← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

القول بوقوعها طلقة واحدة خلافًا للمذاهب الأربعة. وذكر المؤلف أنها مما تغيرت الفتوى بها في عهد عمر لأن الصحابة رأوا مفسدة تتابع الناس في إيقاع الثلاث لا تندفع إلا بإمضائها عليهم، ولم يكن باب التحليل الذي لُعِن فاعله مفتوحًا بوجه ما. - المثال الثامن منها: موجبات الأيمان والأقارير والنذور (٣/ ٥٠٧). تحت هذا المثال تكلم على مسألة اليمين بالطلاق والعتاق، ومسألة الحلف بالحرام، ومنشأ أيمان البيعة. - المثال التاسع: في تأجيل بعض المهر وحكم المؤجل (٣/ ٥٥٢) وانجرّ الكلام عليه إلى تقرير أن العبرة في الشريعة بالمقاصد والنيات، وفي خلال الاستدلال عليه تكلم على مسألة السر والعلن في المهر وغيره لاضطراب أقوال المتأخرين فيها، وتكلم على شروط الواقفين. ثم نقل احتجاج القائلين بأن الأحكام تجرى على الظاهر، والعقود لا تفسد بنية العاقدين، إلى أن قال: «فانظر ملتقى البحرين ومعترك الفريقين ... ». ثم حكم بين الفريقين، وقسم الألفاظ إلى أقسام، وبيَّن متى يحمل الكلام على ظاهره ومتى يحمل على غير ظاهره. وذكر أمثلة عديدة لاعتبار المقاصد. وهكذا شيّد قاعدة: - القصود معتبرة في العقود (٣/ ٥٧٤). والردُّ على قول الخصم: لا تفسد العقود بأن يقال: هذه ذريعة، وهذه نية سوء= اقتضى الكلام على مسألة سد الذرائع، لأن من سدَّ الذرائع اعتبر المقاصد وبالعكس.

стр. 37

* فصل في سد الذرائع (٤/ ٣ - ٤٣). افتتحه بقوله: إن الوسائل في التحريم والتحليل تابعة للغايات. وحرَّر هذه القاعدة بتقسيم الذرائع المؤدية إلى المفاسد إلى أربعة أقسام: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى مفسدة. وأخرى موضوعة للمباح قصد بها التوسل إلى المفسدة. وثالثة موضوعة للمباح، ولكنها تفضي إلى المفسدة غالبا، ومفسدتها أرجح من مصلحتها. ورابعة موضوعة للمباح وقد تفضي إلى المفسدة، ومصلحتها أرجح من مفسدتها. فالشريعة جاءت بالمنع من القسم الأول كراهة أو تحريمًا بحسب درجاته في المفسدة، وبإباحة القسم الرابع أو استحبابه أو إيجابه بحسب درجاته في المصلحة. أما القسمان الثاني والثالث، فهما ممنوعان، وأورد في الاستدلال على المنع ٩٩ وجهًا، واقتصر على هذا العدد لموافقته عدد أسماء الله الحسنى. ولما كان تجويز الحيل مناقضًا لسدِّ الذرائع، فإن الشارع يسدّ الطريق إلى المفاسد، والمحتال يفتح الطريق إليه بحيلة، وقد انتشرت الحيل في المجتمع الإسلامي في زمن المؤلف، وتفاقم الأمر= لم يكتف المؤلف بالفصل السابق الذي كلُّ الوجوه المذكورة تدل على تحريم الحيل، بل عقد فصلًا جديدًا للكلام على بطلانها وتحريمها: * الحيل (٤/ ٤٤ - ٥٧٥). وهو فصل طويل جدًّا، يبلغ حجمه مع فصل سدِّ الذرائع ربع الكتاب. ولا غرو، فإن المؤلف ختم كلامه في الفصل السابق بأن سدّ الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين، وفسره بأن التكليف أمر ونهي، والمأموربه إما مقصود أو وسيلة إلى المقصود. والمنهي عنه إما مفسدة وإما وسيلة إلى المفسدة.

стр. 38

وبعدما أفاض القول في ذكر أقوال السلف في إبطال الحيل، والرد على احتجاجات أرباب الحيل، وذكر أمثلة كثيرة من الحيل المحرمة؛ ثم ذكر قاعدة في أقسام الحيل ومراتبها، وقسّمها قسمين: القسم الأول: الحيل التي يُقصد بها إبطالُ حقّ وإثبات باطل، وقسَّمها ثلاثة أقسام. والقسم الثاني: أن يقصد بالحيلة أخذ حق أو دفع باطل. وقسَّمه أيضًا إلى ثلاثة أقسام: أحدها أن يكون الطريق محرَّمًا في نفسه، وإن كان المقصود به حقًّا، والثاني أن يكون الطريق مشروعًا وما يفضي إليه مشروع، ونبه على أن كلامه وكلام السلف في ذم الحيل لا يتناول هذا القسم. والقسم الثالث: أن يحتال على التوصل إلى الحق أو على دفع الظلم بطريق مباحة لم توضع أصلا موصلة إلى ذلك، أو وضعت له لكن تكون خفية لا يفطن لها. ومثلها مثل المعاريض في الكلام. ثم أورد ١١٦ مثالًا من هذه الطرق، وآخرها في المخارج من الوقوع في التحليل الملعون فاعلُه والمطلِّقُ المحلَّلُ له. وذكر أنها دائرة بين ما دل عليه الكتاب والسنة أو أحدهما، أو أفتى به الصحابة أو بعضهم أو مخرّج على أقوالهم، أو هو قول الجمهور أو بعض الأئمة الأربعة أو بعض أتباعهم أو غيرهم من العلماء. وهي اثنا عشر مخرجًا. ومن المسائل التي أطال الكلام عليها: الاستثناء في الطلاق. * فصل في جواز الفتوى بالآثار السلفية والفتاوى الصحابية، وأنها أولى بالأخذ بها من آراء المتأخرين وفتاويهم ... (٤/ ٥٧٦ - ٦٣٨). مهَّد المؤلف لهذا الفصل بكلمة هي في الحقيقة نفثة مصدور، وكأنه يحكي محنة شيخه ومحنته هو مع فقهاء عصره، إذ قال: «فلا يدري (يعني المفتي أو الحاكم) ما عذره غدًا عند الله إذا سوّى بين أقوال أولئك وفتاويهم

стр. 39

وأقوال هؤلاء وفتاويهم، فكيف إذا رجحها عليها، فكيف إذا عيّن الأخذ بها حكمًا وإفتاء، ومنع الأخذ بقول الصحابة، واستجاز عقوبة من خالف المتأخرين لها، وشهد عليه بالبدعة والضلالة ومخالفة أهل العلم وأنه يكيد الإسلام؟ تالله لقد أخذ بالمثل المشهور: رمتني بدائها وانسلت». بعد هذا التمهيد شرح ترتيب الأخذ بفتاوى الصحابة والتابعين. ثم شرع في الاستدلال على وجوب اتباع الصحابة والرد على شبهات من يعارض ذلك، وذكر ٤٦ وجهًا. * خاتمة الكتاب في فوائد تتعلق بالفتوى (٥/ ٣ - ١٨٧). استهلَّها بقوله: «ولنختم الكتاب بفوائد تتعلق بالفتوى»، وأورد ٧٠ فائدة حسب تعداده، وهي في الحقيقة تسع وستون، في آداب المفتي والمستفتي وما إليها. ومنها الفائدة السابعة عشرة في شروط الواقفين كيف يفتي فيها، وهي فائدة طويلة لأهمية الموضوع، وقد تطرق إليه غير مرة في هذا الكتاب. ومنها الفائدة الثالثة والعشرون في الخصال الخمس التي ذكرها الإمام أحمد للمفتي، وقد حُبِّب إلى المؤلف الكلام عليها ولا سيما على خصلة السكينة، فأفاض وأجاد. ومنها الفائدة التاسعة والعشرون في أقسام المفتين، والفائدة الثالثة والخامسون في أنه يحرم على المفتي أن يفتي بضد لفظ النص وإن وافق مذهبه، وضرب أمثلة على ذلك، فذكر نحو أربعين مسألة. * الخاتمة الثانية بفصول من فتاوى الرسول ﷺ (٥/ ١٨٨ - ٤٨٥). بعد الخاتمة الأولى عقد فصلاً جديدًا افتتحه بقوله: «ونختم الكتاب بذكر فصول يسير قدرها عظيم أمرها، من فتاوى إمام المفتين ورسول رب العالمين، تكون روحًا لهذا الكتاب، ورقمًا على حُلّة هذا التأليف».

стр. 40

الظاهر أن المؤلف أضاف هذه الخاتمة فيما بعد، وفاته أن يصلح سياق الخاتمة الأولى، أو أن الأولى رآها جزأ من الحلة، وأما هذه فهي رقمٌ عليها كما قال. هذه الفصول تشتمل على مجموعة من الأحاديث التي ذكر فيها أن النبي ﷺ سئل عن أمر فأجاب. وقد أوردها المؤلف محذوفة الأسانيد، ولم يذكر في كثير منها اسم الصحابي الراوي عن النبي ﷺ ، وجملة منها لم يخرّجها. وكان ينبغي للمؤلف في هذه الحالة أن يلتزم صحة هذه الأحاديث ليعتمد عليها أهل الإفتاء دون الرجوع إلى أسانيدها. وقد بدأها ﵀ بمسائل العقيدة، ورتبها نوعًا من الترتيب، ووضع لبعض الفصول عناوين أيضا. معظم الأحاديث مسرود سردًا، ولكن بعضها فسر غريبه، وتكلم على مضمونه مع ذكر الأقوال في المسألة والترجيح. ومن الأحاديث التي أطال فيها: أحاديث الزنا التي استطرد بعد إيرادها إلى بيان تأثير اللوث في الدماء والحدود والأموال، ثم تكلم على بطلان تقسيم الناس طرق الحكم إلى شريعة وسياسة (٥/ ٣٩٧ - ٤١٥)، وأتبعها نبذة من كلام الإمام أحمد في السياسة الشرعية مع أمثلة من اعتبار قرائن الأحوال في فصل مستقل (٥/ ٤١٥ - ٤١٩). ثم قال: «فلنرجع إلى فتاوى رسول الله ﷺ وذكر طرف من فتاويه في الأطعمة». وفي ختام هذه الفتاوى: «ذكرُ فصول من فتاويه ﷺ في أبواب متفرقة». وآخرها مسألة عن الكبائر، جمع فيها طائفة من الكبائر من عدة أحاديث، ثم عقد فصلين لتعداد الكبائر. وأتبعهما بفصل عنوانه: «فصل مستطرد من فتاويه ﷺ ، فارجع إليها» كذا! وآخرها عن العطاس، وهو أن رجلًا عطس،

