← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقدَّم الشافعيُّ خبر تحريم صيد وَجٍّ (١)، مع ضعفه على القياس. وقدَّم خبرَ جواز الصلاة بمكة في وقت النهي (٢)، مع ضعفه ومخالفته لقياس غيرها من البلاد. وقدَّم في أحد قوليه حديثَ "من قاء أو رعَف فليتوضَّأ، وَلْيَبْنِ على صلاته" (٣) على القياس، مع ضعف الخبر وإرساله. وأما مالك فإنه يقدِّم الحديثَ المرسل والمنقطع والبلاغات وقولَ الصحابي على القياس. فإذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نصٌّ، ولا قول [١٧/أ] الصحابة أو واحد منهم، ولا أثر مرسل أو ضعيف= عدَلَ إلى الأصل الخامس، وهو القياس، فاستعمله للضرورة. وقد قال في "كتاب الخلال": سألتُ الشافعيَّ عن القياس، فقال: إنما (٤)

стр. 212

يُصار إليه عند الضرورة (١)، أو ما هذا معناه. [وقال في رواية أبي الحارث: ما نصنع بالرأي والقياس، وفي الحديث ما يغنيك؟ وقال في رواية عبد الملك الميموني: يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين: المجمل والقياس (٢)] (٣). فهذه الأصول الخمسة من أصول فتاويه، وعليها مدارها. وقد يتوقَّف في الفتوى لتعارُض الأدلّة عنده، أو لاختلاف الصحابة فيها، أو لعدم اطلاعه فيها على أثر أو قول أحدٍ من الصحابة والتابعين. وكان شديد الكراهة والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف، كما قال لبعض أصحابه (٤): إياك أن تتكلَّم في مسألةٍ ليس لك فيها إمام. وكان يسوِّغ استفتاءَ فقهاء الحديث وأصحاب مالك، ويدلُّ عليهم؛ ويمنع من استفتاء من يُعرض عن الحديث، ولا يبني مذهبه عليه؛ ولا يسوِّغ العمل بفتواه. قال ابن هانئ (٥): سألتُ أبا عبد الله عن الذي جاء في الحديث:

стр. 213

"أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار" (١). قال أبو عبد الله ﵀: يفتي بما لم يسمع. قال (٢): وسألتُه عمَّن "أَفْتى بفتيا يَعْيا فيها، فإثمُها على من أفتاها" (٣)، على أي وجه يُفتي حتى يعيا (٤) فيها؟ قال: يفتي بالبَخْت (٥)، لا يدري أيشٍ أصلُها (٦).

стр. 214

وقال أبو داود في "مسائله" (١): ما أحصي ما سمعتُ أحمدَ سئل عن كثير مما فيه الاختلاف في العلم، فيقول: لا أدري. قال (٢): وسمعتُه يقول: ما رأيتُ مثلَ ابن عيينة في الفتوى أحسنَ فُتيا منه، كان أهون عليه أن يقول: لا أدري. وقال عبد الله بن أحمد في "مسائله" (٣): سمعتُ أبي يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: سأل رجلٌ من أهل الغرب مالكَ بن أنس عن مسألة فقال: لا أدري. [١٧/ب] فقال: يا أبا عبد الله تقول: لا أدري؟ قال: نعم، فأَبلِغْ مَن وراءك أنِّي لا أدري. وقال عبد الله (٤): كنت أسمع أبي كثيرًا يُسأل عن المسائل، فيقول: لا أدري؛ ويقف إذا كانت مسألة فيها اختلاف. وكثيرًا ما كان يقول: سَلْ غيري. فإن قيل له: من نسأل؟ قال: سَلُوا العلماء، ولا يكاد يسمِّي رجلًا بعينه. قال (٥): وسمعت أبي يقول: كان ابن عيينة لا يفتي في الطلاق، ويقول: مَن يُحسِن هذا؟

стр. 215

فصل وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرُّعَ في الفتوى، ويودُّ أحدُهم (١) أن يكفيه إياها غيرُه. فإذا رأى أنها قد تعيَّنت عليه بذَلَ اجتهادَه في معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين، ثم أفتى. وقال عبد الله بن المبارك (٢): ثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركتُ عشرين ومائةً من أصحاب رسول الله ﷺ ــ أراه قال: في المسجد ــ فما كان منهم محدِّث إلّا ودَّ أنَّ أخاه كفاه الحديثَ، ولا مفتٍ إلّا ودَّ أنّ أخاه كفاه الفتيا. وقال الإمام أحمد: ثنا جرير عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركتُ عشرين ومائةً من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ ما منهم رجلٌ يُسأل عن شيء إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه، ولا يحدِّث حديثًا إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاه (٣). وقال مالك (٤): عن يحيى بن سعيد أنّ بُكَير بن الأشجِّ أخبره عن

стр. 216

معاوية بن أبي عيّاش أنه كان جالسًا عند عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر، فجاءهما محمد بن إياس بن البُكَير فقال: إنَّ رجلًا من أهل البادية طلَّق امرأته [١٨/أ] ثلاثًا، فماذا تَرَيانِ؟ فقال عبد الله بن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة، فإنِّي تركتُهما عند عائشة زوج النبي ﷺ ، ثم ائتِنا، فأخبِرنا. فذهبتُ، فسألتُهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة: أَفْتِه يا أبا هريرة، فقد جاءتك مُعْضِلة. فقال أبو هريرة: الواحدةُ تُبِينها، والثلاثُ تُحرِّمها حتى تنكح زوجًا غيره. وقال مالك عن يحيى بن سعيد قال: قال ابن عباس: إنَّ كلَّ من أفتى الناسَ في كلِّ ما يسألونه عنه لَمجنون (١). قال مالك: وبلغني عن ابن مسعود مثلُ ذلك. رواه ابن وضَّاح عن يوسف بن عدي، عن عَبِيدة بن حُمَيد (٢)، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله (٣). ورواه حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، عن عبد الله (٤).

