← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

متصلة بالسماء، وهي مُخرِجةٌ لثمرتها كلَّ وقت. ومن السلف من قال: إن الشجرة الطيبة هي النخلة (١). ويدل عليه حديث ابن عمر الصحيح (٢). ومنهم [١٠١/ب] من قال: هي المؤمن نفسه كما قال محمد بن سعد: حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ يعني بالشجرة الطيبة: المؤمنَ، ويعني بالأصل الثابت في الأرض والفرع في السماء: يكون المؤمن يعمل في الأرض ويتكلَّم، فيبلغ قولُه وعملُه (٣) السماءَ، وهو في الأرض (٤). وقال عطية العوفي (٥): ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ قال: ذلك مثل المؤمن، لا يزال يخرج منه كلام طيِّب وعمل صالح يصعَد إلى الله (٦).

стр. 492

وقال الربيع بن أنس: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ قال: ذلك المؤمن، ضُرِبَ مثلُه في الإخلاص لله وحده وعبادته وحده لا شريك له. ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾، قال: أصلُ عمله ثابت في الأرض. ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾، قال: ذكرُه في السماء (١). ولا اختلاف بين القولين. فالمقصود (٢) بالمثل: المؤمن، والنخلة مشبَّهة به، وهو مشبَّه بها. وإذا كانت النخلة شجرة طيبة، فالمؤمن المشبَّه بها أولى أن يكون كذلك. ومن قال من السلف: إنها شجرة في الجنة، فالنخلة من أشرف أشجار الجنة. وفي هذا المثل من الأسرار والعلوم والمعارف ما يليق به، ويقتضيه علمُ الذي تكلَّم به وحكمتُه. فمن ذلك: أن الشجرة لا بدّ لها من عروق وساق وفروع (٣) وورق وثمر، فكذلك شجرة الإيمان والإسلام، ليطابق المشبَّهُ المشبَّهَ به. فعروقها العلم والمعرفة واليقين، وساقها الإخلاص، وفروعها الأعمال، وثمرتها ما توجبه الأعمال الصالحة من الآثار الحميدة، والصفات [١٠٢/أ] الممدوحة، والأخلاق الزكية، والسَّمْت الصالح، والهَدْي والدَّلِّ المرضيّ (٤). فيستدلُّ على غرس هذه الشجرة في القلب وثبوتها فيه بهذه الأمور. فإذا كان العلم صحيحًا مطابقًا لمعلومه الذي أنزل الله كتابه به، والاعتقادُ مطابقًا لما أخبر به

стр. 493

عن نفسه وأخبرت به عنه رسلُه، والإخلاصُ قائمٌ في القلب، والأعمالُ موافِقةٌ للأمر، والهديُ والدَّلُّ والسَّمْتُ مُشابِهٌ لهذه الأصول مناسبٌ لها= عُلِمَ أنَّ شجرةَ الإيمان في القلب أصلها ثابت وفرعها في السماء، وإذا كان الأمر بالعكس عُلِمَ أنَّ القائمَ بالقلب إنما هو الشجرة الخبيثة التي اجتُثَّت من فوق الأرض، ما لها من قرار! ومنها: أن الشجرة لا تبقى حيَّةً إلا بمادّةٍ تسقيها وتنميها، فإذا قُطِع عنها السقيُ أوشك أن تَيْبَس. فهكذا شجرة الإسلام في القلب إن لم يتعاهدها صاحبها بسقيها كلَّ وقت بالعلم النافع والعمل الصالح، والعَوْدِ بالتذكُّر على التفكُّر، والتفكُّر على التذكُّر= وإلا (١) أوشك أن تيبس. وفي "مسند الإمام أحمد" (٢) من حديث أبي هريرة ﵁ (٣) قال:

стр. 494

قال رسول الله ﷺ : "إن الإيمان يَخْلَق في القلب كما يخلَق الثوبُ، فجدِّدوا إيمانكم". وبالجملة، فالغَرس إن لم يتعاهده صاحبه أوشك أن يهلك. ومن هنا تعلم شدة حاجة العباد إلى ما أمر الله به من العبادات على تعاقُب الأوقات، وعظيم رحمته وتمام نعمته وإحسانه إلى عباده بأن وظَّفها (١) عليهم وجعَلَها مادةً لسقي غِراس التوحيد الذي غرسه في قلوبهم. ومنها: [١٠٢/ب] أن الغرس والزرع النافع قد أجرى الله سبحانه العادة أنه لا بدَّ أن يخالطه دَغَلٌ ونبتٌ غريب ليس من جنسه. فإن تعاهده ربُّه ونقَّاه وقلَعَه كمل الغرس والزرع، واستوى، وتمَّ نباته، وكان أوفر لثمرته وأطيب وأزكى. وإن تركه أوشك أن يغلب على الغِراس (٢) والزرع، ويكون الحكم له، أو يُضعِفَ الأصلَ ويجعل الثمرةَ ذميمة ناقصة بحسب كثرته وقلته. ومن لم يكن له فقهُ نفس في هذا ومعرفةٌ به، فاته ربح كثير (٣) وهو لا يشعر. فالمؤمن دائمًا سعيُه في شيئين: سقيِ هذه الشجرة، وتنقيةِ ما حولها. فبسقيها تبقى وتدوم، وبتنقية ما حولها تكمل وتتمّ. والله المستعان، وعليه التكلان.

стр. 495

فهذا بعض ما تضمَّنه هذا المثل العظيم الجليل من الأسرار والحكم. ولعلها قطرة من بحر، بحسب أذهاننا الواقفة، وقلوبنا المخبَّطَة (١)، وعلومنا القاصرة، وأعمالنا التي توجب التوبة والاستغفار؛ وإلا فلو طهرت منَّا القلوب، وصَفَت الأذهان، وزَكَت النفوس، وخلَصت الأعمال، وتجرَّدت الهمم للتلقي عن الله ورسوله= لَشاهدنا من معاني كلام الله وأسراره وحِكَمه ما تضمحلُّ عنده العلوم، وتتلاشى عنده معارف الخلق. وبهذا يُعرف (٢) قدرُ علوم الصحابة ومعارفهم، وأن التفاوت الذي بين علومهم وعلوم مَن بعدهم كالتفاوت الذي بينهم في الفضل. والله أعلم حيث يجعل مواقعَ فضله، ومَن يختصّ برحمته. فصل ثم ذكر سبحانه مثل الكلمة الخبيثة [١٠٣/أ] فشبَّهها بالشجرة الخبيثة التي اجْتُثَّت من فوق الأرض (٣). فلا عرق ثابت، ولا فرع عال، ولا ثمرة

стр. 496

زاكية؛ فلا ظل ولا جنى. ولا ساق قائم، ولا عرق في (١) الأرض ثابت، فلا أسفلها مُغْدِق ولا أعلاها مُونِق، ولا جنى لها، ولا تعلو بل تُعلَى. وإذا تأمَّل اللبيب أكثر كلام هذا الخلق في خطابهم وكتبهم وجده كذلك، فالخسرانُ كلُّ الخسران: الوقوف معه والاشتغال به عن أفضل الكلام وأنفعه. قال الضحاك: ضرب الله مثل الكافر (٢) بشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. يقول: ليس لها أصل ولا فرع، وليس لها ثمرة ولا فيها منفعة. كذلك الكافر ليس يعمل خيرًا ولا يقوله، ولا يجعل الله فيه بركة ولا منفعة (٣). وقال ابن عباس: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ وهي الشرك ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ يعني الكافر ﴿اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]. يقول: الشرك ليس له أصل يأخذ به الكافر، ولا برهان. ولا يقبل الله مع الشرك عملًا، فلا يُقبَل عملُ المشرك، ولا يَصعَد إلى الله. فليس له أصل ثابت في الأرض ولا فرع في السماء، يقول: ليس له عمل صالح في السماء ولا في الأرض (٤).

