قلوبهم مولِّيَةً، وهم يجمحون، لثقل معرفة الربِّ تعالى وأسمائه وصفاته على عقولهم وقلوبهم. وكذلك المشركون على اختلاف شركهم، إذا جُرِّد لهم التوحيدُ، وتُليت عليهم نصوصُه (١) المبطِلةُ شركَهم (٢)، اشمأزَّتْ قلوبهم، وثقُل (٣) عليهم، ولو وجدوا السبيل إلى سدِّ آذانهم لفعلوا. وكذلك تجد أعداء أصحاب رسول الله ﷺ إذا سمعوا نصوص الثناء على الخلفاء الراشدين وصحابة رسول الله ﷺ ثقل ذلك عليهم جدًّا، وأنكرته قلوبهم. وهذا كلُّه شبَه ظاهر، ومثلٌ محقَّق من إخوانهم من المنافقين في المثل الذي ضربه الله لهم بالماء، فإنهم لمّا تشابهت قلوبهم تشابهت أعمالهم.
فصل
وقد ذكر الله المثلين المائي والناري في سورة الرعد (٤)، ولكن في حقِّ المؤمنين؛ فقال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ (٥) عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ [٨٨/ب] مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ
стр. 457
فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧].
شبَّه (١) الوحيَ الذي أنزله لحياة القلوب والأسماع والأبصار بالماء الذي أنزله لحياة الأرض بالنبات، وشبَّه القلوب (٢) بالأودية. فقلبٌ كبيرٌ يسع علمًا عظيمًا كواد كبير يسع ماءً كثيرًا، وقلبٌ صغيرٌ إنما يسع بحسَبه كالوادي الصغير، فسالت أوديةٌ بقدرها، واحتملت قلوبٌ من الهدى والعلم بقدرها.
وكما أنّ السَّيل إذا خالط الأرضَ ومرَّ عليها احتمل غثاءً وزَبَدًا، فكذلك الهدى والعلم إذا خالط القلوبَ أثار ما فيها من الشهوات والشبهات ليقلعها ويُذهبها، كما يثير الدواءُ وقتَ شُربه من البدن أخلاطه (٣)، فيتكرَّب (٤) بها شاربُه. وهي من تمام نفع الدواء، فإنه أثارها ليذهب بها، فإنه لا يجامعها ولا
стр. 458
يُساكنها (١). وهكذا يضرب الله الحقَّ والباطل.
ثم ذكر المثل الناري فقال: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ (٢) عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ وهو الخَبَث الذي يخرج عند سَبْك الذهب والفضة والنحاس والحديد، فتُخرجه النار، وتميِّزه، وتفصله عن الجوهر الذي يُنتفَع به، فيُرمى ويُطرَح ويذهب جُفاءً. فكذلك الشهوات والشبهات يرميها قلبُ المؤمن ويطرحها ويجفوها، كما يطرح السيلُ والنارُ ذلك الزَّبد والغثاء والخبث، ويستقرُّ في قرار الوادي الماءُ الصافي الذي يستقي منه الناس، ويزرعون، ويسقون أنعامهم. [٨٩/أ] كذلك يستقِرُّ في قرار القلب وجِذْره الإيمانُ الخالص الصافي الذي ينفع صاحبَه وينتفع به غيرُه. ومن لم يفقه هذين المثلين، ولم يتدبَّرهما ويعرِفْ ما يراد منهما، فليس من أهلهما. والله الموفق.
فصل
ومنها: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤].
شبَّه سبحانه الحياة الدنيا في أنها تتزيَّن في عين الناظر، فتروقه بزينتها وتُعجِبه، فيميل إليها ويهواها اغترارًا منه بها، حتّى إذا ظنَّ أنه مالكٌ لها قادرٌ
стр. 459
عليها سُلِبَها بغتةً أحوجَ ما كان إليها، وحيل بينه وبينها. فشبَّهها بالأرض التي ينزل الغيثُ عليها فتُعْشِب، ويحسُن نباتها، ويروق منظرها للناظر، فيغترُّ به، ويظنُّ أنه قادر عليها، مالك لها. فيأتيها أمرُ الله، فتدرك نباتَها الآفةُ بغتةً، فتصبح كأن لم تكن قبل، فيخيب ظنُّه، وتصبح يداه صفرًا منها. فهكذا حال الدنيا والواثقِ بها سواء. وهذا من أبلغ التشبيه والقياس. ولما كانت الدنيا عرضةً لهذه الآفات، والجنةُ سليمةً منها، قال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] (١). فسمَّاها هنا "دار السلام" لسلامتها من هذه الآفات التي ذكرها في الدنيا، فعمَّ بالدعوة إليها، وخصَّ بالهداية من يشاء. فذاك عدلُه، وهذا فضلُه (٢).
فصل
[٨٩/ب] ومنها: قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٢٤]. فإنه سبحانه ذكر الكفار، ووصفهم بأنهم ما كانوا يستطيعون السمعَ وما كانوا يبصرون. ثم ذكر المؤمنين، ووصفهم بالإيمان والعمل الصالح والإخبات إلى ربِّهم، فوصفهم بعبودية الظاهر والباطن. جعل (٣) أحد الفريقين كالأعمى والأصمِّ من حيث كان قلبه أعمى عن رؤية الحق، أصمَّ عن سماعه؛ فشبَّهه بمن بصرُه أعمى عن رؤية الأشياء، وسمعُه أصمُّ عن سماع الأصوات. والفريق الآخر
стр. 460
بصير القلب سميعه، كبصير العين وسميع الأذن. فتضمَّنت الآية قياسين وتمثيلين للفريقين، ثم نفى التسوية عن الفريقين بقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾.
ومنها: قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١] فذكر سبحانه أنهم ضعفاء، وأن الذين اتخذوهم أولياءَ أضعفُ منهم؛ فهم في ضعفهم وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت اتخذت بيتًا، وهو أوهن البيوت وأضعفها.
وتحت هذا المثل أنَّ هؤلاء المشركين أضعفُ ما كانوا حين اتخذوا من دون الله أولياء، فلم يستفيدوا بمن اتخذوهم أولياء إلا ضعفًا، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ [٩٠/أ] نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤ - ٧٥]. وقال بعد أن ذكر إهلاك الأمم المشركين: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١].
فهذه أربعة مواضع في القرآن تدل على أن من اتخذ من دون الله وليًّا يتعزَّز به، ويتكثَّر (١) به، ويستنصر به= لم يحصل له به إلا ضدُّ مقصوده. وفي
стр. 461
القرآن أكثر من ذلك. وهذا من أحسن الأمثال وأدلِّها على بطلان الشرك وخسارة صاحبه وحصوله على ضد مقصوده.