стр. 217

وقال سَحنون بن سعيد: أجسَرُ الناس على الفتيا أقلُّهم علمًا، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم، يظنُّ أنَّ الحقَّ كلَّه فيه (١). قلت: الجرأة على الفتيا تكون من قلّة العلم ومن غزارته وسعته. فإذا قلَّ علمُه أفتى عن كلِّ ما يُسأل عنه بغير علم، وإذا اتسع علمه اتسعت فتياه. ولهذا كان ابنُ عباس من أوسع الصحابة فُتيا، وقد تقدَّم (٢) أنَّ فتاواه جُمِعت عشرين سِفْرًا (٣). وكان سعيد بن المسيِّب أيضًا واسع الفتيا، وكانوا يسمُّونه "الجريء" كما ذكر ابن وهب عن محمد بن سليمان المرادي عن أبي إسحاق قال: كنتُ أرى الرجلَ في ذلك الزمان وإنّه لَيدخلُ يَسأل عن الشيء، فيدفعه الناس عن مجلس إلى مجلس، حتَّى يُدفَع إلى مجلس سعيد بن المسيِّب، كراهيةً للفتيا (٤)، قال: وكانوا يدعون سعيد بن المسيِّب "الجريء" (٥). وقال سَحنون: إنِّي لأحفظ [١٨/ب] مسائل، منها ما فيه ثمانية أقوال من ثمانية أئمة من العلماء، فكيف ينبغي أن أَعجَل بالجواب حتَّى أتخيَّر (٦)؟

стр. 218

فلِمَ أُلامُ على حبس الجواب؟ (١). وقال ابن وهب: ثنا أشهل (٢) بن حاتم، عن عبد الله بن عون، عن ابن سيرين قال: قال حذيفة: إنما يفتي الناسَ أحدُ ثلاثة: من يَعلم ما نُسِخ من القرآن، أو أميرٌ لا يجد بُدًّا، أو أحمق متكلِّف. قال: فربما قال ابن سيرين: فلستُ بواحد من هذين، ولا أحبُّ أن أكون الثالث (٣)! قلت: مراده ومراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفعُ الحكمِ بجملته تارةً وهو اصطلاح المتأخرين، ورفعُ دلالةِ العامِّ والمطلق والظاهر وغيرِها تارةً، إما بتخصيص أو تقييد أو حملِ مطلقٍ على مقيَّد وتفسيره وتبيينه به (٤)، حتَّى إنهم لَيسمُّون الاستثناء والشرط والصفة نسخًا، لتضمُّنِ ذلك رفعَ دلالة الظاهر وبيانَ المراد. فالنسخُ عندهم وفي لسانهم هو بيانُ المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه. ومن تأمَّل كلامَهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى، وزال عنه به إشكالاتٌ أوجبها حملُ كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر.

стр. 219

وقال هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال: قال حذيفة: إنما يفتي الناسَ أحدُ ثلاثة: رجلٌ يعلم ناسخ القرآن ومنسوخه، وأميرٌ لا يجد بدًّا، وأحمق متكلِّف. قال ابن سيرين: فأنا لستُ أحد هذين، وأرجو أن لا أكون أحمق متكلِّفًا (١)! وقال أبو عمر بن عبد البرِّ في كتاب "جامع فضل العلم" (٢): ثنا خلَف بن القاسم، ثنا يحيى بن الربيع، نا محمد بن حمَّاد المِصِّيصي، ثنا إبراهيم بن واقد، نا المطلب بن زياد قال: حدثني جعفر بن الحسين (٣) إمامنا قال: رأيتُ أبا حنيفة في النوم، فقلتُ: ما فعل الله بك يا أبا حنيفة؟ قال: غُفِر لي. [١٩/أ] فقلتُ (٤) له: بالعلم؟ فقال: ما أضَرَّ الفتيا على أهلها! فقلتُ: فبم؟ قال: بقول الناس فيَّ ما لم يعلم الله منِّي (٥). قال أبو عمر (٦): وقال سَحنون يومًا: إنّا لله، ما أشقى المفتي والحاكم! ثم قال: ها أنا ذا يُتعلَّم منِّي ما تُضرَب به الرقابُ، وتُوطأ به الفروج، وتؤخذ به الحقوق. أما كنتُ عن هذا غنيًّا؟ قال أبو عمر (٧): وقال أبو عثمان الحدّاد: القاضي أيسَرُ مأثَمًا وأقربُ

стр. 220

إلى السلامة من الفقيه ــ يريد المفتي ــ لأنَّ الفقيهَ مِن شأنه إصدارُ ما يرد عليه من ساعته بما حضره من القول، والقاضي شأنُه الأناة والتثبُّتُ. ومَن تأنَّى وتثبَّت تهيَّأ له من الصواب ما لا يتهيأ لصاحب البديئة (١). انتهى. وقال غيره: المفتي أقرب إلى السلامة من القاضي، لأنه لا يُلْزِم بفتواه، وإنما يُخبِر بها من استفتاه، فإن شاء قبِل قوله، وإن شاء تركه. وأما القاضي فإنه يُلْزِم بقوله، فيشترك هو والمفتي في الإخبار عن الحكم، ويتميَّز القاضي بالإلزام به (٢) والقضاء، فهو من هذا الوجه خطرُه أشدُّ (٣). ولهذا جاء في القاضي من الوعيد والتخويف ما لم يأت نظيرُه في المفتي، كما رواه أبو داود الطيالسي (٤) من حديث عائشة أنها ذُكِر عندها القضاةُ، فقالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يؤتى بالقاضي العدل يومَ القيامة، فيَلْقى من شدّة الحساب ما يتمنَّى أنه لم يقضِ بين اثنين في تمرةٍ قطُّ".