стр. 41

فقال: ما أقول يا رسول الله؟ ... الحديث. نقله مع تخريجه: «ذكره أحمد». وهكذا ختم الكتاب دون كلمة تدل على انتهائه، كأن باب فتاوى النبي ﷺ كان مفتوحًا لإضافات أخرى. وقد يقال: إن حديث العطاس ختم بقول العاطس: «يهديكم الله ويصلح بالكم». فأحب المؤلف أن يختم كتابه الذي نصب فيه معالم طريق الإفتاء، بهذا الدعاء للمفتين الموقّعين عن رب العالمين. * * *

стр. 42

منهج المؤلف فيه ذكر الشيخ بكر أبو زيد في كتابه «ابن قيم الجوزية» (ص ٨٥ - ١٢٨) معالم منهج المؤلف في البحث والتأليف، وبعد التتبع والاستقراء تحدَّث عن تلك الخصائص والسمات البارزة التي تميزت بها مؤلفاته في اثني عشر جانبًا، وهي: الاعتماد على الأدلة من الكتاب والسنة، وتقديم أقوال الصحابة ﵃ على مَن سواهم، والسعة والشمول، وحرّية الترجيح والاختيار، والاستطراد التناسبي، والاهتمام بمحاسن الشريعة وحكمة التشريع، والعناية بعلل الأحكام ووجوه الاستدلال، والحيوية والمشاعر الفياضة بأحاسيس مجتمعه، والجاذبية في أسلوبه وبيانه، وحسن الترتيب والسياق، وظاهرة التواضع والضراعة والابتهال، والتكرار. وإذا نظرنا في «أعلام الموقعين» وقرأنا فيه نجد هذه الخصائص بارزةً أمامنا في كل فصلٍ من فصوله، فهو عندما يبحث أيَّ مسألة يعتمد على الكتاب والسنة ويحشد نصوصهما، ثم يأتي بأقوال الصحابة، لأنهم «الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد الرسول، والفرق بينهم وبين مَن بعدهم في ذلك كالفرق بينهم وبينهم في الفضل» (١/ ١٧٣). ثم يستدلُّ بالقياس الصحيح والمعقول. وقد ذكر هذا الترتيب في موضع من كتابه فقال: «النوع الرابع من الرأي المحمود: أن يكون بعد طلب علم الواقعة من القرآن، فإن لم يجدها في القرآن ففي السنة، فإن لم يجدها في السنة فبما قضى به الخلفاء الراشدون أو اثنان منهم أو واحد، فإن لم يجده فبما قاله واحدٌ من الصحابة ﵃، فإن لم يجده اجتهدَ رأيه ونظر في أقرب ذلك من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأقضية أصحابه. فهذا هو الرأي

стр. 43

الذي سوَّغه الصحابة واستعملوه، وأقرَّ بعضهم بعضًا عليه» (١/ ١٨٤). وقد أرشد المفتي إلى أن يذكر الدليل في فتياه فقال: «ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه ما أمكنه من ذلك، ولا يلقيه إلى المستفتي ساذجًا مجردًا عن دليله ومأخذه، فهذا لضيق عَطَنه وقلة بضاعته في العلم» (٥/ ١١). وردَّ على من عاب الاستدلال في الفتوى فقال: «عاب بعض الناس ذكر الاستدلال في الفتوى، وهذا العيب أولى بالعيب، بل جمال الفتوى وروحها هو الدليل، فكيف يكون ذكر كلام الله ورسوله وإجماع المسلمين وأقوال الصحابة رضوان الله عليهم والقياس الصحيح عيبًا؟ وهل ذِكر قول الله ورسوله إلّا طراز الفتوى» (٥/ ١٧٨). وقد أكثر من ذكر الأدلة ووجوه الاستدلال بها في بعض المسائل الأصولية والفقهية فأطال في بيان حجية القياس والرد على نفاة القياس بوجوه كثيرة، واستدلَّ على تحريم التقليد بواحد وثمانين دليلًا، واستدلَّ على قاعدة سدّ الذرائع بتسعة وتسعين دليلًا، واستدل على حجية قول الصحابي بثلاثة وأربعين دليلًا. وهكذا توسَّع في ذكر الأدلة والوجوه في بعض المسائل الفقهية «فكان إذا فتح بابًا من أبوابها يستوعب الكلام فيه، ويطيل ذيوله، ويوسِّع فيه المقال، ويكثر فيه من الشواهد والأمثال، ويتكلم في مآخذه ويقول، ويصول في مداركه ويجول، ولا يترك شاردة ولا واردةً إلا ذكرها. وذلك بذكر مذاهب الأئمة، وبسط الأدلة، ومأخذ الخلاف، ومناقشة الآراء، ومأخذ الأقوال وما لكل قول وما عليه، وما هو الصواب من ذلك الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة وآثار سلف الأمة، مما يدلُّ على سعة علمه ومعرفته بالخلاف، وإحاطته

стр. 44

بمآخذ المذاهب ومداركها، وقواعدها وأصولها جمعًا وفرقًا» (١). ومن المسائل الفقهية التي أفاض فيها: طواف الحائض بالبيت، واليمين بالطلاق والشك فيه، والاستثناء في الطلاق، وحكم الطلاق الثلاث، ومسألة التحليل، والحيل وأنواعها. ونلاحظ أنه عند مناقشته لهذه المسائل وغيرها من القضايا التي تحتمل عدة وجوه، لا يرتجل فيها القول ولا يطلق فيها الحكم، ولا يقف عند ظواهرها، بل يغوص في مداركها بنظره الثاقب، فيستخرج جميع الوجوه والاحتمالات، ثم يعطي لكل احتمال حكمه الشرعي. وقد حذَّر المفتي من إطلاق الجواب دون تفصيل، فقال: «ليس للمفتي أن يطلق الجواب في مسألة فيها تفصيل إلّا إذا علم أن السائل إنما سأل عن أحد تلك الأنواع، بل إذا كانت المسألة تحتاج إلى التفصيل استفصله». ثم ذكر شواهد على ذلك من السنة النبوية (٥/ ٥٧). ومما نلاحظه في الكتاب أن المؤلف التزم بالعدل والإنصاف مع خصومه، ولم يكن يتحيّز إلى طائفة أو مذهب معين، وإنما يدور مع الدليل حيثما دار، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها ما قاله في مبحث القياس بعد أن ذكر أدلة الفريقين المثبتين والنافين: «الآن حمي الوطيس، وحميت أنوف أنصار الله ورسوله لنصر دينه وما بعث به رسوله، وآن لحزب الله أن لا تأخذهم في الله لومة لائم، وأن لا يتحيزوا إلى فئة معينة، وأن ينصروا الله ورسوله بكل قولٍ حق قاله من قاله، ولا يكونوا من الذين يقبلون ما قاله طائفتهم وفريقهم كائنًا من كان، ويردُّون ما قاله منازعوهم وغير طائفتهم كائنًا من كان. فهذه طريقة أهل العصبية وحمية الجاهلية، ولعمر الله إن صاحب هذه الطريقة لمضمون له الذم _________ (١) «القواعد الفقهية» لعبد المجيد الجزائري (ص ٩٥).

стр. 45

إن أخطأ، وغير ممدوح إن أصاب. وهذا حال لا يرضى بها من نصح نفسه وهُدِي لرشده، والله الموفق» (٢/ ٣٤٥). وإذا ذكر مسألة مختلفًا فيها وقف موقف الحكم بين الخصوم، يذكر مآخذ الأقوال وحجج أصحابها وما لهم وما عليهم من المنقول والمعقول، ثم يُتبعها بالمناقشة العلمية الدقيقة، إلى أن يخلص إلى القول الراجح الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة وعمل الصحابة والقياس الصحيح. وقد أرشد المفتي إلى الاختيار والترجيح بين الأقوال وعدم التعصب لرأي إمام، فقال: «لا يجوز للمفتي أن يعمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح ولا يعتد به، بل يكتفي في العمل بمجرد كون ذلك قولًا قاله إمام أو وجهًا ذهب إليه جماعة، فيعمل بما يشاء من الوجوه والأقوال» (٥/ ٩٥). ومن عادة المؤلف أن يميل إلى أوسط المذاهب ويختار أعدل الأقوال، ويؤيد ذلك بنصوص الكتاب والسنة وآثار السلف، ومن أمثلة ذلك موقفه من القياس وردُّه على من قال: إن النصوص لا تحيط بأحكام الحوادث ولا بعُشر معشارها، فالحاجة إلى القياس فوق الحاجة إلى النصوص، وردُّه على الظاهرية المنكرين للقياس والقائلين بأنه باطل محرَّم في الدين، وترجيحه لما عليه سلف الأمة وأئمتها والفقهاء المعتبرون من شمول النصوص للأحكام مع إثبات الحكمة والتعليل (٢/ ١٤٧ وما بعدها). وقد اتبع في ذلك شيخه شيخ الإسلام. ومن أمثلة ذلك كلامه في حكم العمل بالسياسة (٥/ ٤٠٥) ومسألة شفعة الجوار حيث رجح فيها أوسط المذاهب وأجمعها للأدلة وأقربها إلى العدل (٢/ ٤٦٨). وكان يمهّد للمسألة بذكر قاعدة أو أكثر ينبغي مراعاتها عند الكلام

стр. 46

عليها، ففي مبحث العبرة بالمقاصد والنيات مهَّد له ببيان أن الله تعالى رتَّب الأحكام على الإرادات والمقاصد بواسطة الألفاظ الدالة عليها، ولم يرتِّب تلك الأحكام على مجرّد ما في النفوس من غير دلالة فعل أو قول، ولا على مجرد ألفاظ لم يقصد المتكلم معانيها، بل تجاوز للأمة عن ذلك كله، وتجاوز لها عما تكلَّمت به مخطئة أو ناسية أو مكرهة أو غير عالمة، لأن هذه الأمور لا تدخل تحت الاختيار، فلو رتَّب عليها الأحكام لكان في ذلك أعظم حرج ومشقة (٣/ ٥٩٢ وما بعدها). وعند مناقشة نفاة القياس ذكر قاعدتين، أولاهما: أن النصوص الشرعية محيطة بجميع أفعال المكلفين (٢/ ١٤٥)، والثانية: أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس، وأطال في ذلك (٢/ ٢٣٣). وهناك أمثلة أخرى كثيرة مبثوثة في الكتاب مهَّد فيها بذكر قواعد للمسائل توطئةً لها، وأرشد المفتي أيضًا إلى ذلك فقال: «إذا كان الحكم مستغربًا جدًّا مما لم تألفه النفوس، وإنما ألِفَتْ خلافه، فينبغي للمفتي أن يوطّئ قبله ما يكون مؤذنًا به كالدليل عليه والمقدمة بين يديه» (٥/ ١٤). وقد أولى المؤلف اهتمامًا كبيرًا بمقاصد الشريعة وإبراز محاسنها واشتمالها على الحكمة والعدل والمصلحة، وأنها ألصق بالعقول السليمة والفطر المستقيمة، مما يدلُّ على كمالها وبقائها. ومما قاله بهذا الصدد: «الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدّها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليس من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل» (٣/ ٤٢٩).