فإن قيل: فهم يعلمون أن أوهن البيوت بيت العنكبوت، فكيف نفى عنهم علمَ ذلك بقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
فالجواب أنه سبحانه لم ينفِ عنهم علمَهم بوهن بيت العنكبوت، وإنما نفى عنهم علمَهم بأنَّ اتخاذَهم أولياء من دونه كالعنكبوت اتخذت بيتًا، فلو علموا ذلك لما فعلوه، ولكن ظنُّوا أنّ اتخاذهم الأولياء من دونه يفيدهم عزًّا، وقوّةً، فكان الأمر بخلاف ما ظنّوه.
فصل
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٣٩ - ٤٠].
ذكر [٩٠/ب] سبحانه للكافرين مثلين (١): مثلًا بالسراب، ومثلًا بالظلمات المتراكمة. وذلك لأنَّ المُعرِضين عن الهدى والحق نوعان: أحدهما: من يظن أنه على شيء، فتبيَّن (٢) له عند انكشاف الحقائق خلافُ ما
стр. 462
كان يظنه. وهذه حال أهل الجهل وأهل البدع والأهواء الذين يظنون أنهم على هدًى وعلم، فإذا انكشفت الحقائق تبيَّن لهم أنهم لم يكونوا على شيء، وأن عقائدهم وأعمالهم التي ترتَّبت عليها كانت كسرابٍ (١) يُرَى في عين الناظر ماءً، ولا حقيقة له. وهكذا الأعمال التي لغير الله وعلى غير أمره، يحسبها العامل نافعةً له، وليست كذلك. وهذه هي الأعمال التي قال الله فيها: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
وتأمَّلْ جَعْلَه (٢) سبحانه السَّرابَ بالقيعة، وهي الأرض القفر الخالية من البناء والشجر والنبات والعالم. فمحلُّ السراب أرض قفر لا شيء بها، والسراب لا حقيقة له. وذلك مطابق لأعمالهم وقلوبهم التي أقفرت من الإيمان والهدى.
وتأمَّل ما تحت قوله: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾. والظمآن: الذي قد اشتدَّ عطشُه، فرأى السرابَ، فظنَّه ماءً، فتبِعه، فلم يجده شيئًا، بل خانه أحوجَ ما كان إليه. فكذلك هؤلاء، لما كانت أعمالهم على غير طاعة الرسل (٣) ولغير الله جُعِلَتْ كالسراب، فرُفِعَتْ لهم أظمأَ ما كانوا، وأحوجَ ما كانوا إليها، فلم يجدوا شيئًا؛ ووجدوا الله سبحانه ثَمَّ، فجازاهم بأعمالهم، ووفَّاهم حسابهم.
وفي "الصحيح" (٤) من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في
стр. 463
حديث التجلِّي يوم القيامة: "ثم يؤتى بجهنَّم [٩١/أ] تُعرَض كأنها السَّراب. فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنَّا نعبد عزيرَ بن الله. فيقال: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد؛ فما تريدون؟ قالوا: نريد أن تسقينا. فيقال: اشربوا. فيتساقطون في جهنم. ثم يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنَّا نعبد المسيح بن الله. فيقال لهم: كذبتم، لم يكن لله صاحبة ولا ولد؛ فما تريدون: فيقولون: نريد أن تسقينا. فيقال لهم: اشربوا، فيتساقطون" وذكر الحديث.
وهذه حال كلِّ صاحبِ باطل، فإنه يخونه باطلُه أحوجَ ما كان إليه، فإن الباطل لا حقيقة له، وهو كاسمه باطل. فإذا كان الاعتقاد غير مطابق ولا حقٍّ كان متعلقه باطلًا، وكذلك إذا كانت غاية العمل باطلة ــ كالعمل لغير الله، أو على غير أمره ــ بطل العملُ ببطلان غايته. وتضرَّر عاملُه ببطلانه، وبحصول ضدِّ ما كان يؤمِّله. فلم يذهب عليه عمله واعتقاده، لا له ولا عليه، بل صار معذَّبًا بفوات نفعه، وبحصول ضدِّ النفع. فلهذا قال تعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩]. فهذا مثل الضالِّ الذي يحسب أنه على هدى.
فصل
والنوع الثاني: أصحاب مثل الظلمات المتراكمة. وهم الذين عرفوا الحق والهدى، وآثروا عليه ظلمات الباطلِ والضلال، فتراكمت عليهم ظلمةُ الطبع، وظلمةُ النفوس، وظلمةُ الجهل ــ حيث لم يعملوا بعلمهم، فصاروا جاهلين ــ وظلمةُ اتباع الغي والهوى. فحالهم كحال من كان في بحر لُجِّيٍّ لا ساحل له، وقد غشيه موجٌ، ومن فوق ذلك الموج موجٌ، ومن فوقه سحاب
стр. 464
[٩١/ب] مظلم. فهو في ظلمة البحر، وظلمة الموج، وظلمة السحاب. وهذا نظير ما هو فيه من الظلمات التي لم يُخرجه الله منها إلى نور الإيمان.
وهذان المثلان بالسَّرابِ الذي ظنَّه مادَّةَ الحياة وهو (١) الماء، والظلماتِ المضادَّة للنور= نظيرُ المثلين اللذين ضربهما الله للمنافقين والمؤمنين، وهما المثل المائي والمثل الناري، وجعل حظَّ المؤمنين منهما الحياةَ والإشراق، وحظَّ المنافقين منهما الظلمةَ المضادَّةَ للنور، والموتَ المضادَّ للحياة؛ فكذلك الكفارُ في هذين المثلين، حظُّهم من الماء السرابُ الذي يغُرُّ الناظرَ ولا حقيقة له، وحظُّهم الظلمات المتراكمة.
وهذا يجوز أن يكون المراد به حال كلِّ طائفة من طوائف الكفار، وأنهم عدِموا مادةَ الحياة والإضاءة بإعراضهم عن الوحي؛ فيكون المثلان صفتين لموصوف واحد. ويجوز أن يكون المراد به تنويع أحوال الكفار، وأن أصحاب المثل الأول هم الذين عملوا على غير علم ولا بصيرة، بل على جهل وحسن ظن بالأسلاف، فكانوا يحسبون أنهم يُحسنون صنعًا. وأصحاب المثل الثاني هم الذين استحبُّوا الضلالة على الهدى، وآثروا الباطل على الحق، وعَمُوا عنه بعد أن أبصروه، وجحدوه بعد أن عرفوه. فهذا حال المغضوب عليهم، والأول حال الضالِّين. وحال الطائفتين مخالف لحال المنعم عليهم المذكورين في قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٥ - ٣٨]. فتضمَّنت الآيات
стр. 465
أوصاف الفِرَق الثلاثة (١): المنعَم [٩٢/أ] عليهم وهم أهل النور، والضالين وهم أصحاب السَّراب، والمغضوب عليهم وهم أهل الظلمات المتراكمة. والله أعلم.