стр. 221

وروى الشعبي عن مسروق عن عبد الله يرفعه: "ما من حاكمٍ يحكُم بين الناس إلا وُكِلَ به ملَكٌ آخِذٌ (١) بقفاه حتى يقف به على شَفير جهنم. فيرفع رأسه إلى الله، فإن أمَره أن يقذفه قذَفه في مهوَى أربعين خريفا" (٢). وفي "السنن" (٣) من حديث [٢١/ب] ابن بريدة (٤) عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "القضاة ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة: رجلٌ عرَف الحقَّ، فقضَى به، فهو في الجنة. ورجلٌ قضَى بين الناس بالجهل، فهو في النار. ورجل عرَفَ الحقَّ، فجَارَ، فهو في النار". وقال عمر بن الخطاب (٥) ﵁: ويلٌ لِدَيَّانِ مَن في الأرض مِن دَيَّانِ مَن في السماء يوم يلقونه، إلَّا مَن أمرَ بالعدل، وقضَى بالحق، ولم يَقْضِ على هوًى، ولا على قرابة، ولا على رَغَبٍ ولا رَهَبٍ (٦)؛ وجعَل كتابَ الله مرآةً بين عينيه (٧).

стр. 222

وفي "سنن أبي داود" (١) من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "مَن طلَب قضاءَ المسلمين حتى يناله، ثم غلَب عدلُه جورَه، فله الجنة. ومَن غلب جورُه عدلَه فله النار". وفي "سنن البيهقي" من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "الله مع القاضي ما لم يجُرْ، فإذا جار برئ الله منه، ولزمه الشيطان" (٢). وفيه من حديث حسين المعلِّم، عن الشيباني، عن ابن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله مع القاضي ما لم يَجُرْ، فإذا جار وكَله إلى نفسه" (٣).

стр. 223

وفي "السنن الأربعة" (١) من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "مَنْ قعَد قاضيًا بين المسلمين فقد ذُبِح بغير سكِّين". وفي "سنن البيهقي" (٢) من حديث أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي

стр. 224

- ﷺ قال: "ويلٌ للأمراء، وويلٌ للعُرَفاء، وويلٌ للأُمَناء. لَيَتمنَّيَنَّ أقوامٌ يومَ القيامة أنَّ نواصيَهم كانت معلَّقةً بالثُريَّا يتجَلْجَلُون بين السماء والأرض، وأنهم لم يَلُوا عملًا". [٢٠/أ] وأمَّا المفتي، ففي "سنن أبي داود" (١) من حديث مسلم بن يَسَار قال: سمعتُ أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "مَن قال عليَّ ما لم أقُلْ فَلْيتبوَّأْ بيتًا في جهنَّم. ومن أفتَى بغير علمٍ كان إثمُه على من أفتاه. ومن أشار على أخيه بأمرٍ يعلمُ الرُّشْدَ في غيرِه فقد خانه". فكلُّ خطرٍ على المفتي فهو على القاضي، وعليه من زيادة الخطر ما يختَصُّ به. ولكنَّ خطرَ المفتي أعظم (٢) من جهة أخرى فإنَّ فتواه شريعة عامة تتعلَّق بالمستفتي وغيره. وأما الحاكم، فحكمُه جزئيٌّ خاصٌّ لا يتعدَّى إلى غير المحكوم عليه وله. فالمفتي يُفتي حكمًا عامًّا كُلِّيًّا أن من فعل كذا ترتَّب عليه كذا، ومن قال كذا لزمه كذا؛ والحاكم (٣) يقضي قضاءً معيَّنًا على شخص معيّن، فقضاؤه خاصٌّ ملزم، وفتوى العالم عامَّة غير ملزمَة. فكلاهما

стр. 225

أجره عظيم، وخطره كبير. فصل وقد حرَّم الله سبحانه القولَ عليه بغير علم في الفتيا والقضاء، وجعله من أعظم المحرَّمات؛ بل جعله في المرتبة (١) العليا منها، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. فرتَّب المحرَّماتِ أربعَ مراتب، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثنَّى بما هو أشدُّ تحريمًا منه وهو الإثم والظلم، ثم ثلَّث بما هو أعظم تحريمًا منهما وهو الشرك به سبحانه، ثم ربَّع بما هو أشدُّ تحريمًا من ذلك كلِّه، وهو القولُ عليه بلا علم (٢). وهذا يعُمُّ القولَ عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله، وفي دينه وشرعه. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ [٢٠/ب] هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧]. فتقدَّم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذبِ عليه في أحكامه، وقولِهم لما لم يحرِّمه: هذا حرام، ولما لم