стр. 47

ولما كان المقصود عند المؤلف الدعوة إلى التمسك بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، والتحرر من قيود التقليد الأعمى، نراه إذا بحث مسألة يدعم رأيه بالإكثار من الاستشهاد بأقوال الصحابة والتابعين، والإفاضة في النقل عن الأئمة المجتهدين، ليبرز منهجهم في المسألة. والكتاب مليء بالنقل عنهم في مسائل كثيرة، منها أقوالهم في ذمّ الرأي والقياس، وكراهيتهم التسرُّع في الفتيا، وتحريمهم الإفتاء في دين الله بغير علم، وكلامهم في أدوات الفتيا وشروطها ومن ينبغي له أن يفتي، وغير ذلك من الموضوعات التي استشهد فيها بآثار السلف وأورد فيها أقوال الأئمة، ودعا إلى احترامهم وتقديرهم ومعرفة حقوقهم ومراتبهم وعدم تنقُّصهم والوقيعة فيهم. ومما قاله بهذا الصدد: «ولابدّ من أمرين أحدهما أعظم من الآخر، وهو النصيحة لله ورسوله وكتابه ودينه، وتنزيهه عن الأقوال الباطلة المناقضة لما بعث الله به رسوله من الهدى والبينات، التي هي خلاف الحكمة والمصلحة والرحمة والعدل، وبيان نفيها عن الدين وإخراجها منه، وإن أدخلها فيه من أدخلها بنوعِ تأويل. والثاني: معرفة فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم، وأن فضلهم وعلمهم ونصحهم لله ورسوله لا يوجب قبول كلّ ما قالوه. وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم ما جاء به الرسول، فقالوا بمبلغ علمهم، والحق في خلافها= لا يوجب اطّراح أقوالهم جملةً وتنقُّصهم والوقيعة فيهم، فهذان طرفان جائران عن القصد، وقصد السبيل بينهما، فلا يؤثم ولا يعصم» (٤/ ٢٢٣، ٢٢٤). وبرَّأ الأئمة عامةً ــ والشافعيَّ خاصةً ــ مما نُسِب إليهم من القول بالحيل، فقال: «والمتأخرون أحدثوا حيلًا لم يصحّ القول بها عن أحد من الأئمة، ونسبوها إلى الأئمة وهم مخطئون في نسبتها إليهم، ولهم مع الأئمة

стр. 48

موقف بين يدي الله. ومن عرف سيرة الشافعي وفضله ومكانه من الإسلام علم أنه لم يكن معروفًا بفعل الحيل ولا بالدلالة عليها، ولا كان يشير على مسلم بها، وأكثر الحيل التي ذكرها المتأخرون المنتسبون إلى مذهبه من تصرُّفاتهم، تلقَّوها عن المشرقيين، وأدخلوها في مذهبه» (٤/ ٢٢١). كما برَّأ الأئمة من الدعوة إلى تقليدهم، فقال: «وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة، لم يقل بها أحدٌ من أئمة الإسلام، وهم أعلى رتبةً وأجلُّ قدرًا وأعلم بالله ورسوله من أن يُلزِموا الناس بذلك» (٥/ ١٨٢). وردَّ على المقلِّدة الذين جعلوا أقوال أئمتهم عيارًا على الكتاب والسنة، وعلى الذين يتلاعبون بأحكام الشريعة من أصحاب الحيل، فيُحلّون الحرام ويحرِّمون الحلال. وقد قال في موضع: «وليس كلامنا في هذا الكتاب مع المقلد المتعصب المقرّ على نفسه بما شهد عليه به جميع أهل العلم أنه ليس من جملتهم، فذاك وما اختار لنفسه» (٤/ ٣١١). والأمثلة على ذلك كثيرة. أما أسلوبه في الكتاب فهو أسلوب علمي هادئ لا زخرفة فيه ولا تعقيد، تميَّز بوضوح العبارة وعذوبة الألفاظ، وقد شهد له بذلك الشوكاني حيث قال في «البدر الطالع» (١/ ١٤٤): «وكل تصانيفه مرغوب فيها بين الطوائف، وله من حسن التصرف في الكلام مع العذوبة الزائدة وحسن السياق ما لا يقدر عليه غالب المصنفين، بحيث تعشق الأفهام كلامه وتميل إليه الأذهان وتحبّه القلوب». وفي أثناء الكتاب روائع من أسلوبه البياني المؤثّر الذي يصوِّر به واقع مجتمعه، يقول في موضع: «وأما في هذه الأزمان التي قد شكت الفروج فيها إلى ربّها من مفسدة التحليل، وقبح ما يرتكبه المحلّلون مما هو رمدٌ بل

стр. 49

عمًى في عين الدين، وشجًى في حلوق المؤمنين: من قبائح تُشمت أعداءَ الدين به، وتمنع كثيرًا ممن يريد الدخول فيه بسببه، بحيث لا يحيط بتفاصيلها خطاب، ولا يحصرها كتاب، يراها المؤمنون كلهم من أقبح القبائح، ويعدُّونها من أعظم الفضائح، قد قلبت من الدين رسمه، وغيَّرت منه اسمه، وضمَّخ التيس المستعار فيها المطلَّقة بنجاسة التحليل، وقد زعم أنه قد طيبها للحليل ... » (٤/ ٤٩١ - ٤٩٢). ويقول عن فتنة التقليد الأعمى: «تالله إنها فتنة عمَّت فأعمت، ورَمَت القلوب فأصمت، ربا عليها الصغير، وهرِم فيها الكبير، واتخذ لأجلها القرآن مهجورًا، وكان ذلك بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطورًا. ولما عمت بها البلية، وعظمت بسببها الرزية، بحيث لا يعرف أكثر الناس سواها، ولا يعدُّون العلم إلا إياها، فطالبُ الحق من مظانّه لديهم مفتون، ومُؤثِره على ما سِواه عندهم مغبون. نصبوا لمن خالفهم في طريقتهم الحبائل، وبَغَوا له الغوائل، ورَمَوه عن قوس الجهل والبغي والعناد، وقالوا لإخوانهم: إنا نخاف أن يبدّل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد» (١/ ١٢). وكثيرًا ما يستخدم أسلوب الحوار في المناقشة، ويعقد مجلس مناظرة بين فريقين كل منهما يدلي بحجته ويناظر خصمه، ومن أمثلة ذلك «فصل في عقد مجلس مناظرة بين مقلِّد وبين صاحب حجة منقادٍ للحق حيث كان» ثم أطال في ذكرها (٣/ ٤٠)، وفي الكتاب أمثلة أخرى لهذا الأسلوب. وقد يستشهد بالشعر المناسب للموضوع الذي يتحدث فيه، لزيادة التأثير في القراء وترسيخ المعنى في قلوبهم. وقد يكرِّر بعض المسائل في عدة مواضع لتأكيد الفكرة وتقريرها، ولا تخلو من زيادة فائدة وإضافات

стр. 50

مهمة. ومن أمثلة ذلك مسألة تحريم القول على الله بغير علم، بحثها في (١/ ٨٠ وما بعدها) ثم أعاد ذكرها في (٣/ ٣) بزيادات وإضافات. ثم كرَّرها مرة أخرى (٥/ ٣٤، ٣٥)، وذلك لبيان خطورة القول على الله بلا علم. ومنها: تحريم الإفتاء في دين الله بالرأي المذموم المتضمن لمخالفة النصوص، والرأي الذي لم تشهد له النصوص بالقبول، وساق الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة (١/ ٩٨)، ثم كرَّرها (٣/ ١٧١) وأتى بأدلة لم يأتِ بها في الموضع السابق. ومنها مسألة التقليد، بحثها في مواضع متفرقة (١/ ٩٥، ٣/ ١٢ - ١٧٠، ٥/ ٦٨). ومن أبرز خصائص أسلوبه: الاستطراد، فكان إذا بحث مسألة استرسل في الكلام حتى يخرج عن موضوعه الأصلي إلى موضوع آخر قد يكون أنفع للناس من المسألة المبحوث عنها، وقد يكون هذا الاستطراد طويلًا حتى يكون مبحثًا قائمًا برأسه. وقد سبق في بناء الكتاب وترتيب مباحثه ذكر نماذج من مثل هذا الاستطراد، فلا نعيدها هنا. ولا يقتصر المؤلف على الفقه الظاهر المجرد، بل يمزجه بالجانب الروحي، ويذكر أعمال القلوب وأحوالها كمحبة الله وخشيته، ورجاء رحمته ودعائه، والإنابة والاستغفار، والافتقار إليه والانكسار له، وإخلاص الدين له، ويقول: «لو طهُرت منّا القلوب، وصَفَت الأذهان، وزكت النفوس، وخلصت الأعمال، وتجرَّدت الهمم للتلقّي عن الله ورسوله= لشاهدنا من معاني كلام الله وأسراره وحِكَمه ما تضمحل عنده العلوم، وتتلاشى عنده معارف الخلق» (١/ ٣٥١). ويُرشِد المفتي إذا استشكلت عليه المسألة إلى اللجوء إلى الله بالافتقار إليه، وحسن النية، وخلوص القصد، وصدق التوجه