فالمثل الأول من المثلين لأصحاب العمل الباطل الذي لا ينفع، والمثل الثاني لأصحاب العلوم والنظر والأبحاث التي لا تنفع. فأولئك أصحاب العمل الباطل، وهؤلاء أصحاب العلم الذي لا ينفع والاعتقادات الباطلة، وكلاهما مضاد للهدى ودين الحق. ولهذا مثَّل حالَ الفريق الثاني في تلاطُم أمواج الشكوك والشبهات والعلوم الفاسدة في قلوبهم، بتلاطم أمواج البحر فيه، وأنها أمواج متراكمة من فوقها سحاب مظلم. وهكذا أمواج الشكوك والشُّبَه في قلوبهم المظلمة التي قد تراكمت عليها سُحُبُ الغيِّ والهوى والباطل. فليتدبَّر اللبيب أحوال الفريقين، وليطابق بينهما وبين المثلين، يعرِفْ عظمةَ القرآن وجلالتَه، وأنه تنزيل من حكيم حميد.
وأخبر سبحانه أنَّ الموجِبَ لذلك أنه لم يجعل لهم نورًا، بل تركهم على الظلمة التي خُلِقوا فيها، فلم يُخرجهم منها إلى النور؛ فإنه سبحانه وليُّ الذين آمنوا يُخْرِجهم من الظلمات إلى النور. وفي "المسند" (٢) من حديث عبد الله بن عمرو (٣) أن النبي ﷺ قال: "إنَّ الله خلَق خَلْقَه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلَّ".
стр. 466
فلذلك أقول: جفَّ القلمُ على علم الله، فالله سبحانه خلق الخلق في ظلمة، فمن أراد هدايته جعل له نورًا وجوديًّا يُحيي به قلبه وروحه، كما يحيي بدنه [٩٢/ب] بالروح التي ينفخها فيه. فهما حياتان: حياة البدن بالروح، وحياة الروح والقلب بالنور. ولهذا سمَّى سبحانه الوحي "روحًا" لتوقُّف الحياة الحقيقية عليه، كما قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: ٢]، وقال: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر: ١٥]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. فجعل وحيه روحًا ونورًا، فمن لم يُحْيِه بهذا الروح فهو ميِّت، ومن لم يجعل له نورًا منه فهو في الظلمات، ما له من نور.
فصل
ومنها: قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]، فشبَّه أكثرَ الناس بالأنعام، والجامعُ بين النوعين التساوي في عدم قبول الهدى والانقياد له. وجعل الأكثرين أضلَّ سبيلًا من الأنعام، لأن البهيمة يهديها سائقها، فتهتدي وتتبع الطريق، فلا تحيد عنها يمينًا ولا شمالًا. والأكثرون يدعوهم الرسل، ويهدونهم السبيلَ، فلا يستجيبون، ولا يهتدون، ولا يفرِّقون بين ما يضرُّهم وبين ما ينفعهم. والأنعام تفرِّق بين ما يضرُّها من النبات والطريق فتجتنبه، وما ينفعها فتؤثره. والله تعالى لم يخلق للأنعام قلوبًا تعقل بها، ولا ألسنةً تنطق بها؛ وأعطى ذلك لهؤلاء، ثم لم ينتفعوا بما جعل لهم من العقول والقلوب والألسنة والأسماع والأبصار، فهم أضلُّ من البهائم. فإن من لا
стр. 467
يهتدي إلى الرشد [٩٣/أ] وإلى الطريق مع الدليل إليه أضلُّ وأسوأ حالًا ممن لا يهتدي حيث لا دليل معه.
فصل
ومنها: قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨]، وهذا دليل قياسي (١) احتجَّ الله سبحانه به على المشركين حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء، فأقام عليهم حجةً يعرفون صحتها من نفوسهم، لا يحتاجون فيها إلى غيرهم. ومن أبلغ الحِجاج أن يأخذ (٢) الإنسانَ من نفسه، ويحتجَّ عليه بما هو في نفسه، مقرَّرٌ عندها، معلومٌ لها؛ فقال: هل لكم مما ملكت أيمانكم من عبيدكم وإمائكم شركاءُ في المال والأهل؟ أي هل يشارككم عبيدكم في أموالكم وأهليكم، فأنتم وهم في ذلك سواء، تخافون أن يقاسموكم أموالكم ويشاطروكم إياها، ويستأثرون ببعضها عليكم، كما يخاف الشريك شريكه؟ وقال ابن عباس: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضًا (٣).
والمعنى: هل يرضى أحد منكم أن يكون عبدُه شريكَه في ماله وأهله حتى يساويه في التصرف في ذلك، فهو يخاف أن ينفرد في ماله بأمر يتصرَّف
стр. 468
فيه، كما يخاف غيره من الشركاء والأحرار؟ فإذا لم ترضَوا ذلك لأنفسكم، فلِمَ عدلتم بي مِن خلقي مَن هو مملوك لي؟ فإن كان هذا الحكم باطلًا (١) في فِطَركم وعقولكم، مع أنه جائز عليكم، ممكن في حقِّكم؛ إذ ليس عبيدكم ملكًا لكم حقيقةً، وإنما هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، وأنتم وهم عباد (٢) لي= فكيف تستجيزون [٩٣/ب] مثل هذا الحكم في حقِّي، مع أنَّ مَن جعلتموهم لي شركاءَ عبيدي وملكي وخلقي؟ فهكذا يكون تفصيل الآيات لأولي العقول (٣).
فصل
ومنها: قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٥ - ٧٦].
هذان مثلان متضمِّنان قياسين من قياس العكس، وهو نفيُ الحكم لنفي علّتِه وموجِبه. فإن القياس نوعان: قياس طرد يقتضي إثباتَ الحكم في الفرع لثبوت علة الأصل فيه، وقياس عكس يقتضي نفيَ الحكم عن الفرع لنفي علَّةِ الحكم فيه.
стр. 469
فالمثل الأول ما ضربه الله سبحانه لنفسه وللأوثان. فالله سبحانه هو المالك لكلِّ شيء، يُنفِق كيف يشاء على عبيده سرًّا وجهرًا وليلًا ونهارًا، يمينه ملأى لا يغيضها نفقةٌ، سحَّاءُ الليلَ والنهارَ (١). والأوثان مملوكة عاجزة، لا تقدر على شيء. فكيف تجعلونها شركاء لي، وتعبدونها من دوني، مع هذا التفاوت العظيم والفرق المبين؟ هذا قول مجاهد (٢) وغيره.
