← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قالوا (١): فهؤلاء عمر بن الخطاب، وجميع السلف (٢)، وشريح، وعمر بن عبد العزيز، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم= يجيزون شهادة الابن لأبيه والأب لابنه. قال ابن حزم (٣): "وبهذا يقول إياس بن معاوية، وعثمان البَتِّي، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، والمُزَني، وأبو سليمان، وجميع أصحابنا" يعني داود بن علي وأصحابه. وقد ذكر الزهري أن الذين ردُّوا شهادة الابن لأبيه والأب لابنه والأخ لأخيه هم المتأخرون، وأن السلف الصالح لم يكونوا يردُّونها (٤). قالوا: وأما حُجَجكم على المنع، فمدارها على شيئين: أحدهما: البعضيَّة التي بين الأب وابنه، وأنها توجب أن تكون شهادةُ أحدهما للآخر شهادةً لنفسه. وهذه حجة ضعيفة، فإن هذه البعضية لا توجب أن يكون [٦٥/ب] كبعضه في الأحكام، لا في أحكام الدنيا، ولا في أحكام الثواب والعقاب. فلا يلزم من وجوب شيء على أحدهما أو تحريمه وجوبُه على الآخر وتحريمُه من جهة كونه بعضه، ولا من وجوبِ الحدِّ على أحدهما وجوبُه على الآخر.

стр. 387

وقد قال النبي ﷺ : "لا يجني والد على ولده" (١). فلا يُجنَى عليه، ولا يعاقَب بذنبه، ولا يثاب بحسناته. ولا تجب عليه الزكاة ولا الحجُّ بغنى الآخَر. ثم قد أجمع الناس على صحة بيعه منه وإجارته وهِبته (٢) ومضاربته ومشاركته، فلو امتنعت شهادته له لكونه جزأَه (٣) فيكون شاهدًا لنفسه لامتنعت هذه العقود، إذ يكون عاقدًا لها مع نفسه. فإن قلتم: هو متهم بشهادته له، بخلاف هذه العقود، فإنه لا يتَّهم فيها معه. قيل: هذا عَود منكم إلى المأخذ الثاني، وهو مأخذ التهمة. فيقال: التهمة وحدها مستقلة بالمنع، سواء كان قريبًا أو أجنبيًّا. ولا ريب أن تهمة الإنسان في صديقه وعشيره ومن يُصْفِيه مودتَه ومحبَّته (٤) أعظمُ من تهمته

стр. 388

في أبيه وابنه. والواقع شاهد بذلك، وكثير من الناس يحابي صديقه وعشيره وذا وُدِّه أعظمَ مما يحابي أباه وابنه. فإن قلتم: الاعتبار بالمظنة، وهي التي تنضبط؛ بخلاف الحكمة، فإنها لانتشارها وعدم انضباطها لا يمكن التعليل بها. قيل: هذا صحيح في الأوصاف التي شهد (١) لها الشرع بالاعتبار، وعلَّق بها الأحكام، دون مظانّها. فأين علَّق الشارعُ عدمَ قبول الشهادة بوصف الأبوة أو البنوة أو الأخوة؟ والمانعون (٢) إنما نظروا إلى التهمة، فهي الوصف المؤثِّر في الحكم، فيجب تعليق الحكم به وجودًا وعدمًا. ولا تأثير [٦٦/أ] لخصوص القرابة ولا عمومها، بل قد توجد القرابة حيث لا تهمة، وتوجد التهمة حيث لا قرابة. والشارع إنما علَّق قبول الشهادة بالعدالة وكونِ الشاهد مرضيًّا، وعلَّق عدم قبولها بالفسق، ولم يعلِّق القبولَ والردَّ بأجنبية ولا قرابة. قالوا: وأما قولكم: "إنه غير متهم معه في تلك العقود" فليس كذلك، بل هو متهم معه في المحاباة، ومع هذا (٣) فلا يوجب ذلك إبطالها. ولهذا لو باعه في مرض موته ولم يُحابِه لم يبطل البيع، ولو حاباه بطَل في قدر المحاباة. فعُلِّق البطلانُ بالتهمة، لا بمظنتها. قالوا: وأما قوله ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" فلا يمنع شهادة الابن لأبيه،

стр. 389

فإن الأب ليس هو وماله لابنه. ولا يدل الحديث على منع (١) قبول شهادة أحدهما للآخر. والذي دلَّ عليه الحديث، أكثرُ منازعينا لا يقولون به؛ بل عندهم أن مال الابن له حقيقةً وحكمًا، وأن الأب لا يتملَّك عليه منه شيئًا (٢). والذي لم يدل عليه الحديث حمَّلتموه إياه، والذي دل عليه لم تقولوا به (٣)! ونحن نتلقَّى أحاديث رسول الله ﷺ كلَّها بالقبول والتسليم، ونستعملها على وجهها (٤)، ولو دلَّ قوله: "أنت ومالك لأبيك" على أنه (٥) لا تقبل شهادة الولد لوالده ولا الوالد لولده لكنَّا أول ذاهب إلى ذلك، ولما سبقتمونا إليه؛ فأين موضع الدلالة؟ واللام في الحديث ليست للملك قطعًا، وأكثركم يقول: ولا للإباحة، إذ لا يباح مالُ الابن لأبيه. ولهذا فرَّق بعضُ السلف فقال: تقبل شهادة الابن لأبيه، ولا تقبل شهادة الأب لابنه. وهو إحدى الروايتين عن [٦٦/ب] الحسن والشعبي (٦)، ونصَّ عليه أحمد في

