← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ومن ذلك: أن سمُرة بن جُندُب لما باع خمر أهل الذمة، وأخذه في العُشور التي (١) عليهم، فبلغ عمر= قال (٢): قاتل الله سمرة! أمَا علِم أن رسول الله ﷺ قال: "لعن الله اليهود! حُرِّمت عليهم الشحوم، فجمَلوها (٣)، وباعوها، وأكلوا أثمانها" (٤). وهذا محض القياس من عمر ﵁، فإن تحريم الشحوم على اليهود كتحريم الخمر على المسلمين، وكما يحرُم ثمن الشحوم المحرَّمة فكذلك يحرُم ثمن الخمر الحرام. ومن ذلك: أن الصحابة ﵃ جعلوا العبد على النصف من الحُرِّ في النكاح والطلاق والعِدّة قياسًا على ما نصَّ الله عليه من قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. قال عبد الرزاق (٥): أنا سفيان بن عيينة [١٢٤/ب] عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عمر بن الخطاب قال: ينكح العبد اثنتين.

стр. 562

وقال عبد الرزاق (١): أنا سفيان الثوري وابن جريج قالا: ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه أن علي بن أبي طالب قال: ينكح العبد اثنتين. وذكر الإمام أحمد (٢) عن محمد بن سيرين قال: سأل عمر بن الخطاب الناس: كم يتزوج العبد؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: ثنتين، وطلاقه ثنتين (٣). وهذا كان بمحضر من الصحابة، فلم ينكره أحد. وقال محمد بن عبد السلام الخُشَني: ثنا محمد بن المثنى، ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن ليث بن أبي سُلَيم، عن عطاء قال: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ أن العبد لا يجمع بين النساء فوق اثنتين (٤). وروى حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس أن عمر قال: لو استطعت أن أجعل عدَّة الأمة حيضةً ونصفًا لفعلتُ. فقال رجل: يا

стр. 563

أمير المؤمنين فاجعلها شهرًا ونصفًا، فسكت (١). وقال عبد الله بن عتبة عن عمر: عدة الأمة إذا لم تحض شهرين (٢) كعدَّتها إذا حاضت حيضتين (٣). وروى ابن عيينة، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن سليمان ابن يسار، عن عبد الله بن عتبة، عن عمر: ينكح العبد امرأتين، ويطلِّق طلقتين. وتعتدُّ الأمة حَيضتين، وإن لم تكن تحيض فشهرين أو شهرًا ونصفًا (٤). وقال علي: عدة الأمة حيضتان، فإن لم تكن تحيض فشهر ونصف (٥). والمقصود: أن الصحابة ﵃ نصَّفوا ذلك قياسًا على تنصيف الله سبحانه الحدَّ على الأمة. ومن ذلك: [١٢٥/أ] أن الصحابة قدَّموا الصدِّيق في الخلافة، وقالوا:

стр. 564

رضيه رسول الله ﷺ لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا؟ (١). فقاسوا الإمامة الكبرى على إمامة الصلاة. وكذلك اتفاقهم على كتابة المصحف وجمع القرآن فيه (٢). وكذلك اتفاقهم على جمع الناس على مصحف واحد وترتيب واحد وحرف واحد (٣). وكذلك منعُ عمر (٤) وعلي (٥) من بيع أمهات الأولاد برأيهما (٦). وكذلك تسوية الصدِّيق بين الناس في العطاء برأيه (٧)، وتفضيل عمر

стр. 565

برأيه (١). وكذلك إلحاق عمر حدَّ الخمر بحدِّ القذف برأيه (٢)، وأقرَّه الصحابة. وكذلك توريث عثمان بن عفان المبتوتةَ في مرض الموت برأيه (٣) ووافقه الصحابة. وكذلك قال (٤) ابن عباس في نهي النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه. قال: أحسب كلَّ شيء بمنزلة الطعام (٥). وكذلك عمر وزيد لما ورَّثَا الأمَّ ثُلُثَ ما بقي في مسألة زوج وأبوين، وامرأة وأبوين (٦) = قاسا وجود الزوج على ما إذا لم يكن زوج، فإنه حينئذ

стр. 566

يكون للأب ضعف (١) ما للأم، فقدَّرا أن (٢) الباقي بعد الزوج والزوجة كلُّ المال. وهذا من أحسن القياس، فإن قاعدة الفرائض أن الذكر والأنثى إذا اجتمعا وكانا في درجة واحدة فإما أن يأخذ الذكرُ ضِعفَ ما تأخذ (٣) الأنثى كالأولاد وبني الأب، وإما أن تُساويه كولد الأم. وأما أن الأنثى تأخذ ضِعفَ ما يأخذ الذكر، مع مساواتها له (٤) في درجته (٥)، فلا عهد به في الشريعة. فهذا من أحسن الفهم عن الله [١٢٥/ب] ورسوله. وكذلك أخذُ الصحابة في الفرائض بالعَول وإدخال النقص على جميع ذوي الفروض، قياسًا على إدخال النقص على الغُرَماء إذا ضاق مالُ المفلس عن توفيتهم. وقد قال النبي ﷺ للغرماء: "خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك" (٦). وهذا محضُ العدل، على أنَّ تخصيصَ بعض المستحقِّين بالحرمان وتوفيةَ بعضهم بأخذ نصيبه فليس (٧) من العدل. وقال عبد الرزاق (٨): أنا معمر، عن أيوب السختياني، عن عكرمة أن عمر بن الخطاب شاور الناس في حدِّ الخمر، وقال: إن الناس قد شربوها

стр. 567

واجترؤوا عليها. فقال له علي: إن السكران إذا سكِر هذَى، وإذا هذى افترى، فاجعله حدَّ الفِرْية. فجعله عمر حدَّ الفرية ثمانين. ورواه مالك (١) عن ثور بن زيد الدِّيلي (٢) أن عمر شاور الناس. ورواه وكيع (٣): ثنا ابن أبي خالد عن الشعبي قال: استشارهم عمر، فذكره. ولم ينفرد عليٌّ بهذا القياس، بل وافقه عليه الصحابة. قال الزهري: أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن وَبْرة الكلبي (٤) قال: بعثني خالد بن الوليد إلى عمر، فأتيته، وعنده علي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف (٥) متكئون في المسجد. فقلت له: إن خالد بن الوليد يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن الناس انبسطوا (٦) في الخمر، وتحاقروا العقوبة، فما ترى؟ فقال عمر: هم هؤلاء عندك. قال: فقال عليٌّ: أراه إذا سكِر هذَى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون. فاجتمعوا على ذلك، فقال عمر: بلِّغ صاحبك ما قالوا. فضرب [١٢٦/أ] خالد ثمانين،