وقال ابن عباس: هو مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، ومثَّل المؤمنَ في الخير الذي عنده بمن رزَقه منه رزقًا (٣) حسنًا، فهو ينفق منه على نفسه وعلى غيره سرًّا وجهرًا. والكافر بمنزلة عبد مملوك عاجز لا يقدر على شيء، لأنه لا خير عنده. فهل يستوي الرجلان [٩٤/أ] عند أحد من العقلاء؟ (٤).
والقول الأول أشبه بالمراد، فإنه أظهر في بطلان الشرك، وأوضح عند المخاطب، وأعظم في إقامة الحجة، وأقرب نسبًا بقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٣ - ٧٤].
ثم قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ﴾ (٥) [النحل: ٧٥] ومن لوازم هذا المثل وأحكامه أن يكون المؤمن الموحِّد كمن رزقه منه رزقًا
стр. 470
حسنًا، والكافر المشرك (١) كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء. فهذا مما نبَّه عليه المثلُ وأرشد إليه. فذكره ابن عباس منبِّهًا (٢) على إرادته لا أن الآية اختصَّت به، فتأمَّلْه؛ فإنك تجده كثيرًا في كلام ابن عباس وغيره من السلف في فهم القرآن، فيظنّ الظانُّ أن ذلك هو معنى الآية التي لا معنى لها غيره، فيحكيه قولَه.
فصل
وأما المثل الثاني، فهو مثل ضربه الله لنفسه ولما يُعبد من دونه أيضًا. فالصنم الذي يُعبد من دونه بمنزلة رجل أبكم لا يعقل ولا ينطق، بل هو أبكم القلب واللسان، قد عدِمَ النطقَ القلبي واللساني، ومع هذا فهو عاجز لا يقدر على شيء البتة؛ ومع هذا فأينما أرسلتَه لا يأتيك بخير، ولا يقضي لك حاجة. والله تعالى حيٌّ قادر متكلم، يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم. وهذا وصف له بغاية الكمال والحمد، فإنَّ أمرَه بالعدل ــ وهو الحق ــ يتضمَّن أنه سبحانه عالم به، معلِّم له، راضٍ به، آمرٌ لعباده به، محِبٌّ لأهله، لا يأمر بسواه. بل تنزَّه [٩٤/ب] عن ضدِّه الذي هو الجور والظلم والسفه والباطل. بل أمرُه وشرعُه عدلٌ كلُّه، وأهلُ العدل هم أولياؤه وأحباؤه، وهم المجاورون له عن يمينه على منابر من نور (٣).
وأمرُه بالعدل يتناول الأمرَ الشرعي الديني والأمرَ القدري الكوني، وكلاهما عدل لا جور فيه بوجهٍ ما، كما في الحديث الصحيح: "اللهم إني
стр. 471
عبدُك، ابنُ عبدك، ابنُ أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤك" (١). فقضاؤه هو أمره الكوني، فإنما أمرُه إذا أراد شيئًا أن يقول له: "كن"، فيكون؛ فلا يأمر إلا بحق وعدل. وقضاؤه وقدره القائم به حق وعدل، وإن كان في المقضيِّ المقدَّر ما هو جور وظلم، فالقضاء غير المقضي، والقدر غير المقدر.
ثم أخبر سبحانه أنه على صراط مستقيم. وهذا نظير قول رسوله شعيب (٢): ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]. فقوله: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ نظير قوله: "ناصيتي بيدك"، وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ نظير قوله: "عدلٌ فيَّ قضاؤك" (٣). فالأول ملكه، والثاني حمده؛ وهو سبحانه له الملك وله الحمد.
стр. 472
وكونه سبحانه على صراط مستقيم يقتضي أنه لا يقول إلا الحق، ولا يأمر إلا بالعدل، ولا يفعل إلا ما هو مصلحة ورحمة (١) وحكمة وعدل. فهو على الحق في أقواله وأفعاله، فلا يقضي على العبد ما (٢) يكون ظالمًا له به، ولا يأخذه بغير ذنب (٣)، ولا ينقصه من حسناته شيئًا، ولا يحمل عليه من سيئات غيره التي لم يعملها [٩٥/أ] ولم يتسبَّب إليها شيئًا، ولا يؤاخذ أحدًا بذنب غيره، ولا يفعل قطُّ (٤) ما لا يُحمَد عليه، ويُثنَى به عليه، ويكون له فيه العواقب الحميدة والغايات المطلوبة؛ فإن كونه على صراط مستقيم يأبى ذلك كلَّه.
قال محمد بن جرير الطبري (٥): وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، يقول: إن ربي على طريق الحق، يجازي المحسنَ من خلقه بإحسانه، والمسيء بإساءته، لا يظلم أحدًا منهم شيئًا، ولا يقبل منهم إلا الإسلام له (٦)، والإيمان به".
ثم حكى (٧) عن مجاهد من طريق شبل عن ابن أبي نجيح عنه: ﴿إِنَّ
стр. 473
رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال: الحق. وكذلك رواه ابن جريج عنه (١).
وقالت فرقة: هي مثل قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤]، وهذا اختلاف عبارة، فإنَّ كونه بالمرصاد هو مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
وقالت فرقة: في الكلام حذف، تقديره: إنّ ربِّي يحثُّكم على صراط مستقيم، ويحضُّكم عليه. وهؤلاء إن أرادوا أن هذا معنى الآية الذي (٢) أريد بها فليس كما زعموا، ولا دليل على هذا المقدَّر (٣)، وقد فرَّق سبحانه بين كونه آمرًا بالعدل وبين كونه على صراط مستقيم. وإن أرادوا أنّ حثَّه على الصراط المستقيم من جملة كونه على صراط مستقيم، فقد أصابوا.
وقالت فرقة أخرى: معنى كونه على صراط مستقيم: أنّ مردَّ العباد والأمور كلِّها إلى الله، لا يفوته شيء منها. وهؤلاء إن أرادوا أن هذا معنى الآية فليس كذلك، وإن أرادوا أن هذا من لوازم كونه على صراط مستقيم ومن مقتضاه وموجَبه، فهو حقٌّ.
وقالت فرقة أخرى: معناه: [٩٥/ب] كلُّ شيء تحت قدرته وقهره وفي ملكه وقبضته. وهذا وإن كان حقًّا، فليس هو معنى الآية. وقد فرَّق شعيب (٤) بين قوله: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ وبين قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ
стр. 474
مُسْتَقِيمٍ﴾، فهما معنيان مستقلَّان (١).
فالقول قول مجاهد، وهو قول أئمة التفسير، ولا تحتمل العربيةُ غيرَه إلا على استكراه. قال (٢) جرير يمدح عمر بن عبد العزيز (٣):
أميرُ المؤمنين على صراطٍ ... إذا اعوجَّ المواردُ مستقيم
وقد قال تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]. وإذا كان سبحانه هو الذي جعل رسله وأتباعهم على الصراط المستقيم في أقوالهم وأفعالهم، فهو سبحانه أحقُّ بأن يكون على الصراط المستقيم (٤) في قوله وفعله. وإن كان صراط الرسل وأتباعهم هو موافقة أمره، فصراطه الذي هو سبحانه عليه هو (٥) ما يقتضيه حمده وكماله ومجده من قول الحق وفعله (٦). وبالله التوفيق.