стр. 390

رواية عنه (١). ومن يقول هي للإباحة أسعد بالحديث، وإلا تعطلت دلالته وفائدته (٢). ولا يلزم من إباحة أخذه ما شاء من ماله أن لا تُقبل شهادته له بحال، مع القطع أو ظهور انتفاء التهمة، كما لو شهد له بنكاح أو حدٍّ أو ما لا تلحقه به تهمة. قالوا: وأما كونه لا يُعطَى من زكاته، ولا يقاد به، ولا يُحدُّ به، ولا يثبت له في ذمته دَين، ولا يُحبَس به= فالاستدلال إنما يكون بما ثبت بنصٍّ أو إجماع، وليس معكم شيء من ذلك؛ فهذه مسائل نزاع، لا مسائل إجماع. ولو سُلِّم ثبوتُ الحكم فيها أو في بعضها لم يلزم منه عدمُ قبول شهادة أحدهما للآخر حيث تنتفي التهمة. ولا تلازُمَ بين قَبول الشهادة وجَرَيان القصاص وثبوت الدين له في ذمته، لا عقلًا ولا شرعًا؛ فإن تلك الأحكام اقتضتها الأبوة التي تمنع من مساواته للأجنبي (٣) في حدِّه به، وإقادته منه، وحبسه بدَينه؛ فإن منصب أبوته يأبى ذلك، وقبحُه مركوزٌ في فِطَر الناس. وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحًا فهو عند الله قبيح. وأما الشهادة فهي خبرٌ يعتمد الصدق والعدالة، فإذا كان المخبِر به صادقًا، مبرِّزًا في العدالة، غيرَ متَّهمٍ في الإخبار به (٤) = فليس قبولُ قولِه قبيحًا عند المسلمين، ولا تأتي

стр. 391

الشريعة بردِّ خبر المخبِر به واتهامه. قالوا: والشريعة مبناها على تصديق الصادق وقبولِ خبره، وتكذيبِ الكاذب، والتوقُّفِ في خبر الفاسق المتَّهَم. فهي لا ترُدُّ حقًّا، ولا تقبل باطلًا. قالوا: وأما حديث عائشة، فلو ثبت لم يكن فيه دليل، فإنه إنما يدل على عدم قبول [٦٧/أ] شهادة المتَّهَم في قرابته أو ذي وَلائه (١)، ونحن لا نقبل شهادته إذا ظهرت تهمته. ثم منازعونا لا يقولون بالحديث، فإنهم لا يرُدُّون شهادة كلِّ قرابة، والحديث ليس فيه تخصيصٌ لقرابة الإيلاد بالمنع، وإنما فيه تعليق المنع بتهمة القرابة. فألغيتم وصفَ التهمة، وخصصتم وصفَ القرابة بفردٍ منها؛ فكنا نحن أسعدَ بالحديث منكم، وبالله التوفيق. وقد قال محمد بن الحكم (٢): إن أصحاب مالك يُجيزون شهادة الأب والابن (٣) والزوج والزوجة على أنه وكَّل فلانًا، ولا يُجيزون شهادتهم أن فلانًا وكَّلَه؛ لأن الذي يوكَّل لا يُتَّهمان عليه في شيء (٤). وأما شهادة الأخ لأخيه فالجمهور يجوِّزونها (٥). وهو الذي في

стр. 392

"التهذيب" (١) من رواية ابن القاسم عن مالك، إلا أن يكون في عياله. وقال بعض المالكية: لا تجوز إلا على شرط: ثم اختلف هؤلاء، فقال بعضهم: هو أن يكون مبرِّزًا في العدالة. وقال بعضهم: إذا لم تنله صلته. وقال أشهب: تجوز في اليسير دون الكثير (٢)، فإن كان مبرِّزًا جاز في الكثير. وقال بعضهم: تقبل مطلقًا إلا فيما تتضح (٣) فيه التهمة، مثل أن يشهد له بما يكتسب (٤) به الشاهد شرفًا وجاهًا (٥). والصحيح أنه تقبل شهادة الابن لأبيه والأب لابنه فيما لا تهمة فيه. ونصَّ عليه أحمد، فعنه في المسألة ثلاث روايات: المنع، والقبول فيما لا تهمة فيه، والتفريق بين شهادة الابن لأبيه فتُقبل، وشهادة الأب لابنه فلا تقبل (٦). واختار ابن المنذر القَبول كالأجنبي (٧). وأما شهادة أحدهما على الآخر [٦٧/ب] فنصَّ الإمام أحمد على قبولها. وقد دل عليه القرآن في قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]. وقد حكى بعض (٨)

стр. 393

أصحاب أحمد عنه روايةً ثانيةً أنها لا تقبل. قال صاحب "المغني" (١): ولم أجد في "الجامع" ــ يعني للخلّال (٢) ــ خلافًا عن أحمد أنها تقبل. وقال بعض الشافعية: لا تقبل شهادة الابن على أبيه في قصاص ولا حدِّ قذف. قال: لأنه لا يُقتَل بقتله، ولا يُحَدُّ بقذفه. وهذا قياس ضعيف جدًّا، فإنّ القتل والحدّ (٣) في صورة المنع لكون المستحِقّ هو الولد (٤)، وهنا المستحِقُّ أجنبي. ومما يدل على أنَّ احتمال التهمة بين الولد ووالده لا يمنع قبول الشهادة: أنَّ شهادة الوارث لمورثه جائزة بالمال وغيره، ومعلوم أن تطرُّقَ التهمة إليه مثلُ تطرُّقها إلى الولد والوالد (٥). وكذلك شهادة الابنين على أبيهما بطلاق ضَرَّة أمِّهما جائزة، مع أنها شهادة للأم، ويتوفر حظُّها من الميراث، ويخلو لها وجه الزوج؛ ولم تُرَدَّ هذه الشهادة باحتمال (٦) التهمة. فشهادةُ الولد لوالده وعكسه حيث (٧) لا تهمة هناك أولى بالقبول. وهذا هو القول الذي ندين الله به، وبالله التوفيق.