стр. 226

يُحِلَّه: هذا حلال. وهذا بيان منه سبحانه أنه لا يجوز للعبد أن يقول: هذا حلال وهذا حرام، إلّا لِما عَلم أنَّ الله سبحانه أحلَّه وحرَّمه (١). وقال بعض السلف (٢): لِيتَّقِ أحدُكم أن يقول: أحلَّ الله كذا، وحرَّم الله كذا (٣)، فيقولَ الله له: كذبتَ، لَمْ أُحِلَّ كذا، ولمْ أحرِّم كذا. فلا ينبغي أن يقول لما لا يعلم ورودَ الوحي المُبِين بتحليله وتحريمه: أحلَّه الله، وحرَّمه الله؛ لمجرَّد التقليد أو بالتأويل. وقد نهى النبيُّ ﷺ في الحديث الصحيح أميرَه بُرَيدة أن يُنْزِلَ عدوَّه إذا حاصرهم على حكم الله، وقال: "فإنك لا تدري أتصيبُ حُكمَ الله فيهم أم لا، ولكن أَنزِلْهم على حكمك وحكم أصحابك" (٤). فتأمَّلْ كيف فرَّق بين حكم الله وحكم الأمير المجتهد، ونهى أن يسمَّى حكمُ المجتهدين "حكم الله". ومن هذا: لما كتب الكاتب بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حكمًا حكَم به، فقال: هذا ما أرى اللهُ أميرَ المؤمنين عمرَ، فقال: لا

стр. 227

تقل هكذا، ولكن قل: هذا ما رأى أميرُ المؤمنين عمرُ بن الخطاب (١). وقال ابن وهب: سمعتُ مالكًا يقول: لم يكن من أمر الناس ولا مَن مضى مِن سلفنا، ولا أدركتُ أحدًا أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال، وهذا حرام. ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره (٢) كذا، ونرى هذا حسنًا، ويُتَّقَى (٣) هذا، ولا نرى هذا (٤). ورواه عنه عتيق بن يعقوب، [٢١/أ] وزاد: ولا يقولون حلال ولا حرام. أما سمعتَ (٥) قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] الحلالُ: ما أحلَّه الله ورسوله، والحرامُ: ما حرَّمه الله ورسوله (٦). قلت: وقد غلِط كثيرٌ من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك، حيث تورَّع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ الكراهة؛ فنفى المتأخرون التحريمَ عمَّا أطلق عليه الأئمةُ الكراهةَ، ثم سهُل عليهم لفظُ

стр. 228

الكراهة، وخفَّت مؤنته عليهم، فحمله بعضهم على التنزيه، وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى. وهذا كثيرٌ جدًّا في تصرُّفاتهم؛ فحصل بسببه غلط عظيم على الشريعة وعلى الأئمة. وقد قال الإمام أحمد (١) في الجمع بين الأختين بملك اليمين: أكرهه، ولا أقول: هو حرام. ومذهبه: تحريمه (٢)، وإنما تورَّع عن إطلاق لفظ التحريم لأجل قول عثمان (٣). وقال أبو القاسم الخِرَقي (٤) فيما نقله عن أبي عبد الله: ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة. ومذهبه أنه لا يجوز. وقال في رواية أبي داود (٥): ويُستحَبُّ أن لا يدخل الحمامَ إلا بمئزر.

стр. 229

وهذا استحباب وجوب. وقال في رواية إسحاق بن منصور (١): إذا كان أكثرُ مال الرجل حرامًا فلا يُعجبني أن يؤكل ماله. وهذا على سبيل التحريم. وقال في رواية ابنه عبد الله (٢): لا يعجبني أكلُ ما ذُبِح للزُّهَرة ولا الكواكب ولا الكنيسة، وكلُّ شيء ذُبِحَ لغير الله. قال الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]. فتأمَّلْ كيف قال: "لا يعجبني" فيما [٢١/ب] نصَّ الله سبحانه على تحريمه، واحتجَّ هو أيضًا بتحريم الله له في كتابه. وقال في رواية الأثرم (٣): أكره لحوم الجلالة وألبانها. وقد صرَّح بالتحريم في رواية حنبل وغيره.

стр. 230

وقال في رواية ابنه عبد الله (١): أكره أكلَ لحم الحيَّة والعقرب، لأنَّ الحية لها ناب، والعقرب لها حُمَة. ولا يختلف مذهبه في تحريمه (٢). وقال في رواية حَرْب (٣): إذا صاد الكلبُ من غير أن يُرسَل فلا يعجبني؛ لأن النبي ﷺ قال: "إذا أرسلتَ كلبك، وسمَّيتَ" (٤). فقد أطلق لفظة "لا يعجبني" على ما هو حرام عنده. وقال في رواية جعفر بن محمد النسائي (٥): لا يعجبني المُكْحُلَة والمِرْوَد، يعني من الفضَّة. وقد صرَّح بالتحريم في عدَّة مواضع (٦)، وهو مذهبه بلا خلاف. وقال جعفر بن محمد أيضًا: سمعتُ أبا عبد الله سئل عن رجل قال لامرأته: كلُّ امرأة أتزوَّجها أو جاريةٍ أشتريها للوطء، وأنتِ حيَّة، فالجارية حرَّة، والمرأة طالق. قال: إن تزوَّج لم آمُره أن يفارقها (٧)، والعتقُ أخشى أن يلزمه؛ لأنه مخالف للطلاق. قيل له: يهب له رجلٌ جاريةً، قال: هذا طريق الحيلة (٨)، وكرِهَه؛ مع أنَّ مذهبه تحريمُ الحِيَل وأنَّها لا تخلِّص من الأيمان.

стр. 231

ونصَّ على كراهة البطَّة (١) من جلود الحُمْر، وقال: لا تكون (٢) ذكية. ولا يختلف مذهبه في التحريم. وسئل عن شعر الخنزير، فقال: لا يعجبني (٣). وهذا على التحريم (٤)، وقال: يُكرَه القِدُّ (٥) من جلود الحَمير، ذكيًّا وغير ذكي (٦)؛ لأنه لا يكون ذكيًّا، وأكرهه لمن يعمل وللمستعمل (٧). وسُئل عن رجل حَلَف: لا ينتفع بكذا، فباعه واشترى به غيره، فكَرِه ذلك. وهذا عنده لا يجوز. وسئل عن ألبان الأُتُن فكَرِهه (٨). وهو [٢٢/أ] حرام عنده. وسئل عن الخمر يُتَّخَذ خلًّا، فقال: لا يعجبني (٩). وهذا على التحريم عنده.