стр. 568

وضرب عمر ثمانين. قال: وكان عمر إذا أُتِي بالرجل القوي المنتهك (١) في الشراب ضربه ثمانين، وإذا أُتي بالرجل الذي كان منه الزلة الضعيفِ ضربه أربعين. وجعل ذلك عثمان أربعين وثمانين (٢). وهذه مراسيل ومسندات من وجوه متعددة يقوِّي بعضُها بعضًا، وشهرتها تغني عن إسنادها. وقال عبد الرزاق (٣): ثنا سفيان الثوري، عن عيسى بن أبي عيسى الخبَّاط (٤)، عن الشعبي قال: كره عمر الكلام في الجَدّ حتى صار جَدًّا. فقال: إنه كان من أبي بكر (٥) أن الجدَّ أولى من الأخ، وذكر الحديث. وفيه: فسأل عنها زيدَ بن ثابت، فضرَبَ له مثلًا شجرةً (٦) خرجت ولها أغصان.

стр. 569

قال: فذكر شيئًا لا أحفظه، فجعل له الثلث. قال الثوري: وبلغني أنه قال: يا أمير المؤمنين، شجرةٌ نبتت، فانشعب منها غصن، فانشعب من الغصن غصنان، فما جعل الغصنَ الأول أولى من الغصن الثاني، وقد خرج الغصنان من الغصن الأول؟ قال: ثم سأل عليًّا، فضرب له مثلًا واديًا سال فيه سيل، فجعله أخًا فيما بينه وبين ستة، فأعطاه السدس. وبلغني أنّ عليًّا حين سأله عمر جعله سيلًا. قال: فانشعب منه شعبة، ثم انشعبت شعبتان، فقال: أرأيت لو أن هذه الشعبة الوسطى تَيْبَس أما كان يرجع (١) إلى الشعبتين جميعا؟ قال الشعبي: فكان زيد يجعله أخًا حتى يبلغ ثلاثةً هو ثالثهم، فإن زادوا على ذلك أعطاه الثلث. وكان علي يجعله أخًا ما بينه وبين ستة وهو سادسهم، ويعطيه السدس. [١٢٦/ب] فإن زادوا على ستة أعطاه السدس، وصار ما بقي بينهم. وقال القاضي إسماعيل بن إسحاق: ثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه أن عمر بن الخطاب لما استشار في ميراث الجدِّ والإخوة قال زيد: وكان رأيي يومئذ أن الإخوة أحقُّ بميراث أخيهم من الجدِّ، وعمر بن الخطاب يرى يومئذ أن الجدَّ أولى بميراث ابن ابنه من إخوته. فتحاورتُ أنا وعمر محاورة شديدة، فضربتُ له في ذلك مثلًا، فقلت: لو أنّ شجرةً تشعَّب من أصلها غصنٌ، ثم تشعَّب في ذلك الغصن خُوطان (٢)، ذلك الغصن يجمع الخُوطَين دون الأصل ويغذوهما. ألا ترى يا أمير المؤمنين أنَّ أحدَ

стр. 570

الخُوطين أقرب إلى أخيه منه إلى الأصل؟ قال زيد: فأنا أعيد له (١)، وأضرب له هذه الأمثال، وهو يأبى إلا أن الجدَّ أولى من الإخوة، ويقول: والله لو أني قضيتُه اليوم لبعضهم لقضيتُ به للجدِّ كلِّه، ولكن لعلِّي لا أخيِّب منهم أحدًا، ولعلهم أن يكونوا كلُّهم ذوي حقٍّ (٢). وضرب علي وابن عباس لعمر يومئذ مثلًا معناه: لو أنَّ سيلًا سال، فخَلَج منه خليج، ثم خلَج من ذلك الخليج شعبتان (٣). ورأيُ الصدِّيق أولى من هذا الرأي وأصحُّ في القياس، لعدَّة أوجه (٤) ليس هذا موضع ذكرها والجوابِ عن هذه الأمثلة، إذ المقصود (٥) أن الصحابة ﵃ كانوا يستعملون القياس في الأحكام، ويعرفونها بالأمثال والأشباه والنظائر. ولا يُلتفت إلى مَن يقدح في كلِّ سند [١٢٧/أ] من هذه

стр. 571

الأسانيد وأثر من هذا الآثار (١)، فهذه في تعددها واختلاف وجوهها وطُرقها جارية مجرى التواتر المعنوي الذي لا شكَّ (٢) فيه، وإن لم يثبُت كلُّ فردٍ فردٍ (٣) من الأخبار به. وقال عبد الرزاق (٤): ثنا ابن جريج قال: أخبرني عمرو، قال: أخبرني حُيَيّ (٥) بن يعلى بن أمية أنه سمع أباه يقول ــ وذكر قصة الذي قتلته امرأة أبيه وخليلها ــ: إنَّ عمر بن الخطاب ﵁ كتب إليَّ أن اقتُلْهما، فلو اشترك فيه أهلُ صنعاء كلُّهم لقتلتُهم. قال ابن جريج: فأخبرني عبد الكريم وأبو بكر قالا جميعًا: إن عمر كان يشكُّ فيها حتى قال له عليٌّ: يا أمير المؤمنين أرأيتَ لو أن نفرًا اشتركوا في سرقةِ جَزُور، فأخذ هذا عضوًا وهذا عضوًا، أكنتَ قاطِعَهم؟ قال: نعم. قال: وذلك حين استخرج (٦) له الرأي.