стр. 394

فصل وقوله: "إلا مجرَّبًا عليه شهادةُ زُور" يدل على أن المرَّة الواحدة من شهادة الزور تستقِلُّ بردِّ الشهادة. وقد قَرَن الله سبحانه في كتابه بين الإشراك وقول الزور، فقال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠ - ٣١]. وفي "الصحيحين" (١) [٦٨/أ] أيضًا عن النبي ﷺ : "ألا أنبِّئكم بأكبر الكبائر؟ ". قلنا: بلى يا رسول الله. قال: "الشركُ بالله، ثم عقوقُ الوالدين". وكان متكئًا، فجلس، ثم قال: "ألا وقولُ الزور، ألا وقولُ الزور". فما زال يكرِّرها حتى قلنا: ليته سكت! وفي "الصحيحين" (٢) عن أنس عن النبي ﷺ : "أكبر الكبائر: الإشراكُ بالله، وقتلُ النفس، وعقوقُ الوالدين، وقولُ الزور" أو قال: "وشهادة الزور". ولا خلاف بين المسلمين أن شهادة الزور من الكبائر. واختلف الفقهاء في الكذب في غير الشهادة: هل هو من الصغائر أو من الكبائر؟ على قولين هما روايتان عن الإمام أحمد، حكاهما أبو الحسين في "تمامه" (٣). واحتجَّ من جعله من الكبائر بأن الله سبحانه جعله في كتابه من صفات شرِّ البريَّة، وهم الكفار والمنافقون، فلم يصف به إلا كافرًا أو منافقًا، وجعله علَمَ أهل النار وشعارَهم، وجعل الصدقَ علَمَ أهل الجنة وشعارَهم.

стр. 395

وفي الصحيح من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "عليكم بالصدق، فإنه يهدي إلى البر، وإن البرَّ يهدي إلى الجنة، وإنَّ الرجلَ لَيصدُق حتى يُكتَب عند الله صِدِّيقًا. وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النار، وإنّ الرجل لَيكذِبُ حتى يُكتَب عند الله كذَّابًا" (١). وفي "الصحيحين" (٢) مرفوعًا: "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذَب، وإذا وعَد أخلَفَ، وإذا اؤتُمِن خان". وقال مَعْمر، عن أيوب، عن ابن أبي مُلَيكة، عن عائشة ﵂ قالت: ما كان خُلُقٌ أبغضَ إلى رسول الله ﷺ من الكذب. ولقد كان الرجلُ يكذب عنده الكَذْبةَ، فما تزال في نفسه حتّى يعلمَ أنه قد أحدَثَ منها توبةً (٣). وقال مروان الطاطَرِي: ثنا محمد بن مسلم، ثنا أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: ما كان شيءٌ [٦٨/ب] أبغضَ إلى رسول الله ﷺ من

стр. 396

الكذب. وما جرَّب على أحد كذبًا، فرجع إليه ما كان، حتَّى يعرفَ منه توبة (١). حديث حسن. رواه الحاكم في "المستدرك" من طريق ابن وهب، عن محمد بن مسلم، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عائشة (٢). وروى عبد الرزاق (٣) عن مَعْمر، عن موسى بن أبي شيبة: أن النبي ﷺ

стр. 397

أبطل شهادةَ رجلٍ في كَذْبةٍ كذبها. وهو مرسل. وقد احتجَّ به أحمد في إحدى الروايتين عنه (١). وقال قيس بن أبي حازم: سمعتُ أبا بكر الصديق ﵁ يقول: إياكم والكذبَ، فإنَّ الكذب مُجانِب الإيمان (٢). يروى موقوفًا ومرفوعًا (٣).

стр. 398

وروى شعبة، عن سلَمة بن كُهَيل، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: "المسلم يُطبَع على كلِّ طبيعةٍ غيرَ الخيانة والكذب" (١). ويروى مرفوعًا أيضًا (٢).

стр. 399

وفي "المسند" (١) والترمذي (٢) من حديث خُرَيم بن فاتك الأسدي: أنَّ رسول الله ﷺ صلَّى صلاة الصبح، فلما انصرف قام قائمًا، فقال (٣): "عدَلَتْ شهادةُ الزور الشرك بالله" (٤) ثلاثَ مرار (٥)، ثم تلا هذه الآية: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠ - ٣١].

стр. 400

وفي "المسند" (١) من حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال [٦٩/أ]: "بين يدي الساعة: تسليمُ الخاصَّة، وفُشُوُّ التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطعُ الأرحام، وشهادةُ الزور، وكتمانُ شهادة الحق". وقال الحسن بن زياد اللؤلؤي: ثنا أبو حنيفة قال: كنَّا عند محارب بن دِثار، فتقدَّم إليه رجلان، فادَّعى أحدهما على الآخر مالًا، فجحده المدَّعَى عليه. فسأله البينة، فجاء رجل، فشهد عليه. فقال المشهود عليه: لا والله الذي لا إله إلا هو، ما شهِد عليَّ بحقٍّ، وما علمتُه إلا رجلًا صالحًا، غيرَ هذه الزلَّة، فإنه فعَل هذا لحقدٍ كان في قلبه عليَّ. وكان محاربٌ متكئًا، فاستوى جالسًا، ثم قال: يا ذا الرجلُ، سمعتُ ابنَ عمر يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لَيأتينَّ على الناس يومٌ تشيب فيه الولدان، وتضع الحواملُ ما في بطونها، وتضرب الطيرُ بأذنابها، وتضع ما في بطونها، من شدَّة ذلك اليوم، ولا ذنب عليها. وإنَّ شاهِدَ الزور لا تَقَارُّ قدماه (٢) على الأرض حتى يُقذَف

стр. 401

به في النار" (١). فإن كنتَ شهدتَ بحقِّ فاتَّقِ الله، وأقِمْ على شهادتك. وإن كنتَ شهدتَ بباطل فاتقِ الله، وغطِّ رأسَك واخرُجْ من ذلك الباب (٢)، فغطَّى

