← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقد اتفق العلماء على أنَّ مواضع الحاجات يُقبَل فيها من الشهادات ما لا يقبل في غيرها من حيث الجملة، وإن تنازعوا في بعض التفاصيل. وقد أمر الله سبحانه بالعمل بشهادة شاهدين من غير المسلمين عند الحاجة في الوصية في السفر منبِّهًا بذلك على نظيره، وما هو أولى منه، كقبول شهادة النساء منفرداتٍ في الأعراس والحمامات والمواضع التي تنفرد النساء بالحضور فيها. ولا ريب أنَّ قبول شهادتهن هنا أولى من قبول شهادة الكفار على الوصية في السفر. ولذلك (١) عمِلَ الصحابةُ وفقهاءُ المدينة بشهادة الصبيان على تجارُحِ بعضِهم بعضًا (٢)، فإنَّ الرجال لا يحضرون معهم في لعبهم، ولو لم تُقبَل شهادتهم وشهادة النساء منفرداتٍ لضاعت الحقوق وتعطَّلت وأُهملت، مع غلبةِ الظن أو القطعِ بصدقهم، ولا سيما إذا جاؤوا مجتمعين قبل تفرُّقهم ورجوعهم إلى بيوتهم، وتواطؤوا على خبر واحد، وفُرِّقوا وقتَ الأداء واتفقت كلمتُهم؛ فإنّ الظن الحاصل حينئذ من شهادتهم أقوى بكثير من الظن الحاصل من شهادة رجلين، وهذا مما لا يمكن دفعه وجحده. فلا يُظَنُّ بالشريعة الكاملة الفاضلة المنتظمة لمصالح العباد في المعاش والمعاد أنها

стр. 352

تُهمل مثل هذا الحقَّ وتُضيعه مع ظهور أدلته وقوتها، وتقبله مع الدليل الذي هو دون ذلك. وقد روى أبو داود في "سننه" (١) في قضية اليهوديين اللذين زنيا، فلما شهد أربعةٌ من اليهود عليهما أمر النبيُّ ﷺ برجمهما. وقد تقدَّم حكمُ [٥٥/ب] النبيِّ ﷺ بشهادة الأَمَة الواحدة على فعل نفسها؛ وهو يتضمَّن شهادة العبد. وقد حكى الإمام أحمد عن أنس بن مالك إجماع الصحابة على شهادته، فقال (٢): ما علمتُ أحدًا ردَّ شهادةَ العبد (٣). وهذا هو الصواب، فإنه إذا قُبِلت شهادته على رسول الله ﷺ في حكمٍ يلزم جميعَ الأُمّة، فلَأَنْ تُقبَل شهادتُه على واحد من الأمّة في حكم جزئي أولى وأحرى. وإذا قُبِلت شهادته على حكم الله ورسوله في الفروج والدماء والأموال في الفتوى، فلَأَنْ تُقبَل شهادتُه على واحد من الناس أولى وأحرى.

стр. 353

كيف وهو داخل في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾؟ فإنه منَّا، وهو عَدْل، وقد عدَّله النبيُّ ﷺ بقوله: "يحمل هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عُدولُه" (١)، وعدَّلته الأمَّةُ في الرواية عن رسول الله ﷺ والفتوى. وهو من رجالنا، فيدخل في قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. وهو مسلم، فيدخل في قول عمر بن الخطاب (٢): "والمسلمون عدولٌ بعضهم على بعض". وهو صادق، فيجب العملُ بخبره، وأن لا يُرَدَّ، فإنَّ الشريعة لا ترُدُّ خبرَ الصادق، بل تعمل به. وليس بفاسق، فلا يجب التثبّتُ في خبره وشهادته. وهذا كلُّه من تمام رحمةِ الله وعنايته بعباده، وإكمالِ دينهم لهم، وإتمامِ نعمته عليهم بشريعته؛ لئلا تضيع حقوق الله وحقوق عباده، مع ظهور الحقِّ

стр. 354

بشهادة الصادق. لكن إذا أمكن حفظُ الحقوق بأعلى الطريقين فهو أولى، كما أمر بالكتاب والشهود، لأنه أبلغ في حفظ الحق (١). فإن قيل: أمرُ الأموال أسهل، فإنه يُحكَم فيها بالنكول، وباليمين المردودة، وبالشاهد واليمين، بخلاف الرجعة والطلاق. قيل: هذا [٥٦/أ] فيه نزاع، والحجة إنما تكون بنص أو إجماع. فأما الشاهد واليمين فالحديث الذي في صحيح مسلم (٢) عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قضى بالشاهد واليمين، ليس فيه أنه في الأموال، وإنما هو قول عمرو بن دينار (٣). ولو كان مرفوعًا عن ابن عباس، فليس فيه اختصاصُ الحكم بذلك في الأموال وحدها، فإنه لم يخبر عن شرعٍ عامٍّ شرَعَه رسولُ الله ﷺ في الأموال. وكذلك سائر ما روي من حُكمه بذلك، إنما هو في قضايا معينة قضى فيها بشاهد ويمين، وهذا كما لا يدل على اختصاص حُكمه بتلك القضايا، لا يقتضي اختصاصَه بالأموال؛ كما أنه إذا حكم بذلك في الديون لم يدل على أن الأعيان ليست كذلك. بل هذا يحتاج إلى تنقيح المناط، فيُنظر ما حُكِم لأجله، إن وُجِد في غير محلِّ حُكمِه عُدِّي إليه. وفي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي ﷺ : أن المرأة إذا أقامت شاهدًا واحدًا على الطلاق، فإن حلَف الزوجُ أنه لم يطلِّق

стр. 355

لم يُقْضَ عليه. وإن لم يحلِف حَلَفت المرأة، ويُقضَى عليه (١). وقد احتج الأئمة الأربعة والفقهاء قاطبةً بصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولا يُعرَف في أئمة الفتوى إلا من احتاج إليها واحتجَّ بها (٢). وإنما طعن فيها من لم يتحمَّل أعباء الفقه والفتوى كأبي حاتم البُستي وابن حزم وغيرهما (٣). وفي هذه الحكومة أنه يُقضَى في الطلاق بشاهدٍ وما يقوم مقامَ شاهدٍ آخر من النكول ويمين المرأة، بخلاف ما إذا أقامت شاهدًا [٥٦/ب] واحدًا، وحلف الزوج أنه لم يطلِّق، فيمينُ الزوج عارضت شهادة الشاهد، وترجَّح جانبُه بكون الأصل معه. وأمَّا إذا نكل الزوجُ فإنه يُجعَل نكولُه مع يمين المرأة كشاهد آخر. ولكن هنا لم يُقضَ بالشاهد ويمين المرأة ابتداءً، لأن الرجل أعلم بنفسه هل طلَّق أم لا، وهو أحفَظُ لما وقع منه. فإذا نكَلَ، وقام الشاهد الواحد، وحلفت المرأة= كان ذلك دليلًا ظاهرًا جدًّا على صدق