стр. 572

وقال عبد الله بن وهب (١)، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشجِّ، عمَّن حدَّثه، عن ابن عباس قال: أرسلني عليٌّ إلى الحَروريَّة لأكلِّمهم، فلما قالوا: "لا حكم إلا لله"، قلتُ: أجل، صدقتم، لا حكم إلا لله. وإنَّ الله قد حكَّم في رجل وامرأته، وحكَّم في قتل الصيد؛ فالحكمُ في رجل وامرأته والصيد أفضل أم الحكمُ في الأُمّة يَرجع بها، ويحقِن دماءَها، ويلُمُّ شَعَثَها؟ وقال عبد الله بن المبارك (٢): ثنا عكرمة بن عمار، ثنا سِمَاك الحنفي قال: سمعت ابن عباس يقول: قال عليٌّ: لا تقاتلوهم حتى يخرجوا، فإنهم

стр. 573

سيخرجون. قال: قلت: يا أمير المؤمنين أَبرِدْ بالصلاة، فإني أريد أن أدخل عليهم، فأسمع من كلامهم وأكلِّمهم. فقال علي: أخشى عليك منهم. قال: وكنتُ رجلًا حسَن [١٢٧/ب] الخُلق لا أوذي أحدًا. قال: فلبِستُ أحسنَ ما يكون من اليمنية (١) وترجَّلتُ (٢)، ثم دخلتُ عليهم وهم قائلون. فقالوا لي: ما هذا اللباس؟ فتلوتُ عليهم القرآن: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، ولقد رأيتُ رسول الله ﷺ يلبس أحسنَ ما يكون من اليمنية. فقالوا: لا بأس، فما جاء بك؟ فقلت: أتيتُكم من عند صاحبي، وهو ابن عمِّ رسول الله ﷺ وخَتَنُه، وأصحابُ رسول الله ﷺ أعلم بالوحي منكم، وعليهم نزل القرآن، أبلِّغكم عنهم وأبلِّغهم عنكم، فما الذي نقَمتم؟ فقال بعضهم: إن قريشًا قوم خَصِمون، قال الله : ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (٣) [الزخرف: ٥٨]. فقال بعضهم: كلِّموه. فانتحى لي رجلان منهم أو ثلاثة، فقالوا: إن شئتَ تكلَّمْ (٤) وإن شئتَ تكلَّمنا. فقلت: بل تكلَّموا. فقالوا: ثلاثٌ نقَمناهن عليه: جعل الحُكمَ إلى الرجال، وقال الله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]. فقلتُ: قد جعل الله الحكمَ من أمره إلى الرجال في رُبع درهمٍ في الأرنب (٥)، وفي المرأة وزوجها: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ

стр. 574

وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، أفخرجت من هذه؟ قالوا: نعم. قالوا: وأخرى: محا نفسَه أن يكون أمير المؤمنين، فإن لم يكن أميرَ المؤمنين فأميرُ الكافرين هو؟ فقلت لهم: أرأيتم إن قرأتُ من كتاب الله عليكم وجئتكم به من سنَّة رسول الله ﷺ أترجعون؟ قالوا: نعم. قلت: قد سمعتم أو أُراه قد بلَغكم أنه لما كان يومُ الحديبية جاء سهيل بن عمرو إلى رسول [١٢٨/أ] الله ﷺ فقال النبي ﷺ لعليٍّ: "اكتُبْ: هذا ما صالح عليه محمدٌ رسول الله ﷺ ". فقالوا: لو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك. فقال النبي ﷺ لعليٍّ: "امحُ يا عليُّ". أفخرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم. قال: وأما قولكم: قتَلَ ولم يَسْبِ ولم يغنَم، أفتسبُون أمَّكم وتستحِلُّون منها ما تستحِلُّون من غيرها؟ فإن قلتم نعم فقد كفرتم بكتاب الله وخرجتم من الإسلام، فأنتم بين ضلالتين. وكلَّما جئتُهم بشيء من ذلك أقول: أفخرجتُ منها؟ فيقولون: نعم. قال: فرجع منهم ألفان، وبقي ستة آلاف. وله طرق عن ابن عباس (١)، وقياسه المذكور من أحسن القياس وأوضحه. وقد أنكر ابن عباس على زيد بن ثابت مخالفته للقياس في مسألة الجدِّ والإخوة، فقال: ألا يتقي الله زيد؟ يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أب الأب أبًا (٢). وهذا محض القياس.

стр. 575

ولما خصَّ الصدِّيقُ أمَّ الأم بالميراث دون أمِّ الأب قال له بعض الأنصار: لقد ورَّثتَ امرأةً من ميِّت لو كانت هي الميتة لم يرثها، وتركت امرأةً لو كانت هي الميتة ورِث جميعَ ما تركت. فشرَّك بينهما (١). قال عبد الرزاق (٢): أنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد قال: جاءت جدَّتان إلى أبي بكر، فأعطى الميراث أمَّ الأم دون أمِّ الأب، فقال له رجل من الأنصار من بني حارثة يقال له عبد الرحمن بن سهل: يا خليفة رسول الله، قد أعطيتَ الميراث التي لو ماتت لم يرثها. فجعل الميراثَ بينهما. ولما شهد أبو بكرة وأصحابه [١٢٨/ب] على المغيرة بن شعبة بالحد ولم يكملوا النصاب حدَّهم عمر قياسًا لهم (٣) على القاذف، ولم يكونوا قَذَفة بل شهودًا (٤). وقال عثمان لعمر: إن نتَّبِع رأيَك فرأيُك أسدُّ، وإن نتَّبِع رأيَ مَن قبلك فلنعم ذو الرأي كان (٥). وقال علي: اجتمع رأيي ورأيُ عمر في بيع أمهات الأولاد أن لا يُبَعن،

стр. 576

ثم رأيتُ بيعهن. فقال له قاضيه عَبِيدة السلماني: يا أمير المؤمنين رأيك مع رأي عمر في الجماعة أحبُّ إلينا من رأيك وحدك في الفرقة (١). ولما أرسل عمر إلى المرأة فأسقطت جنينها استشار الصحابة، فقال له عبد الرحمن بن عوف وعثمان: إنما أنت مؤدِّب ولا شيء عليك. وقال له عليٌّ: أما المأثم فأرجو أن يكون محطوطًا عنك، وأرى عليك الدية (٢). فقاسه عثمان وعبد الرحمن على مؤدِّب امرأته وغلامه وولده، وقاسه عليٌّ على قاتل الخطأ، فاتبع عمر قياس علي. ولما احتُضِر الصدِّيق أوصى بالخلافة إلى عمر (٣)، وقاس ولايته لمن بعده إذ هو صاحب الحَلِّ والعقد على ولاية المسلمين له إذ كانوا هم أهل الحل والعقد. وهذا من أحسن القياس. وقال عليٌّ: سألني أمير المؤمنين عمر عن الخيار، فقلت: إن اختارت زوجها فهي واحدة، وهو أحقُّ بها، وإن اختارت نفسها فهي واحدة بائنة. فقال: ليس كذلك، إن اختارت نفسها فهي واحدة، وهو أحقُّ بها، وإن اختارت زوجها فلا شيء. فاتبعتُه على ذلك. فلما خلَص الأمرُ إليَّ وعلمتُ أني أُسأل عن الفروج عدتُ إلى ما كنت أرى. فقال له زاذان: [١٢٩/أ] لَأمرٌ جامعتَ عليه أميرَ المؤمنين وتركتَ رأيك له أحبُّ إلينا من أمر انفردتَ به. فضحك وقال: أما إنه قد أرسل إلى زيد بن ثابت، وخالفني وإياه، وقال: إن اختارت زوجها فهي