стр. 497

وقال الربيع بن أنس: مثل الشجرة الخبيثة مثل الكافر، ليس لقوله ولا لعمله أصل ولا فرع، ولا يستقرُّ قوله ولا عمله على الأرض، ولا يصعد إلى السماء (١). وقال سعيد (٢) عن قتادة في هذه الآية: إنَّ رجلًا لقي رجلًا من أهل العلم فقال له: ما تقول في الكلمة الخبيثة؟ قال: ما أعلم لها في الأرض مستَقرًّا ولا في السماء مَصْعَدًا، إلا أن تلزم عنقَ صاحبها حتى يوافي بها القيامة (٣). [١٠٣/ب] وقوله: ﴿اجْتُثَّتْ﴾ أي استُؤْصِلت من فوق الأرض. ثم أخبر سبحانه عن فضله وعدله في الفريقين أصحاب الكلم الطيب والكلم الخبيث، فأخبر أنه يثبِّت الذين آمنوا بإيمانهم بالقول الثابت أحوجَ ما يكونون إليه في الدنيا والآخرة، وأنه يُضِلُّ الظالمين ــ وهم المشركون ــ عن القول الثابت. فأضلَّ هؤلاء بعدله لظلمهم، وثبَّت المؤمنين بفضله لإيمانهم. وتحت قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] كنز عظيم، مَن وُفِّق لمظِنَّته، وأحسن استخراجه،

стр. 498

واقتناه (١)، وأنفق منه= فقد غَنِم. ومن حُرِمَه فقد حُرِم. وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله له طرفةَ عين، فإن لم يثبِّته وإلا (٢) زالت سماءُ إيمانه وأرضُه عن مكانهما. وقد قال تعالى لأكرمِ خلقه عليه عبدِه ورسولِه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]. وقال تعالى (٣): ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]. وفي "الصحيحين" (٤) من حديث التجلِّي قال: "وهو يسألهم ويثبِّتهم". وقال تعالى لرسوله: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]. فالخلق كلّهم قسمان: موفَّق بالتثبيت، ومخذول بترك التثبيت. ومادة التثبيت أصله ومنشؤه من القولِ الثابتِ وفعلِ ما أُمِرَ به العبد، فبهما يثبِّت الله عبدَه، فكلُّ من كان أثبت قولًا وأحسن فعلًا كان أعظم تثبيتًا. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ [١٠٤/أ] بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦]. فأثبَتُ الناس قلبًا أثبَتُهم قولًا. والقول الثابت هو القول الحق والصدق، وهو ضد القول الباطل الكذب؛ فالقول نوعان: ثابت له حقيقة، وباطل لا حقيقة له. وأثبَتُ القولِ كلمة التوحيد ولوازمها، فهي أعظم ما يثبِّت الله بها

стр. 499

عبدَه في الدنيا والآخرة. ولهذا ترى الصادقَ من أثبت الناس وأشجعهم قلبًا، والكاذبَ من أمهَن الناس وأجبَنهم، وأكثرهم تلوُّنًا وأقلِّهم ثباتًا. وأهلُ الفراسة يعرفون صدقَ الصادق من ثبات قلبه وقتَ الاختبار (١) وشجاعته ومهابته، ويعرفون كذب الكاذب بضدِّ ذلك، ولا يخفى ذلك إلا على ضعيف البصيرة. وسئل بعضهم عن كلامٍ سمعه من متكلِّم به، فقال: والله ما فهمتُ منه شيئًا، إلا أنِّي رأيتُ لكلامه صولةً ليست بصولة مبطِل (٢). فما مُنِح العبد منحةً أفضلَ من منحة القول الثابت. ويجد أهلُ القول الثابت ثمرتَه أحوجَ ما يكونون إليه في قبورهم ويوم معادهم، كما في "صحيح مسلم" (٣) من حديث البراء بن عازب عن النبي ﷺ أن هذه الآية نزلت في عذاب القبر. وقد جاء هذا مبيَّنًا في أحاديث صحاح. فمنها: ما في "المسند" (٤) من حديث داود بن أبي هند، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد قال: كنَّا مع النبي ﷺ في جنازة، فقال: "يا أيها الناس إن هذه الأمة تُبتلَى في قبورها، فإذا الإنسان دُفِن وتفرَّق عنه أصحابه جاءه ملَكٌ بيده مِطراقٌ، فأقعده، فقال: ما تقول في

стр. 500

هذا [١٠٤/ب] الرجل؟ فإن كان مؤمنًا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فيقول له: صدقتَ. فيُفتَح له بابٌ إلى النار، فيقال له: هذا منزلك لو كفرتَ بربِّك. فأمَّا إذ آمنتَ فإنَّ الله أبدلك به هذا. ثم يُفتَح له باب إلى الجنة، فيريد أن ينهض له، فيقال له: اسكن. ثم يُفسَح له في قبره. وأما الكافر والمنافق، فيقال له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دريتَ ولا تدرَّيتَ (١) ولا اهتديتَ! ثم يُفتَح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا منزلك لو آمنتَ بربِّك. فأما إذ كفرتَ فإنَّ الله أبدلك به هذا. ثم يُفتَح له باب إلى النار، ثم يَقمَعُه الملَك بالمِطراق (٢) قَمْعةً يسمعه خلقُ الله كلُّهم إلا الثقلين". قال بعض أصحابه: يا رسول الله، ما منَّا من أحد يقوم على رأسه ملَكٌ بيده مِطراق إلا هِيلَ (٣) عند ذلك. فقال رسول الله ﷺ : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].