стр. 402

الرجلُ رأسه، وخرج من ذلك الباب! وقال عبد الملك بن عُمير: كنتُ في مجلس محارب بن دثار، وهو في قضائه، حتَّى تقدَّم إليه رجلان، فادَّعى أحدهما على الآخر حقًّا، فأنكره، فقال: ألك بينة؟ فقال: نعم، ادعُ فلانًا. فقال المدَّعَى عليه: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون! والله إن شهد عليَّ لَيشهدنَّ (١) بزور، ولئن سألني (٢) عنه لأزكينَّه؛ [٦٩/ب] فلما جاء الشاهد قال محارب بن دِثار: حدثني عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الطيرَ لَتضرِبُ بمناقيرها، وتقذف ما في حواصلها، وتحرِّك أذنابها، من هول يوم القيامة. وإنَّ شاهدَ الزور لا تَقارُّ قدماه على الأرض حتى يُقذَف به في النار". ثم قال للرجل: بم تشهد؟ قال: كنت أُشهِدْتُ على شهادةٍ، وقد نسيتُها، أرجع، فأتذكرها. فانصرَف، ولم يشهد عليه بشيء (٣).

стр. 403

ورواه أبو يعلى الموصلي (١) في "مسنده"، فقال: ثنا محمد بن بكار، ثنا زافر، عن أبي علي قال: كنتُ عند محارب بن دِثار، فاختصم إليه رجلان، فشهد على أحدهما شاهد، فقال الرجل: لقد شهِد عليَّ بزور، ولئن سألتَ عنه لَيُزَكَّيَنَّ (٢)، وكان محارب متَّكئًا، فجلس، ثم قال: سمعتُ عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا تزولُ قدما شاهدِ الزور من مكانهما حتى يُوجِبَ الله له النار". وللحديث طرقٌ إلى محارب (٣).

стр. 404

فصل وأقوى الأسباب في ردِّ الشهادة والفتيا والرواية: الكذب، لأنه فساد في نفس آلة الشهادة والفتيا والرواية. فهو بمثابة شهادة الأعمى على رؤية الهلال، وشهادة الأصمِّ الذي لا يسمع على إقرار المُقِرِّ. فإن اللسان الكذوب بمنزلة العضو الذي قد تعطَّل نفعُه، بل هو شرٌّ منه، فشرُّ ما في المرء لسان كذوب. ولهذا يجعل الله سبحانه شعارَ الكاذب عليه يوم القيامة، وشعارَ الكاذب على رسوله= سوادَ وجوههم. والكذب له تأثير عجيب (١) في سواد الوجه، ويكسوه بُرْقُعًا من المقت يراه كلُّ [٧٠/أ] صادق؛ فسيما الكذَّاب (٢) في وجهه (٣) ينادي عليه لمن له عينان. والصادق يرزقه الله مهابةً وحلاوةً (٤)، فمن رآه هابه وأحبَّه. والكاذب

стр. 405

يرزقه الله مهانةً (١) ومقتًا، فمن رآه مقَته واحتقره. وبالله التوفيق. فصل وقول أمير المؤمنين في كتابه: "أو مجلودًا في حدٍّ" المراد به القاذف إذا حُدَّ للقذف لم تُقبَل شهادته بعد ذلك، وهذا متفق عليه بين الأمة قبل التوبة، والقرآن نصٌّ فيه (٢). وأما إذا تاب، ففي قبول شهادته قولان مشهوران للعلماء: أحدهما: لا تقبل، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وأهل العراق (٣). والثاني: تقبل، وهو قول الشافعي وأحمد ومالك (٤). وقال ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: شهادة القاذف (٥) لا تجوز وإن تاب (٦).

стр. 406

وقال القاضي إسماعيل: ثنا أبو الوليد، ثنا قيس، عن سالم، عن قيس بن عاصم (١) قال: كان أبو بكرة إذا أتاه رجلٌ يُشهِده قال: أشهِدْ غيري، فإنَّ المسلمين قد فسَّقوني (٢). وهذا ثابت عن مجاهد، وعكرمة، والحسن (٣)، ومسروق، والشعبي ــ

стр. 407

في إحدى الروايتين عنهم (١) ــ وهو قول شريح (٢). واحتجَّ أرباب هذا القول بأن الله سبحانه أبَّد المنعَ من قبول شهادتهم بقوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]، وحكم عليهم بالفسق، ثم استثنى التائبين من الفاسقين، وبقي المنعُ من قبول الشهادة على إطلاقه وتأبيده. قالوا: وقد روى أبو جعفر الرازي، عن آدم بن فائد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي ﷺ : "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا محدود في الإسلام [٧٠/ب] ولا محدودة، ولا ذي غِمْر (٣) على أخيه" (٤).

стр. 408

وله طرق إلى عمرو (١). ورواه ابن ماجه (٢) من طريق حجاج بن أرطاة، عن عمرو. ورواه البيهقي (٣) من طريق المثنى بن الصباح، عن عمرو. قالوا: وروى يزيد بن أبي زياد الدمشقي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ترفعه: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا مجلودٍ في حدٍّ، ولا ذي غِمْرٍ لأخيه، ولا مجرَّبٍ عليه شهادةُ زور، ولا ظنينٍ في وَلاء وقرابة (٤) " (٥). وروي عن سعيد بن المسيِّب عن النبي ﷺ مرسلًا (٦). قالوا: ولأنَّ المنعَ من قبول شهادته جُعِل من تمام عقوبته، ولهذا لا يترتَّب المنع إلا بعد الحدِّ، فلو قُذِف ولم يُحَدَّ لم تُرَدَّ شهادتُه. ومعلوم أن الحدَّ إنما زاده طُهْرةً، وخفَّف عنه إثمَ القذف أو رَفَعه، فهو بعد الحدِّ خير منه