стр. 577

واحدة، وزوجها أحقُّ بها، وإن اختارت نفسها فهي ثلاث (١). وهذا رأي منهم كلِّهم ﵃، ورأي عمر أقوى وأصح. وقال عمر لعلي (٢): إنِّي قد رأيتُ في الجدِّ رأيًا فاتبعوني، فقال علي: إن نَتَّبعْ رأيَك فرأيك رشيد، وإن نتَّبع رأيَ مَن قبلك فنعم ذو الرأي كان (٣). وهل مع زيد بن ثابت في مسائل الجَدِّ والإخوة، والمعادَّة (٤)، والأكدرية (٥) نصٌّ من قرآن أو سنة أو إجماع إلا مجرد الرأي؟ ومن ذلك اختلافهم في قول الرجل لامرأته: أنتِ عليَّ حرام. فقال شيخا الإسلام وبصرُ الدين (٦) وسمعُه أبو بكر وعمر: هو يمين (٧)، وتبعهما

стр. 578

حَبْر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس. وقال (١) عليٌّ (٢) وزيد (٣): هو طلاق ثلاث. وقال ابن مسعود: طلقة واحدة (٤). وهذا من الاجتهاد والرأي. فالصحابة (٥) ﵃ مثَّلوا الوقائعَ بنظائرها، وشبَّهوها بأمثالها، وردُّوا بعضها إلى بعض في أحكامها، وفتحوا للعلماء باب الاجتهاد، ونهجوا لهم طريقه، وبيَّنوا لهم سبيله. وهل يستريب عاقل في أن النبي ﷺ لما قال: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان" (٦)، إنما كان ذلك لأنَّ الغضب يشوِّش عليه قلبه وذهنه، ويمنعه من كمال الفهم، ويحول بينه وبين استيفاء النظر، ويُعْمِي عليه طريقَ العلم والقصد؟ فمن قَصَر [١٢٩/ب] النهيَ على الغضب وحده، دون الهمِّ

стр. 579

المزعج، والخوف المقلق، والجوع والظمأ الشديد، وشغلِ القلب المانع من الفهم= فقد قلَّ فقهه وفهمه. والتعويلُ في الحكم على قصد المتكلم، والألفاظُ لم تُقصَد لنفسها وإنما هي مقصودة للمعاني، والتوصُّلِ بها إلى معرفة مراد المتكلم. ومرادُه يظهر من عموم لفظه تارةً، ومن عموم المعنى الذي قصده تارةً. وقد يكون فهمُه من المعنى أقوى، وقد يكون من اللفظ أقوى، وقد يتقاربان؛ كما إذا قال الدليل لغيره: لا تسلك هذا الطريقَ، فإنَّ فيها مَن يقطع الطريق، أو هي مَعْطَشة مَخُوفة= علِمَ هو وكلُّ سامع أنَّ قصدَه أعمُّ من لفظه، وأنه أراد نهيه عن كلِّ طريق هذا شأنها. فلو خالفه وسلك طريقًا أخرى عطِبَ بها حَسُن لومه، ونُسِب إلى مخالفته ومعصيته. ولو قال الطبيب للعليل وعنده لحم ضأن: لا تأكل الضأن فإنه يزيد في مادة المرض، لَفهِمَ كلُّ عاقل منه أنّ لحم البقر والإبل (١) كذلك، ولو أكل منهما لَعُدَّ مخالفًا، والتحاكم في ذلك إلى فِطَر الناس وعقولهم. ولو منَّ عليه غيرُه بإحسانه، فقال: والله لا أكلتُ له لقمة، ولا شربتُ له ماء؛ يريد خلاصه من منَّته عليه، ثم قبل منه الدراهم والذهب والثياب (٢) والشَّاء (٣) ونحوها لَعدَّه العقلاءُ واقعًا في أعظمِ (٤) ما حلَف عليه، ومرتكبًا لذِروة سنامه. ولو لامه عاقل على كلامه لمن لا يليق به

стр. 580

محادثتُه من امرأة أو صبي، فقال: والله لا كلَّمتُه، ثم رآه خاليًا به يؤاكله ويشاربه ويعاشره ولا يكلِّمه= لَعَدُّوه مرتكبًا لأشدِّ ما حلَف (١) [١٣٠/أ] عليه وأعظَمِه. وهذا مما فطر الله عليه عبادَه. ولهذا فهمت الأمة من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] جميعَ وجوه الانتفاع من اللبس والركوب والمسكن وغيرها. وفهمت من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ (٢) لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] إرادةَ النهي عن جميع أنواع الأذى بالقول والفعل، وإن لم ترد نصوص أخرى بالنهي عن عموم الأذى. فلو بصَق رجلٌ في وجه والديه، وضرَبهما بالنعل، وقال: إني لم أقل لهما أُفٍّ= لعدَّه الناسُ في غاية السخافة والحماقة والجهل، من مجرَّدِ تفريقه بين التأفيف المنهيِّ عنه وبين هذا الفعل قبل أن يبلغه نهيُ غيره. ومنعُ هذا مكابرةٌ للعقل والفهم والفطرة. فمتى (٣) عُرِف مراد المتكلم بدليل من الأدلة وجب اتباعُ مراده. والألفاظ لم تُقصَد لذواتها، وإنما هي أدلَّة يُستدلُّ بها على مراد المتكلم؛ فإذا ظهر مراده ووضَح بأيِّ طريق كان عُمِل بمقتضاه، سواء كان بإشارة، أو كناية (٤)، أو إيماء، أو دلالة عقلية، أو قرينة حالية، أو عادة له مطَّردة لا يُخِلُّ