стр. 356

المرأة. [فلم يُقضَ عليه بالنكول وحده، ولا يمين المرأة. وإنما قُضي بالشاهد المقوَّى بالنكول ويمين المرأة] (١). فإن قيل: ففي الأموال إذا أقام شاهدًا (٢) وحلَف المدَّعي حُكِمَ له، ولا تُعرَض اليمين على المدَّعَى عليه. وفي حديث عمرو بن شعيب: إذا شهد الشاهد الواحد وحلف الزوج أنه لم يطلِّق لم يُحكَم عليه. قيل: هذا من تمام حكمة هذه الشريعة وجلالتها، لأنَّ الزوج لمَّا كان أعلَم بنفسه هل طلَّق أم لا، وكان أحفَظ لِما وقع منه، وأعقَل له، وأعلَم بنيته، وقد يكون تكلَّم بلفظ مجمل أو بلفظ يظنُّه الشاهدُ طلاقًا وليس بطلاق، والشاهدُ يشهد بما سمع، والزوجُ أعلَم بقصده ومراده= جعل الشارعُ يمينَ الزوج معارِضةً لشهادة الشاهد الواحد، ويقوى (٣) جانبُه بالأصل (٤) واستصحابِ النكاح. فكان الظنُّ المستفاد من ذلك أقوى من الظنِّ المستفاد من مجرَّد الشاهد الواحد. فإذا نكَلَ قوي الأمر في صِدق الشاهد، فقاوَم ما في جانب الزوج، فقوَّاه الشارعُ بيمين المرأة. فإذا حلفَتْ مع شاهدِها ونكولِ الزوج قوي جانبُها جدًّا. فلا شيء أحسن ولا أبين ولا أعدل من هذه الحكومة.

стр. 357

وأمّا المال المشهود به، فإنَّ [٥٧/أ] المدّعي إذا قال: أقرضتُه أو بعتُه أو أعرتُه، أو قال: غصَبني، أو نحو ذلك= فهذا أمرٌ لا يختصُّ بمعرفته المطلوب، ولا يتعلَّق بنيته وقصده، وليس مع المدَّعَى عليه من شواهد صدقه ما مع الزوج من بقاء عصمة النكاح، وإنما معه مجرَّدُ براءة الذمة، وقد عُهِد كثرة اشتغالها (١) بالمعاملات، فقوي الشاهد الواحد والنكول أو يمين الطالب على رفعها، فحُكِمَ له. فهذا كلُّه مما يبيِّن حكمة الشارع (٢)، وأنه يقضي بالبينة التي تبيِّن الحقَّ وهي الدليل الذي يدل عليه، والشاهد الذي يشهد به، بحسب الإمكان. بل الحقُّ أنَّ الشاهد الواحد إذا ظهر صدقُه حُكِمَ بشهادته وحده (٣). وقد أجاز النبيُّ ﷺ شهادةَ الشاهد الواحد لأبي قتادة بقتل المشرك، ودفَع إليه سَلَبَه بشهادته وحده؛ ولم يحلِّف أبا قتادة، فجعله بينة تامة (٤). وأجاز شهادةَ خزيمة بن ثابت وحده بمبايعته للأعرابي، وجعل شهادته بشهادتين (٥) لما استندت إلى تصديقه ﷺ بالرسالة المتضمِّنة تصديقَه في كلِّ ما يُخبر به. فإذا شهد المسلمون بأنه صادق في خبره عن الله، فبطريق الأولى يشهدون أنه صادق في خبره عن رجلٍ من أمته. ولهذا كان من تراجم

стр. 358

بعض الأئمة على حديثه: الحكمُ بشهادة الشاهد الواحد إذا عُرِف صدقُه (١). فصل والذي جاءت به الشريعة أن اليمين تُشرَع في جَنْبَة (٢) أقوى المتداعيين، فأيُّ الخصمين ترجَّح جانبُه جُعلت اليمين من جهته. وهذا مذهب الجمهور كأهل المدينة وفقهاء الحديث كالإمام أحمد والشافعي ومالك وغيرهم. وأما أهل العراق فلا يحلِّفون إلا المدَّعَى عليه وحده، فلا يجعلون [٥٧/ب] اليمين إلا من جانبه فقط، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه (٣). والجمهور يقولون: قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قضى بالشاهد واليمين (٤) , وثبت عنه أنه عرض الأيمانَ في القَسامة على المدَّعِين أولًا، فلما أبَوا جعلها من جانب المدَّعَى عليهم (٥). وقد جعل الله سبحانه أيمانَ اللِّعان من جانب الزوج أولًا، فإذا نكَلت المرأة عن معارضة أيمانه بأيمانها وجب عليها العذاب

стр. 359

بالحدِّ، وهو العذاب المذكور في قوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]. فإنَّ المدَّعي لما ترجَّح جانبُه (١) بالشاهد الواحد شُرِعت اليمين من جهته. وكذلك أولياءُ الدم ترجَّح جانبهم باللَّوْث، فشُرعت اليمينُ من جهتهم، وأُكِّدت بالعدد تعظيمًا لخطر النفس. وكذلك الزوج في اللِّعان جانبُه أرجَحُ من جانب المرأة قطعًا، فإنَّ إقدامَه على إتلاف فراشه، ورميَها بالفاحشة على رؤوس الأشهاد= وتعريضَ نفسه لعقوبة الدنيا (٢) والآخرة، وفضيحةَ أهله ونفسه على رؤوس الأشهاد= ممّا تأباه طباع العقلاء، وتنفِر منه نفوسهم، لولا أنَّ الزوجة اضطرَّته بما رآه وتيقَّنه منها إلى ذلك. فجانبُه أقوى وأرجح (٣) من جانب المرأة قطعًا، فشُرعت اليمين من جانبه. ولهذا كان الصواب القتل في القَسامة واللِّعان، وهو قول أهل المدينة. وأمَّا (٤) فقهاء العراق فلا يقتلون لا بهذا ولا بهذا. وأحمد يقتل بالقَسامة دون اللِّعان. والشافعي يقتل باللِّعان دون القَسامة (٥). وليس في شيء من هذا ما يعارض الحديث الصحيح، وهو قوله ﷺ : "لو يعطَى الناسُ بدعواهم لَادَّعى قومٌ دماءَ قومٍ وأموالهم، ولكن اليمين على [٥٨/أ] المدَّعَى عليه" (٦)، فإنَّ هذا إذا لم يكن مع المدّعي إلا مجرّد الدعوى، فإنه لا يُقضَى له بمجرّد