стр. 409

قبله، ومع هذا فإنما تُردّ شهادته بعد الحد. فردُّها من تمام عقوبته وحدِّه، وما كان من الحدود ولوازمها فإنه لا يسقط بالتوبة. ولهذا لو تاب القاذف لم تمنع توبتُه إقامةَ الحدِّ عليه، فكذلك شهادته. قال سعيد بن جبير: تُقبَل توبتُه فيما بينه وبين الله من العذاب العظيم، ولا تُقبَل شهادتُه (١). وقال شريح: لا تجوز شهادته أبدًا، وتوبته فيما بينه وبين ربِّه (٢). وسرُّ المسألة: أنّ ردَّ شهادته جُعِل عقوبةً لهذا الذنب، فلا يسقط بالتوبة كالحدِّ. قال الآخرون، واللفظ للشافعي (٣): "والثُّنْيا في سياق الكلام على أول الكلام وآخره، في جميع ما يذهب إليه أهلُ الفقه، إلا أن يفرِّق بين ذلك خبر". "وأنبأنا ابن عيينة قال: سمعتُ [٧١/أ] الزهريَّ يقول: زعم أهل العراق أن شهادة المحدود لا تجوز، وأشهدُ لَأخبَرني فلانٌ أن عمر قال لأبي بكرة: تُبْ أقبَلْ شهادتك. قال سفيان: نسيتُ اسم الذي حدَّث الزهريَّ، فلما قمنا سألتُ مَن حضر، فقال لي عمرو بن قيس (٤): هو سعيد بن المسيِّب. فقلت

стр. 410

لسفيان: فهل شككتَ فيما قال لك؟ قال: لا، هو سعيدٌ غيرَ شكٍّ. قال الشافعي: وكثيرًا ما سمعته يحدِّث، فيسمِّى سعيدًا. وكثيرًا ما سمعتُه يقول: عن سعيد إن شاء الله" (١). "وأخبرني به مَن أثق به من أهل المدينة، عن ابن شهاب، عن ابن المسيِّب أن عمر لما جلد الثلاثةَ استتابهم، فرجع اثنان، فقبل شهادتهما. وأبى أبو بكرة أن يرجع، فردَّ شهادته" (٢). ورواه سليمان بن كَثير، عن الزهري، عن ابن المسيب أن عمر قال لأبي بكرة وشِبْل ونافع: من تاب منكم قبلتُ شهادته (٣). وقال عبد الرزاق (٤): ثنا محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن مَيْسرة، عن

стр. 411

ابن المسيبِّ أن عمر قال للذين شهدوا على المغيرة: توبوا تُقْبَلْ شهادتُكم، فتاب منهم اثنان، وأبى أبو بكرة أن يتوب، فكان عمر لا يقبل شهادته. قالوا: والاستثناء عائد على جميع ما تقدَّمه سوى الحدِّ، فإنَّ المسلمين مُجْمِعون على أنه لا يسقط عن القاذف بالتوبة. وقد قال أئمة اللغة (١): إن الاستثناء يرجع إلى ما تقدَّم كلِّه. قال أبو عبيد في "كتاب القضاء" (٢): وجماعة أهل الحجاز ومكة على قبول شهادته. وأما أهل العراق فيأخذون بالقول الأول أن لا تُقبَل أبدًا. وكلا الفريقين إنما تأوَّلوا القرآن فيما نرى. والذين لا يقبلونها يذهبون إلى أن المعنى [٧١/ب] انقطع من عند قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾، ثم استأنف، فقال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤ - ٥]، فجعلوا الاستثناء من الفسق خاصّةً دون الشهادة. وأما الآخرون، فتأوَّلوا أنّ الكلام تبع بعضُه بعضًا على نسق واحد، فقال: ﴿وَلَا

стр. 412

تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ فانتظم الاستثناء كلَّ ما كان قبله. قال أبو عبيد: وهذا عندي هو القول المعمول به، لأنَّ من قال به أكثرُ (١)، وهو أصحُّ في النظر، ولا يكون القول بالشيء أكثر من الفعل، وليس يختلف المسلمون في الزاني المجلود أن شهادته مقبولة إذا تاب. قالوا: وأما ما ذكرتم عن ابن عباس، فقد قال الشافعي (٢): بلغني عن ابن عباس أنه كان يجيز شهادة القاذف إذا تاب. وقال علي بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾: فمن تاب وأصلح، فشهادتُه في كتاب الله تُقْبَل (٣). وقال شَريك عن أبي حَصِين عن الشعبي: يقبل الله توبته، ولا تقبلون (٤) شهادته؟ (٥).

стр. 413

وقال مطرِّف عنه: إذا فرَغ من ضربه، فأكذَبَ نفسَه، ورجع عن قوله= قُبِلت شهادته (١). قالوا: وأما تلك الآثار التي رويتموها، ففيها ضعف. فإنَّ آدم بن فائد غير معروف، ورواته عن عمر قسمان: ثقات، وضعفاء، فالثقات لم يذكر أحد منهم: "أو مجلودًا في حدٍّ"، وإنما ذكره الضعفاء كالمثنَّى بن الصبَّاح وآدم والحجَّاج. وحديث عائشة فيه يزيد، وهو ضعيف. [٧٢/أ] ولو صحَّت الأحاديث لَحُمِلت على غير التائب، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له (٢). وقد قَبِل شهادته بعد التوبة عمر وابن عباس (٣)، ولا يعلم لهما في الصحابة مخالف. قالوا: وأعظم موانع الشهادة: الكفر، والسحر، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، والزنا. ولو تاب من هذه الأشياء قُبِلت شهادته اتفاقًا، فالتائب من القذف أولى بالقبول. قالوا: وأين جناية قتله من قذفه؟ قالوا: والحدُّ يدرأ عنه عقوبة الآخرة، وهو طُهْرة له، فإن الحدود طُهْرة لأهلها؛ فكيف تُقبل شهادته إذا لم يتطهَّر بالحدِّ، وتُرَدُّ أطهرَ ما يكون؟ فإنه بالحدِّ والتوبة قد يطهر طهرًا كاملًا. قالوا: وردُّ الشهادة بالقذف إنما هو مستند إلى العلة التي ذكرها الله عقيب هذا الحكم، وهي الفسق، وقد ارتفع الفسق بالتوبة، وهو سبب الرد؛