стр. 501

وفي "المسند" نحوه من حديث البراء بن عازب. وروى المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ ، وذكر قبضَ روح المؤمن، فقال: "يأتيه آتٍ" ــ يعني في قبره ــ "فيقول: من ربُّك؟ وما دينك؟ ومن نبيُّك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ ". قال: "فينتهره، فيقول: ما ربُّك؟ وما دينك؟ وهي آخِرُ فتنةٍ تُعرَض على المؤمن. فذلك حيث [١٠٥/أ] يقول الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيِّي محمد. فيقال له: صدقتَ" (١) وهذا حديث صحيح. وقال حماد بن سلَمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: "إذا قيل له في القبر: من ربُّك؟ وما دينك؟ فيقول ربِّي الله، وديني الإسلام، ونبيِّي محمد، جاءنا بالبيِّنات من عند الله، فآمنتُ به، وصدّقتُ. فيقال له: صدقتَ. على هذا عشتَ، وعليه مِتَّ، وعليهُ تبعَث" (٢).

стр. 502

وقال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ ، وذَكَر قبضَ روح المؤمن، قال: "فترجع روحُه في جسده، ويُبعث إليه ملكان شديدا الانتهار، فيُجلِسانه، وينتهرانه، ويقولان: من ربُّك؟ فيقول: الله. وما دينك: فيقول: الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل أو النبيُّ الذي بُعِث فيكم؟ فيقول: محمد رسول الله". قال: "فيقولان له: وما يُدريك؟ ". قال: "فيقول: قرأتُ كتابَ الله، فآمنتُ به، وصدَّقتُ. فذلك قول الله ﵎: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. رواه ابن حبان في "صحيحه"، والإمام أحمد (١). وفي "صحيحه" (٢) أيضًا من حديث أبي هريرة يرفعه قال: "إنَّ الميِّتَ لَيسمعُ خفقَ نعالهم حين يولُّون عنه مدبرين. فإذا كان مؤمنًا كانت الصلاة [١٠٥/ب] عند رأسه، والزكاة عن يمينه، وكان الصيام عن يساره (٣)، وكان

стр. 503

فعلُ الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه. فيؤتى من عند رأسه، فتقول الصلاة: ما قِبَلي مدخَل. فيؤتى عن يمينه، فتقول الزكاة: ما قِبَلي مدخَل. فيؤتى عن يساره، فيقول الصيام: ما قِبَلي مدخَل. فيؤتى من عند رجليه، فيقول فعلُ الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قِبَلي مدخل. فيقال له: اجلِسْ، فيجلس، قد مُثِّلتْ له الشمسُ قد دنت للغروب. فيقال له: أخبِرنا عمَّا نسألك عنه، فيقول: دعوني حتى أصلِّي. فيقال: إنك ستفعل، فأخبِرْنا عمَّا نسألك، فيقول: وعمَّ تسألوني؟ فيقال له: أرأيتَ هذا الرجلَ الذي كان فيكم، ماذا تقول فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: أمحمد ﷺ ؟ فيقال: نعم. فيقول: أشهد أنه رسول الله، وأنه جاء بالبينات من عند الله، فصدَّقناه. فيقال له: على ذلك حَيِيتَ، وعلى ذلك مِتَّ، وعلى ذلك تُبعَث إن شاء الله. ثم يُفسَح له في قبره سبعون ذراعًا، وينوَّر له فيه. ثم يُفتَح له باب إلى الجنة، فيقال له: انظر إلى ما أعدَّ الله لك فيها، فيزداد غبطةً وسرورًا. ثم تُجعَل نَسَمتُه في النَّسَم الطيب، وهي طير خضر تعلَّق بشجر الجنة، ويعاد الجسدُ إلى ما بُدِئ (١) منه من التراب. وذلك قول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي [١٠٦/أ] الْآخِرَةِ﴾. ولا تستطِل هذا الفصلَ المعترضَ، فالمفتي (٢) والشاهد والحاكم بل

стр. 504

وكلُّ مسلم أشدُّ ضرورةً إليه من الطعام والشراب والنفَس. وبالله التوفيق. فصل ومنها: قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣٠ - ٣١]. فتأمَّلْ هذا المثلَ ومطابقتَه لحال من أشرك بالله، وتعلَّق بغيره. ويجوز لك في هذا التشبيه أمران (١): أحدهما: أن تجعله تشبيهًا مركَّبًا، ويكون قد شبَّه من أشرك بالله وعبَد معه غيرَه برجل قد تسبَّب إلى هلاك نفسه هلاكًا لا يرجى معه نجاة، فصوَّر حالَه بصورة حالِ مَن خرَّ من السماء، فاختطفته الطير في الهواء (٢)، فتفرَّق مُزَعًا (٣) في حواصلها، أو عصفت به الريح حتى (٤) هَوَتْ به في بعض المطارح (٥) البعيدة. وعلى هذا لا يُنظر (٦) إلى كلِّ فرد من أفراد المشبَّه ومقابِله من المشبَّه به.

стр. 505

والثاني: أن يكون من التشبيه المفرَّق، فيقابَل كلُّ واحد من أجزاء الممثَّل بالممثَّل به. وعلى هذا فيكون قد شبَّه الإيمان والتوحيد في علوِّه وسعتِه وشرفِه بالسماء التي هي مصعَده ومهبِطه، فمنها يهبط إلى الأرض، وإليها يصعد منها. وشبَّه تاركَ الإيمان والتوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين حيثُ (١) التضييقُ (٢) الشديدُ والآلامُ المتراكمةُ، والطيرَ التي (٣) تتخطَّف (٤) أعضاءه، وتُمزِّقه كلَّ ممزَّق [١٠٦/ب] بالشياطين التي يرسلها الله سبحانه عليه وتؤزُّه أزًّا، وتزعجه، وتقلقه إلى مظانِّ هلاكه. فكلُّ شيطان له مُزْعةٌ من دينه وقلبه، كما أنَّ لكلِّ طير مُزْعةً من لحمه وأعضائه. والريحُ التي تهوي به في مكان سحيق هو هواه (٥) الذي يحمله على إلقاء نفسه في أسفل مكان وأبعده من السماء. فصل ومنها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا

стр. 506

لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣ - ٧٤]. حقيقٌ على كلِّ عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل، ويتدبَّره حقَّ تدبُّره، فإنه يقطع موادَّ الشرك من قلبه. وذلك أن المعبود أقلُّ درجاته أن يقدر على إيجادِ ما ينفع عابده وإعدامِ ما يضرُّه، والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق ذبابٍ (١) ولو اجتمعوا كلُّهم لخلقه، فكيف ما هو أكبر منه؟ ولا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئًا مما عليهم من طِيب ونحوه، فيستنقذوه منه. فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوان (٢)، ولا على الانتصار منه واسترجاع ما سلبهم (٣) إياه. فلا أعجزَ من هذه الآلهة، ولا أضعفَ منها، فكيف يستحسِن عاقلٌ عبادتها من دون الله؟ وهذا المثل من أبلغِ ما أنزله الله سبحانه في بطلان الشرك، وتجهيل أهله، وتقبيح عقولهم، والشهادة على أن الشيطان قد [١٠٧/أ] تلاعَب بهم أعظمَ من تلاعُب الصبيان بالكُرة، حيث أعطوا الإلهية التي من بعض لوازمها القدرةُ على جميع المقدورات، والإحاطةُ بجميع المعلومات، والغنى عن جميع المخلوقات، وأن يُصمَد إلى الربِّ في جميع الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وإجابة الدعوات= فأعطوها (٤) صورًا وتماثيلَ