стр. 581

بها، أو من مقتضى كماله وكمال أسمائه وصفاته، وأنه يمتنع منه إرادةُ ما هو معلوم الفساد وتركُ إرادة ما هو متيقَّن مصلحته، وأنه يُستدَلُّ على إرادته للنظير بإرادة نظيره ومثله ومُشْبِهه (١)، وعلى كراهة الشيء بكراهة مثله ونظيره ومُشْبِهه= فيقطع العارفُ به وبحكمته وأوصافه على أنه يريد هذا ويكره هذا، ويُحِبّ هذا ويُبغض هذا. وأنت تجد من له اعتناء شديد بمذهب رجل وأقواله [١٣٠/ب] كيف يفهم مرادَه من تصرُّفه ومذاهبه؟ ويُخبر عنه بأنه يفتي بكذا ويقوله، وأنه لا يقول بكذا ولا يذهب إليه، لما لا يوجد في كلامه صريحًا. وجميع أتباع الأئمة مع أئمتهم بهذه المثابة. وهذا أمر يعُمُّ أهلَ الحق والباطل، لا يمكن دفعُه. فاللفظ الخاص قد يُنقل (٢) إلى معنى العموم بالإرادة، والعامُّ قد يُنقَل إلى معنى (٣) الخصوص بالإرادة. فإذا دُعي إلى غداء، فقال: والله لا أتغدَّى؛ أو قيل له: "نم" فقال: والله لا أنام؛ أو: " اشرب هذا الماء"، فقال: والله لا أشرب= فهذه كلُّها ألفاظ عامَّة نُقِلت إلى معنى الخصوص بإرادة المتكلِّم التي يقطع السامعُ عند سماعها بأنه لم يُرد النفي العام إلى آخر العمر. والألفاظ ليست تعبُّديّة، والعارف يقول: ماذا أراد؟ واللفظي يقول: ماذا قال؟ كما كان الذين لا يفقهون إذا خرجوا من عند النبي ﷺ يقولون: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]. وقد أنكر الله سبحانه عليهم وعلى أمثالهم بقوله:

стр. 582

﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]، فذمَّ من لم يفقه كلامه. والفقه أخصُّ من الفهم، وهو فهمُ مراد المتكلِّم من كلامه. وهذا قدر زائد على مجرَّدِ فهمِ وضعِ اللفظ في اللغة. وبحسب تفاوت مراتب الناس في هذا تفاوتُ (١) مراتبهم في الفقه والعلم. وقد كان الصحابة يستدلُّون على إذن الرَّبِّ تعالى وإباحته، بإقراره وعدم إنكاره عليهم في زمن الوحي. وهذا استدلال على المراد بغير لفظ، بل بما عُرِف من موجَب أسمائه وصفاته، وأنه لا يُقِرُّ على باطل حتى يبيِّنه. وكذلك استدلال الصدِّيقة الكبرى أم المؤمنين خديجة [١٣١/أ] بما عرفته من حكمة الربِّ تعالى وكمال أسمائه وصفاته ورحمته أنه لا يُخزي محمَّدًا ﷺ ؛ فإنه يصل الرحم، ويحمِل الكَلَّ، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق (٢)؛ وأنَّ من كان بهذه المثابة فإنَّ العزيز الرحيم الذي هو أحكم الحاكمين وإله العالمين لا يخزيه ويسلِّط (٣) عليه الشيطان. وهذا استدلال منها قبل ثبوت النبوة والرسالة، بل استدلال على صحتها وثبوتها في حقِّ مَن هذا شأنه. فهذا معرفة منها بمراد الربِّ تعالى وما يفعله من أسمائه وصفاته وحكمته ورحمته وإحسانه ومجازاته للمحسن (٤) بإحسانه، وأنه لا يُضِيع أجر المحسنين.

стр. 583

وقد كانت الصحابة أفهمَ الأمةِ لمراد نبيها وأتبعَ له، وإنما كانوا يُدَنْدِنون حول معرفة مراده ومقصوده. ولم يكن أحد منهم يظهر له مرادُ رسول الله ﷺ ، ثم يعدل عنه إلى غيره البتّة. والعلم بمراد المتكلم يُعرَف تارةً من عموم لفظه، وتارةً من عموم علَّته. والحوالة على الأول أوضح لأرباب الألفاظ، وعلى الثاني أوضح لأرباب المعاني والفهم والتدبر. وقد يعرض لكلٍّ من الفريقين ما يُخِلُّ بمعرفة مراد المتكلم، فيعرض لأرباب الألفاظ التقصيرُ بها عن عمومها وهضمُها تارةً، وتحميلُها فوق ما أريد بها تارةً. ويعرض لأرباب المعاني فيها نظير ما يعرض لأرباب الألفاظ. فهذه أربع آفات هي منشأ غلط الفريقين. ونحن نذكر بعض الأمثلة لذلك ليعتبر به غيره، فنقول: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ [١٣١/ب] رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (١) [المائدة: ٩٠]. فلفظ "الخمر" عامٌّ في كلِّ مسكر، فإخراجُ بعض الأشربة المسكِرة عن شمول اسم الخمر لها تقصيرٌ به وهضمٌ لعمومه، بل الحقُّ ما قاله صاحب الشرع: "كلُّ مسكِر خمرٌ" (٢)، وإخراجُ بعض أنواع المَيْسِر عن شمول اسمه لها تقصيرٌ أيضًا به، وهضمٌ لمعناه. فما الذي جعل النَّرْدَ الخالي عن العوض من الميسر وأخرج (٣) الشطرنج عنه؟ مع أنه من أظهر أنواع الميسر، كما قال غير واحد من السلف: إنه

стр. 584

ميسر (١). وقال عليٌّ: هو ميسر العجم (٢). وأما تحميل اللفظ فوق ما يحتمله، فكما حُمِّل لفظُ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله في آية البقرة [٢٨٢]: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ مسألةَ العِينة التي هي ربًا بحيلة، وجعلُها من التجارة. ولَعمرُ الله إنَّ الربا الصريح تجارة للمُرْبي (٣)، وأي تجارة! وكما حُمِّل قولُه تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] مسألةَ (٤) التحليل، وجُعِل التَّيسُ المستعار الملعون على لسان رسول الله ﷺ (٥) داخلًا

стр. 585

في اسم الزوج. وهذا في التجاوز يقابل الأول في التقصير. ولهذا كان معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله أصل العلم وقاعدته وآخيَّته (١) التي يَرجع (٢) إليها، فلا يُخرج شيئًا من معاني ألفاظه عنها، ولا يُدخل فيها ما ليس منها، بل يعطيها حقَّها، ويفهم المراد منها. ومن هذا: لفظ الأيمان والحَلِف. أخرجت طائفة منه الأيمان الالتزامية التي يلتزم صاحبها بها إيجابَ شيء أو تحريمَه، وأدخلت طائفة فيها التعليقَ المحضَ الذي لا يقتضي حضًّا ولا منعًا. والأول نقص [١٣٢/أ] من المعنى، والثاني تحميل له فوق معناه. ومن ذلك: لفظ الربا. أدخلت فيه طائفة ما لا دليل على تناول اسم الربا له كبيع الشَّيْرَج (٣) بالسِّمسِم، والدِّبْس بالعنب، والزيت بالزيتون، وكلِّ ما استُخرج من ربويِّ وعُمِل منه بأصله؛ وإن خرج عن اسمه ومقصوده وحقيقته. وهذا لا دليل عليه يوجب المصيرَ إليه، لا من كتاب ولا من سنة ولا إجماع ولا ميزان صحيح. وأدخلت فيه من مسائل مُدِّ عَجْوة (٤) ما هو