стр. 475
فصل
وفي الآية (١) قول ثان مثل الآية الأولى سواء: أنه مثلٌ ضربه الله للمؤمن والكافر. وقد تقدَّم ما في هذا القول. والله الموفِّق (٢).
فصل
ومنها: قوله تعالى في تشبيه من أعرض عن كلامه وتدبُّره: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٤٩ - ٥١].
شبَّههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بحُمُر رأت الأسدَ أو الرُّماةَ، ففرَّت منه. وهذا من بديع القياس التمثيلي، فإن القوم في جهلهم بما بعث الله به رسولَه كالحُمُر، فهي (٣) لا [٩٦/أ] تعقل شيئًا، فإذا سمعت صوت الأسد أو الرامي نفرت منه أشدَّ النفور. وهذا غاية الذمِّ لهؤلاء، فإنهم نفروا عن الهدى الذي فيه سعادتهم وحياتهم كنفور الحُمُر عمّا يُهلكها ويَعقِرها.
стр. 476
وتحت "المستنفِرة" معنى أبلغ من "النافرة"، فإنها لشدة نفورها قد استنفر بعضُها بعضًا، وحضَّه على النفور. فإن في الاستفعال من الطلب قدرًا زائدًا على الفعل المجرَّد، فكأنها تواصت بالنفور، وتواطأت عليه. ومن قرأها بفتح الفاء (١)، فالمعنى أن القسورة استنفرها وحملها على النفور ببأسه وشدته.
فصل
ومنها: قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥].
فقاس من حمَّله سبحانه كتابَه ليؤمن به، ويتدبَّره، ويعملَ به ويدعو إليه؛ ثم خالف ذلك، ولم يحمله إلا على ظهر قلب، فقراءتُه بغير تدبُّر ولا تفهُّمٍ ولا اتباعٍ له وتحكيمٍ (٢) له وعملٍ بموجبه= كحمارٍ، على ظهره زاملةُ أسفار لا يدري ما فيها، وحظُّه منها حملُها على ظهره ليس إلا. فحظُّه من كتاب الله كحظِّ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره (٣).
فهذا المثل وإن كان قد ضُرِب لليهود، فهو متناوِلٌ من حيث المعنى لمن حُمِّل القرآنَ، فترك العملَ به، ولم يؤدِّ حقَّه، ولم يَرْعَه حقَّ رعايته.
стр. 477
فصل
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ [٩٦/ب] بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦].
فشبَّه سبحانه من آتاه كتابه، وعلَّمه العلمَ الذي منعه غيره، فترك العملَ به، واتبع هواه، وآثر سخط الله على رضاه، ودنياه على آخرته، والمخلوق على الخالق= بالكلب الذي هو من أخبث الحيوانات، وأوضعها قدرًا، وأخسِّها (١) نفسًا، وهمَّتُه لا تتعدَّى بطنه، وأشدِّها شرَهًا وحرصًا، ومن حرصه أنه لا يمشي إلا وخَطْمُه في الأرض يتشمَّم ويستَرْوِح حرصًا وشَرَهًا. ولا يزال يشَمُّ دُبُرَه دون سائر أجزائه، وإذا رميتَ إليه بحجر رجع إليه ليعَضَّه من فرط نهمته. وهو من أمهَنِ الحيوانات، وأحمَلِها للهوان، وأرضاها بالدنايا. والجِيَفُ القذِرةُ المُرْوِحةُ (٢) أحبُّ إليه من اللحم الطري، والعذرةُ أحبُّ إليه من الحلوى. وإذا ظفر بميتة تكفي مائةَ كلب لم يدع كلبًا (٣) يتناول معه (٤) منها شيئًا إلّا عن غلبةٍ وقهرٍ (٥)، لحرصه وبخله وشرهه. ومن عجيب
стр. 478
أمره وحرصه أنه إذا رأى ذا هيئة رثَّة وثياب دنيّة وحال زريّة نبَحَه وحمَل عليه، كأنه يتصوَّر مشاركته له ومنازعته في قوته. وإذا رأى ذا هيئة حسنة وثياب جميلة ورياسة وضع له خَطْمَه بالأرض، وخضَع له، ولم يرفع إليه رأسه.
وفي تشبيه مَن آثر الدنيا وعاجِلَها على الله والدار الآخرة مع وفور علمه بالكلب في حال لهفه سرٌّ [٩٧/أ] بديعٌ، وهو أنَّ هذا الذي حاله ما ذكره الله من انسلاخه من آياته واتباعه هواه، إنما كان لشدة لهفه على الدنيا، لانقطاع قلبه عن الله والدار الآخرة، فهو شديدُ اللهف عليها. ولهفُه نظيرُ لهفِ الكلب الدائم في حال إزعاجه وتركه. واللهف واللهث شقيقان وأخوان في اللفظ والمعنى (١).
قال ابن جريج: الكلب منقطع الفؤاد، لا فؤاد له. إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه (٢) يلهث. فهو مثل الذي يترك الهدى، لا فؤاد له، إنما فؤاده منقطع (٣).
قلت: مراده بانقطاع فؤاده أنه ليس له فؤاد يحمله على الصبر وترك
стр. 479
اللهث. وهكذا هذا (١) الذي انسلخ من آيات الله، لم يبق معه فؤاد يحمله على الصبر عن الدنيا وتركِ اللهف عليها. فهذا يلهف على الدنيا من قلة صبره عنها (٢)، وهذا يلهث من قلة صبره عن الماء. فالكلب من أقلِّ الحيوانات صبرًا عن الماء، وإذا عطِش أكَلَ الثَّرى من العطش، وإن كان فيه صبر على (٣) الجوع. وعلى كلِّ حال فهو من أشدِّ الحيوانات لهثًا، يلهث قائمًا وقاعدًا وماشيًا وواقفًا. وذلك لشدة حرصه، فحرارةُ الحرص في كبده تُوجِب له دوامَ اللهث. فهكذا مشبَّهُه، شدةُ حرارة الشهوة (٤) في قلبه توجب له دوام اللهف (٥)، فإن حملتَ عليه بالموعظة والنصيحة فهو يلهف (٦)، وإن تركته ولم تعظه فهو يلهف.
قال مجاهد: وذلك مثل (٧) الذي أوتي الكتاب ولا يعمل (٨) به (٩).