стр. 507

يمتنع عليها القدرةُ على أقلِّ مخلوقات الإله الحقِّ وأذلِّها، وأصغرِها وأحقرها، ولو اجتمعوا لذلك وتعاونوا عليه. وأدلُّ من ذلك على عجزهم وانتفاء إلهيتهم أنَّ هذا الخلق الأقلَّ الأذلَّ العاجزَ الضعيفَ لو اختطف منهم شيئًا واستلبه، فاجتمعوا على أن يستنقذوه منه= لعجزوا عن ذلك، ولم يقدروا عليه (١). ثم سوَّى بين العابد والمعبود في الضعف والعجز بقوله: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾. قيل: الطالب: العابد. والمطلوب: المعبود؛ فهو عاجز متعلِّق بعاجز! وقيل: هو تسوية بين السالب والمسلوب، وهو تسوية بين الإله والذباب في الضعف والعجز. وعلى هذا فقيل: الطالب: الإله الباطل. والمطلوب: الذباب، يطلب منه ما استنقذه (٢) منه. وقيل: الطالب: الذباب. والمطلوب: الإله، فالذباب يطلب منه ما يأخذه مما عليه (٣). والصحيح: أن اللفظ يتناول الجميعَ، فضعُفَ العابدُ والمعبودُ، والمستلِب [والمستلَب] (٤). فمَن جعل هذا إلهًا مع القوي العزيز، فما قدَره حقَّ قَدْره، ولا عرَفَه حقَّ معرفته، ولا عظَّمه حقَّ تعظيمه (٥).

стр. 508

فصل ومنها: [١٠٧/ب] قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]. فتضمَّن هذا المثل ناعقًا أي مصوِّتًا بالغنم وغيرها، ومنعوقًا به وهو الدوابّ. فقيل: الناعق: العابد، وهو الداعي للصنم. والصنم هو المنعوق به المدعو. وإنَّ حال الكافر في دعائه كحال من ينعِق بما لا يسمعه. هذا قول طائفة، منهم عبد الرحمن بن زيد (١) وغيره. واستشكل صاحب "الكشاف" وجماعة معه هذا القول، وقالوا: قوله: ﴿إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ لا يساعِد عليه، لأن الأصنام لا تسمع دعاء ولا نداء (٢). وقد أجيب عن هذا الاستشكال بثلاثة أجوبة (٣): أحدها: أن "إلا" زائدة، والمعنى: بما لا يسمع دعاء ونداء. قالوا: وقد ذكر ذلك الأصمعيُّ (٤) في قول الشاعر (٥):

стр. 509

حراجيجُ ما تنفكُّ إلا مناخةً أي ما تنفكُّ مناخة (١). وهذا جواب فاسد فاسد (٢)، فإن "إلا" لا تزاد في الكلام. الجواب الثاني: أن التشبيه وقع في مطلق الدعاء لا في خصوصيات المدعو. الجواب الثالث: أن المعنى أن مثَل هؤلاء في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءهم كمثَل الناعق بغنمه، فلا ينتفع من نعيقه بشيء، غير أنه هو في دعاء ونداء. وكذا (٣) المشرك ليس له من دعائه وعبادته إلا العناء. وقيل: المعنى: ومثل الذين كفروا كالبهائم التي لا تفقَه ما (٤) يقول الراعي أكثر من الصوت. فالراعي هو داعي الكفار، [١٠٨/أ] والكفار هم البهائم المنعوق بها.

стр. 510

قال سيبويه (١): المعنى: ومثَلُك يا محمد ومثَلُ الذين كفروا كمثَل الناعق والمنعوق به. وعلى قوله، فيكون المعنى: ومثل الذين كفروا وداعيهم كمثل الغنم والناعق بها. ولك أن تجعل هذا من التشبيه المركَّب، وأن تجعله من التشبيه المفرَّق. فإن جعلته من المركَّب كان تشبيهًا للكفار في عدم فقههم وانتفاعهم بالغنم التي ينعِق بها الراعي، فلا تفقه من قوله شيئًا غيرَ الصوت المجرَّد الذي هو الدعاء والنداء. وإن جعلته من التشبيه المفرَّق فالذين كفروا بمنزلة البهائم، وداعيهم (٢) إلى الطريق والهدى بمنزلة الذي ينعق بها، ودعاؤهم إلى الهدى بمنزلة النعيق، وإدراكُهم مجرَّدَ الدعاء والنداء كإدراك البهائم مجرَّدَ صوت الناعق (٣). والله أعلم. فصل ومنها: قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]. شبَّه سبحانه نفقةَ المنفِق في سبيله ــ سواء كان المراد به الجهاد أو جميع سُبل الخير من كلِّ بِرٍّ ــ بمن بذَر بَذْرًا، فأنبتت كلُّ حبة منه سبعَ سنابل، اشتملت كلُّ سنبلة على مائة حبة. والله يضاعف فوق ذلك لمن يشاء (٤)،

стр. 511

بحسب حال المنفِق وإيمانه وإخلاصه وإحسانه، ونفعِ نفقته وقدرها ووقوعها موقعها. فإن ثواب الإنفاق يتفاوت بحسب ما يقوم بالقلب من الإيمان، والإخلاص، والتثبيت عند النفقة. وهو إخراج المال [١٠٨/ب] بقلب ثابت قد انشرح صدرُه بإخراجه، وسمحت به نفسُه، وخرج من قلبه قبلَ خروجه من يده. فهو ثابت القلب (١) عند إخراجه، غيرُ جَزِع ولا هَلِع، ولا مُتْبِعَه نفسَه، ترجُف يده وفؤاده (٢). ويتفاوت بحسب نفع الإنفاق ومصارفه لمواقعه (٣)، وبحسب طيب المنفق وزكاته (٤). وتحت هذا المثل من الفقه أنه سبحانه شبَّه الإنفاق بالبذر، فالمنفقُ مالَه الطيِّبَ لله لا لغيره باذرٌ مالَه في أرض زكية. فمُغَلُّه (٥) بحسب بَذْرِه، وطيبِ أرضه، وتعاهُدِ البذر بالسقي، ونفيِ الدَّغَل (٦) والنباتِ الغريب عنه. فإذا اجتمعت هذه الأمور، ولم تُحرق الزرعَ نارٌ، ولا لحقته جائحةٌ= جاء أمثالَ الجبال. وكان مثله ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥] وهي المكان المرتفع