стр. 360

الدعوى. فأما إذا ترجَّح جانبه بشاهد أو لَوث أو غيره لم يُقضَ له بمجرَّد دعواه، بل بالشاهد المجتمع من ترجُّح جانبه ومن اليمين. وقد حكم سليمان بن داود ﵇ لإحدى المرأتين بالولد، لترجُّح جانبها بالشفقة على الولد وإيثارها لحياته، ورضى الأخرى بقتله. ولم يلتفت إلى إقرارها للأخرى به، وقولها: " هو ابنها " (١). ولهذا كان من تراجم الأئمة على هذا الحديث (٢) " التوسعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله: أفعَلُ ليستبين به الحق". ثم ترجَم عليه ترجمةً أخرى أحسنَ من هذه وأفقهَ، فقال (٣): " الحكمُ بخلاف ما يعترف به المحكوم له (٤)، إذا تبيَّن للحاكم أنَّ الحقَّ غيرُ ما اعترف به ". فهكذا يكون فهمُ الأئمة من النصوص، واستنباطُ الأحكام التي تشهد العقول والفطر بها منها. ولَعَمْرُ الله، إنَّ هذا هو العلم النافع، لا خَرْصُ الآراء وتخمينُ الظنون. فإن قيل: ففي القَسامة يُقبَل مجرَّدُ أيمان المدَّعين، ولا تُجعل أيمانُ المدَّعَى عليهم بعد أيمانهم دافعةً للقتل. وفي اللِّعان ليس كذلك، بل إذا حلف الزوجُ مُكِّنت المرأةُ أن تدفع عن نفسها بأيمانها، ولم تُقتل (٥) بمجرَّد

стр. 361

أيمان الزوج، فما الفرق؟ قيل: هذا من كمال الشريعة وتمام عدلها ومحاسنها. فإنَّ المحلوف عليه في القَسامة حقٌّ لآدمي، وهو استحقاق الدم، وقد جُعلت الأيمان المكرَّرة بيِّنةً تامّةً مع اللَّوث، فإذا قامت البيِّنة لم يُلتفت إلى أيمان المدَّعَى عليهم (١). وفي اللِّعان المحلوف عليه حقٌّ لله، وهو حدُّ الزنا، ولم يشهد به أربعة شهود، وإنما جُعِل الزوج أن يحلف أيمانًا مكرَّرة مؤكَّدةً (٢) باللعنة أنها جَنَت على فراشه وأفسدته، فليس له شاهد إلا نفسه، وهي شهادة ضعيفة، فمُكِّنت المرأة أن تُعارضها بأيمان مكرَّرة مثلها. فإذا نكلَتْ (٣) ولم تُعارضها صارت أيمانُ الزوج مع نكولها بينةً قويةً لا معارض لها. ولهذا كانت الأيمان أربعة لتقوم مقام الشهود الأربعة، وأُكِّدت بالخامسة، وهي الدعاء على نفسه باللعنة إن كان كاذبًا. ففي القسامة جُعِل اللَّوث ــ وهو الأمارة الظاهرة الدالَّة على أنَّ المدَّعَى عليهم قتلوه (٤) ــ شاهدًا، وجُعِلت الخمسون (٥) يمينًا شاهدًا آخر. وفي اللعان جُعِلت أيمانُ الزوج كشاهد، ونكولُها كشاهد آخر. والمقصود: أنَّ الشارع لم يقف الحكم في حقِّ من الحقوق (٦) البتَّةَ على شهادة ذكرين، لا في الدماء ولا في الأموال ولا في الفروج ولا في

стр. 362

الحدود. بل قد حدَّ الخلفاء الراشدون والصحابة ﵃ في الزنا بالحَبَل (١)، وفي الخمر بالرائحة (٢) والقيء (٣). وكذلك إذا ظهر المسروقُ عند السارق كان أولى بالحدِّ من ظهور الحبل والرائحة في الخمر. وكلُّ ما يمكن أن يقال في ظهور المسروق أمكن أن يقال في الحَبَل والرائحة، بل أولى، فإن الشبهة التي تعرض في الحبل من الإكراه ووطء الشبهة وفي الرائحة لا يعرض مثلُها في ظهور العين المسروقة. والخلفاء الراشدون والصحابة ﵃ لم يلتفتوا إلى هذه الشبهة التي (٤) تجويزُ غلطِ الشاهد ووهمِه وكذبِه أظهرُ منها بكثير، فلو عُطِّل الحدُّ بها لكان تعطيله بالشبهة التي تُمكن (٥) في شهادة الشاهدين أولى. فهذا محض الفقه والاعتبار ومصالح العباد، وهو من أعظم الأدلة على جلالة فقه الصحابة وعظمته، ومطابقتِه لمصالح العباد [٥٩/أ] وحكمةِ الربِّ وشرعِه، وأن التفاوت الذي بين أقوالهم وأقوال مَن بعدهم كالتفاوت الذي بين القائلين. والمقصود: أن الشارع صلوات الله وسلامه عليه لم يرُدَّ خبرَ العدل قطُّ، لا في رواية ولا في شهادة، بل قبِل خبر العدل الواحد في كلِّ موضع أخبر

стр. 363

به، كما قبِل شهادته لأبي قتادة بالقتيل (١)، وقبِل شهادةَ خزيمة وحده (٢)، وقبِل شهادةَ الأعرابي وحده على رؤية هلال رمضان (٣)، وقبِل شهادة الأمة السوداء وحدها على الرضاعة (٤)، وقبِل خبرَ تميمٍ وحده، وهو خبرٌ عن أمر حِسِّيٍّ شاهده ورآه، فقبِله ورواه عنه (٥). ولا فرق بينه وبين الشهادة، فإنّ كلًّا منهما خبرٌ (٦) عن أمر مستند إلى الحسِّ والمشاهدة، فتميمٌ شهِد بما رآه وعاينه، وأخبر به النبيَّ ﷺ ، فصدَّقه وقبِل خبره. فأيُّ فرق بين أن يشهد العدل الواحد على أمر رآه وعاينه يتعلَّق بمشهود له وعليه، وبين أن يخبر بما رآه وعاينه مما يتعلَّق بالعموم؟ وقد أجمع المسلمون على قبول أذان المؤذن الواحد، وهو شهادةٌ منه بدخول الوقت، وخبرٌ عنه يتعلق بالمخبر وغيره. وكذلك أجمعوا على قبول فتوى المفتي الواحد، وهي خبرٌ عن حكم شرعي يعُمُّ المستفتي وغيره.