стр. 232

وسئل عن بيع الماء، فكرهه (١). وهذا في أجوبته أكثر من أن يستقصى، وكذلك غيره من الأئمة. وقد نصَّ محمد بن الحسن على أنَّ كلَّ مكروه فهو حرام، إلا أنه لما لم يجد فيه نصًّا قاطعًا لم يُطلق عليه لفظ "الحرام" (٢). وروى محمد أيضًا عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إلى الحرام أقرب (٣). وقد قال في "الجامع الصغير" (٤): يكره الشرب في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء. ومراده التحريم. وكذلك قال أبو يوسف ومحمد: يُكرَه النوم على فرش الحرير والتوسُّد على وسائده، ومرادهما التحريم (٥). وقال أبو حنيفة وصاحباه: يُكرَه أن يُلْبَس الذكورُ من الصِّبيان الذهبَ والحريرَ. وقد صرَّح الأصحاب أنه حرام، وقالوا: إنَّ التحريم لما ثبت في حقِّ الذكور وحرُم اللُّبسُ حَرُم الإلباس (٦)، كالخمر لما حَرُم شربها حَرُم

стр. 233

سقيُها (١). وكذلك قالوا: يُكرَه منديلُ الحرير الذي يتمخَّط فيه ويتمسَّح من الوضوء. ومرادهم التحريم. وقالوا: يُكرَه بيعُ العَذِرة، ومرادهم التحريم (٢). وقالوا: يُكرَه الاحتكارُ في أقوات الآدميين والبهائم إذا أضرَّ بهم وضيَّق عليهم (٣)، ومرادهم التحريم. وقالوا: يكره بيع السلاح في أيام الفتنة (٤)، ومرادهم التحريم. وقال أبو حنيفة: يكره بيع أرض مكة (٥)، ومراده التحريم عندهم. قالوا: ويُكرَه اللعب بالشِّطْرَنج (٦)، وهو حرام عندهم. قالوا: ويُكرَه أن يجعل الرجلُ في عنق عبده أو غيره طوقَ الحديد الذي يمنعه من التحرُّك، وهو الغُلُّ (٧). وهو حرام. وهذا [٢٢/ب] كثير في كلامهم جدًّا. وأما أصحاب مالك، فالمكروه عندهم مرتبة بين الحرام والمباح، ولا يطلقون عليه اسم الجواز. ويقولون: إنَّ أكلَ كلِّ ذي ناب من السباع مكروه

стр. 234

غير مباح. وقد قال مالك في كثير من أجوبته: أكره كذا، وهو حرام. فمنها: أن مالكًا نصَّ على كراهة الشِّطْرَنج (١). وهذا عند أكثر أصحابه على التحريم، وحمله بعضهم على الكراهة التي هي دون التحريم (٢). وكذلك قال الشافعي في اللَّعِب بالشِّطْرنج: إنه لَهْوٌ شبهُ الباطل، أكرهه ولا يتبيَّن لي تحريمه (٣). فقد نصَّ على كراهته، وتوقَّف في تحريمه. فلا يجوز أن يُنسَب إليه وإلى مذهبه أنَّ اللعب بها جائز، وأنه مباح؛ فإنه لم يقل هذا ولا ما يدلُّ عليه. والحقُّ أن يقال: إنه كرِهَها، وتوقَّف في تحريمها. فأين هذا من أن يقال: إن مذهبه جواز اللعب بها وإباحته؟ (٤). ومن هذا أيضًا: أنه نصَّ على كراهة تزوُّج الرجلِ بنتَه المخلوقةَ من ماء الزنا (٥)، ولم يقل قطُّ: إنه مباح ولا جائز. والذي يليق بجلالته وإمامته ومنصبه الذي أحلَّه الله به من الدين أن هذه الكراهة منه على وجه التحريم، وأطلق لفظَ الكراهة لأن الحرام يكرهه الله ورسوله (٦). وقد قال تعالى عقيب ذكر ما حرَّمه من المحرَّمات من عند قوله:

стр. 235

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ إلى آخر الآيات. ثم قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٣٨]. [٢٣/أ] وفي "الصحيح" (١): "إنَّ الله كرِه لكم قيلَ وقال، وكثرةَ السؤال، وإضاعةَ المال". فالسلف كانوا يستعملون "الكراهة" في معناها الذي استُعملت فيه في كلام الله ورسوله، ولكن المتأخرون اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرَّم، وتركُه أرجح من فعله. ثم حمَل مَن حمَل منهم كلامَ الأئمة على الاصطلاح الحادث، فغلِط (٢) في ذلك. وأقبَحُ غلطًا منه مَن حمل لفظ الكراهة أو لفظ "لا ينبغي" في كلام الله ورسوله على المعنى الاصطلاحي الحادث. وقد اطَّرَد في كلام الله ورسوله استعمال "لا ينبغي" في المحظور شرعًا أو قدرًا، وفي المستحيل الممتنع (٣)، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢] وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] وقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١١]. وقوله على لسان نبيه: "كذَّبني ابنُ آدم