стр. 51

في الاستمداد منه. فيقول: «ينبغي للمفتي الموفَّق إذا نزلت به المسألة أن ينبعث من قلبه الافتقار الحالي لا العلم المجرَّد إلى مُلهِم الصواب، ومعلِّم الخير، وهادي القلوب أن يلهمه الصواب، ويفتح له طريق السَّداد، ويدلّه على حكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة، فمتى قرع هذا الباب فقد قرع باب التوفيق» (٥/ ٣٢). وفي مواضع من الكتاب ذكَّر الناس بمقامهم بين يدي ربّ العالمين، ليكون أردع للنفوس المريضة، وأزجر للقلوب الضعيفة، وأدعى إلى قبول الحق. فقال: «ليحذر المفتي الذي يخاف مقامه بين يدي الله سبحانه أن يفتي السائل بمذهبه الذي يقلّده، وهو يعلم أن مذهب غيره في تلك المسألة أرجح من مذهبه وأصحّ دليلًا» (٥/ ٤١). وقال في موضع آخر: «فكيف يحلُّ لمن يؤمن بأنه موقوف بين يدي الله ومسؤول أن يكفِّر أو يُجهِّل من يفتي بهذه المسألة ويسعى في قتله وحبسه ... » (٣/ ٥٢٨). وقال: «فحقيق بمن اتقى الله وخاف نكاله أن يحذر استحلال محارم الله بأنواع الحيل والاحتيال، وأن يعلم أنه لا يخلِّصه من الله ما أظهره مكرًا وخديعةً من الأقوال والأفعال، وأن لله يومًا تكعُّ فيه الرجال، وتنسف فيه الجبال، وتترادف فيه الأهوال، وتشهد فيه الجوارح والأوصال، وتبلى فيه السرائر، وتظهر فيه الضمائر ... » (٤/ ٥٠). ومثل هذا كثير في الكتاب يذكُر المسألة ويستعمل في أثنائها أسلوب الترهيب والتخويف، فيكون أدعى إلى قبول الحق. هذه ملامح من منهجه وأسلوبه في هذا الكتاب، أشرنا إليها باختصار، وتفصيل القول فيها يحتاج إلى دراسة مستقلة. * * * *

стр. 52

أهمية الكتاب وقيمته العلمية «أعلام الموقعين» من أهم الكتب التي ألِّفت في أصول الفقه وقواعده، وحكمة التشريع ومقاصده، والإفتاء وضوابطه، والقياس وأنواعه، والتقليد ومفاسده، والحيل ومضارّها، حتى قال السيد رشيد رضا: «لم يؤلِّف مثله أحد من المسلمين في حكمة التشريع ومسائل الاجتهاد والتقليد والفتوى وما يتعلق بذلك، كبيان الرأي الصحيح والفاسد، والقياس الصحيح والفاسد، ومسائل الحيل، وغير ذلك من الفوائد التي لا يستغني عن معرفتها عالم من علماء الإسلام» (١). وقد سبق استعراض المباحث الأساسية للكتاب وبيان ترتيبها وكيفية الانتقال من مبحث إلى آخر، وعرفنا بذلك أنه وإن لم يكن خاصًّا بأصول الفقه إلَّا أن معظم مباحثه تتعلق بالأصول، ولذا يُصنَّف الكتاب عادةً في المكتبة الإسلامية ضمن كتب الأصول، ولكنَّه ليس مرتّبًا مثل ترتيبها، ولا بحث المؤلف المسائل الأصولية على طريقة الأصوليين في كتبهم، بل تناولها بطريقة جديدة تتميز بكثرة الأمثلة الفقهية على هذه المسائل، وذِكر الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين فيها، والإسهاب في المناقشة، وترجيح ما هو الحق والصواب بأدلة كثيرة مقنعة، وكل ذلك بأسلوب سهل مبسط وبيان مشرق جذّاب دون تعقيد أو غموض. ويمكن أن يرجع القارئ إلى كلامه في القياس، والاستصحاب، وعمل أهل المدينة، والتقليد، وسدّ الذرائع، والاحتجاج بقول الصحابي، وشمول النصوص للأحكام، وأنه ليس في الشريعة ما يخالف القياس، وحجية السنة ومنزلتها من الكتاب، _________ (١) مجلة «المنار» المجلد ١٢ (١٩٠٩) ص ٧٨٦.

стр. 53

والزيادة على النص، وأقسام الألفاظ بالنسبة إلى مقاصد المتكلمين ونياتهم، وتعليل الأحكام بالحكم والمصالح، ... وغيرها، ثم يقارن بينه وبين ما في عامة كتب الأصول، ليدرك الفرق بينهما. وليس هنا مجال لتفصيل القول في ذلك، فإنه يحتاج إلى ذكر الأمثلة والشواهد والنصوص من هذا الكتاب وغيره من كتب الأصول. ثم إنه أوسع كتاب يتحدث عن الفتوى والمفتين، ففيه ذِكر مكانة الفتوى وطبقات المفتين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والكلام على أدوات الفتوى وشروطها، وبيان تحريم الفتوى بما يخالف النص وبالرأي المجرد، وأصول فتاوى الإمام أحمد، والكلام على درجات المفتين، وتفصيل القول في قاعدة تغيُّر الفتوى بتغيُّر الزمان والمكان والأحوال والنيات بذكر أمثلة كثيرة توضّح هذه القاعدة وتقطع الطريق على من يتلاعب بالشريعة ويغيِّر أحكامها مستندًا إلى هذه القاعدة. وفي آخر الكتاب ذكر المؤلف توجيهات ونصائح عديدة للمفتي، ومسائل وأحكامًا كثيرة تتعلق بالفتوى، وختمه بفتاوى النبي ﷺ في مسائل الإيمان والعبادات، وشؤون الأسرة، والأطعمة والأشربة، والطب والرؤيا، والفال والطيرة، والأموال والبيوع والعتق، والحدود والجنايات والديات، وبيان الذنوب والتوبة منها، وفضائل الأعمال، وفضائل القرآن، ومناقب الصحابة، وفي التفسير والعلم، وفتاوى أخرى متفرقة. وبهذه المباحث والفصول أصبح الكتاب فريدًا في بابه، متميزًا بين الكتب التي ألِّفت في آداب الفتيا، والتي تقتصر عادةً على بيان بعض الأحكام المتعلقة بها باختصار. وكان الكتاب عمدة لكل من جاء بعده

стр. 54

وكتب في هذا الموضوع، وخاصة في العصر الحديث الذي كثرت فيه المؤلفات والدراسات في هذا الباب. وهناك أمر آخر يتميز به الكتاب، وهو أن المؤلف بحث فيه كثيرًا من المسائل الفقهية الشائكة من أبواب مختلفة، وخاصة في المعاملات، تدل على نظر ثاقب وفكر صائب اجتهد فيها واعتمد على روح الشريعة الإسلامية وعلى حكمتها العادلة، فقال في بعض المسائل أقوالًا لم يقل بها إلّا هو وشيخه، وتوسّع في مسائل أخرى توسُّعًا يدلُّ على مرونة الشريعة وعلى مناسبتها للتطور والمدنية، فوصل بالنتيجة إلى تحليلات ونظريات شبيهة بالنظريات القانونية العصرية. ولا مجال هنا لإيضاح نظرياته وآرائه الفقهية، ونواحي التجديد فيها، والنهج العلمي الذي اتبعه، فهذا يحتاج إلى دراسة مستقلة. ومن أهم هذه المسائل (١): اعتماد القصد في التصرفات، وحرية التعاقد، ومنع الحيل في الأحكام، وإحياء أعمال الفضولي المحسن، والمحافظة على حقوق الغرماء، والتوسع في أصول البينات، وغيرها من المبادئ التي اعتبر المقاصد فيها أساسًا للحكم في تصرفات الناس ومعاملاتهم. ومن أهم مباحث الكتاب مبحث التقليد، وهو مبحث قائم برأسه، ولعله كان كتابًا مفردًا كما أشار إليه في بعض مؤلفاته، ثم أدرجه في هذا الكتاب. وقد سبق إلى الكلام في هذا الموضوع ابن عبد البر في «جامع بيان العلم _________ (١) عرض الأستاذ صبحي المحمصاني آراء ابن القيم في هذه المسائل في بحث له نشر في مجلة المجمع العلمي العربي مج ٢٣ (١٩٤٨) ٣٦٣ - ٣٨١ بعنوان: «ابن قيم الجوزية ونواحي التجديد في اجتهاده».

стр. 55

وفضله» وابن حزم في «الإحكام» وغيره، إلَّا أن ابن القيم توسَّع فيه وبحث فيه بحثًا مستفيضًا، وأطال في ذكر حجج المقلدين والمانعين من التقليد تحت عنوان «فصل في عقد مجلس مناظرة بين مقلد وبين صاحب حجة»، وبيَّن بطلان التقليد من وجوه كثيرة تزيد على ثمانين وجهًا. وقال في آخره: «وقد أطلنا الكلام في القياس والتقليد، وذكرنا مآخذهما وحجج أصحابهما وما لهم وما عليهم من المنقول والمعقول ما لا يجده الناظر في كتاب من كتب القوم من أولها إلى آخرها، ولا يظفر به في غير هذا الكتاب أبدًا، وذلك بحول الله وقوته ومعونته وفَتْحه، فلله الحمد والمنّة» (٣/ ١٦٩، ١٧٠). ويظهر أهمية هذا المبحث بكونه عمدة لكل من كتب فيه ممن جاء بعده، مثل: صالح الفلاني في «إيقاظ همم أولي الأبصار»، والشوكاني في «القول المفيد»، والنواب صديق حسن خان في «الدين الخالص» وغيره، والسيد رشيد رضا في «محاورات المصلح والمقلد»، و «تفسير المنار»، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي في «أضواء البيان»، وغيرهم ممن ألَّف في هذا الموضوع في الهند والبلاد العربية. ومن جهة ثانية كان هناك اهتمام بالردّ عليه من بعض العلماء، مثل الشيخ حبيب أحمد الكيرانوي في كتابه «الدين القيم» الذي دافع فيه عن وجوب التقليد، وناقش ابن القيم فيما دعا إليه من وجوب اتباع الكتاب والسنة وترك التعصب المذهبي والجمود الفقهي!! وهناك جانب آخر من جوانب أهمية الكتاب، وهو أنه احتوى على مجموعة من القواعد الفقهية والضوابط الفرعية، قام المؤلف بتحريرها وتخريجها من أبواب مختلفة، وأسهم في تأصيل كثير منها. وقد قام أحد

стр. 56

الباحثين ــ وهو الأستاذ عبد المجيد جمعة الجزائري ــ بجمعها ودراستها في كتاب مستقلّ بعنوان «القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب اعلام الموقعين»، وهو مطبوع معروف. وأخيرًا فإن المؤلف اعتمد في الكتاب على مصادر قديمة ومراجع نادرة لم تصل إلينا، واقتبس منها نصوصًا كثيرة تفيد الباحثين عن تلك الكتب ومؤلفيها، وقد عقَّب عليها أحيانًا بما يزيد الموضوع جلاءً وبيانًا، ويوضّح رأي المؤلف فيه. وسيأتي ذكر هذه المصادر عندما نتحدث عن موارد الكتاب. * * * *