стр. 480
وقال ابن عباس: إن تحمِل عليه الحكمةَ لم يحمِلها، وإن تركته لم يهتد إلى خير، [٩٧/ب] كالكلب إن كان رابضًا لهَثَ، وإن طُرِد لهَث (١).
وقال الحسن: هو المنافق لا يثبُت على الحق، دُعِيَ أو لم يُدْعَ، وُعِظ أو لم يُوعَظ، كالكلب يلهَث طُرِد أو تُرِك (٢).
وقال عطاء: ينبح إن حملتَ عليه أو لم تحمل عليه (٣).
وقال أبو محمد ابن قتيبة (٤): كلُّ شيء يلهَث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة، وحال الصحة وحال المرض والعطش (٥). فضربه الله مثلًا لمن كذَّب بآياته، وقال: إن وعظتَه (٦) فهو ضالٌّ وإن تركتَه فهو ضالٌّ، كالكلب إن طردتَه لهَثَ، وإن تركتَه على حاله لهَثَ.
стр. 481
ونظيره قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣].
وتأمَّلْ ما في هذا المثل من الحِكَم والمعنى. فمنها: قوله: ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾، فأخبر سبحانه أنه هو الذي آتاه آياته، فإنها نعمة، والله هو الذي أنعم بها عليه، فأضافها إلى نفسه. ثم قال: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ أي خرج منها كما تنسلخ الحيَّةُ من جِلدها، وفارقها فراقَ الجلدِ يُسلَخ عن اللحم. ولم يقل: "فسلخناه منها"، لأنه هو الذي تسبَّب إلى انسلاخه منها باتباع هواه.
ومنها: قوله سبحانه: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾، أي لحقه وأدركه، كما قال تعالى في قوم فرعون: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠]. وكان محفوظًا محروسًا بآيات الله، محميَّ الجانب بها من الشيطان، لا ينال منه شيئًا إلا على غِرَّة وخَطْفة. فلما انسلخ من آيات الله ظفر به الشيطانُ ظفَرَ الأسد بفريسته، فكان من الغاوين العاملين بخلاف [٩٨/أ] علمهم، الذين يعرفون الحق ويعملون بخلافه، كعلماء السوء.
ومنها: أنه سبحانه قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾، فأخبر سبحانه أن الرِّفعة عنده ليست بمجرَّد العلم، فإن هذا كان من العلماء؛ وإنما هي باتباع الحق وإيثاره وقصد مرضاة الله. فإنَّ هذا كان من أعلم أهل زمانه، ولم يرفعه الله بعلمه ولم ينفعه به. فنعوذ بالله من علم لا ينفع. وأخبر سبحانه أنه هو الذي يرفع عبده إذا شاء بما آتاه من العلم، وإن لم يرفعه الله فهو موضوع لا يرفع أحدٌ به رأسًا؛ فإنَّ الخافض الرافع ــ سبحانه ــ خفَضَه ولم يرفعه. والمعنى: لو شئنا فضَّلناه، وشرَّفناه، ورفعنا قدره ومنزلته بالآيات التي آتيناه.
стр. 482
قال ابن عباس: ولو شئنا لرفعناه بعلمه بها (١).
وقالت طائفة: الضمير في قوله: ﴿لَرَفَعْنَاهُ﴾ عائد على الكفر، والمعنى: لو شئنا لرفعنا عنه الكفرَ بما معه من آياتنا. قال مجاهد (٢) وعطاء (٣): لرفعنا عنه الكفر بالإيمان (٤)، وعصمناه. وهذا المعنى حقٌّ، والأول هو مراد الآية، وهذا من لوازم المراد. وقد تقدَّم (٥) أن السلف كثيرًا ما ينبِّهون على لازم معنى الآية، فيظنّ الظانُّ أن ذلك هو المراد منها.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾.
قال سعيد بن جبير: رَكَن إلى الأرض (٦).
стр. 483
وقال مجاهد: سكن (١).
وقال مقاتل (٢): رضي بالدنيا.
وقال أبو عبيدة (٣): لزمها، وأبطأ. والمُخْلِد من الرجال: هو الذي يبطئ مشيبُه (٤)، ومن الدواب: التي (٥) تبقى ثناياه إلى أن تخرج رَباعيته (٦).
وقال الزجاج: خلد وأخلد [واحد] (٧). وأصله من الخلود وهو الدوام
стр. 484
والبقاء (١)، يقال: أخلد فلان [٩٨/ب] بالمكان، إذا أقام به. قال مالك بن نويرة (٢):
بأبناء حيٍّ من قبائل مالكٍ ... وعمرو بن يربوعٍ أقاموا فأخلَدوا
قلت: ومنه قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] أي قد خلقوا للبقاء، لذلك لا يتغيَّرون ولا يكبَرون، وهم على سنٍّ واحد أبدًا. وقيل: هم المقرَّطون في آذانهم، والمسوَّرون في أيديهم. وأصحاب هذا القول فسَّروا اللفظة ببعض لوازمها (٣)، وذلك أمارة التخليد (٤) على ذلك السنِّ، فلا تنافي بين القولين.
стр. 485
وقوله: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ قال الكلبي (١): اتبعَ مَسافلَ (٢) الأمور، وترَكَ معاليها.
وقال أبو رَوق (٣): اختار الدنيا على الآخرة.
وقال عطاء (٤): أراد الدنيا، وأطاع شيطانه.
وقال ابن زيد (٥): كان هواه مع القوم. يعني الذين حاربوا موسى وقومه.
وقال يمان (٦): اتبَعَ امرأته، لأنها هي التي حملته على ما فعل.
فإن قيل: الاستدراك بلكن يقتضي أن يُثبِت بعدها ما نفَى قبلها، أو ينفي ما أثبَتَ، كما تقول: لو شئتُ لأعطيتُه، لكنِّي لم أعطه. ولو شئتُ لما فعلتُ كذا، لكنّي فعلته. فالاستدراك يقتضي: ولو شئنا لرفعناه بها، ولكنا لم نشأ، أو فلم نرفَع (٧)، ولكنه أخلد (٨)؛ فكيف استدرك بقوله: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ بعد قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾؟
стр. 486
مسبَّب، ومُوجِب مقتضٍ لا مقتضًى. فما شاء الله وجب وجوده، وما لم يشأ امتنع وجوده (١).
فصل
ومنها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].