стр. 364

وسرُّ المسألة: أنه لا يلزم من الأمر بالتعدُّد في جانب التحمُّل وحفظ الحقوق الأمرُ بالتعدُّد في جانب الحكم والثبوت. فالخبر الصادق لا تأتي الشريعةُ بردِّه أبدًا. وقد ذمَّ اللهُ في كتابه من كذَّب بالحق، وردُّ الخبر الصادق تكذيبٌ بالحق. وكذلك الدلالة الظاهرة لا تُرَدُّ إلا بما هو مثلها أو أقوى منها. والله سبحانه لم يأمر بردِّ خبرِ الفاسق، بل بالتثبُّت والتبيُّن، فإن ظهرت الأدلّة على صدقه [٥٩/ب] قُبِل خبرُه، وإن ظهرت الأدلة على كذبه رُدَّ خبرُه، وإن لم يتبيَّن واحد من الأمرين وُقِفَ خبره. وقد قبِل النبيُّ ﷺ خبر الدليل المشرك الذي استأجره ليدلَّه على طريق المدينة في هجرته، لما ظهر له صدقه وأمانته. فعلى المسلم أن يتبع هديَ النبيِّ ﷺ في قبول الحق ممن جاء به، من وليّ وعدو، وحبيب وبغيض، وبر وفاجر؛ ويردَّ الباطل على من قاله كائنًا من كان. قال عبد الله بن صالح (١): ثنا الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن ابن

стр. 365

شهاب أن معاذ بن جبل كان يقول في مجلسه كلَّ يوم، قلَّما يخطئه أن يقول ذلك: الله حَكَمٌ قِسْط. هلك المرتابون. إنَّ وراءكم فِتنًا يكثر فيها المال، ويُفتَح فيها القرآن، حتى يقرأه المؤمن والمنافق والمرأة والصبي والأسود والأحمر. فيوشِك أحدهم أن يقول: قرأتُ القرآن، فما أظنُّ أن يتّبعوني حتَّى أبتدعَ لهم غيرَه. فإياكم وما ابتدع، فإنّ كلَّ بدعة ضلالة. وإياكم وزَيغةَ الحكيم، فإنّ الشيطان قد يتكلَّم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة. وإنّ المنافق قد يقول كلمة الحق، فتلقَّوا الحقَّ عمَّن جاء به، فإنَّ على الحق نورًا. قالوا: وكيف زيغة الحكيم؟ قال: هي الكلمة تروعكم، وتنكرونها وتقولون: ما هذا؟ فاحذروا زيغته، ولا تصدَّنَّكم عنه، فإنه يوشك أن يفيء وأن يراجع الحق. وإنَّ العلم والإيمان مكانَهما إلى يوم القيامة. والمقصود: أن الحاكم يحكم بالحجة التي ترجِّح الحقَّ إذا لم يعارضها مثلها. والمطلوبُ منه ومن كلِّ من يحكم بين اثنين أن يعلم ما يقع، ثم يحكم فيه بما يجب. فالأول مداره على [٦٠/أ] الصدق، والثاني مداره على العدل. وتمَّت كلمات ربِّك صدقًا وعدلًا، والله عليم حكيم. فالبينات والشهادات تظهر لعباده معلومة، وبأمره وشرعه يحكم بين عباده. والحكمُ إمَّا إبداء، وإما إنشاء. فالإبداء: إخبار وإثبات، وهو شهادة. والإنشاء: أمر ونهي وتحليل وتحريم (١). "والحاكم فيه ثلاث صفات: فمن جهة الإثبات هو شاهد، ومن جهة الأمر والنهي هو مفتٍ، ومن جهة الإلزام بذلك هو ذو سلطان. وأقلُّ ما يشترط فيه: صفاتُ الشاهد" (٢) باتفاق

стр. 366

العلماء؛ لأنه يجب عليه الحكم بالعدل، وذلك يستلزم أن يكون عدلًا في نفسه. فأبو حنيفة لا يعتبر إلا العدالة. والشافعي وطائفة من أصحاب أحمد يعتبرون معها الاجتهاد (١). وأحمد يوجب تولية الأصلح فالأصلح من الموجودين (٢)، وكلُّ زمان بحسبه. فيقدَّم الأديَن العدلُ على الأعلم الفاجر، وقضاةُ السنة على قضاة الجهمية، وإن كان الجهمي أفقه. ولما سأله المتوكِّل عن القضاة أرسل إليه دَرْجًا مع وزيره (٣)، يذكر فيه تولية أناس وعزْلَ أناس، وأمسَكَ عن أناس وقال: لا أعرفهم. وروجع في بعض من سمَّى لقلَّة علمه، فقال: لو لم يولُّوه (٤) لولَّوا فلانًا، وفي توليته مضرة على المسلمين. وكذلك أمَر أن يولَّى على الأموال الديِّنُ السنِّي، دون الداعي إلى التعطيل، لأنه يضرُّ الناس في دينهم. وسئل عن رجلين: أحدهما أنكى في العدو مع شربه الخمر، والآخر أديَن، فقال: يُغزى مع الأنكى في العدو، لأنه أنفع للمسلمين (٥). وبهذا مضت سنةُ رسول الله ﷺ فإنه كان يولِّي الأنفعَ للمسلمين على

стр. 367

من هو أفضل منه، كما ولَّى خالد بن الوليد مِن حينِ أسلم على [٦٠/ب] حروبه لنكايته في العدو، وقدَّمه على بعض السابقين من المهاجرين والأنصار مثل عبد الرحمن بن عوف، وسالم مولى أبي حذيفة، وعبد الله بن عمر. وهؤلاء ممن أنفق مِن قبل الفتح وقاتل، وهم أعظم درجةً من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا. وخالد كان ممن أنفق من بعد الفتح وقاتل، فإنه أسلم بعد صلح الحديبية هو وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة الحَجَبي، ثم إنه فعل مع بني جَذيمة ما تبرَّأ النبيُّ ﷺ منه حين رفع يديه إلى السماء، وقال: "اللهم إنّي أبرأ إليك مما صنع خالد" (١). ومع هذا فلم يعزله. وكان أبو ذرٍّ من أسبق السابقين، وقال له: "يا أبا ذرّ، إني أراك ضعيفًا، وإني أُحِبُّ لك ما أُحِبّ لنفسي، لا تَأَمَّرَنَّ على اثنين، ولا تَوَلَّيَنَّ مالَ يتيم" (٢). وأمَّر عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل، لأنه كان يقصد أخواله بني عُذْرة، فعَلِم أنهم يطيعونه ما لا يطيعون غيره للقرابة. وأيضًا فلِحُسن سياسة عمرو وخبرته وذكائه ودهائه، فإنه كان من أدهى العرب؛ ودهاةُ العرب أربعة هو أحدهم (٣). ثم أردفه بأبي عبيدة، وقال: "تَطاوعا، ولا تختلفا" (٤). فلما تنازعا