стр. 57

موارد الكتاب البحث عن موارد المؤلف في كتابه جزء مهم من عمل المحقق، لا لأن الثقة بالمؤلف غير قائمة، بل لأن الوصول إلى موارده يعين على تصحيح النصوص المنقولة منها، لا سيما في غياب الأصول الموثقة من الكتاب؛ وقد يتيسر بذلك تصحيح بعض الأوهام التي تقع في النقل، وقد يتبين أن الوهم ليس من المؤلف، وإنما هو تابع فيه لمصدره. ولهذا البحث فوائد أخرى في تاريخ العلوم وتراجم العلماء وغير ذلك. ليس من السهل أن نهتدي إلى جميع الكتب التي استفاد منها ابن القيم أو نقل منها في هذا الكتاب أو غيره، لأنه لا يسمّيها دائما. وقد يذكر عنوان الكتاب دون اسم المؤلف ويكون عنوانا مشتركا. وقد يسمي المؤلف، ولكن كتبه لم تصل إلينا، فلا سبيل إلى معرفة كتابه الذي نقل منه. وقد لا يذكر عنوان الكتاب، فيقول: «في بعض التواريخ القديمة» (١/ ١٩٣). وإذا ذكر عنوان الكتاب لم يلزم أن تكون استفادته منه مباشرة من غير واسطة. ثم إذا لم يكن الكتاب المذكور بين يديك لكونه مفقودًا أو غير مطبوع فقد يصعب القطع بحجم الاستفادة والنقل، لأن الإشارة كثيرًا ما تأتي في وسط النص المنقول، فلاتدري أين مبدؤه وأين منتهاه؟ هذه الطرائق في النقل والإحالة ليست غريبة، بل هي مألوفة في مصنفات كثير من علمائنا، ولكنها تجعل الوقوف على مصادرهم وتحديدها مهمة شاقّة ومحفوفة بالشك والتخمين. فالكتاب الذي يعدّ من موارد ابن القيم قد لا يكون منها، وإنما نقل منه بواسطة؛ ومن المؤكد كذلك جهلُنا بكثير من موارده، لأنه لم يشر إليها، ولم نتمكن من معرفتها.

стр. 58

وليس القصد هنا سرد عامة أسماء الكتب أو المؤلفين الواردة في الكتاب، وخاصةً كتب السنة المعروفة، فإن موضعها في الفهارس اللفظية. وإنما نحاول هنا أن ندل على أهم الموارد التي تبيَّن أن المؤلف اعتمد عليها في الأبواب المختلفة من كتابه، سواء صرّح بها أم لم يصرّح. * تشتمل مقدمة الكتاب على عدة فصول. - ومنها فصل سرد فيه أسماء الصحابة الذين حفظت عنهم الفتوى، فذكر المكثرين فالمتوسطين فالمقلين (١/ ١٨ - ٢٥). وقد نقلها من كتاب «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم. - وعقّب هذا الفصل بأربعة فصول في مراتب الصحابة في العلم، وكونهم سادات المفتين والعلماء (١/ ٢٥ - ٤٩). ويظهر لنا أن الآثار الواردة فيها منقولة من كتاب «مراتب العلماء» للطبري. لم يشر المؤلف إلى هذا الكتاب ولكنه نقل في (١/ ٤٣) قول ابن جرير في منزلة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الفقه. وقد استظهرنا من وصف ياقوت للكتاب المذكور أنه هو مصدر ابن القيم في هذه الفصول. - ثم عقد فصولًا لذكر المفتين من التابعين ومن بعدهم في أمصار الإسلام (١/ ٤٧ - ٥٧). وهي منقولة بالاختصار (إلى فصل المفتين باليمن) من «الإحكام» لابن حزم، غير أن ابن حزم بدأ بمكة فقدّم المؤلف عليها المدينة. - في فصل كراهية الصحابة والتابعين للتسرع في الفتوى (١/ ٧٠ - ٨٠) نقل أحاديث وآثارًا في تشديد أمر القضاء من «السنن الكبرى» للبيهقي. ومن مصادره «جامع بيان العلم» لابن عبد البر، وقد سماه «جامع فضل العلم»

стр. 59

(١/ ٧٤). وهو من مصادر الفصل التالي (١/ ٨٠ - ٩٢) أيضًا. وقد نبَّه فيه على أن لفظ الكراهة في كلام المتقدمين كثيرًا ما يعني التحريم، وسرد أقوال الإمام أحمد، فنقل قولا له عن «مختصر الخرقي»، والأخرى من «مسائل أحمد» برواية عبد الله وغيره منبهًا علىها ودون تنبيه. ومصدر أقوال أبي حنيفة وصاحبيه: «الجامع الصغير» للشيباني، وقد سماه (١/ ٨٧)، ولعل بعض النقول من «الهداية» للمرغيناني، ولم يشر إليه المؤلف، ولكن ما نقله ورد في «الهداية» بالنص. * في فصل كلام الأئمة في أدوات الفتيا وشروطها (١/ ٩٣ - ٩٨) اعتمد على كتاب «العدّة» للقاضي أبي يعلى، وقد ذكر القاضي (١/ ٩٥)؛ و «الفقيه والمتفقه» للخطيب، وسماه في (١/ ٩٧). * فصل تحريم الإفتاء في دين الله بالرأي المتضمن لمخالفة النصوص (١/ ٩٨ - ١٥٥) من أهم مصادره فيه: «جامع بيان العلم»، وقد ذكر أبا عمر (١/ ١٠٩، ١٣٤، ١٣٦، ١٤٤، ١٤٧، ١٥٠). وقد وهم في النقل منه في موضع وهمًا عجيبًا، إذ جاء في «الجامع» برقم (٢٠٠٧): «حدثنا أحمد بن عبد الله، نا الحسن بن إسماعيل، نا عبد الملك بن أبجر، نا محمد بن إسماعيل، نا سنيد، نا يحيى بن زكريا، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق عن عبد الله قال: ... »، فأراد ابن القيم أن يختصر السند حسب طريقته، وهي أنه يبدأ الإسناد بذكرعلَمٍ مرموق وغالبًا ما يكون من المصنفين, فتوهم أن محمد بن إسماعيل الراوي عن سنيد هو الإمام البخاري، فقال (١/ ١١٧): «قال البخاري: حدثنا سنيد، ثنا يحيى بن زكريا ... » إلخ! وإنما هو محمد بن إسماعيل الصائغ، كما في مواضع أخرى

стр. 60

من «الجامع». وقد تكرر هذا الوهم في الكتاب (١/ ١٢٤، ١٥٨، ١٨٢). ومن مصادر الفصل أيضا: كتاب «القضاء» لأبي عبيد (١/ ١٢٩)، و «الإحكام» لابن حزم. وبعض النصوص منقولة من «الصادع في الرد على من قال بالرأي والقياس والتقليد والاستحسان والتعليل» لابن حزم. - جمع المصنف في فصل (١/ ١٥٥ - ١٧٢) آثار التابعين ومن بعدهم في ذم الرأي. وهي كلها إلى (١/ ١٦٩) منقولة من كتاب «الصادع»، ولم يشر إليه المصنف ولكن ذكر أبامحمد في (١/ ١٦٨). ومن مصادر الفصل: «جامع بيان العلم»، وقد ذكر أبا عمر (١/ ١٦٨، ١٧٠، ١٧١). ثم ذكر أربعة أنواع من الرأي المحمود (١/ ١٧٣ - ١٨٧)، ونقل في (١/ ١٧٣) كلام الشافعي من «رسالته البغدادية» يعني الرسالة القديمة، والظاهر أن مصدر المصنف «مناقب الشافعي» للبيهقي، كما صرّح بذلك في آخر الكتاب. ونقل أيضا من «جامع بيان العلم» لابن عبد البر، و «الفقيه والمتفقه» للخطيب. * شرح كتاب عمر إلى أبي موسى في القضاء (١/ ١٨٧ - ٢٨٢): نقل الكتاب عن أبي عبيد، والظاهر أن المصدر كتاب «القضاء» له. ونقل قصة من قصص بني إسرائيل (١/ ١٩٣)، وذكر أنه رآها في «بعض التواريخ القديمة»، وقد رأيت نحوها في «فتوح مصر والمغرب» لابن عبد الحكم (ص ٢٥٦). ونقل كلام شيخه شيخ الإسلام (١/ ٢٠٤)، ونحوه في «اختيارات» البعلي (ص ٣٦٣). ونقل كلامه دون ذكره (١/ ٢٢٠، ٢٢١) وبعضه بنصه في الاختيارات (ص ٣٣٢). في شرح قول عمر: «والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا ... ظنينا

стр. 61

في ولاء أوقرابة» تكلم المصنف على مسألة شهادة القريب للقريب (١/ ٢٣٣ - ٢٤٨)، ومعظم الأقوال والآثار فيها منقول من «المحلَّى»، وذكر ابنَ حزم في (١/ ٢٤١). ونقل عن «صاحب المغني»، يعني ابن قدامة (١/ ٢٤٨). وأحال لبعض روايات الإمام أحمد (١/ ٢٤٩) على كتاب «التمام» لابن أبي يعلى. ومن مصادر هذا الفصل: «عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة» لابن شاس، وقد نقل منه المصنف دون إشارة إليه. ومنه قوله: «وأما شهادة الأخ لأخيه فالجمهور يجوزونها. وهو الذي في التهذيب من رواية ابن القاسم عن مالك إلا أن يكون في عياله ... شرفا وجاها». كذا نقل، والمقصود بالتهذيب: «تهذيب اختصار المدونة» لأبي سعيد البراذعي. وفي كتاب الجواهر: «وأما شهادة الأخ لأخيه فأجازها في الكتاب من رواية ابن القاسم إلا أن يكون في عياله ... »، والمراد بالكتاب: «المدونة». فلعل المصنف استبدل بالكتاب «التهذيب» لأن تهذيب البراذعي هو الذي كان بين يديه. - في شرح قول عمر: «إلا مجربا عليه شهادة زور» (١/ ٢٤٩ - ٢٦٠) نقل الآثار من «السنن الكبرى» للبيهقي. وكتب البيهقي عمومًا من أهم مصادر الكتاب في نقل الأحاديث والآثار. وحكى في آخر الفصل ثلاثة أخبار عن مجلس محارب بن دثار في القضاء، يبدو من لفظها أن مصدرها «تاريخ دمشق»، ولكن قد تكون مأخوذة من كتاب «القضاء» لأبي عبيد. - في شرح قول عمر: «أومجلودا في حدٍّ» وما بعده (١/ ٢٦٠ - ٢٧٦) ناقش المصنف مسألة شهادة القاذف بعد توبته. وقد نقل فيها من كتاب «القضاء» لأبي عبيد (١/ ٢٦٨)، وقد حكى عن أبي عبيد في (١/ ٢٧٣،