стр. 512

الذي تكون الجنة فيه نُصْبَ الشمس والرياح، فتتربَّى الأشجار هناك أتمَّ تربيةٍ؛ فنزَل عليها من السماء مطرٌ عظيمُ القطر متتابعٌ، فروَّاها ونمَّاها، فآتت أكلها ضعفي ما تؤتيه (١) غيرُها بسبب ذلك الوابل. ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ مطر صغير القَطر، يكفيها لكرم منبتها، تزكو على الطَّلِّ، وتنمي (٢) عليه؛ مع أنَّ في ذكر نوعي الوابل والطلِّ إشارةً إلى نوعي الإنفاق الكثير والقليل. فمن الناس من يكون إنفاقه وابلًا، ومنهم من يكون إنفاقه طلًّا، والله لا يُضيع مثقال ذرة (٣). فإن عرض لهذا العامل ما يُغرق أعماله ويُبطل حسناته كان بمنزلة رجلٍ ﴿لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ [١٠٩/أ] وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: ٢٦٦]. فإذا كان يوم استيفاء الأعمال وإحراز الأجور وجد هذا العاملُ عملَه قد أصابه ما أصاب صاحبَ هذه الجنة، فحسرتُه حينئذ أشدُّ من حسرة هذا على جنته. فهذا (٤) مثلٌ ضربه الله سبحانه في الحسرة بسلب (٥) النعمة عند شدة الحاجة إليها، مع عظم قدرها ومنفعتها. والذي ذهبت عنه قد أصابه الكبرُ

стр. 513

والضعفُ فهو أحوجُ ما كان إلى نعمته. ومع هذا، فله ذرية ضعفاء لا يقدرون على نفعه والقيام بمصالحه، بل هم في عياله؛ فحاجته إلى نعمته حينئذ أشدُّ ما كانت لِضعفه وضعفِ ذريته. فكيف يكون حالُ هذا إذا كان له بستان عظيم فيه من جميع الفواكه والثمر، وسلطانُ ثمره أجلُّ الفواكه وأنفعُها، وهو ثمر النخيل والأعناب، فمُغَلُّه يقوم بكفايته وكفاية ذريته، فأصبح يومًا وقد وجده محترقًا كلَّه كالصريم، فأيُّ حسرة أعظمُ من حسرته؟ قال ابن عباس: هذا مثل الذي يُختَم له بالفساد في آخر عمره (١). وقال مجاهد: هذا مثل المفرِّط في طاعة الله حتى يموت (٢). وقال السُّدِّي: هذا مثل المرائي في نفقته، الذي يُنفق لغير الله، ينقطع عنه نفعُها أحوجَ ما يكون إليه (٣). وسأل عمر بن الخطاب الصحابة يومًا عن هذه الآية، فقالوا: الله أعلم. فغضب عمر، وقال: قولوا نعلم، أو لا نعلم. فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين. [١٠٩/ب] قال: قل يا ابن أخي، ولا تَحْقِرْ نفسَك. قال: ضَرَب مثلًا لعمل. قال: لأيِّ عمل؟ قال: لرجل غنيٍّ يعمل بالحسنات،

стр. 514

ثم بعَث الله له الشيطان، فعمِل بالمعاصي حتى أغرق أعمالَه كلَّها (١). قال الحسن: هذا مثلٌ قلَّ ــ والله ــ من يعقله من الناس. شيخ كبير ضعُفَ جسمُه، وكثُر صبيانه، أفقَرُ ما كان إلى جنته. وإنَّ أحدَكم والله أفقَرُ ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا (٢). فصل فإن عرض لهذه الأعمال من الصدقة (٣) ما يُبطلها من المنِّ والأذى والرياء ــ فالرياءُ يمنع انعقادها سببًا للثواب، والمنُّ والأذى يُبطل الثوابَ الذي كانت سببًا له ــ فمثلُ صاحبِها وبطلانِ عمله ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ وهو الحجر الأملس ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ وهو المطر الشديد ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤] لا شيء عليه.

стр. 515

وتأمَّلْ أجزاءَ هذا المثل البليغ، وانطباقَها على أجزاء الممثَّل به، تعرِفْ عظمة القرآن وجلالته. فإنَّ الحجرَ في مقابلة قلب هذا المرائي والمانِّ والمؤذي، فقلبُه في قسوته عن الإيمان والإخلاص والإحسان بمنزلة الحجر، والعملُ الذي عَمِله لغير الله بمنزلة التراب الذي على ذلك الحجر. فقسوةُ ما تحته وصلابتُه تمنعه من النبات والثبات عند نزول الوابل، فليس له مادة متصلة بالذي (١) يَقبل الماء ويُنبت الكلأ. وكذلك قلبُ المرائي ليس له ثبات عند وابل الأمر والنهي والقضاء والقدر، فإذا نزل عليه وابلُ الوحي انكشف عنه ذلك التراب اليسير [١١٠/أ] الذي كان عليه، فبرز ما تحته حجرًا صلدًا لا نبات فيه. وهذا مثلٌ ضربه الله سبحانه لعمل المرائي ونفقته، لا يقدر يوم القيامة على ثوابِ شيءٍ منه أحوجَ ما كان إليه. وبالله التوفيق (٢). فصل ومنها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١١٦ - ١١٧]. هذا مثل ضربه الله تعالى لمن أنفق ماله في غير طاعته ومرضاته، فشبَّه سبحانه ما يُنفقه هؤلاء من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء

стр. 516

وحسن الذكر لا يبتغون به وجهَ الله، وما ينفقونه ليصُدُّوا به عن سبيل الله واتباع رسله= بالزرع الذي زرَعه صاحبه يرجو نفعَه وخيرَه، فأصابته ريح شديدة البرد جدًّا، يُحرِق بردُها ما يمرُّ عليه من الزروع (١) والثمار، فأهلكَتْ ذلك الزرعَ وأيبسَتْه. واختلف في "الصِّرِّ"، فقيل: البرد الشديد (٢). وقيل: النار، قاله ابن عباس (٣). قال ابن الأنباري (٤): وإنما وُصِفت النار بأنها صِرٌّ لتصويتها (٥) عند الالتهاب. وقيل: الصِّرُّ: الصوت الذي يصحَب الريحَ من شدة هبوبها. والأقوال الثلاثة متلازمة، فهو برد شديد مُحرِق بيُبْسِه للحرث كما تُحرقه النار، وفيه صوت [١١٠/ب] شديد. وفي قوله: ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ تنبيه على أنَّ سببَ إصابتها لحرثهم هو ظلمُهم. فهو الذي سلَّط عليهم الريحَ المذكورة حتى أهلكت زرعهم وأيبسته، فظلمُهم هو الريح التي أهلكت أعمالهم ونفقاتهم، وأتلفتها.