стр. 368

فيمن يصلِّي سلَّم أبو عبيدة لعمرو (١)، فكان يصلِّي بالطائفتين وفيهم أبو بكر. وأمَّر أسامةَ بن زيد مكان أبيه، لأنه ــ مع كونه خليقًا للإمارة ــ أحرصَ على طلب ثأر أبيه من غيره. وقدَّم أباه زيدًا في الولاية على جعفر ابن عمِّه مع أنه مولى، ولكنه من أسبق الناس إسلامًا قبل جعفر. ولم يلتفت إلى طعن الناس في إمارة أسامة وزيد وقال: "إن تطعنوا في إمارة أسامة فقد طعنتم في إمارة أبيه [٦١/أ] من قبله، وَايمُ الله إن كان خليقًا (٢) للإمارة، ومِن أحبِّ الناس إليَّ" (٣). وأمَّر خالدَ بن سعيد بن العاص وإخوتَه، لأنهم من كبراء قريش وساداتهم (٤)، ومن السابقين الأولين، ولم يتولَّ أحدٌ بعدَه. والمقصود: أنَّ هَدْيه ﷺ تولية الأنفع للمسلمين وإن كان غيرُه أفضل منه، والحكمُ بما يُظهِر الحق ويوضِّحه إذا لم يكن هناك أقوى منه يعارضه؛ فسيرته: توليةُ الأنفع، والحكمُ بالأظهر. ولا تستطِلْ هذا الفصلَ، فإنه من أنفع فصول الكتاب.

стр. 369

فصل وقوله (١): "والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا". هذا مرويٌّ عن النبي ﷺ ، رواه الترمذي (٢) وغيره من حديث عمرو بن عَوف المُزَني أن رسول الله ﷺ قال: "الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا حرَّم حلالًا أو أحلَّ حرامًا. والمسلمون على شروطهم، إلا شرطًا حرَّم حلالًا أو أحلَّ حرامًا" قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقد ندب الله إلى الصلح بين المتنازعين في الدماء فقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]. وندب الزوجين إلى الصلح عند التنازع في حقوقهما، فقال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨]. وقال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]. وأصلح النبيُّ ﷺ بين بني عمرو بن عوف لما (٣) وقع بينهم (٤).

стр. 370

ولمَّا تنازع كعب بن مالك وابن أبي حَدْرَد في دَين على [ابن] (١) أبي حدرد أصلحَ النبيُّ صلى [٦١/ب] الله عليه وسلم بأن استوضَعَ من دَين كعبٍ الشطرَ، وأمرَ غريمَه بقضاء الشطر (٢). وقال لرجلين اختصما عنده: "اذهَبا، فاقتَسِما، ثم توخَّيَا الحقَّ، ثم اسْتَهِما، ثم ليُحْلِلْ كلٌّ منكما صاحبَه" (٣). وقال: "من كانت عنده مَظْلمةٌ لأخيه من عِرْض أو شيءٍ فَلْيتحلَّلْه منه اليومَ، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، وإن كان له عملٌ صالحٌ أُخِذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أُخِذ من سيئات صاحبه فحُمِلَ عليه" (٤). وجوَّز في دم العَمْد أن يأخذ أولياءُ القتيل ما صُولحوا عليه (٥). ولما استُشهد عبد الله بن حَرَام (٦) الأنصاري والدُ جابر، وكان عليه

стр. 371

دين، سأل (١) النبيُّ ﷺ غرماءه أن يقبلوا ثمرَ حائطه، ويُحلِّلوا أباه (٢). وقال عطاء عن ابن عباس: إنه كان لا يرى بأسًا بالمخارجة (٣)، يعني الصلح في الميراث. وسُمِّيت "المخارجة" لأن الوارث يعطَى ما يصالح عليه ويُخرِج نفسه من الميراث. وصولحت امرأة عبد الرحمن بن عوف من نصيبها من رُبْع الثمن على ثمانين ألفًا (٤). وقد روى مِسْعَر عن أزهر عن محارب قال: قال عمر: رُدُّوا الخصومَ

стр. 372

حتى يصطلحوا، فإنَّ فصلَ القضاء يُحدِث بين القوم الضغائن (١). وقال عمر أيضًا: رُدُّوا الخصومَ، لعلهم أن يصطلحوا؛ فإنَّه أبرأ للصدور (٢)، وأَقلُّ للحِنَاتِ (٣)! " (٤). وقال عمر أيضًا: "رُدُّوا الخصومَ إذا كانت بينهم قرابة، فإنَّ فصلَ القضاء يُورِث بينهم الشَّنَآن" (٥).

стр. 373

فصل والحقوق نوعان: حقٌّ لله، وحقٌّ لآدمي. فحقُّ الله لا مدخل للصلح فيه كالحدود والزكوات والكفارات ونحوها، وإنما الصلح بين العبد وبين ربِّه في إقامتها، لا في إهمالها. [٦٢/أ] ولهذا لا تقبل الشفاعة في الحدود، وإذا (١) بلغت السلطان فلعَن اللهُ الشافعَ والمشفَّعَ. وأما حقوق الآدميين (٢) فهي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة عليها. والصلح العادل هو الذي أمر الله به ورسوله ﷺ كما قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجرات: ٩]، والصلح الجائر هو الظلم بعينه. وكثير من الناس لا يعتمد العدلَ في الصلح، بل يُصلح صلحًا ظالمًا جائرًا (٣)، فيصالح بين الغريمين على دون الطفيف من حقِّ أحدهما. والنبيُّ ﷺ لمّا صالح بين كعب وغريمه صالَح أعدلَ الصلح (٤)، فأمره

стр. 374

أن يأخذ الشطر ويضع (١) الشطر (٢)، وكذلك لما عزم على طلاق سَودة رضيَتْ بأن تهَبَ له ليلتها (٣)، وتبقى على حقِّها من النفقة والكسوة. فهذا أعدل الصلح، فإن الله سبحانه أباح للرجل أن يطلِّق زوجته ويستبدل بها غيرها، فإذا رضيت بتركِ بعضِ حقِّها وأخذِ بعضه وأن يمسكها كان هذا من الصلح العادل. وكذلك أرشد الخصمين اللذين دَرَسَتْ (٤) بينهما المواريثُ (٥) بأن يتوخَّيا الحقَّ بحسب الإمكان، ثم يحلِّل كلٌّ منهما صاحبَه (٦). وقد أمر الله سبحانه (٧) بالإصلاح بين الطائفتين المقتتلتين أولًا، فإن بغت إحداهما على الأخرى فحينئذ أَمرَ بقتال الباغية لا بالصلح، فإنها ظالمة؛ ففي الإصلاح مع ظلمها هضمٌ لِحقِّ الطائفة المظلومة.