стр. 236

وما ينبغي له، وشتَمني ابنُ آدم وما ينبغي له" (١)، وقوله ﷺ : "إنَّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام" (٢)، وقوله ﷺ في لباس الحرير: "لا ينبغي هذا للمتقين" (٣)، وأمثال ذلك. والمقصود: أن الله سبحانه حرَّم القول عليه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، والمفتي يُخبر عن الله وعن دينه، فإن لم يكن خبرُه مطابقًا لما شرعه كان قائلًا عليه بلا علم. ولكن إذا اجتهد واستفرغ وسعه في معرفة الحق وأخطأ لم يلحقه الوعيد، وعُفي له عمّا أخطأ به، وأُثيبَ على اجتهاده. ولكن لا يجوز أن يقول لما أدَّاه (٤) إليه اجتهادُه ولم يظفر فيه بنصٍّ عن الله ورسوله: إنّ الله حرَّم كذا، وأوجب كذا، وأباح كذا، وإنَّ هذا هو حكم الله. قال ابن وضَّاح: ثنا يوسف بن عدي، ثنا عَبِيدة [٢٣/ب] بن حُمَيد، عن عطاء بن السائب قال: قال الرَّبيع بن خُثَيم: إياكم أن يقول الرجل لشيء: إنَّ الله حرَّم هذا أو نهى عنه، فيقول الله: كذبتَ! لَم أحرِّمه ولم أَنْهَ عنه؛ أو يقول: إنَّ الله أحلَّ هذا، أو أمر به، فيقول الله: كذبتَ! لم أُحِلَّه ولم آمُرْ به (٥).

стр. 237

قال أبو عمر (١): وقد روي عن مالك أنه قال في بعض ما كان ينزل به، فيُسأل عنه، فيجتهد فيه رأيه: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]. * * *

стр. 238

فصول في كلام الأئمة في أدوات الفتيا، وشروطها ، ومن ينبغي له أن يفتي، وأين يسع قول المفتي (١): "لا أدري"؟ قال الإمام أحمد في رواية ابنه صالح (٢) عنه: ينبغي للرجل إذا حمَل نفسَه على الفتيا أن يكون عالمًا بوجوه القرآن، عالمًا بالأسانيد الصحيحة، عالمًا بالسُّنن. وإنما جاء خلافُ من خالف لقلَّةِ معرفتهم بما جاء عن النبي ﷺ ، وقلَّةِ معرفتهم بصحيحها من سقيمها. وقال في رواية ابنه عبد الله (٣): إذا كان عند الرجل الكتب المصنفة فيها قولُ رسول الله ﷺ واختلافُ الصحابة والتابعين، فلا يجوز أن يعمل بما شاء ويتخيَّر، فيقضي (٤) به ويعمل به، حتَّى يسأل أهل العلم ما يؤخذ به، فيكون يعمل على أمر صحيح. وقال في رواية أبي الحارث (٥): لا يجوز الإفتاء (٦) إلا لرجل عالم

стр. 239

بالكتاب والسنَّة. وقال في رواية حنبل (١): ينبغي لمن أفتى أن يكون عالمًا بقول من تقدَّم، وإلا فلا يفتي. وقال محمد بن عبيد الله بن المنادي: سمعتُ رجلًا يسأل أحمد: إذا حفظ الرجلُ مائة ألف حديث يكون فقيهًا؟ قال: لا. قال: فمائتي ألف؟ قال: لا. قال: فثلاثمائة ألف؟ قال: لا. قال: فأربعمائة ألف؟ قال بيده هكذا، [٢٤/أ] وحرَّك يدَه (٢). قال أبو الحسين (٣): وسألتُ جدِّي محمد بن عبيدالله، قلتُ: فكم كان يحفظ أحمد بن حنبل؟ قال: أجاب (٤) عن ستمائة ألف. قال أبو حفص (٥): قال لي أبو إسحاق (٦): لما جلستُ في جامع

стр. 240

المنصور للفتيا ذكرتُ هذه المسألة، فقال لي رجل: فأنتَ هو ذا تحفظ (١) هذا القدر حتى تفتي الناس؟ فقلتُ له: عافاك الله، إنْ كنتُ أنا (٢) لا أحفظ هذا المقدار فإنِّي هو ذا أفتي الناس بقول من كان يحفظ هذا المقدار وأكثر منه. قال القاضي أبو يعلى (٣): "وظاهر هذا الكلام من أحمد أنه لا يكون من أهل الاجتهاد إذا لم يحفظ من الحديث هذا القدر الكثير الذي ذكره، وهذا محمول على الاحتياط والتغليظ في الفتوى". ثم ذكر حكاية أبي إسحاق لمَّا جلس في جامع المنصور، قال: "وليس هذا الكلام من أبي إسحاق مما يقتضي أنه كان يقلِّد أحمد فيما يفتي به، لأنه قد نصَّ في بعض "تعاليقه" على كتاب "العلل" على الدلالة على منع الفتوى بغير علم، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. قلتُ: هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال لأصحاب أحمد: أحدها: أنه لا يجوز الفتوى بالتقليد، لأنه ليس بعلم، والفتوى بغير علم حرام. ولا خلاف بين الناس أنَّ التقليد ليس بعلم، وأنَّ المقلِّد لا يطلَق عليه اسمُ عالم. وهذا قول أكثر (٤) الأصحاب وقول جمهور الشافعية.

стр. 241

والثاني: أن ذلك يجوز فيما يتعلَّق بنفسه، فيجوز له أن يقلِّد غيرَه من العلماء إذا كانت الفتوى لنفسه، ولا يجوز أن يقلِّد العالمَ فيما يفتي به غيرَه. وهذا قول ابن بطة وغيره من أصحابنا. قال القاضي (١): ذكر ابن بطَّة في مكاتباته إلى البرمكي (٢): لا يجوز له أن يفتي بما يسمع من يفتي (٣)، وإنما يجوز أن يقلِّد لنفسه. فأما أن يتقلَّد لغيره ويُفتي به، فلا. والقول الثالث: أنه يجوز ذلك عند الحاجة وعدم العالم المجتهد. وهو أصحُّ الأقوال، وعليه العمل. قال القاضي (٤): ذكر أبو حفص في "تعاليقه" قال: سمعتُ أبا علي الحسن بن عبد الله النجَّاد يقول: سمعتُ أبا الحسن بن بشران (٥) يقول: ما أعيب على رجلٍ يحفظ لأحمد (٦) خمسَ مسائل، استند إلى بعض سواري المسجد يفتي الناسَ (٧) بها.