стр. 62

٢٧٤) أيضًا. ويظهر أن بعض الأقوال والآثار مما لم نعرف مصدره منقول من كتاب «القضاء» هذا. ومن مصادر الفصل: «المحلى» لابن حزم. * بحث القياس (١/ ٢٧٧ - ٢/ ٥٢٠): قد فتح قول عمر: « ... ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال» للمصنف بابًا واسعًا للكلام على القياس. فتكلم أولا على الاستدلال وضروب الأقيسة المستعملة فيه، وذكر أمثلتها من القرآن الكريم (١/ ٢٧٨ - ٣٠٩). وكلامه على قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ الآية [٦٩] جلّه منقول من «اقتضاء الصراط المستقيم» لشيخ الإسلام (١/ ١١١ - ١٢١) دون إشارة. ونقل فيه عن الجوهري والزجاج (١/ ٣٠٣). أما «الصحاح» للجوهري فهو من مصادر المصنف، وسينقل منه في (١/ ٤٤٩، ٥/ ٢٠٤) أيضًا. وأما النقل عن الزجاج فلعله بواسطة «زاد المسير» لابن الجوزي. - ثم استطرد إلى تفسير أمثال القرآن (١/ ٣٠٩ - ٣٧٨) فمن مصادره: «تفسير ابن جرير» (١/ ٣٢٧). ومنها: «الكشف والبيان» للثعلبي ولم يشر إليه. ومنه نقل آثارا عديدة في التفسير، وأقوال ابن قتيبة (١/ ٣٣٥) وأبي عبيدة والزجاج (١/ ٣٣٨). ومنها: «الكشاف» للزمخشري (١/ ٣٤١)، نقل منه تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] وانتقده. ثم استفاد منه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] ولم يشر إليه (١/ ٣٦٠). ثم نقل في تفسير قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة:١٧١] قولًا، وذكر أن

стр. 63

صاحب «الكشاف» وغيره استشكل هذا القول، ثم أورد ثلاثة أجوبة عن إشكالهم (١/ ٣٦٤ - ٣٦٥)، والثاني منها بنصه لأبي حيان في «البحرالمحيط»، والظاهر أن الثلاثة مأخوذة منه. ومنه نقل قول سيبويه (١/ ٣٦٦) أيضا، ولكن لم يشر إليه. وقد نقل المصنف في (١/ ٣٧٠) قولًا للحسن البصري بلفظ لم نجده إلا في «الكشاف» ومنه في «البحر المحيط». ومن موارد هذا الفصل: «زاد المسير» لابن الجوزي (١/ ٣٦٣، ٣٦٩، ٣٧٢، ٣٧٣، ٣٧٧، ٤١١) وإن لم يشر إليه، وهو من الكتب التي يعتمد عليها المصنف في نقل أقوال المفسرين. ومنه نقل قول ابن الأنباري ويحيى بن سلام (١/ ٣٧٢، ٣٧٧). بعد تفسير أمثال القرآن استمر تقرير القياس إلى (١/ ٤٥٣). ومن مصادر المصنف في هذه الفصول: «الفقيه والمتفقه» للخطيب، وقد نقل قول الخطيب دون ذكر كتابه (١/ ٤٠٢ - ٤٠٤). وكذلك نقل نصًّا طويلا (١/ ٤٠٩ - ٤١٠) عن أبي عمر، وهو في كتابه «جامع بيان العلم». ونقل منهما آثارًا أخرى أيضًا، وكذلك من «زاد المسير» لابن الجوزي، و «الإحكام» لابن حزم. وقال بعد نقل بعض الآثار (١/ ٤٢٦، ٤٢٧): «ولا يلتفت إلى من يقدح في كل سندٍ من هذه الأسانيد وأثرٍ من هذه الآثار .... » إلخ. وهو يشير إلى صنيع ابن حزم في كتاب «المحلَّى» (٨/ ٣٢١ - ٣٢٢). - فصول في الرد على أصحاب القياس (١/ ٤٥٣ - ٢/ ١٤٤): ثم أخذ المصنف في تفصيل أدلة نفاة القياس والنصوص الدالة على ذمه، والرد على احتجاجات القيّاسين. واستطرد إلى سرد طائفة من الأمثال الواردة في الحديث (١/ ٤٥٨ - ٤٨٥)، ومصدره فيها: «أمثال الحديث» للرامهرمزي،

стр. 64

وقد سمى مؤلفه في موضعين (١/ ٤٦٤، ٤٧٦). وقد وقع في نقل ابن القيم في موضع تحريف تبعًا لنسخة الكتاب التي اعتمد عليها، فجاء في إسناد حديث: «حدثني أبو هريرة» (١/ ٤٧٤). وكذا في جميع النسخ ونسخة الإسكوريال من كتاب الأمثال المقروءة على الحافظ ابن حجر كما ذكر محققه، والصواب: حدثني أبو عبد ربه. - بعد هذا الاستطراد عاد إلى الرد على أصحاب القياس مستدلًّا بالآيات والأحاديث وآثار الصحابة والتابعين، ثم احتج بأن القياس لو كان حجة لما تعارضت الأقيسة، وأن القياس يفضي إلى الفرقة والخلاف، وحجج أخرى (١/ ٤٩٣ - ٢/ ٣٥). من أهم مصادر هذه الفصول: «الإحكام» لابن حزم، و «الفقيه والمتفقه» للخطيب. ومن الآثار التي نقلها منه قول الشعبي: «لأن أتعنى بعنية أحبّ إليَّ من أن أقول في مسألة برأيي»، ثم قال: «قلت: رواه أبو محمد بن قتيبة بالعين المهملة، و «عنية» بوزن «غنية»، ثم فسره ... ». يظهر من عبارته أنه رجع إلى غريب الحديث لابن قتيبة ونقل منه ضبط الكلمة وتفسيرها، وقد يكون ذلك صحيحًا، ولكن التفسير المذكور وارد في كتاب الخطيب نفسه بعد أثر الشعبي. - ثم عقد فصلا طويلا نقل فيه استدلال نفاة القياس على فساده وبطلانه بتناقض أهله فيه واضطرابهم تأصيلا وتفصيلا (٢/ ٣٦ - ١٠٨). أما تناقضهم في التأصيل، فاعتمد في بيانه على كتاب «العدة» للقاضي أبي يعلى. ثم قال: «وأما تناقضهم في التفصيل فنذكر منه طرفًا يسيرًا يدل على ما وراءه ... ». وهو يشبه قول ابن حزم في كتاب «الإحكام»: «فصل في ذكر طرف يسير من تناقض أصحاب القياس في القياس» (٨/ ٤٨ - ٧٦). ولعل

стр. 65

من مصادر هذا الفصل الطويل بعد كتاب الإحكام: كتابًا آخرَ لابن حزم أيضا، وهو «الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس». والكتاب في الرد على الحنفية، وينقصه من أوله خمسة فصول وقسم من الفصل السادس، ويظهر أن جملة من الردود المذكورة هنا مأخوذة منه. ولا ننسى أن ابن القيم يأخذ ردود ابن حزم ويصوغها بأسلوبه صياغة جديدة. وذكر المصنف في (٢/ ٥٤) إجماع الصحابة على أن الحالف بالطلاق لا يلزمه الطلاق إذا حنث، وقال: «وممن حكاه أبو محمد بن حزم». وذلك في «المحلى» (٩/ ٤٧٨ - دار الفكر). ثم ذكر أنه حكاه ابن بَزيزة في كتابه المسمى بـ «مصالح الأفهام في شرح كتاب الأحكام» في باب ترجمتُه: الباب الثالث ... »، ونقل منه ثلاثة نصوص. ثم نقل (٢/ ٥٦) قول عكرمة في يمين الطلاق من «تفسير سنيد بن داود»، وتوحي عبارته أنه رجع إليه. - ثم عقد المصنف خمسة فصول (٢/ ١٠٢ - ١٤٤)، وذكر فيها مسائل تناقض فيها أتباع مذهبين أو أكثر من المذاهب الأربعة، خلافًا للفصل السابق الذي لم يشر فيه إلى مذاهب المردود عليهم. ومنها مسألة شروط الواقفين (٢/ ١٠٨ - ١١٨) والظاهر أن المصنف صادر فيها عن قواعد شيخه في شروط الوقف، وقد ذكرها ابن رشيِّق في فهرسه (ص ٣٠٧ - الجامع في سيرة شيخ الإسلام). ومنها: مسألة القصاص في اللطمة والضربة (٢/ ١١٨ - ١٤٢)، ونقل فيها نحو أربع صفحات (٢/ ١١٩ - ١٢٣) من كتاب «المترجم» لإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وسمى الكتاب ومؤلفه. واعتمد كذلك (٢/ ١٢٥ - ١٣٣) على كلام شيخه في «قاعدة في شمول

стр. 66

النصوص للأحكام» المطبوعة ضمن جامع المسائل (٢/ ٢٦٠ - ٢٦٧) دون إشارة إليه. وقد أورد المصنف في خلال ذلك أقوالًا للإمام أحمد (٢/ ١٢٨) من «مسائل» إسحاق بن منصوروغيره، لا أدري أنقلها بواسطة أم دون واسطة. ونقل في (٢/ ١٣٠) من كتاب «الإرشاد» لابن أبي موسى. - قول المتوسطين بين القيّاسين ونفاة القياس (٢/ ١٤٤ - ١٧٨): كلام المصنف في الفصول (٢/ ١٤٧ - ١٦٥) مأخوذ من قاعدة شيخه (٢/ ٢٧٤ - ٢٩٥) المذكورة آنفا مع بعض الزيادات، ونقل في خلالها آثارًا في (٢/ ١٧١، ١٧٢) من «المحلى». - عقد فصلًا في شمول النصوص وإغنائها عن القياس، ومما ناقش فيه بعد مقدمة في دلالة النصوص: ستّ مسائل في الفرائض (٢/ ١٨٩ - ٢٣٢)، وهي المسائل التي تكلم عليها شيخ الإسلام في قاعدته المذكورة (٢/ ٢٩٦ - ٣٤٨) أيضا، ولكنا نرى أن عمدة المصنف فيها على رسالة الشيخ «شمول النصوص في الفرائض» التي ذكرها ابن رشيق (ص ٣٠٩ - الجامع)، وهي غير «قاعدة شمول النصوص للأحكام» المطبوعة، وقد ذكر ابن رشيق هذه أيضًا قبل أسطر. ومما يؤيد ذلك أن ابن القيم استدل في مسألة ميراث الجد مع الإخوة (٢/ ٢١٧ - ٢٣١) بعشرين وجهًا. وأما شيخ الإسلام فقال في القاعدة المطبوعة (٢/ ٣٠٦): «والصواب بلا ريب قول الصديق لأدلة متعددة ذكرناها في غير هذا الموضع، منها ... »، ثم ذكر أربعة أدلة. والظاهر أن الإشارة إلى رسالته التي ذكرها ابن رشيق، ومنها استقى ابن القيم الوجوه العشرين أو معظمها. - ثم عقد فصلًا آخر في بيان أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف

стр. 67

القياس (٢/ ٢٣٣ - ٣٣٩)، وصرّح بأنه سأل شيخه عما يقع من ذلك في كلام كثير من الفقهاء. ثم قال: «وأنا أذكر ما حصّلته من جوابه بخطّه ولفظه، وما فتح الله سبحانه لي بيمن إرشاده، وبركة تعليمه، وحسن بيانه وتفهيمه». وقد ورد سؤال المصنف وجوابه في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥٠٤ - ٥٨٣) ولكن لم يذكر فيه اسم السائل. - وبعد ما فرغ من نقل جواب شيخه في (٢/ ٣٢٤) ذكر مسائل أخرى من قضايا الصحابة أشكلت على الفقهاء وقرروا أنها بعيدة من القياس نحو قضاء علي في مسألة الزبية، وقضاء عمر بعقل البصير على الأعمى إذ وقعا في بئر، فخرّ البصير الذي كان يقوده، ووقع الأعمى فوقه، فقتله. ومن مصادره في المسألتين: «المغني» لابن قدامة، وقد ذكره (٢/ ٣٢٥ - ٣٣٤). ومنها: قضاء علي في جماعة وقعوا على امرأة في طهر واحد، ثم تنازعوا في الولد؛ وقد انجرّ الكلام عليها إلى مسائل أخرى أيضا. ومن مصادر هذه المسألة: «معالم السنن للخطابي» (٢/ ٣٢٩) و «المغني» لابن قدامة (٢/ ٣٣٤). وقد ذكر فيها اختيار شيخ الإسلام ثلاث مرات (٢/ ٣٣٤، ٣٣٧، ٣٣٨). - ثم عقد فصلًا (٢/ ٣٣٩ - ٥٠٦) للرد على اعتراض مشهور لنفاة الحِكم والتعليل والقياس، وهو أن الشريعة في مسائل كثيرة قد جمعت بين المختلفين أو فرقت بين المتماثلين وسرد طائفة منها. ثم أجاب عنها أولا جوابا مجملا، ونقل أجوبة الأصوليين: ابن الخطيب، وأبي الحسن الآمدي، وأبي بكر الجصاص، والقاضي أبي يعلى، والقاضي عبد الوهاب المالكي (٢/ ٣٤٦ - ٣٥٠). لم أقف على كتاب القاضي عبد الوهاب الذي

стр. 68

نقل المصنف منه. وأما الباقون فأجوبتهم مأخوذة من كتبهم على الترتيب: «المحصول»، و «الإحكام في أصول الإحكام»، و «الفصول في الأصول»، و «العدّة». ثم أفرد كل مسألة من المسائل المذكورة بجواب مفصل. ومن مصادر هذه الفصول: «التحقيق في مسائل الخلاف» لابن الجوزي، نقل منه بعض الأحاديث والآثار وأقوال المحدثين فيها (٢/ ٣٨٤ - ٣٨٦) دون إشارة. ونقل كلامًا لابن عبد البر (٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧) هو في «الاستذكار» له. وقال في موضع (٢/ ٣٦٨): «قال أبو جعفر النحاس في كتابه الناسخ والمنسوخ: هو إجماع من الصحابة». ولفظ النحاس (ص ٢٢٩): «ولم يصح عن أحد من الصحابة خلافه»، فإما أنه نقل بالمعنى أو بواسطة. ونقل في (٢/ ٤٣٨) من «شرح أحكام عبد الحق الإشبيلي» لابن بزيزة. وقد سبق أن نقله بأطول منه في (٢/ ٥٥)، وذكر عنوان الكتاب «مصالح الأحكام في شرح كتاب الأحكام». ونقل في (٢/ ٤٤٩) حديثا من كتاب «الخراج» ليحيى بن آدم، وذكر أن إسناده على شرط مسلم، مع أن الحديث في «صحيح مسلم». وذكر في مبحث الشفعة اختيار شيخ الإسلام، ونصره. - وعقد فصولًا في الإجابة عن قول القائل: وحرّم بيع مُدّ حنطة بمُدٍّ وحفنة، وجوّز بيعه بقفيز شعير (٢/ ٤٧٤ - ٤٩٣)، وقال: «فهذا من محاسن شريعته التي لا يهتدي إليها إلا أولو العقول الوافرة. ونحن نشير إلى حكمة ذلك إشارة بحسب عقولنا الضعيفة وعبارتنا القاصرة، وشرعُ الرب تعالى وحكمته فوق عقولنا وعباراتنا، فنقول: ... ». وهذا الجواب مأخوذ من تفسير شيخ الإسلام لآية الربا، وهو منشور في «جامع الرسائل» (٨/ ٢٧١ - ٣٣٠)

стр. 69

و «تفسير آيات أشكلت» (٢/ ٥٧٤ - ٧٠٣)، وقد نقل المصنف فقرات منه بنصها، دون إشارة إلى الشيخ. وقد نقل في (٢/ ٤٩١ - ٤٩٢) كلاما لأبي عمر، وهو في «الاستذكار» له. - الرجوع إلى شرح باقي كتاب عمر (٢/ ٥٠٦ - ٥٢٠). ذكر في تفسير الغضب والغلق في (٢/ ٥٠٧) أن أبا بكر غلام الخلال ترجم عليه في كتابيه: «الشافي»، و «زاد المسافر»؛ ثم نقل ترجمة الزاد. وقال في (٢/ ٥٠٩):» ... فإن ترك الأمر أعظم من ارتكاب النهي من أكثر من ثلاثين وجها ذكرها شيخنا في بعض تصانيفه». وقد وردت في «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٨٥ - ١٥٨) قاعدة في هذا الموضوع، وتكلم الشيخ عليها من اثنين وعشرين وجها فحسب، والظاهر أن الرسالة ناقصة من آخرها. والجدير بالذكر أن ابن القيم أيضًا استدل عليها باثنين وعشرين وجهًا في كتاب الفوائد (١٧١ - ١٨٥). ونقل في (٢/ ٥١١) من كتاب «التمهيد» لابن عبد البر، وقد سمّى الكتاب والمصنف كليهما. * ذكر تحريم الإفتاء في دين الله بغير علم (٣/ ٣ - ١١): نقل فيه أحاديث وآثارًا من كتاب «المدخل» للبيهقي، ولم يصرِّح باسم المؤلف إلّا في موضع واحد (٣/ ٤). * ذكر تفصيل القول في التقليد (٣/ ١٢ - ٤٢٩): نقل فيه نصوصًا من «جامع بيان العلم» لابن عبد البر (٣/ ١٦ - ٢٠، ٢٤ - ٣٧) ومن «المدخل» للبيهقي (٣/ ٢٠ - ٢٣)، ونصًّا عن أبي زرعة النصري (٣/ ٢٥ - ٢٦) وهو في «تاريخه»، ولعله نقله من «الإحكام» لابن حزم، فإنه رواه من طريقه. - وفي فصلٍ ذكرَ نهي الأئمة عن تقليدهم، وقد نقل فيه عن البيهقي (من

стр. 70

«المدخل») والمزني (من أول «مختصره») وأبي داود (من «مسائله»)، ونقل نصًّا عن جعفر الفريابي (٣/ ٣٩) وهو في «الإحكام» لابن حزم من طريقه. - فصل في عقد مجلس مناظرة بين مقلد وصاحب حجة: عندما بدأ بالرد على المقلدين استفاد من كتاب «الصادع» لابن حزم دون أن يذكره، كما يظهر ذلك بمقابلة الصفحات (٣/ ٥١ - ٦٢) مع «الصادع» (ص ٥٣٧ - ٥٤٩). وجميع الأمثلة التي ذكرها للأخذ بجزء من الحديث ومخالفة الجزء الآخر منه تقليدًا للإمام مأخوذة من كتاب «الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس» لابن حزم، دون أن يشير إلى ذلك. قارن (٣/ ٦٣ - ٨٦) بالإعراب (ص ٣٥٤ - ٥٧٢). واستفاد من كتاب «الإحكام» لابن حزم كثيرًا عندما ردَّ على حجج المقلدين، فمن الوجه الخامس والثلاثين إلى الوجه الحادي والستين مأخوذ من «الإحكام» (٦/ ٦١ - ١٠١) بشيء من التهذيب والتغيير والتقديم والتأخير. ونقل في أثنائها من مصادر أخرى أيضًا، فأقوال الإمام أحمد في الإجماع بروايات مختلفة (٣/ ١٢٠ - ١٢١) لعلها منقولة من «العدة» لأبي يعلى. وقول الإمام الشافعي منقول من كتاب «اختلافه مع مالك» (٣/ ١٢١) كما صرَّح بذلك، وقول أبي حاتم الرازي (٣/ ١٢١) لعله مأخوذ من «الفقيه والمتفقه» للخطيب. ونقل من «الرسالة القديمة» للشافعي (٣/ ١٤١، ١٤٢)، وهي الرسالة البغدادية التي نقل منها في أول الكتاب. ونقل في موضع عن أبي عمر (٣/ ١٤٧) ولعله ابن عبد البر، إلّا أنني لم أجد النصَّ في كتبه المعروفة. وذكر أمثلة من خفاء بعض الأحكام على الخلفاء الراشدين (٣/ ١٥٥ - ١٦٠) ولعله استفاد فيها من «الإحكام» (٦/ ٨٩)

