لَلحقُّ يقذفه الله [٣٥/أ] في قلوبهم (٤).

стр. 281

قلتُ: وأصل هذا في الترمذي (١) مرفوعًا: "اتقوا فراسةَ المؤمن، فإنه ينظر بنور الله"، ثم قرأ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]. وقال أبو عمر (٢): ثنا عبد الوارث بن سفيان، ثنا قاسم بن أصبَغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخُشَني، ثنا إبراهيم بن أبي الفيّاض البَرْقي الشيخ الصالح، ثنا سليمان بن بَزِيع الإسكندراني، ثنا مالك بن أنس، عن يحيى بن

стр. 282

سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن عليٍّ، قال: قلتُ: يا رسول الله، الأمرُ ينزِل بنا لم ينزِل فيه القرآنُ، ولم تمضِ فيه منك سنَّة. قال: "اجمعوا له العالِمين ــ أو قال: "العابدين" ــ من المؤمنين، فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضُوا فيه برأي واحد". وهذا غريب جدًّا من حديث مالك. وإبراهيمُ البَرْقي وسليمان ليسا ممن يُحتجُّ بهما. وقال عمر لعلي وزيد: لولا رأيُكما لاجتمعَ رأيي ورأيُ أبي بكر، كيف يكون ابني ولا أكون أباه؟ يعني الجدَّ (١). وعن عمر أنه لقي رجلًا فقال: ما صنعتَ؟ قال: قضى عليٌّ وزيدٌ بكذا. قال: لو كنتُ أنا لَقضيتُ بكذا. قال: فما منَعك، والأمرُ إليك؟ قال: لو كنتُ أرُدُّك إلى كتاب الله أو إلى سنة نبيه ﷺ لفعلتُ، ولكنِّي أردُّك إلى رأيي، والرأيُ مشترك. فلم ينقُضْ ما قال علي وزيد (٢). وذكر الإمام أحمد (٣) عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إنَّ الله اطلع في

стр. 283

قلوب العباد، فرأى قلبَ محمد ﷺ خيرَ قلوب [٣٥/ب] العباد، فاختاره لرسالته. ثم اطلع في قلوب العباد بعده، فرأى قلوبَ أصحابه (١) خيرَ قلوب العباد، فاختارهم لصحبته. فما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو عند الله قبيح (٢). وقال ابن وهب عن ابن لهيعة: إنَّ عمر بن عبد العزيز استعمل عروةَ بن محمد السَّعْدي على اليمن، وكان من صالحي (٣) عُمَّال عمر، وإنه كتب إلى عمر يسأله عن شيء من أمر القضاء، فكتب إليه عمر: لَعَمْري ما أنا بالنشيط على الفتيا ما وجدتُ منها بدًّا، وما جعلتُك إلا لتكفيني، وقد حمَّلتُك ذلك، فاقضِ فيه برأيك (٤).

стр. 284

وقال محمد بن سعد (١): أخبرني رَوح (٢) بن عُبادة، ثنا حمَّاد بن سلَمة، عن الجُرَيري أنَّ أبا سَلَمة بن عبد الرحمن قال للحسن: أرأيتَ ما تُفتي به الناسَ، أشيء سمعتَه أم برأيك؟ فقال الحسن: لا والله ما كلُّ ما نفتي به سمعناه، ولكن رأيُنا لهم خيرٌ من رأيهم لأنفسهم. وقال محمد بن الحسن: من كان عالمًا بالكتاب والسنّة، وبقول أصحاب رسول الله ﷺ ، وبما استحسنَ فقهاءُ المسلمين= وَسِعَه أن يجتهد رأيَه فيما ابتُلِيَ (٣) به، ويَقضِيَ به، ويُمضِيَه في صلاته وصيامه وحجِّه وجميع ما أُمِر به ونُهِي عنه. فإذا اجتهَدَ، ونظَر، وقاسَ على ما أشبَه، ولم يألُ= وَسِعَه العملُ بذلك، وإن أخطأ الذي ينبغي أن يقول به (٤). فصل ولا تعارُضَ بحمد الله بين هذه الآثار عن السادة الأخيار، بل كلُّها حقٌّ، وكلٌّ منها له وجهٌ. وهذا إنَّما يتبيَّن بالفرق بين الرأي الباطل الذي ليس من

стр. 285

الدين، [٣٦/أ] والرأيِ الحقِّ الذي لا مندوحةَ عنه لأحد من المجتهدين، فنقول وبالله المستعان: الرأي في الأصل: مصدرُ رأى الشيءَ يراه رأيًا. ثم غلب استعماله على المرئيِّ نفسِه، من باب استعمال المصدر في المفعول، كالهوَى في الأصل مصدرُ هوِيَه يهواه هوًى، ثم استُعمِل في الشيء الذي يُهْوَى؛ فيقال: هذا هَوَى فلانٍ. والعربُ تفرِّق بين مصادر فعل الرؤية بحسب محالِّها (١) فتقول: رأى كذا في النوم رُؤْيا، ورآه في اليقظة رؤيةً، ورأى كذا ــ لما يُعلَم بالقلب ولا يُرَى بالعين ــ رأيًا. ولكنهم خصُّوه بما يراه القلبُ بعد فكرٍ وتأمُّلٍ وطلبٍ لمعرفة وجه الصواب مما تتعارض فيه الأمارات. فلا يقال لمن رأى بقلبه أمرًا غائبًا عنه مما يُحَسُّ به: إنه رأيه (٢). ولا يقال أيضًا للأمر المعقول الذي لا تختلف فيه العقول ولا تتعارض فيه الأمارات: إنه رأيٌ، وإن احتاج إلى فكرٍ وتأمُّلٍ كدقائق الحساب ونحوها. وإذا عُرِف هذا فالرأي ثلاثة أقسام: رأي باطل بلا ريب، ورأي صحيح، ورأي هو موضع الاشتباه. والأقسام الثلاثة قد أشار إليها السلف، فاستعملوا الرأي الصحيح، وعمِلُوا به، وأفتوا به، وسوَّغوا القولَ به. وذمُّوا الباطل، ومنعوا من العمل والفتيا والقضاء به، وأطلقوا ألسنتهم بذمِّه وذمِّ أهله. والقسم الثالث سوَّغوا العملَ والفتيا والقضاء به عند الاضطرار إليه
следующие страницы →