стр. 242

وقال الشافعي فيما رواه عنه الخطيب في كتاب "الفقيه والمتفقه" له (١): لا يحِلُّ لأحدٍ أن يفتي في دين الله إلا رجلًا عارفًا بكتاب الله: بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به (٢). ويكون بعد ذلك بصيرًا بحديث رسول الله ﷺ ، وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثلَ ما عرف من القرآن. ويكون بصيرًا باللغة، بصيرًا بالشعر وما يحتاج إليه للعلم (٣) والقرآن، ويستعمل هذا مع الإنصاف. ويكون بعد هذا مشرفًا على اختلاف أهل الأمصار. وتكون له قريحة بعد هذا. فإذا كان هذا (٤) هكذا فله أن يتكلَّم ويفتي في الحلال والحرام. وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي. وقال صالح بن أحمد: قلتُ لأبي: ما تقول في الرجل يُسأل عن الشيء، فيجيب بما في الحديث، وليس بعالم في الفقه؟ فقال: ينبغي للرجل إذا حمَل نفسَه على الفتيا أن يكون عالمًا بالسُّنن، عالمًا بوجوه القرآن، عالمًا بالأسانيد (٥) الصحيحة (٦). وذكر الكلام المتقدِّم.

стр. 243

وقال علي بن شَقيق: قيل لابن المبارك: متى يفتي الرجل؟ قال: إذا كان عالمًا بالأثر، بصيرًا بالرأي (١). وقيل ليحيى بن أكثم: متى تحبُّ (٢) للرجل أن يفتي؟ فقال: إذا كان بصيرًا بالرأي، بصيرًا بالأثر (٣). قلت: يريدان (٤) بالرأي القياس الصحيح والمعاني والعلل الصحيحة التي علَّق الشارع بها الأحكام، وجعَلهَا مؤثِّرةً فيها طردًا وعكسًا. فصل في تحريم الإفتاء في دين الله بالرأي المتضمِّن لمخالفة النصوص ، والرأيِ الذي لم تشهد له النصوصُ بالقبول قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠]. فقسَّم الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما: إما الاستجابة لله والرسول وما جاء به، وإما اتباع الهوى؛ فكلُّ ما لم يأتِ به الرسولُ فهو من الهوى (٥).

стр. 244

وقال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. فقسَّم سبحانه طريقَ الحكم بين الناس إلى الحقِّ وهو الوحي الذي أنزله الله على رسوله (١)، وإلى الهوى وهو ما خالفه. وقال تعالى لنبيِّه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٨ - ١٩]. فقسَّم الأمر بين الشريعة التي جعله هو (٢) سبحانه عليها، وأوحى إليه العملَ بها، وأمَر الأمَّة [٢٥/ب] بها؛ وبين اتباع أهواء الذين لا يعلمون. فأمر بالأول، ونهى عن الثاني. وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣]. فأمَر باتباع المُنْزَل منه خاصَّة، وأعلَمَ أنَّ من اتبع غيرَه فقد اتبع من دونه أولياء (٣). وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. فأمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله، وأعاد الفعل إعلامًا بأنَّ

стр. 245

طاعة الرسول تجب استقلالًا من غير عرضِ ما يأمر (١) به على الكتاب. بل إذا أمَر وجبت طاعته مطلقًا، سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه، فإنه أُوتي الكتابَ ومثلَه معه. ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالًا، بل حذَف الفعلَ، وجعَل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول إيذانًا بأنهم إنما يطاعون تبعًا لطاعة الرسول (٢). فمَن أمر منهم بطاعة الرسول وجبت طاعته. ومَن أمر منهم بخلاف ما جاء به الرسول، فلا سمعَ له ولا طاعة، كما صحَّ عنه ﷺ أنه قال: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" (٣)، وقال: "إنما الطاعة في المعروف" (٤)، وقال في ولاة الأمور: "من أمركم منهم بمعصية الله فلا سمع له ولا طاعة" (٥).

стр. 246

وقد أخبر ﷺ عن الذين أرادوا دخولَ النار لمَّا أمرَهم أميرُهم بدخولها أنهم لو دخلوا لما خرجوا منها (١)، مع أنهم إنما كانوا يدخلونها طاعةً لأميرهم، وظنًّا أن ذلك واجب عليهم. ولكن لما قصَّروا في الاجتهاد، وبادروا [٢٦/أ] إلى طاعته (٢) في معصية الله (٣)، وحمَّلوا عمومَ الأمر بالطاعة ما (٤) لم يُرِده الآمر ﷺ وما قد عُلِم من دينه إرادةُ (٥) خلافه، فقصَّروا في الاجتهاد، وأقدموا على تعذيب أنفسهم وإهلاكها من غير تثبُّت وتبيُّن هل ذلك طاعة لله ورسوله أم لا. فما الظنُّ بمن أطاع غيرَه في صريح (٦) مخالفة ما بعث الله به رسولَه؟ ثم أمر تعالى بردِّ ما تنازع فيه المؤمنون إلى الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأخبرهم أن ذلك خيرٌ لهم في العاجل، وأحسنُ تأويلًا في العاقبة. وقد تضمَّن هذا أمورًا. منها: أن أهل الإيمان قد يتنازعون في بعض الأحكام، ولا يخرجون بذلك عن الإيمان. وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين وأكملُ الأمة إيمانًا، ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل

стр. 247

كلُّهم على إثبات (١) ما نطق به الكتاب والسنة كلمةً واحدةً، من أولهم إلى آخرهم. لم يسوموها تأويلًا، ولم يحرِّفوها عن مواضعها تبديلًا، ولم يبدُوا لشيء منها إبطالًا (٢)، ولا ضربوا لها أمثالًا، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم: يجب صرفُها عن حقائقها وحملُها على مجازها. بل تلقَّوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها كلِّها أمرًا واحدًا، وأجرَوها على سَنَن واحد. ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع حيث جعلوها عِضين، وأقرُّوا بعضها (٣) وأنكروا بعضها من غير فرقان مبين، مع أن اللازم لهم فيما أنكروه كاللازم فيما أقرُّوا به وأثبتوه. [٢٦/ب] والمقصود: أن أهل الإيمان لا يُخرجهم تنازعُهم في بعض مسائل الأحكام عن حقيقة الإيمان, إذا ردُّوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله, كما شرَطه الله عليهم بقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. ولا ريب أنَّ الحكم المعلَّق على شرط ينتفي عند انتفائه (٤). ومنها: أن قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ نكرة في سياق الشرط تعُمُّ كلَّ ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين: دِقَّه وجِلَّه، جليَّه وخفيَّه. ولو لم يكن

стр. 248

في كتاب الله وسنة رسوله (١) بيانُ حكمِ ما تنازعوا فيه ولم يكن كافيًا لم يأمر بالرِّد إليه، إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرَّدِّ عند النزاع (٢) إلى من لا يوجد عنده فصلُ النزاع. ومنها: أنَّ الناس أجمعوا أنَّ (٣) الردَّ إلى الله سبحانه هو الردُّ إلى كتابه، والردَّ إلى الرسول ﷺ هو الردُّ إليه نفسِه في حياته، وإلى سنَّته بعد وفاته (٤). ومنها: أنه جعل هذا الردَّ من موجِبات الإيمان ولوازمه، فإذا انتفى هذا الردُّ انتفى الإيمان ضرورةَ انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه؛ ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين فإنه من الطرفين، فكلٌّ (٥) منهما ينتفي بانتفاء الآخر. ثم أخبرهم أنَّ هذا الردَّ (٦) خير لهم، وأنَّ عاقبته أحسن عاقبة. ثم أخبر سبحانه أنَّ مَن تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسولُ فقد حكَّم الطاغوتَ وتحاكم إليه. والطاغوت: كلُّ ما تجاوز به العبدُ حدَّه من معبود أو متبوع أو مطاع. فطاغوتُ كلِّ قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله. فهذه طواغيت العالم [٢٧/أ] إذا تأمَّلتَها وتأمَّلتَ أحوالَ الناس معها رأيت أكثرهم ممَّن أعرض عن عبادة الله إلى

стр. 249

عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى رسوله (١) إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته. وهؤلاء لم يسلكوا طريقَ الناجين الفائزين من هذه الأمة ــ وهم الصحابة ومن تبعهم ــ ولا قصدوا قصدَهم، بل خالفوهم (٢) في الطريق والقصد معًا. ثم أخبر تعالى عن هؤلاء بأنهم إذا قيل لهم: تعالَوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول أعرضوا عن ذلك، ولم يستجيبوا للداعي، ورضُوا بحكم غيره. ثم توعَّدهم بأنهم إذا أصابتهم مصيبة في عقولهم وأديانهم وبصائرهم وأبدانهم وأموالهم، بسبب إعراضهم عما جاء به الرسول وتحكيمِ غيره والتحاكُمِ إليه، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩] اعتذروا بأنهم إنما قصدوا الإحسان والتوفيق، أي بفعل ما يُرضي الفريقين ويوفِّق بينهما، كما يفعله من يَرُوم التوفيقَ بين ما جاء به الرسول وبين ما خالفه، ويزعُم أنه بذلك محسِن قاصِد للإصلاح (٣) والتوفيق. والإيمانُ إنما يقتضي إلقاء الحرب بين ما جاء به الرسول وبين كلِّ ما خالفه من طريقة وحقيقة وعقيدة وسياسة ورأي. فمَحْضُ الإيمانِ في هذا الحرب، لا في التوفيق؛ وبالله التوفيق. ثم أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يحكِّموا رسولَه في كلِّ ما شجَر بينهم من الدقيق والجليل. ولم يكتفِ في إيمانهم بهذا

стр. 250

التحكيم بمجرَّده حتى ينتفي [٢٧/ب] عن صدورهم الحرجُ والضيقُ عن قضائه وحكمه، ولم يكتفِ منهم أيضًا بذلك حتى يسلِّموا تسليمًا، وينقادوا انقيادًا (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. فأخبر سبحانه أنه ليس لمؤمن أن يختار بعد قضائه وقضاء رسوله، ومن يختَرْ (٢) بعد ذلك فقد ضلَّ ضلالًا مبينًا (٣). وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١]. أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تأمروا حتى يأمر، ولا تُفتوا حتى يُفتي، ولا تقطعوا أمرًا حتى يكون هو الذي يحكُم فيه ويمضيه (٤). روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة (٥). وروى العوفي عنه قال: نُهُوا أن يتكلَّموا بين يدي كلامه (٦). والقول الجامع في معنى الآية: لا تعجلوا بقول أو فعل (٧) قبل أن يقول
следующие страницы →