стр. 375

وكثيرٌ من الظَّلَمة المصلحين يُصلح بين القادر الظالم والخصم الضعيف المظلوم بما يرضى به القادرُ صاحبُ الجاه، ويكون له فيه الحظُّ، ويكون الإغماض والحيف فيه على الضعيف؛ ويظنُّ أنه قد أصلَحَ! ولا يتمكن المظلوم من أخذ حقه، وهذا ظلم. بل يمكَّن المظلومُ من استيفاء حقِّه، ثم يُطلَب إليه برضاه [٦٢/ب] أن يترك بعضَ حقه بغير (١) محاباةٍ لصاحب الجاه، ولا تشبيهٍ (٢) بالإكراه للآخر بالمحاباة ونحوها. فصل والصلح الذي يُحِلُّ الحرامَ ويُحرِّم الحلالَ كالصلح الذي يتضمَّن تحريمَ بُضْعٍ حلال، أو حِلَّ بُضْعٍ حرام، أو إرقاقَ حُرٍّ، أو نقلَ نسب أو ولاء عن محلّ إلى محلّ، أو أكلَ ربا، أو إسقاطَ واجب، أو تعطيلَ حدٍّ، أو ظلمَ ثالث، وما أشبه ذلك= فكلُّ هذا صلح جائر مردود. فالصلح الجائز بين المسلمين هو الذي يعتمد المصلحُ فيه أمرين: رضا (٣) الله سبحانه، ورضا الخصمين؛ فهذا أعدلُ الصلح وأحقُّه. وهو يعتمد العلم والعدل، فيكون المصلح عالمًا بالوقائع (٤)، عارفًا بالواجب، قاصدًا للعدل. فدرجةُ هذا أفضل من درجة الصائم القائم، كما قال النبي ﷺ : "ألا أنبئكم بأفضلَ من درجة الصِّيام والقيام (٥)؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "إصلاحُ ذات البين، فإنَّ فساد ذات

стр. 376

البين الحالقة. أمَا إنّي لا أقول: تحلِق الشَّعر، ولكن تحلِق الدين" (١). وقد جاء في أثر: أصلِحُوا بين الناس، فإنَّ الله يُصلح بين المؤمنين يومَ القيامة (٢). وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠]. فصل وقوله (٣): "ومَن ادَّعى حقًّا غائبًا أو بينةً، فاضرِبْ له أمدًا ينتهي إليه". هذا من تمام العدل، فإنَّ الخصم (٤) قد تكون حجّته أو بيّنته غائبة، فلو عُجِّل عليه بالحُكم بطَل حقُّه، فإذا سأل أمدًا يُحضِر فيه حجتَه أُجيبَ إليه، ولا يتقيّد ذلك بثلاثة أيام، بل بحسب الحاجة. فإن ظهر عناده ومدافعته للحاكم

стр. 377

لم يَضرِب له أمدًا، بل يفصِل الحكومة، فإنَّ ضربَ هذا الأمد إنما كان [٦٣/أ] لتمام العدل، فإذا كان فيه إبطالٌ للعدل لم يُجَب إليه الخصمُ. وقوله: "ولا يمنعنَّك قضاءٌ قضيتَ به اليوم، فراجعتَ فيه رأيك، وهُدِيتَ فيه لِرُشدك= أن تُراجع فيه الحقَّ، فإنّ الحقَّ قديم، ولا يبطله شيء، ومراجعةُ الحق خيرٌ من التمادي في الباطل". يريد: أنّك إذا اجتهدت في حكومة، ثم وقعت لك مرة أخرى، فلا يمنعك الاجتهاد الأول من إعادته؛ فإنَّ الاجتهاد قد يتغيَّر. ولا يكون الاجتهاد الأول مانعًا من العمل بالثاني، إذا ظهر أنه الحقُّ، فإنَّ الحق أولى بالإيثار، لأنه قديم سابق على الباطل. فإن كان الاجتهاد الأول قد سبق الثاني، والثاني هو الحقُّ، فهو أسبق من الاجتهاد الأول؛ لأنه قديم سابق على ما سواه. ولا يبطله وقوع الاجتهاد الأول على خلافه (١)، بل الرجوع إليه أولى من التمادي على الاجتهاد الأول. قال عبد الرزاق (٢): ثنا معمر، عن سماك بن الفضل، عن وهب بن

стр. 378

منبه، عن الحكم بن مسعود الثقفي قال: قضى عمر بن الخطاب ﵁ في امرأة توفِّيت، وتركت زوجها، وأمَّها، وإخوتها لأبيها وأمها، وإخوتها لأمها. فأشرك عمر بين الإخوة للأم والأب والإخوة للأم في الثلث. فقال له رجل: إنك لم تُشرِك بينهم عامَ كذا وكذا. فقال عمر: تلك على ما قضينا يومئذ، وهذه على ما قضينا اليوم. فأخذ أمير المؤمنين في كلا الاجتهادين بما ظهر له أنه الحق، ولم يمنعه القضاء الأول من الرجوع إلى الثاني، ولم ينقض الأولَ بالثاني. فجرى أئمة الإسلام بعده على هذين الأصلين. قوله: "والمسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجرَّبًا عليه شهادةُ زور، أو مجلودًا في حدٍّ، أو [٦٣/ب] ظنينًا في ولاء أو قرابة". لمَّا جعل الله سبحانه هذه الأمة أمةً وسَطًا ليكونوا شهداء على الناس، والوسط: العدل الخيار= كانوا عدولًا بعضهم على بعض، إلا من قام به مانع الشهادة. وهو أن يكون قد جُرِّب عليه شهادةُ الزور، فلا يوثق بعد ذلك بشهادته؛ أو مَن جُلِد في حدِّ قذفٍ (١) لأن الله سبحانه نهى عن قبول شهادته؛ أو متَّهم (٢) بأن يجُرَّ إلى نفسه نفعًا من المشهود له، كشهادة السيِّد لعتيقه بمال، أو شهادة العتيق لسيِّده إذا كان في عياله أو منقطعًا إليه يناله نفعه. وكذلك شهادة القريب لقريبه لا تُقبَل مع التهمة، وتُقبل بدونها. هذا هو الصحيح. وقد اختلف الفقهاء في ذلك: فمنهم مَن جوَّز شهادة القريب لقريبه مطلقًا كالأجنبي، ولم يجعل القرابة مانعة من الشهادة بحال، كما يقوله