стр. 414

فيجب ارتفاع ما ترتَّب عليه، وهو المنع. قالوا: والقاذف فاسق بقذفه، حُدَّ أو لم يُحدَّ، فكيف تقبل شهادته في حال فسقه، وتُرَدّ شهادته بعد زوال فسقه؟ قالوا: ولا عهد لنا في الشريعة بذنب واحد أصلًا يتاب منه، ويبقى أثره المترتِّب عليه من ردِّ الشهادة. وهل هذا إلا خلاف المعهود منها، وخلاف قوله ﷺ : "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (١). وعند هذا، فيقال: توبته من القذف تنزِّله منزلةَ من لم يقذف، فيجب قبول شهادته. قالوا (٢): قال المانعون: القذف متضمِّن للجناية على حقِّ الله وحقِّ الآدمي، وهو من أوفى الجرائم، فناسَبَ تغلُّظَ (٣) الزجر. وردُّ الشهادة [٧٢/ب] من أقوى أسباب الزجر، لما فيه من إيلام القلب والنكاية في النفس، إذ هو عزلٌ لولاية لسانه الذي استطال به على عِرض أخيه، وإبطالٌ لها (٤). ثم هو عقوبة في محلِّ الجناية، فإن الجناية حصلت بلسانه، فكان

стр. 415

أولى بالعقوبة فيه. وقد رأينا الشارع قد اعتبر هذا حيث قَطَع يدَ السارق، فإنه حدٌّ مشروع في محلِّ الجناية. ولا ينتقض هذا بأنه لم يجعل عقوبة الزاني بقطع العضو الذي جنى به لوجوه: أحدها: أنه عضو خفي مستور لا تراه العيون، فلا يحصل الاعتبار المقصود من الحدِّ بقطعه. الثاني: أنَّ ذلك يفضي إلى إبطال آلات التناسل وانقطاع النوع الإنساني. الثالث: أنَّ لذة البدن جميعه بالزنا كلذة العضو المخصوص، فالذي نال البدن (١) من اللذة المحرَّمة مثل ما نال الفرج. ولهذا كان حدُّ الخمر على جميع البدن. الرابع: أنَّ قطع هذا العضو مُفْضٍ إلى الهلاك، وغيرُ المحصَن لا تستوجب جريمته الهلاك، والمحصَن إنما تناسب جريمته أشنعَ القِتْلات، ولا يناسبها قطعُ بعض أعضائه= فافترقا. قالوا: وأما قبول شهادته قبل الحدِّ وردَّها بعده، فلما تقدَّم أنّ ردَّ الشهادة جُعِل من تمام الحدِّ وتكملته. فهو كالصفة والتتمة للحدِّ، فلا يتقدَّم عليه. ولأن إقامة الحدّ عليه تنقص حالَه عند الناس، وتقلّ حرمته، وهو قبل إقامة الحد قائم الحرمة غير منتهَكها. قالوا: وأما التائب من الزنا والكفر والقتل، فإنما قبلنا شهادته لأنَّ ردَّها

стр. 416

[٧٣/أ] كان نتيجة الفسق، وقد زال؛ بخلاف مسألتنا، فإنّا قد بينّا أن ردَّها من تتمة الحدِّ، فافترقا. قال القابلون (١): تغلُّظ (٢) الزجر لا ضابط له، وقد حصلت مصلحةُ الزجر بالحد. وكذلك سائر الجرائم جعل الشارعُ مصلحة الزجر عليها بالحدِّ، وإلا فلا تطلَّق نساؤه، ولا يؤخذ مالُه، ولا يُعزَل عن مناصبه، ولا تسقط روايته، لأنه أغلظ (٣) في الزجر، وقد أجمع المسلمون على قبول رواية أبي بكرة ﵁. وتغلُّظُ (٤) الزجر من الأوصاف المنتشرة التي لا تنضبط، وقد حصل إيلامُ القلب والبدن والنكايةُ في النفس بالضرب الذي أخذ من ظهره. وأيضًا فإنّ ردَّ الشهادة لا ينزجر به أكثر القاذفين، وإنما يتأثَّر بذلك وينزجر أعيانُ الناس، وقلَّ أن يوجد القذف من أحدهم. وإنما يوجد غالبًا من الرَّعاع والسَّقَط ومن لا يبالي بردِّ شهادته وقبولها. وأيضًا فكم من قاذف انقضى عمره، وما أدَّى شهادة عند حاكم.

стр. 417

ومصلحةُ الزجر إنما تكون بمنع النفوس ما (١) هي محتاجة إليه، وهو كثير الوقوع منها، ثم هذه المناسبة التي ذكرتموها يعارضها ما هو أقوى منها. فإنَّ ردَّ الشهادة أبدًا يلزم (٢) منه مفسدةُ فواتِ الحقوق على الغير، وتعطيلُ الشهادة في محلِّ الحاجة إليها. ولا يلزم مثل ذلك في القبول، فإنه لا مفسدة فيه في حقِّ الغير من عَدْلٍ تائبٍ قد أصلح ما بينه وبين الله. ولا ريب أنَّ اعتبارَ مصلحةٍ لا يلزم (٣) منها مفسدةٌ أولى من اعتبار مصلحةٍ يلزم منها عدَّةُ مفاسد في [٧٣/ب] حقِّ الشاهد وحقِّ (٤) المشهود له وعليه. والشارع له تطلُّعٌ إلى حفظِ الحقوق على مستحقِّها (٥) بكلِّ طريق، وعدمِ إضاعتها؛ فكيف يبطل حقًّا قد (٦) شهد به عدلٌ رِضًى (٧) مقبولُ الشهادة على رسول الله ﷺ وعلى دينه روايةً وفتوَى؟ وأما قولكم: "إن العقوبة تكون في محلِّ الجناية" فهذا غير لازم، لما تقدَّم من عقوبة الشارب والزاني. وقد جعل الله سبحانه عقوبةَ هذه الجريمة