وهذا من أحسن القياس التمثيلي، فإنه شبَّه تمزيقَ عِرْض الأخ بتمزيق لحمه. ولما كان المغتابُ يمزِّق عرضَ أخيه في غَيبته كان بمنزلة من يقطِّع لحمَه في حال غيبة روحه عنه بالموت. ولما كان المغتاب عاجزًا عن دفعه عن نفسه بكونه غائبًا عن ذمِّه [٩٩/ب] كان بمنزلة الميِّت الذي يقطَّع لحمُه، ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه. ولما كان مقتضى الأخوة التراحم والتواصل والتناصر، فعلَّق عليها المغتابُ ضدَّ مقتضاها من الذم والعيب والطعن= كان ذلك نظير تقطيعه (٢) لحمَ أخيه، والأخوةُ تقتضي حفظه وصيانته والذبَّ عنه. ولما كان المغتاب متفكِّهًا بعرض أخيه، متمتِّعًا (٣) بغيبته وذمه، متحلِّيًا بذلك= شُبِّه بآكل لحم أخيه بعد تقطيعه. ولما كان المغتاب محبًّا لذلك معجَبًا به شُبِّه بمن يحبُّ أكلَ لحم أخيه ميتًا، ومحبتُه لذلك قدر زائد على
стр. 487
مجرَّد أكله، كما أنَّ أكله قدر زائد على تمزيقه.
فتأمَّلْ هذا التشبيه والتمثيل، وحسنَ موقعه، ومطابقةَ المعقول فيه المحسوسَ (١)، وتأمَّلْ إخبارَه عنهم بكراهة أكل لحم الأخ ميتًا، ووصفَهم بذلك في آخر الآية، والإنكارَ عليهم في أولها أن يحبَّ أحدُهم ذلك. فكما أن هذا مكروه في طباعهم، فكيف يحبُّون ما هو مثله ونظيره؟ فاحتجَّ عليهم بما كرهوه على ما أحبُّوه، وشبَّه لهم ما يحبُّونه بما هو أكره شيء إليهم، وهم أشدُّ شيء نفرةً عنه. فلهذا يوجب العقل والفطرة والحكمة أن يكونوا أشدَّ شيءٍ نفرةً عما هو نظيره ومشبهه. وبالله التوفيق.
فصل
ومنها: قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨].
فشبَّه تعالى أعمالَ الكفار في بطلانها وعدم الانتفاع بها برماد مرَّت عليه [١٠٠/أ] ريح شديدة في يوم عاصف، فشبَّه سبحانه أعمالَهم في حُبوطها وذهابها باطلًا كالهباء المنثور، لكونها على غير أساس من الإيمان والإحسان، وكونِها لغير الله وعلى غير أمره= برمادٍ طيَّرته الريح العاصف، فلا يقدر صاحبُه على شيء منه وقتَ شدَّةِ حاجته إليه. فلذلك قال: ﴿لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾: لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شيء، فلا يرون له أثرًا من ثواب ولا فائدة نافعة، فإنَّ الله لا
стр. 488
يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، موافقًا لشرعه.
والأعمال أربعة، فواحد مقبول، وثلاثة مردودة. فالمقبول: الخالص الصواب. فالخالص أن يكون لله لا لغيره، والصواب أن يكون مما شرعه (١) على لسان رسوله. والثلاثة المردودة ما خالف ذلك (٢).
وفي تشبيهها بالرماد سرّ بديع، وذلك للتشابه الذي بين أعمالهم وبين الرماد في إحراق النار وإذهابها لأصل هذا وهذا. فكانت الأعمال التي لغير الله وعلى غير مراده طُعْمةً للنار، وبها تسعَّر النارُ على أصحابها. وينشئ الله سبحانه لهم من أعمالهم الباطلة نارًا وعذابًا، كما ينشئ لأهل الأعمال الموافقةِ لأمره ونهيه التي هي خالصة لوجهه من أعمالهم نعيمًا ورَوْحًا. فأثَّرت النارُ في أعمال أولئك حتى جعلتها رمادًا، فهم وأعمالهم وما يعبدون من دون الله وقود النار.
فصل
ومنها قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا [١٠٠/ب] ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥].
فشبَّه سبحانه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، لأنَّ الكلمة الطيبة تُثمِر العملَ الصالح، والشجرة الطيبة تُثمِر الثمرَ النافع. وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا الله؛
стр. 489
فإنها تُثمر جميعَ الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة، فكل عمل صالح يُرضي الله (١) ثمرة هذه الكلمة.
وفي "تفسير علي بن أبي طلحة" عن ابن عباس قال: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ شهادة أن لا إله إلا الله، ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ وهو المؤمن، ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ قول لا إله إلا الله في قلب المؤمن، ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء (٢).
وقال الربيع بن أنس: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ هذا مثل الإيمان، فالإيمان: الشجرة الطيبة. وأصلها الثابت الذي لا يزول: الإخلاص فيه. وفرعه في السماء: خشية الله (٣).
والتشبيه على هذا القول أصح، وأظهر، وأحسن. فإنه سبحانه شبَّه شجرةَ التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة، الثابتة الأصل، الباسقة الفرع في السماء علوًّا، التي لا تزال تؤتي ثمرتها كلَّ حين. وإذا تأملتَ هذا التشبيه رأيته مطابقًا لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب، التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء، ولا تزال هذه الشجرة تُثمر الأعمالَ الصالحة كلَّ وقت، بحسب ثباتها في القلب، ومحبة القلب لها، وإخلاصه
стр. 490
فيها، ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقِّها (١)، ومراعاتها حقَّ رعايتها.
[١٠١/أ] فمن رسخت هذه الكلمةُ في قلبه بحقيقتها التي هي حقيقتها، واتصف قلبُه بها، وانصبغ بها بصبغة الله التي لا أحسنَ صبغةً منها، فعرف حقيقة الإلهية التي يُثبتها قلبُه لله، ويشهد بها لسانه، وتصدِّقها جوارحه؛ ونفى تلك الحقيقةَ ولوازمَها عن كلِّ ما سوى الله، وواطأ قلبُه لسانَه في هذا النفي والإثبات، وانقادت جوارحه لمن شهد له بالوحدانية طائعةً سالكةً سبُلَ ربِّه ذُلُلًا، غيرَ ناكبةٍ عنها ولا باغيةً سواها بدلًا، كما لا يبغي (٢) القلبُ سوى معبوده الحقِّ بدلًا. فلا ريب (٣) أن هذه الكلمة من هذا القلب على هذا اللسان لا تزال تؤتي ثمرتها من العمل الصالح الصاعد إلى الله كلَّ وقت. فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل الصالح إلى الربِّ تعالى، وهذه الكلمة الطيبة تثمر كَلِمًا كثيرًا طيّبًا يقارنه عمل صالح، فيرفع العملُ الصالحُ الكلمَ الطيِّب، كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، فأخبر سبحانه أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيِّب، وأخبر أن الكلمة الطيبة تثمر لقائلها عملًا صالحًا كلَّ وقت.