стр. 71

و «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» ضمن «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٢٣٤ - ٢٣٨). * فصل في تحريم الإفتاء والحكم بما يخالف النصوص: نقل في هذا الفصل نصوصًا عن الشافعي، وهي في «الأم» و «الرسالة»، ونصوصًا أخرى عنه (٣/ ١٨١ - ١٨٨) هي في «مناقب الشافعي» للبيهقي، كما نقل من «اختلاف الشافعي مع مالك» (٣/ ١٧٨)، وخطبة كتاب «إبطال الاستحسان» للشافعي (٣/ ١٨٧ - ١٨٩)، ونصًّا طويلًا من كتاب «طاعة الرسول» لأحمد بن حنبل (٣/ ١٨٩ - ١٩٥). وذكر بعض الأقوال والآثار عن العلماء في هذا الموضوع (٣/ ١٧٥ - ١٧٧)، وهي في «المدخل» للبيهقي و «الفقيه والمتفقه» للخطيب، وقد صرَّح باسم «المدخل» في موضع منه (٣/ ١٧٩). بعد التمهيد لهذا الفصل ذكر المؤلف ٧٣ مثالًا لردّ النصوص المحكمة من القرآن والسنة بالمتشابه من القرآن، وهو مسلك يخالف منهج أئمة الحديث والفقه كما ذكر المؤلف. ولما جاء إلى المثال الثامن عشر استطرد إلى بيان أن السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه وأنها لا تعارض القرآن بوجهٍ (٣/ ٢١٦ - ٢١٩)، ومن هنا تطرَّق إلى مسألة الزيادة على النصّ واحتجاج الحنفية لها والجواب عنها باثنين وخمسين وجهًا (٣/ ٢١٩ - ٢٥٣). لم أجد مصدرًا محدّدًا لهذه الأمثلة والوجوه فيما رجعت إليه من المصادر، ولعل المؤلف جمعها بعد طول التتبع والاستقراء، ونقل الأحاديث في كل باب من كتب السنة المعروفة، وفي موضع منه (٣/ ٢٦٤) نقل عن «الغيلانيات»، وقد التبس الأمر هنا على المؤلف، فقد وجد النصَّ عند الدارقطني عن يحيى بن غيلان، فظنَّه مؤلف «الغيلانيات»، وليس هو، بل

стр. 72

صاحبها أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي (ت ٣٥٤)، رواها عنه أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان (ت ٤٠٤) فنُسِبت إليه. وهو غير يحيى بن غيلان شيخ الدارقطني. ومن المؤلفين الذين نقل عنهم في هذا الفصل: البيهقي (٣/ ٢٩٢، ٣١١ - ٣١٦، ٣٧٧، ٣٧٨، ٣٩٦)، وجميع هذه النصوص من كتاب «الخلافيات» له كما يظهر ذلك بمراجعته، وبواسطته نقل قول الحاكم في حديث (٣/ ٣٩٣، ٣٩٤)، فلا يوجد في «المستدرك» وغيره من كتبه الموجودة. ونقل عن الترمذي في كتاب «العلل» كما صرَّح به (٣/ ٢٩٦)، وهو «العلل الكبير» له. كما نقل عن الثوري في «الجامع» (٣/ ٣٣٦)، والطحاوي (٣/ ٣٣٤، ٣٣٥) وهو في «معاني الآثار» له، وابن عدي (٣/ ٣٣٣) ونصُّه في «الكامل»، وابن عبد البر (٣/ ٣٤٦ - ٣٤٨) وهو في «الاستذكار». وفي مبحث عمل أهل المدينة نقل نصًّا طويلًا عن القاضي عبد الوهاب المالكي (٣/ ٣٦٨ - ٣٧٠) وعقَّب عليه. ولم أجده في كتبه المطبوعة. * فصل في تغير الفتوى واختلافها ... (٣/ ٤٢٩ - ٦٣٣): نقل فيه عن شيخه قوله المشهور في إنكار المنكر (٣/ ٤٣٢)، كما نقل عن أبي القاسم الخرقي من «مختصره» (٣/ ٤٣٣)، وعن أبي محمد المقدسي (٣/ ٤٣٣ - ٤٣٥، ٤٣٦) وهو ابن قدامة من كتابه «المغني»، ونقل عن السَّعدي آثارًا بإسناده (٣/ ٤٤١ - ٤٤٣)، وهو الجوزجاني، وكتابه «المترجم» شرح مسائل إسماعيل بن سعيد الشالنجي كما ذكره المؤلف (٣/ ٤٤٣). ونقل عن صاحب «الجواهر» (٣/ ٤٤٦) وهو «عقد الجواهر الثمينة» لابن شاس.

стр. 73

ولما جاء إلى المثال السادس (مسألة طواف الحائض بالبيت) نقل عن شيخه شيخ الإسلام (٣/ ٤٦٣، ٤٦٤ و ٤٦٧، ٤٦٨)، كما نقل عن أبي بكر غلام الخلّال من كتابه «الشافي». وفي المثال السابع (مسألة الطلاق الثلاث) اعتمد على كلام شيخه كثيرًا كما صرَّح به في مواضع (٣/ ٤٧٣ - ٤٧٤، ٤٧٩)، ونقل أيضًا عن «شرح تفريع ابن الجلّاب» للتلمساني (٣/ ٤٧٩). ثم تطرَّق إلى مسألة التحليل، وكان اعتماده فيها أيضًا على كلام شيخه في «بيان الدليل» عندما أورد الأحاديث الواردة في تحريم التحليل، كما رجع في تعليل بعض الأحاديث إلى «العلل» للترمذي و «المترجم» للجوزجاني وكلام الضياء المقدسي (٣/ ٤٩٩)، وهو في «السنن والأحكام» له. وفي المثال الثامن (مسألة الحلف بالطلاق والعتاق) أيضًا كان اعتماده على كلام شيخه في كتبه وفتاواه، كما نقل بعض النصوص من المصادر الأخرى مثل: «شرح أحكام عبد الحق» لابن بزيزة (٣/ ٥١١، ٥٢٢) و «سنن الأثرم» (٣/ ٥١٦) و «المترجم» للجوزجاني (٣/ ٥١٨) إلى جانب كتب الحديث المعروفة. ومن المصادر التي نقل عنها: «تفسير سنيد بن داود» (٣/ ٥٢٥) و «فتاوى القفال» (٣/ ٥٢٦) و «شرح التنبيه» لابن يونس (٣/ ٥٢٨) و «مصنَّف وكيع» (٣/ ٥٢٩). وعندما ذكر مذاهب العلماء فيمن قال: «أنتِ عليَّ حرام» (٣/ ٥٣٢ - ٥٣٨) اعتمد على «المحلَّى» لابن حزم اعتمادًا كبيرًا وتصرَّف في ترتيب المذاهب، كما يظهر ذلك بالمقارنة وعند تحرير مذاهب العلماء في أيمان البيعة نقل عن صاحب «التتمة» (٣/ ٥٤٤) وهو شافعي، وعن ابن بطة (٣/ ٥٤٤) والنصُّ في «المغني»، وعن القاضي

стр. 74

أبي بكر ابن العربي (٣/ ٥٤٦). كما نقل قول المالكية من كتاب «الفروق» للقرافي دون أن يشير إليه (٣/ ٥٤٦ - ٥٤٨)، ونقل عن ابن بَزيزة في «شرح الأحكام» (٣/ ٥٤٩ - ٥٥٠). وفي المثال التاسع (مسألة تأجيل بعض المهر وحكم المؤجّل) اعتمد في نقل مذهب مالك على «عقد الجواهر الثمينة» لابن شاس (٣/ ٥٥٣ - ٥٥٤) دون أن يشير إليه. ونقل رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس من «المعرفة والتاريخ» للفسوي (٣/ ٥٥٦ - ٥٦٤) كما صرَّح بذلك. واعتمد على كلام شيخه في «بيان الدليل» في هذا المبحث كثيرًا (انظر: ٣/ ٥٦٥ - ٥٧٠، ٥٧١ - ٥٧٣، ٥٨٠ - ٥٨٢). ثم تطرَّق إلى بيان أن العبرة في الشريعة بالمقاصد والنيات دون الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها معانيها، ونقل نصًّا طويلًا من كلام الإمام الشافعي (٣/ ٥٨٣ - ٥٩٠) وهو من «إبطال الاستحسان» له. ثم ناقشه بتفصيل (٣/ ٦٢١ - ٦٣٣). وقد اعتمد المؤلف في هذا الموضوع على كلام شيخه في «بيان الدليل» (٣/ ٦٠١ وما بعدها)، ونقل فصلًا كاملًا منه (٣/ ٦١٨ - ٦٢١) دون أن يشير إليه. * وعقد فصلًا لبيان سدّ الذرائع واستدلَّ له بتسعة وتسعين وجهًا (٤/ ٣ - ٤٣)، ثم ذكر أن تجويز الحيل يناقض سدَّ الذرائع، وأطال في بيان تحريم الحيل والعمل بها والإفتاء بها، وكان مصدره في ذلك كتاب «بيان الدليل» لشيخه. وذكر في فصل بعد ذلك (٤/ ٩٠ - ١١٣) حجج أرباب الحيل، نقلها من كتاب الخصّاف في الحيل و «المحلَّى» لابن حزم، ومن طريقه نقل الآثار عن عبد الرزاق. ثم ردَّ على هذه الحجج على لسان المبطلين للحيل (٤/ ١١٣ - ٢٨٩) وفصَّل الكلام على الحيلة السريجية

стр. 75

التي حدثت في الإسلام بعد المئة الثالثة (٤/ ١٧٨ - ٢١٩)، وذكر أمثلة كثيرة من الحيل المحرَّمة الباطلة في الشرع. والمؤلف صادر عن «بيان الدليل» لشيخه في أكثر ما قال، بل نقل بعض الفصول بتمامها منه على طريقة استفادته من شيخه. * ثم عقد فصلًا ذكر فيه قاعدة في أقسام الحيل ومراتبها (٤/ ٢٩٠ - ٤٧٥)، وذكر ١١٥ مثالًا للحيل التي يُقصد بها التوصُّل إلى الحق أو دفع الظلم بطريق مباح، ولما وصل إلى المثال الخامس عشر بعد المئة ذكر اثني عشر مخرجًا من الوقوع في التحليل الذي لعنه رسول الله ﷺ (٤/ ٥٧٥)، وبها ختم الفصل. وقد نقل في هذا الفصل من مصادر كثيرة من كتب الفقه والأصول والحديث والتفسير وغيرها، وفيما يلي مسردٌ لمؤلفيها حسب ورودهم: - ابن أبي موسى في «الإرشاد» (٤/ ٣٣٦، ٥٣٧، ٥٦٦). - محمد بن الحسن في كتاب «الحيل» (٤/ ٣٧١ - ٣٧٢)، وهو جزء من كتاب «الأصل» له. - الخِرقي في «مختصره» (٤/ ٣٧٦، ٤٨٩، ٥٦٣). - أبو عمر [= ابن عبد البر] (٤/ ٣٨٥). والنصّ في «الاستذكار» له. - صاحب «الجواهر» (٤/ ٣٨٧ - ٣٩٠، ٥٢٠، ٥٤٠، ٥٦٢)، نقل في هذه المواضع من كتاب «عقد الجواهر الثمينة» لابن شاس. - البيهقي (٤/ ٣٩٨). نقل أثرين من كتاب «المدخل» له. - ابن القاسم في الكتاب (٤/ ٤٠٢). يقصد «المدونة».
следующие страницы →