стр. 517

فصل ومنها: قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]. هذا مثل ضربه الله سبحانه للمشرك والموحِّد. فالمشرك بمنزلة عبدٍ يملكه جماعة متنازعون مختلفون متشاحُّون (١)، والرجل الشَّكِس: الضيِّق الخُلُق (٢). فالمشرك لما كان يعبد آلهةً شتَّى شُبِّه بعبدٍ يملكه جماعة متنافسون (٣) في خدمته، لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين. والموحِّد لما كان يعبد الله وحده فمثلُه كمثل عبدٍ لرجل واحد، قد سلِمَ له، وعلِم مقاصدَه، وعرفَ الطريقَ إلى رضاه، فهو في راحةٍ من تشاحُن (٤) الخلطاء فيه. بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه، مع رأفة مالكه به، ورحمته له، وشفقته عليه، وإحسانه إليه، وتولِّيه لمصالحه. فهل يستوي هذان العبدان؟ وهذا من أبلغ الأمثال، فإن الخالص لمالك واحد يستحقُّ من معونته وإحسانه والتفاته إليه وقيامه بمصالحه ما لا يستحقُّ صاحبُ الشركاء

стр. 518

المتشاكسين (١). الحمد لله، بل أكثرهم لا يعلمون! فصل ومنها: قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٠ - ١٢]. فاشتملت هذه الآيات على ثلاثة أمثال: مثلٍ للكفار، ومثلَين للمؤمنين. فتضمَّن مثلُ الكفار أن الكافر يعاقَب على كفره وعداوته لله ورسوله وأوليائه، ولا ينفعه مع كفره ما كان بينه وبين المؤمنين من لُحْمةِ نسب، أو وُصْلةِ صهر، أو سبب من أسباب الاتصال؛ فإنّ الأسباب كلَّها تنقطع يوم القيامة إلا ما كان منها متصلًا بالله وحده على يد رسوله (٢). فلو نفعت وُصْلةُ القرابة أو المصاهرة (٣) أو النكاح مع عدم الإيمان لنفعت الوصلة التي كانت بين نوح ولوط وامرأتيهما. فلما لم يُغنيا عنهما من الله شيئًا، وقيل (٤) ادخلا

стр. 519

النار مع الداخلين= قطعت الآيةُ حينئذ طمعَ مَن ركب معصية الله، وخالف أمره، ورجا أن ينفعه صلاحُ غيره من قريب أو أجنبي، ولو كان بينهما في الدنيا أشدُّ الاتصال. فلا اتصالَ فوق اتصال البنوة والأبوة والزوجية، ولم يُغْنِ نوح عن ابنه، ولا إبراهيم [١١١/ب] عن أبيه، ولا نوح ولوط (١) عن امرأتيهما من الله شيئًا. قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٩]. وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، وقال: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [لقمان: ٣٣]. وهذا كلُّه تكذيبٌ لأطماع المشركين الباطلة أنَّ مَن تعلَّقوا به من دون الله من قرابة أو صهر أو نكاح أو صحبة ينفعهم يوم القيامة، أو يُجيرهم من عذاب الله، أو (٢) يشفع لهم عند الله. وهذا أصلُ ضلال بني آدم وشركهم، وهو الشرك الذي لا يغفره الله، وهو الذي بعث الله جميعَ رسله وأنزل جميعَ كتبه بإبطاله ومحاربة أهله ومعاداتهم.

стр. 520

فصل وأما المثلان اللذان للمؤمنين، فأحدهما امرأة فرعون. ووجه المثل أن اتصال المؤمن بالكافر لا يضرُّه شيئًا إذا فارقه في كفره وعمله، فمعصيةُ العاصي (١) لا تضرُّ المطيعَ (٢) شيئًا في الآخرة، وإن تضرَّر بها في الدنيا بسبب العقوبة التي تحِلُّ بأهل الأرض إذا أضاعوا أمرَ الله، فتأتي عامّةً. فلم يضُرَّ امرأةَ فرعون اتصالُها به، وهو من أكفر الكافرين. ولم ينفع امرأةَ (٣) نوحٍ ولوطٍ اتصالُهما بهما وهما رسولا ربِّ العالمين. المثل الثاني للمؤمنين: مريم التي لا زوج لها، لا مؤمن ولا كافر. فذكر ثلاثة أصناف النساء (٤): [١١٢/أ] المرأة الكافرة التي لها وُصْلة بالرجل الصالح، والمرأة الصالحة التي لها وُصْلة بالرجل الكافر، والمرأةُ العَزَب (٥) التي لا وصلة بينها وبين أحد. فالأولى لا ينفعها (٦) وصلتها وسببها، والثانية لا يضرُّها وصلتها وسببها، والثالثة لا يضرُّها عدمُ الوصلة شيئًا.

стр. 521

ثم في هذه الأمثال من الأسرار البديعة ما يناسب سياق السورة. فإنها سيقت في ذكر أزواج النبي ﷺ ، والتحذير من تظاهُرهنَّ عليه، وأنهن إن لم يُطِعن الله ورسوله ويُرِدن الدار الآخرة لم ينفعهن اتصالُهن برسول الله ﷺ ، كما لم ينفع امرأةَ نوحٍ ولوطٍ اتصالُهما بهما. ولهذا إنما ضرب في هذه السورة مثل اتصال النكاح دون القرابة. قال يحيى بن سلام (١): ضرب الله المثل الأول يحذِّر عائشة وحفصة، ثم ضرب لهما المثل الثاني يحرِّضُهما على التمسُّك بالطاعة. وفي ضرب المثل للمؤمنين بمريم أيضًا اعتبار آخر، وهو أنها لم يضُرَّها عند الله شيئًا قذفُ أعداء الله اليهود لها، ونسبتُهم إياها وابنها إلى ما برَّأهما الله عنه، مع كونها الصدِّيقة الكبرى المصطفاة على نساء العالمين؛ فلا يضرُّ الرجلَ الصالحَ قدح الفجّار والفسّاق فيه. وفي هذا تسليةٌ لعائشة أم المؤمنين إن كانت السورة نزلت بعد قصة الإفك، وتوطينُ نفسها على ما قال فيها الكاذبون إن كانت قبلها؛ كما في ذكر التمثيل بامرأة نوح ولوط [١١٢/ب] تحذيرٌ لها ولحفصة مما اعتمدتاه في حقِّ النبي ﷺ . فتضمَّنت هذه الأمثال التحذير لهن والتخويف، والتحريض لهن على الطاعة والتوحيد، والتسلية وتوطين النفس لمن أوذي منهن وكُذِب عليه. وأسرارُ التنزيل فوق هذا وأجلُّ منه، ولا سيما أسرار الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون.