стр. 586

أبعدُ شيء عن الربا. وأخرجت طائفة أخرى منه ما هو من الربا الصريح حقيقةً وقصدًا وشرعًا كالحيل الربوية التي هي أعظم مفسدة من الربا الصريح، ومفسدةُ الربا البَحْت الذي لا يتوصَّل إليه بالسلاليم أقلُّ بكثير. وأخرجت منه طائفة بيعَ الرُّطَب بالتمر، وإن كان كونه من الربا أخفى من كون الحيل الربوية منه، فإن التماثل موجود فيه في الحال دون المآل، وحقيقة الربا في الحيل الربوية أكمل وأتم منها في العقد الربوي الذي لا حيلة فيه. ومن ذلك: لفظ البينة. قصَّرت بها طائفة، فأخرجت منه الشاهد واليمين وشهادةَ العَبيد العدول الصادقين المقبولي القول على الله ورسوله، وشهادةَ النساء منفردات في المواضع التي لا يحضرهن فيه الرجال كالأعراس والحمامات، وشهادةَ الزوج في اللَّعان إذا نكَلَت المرأة، وأيمانَ المدَّعين للدم (١) إذا ظهر اللَّوث ونحو ذلك مما يبيِّن الحقَّ أعظم من بيان الشاهدين، وشهادةَ القاذف، وشهادةَ الأعمى على ما [١٣٢/ب] يتيقنه، وشهادةَ أهل الذمة على الوصية في السفر إذا لم يكن هناك مسلم، وشهادةَ الحال في تداعي الزوجين متاعَ البيت وتداعي النجار والخياط آلتهما ونحو ذلك. وأدخلت فيه طائفة ما ليس منه كشهادة مجهول الحال الذي لا يُعرَف بعدالة ولا فسق، وشهادةِ وجوه الآجُرِّ ومَعاقِد القُمُط (٢) ونحو ذلك.

стр. 587

والصواب: أنّ كلَّ ما بيَّن الحقَّ فهو بينة (١). ولم يعطِّل الله ولا رسوله حقًّا بعدما تبيَّن بطريق من الطرق أصلًا، بل حكمُ الله ورسوله الذي لا حكم له سواه أنه متى ظهر الحق ووضَح بأيِّ طريق كان وجب تنفيذه ونصره، وحَرُم تعطيله وإبطاله. وهذا باب يطول استقصاؤه، ويكفي المستبصرَ التنبيهُ عليه. وإذا فُهِم هذا في جانب اللفظ فُهِم نظيرُه في جانب المعنى سواء. وأصحاب الرأي والقياس حمَّلوا معاني النصوص فوق ما حمَّلها الشارع، وأصحاب الألفاظ والظواهر قصَّروا بمعانيها عن مراده. فأولئك قالوا: إذا وقعت قطرة من دم في البحر فالقياس أنه ينجس، ونجَّسوا بها الماء الكثير مع أنه لم يتغير منه شيء البتة بتلك القطرة. وهؤلاء قالوا: إذا بال جَرَّةً من بول وصبَّها في الماء لم تُنجِّسه، وإذا بال في الماء نفسِه ولو أدنى شيء نجَّسه. ونجَّس أصحابُ الرأي والمقاييس القناطيرَ المقنطرةَ، ولو كانت ألف ألف قنطار، من سَمْن أو زيت أو شَيْرج، بمثل رأسِ الإبرة من البول والدم، والشعرةِ الواحدة من الكلب والخنزير عند من ينجِّس شعرَهما. وأصحاب الظواهر والألفاظ [١٣٣/أ] عندهم لو وقع الكلب والخنزير بكماله أو أي ميتة كانت في أيِّ ذائب كان من زيت أو شَيرج أو خلّ أو دِبس أو وَدَك غير السَّمْن ألقيت الميتة فقط، وكان ذلك المائع حلالًا طاهرًا كلّه، فإن وقع ما عدا الفأرة في السَّمْن من كلب أو خنزير أو أي نجاسة كانت فهو طاهر حلال ما لم يتغير.

стр. 588

ومن ذلك: أن النبي ﷺ قال: "لا تنتقِبُ المرأة، ولا تلبس القُفَّازين" (١) يعني في الإحرام، فسوَّى بين يديها ووجهها في النهي عما صُنِع على قدر العضو، ولم يمنعها من تغطية وجهها، ولا أمَرها بكشفه البتة. ونساؤه ﷺ أعلم الأمة بهذه المسألة، وقد كنّ يَسْدُلن على وجوههن إذا حاذاهن الرُّكبان، فإذا جاوزوهن كشفن وجوههن (٢). وروى وكيع، عن شعبة، عن يزيد الرِّشْك (٣)، عن معاذة العدَوية قالت: سألت (٤) عائشة: ما تلبس المحرمة؟ فقالت: لا تنتقب، ولا تتلثَّم، وتسدُل الثوب على وجهها (٥). فجاوزت طائفة ذلك، ومنعتها من تغطية وجهها جملةً. قالوا: وإذا سدَلت على وجهها فلا تدع الثوب يَمسُّ وجهها، فإن مسَّه افتدت. ولا دليل على هذا البتة. وقياسُ قول هؤلاء أنها إذا غطَّت يدها افتدت، فإن النبي ﷺ سوَّى بينهما في النهي، وجعلهما كبدن المحرم، فنهى عن لبس القميص والنقاب والقُفَّازين. هذا للبدن، وهذا للوجه، وهذا لليدين. ولا يحرُم سترُ