стр. 418

على جميع البدن دون اللسان، وإنما جعل عقوبةَ اللسان بسبب الفسق الذي هو محلُّ التهمة، فإذا زال الفسق بالتوبة فلا وجه للعقوبة بعدها. وأما قولكم: "إن ردَّ الشهادة من تمام الحدِّ" فليس كذلك، فإن الحدَّ تمَّ باستيفاء عدده، وسببُه نفس القذف. وأما ردُّ الشهادة فحكمٌ آخرُ أوجبه الفسق بالقذف، لا الحدّ. فالقذف أوجب حكمين: ثبوت الفسق، وحصول الحد، وهما حكمان متغايران. فصل وقوله (١): "أو ظنينًا في ولاء أو قرابة". الظنين: المتهم، والشهادة تُرَدُّ بالتهمة. ودلَّ هذا على أنها لا تُرَدُّ بالقرابة، كما لا تُرَدُّ بالولاء، وإنما تُرَدُّ بتهمتهما (٢). وهذا هو الصواب، كما تقدَّم. وقال أبو عبيد: ثنا حجَّاج، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة، عن أبي الزناد، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن عمر بن الخطاب أنه قال: تجوز شهادة الوالد لولده، والولد لوالده، والأخ لأخيه، إذا كانوا عدولًا. لم يقل الله [٧٤/أ] حين قال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]: "إلّا والدًا أو ولدًا أو أخًا" (٣)، هذا لفظه (٤). وليس في ذلك عن عمر روايتان، بل إنما منَع من شهادة المتهم في

стр. 419

قرابته وولائه. وقال أبو عبيد: حدثني يحيى بن بُكير، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب: أنَّ عمر بن عبد العزيز كتب أنه تجوز شهادة الولد لوالده (١). وقال إسحاق بن راهويه: لم تزل قضاة الإسلام على هذا. وإنما قُبِل قولُ الشاهد لظنِّ صدقه، فإذا كان متهمًا عارضت التهمةُ الظنَّ. فبقيت البراءة الأصلية ليس لها معارِض مقاوِم. فصل وقوله: "فإنَّ الله ﵎ تولَّى من العباد السرائرَ، وستر عليهم الحدودَ إلا بالبينات" يريد بذلك أن من ظهرت لنا منه علانيةُ خيرٍ قَبِلنا شهادتَه، ووكلنا سريرته إلى الله سبحانه؛ فإن الله سبحانه لم يجعل أحكام الدنيا على السرائر، بل على الظواهر، والسرائر تبعٌ لها. وأما أحكام الآخرة فعلى السرائر، والظواهر تبع لها. وقد احتجَّ بعض أهل العراق بقول عمر هذا على قبول شهادة كلِّ مسلم لم تظهر منه ريبةٌ، وإن كان مجهول الحال؛ فإنه قال: "والمسلمون عدول بعضهم على بعض"، ثم قال: "فإن الله تعالى تولَّى من عباده السرائر، وستَر عليهم الحدود". ولا يدل كلامه على هذا المذهب.

стр. 420

بل قد روى أبو عبيد، ثنا الحجَّاج، عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن (١) قال: قال عمر بن الخطاب: لا يُؤْسَرُ (٢) أحدٌ في الإسلام بشهداء السوء (٣)، فإنَّا لا نقبل (٤) إلا العُدول. وثنا إسحاق بن علي (٥) عن مالك بن أنس [٧٤/ب] عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: قال عمر بن الخطاب: والله لا يُؤسَرُ (٦) رجلٌ في الإسلام بغير العدول (٧).

стр. 421

وثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن الجُرَيري، عن أبي نضرة، عن أبي فراس أنَّ عمر بن الخطاب قال في خطبته: من أظهر لنا خيرًا ظننَّا به خيرًا، وأحببناه عليه. ومن أظهر لنا شرًّا ظننَّا به شرًّا، وأبغضناه عليه (١). وقوله: "وستر عليهم الحدود" يعني المحارم، وهي حدود الله التي نهى عن قربانها. والحدُّ يراد به الذنب تارة، والعقوبة أخرى (٢). وقوله: "إلا بالبينات والأيمان" يريد بالبينات: الأدلة والشواهد، فإنه صحَّ (٣) عنه الحدُّ في الزنا بالحَبَل (٤)، فهو (٥) بيَّنة صادقة، بل هو أصدق من الشهود. وكذلك رائحة الخمر بيّنة على شُربها عند الصحابة (٦) وفقهاء أهل المدينة وأكثر فقهاء الحديث (٧).