стр. 522

قالوا: فهذا بعض ما اشتمل عليه القرآن من التمثيل والقياس، والجمع والفرق، واعتبار العلل والمعاني، وارتباطها بأحكامها تأثيرًا واستدلالًا. قالوا: وقد (١) ضرب الله سبحانه الأمثال، وصرَّفها قَدَرًا وشرعًا، ويقظةً ومنامًا؛ ودلَّ عباده على الاعتبار بذلك، وعبورِهم من الشيء إلى نظيره، واستدلالهم بالنظير على النظير. بل هذا أصل عبارة الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة، ونوع من أنواع الوحي؛ فإنها مبنية على القياس والتمثيل، واعتبار المعقول بالمحسوس. ألا ترى أن الثياب في التأويل كالقُمُص تدل على الدين، فما كان فيها من طول أو قِصَر أو نظافة أو دنَس فهو في الدين، كما أوَّل النبيُّ ﷺ القميصَ بالدين والعلم (٢). والقدر المشترك بينهما أنّ كلًّا منهما يستُر صاحبه ويجمِّله بين الناس، فالقميص يستُر بدنه، والعلم والدين يستُر روحَه وقلبَه ويجمِّله بين الناس. ومن هذا: تأويل اللبن بالفطرة (٣)، لما في كلٍّ منهما من التغذية الموجبة

стр. 523

للحياة وكمال النشأة، وأنَّ الطفلَ إذا خُلِّيَ وفطرتَه لم يَعدِل عن اللبن، فهو مفطور على إيثاره على ما سواه. وكذلك فطرة الإسلام [١١٣/أ] التي فَطَر الله عليها الناس (١). ومن هذا: تأويل البقر بأهل الدين والخير الذين بهم عمارة الأرض كما أن البقر كذلك، مع عدم شرِّها، وكثرةِ خيرها، وحاجةِ الأرض وأهلها إليها. ولهذا لما رأى النبيُّ ﷺ بقرًا تُنْحَر (٢) كان ذلك نحرًا في أصحابه. ومن ذلك: تأويل الزرع والحرث بالعمل، لأن العامل زارع للخير والشر، ولا بد أن يخرج له ما بذَره كما يخرج للباذر زرعُ ما بذَره. فالدنيا مزرعة، والأعمال البِذار (٣)، ويومُ القيامة يومُ طلوع الزرع (٤) وحصاده. ومن ذلك: تأويل الخشب المقطوع المتساند بالمنافقين، والجامعُ بينهما أن المنافق لا روح فيه ولا ظل ولا ثمر، فهو بمنزلة الخشب الذي هو كذلك. ولهذا شبَّه الله تعالى المنافقين بالخُشُب المسنَّدة، لأنهم أجسام

стр. 524

خالية عن الإيمان والخير. وفي كونها مسندةً نكتة أخرى، وهي أن الخشب إذا انتُفِع به جُعِل في سقف أو جدار أو غيرهما من مظانِّ الانتفاع، وما دام متروكًا فارغًا غيرَ منتفَع به جُعِل مسنَدًا بعضُه إلى بعض، فشبَّه المنافقين بالخُشُب في الحالة التي لا يُنتفَع فيها بها. ومن ذلك: تأويل النار بالفتنة، لإفساد كلٍّ منهما ما يمرُّ عليه ويتصل به. فهذه تُحرِق الأثاث والمتاع والأبدان، وهذه تُحرِق القلوب والأديان والإيمان. ومن ذلك: تأويل النجوم بالعلماء والأشراف، لحصول هداية أهل الأرض بكلٍّ منهما، ولارتفاع الأشراف بين الناس كارتفاع النجوم. ومن ذلك: تأويل الغيث بالرحمة [١١٣/ب] والعلم والقرآن والحكمة وصلاح حال الناس. ومن ذلك: خروج الدم في التأويل يدلُّ على خروج المال، والقدرُ المشتركُ أنَّ قِوام البدن بكلِّ واحد منهما. ومن ذلك: الحدَث في التأويل يدل على الحدث في الدين. فالحدث الأصغر ذنب صغير، والأكبر ذنب كبير. ومن ذلك: أن اليهودية والنصرانية في التأويل بدعة في الدين. فاليهودية تدل على فساد القصد واتباع غير الحق، والنصرانية تدل على فساد العلم والجهل والضلال. ومن ذلك: الحديد في التأويل وأنواع السلاح يدل على القوة والنصر، بحسب جوهر ذلك السلاح ومرتبته.

стр. 525

ومن ذلك: الرائحة الطيبة تدل على الثناء الحسن وطيب القول والعمل، والرائحة الخبيثة بالعكس. والميزان يدل على العدل. والجراد يدل على الجنود والعساكر والغَوغاء الذين (١) يموج بعضهم في بعض. والنحل يدل على من يأكل طيِّبًا ويعمل صالحًا. والديك رجلٌ عالي الهمة بعيد الصيت (٢). والحيَّة عدوّ أو صاحب بدعة يُهلك بسمِّه. والحشرات أوغاد الناس. والخُلْد (٣) رجل أعمى يتكفَّف الناس بالسؤال. والذئب رجل غَشوم ظَلوم غادر فاجر. والثعلب رجل غادر محتال مكّار مُراوِغ عن الحق. والكلب عدو ضعيف كثير الصَّخَب والشَّرِّ في كلامه وسِبابه، أو رجل مبتدع متبع هواه مؤثِر له على دينه. والسنور العبد والخادم الذي يطوف على أهل الدار. والفأرة امرأة سوء فاسقة [١١٤/أ] فاجرة. والأسد رجل قاهر مسلَّط. والكبش الرجل المنيع المتبوع. ومن كلِّيَّات التعبير: أنَّ كلَّ ما كان وعاءً للماء فهو دالٌّ على الأثاث. وكلّ ما كان وعاء للمال كالصندوق والكِيس والجِراب فدالٌّ (٤) على القلب. وكلّ مدخول بعضه في بعض وممتزج ومختلط فدالٌّ على الاشتراك والتعاون أو النكاح، وكلّ سُقوط وخُرور من علو إلى سفل مذموم (٥)، وكلّ صعود وارتفاع فمحمود إذا لم يجاوز العادة وكان ممن يليق به. وكلّ ما