والمقصود: أن كلمة التوحيد إذا شهد بها المؤمن عارفًا بمعناها وحقيقتها نفيًا وإثباتًا، متَّصفًا بموجَبها، قائمًا قلبه ولسانه وجوارحه بشهادته= فهذه الكلمة (٤) من هذا الشاهد، أصلها ثابت راسخ في قلبه، وفروعها
стр. 491
متصلة بالسماء، وهي مُخرِجةٌ لثمرتها كلَّ وقت.
ومن السلف من قال: إن الشجرة الطيبة هي النخلة (١). ويدل عليه حديث ابن عمر الصحيح (٢).
ومنهم [١٠١/ب] من قال: هي المؤمن نفسه كما قال محمد بن سعد: حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ يعني بالشجرة الطيبة: المؤمنَ، ويعني بالأصل الثابت في الأرض والفرع في السماء: يكون المؤمن يعمل في الأرض ويتكلَّم، فيبلغ قولُه وعملُه (٣) السماءَ، وهو في الأرض (٤).
وقال عطية العوفي (٥): ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ قال: ذلك مثل المؤمن، لا يزال يخرج منه كلام طيِّب وعمل صالح يصعَد إلى الله (٦).
стр. 492
وقال الربيع بن أنس: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ قال: ذلك المؤمن، ضُرِبَ مثلُه في الإخلاص لله وحده وعبادته وحده لا شريك له. ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾، قال: أصلُ عمله ثابت في الأرض. ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾، قال: ذكرُه في السماء (١).
ولا اختلاف بين القولين. فالمقصود (٢) بالمثل: المؤمن، والنخلة مشبَّهة به، وهو مشبَّه بها. وإذا كانت النخلة شجرة طيبة، فالمؤمن المشبَّه بها أولى أن يكون كذلك. ومن قال من السلف: إنها شجرة في الجنة، فالنخلة من أشرف أشجار الجنة.
وفي هذا المثل من الأسرار والعلوم والمعارف ما يليق به، ويقتضيه علمُ الذي تكلَّم به وحكمتُه.
فمن ذلك: أن الشجرة لا بدّ لها من عروق وساق وفروع (٣) وورق وثمر، فكذلك شجرة الإيمان والإسلام، ليطابق المشبَّهُ المشبَّهَ به. فعروقها العلم والمعرفة واليقين، وساقها الإخلاص، وفروعها الأعمال، وثمرتها ما توجبه الأعمال الصالحة من الآثار الحميدة، والصفات [١٠٢/أ] الممدوحة، والأخلاق الزكية، والسَّمْت الصالح، والهَدْي والدَّلِّ المرضيّ (٤). فيستدلُّ على غرس هذه الشجرة في القلب وثبوتها فيه بهذه الأمور. فإذا كان العلم صحيحًا مطابقًا لمعلومه الذي أنزل الله كتابه به، والاعتقادُ مطابقًا لما أخبر به
стр. 493
عن نفسه وأخبرت به عنه رسلُه، والإخلاصُ قائمٌ في القلب، والأعمالُ موافِقةٌ للأمر، والهديُ والدَّلُّ والسَّمْتُ مُشابِهٌ لهذه الأصول مناسبٌ لها= عُلِمَ أنَّ شجرةَ الإيمان في القلب أصلها ثابت وفرعها في السماء، وإذا كان الأمر بالعكس عُلِمَ أنَّ القائمَ بالقلب إنما هو الشجرة الخبيثة التي اجتُثَّت من فوق الأرض، ما لها من قرار!
ومنها: أن الشجرة لا تبقى حيَّةً إلا بمادّةٍ تسقيها وتنميها، فإذا قُطِع عنها السقيُ أوشك أن تَيْبَس. فهكذا شجرة الإسلام في القلب إن لم يتعاهدها صاحبها بسقيها كلَّ وقت بالعلم النافع والعمل الصالح، والعَوْدِ بالتذكُّر على التفكُّر، والتفكُّر على التذكُّر= وإلا (١) أوشك أن تيبس.
وفي "مسند الإمام أحمد" (٢) من حديث أبي هريرة ﵁ (٣) قال:
стр. 494
قال رسول الله ﷺ : "إن الإيمان يَخْلَق في القلب كما يخلَق الثوبُ، فجدِّدوا إيمانكم".
وبالجملة، فالغَرس إن لم يتعاهده صاحبه أوشك أن يهلك. ومن هنا تعلم شدة حاجة العباد إلى ما أمر الله به من العبادات على تعاقُب الأوقات، وعظيم رحمته وتمام نعمته وإحسانه إلى عباده بأن وظَّفها (١) عليهم وجعَلَها مادةً لسقي غِراس التوحيد الذي غرسه في قلوبهم.
ومنها: [١٠٢/ب] أن الغرس والزرع النافع قد أجرى الله سبحانه العادة أنه لا بدَّ أن يخالطه دَغَلٌ ونبتٌ غريب ليس من جنسه. فإن تعاهده ربُّه ونقَّاه وقلَعَه كمل الغرس والزرع، واستوى، وتمَّ نباته، وكان أوفر لثمرته وأطيب وأزكى. وإن تركه أوشك أن يغلب على الغِراس (٢) والزرع، ويكون الحكم له، أو يُضعِفَ الأصلَ ويجعل الثمرةَ ذميمة ناقصة بحسب كثرته وقلته. ومن لم يكن له فقهُ نفس في هذا ومعرفةٌ به، فاته ربح كثير (٣) وهو لا يشعر. فالمؤمن دائمًا سعيُه في شيئين: سقيِ هذه الشجرة، وتنقيةِ ما حولها. فبسقيها تبقى وتدوم، وبتنقية ما حولها تكمل وتتمّ. والله المستعان، وعليه التكلان.
стр. 495
فهذا بعض ما تضمَّنه هذا المثل العظيم الجليل من الأسرار والحكم. ولعلها قطرة من بحر، بحسب أذهاننا الواقفة، وقلوبنا المخبَّطَة (١)، وعلومنا القاصرة، وأعمالنا التي توجب التوبة والاستغفار؛ وإلا فلو طهرت منَّا القلوب، وصَفَت الأذهان، وزَكَت النفوس، وخلَصت الأعمال، وتجرَّدت الهمم للتلقي عن الله ورسوله= لَشاهدنا من معاني كلام الله وأسراره وحِكَمه ما تضمحلُّ عنده العلوم، وتتلاشى عنده معارف الخلق. وبهذا يُعرف (٢) قدرُ علوم الصحابة ومعارفهم، وأن التفاوت الذي بين علومهم وعلوم مَن بعدهم كالتفاوت الذي بينهم في الفضل. والله أعلم حيث يجعل مواقعَ فضله، ومَن يختصّ برحمته.
فصل
ثم ذكر سبحانه مثل الكلمة الخبيثة [١٠٣/أ] فشبَّهها بالشجرة الخبيثة التي اجْتُثَّت من فوق الأرض (٣). فلا عرق ثابت، ولا فرع عال، ولا ثمرة