стр. 422

فصل وقوله: "والأيمان" يريد بها أيمانَ الزوج في اللِّعان، وأيمانَ أولياء القتيل في القَسامة، وهي قائمة مقام البينة. فصل وقوله: "ثم الفهمَ الفهمَ فيما (١) أُدليَ إليك مما ورد عليك، مما ليس في قرآن ولا سنة. ثم قايِسِ الأمورَ عند ذلك، واعرف الأمثال، ثم اعمِدْ فيما ترى إلى أحبِّها إلى الله وأشبَهِها بالحقِّ". هذا أحد ما (٢) اعتمد عليه القيَّاسُون (٣) في الشريعة، وقالوا: هذا كتاب عمر إلى أبي موسى، ولم ينكره أحد من الصحابة، بل كانوا متفقين على القول بالقياس، وهو أحد أصول الشريعة، ولا يستغني عنه فقيه. وقد أرشد الله تعالى عباده إليه [٧٥/أ] في غير موضع من كتابه. فقاس النشأة الثانية على النشأة الأولى في الإمكان، وجعل النشأة الأولى أصلًا والثانية فرعًا عليها. وقاس حياة الأموات بعد الموت على حياة الأرض بعد موتها بالنبات. وقاس الخلق الجديد الذي أنكره أعداؤه على خلق السموات والأرض، وجعله من قياس الأَولى، كما جعل قياس النشأة الثانية على الأُولى من قياس الأَولى. وقاس (٤) الحياة بعد الموت على اليقظة بعد النوم.

стр. 423

وضرَب الأمثال، وصرَّفها في الأنواع المختلفة. وكلُّها أقيسة عقلية ينبِّه بها عبادَه على أنَّ حُكمَ الشيء حكمُ مثله، فإن الأمثال كلَّها قياسات يُعلم منها حكمُ الممثَّل من الممثَّل به. وقد اشتمل القرآن على بضعة وأربعين مثلًا تتضمَّن تشبيه الشيء بنظيره والتسوية بينهما في الحكم. وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. فالقياس وضرب الأمثال من خاصِّيَّة (١) العقل، وقد ركز الله في فِطَر الناس وعقولهم التسويةَ بين المتماثلَين وإنكارَ التفريق بينهما، والفرقَ بين المختلفَين وإنكارَ الجمع بينهما. قالوا: ومدار الاستدلال جميعه على التسوية بين المتماثلَين والفرق بين المختلَفين. فإنه إما استدلالٌ بمعيَّن على معيَّن، أو بمعيَّن على عامٍّ، أو بعامٍّ على معيَّن، أو بعامٍّ على عامٍّ. فهذه الأربعة هي مجامع ضروب الاستدلال. فالاستدلال بالمعيَّن على المعيَّن هو الاستدلال [٧٥/ب] بالملزوم على لازمه، فكلُّ ملزوم دليل على لازمه. فإن كان التلازم من الجانبين كان كلٌّ منهما دليلًا على الآخر ومدلولًا له. وهذا النوع ثلاثة أقسام: أحدها: الاستدلال بالمؤثِّر على الأثر. والثاني: الاستدلال بالأثر على المؤثر. والثالث: الاستدلال بأحد الأثرين على الآخر. فالأول كالاستدلال بالنار على الحريق، والثاني كالاستدلال بالحريق على النار، والثالث كالاستدلال بالحريق على الدخان؛ ومدارُ ذلك كلِّه على التلازم. فالتسوية بين المتماثلين هو استدلالٌ (٢) بثبوت أحد

стр. 424

الأثرين على الآخر، وقياس الفرق هو استدلالٌ (١) بانتفاء أحد الأثرين على انتفاء الآخر، أو بانتفاء اللازم على انتفاء ملزومه. فلو جاز التفريق بين المتماثلين لانسدَّت طرق الاستدلال، وغُلِّقت أبوابه. قالوا: وأما الاستدلال بالمعيَّن على العامِّ، فلا يتم إلا بالتسوية بين المتماثلين؛ إذ لو جاز الفرق لما كان هذا المعيَّن دليلًا على الأمر العامِّ المشترك بين الأفراد. ومن هذا أدلَّة القرآن بتعذيب المعيَّنين الذين عذَّبهم على تكذيب رسله وعصيان أمره على أن هذا الحكم عامٌّ شامل لكلِّ من سلك سبيلهم واتصف بصفتهم. وهو سبحانه قد نبَّه عباده على نفس هذا الاستدلال، وتعدية هذا الخصوص إلى العموم، كما قال تعالى عقيبَ إخباره عن عقوبات الأمم المكذِّبة لرسلهم وما حلَّ بهم: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٤٣]. فهذا محض تعدية الحكم إلى من عدا المذكورين بعموم العلة، وإلا (٢) فلو لم يكن حكمُ الشيء حكمَ مثلِه لما لزمت [٧٦/أ] التعدية، ولا تمَّت الحجة. ومثل هذا قوله تعالى عقيبَ إخباره عن عقوبة قوم عاد حين رأوا العارض في السماء، فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾، فقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا

стр. 425

أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٤ - ٢٦]. فتأمَّلْ قوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ كيف تجد المعنى أنَّ حكمَكم حكمُهم، وأنّا إذا كنّا قد أهلكناهم بمعصيةِ رسلنا، ولم يدفع عنهم ما مُكِّنوا فيه من أسباب العيش؛ فأنتم كذلك، تسويةً بين المتماثلين، وإنَّ هذا محضُ عدل الله بين عباده. ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ١٠]، فأخبر أنَّ حكمَ الشيء حكمُ مثله. وكذلك كلُّ موضعٍ أمَر الله سبحانه فيه بالسَّير في الأرض، سواء كان السيرَ الحِسِّيَّ على الأقدام والدوابِّ، أو السَّير المعنوي بالتفكُّر والاعتبار، أو كان اللفظ يعمُّهما وهو الصواب= فإنه يدل على الاعتبار والحذر أن يحِلَّ بالمخاطبين ما حلَّ بأولئك. ولهذا أمر سبحانه أولي الأبصار بالاعتبار بما حلَّ بالمكذِّبين، ولولا أنَّ حكمَ النظير حكمُ نظيره حتى يعبر العقل (١) منه إليه لما حصل الاعتبار. [٧٦/ب] وقد نفى الله سبحانه عن حُكمه وحِكمته التسويةَ بين المختلفَين في الحكم، فقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦]، فأخبر أنَّ هذا حكم باطل في الفِطَر والعقول، لا تليق نسبته إليه سبحانه. وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]. وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ
следующие страницы →