стр. 526

أحرقته النار فجائحة، وليس يرجى صلاحه ولا حياته. وكذلك ما انكسر من الأوعية التي لا ينشعب مثلها. وكلّ ما خُطِف وسُرِق من حيث لا يُرَى خاطفه ولا سارقه فإنه ضائع لا يرجى. وما عُرِف خاطفه أو سارقه أو مكانه أو لم يغِبْ عن عين صاحبه فإنه يُرجَى عَودُه. وكلّ زيادة محمودة في الجسم والقامة واللسان والذكر واللحية واليد والرجل فزيادةُ خير، وكلّ زيادة متجاوزة للحدِّ في ذلك فمذمومةٌ وشرٌّ وفضيحة. وكلّ ما رُئي من اللباس في غير موضعه المختصِّ به فمكروه، كالعمامة في الرِّجل، والخفِّ في الرأس، والعِقْد في الساق. وكلّ من استُقْضِيَ أو استُخْلِفَ أو أُمِّر أو استُوزِر أو خَطَب ممن لا يليق به ذلك ناله بلاء من الدنيا وشرٌّ وفضيحة وشهرة قبيحة. وكل ما كان مكروهًا من الملابس فخَلَقُه أهون على لابسه من جديده. والجوز مال مكنوز، فإن تفقَّع كان قبيحًا وشرًّا. ومن صار له ريش أو جناح صار له مال، فإن طار سافر. وخروجُ [١١٤/ب] المريض من داره ساكتًا يدل على موته، ومتكلِّمًا يدل على حياته. والخروج من الأبواب الضيِّقة يدل على النجاة والسلامة من شرٍّ وضِيق هو فيه، وعلى توبة، ولا سيَّما إن خرج (١) إلى فضاء وسعة فهو خير محض. والسفرُ والنقلةُ من مكان إلى مكان انتقالٌ من حال إلى حال بحسب حال المكانين. ومن عاد في المنام إلى حالٍ كان فيها في اليقظة عاد إليه ما فارقه من خير أو شر. وموتُ الرجل ربما دلَّ على توبته ورجوعه إلى الله، لأن الموت رجوع إلى الله. قال تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢]. والمرهونُ مأسور بدَين أو بحقٍّ عليه لله أو لعبيده. ووداعُ المريض أهله أو توديعهم له دالٌّ على موته.

стр. 527

وبالجملة، فما تقدَّم من أمثال القرآن كلُّها أصول وقواعد لعلم التعبير لمن أحسن الاستدلال بها. وكذلك مَن فهم القرآن فإنه يعبِّر به الرؤيا أحسنَ تعبير. وأصول التعبير الصحيحة إنما أُخِذت من مشكاة القرآن. فالسفينة تعبَّر بالنجاة لقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥]، وتعبَّر بالتجارة، والخشب بالمنافقين، والحجارة بقساوة القلوب (١)، والبَيض بالنساء، واللباس أيضًا بهن، وشرب الماء بالفتنة، وأكلُ لحم الرجل بغيبته، والمفاتيح بالكسب والخزائن والأموال (٢). والفتح يعبَّر مرة بالدعاء ومرة بالنصر. وكالمَلِك يُرَى في محلَّةٍ لا عادة له بدخولها يعبَّر بإذلال أهلها وفسادها. والحبلُ يعبَّر بالعهد والحقِّ والعصمة (٣). والنعاس قد يعبَّر بالأمن. والبقل والبصل والثوم والعدس [١١٥/أ] يعبَّر لمن أخذه بأنه قد استبدل شيئًا أدنى بما هو خير منه من مال أو رزق أو علم أو زوجة أو دار. والمرض يعبَّر بالنفاق والشك وشهوة الزِّنا (٤)، والطفل الرضيع يعبَّر بالعدو لقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، والنِّعاج بالنساء (٥)، والرماد بالعمل الباطل لقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ

стр. 528

أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] (١). والنور يعبَّر بالهدى، والظلمة بالضلال. ومن هاهنا قال عمر بن الخطاب لحابس بن سعد الطائي، وقد ولّاه القضاء، فقال له (٢): رأيتُ الشمس والقمر يقتتلان، والنجوم بينهما نصفين. فقال (٣): مع أيهما كنتَ؟ قال: مع القمر على الشمس. قال: كنتَ مع الآية الممحوَّة. اذهَبْ، فلست تعمَل لي عملًا، ولا تُقتَل إلا في لَبْسٍ من الأمر. فقُتِل يوم صِفِّين (٤).

стр. 529

وقيل لعابر: رأيتُ الشمس والقمر دخلا في جوفي. فقال: تموت. واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ [القيامة: ٧ - ١٠]. وقال رجل لابن سيرين: رأيتُ معي أربعة أرغفة حين طلعت (١) الشمس. فقال: تموت إلى أربعة أيام. ثم قرأ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ (٢) [الفرقان: ٤٥ - ٤٦]. وأخذ هذا التأويل أنه حمل رزقَ (٣) أربعةِ أيام. وقال له آخر: رأيت كيسي مملوءًا أرَضةً، فقال: أنت ميت. ثم قرأ: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ١٤]. والنخلة تدل على الرجل المسلم وعلى الكلمة الطيبة، [١١٥/ب] والحنظلةُ تدل على ضد ذلك. والصنم يدل على العبد السَّوء الذي لا ينفع. والبستان يدل على العمل، واحتراقُه يدل على حبوطه لما تقدَّم في أمثال القرآن. ومن رأى أنه ينقض غزلًا أو ثوبًا ليعيده مرة ثانية، فإنه ينقُض عهدًا وينكُثه. والمشي سويًّا في طريق مستقيم يدل على استقامته على الصراط المستقيم، والأخذُ في بُنَيَّات الطريق يدل على عدوله عنه إلى ما خالفه. وإذا عرضت (٤) له

стр. 530

طريقان ذات يمين وذات شمال، فسلك أحدهما (١)، فإنه من أهلها. وظهور عورة الإنسان له: ذنبٌ يرتكبه ويُفتضَح به. وهروبه وفراره من شيء نجاة وظفر. وغرقه في الماء فتنة في دينه ودنياه. وتعلُّقُه بحبل بين السماء والأرض تمسُّكُه بكتاب الله وعهده واعتصامه بحبله، فإن انقطع به فارقَ العصمةَ؛ إلا أن يكون وليَّ أمرٍ (٢) فإنه قد يُقتَل أو يموت. فالرؤيا أمثال مضروبة يضربها الملَكُ الذي قد وكَّله الله بالرؤيا، ليستدلَّ الرائي بما ضرب له من المثل على نظيره، ويعبُر منه إلى شبهه. ولهذا سمِّي تأويلها تعبيرًا، وهو تفعيل من العبور؛ كما أن الاتعاظ يسمَّى اعتبارًا وعبرةً، لعبور المتعظ من النظير إلى نظيره. ولولا أنَّ حُكمَ الشيء حكمُ مثلِه وحُكمَ النظير حكمُ نظيره لبطل هذا التعبير والاعتبار، ولما وُجِد إليه سبيل. وقد أخبر الله سبحانه أنه ضرَب الأمثال لعباده في غير موضع من كتابه، وأمر باستماع أمثاله، ودعا عباده إلى [١١٦/أ] تعقُّلها، والتفكير فيها، والاعتبار بها. وهذا هو المقصود بها. وأما أحكامه الأمرية الشرعية، فكلُّها هكذا، تجدها مشتملةً على التسوية بين المتماثلين، وإلحاق النظير بنظيره، واعتبار الشيء بمثله، والتفريق بين المختلفين، وعدم تسوية أحدهما بالآخر. وشريعته سبحانه منزَّهة أن تنهى عن شيء لمفسدةٍ فيه، ثم (٣) تُبيح ما هو مشتمل على تلك المفسدة أو مثلها أو أزيد منها. فمن جوَّز ذلك على الشريعة فما عرفها حقَّ معرفتها، ولا قدَرها
следующие страницы →