стр. 379

أبو محمد بن حزم وغيره من أهل الظاهر (١). وهؤلاء يحتجُّون بالعمومات التي لا تفرِّق بين أجنبي وقريب، وهؤلاء أسعد بالعمومات. ومنعت طائفةٌ شهادةَ الأصول للفروع والفروع للأصول خاصّة، وجوَّزت شهادةَ سائر الأقارب بعضهم لبعض. وهذا مذهب الشافعي وأحمد (٢)، وليس مع هؤلاء نصٌّ صريح صحيح بالمنع. واحتجَّ الشافعي بأنه لو قُبلت شهادة الأب لابنه لكانت شهادةً منه لنفسه لأنه منه (٣). وقد قال النبي ﷺ : "إنما فاطمةُ بَضْعَةٌ منِّي، يَريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها" (٤). قالوا: وكذلك بنو البنات، فقد قال النبيُّ ﷺ في الحسن: "إن ابني هذا سيِّد" (٥). قال الشافعي (٦): فإذا شهد له، فإنما يشهد لشيء منه. قال: وبنوهم منه، فكأنه شهِد لبعضه. قالوا: والشهادة تُرَدُّ [٦٤/أ] بالتهمة، والوالد متَّهم في ولده، فهو ظنين في قرابته.

стр. 380

قالوا: وقد قال النبي ﷺ في الأولاد: "إنكم لَتُبَخِّلُون وتُجَبِّنُون، وإنكم لَمِنْ رَيحان الله" (١). وفي أثر آخر: "الولد مَبْخَلة مَجْبَنة" (٢). قالوا: وقد قال النبي ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" (٣). فإذا كان مال الابن لأبيه، فإذا شهد له الأبُ بمال كان قد شهد به لنفسه. قالوا: وقد قال أبو عبيد: ثنا مروان بن (٤) معاوية عن يزيد الجَزَري ــ

стр. 381

قال: أحسبه يزيد بن سنان ــ عن الزهري (١)، عن عروة، عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "لا يجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ظنين في وَلاء أو قرابة، ولا مجلود" (٢).

стр. 382

قالوا: ولأنَّ بينهما من البعضية والجزئية ما يمنع قبول الشهادة، كما منع من إعطائه من الزكاة، ومن قتل الوالد به (١)، وحدَّه بقذفه. قالوا: ولهذا لا يثبت له في ذمته دَين عند جماعة من أهل العلم، ولا يطالَب به، ولا يُحبَس من أجله. قالوا: وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، ولم يذكر بيوت الأبناء لأنها داخلة في بيوتهم أنفسهم، فاكتفى بذكرها منها (٢)، وإلا فبيوتهم أقرب من بيوت من ذُكِر في الآية. قالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] أي ولدًا. فالولد جزء، فلا تُقبَل شهادة الرجل لجزئه (٣). قالوا: وقد قال النبي ﷺ : "إنَّ أطيبَ ما أكل الرجلُ مِن كَسْبه، وإنَّ ولده مِن كَسْبه" (٤). فكيف يشهد الرجل لكسبه؟

стр. 383

قالوا: والإنسان متَّهم في ولده، مفتون به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] فكيف تُقبَل شهادةُ المرء لمن قد جُعِل مفتونًا [٦٤/ب] به، والفتنة محلُّ التهمة (١)؟ قال الآخرون: قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]. وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. وقد قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. وقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]. ولا ريب في دخول الآباء والأبناء والأقارب في هذا اللفظ كدخول الأجانب، وتناولُها للجميع تناولٌ (٢) واحدٌ. هذا مما لا يمكن دفعه. ولم يستثن الله سبحانه ولا رسوله من ذلك أبًا ولا ولدًا ولا أخًا ولا قرابةً، ولا أجمع المسلمون على استثناء أحد من هؤلاء، فتلزمَ الحجة بإجماعهم.

стр. 384

وقد ذكر عبد الرزاق (١) عن أبي بكر بن أبي سَبْرة، عن أبي الزناد، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: قال عمر بن الخطاب: تجوز شهادة الوالد لولده، والولد لوالده، والأخ لأخيه. وعن عمرو بن سُلَيم الزُّرَقي عن سعيد بن المسيِّب مثل هذا (٢). وقال ابن وهب: ثنا يونس عن الزهري قال: لم يكن يتَّهِم سلفُ المسلمين الصالح شهادةَ (٣) الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الزوج لامرأته. ثم دخل الناس بعد ذلك، فظهرت منهم أمور حملت الولاةَ على اتهامهم، فتُرِكت شهادةُ من يُتَّهم إذا كانت من قرابة، وصار ذلك من الولد والوالد والأخ والزوج والمرأة، لم يُتَّهم إلا هؤلاء في آخر الزمان (٤). وقال أبو عبيد: حدثني الحسن بن عازب، عن جدِّه شَبيب بن غَرقَدة قال: كنت جالسًا عند شُريح، فأتاه [٦٥/أ] علي بن كاهل وامرأة وخصم، فشهد لها عليُّ بن كاهل وهو زوجها، وشهد لها أبوها، فأجاز شريح

стр. 385

شهادتهما. فقال الخصم: هذا أبوها، وهذا زوجها. فقال له شريح: أتعلم شيئًا تجرَح به شهادتهما؟ كلُّ مسلم شهادته جائزة (١). وقال عبد الرزاق (٢): ثنا سفيان بن عيينة، عن شَبيب بن غَرقَدة قال: سمعتُ شريحًا أجاز لامرأةٍ شهادةَ أبيها وزوجها، فقال له الرجل: إنه أبوها وزوجها. فقال (٣) شريح: فمن يشهد للمرأة إلا أبوها وزوجها؟. وقال أبو بكر بن أبي شيبة (٤): ثنا شَبابة، عن ابن أبي ذئب، عن سليمان قال: شهدتُ لأمي عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، فقضى بشهادتي. وقال عبد الرزاق (٥): ثنا معمر، عن عبد الرحمن بن عبد الله (٦) الأنصاري قال: أجاز عمر بن عبد العزيز شهادة الابن لأبيه إذا كان عدلًا.