стр. 589

البدن، فكيف يحرم سترُ الوجه في حقِّ المرأة، مع أمر الله لها أن تُدني عليها من جلبابها لئلا تُعرَف ويُفتتَن بصورتها؟ ولولا أن النبي ﷺ قال في المحرم: "ولا يخمَّر رأسُه" (١) لجاز تغطيته بغير العمامة. وقد روى الإمام أحمد عن خمسة من الصحابة: عثمان، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير، وزيد بن ثابت، وجابر= أنهم كانوا يخمِّرون وجوههم وهم مُحرمون (٢). فإذا كان هذا في حقِّ الرجل وقد أُمِر بكشف رأسه، فالمرأة بطريق الأولى والأحرى. وقصَّرت طائفة أخرى، فلم تمنع المحرمة من البرقع ولا اللثام. قالوا: إلا أن يدخلا في اسم النقاب، فتُمنع منه. وعذر هؤلاء أن المرجع إلى ما نهى عنه النبي ﷺ ، ودخل في لفظ المنهيِّ عنه فقط. والصواب: النهيُ عما دخل في عموم لفظه، وعموم معناه وعلته؛ فإن البرقع واللثام وإن لم يسمَّيا نقابًا فلا فرق بينهما وبينه. بل إذا نُهيت عن النقاب، فالبرقع واللثام أولى؛ ولذلك منعتها أم المؤمنين من اللثام (٣). ومن ذلك: لفظ الفدية. أدخل فيها طائفة خُلْعَ الحيلة على فعل المحلوف عليه مما هو ضدّ الفدية، إذ المراد بقاء النكاح بالخلاص من الحِنْث، وهي إنما شرعت لزوال النكاح عند الحاجة إلى زواله. وأخرجت

стр. 590

منه طائفة ما فيه حقيقة الفدية ومعناها، واشترطت له لفظًا معيّنًا، وزعمت أنه لا يكون فديةً وخلعًا إلا به. وأولئك تجاوزوا به، وهؤلاء قصَّروا به. والصواب: أن كلَّ ما دخله المال فهو فدية بأيِّ لفظ كان. والألفاظ لم تُرَد لذواتها ولا تُعُبِّدنا بها، وإنما هي وسائل إلى المعاني. فلا فرق قطُّ بين [١٣٤/أ] أن تقول: اخلَعْني بألف، أو فادِني (١) بألف، لا حقيقةً ولا شرعًا، ولا لغةً ولا عرفًا. وكلام ابن عباس والإمام أحمد عامٌّ في ذلك، لم يقيِّده أحدهما بلفظ، ولا استثنى لفظًا دون لفظ. بل قال ابن عباس: عامة طلاق أهل اليمن الفداء (٢). وقال الإمام أحمد: الخُلْع فرقة، وليس بطلاق (٣). وقال: الخلع ما كان من جهة النساء (٤). وقال: ما أجازه المال فليس بطلاق (٥). وقال: إذا خالَعها بعد تطليقتين فإن شاء راجعها، فتكون معه على واحدة.

стр. 591

وقال في رواية أبي طالب: الخُلْع مثل حديث سَهْلة (١). إذا كرهت المرأة الرجل، وقالت: لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أطيع لك أمرًا، ولا أغتسل لك من جنابة (٢) = فقد حلَّ له أن يأخذ منها ما أعطاها، لأن النبي ﷺ قال: "ترُدِّين عليه حديقته؟ " (٣). قلتُ: وقد قال في الحديث: "اقبل الحديقة، وطلِّقها تطليقةً"، وجعل أحمد ذلك فداء. وقال ابن هانئ (٤): سئل أبو عبد الله عن الخلع: أفسخُ نكاحٍ هو [أم خلعُ طلاقٍ] (٥) أم تذهب إلى حديث ابن عباس، كان يقول: فرقة وليس بطلاق (٦)؟ فقال أبو عبد الله: كان ابن عباس يتأول هذه الآية: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ

стр. 592

فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وكان ابن عباس يقول: هو فداء (١). قال ابن عباس: ذكر الله الطلاق في أول الآية، والفداء في وسطها، وذكر الطلاق بعد. فالفداء ليس هو بطلاق، وإنما هو فداء (٢). فجعل ابن عباس وأحمد الفداء فداءً لمعناه، لا للفظه. وهذا هو الصواب، [١٣٤/ب] فإن الحقائق لا تتغير بتغيُّر (٣) الألفاظ، وهذا باب يطول تتبُّعه. والمقصود: أن الواجب فيما علَّق عليه الشارع الأحكام من الألفاظ والمعاني أن لا يُتجاوز بألفاظها ومعانيها، ولا يُقصَّر بها، ويُعطى اللفظُ حقَّه والمعنى حقَّه. وقد مدح الله سبحانه أهلَ الاستنباط في كتابه، وأخبر أنهم أهل العلم. ومعلوم أن الاستنباط إنما هو استنباط المعاني والعلل ونسبة بعضها إلى بعض، فيعتبرَ (٤) ما يصحُّ منها بصحة مثله ومُشبِهه ونظيره، ويلغى ما لا يصح. هذا الذي يعقله الناس من الاستنباط.

стр. 593

قال الجوهري (١): "الاستنباط كالاستخراج". ومعلوم أن ذلك قدر زائد على مجرَّدِ فهم اللفظ، فإن ذلك ليس طريقة الاستنباط؛ إذ موضوعات الألفاظ لا تنال بالاستنباط، وإنما تنال به العِلل والمعاني والأشباه والنظائر ومقاصد المتكلِّم. والله سبحانه ذمَّ مَن سمع ظاهرًا مجرَّدًا، فأذاعه وأفشاه؛ وحَمِد مَن استنبط (٢) من أولي العلم حقيقته ومعناه. يوضِّحه أن الاستنباط استخراج الأمر الذي من شأنه أن يخفى على غير مستنبطه. ومنه: استنباط الماء من أرض البئر والعين. ومن هذا: قول علي بن أبي طالب وقد سئل: هل خصَّكم رسولُ الله ﷺ بشيء دون الناس؟ فقال: لا، والذي فلَق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه (٣). ومعلوم أنَّ هذا الفهم قدر زائد على معرفة موضوع اللفظ وعمومه أو خصوصه، فإنَّ هذا قدر مشترك بين سائر من يعرف لغة العرب. وإنما هذا فهمُ لوازم المعنى ونظائره ومرادِ المتكلِّم بكلامه، ومعرفةُ حدود [١٣٥/أ] كلامه، بحيث لا يدخل فيها غيرُ المراد، ولا يخرج منها شيءٌ من المراد. وأنت إذا تأمَّلتَ قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]، وجدتَ الآية من أظهر الأدلة على نبوة النبي ﷺ ، وأنَّ هذا القرآن جاء من عند الله، وأنَّ الذي جاء به روح

стр. 594

مطهَّرة (١)، فما للأرواح الخبيثة عليه سبيل؛ ووجدتَ الآيةَ أخت قوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١١]، ووجدتَها دالّةً بأحسن الدلالة على أنه لا يمسُّ المصحفَ إلا طاهر (٢). ووجدتَها دالّةً أيضًا بألطف الدلالة على أنه لا يجد حلاوته وطعمه إلا مَن آمن به وعمل به، كما فهمه البخاري (٣) من الآية، فقال في "صحيحه" في باب قوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا﴾ [آل عمران: ٩٣]: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾: لا يجد طعمَه ونفعَه إلا مَن آمن بالقرآن، ولا يحمله بحقِّه إلا المؤمن (٤)، لقوله