стр. 386

قالوا (١): فهؤلاء عمر بن الخطاب، وجميع السلف (٢)، وشريح، وعمر بن عبد العزيز، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم= يجيزون شهادة الابن لأبيه والأب لابنه. قال ابن حزم (٣): "وبهذا يقول إياس بن معاوية، وعثمان البَتِّي، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، والمُزَني، وأبو سليمان، وجميع أصحابنا" يعني داود بن علي وأصحابه. وقد ذكر الزهري أن الذين ردُّوا شهادة الابن لأبيه والأب لابنه والأخ لأخيه هم المتأخرون، وأن السلف الصالح لم يكونوا يردُّونها (٤). قالوا: وأما حُجَجكم على المنع، فمدارها على شيئين: أحدهما: البعضيَّة التي بين الأب وابنه، وأنها توجب أن تكون شهادةُ أحدهما للآخر شهادةً لنفسه. وهذه حجة ضعيفة، فإن هذه البعضية لا توجب أن يكون [٦٥/ب] كبعضه في الأحكام، لا في أحكام الدنيا، ولا في أحكام الثواب والعقاب. فلا يلزم من وجوب شيء على أحدهما أو تحريمه وجوبُه على الآخر وتحريمُه من جهة كونه بعضه، ولا من وجوبِ الحدِّ على أحدهما وجوبُه على الآخر.

стр. 387

وقد قال النبي ﷺ : "لا يجني والد على ولده" (١). فلا يُجنَى عليه، ولا يعاقَب بذنبه، ولا يثاب بحسناته. ولا تجب عليه الزكاة ولا الحجُّ بغنى الآخَر. ثم قد أجمع الناس على صحة بيعه منه وإجارته وهِبته (٢) ومضاربته ومشاركته، فلو امتنعت شهادته له لكونه جزأَه (٣) فيكون شاهدًا لنفسه لامتنعت هذه العقود، إذ يكون عاقدًا لها مع نفسه. فإن قلتم: هو متهم بشهادته له، بخلاف هذه العقود، فإنه لا يتَّهم فيها معه. قيل: هذا عَود منكم إلى المأخذ الثاني، وهو مأخذ التهمة. فيقال: التهمة وحدها مستقلة بالمنع، سواء كان قريبًا أو أجنبيًّا. ولا ريب أن تهمة الإنسان في صديقه وعشيره ومن يُصْفِيه مودتَه ومحبَّته (٤) أعظمُ من تهمته

стр. 388

في أبيه وابنه. والواقع شاهد بذلك، وكثير من الناس يحابي صديقه وعشيره وذا وُدِّه أعظمَ مما يحابي أباه وابنه. فإن قلتم: الاعتبار بالمظنة، وهي التي تنضبط؛ بخلاف الحكمة، فإنها لانتشارها وعدم انضباطها لا يمكن التعليل بها. قيل: هذا صحيح في الأوصاف التي شهد (١) لها الشرع بالاعتبار، وعلَّق بها الأحكام، دون مظانّها. فأين علَّق الشارعُ عدمَ قبول الشهادة بوصف الأبوة أو البنوة أو الأخوة؟ والمانعون (٢) إنما نظروا إلى التهمة، فهي الوصف المؤثِّر في الحكم، فيجب تعليق الحكم به وجودًا وعدمًا. ولا تأثير [٦٦/أ] لخصوص القرابة ولا عمومها، بل قد توجد القرابة حيث لا تهمة، وتوجد التهمة حيث لا قرابة. والشارع إنما علَّق قبول الشهادة بالعدالة وكونِ الشاهد مرضيًّا، وعلَّق عدم قبولها بالفسق، ولم يعلِّق القبولَ والردَّ بأجنبية ولا قرابة. قالوا: وأما قولكم: "إنه غير متهم معه في تلك العقود" فليس كذلك، بل هو متهم معه في المحاباة، ومع هذا (٣) فلا يوجب ذلك إبطالها. ولهذا لو باعه في مرض موته ولم يُحابِه لم يبطل البيع، ولو حاباه بطَل في قدر المحاباة. فعُلِّق البطلانُ بالتهمة، لا بمظنتها. قالوا: وأما قوله ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" فلا يمنع شهادة الابن لأبيه،

стр. 389

فإن الأب ليس هو وماله لابنه. ولا يدل الحديث على منع (١) قبول شهادة أحدهما للآخر. والذي دلَّ عليه الحديث، أكثرُ منازعينا لا يقولون به؛ بل عندهم أن مال الابن له حقيقةً وحكمًا، وأن الأب لا يتملَّك عليه منه شيئًا (٢). والذي لم يدل عليه الحديث حمَّلتموه إياه، والذي دل عليه لم تقولوا به (٣)! ونحن نتلقَّى أحاديث رسول الله ﷺ كلَّها بالقبول والتسليم، ونستعملها على وجهها (٤)، ولو دلَّ قوله: "أنت ومالك لأبيك" على أنه (٥) لا تقبل شهادة الولد لوالده ولا الوالد لولده لكنَّا أول ذاهب إلى ذلك، ولما سبقتمونا إليه؛ فأين موضع الدلالة؟ واللام في الحديث ليست للملك قطعًا، وأكثركم يقول: ولا للإباحة، إذ لا يباح مالُ الابن لأبيه. ولهذا فرَّق بعضُ السلف فقال: تقبل شهادة الابن لأبيه، ولا تقبل شهادة الأب لابنه. وهو إحدى الروايتين عن [٦٦/ب] الحسن والشعبي (٦)، ونصَّ عليه أحمد في

стр. 390

رواية عنه (١). ومن يقول هي للإباحة أسعد بالحديث، وإلا تعطلت دلالته وفائدته (٢). ولا يلزم من إباحة أخذه ما شاء من ماله أن لا تُقبل شهادته له بحال، مع القطع أو ظهور انتفاء التهمة، كما لو شهد له بنكاح أو حدٍّ أو ما لا تلحقه به تهمة. قالوا: وأما كونه لا يُعطَى من زكاته، ولا يقاد به، ولا يُحدُّ به، ولا يثبت له في ذمته دَين، ولا يُحبَس به= فالاستدلال إنما يكون بما ثبت بنصٍّ أو إجماع، وليس معكم شيء من ذلك؛ فهذه مسائل نزاع، لا مسائل إجماع. ولو سُلِّم ثبوتُ الحكم فيها أو في بعضها لم يلزم منه عدمُ قبول شهادة أحدهما للآخر حيث تنتفي التهمة. ولا تلازُمَ بين قَبول الشهادة وجَرَيان القصاص وثبوت الدين له في ذمته، لا عقلًا ولا شرعًا؛ فإن تلك الأحكام اقتضتها الأبوة التي تمنع من مساواته للأجنبي (٣) في حدِّه به، وإقادته منه، وحبسه بدَينه؛ فإن منصب أبوته يأبى ذلك، وقبحُه مركوزٌ في فِطَر الناس. وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحًا فهو عند الله قبيح. وأما الشهادة فهي خبرٌ يعتمد الصدق والعدالة، فإذا كان المخبِر به صادقًا، مبرِّزًا في العدالة، غيرَ متَّهمٍ في الإخبار به (٤) = فليس قبولُ قولِه قبيحًا عند المسلمين، ولا تأتي
следующие страницы →