стр. 595

تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]. وتجد تحته أيضًا أنَّه لا ينال معانيه ويفهمه كما ينبغي إلا القلوب الطاهرة، وأنَّ القلوب النجسة ممنوعة من فهمه، مصروفة عنه (١). فتأمَّلْ هذا النسب القريب وعقدَ هذه الأخوة بين هذه المعاني وبين المعنى الظاهر من الآية، واستنباطَ هذه المعاني كلِّها من الآية بأحسن وجه وأبينه. فهذا من الفهم الذي أشار إليه علي ﵁. وتأمَّلْ قولَه تعالى لنبيِّه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] كيف تفهم (٢) منه أنه إذا كان وجودُ بدنه وذاته فيهم دفَعَ عنهم العذاب وهم أعداؤه، فكيف وجودُ سرِّه، والإيمانُ به، ومحبّتُه، ووجودُ ما جاء به= إذا كان في قوم أو كان في شخص؟ أفليس دفعُه العذابَ عنهم بطريق الأولى والأحرى؟ وتأمَّلْ قولَه تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، كيف تجد تحته بألطف دلالة وأدقِّها وأحسنها أنه من اجتنب الشرك جميعَه كُفِّرت عنه كبائره، وأن نسبة الكبائر إلى الشرك كنسبة الصغائر إلى الكبائر. فإذا وقعت الصغائر مكفَّرةً باجتناب الكبائر، فالكبائر تقع مكفَّرةً باجتناب الشرك. وتجد الحديث الصحيح كأنه مشتقٌّ من

стр. 596

هذا المعنى، وهو قوله ﷺ فيما يروي عن ربِّه ﵎: "ابنَ آدم، (١) لو لقيتَني بقُرابِ الأرض خطايا ثم لقيتَني لا تُشرك بي شيئًا لقيتُك بقُرابها مغفرة" (٢). وقوله: "إنَّ الله حرَّم على النار مَن قال لا إله إلا الله مخلصًا (٣) من قلبه" (٤). بل محوُ التوحيد ــ الذي هو توحيد (٥) ــ للكبائر (٦) أعظم من محو اجتناب الكبائر للصغائر (٧). وتأمَّلْ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤]، كيف نبَّههم بالسفر الحِسِّي على السفر إليه؟ وجمع لهم بين السفرين، كما جمع لهم بين الزادين في قوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]، فجمع لهم بين زاد سفرهم وزاد معادهم؟ وكما جمع بين اللباسين في قوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ

стр. 597

أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦]، فذكر زينةَ ظواهرهم وزينةَ بواطنهم، ونبَّههم بالحِسِّي على المعنوي. وفهمُ هذا [١٣٦/أ] قدرٌ (١) زائدٌ على فهمِ مجرَّد اللفظ ووضعه في أصل اللسان، والله المستعان (٢). فصل قد أتينا على ذكر فصول نافعة وأصول جامعة في تقرير القياس والاحتجاج به، لعلك لا تظفر بها في غير هذا الكتاب، ولا بقريب منها! فلنذكر مع ذلك ما قابلها من النصوص والأدلَّة الدالّة على ذمِّ القياس، وأنه ليس من الدين، وحصولِ الاستغناء عنه والاكتفاء بالوحيين. وها نحن نسوقها مفصّلةً مبيّنةً بحمد الله. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. وأجمع المسلمون على أن الردَّ إلى الله سبحانه هو الردُّ إلى كتابه، والردَّ إلى الرسول ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ هو الردُّ إليه في حضوره وحياته، وإلى سنَّته في غيبته وبعد مماته. والقياس ليس بهذا ولا هذا. ولا يقال: الردُّ إلى القياس هو من الردِّ إلى الله ورسوله، لدلالة كتاب الله وسنة رسوله عليه (٣) كما تقدَّم تقريره؛ لأن الله سبحانه إنما ردَّنا إلى كتابه

стр. 598

وسنة رسوله، ولم يردَّنا إلى قياس عقولنا وآرائنا قط. بل قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، ولم يقل: بما رأيتَ أنت. وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]. وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣]. وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ [١٣٦/ب] تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) [النحل: ٨٩] وقال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١]. وقال: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠]، فلو كان القياس هدًى لم ينحصر الهدى في الوحي. وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، فنفى الإيمان حتى يوجد تحكيمُه وحدَه، وهو تحكيمه في حال حياته وتحكيم سنَّته فقط بعد وفاته. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، أي لا تقولوا حتى يقول. قال (٢) نفاة القياس: والإخبار عنه بأنه حرَّم ما

стр. 599

سكت عنه أو أوجبه قياسًا على ما تكلَّم بتحريمه أو إيجابه تقدُّمٌ بين يديه، فإنه إذا قال: "حرَّمتُ عليكم الربا في البُرِّ"، فقلنا: ونحن نقيس على قولك البَلُّوط (١)، فهذا محض التقدم. قالوا: وقد حرَّم سبحانه أن نقول عليه ما لا نعلم، وإذا (٢) فعلنا ذلك فقد واقعنا هذا (٣) المحرَّم يقينًا، فإنا غير عالمين بأنه أراد من تحريم الربا في الذهب والفضة تحريمَه في القَديد من اللحوم. وهذا قفوٌ منَّا ما ليس لنا به علم، وتعدٍّ لما حَدَّ لنا، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]، والواجب أن نقف عند حدوده، ولا نتجاوزها ولا نقصِّر بها. ولا يقال: فإبطالُ القياس وتحريمُه والنهيُ عنه تقدُّمٌ بين يدي الله ورسوله، وتحريمُ ما لم ينصَّ على تحريمه، وقفوٌ منكم ما ليس لكم به علم. قالوا: لأنا نقول: الله سبحانه أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا، وأنزل علينا [١٣٧/أ] كتابه، وأرسل إلينا رسوله يعلِّمنا الكتاب والحكمة. فما علَّمَناه وبيَّنه لنا فهو من الدين، وما لم يعلِّمناه ولا بيَّن لنا أنه من الدين فليس من الدين ضرورةً. وكلُّ ما ليس من الدين فهو باطل، فليس بعد الحق إلا الضلال. وقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فالذي أكمله الله سبحانه وبيَّنه هو ديننا، لا دين لنا سواه، فأين فيما أكمله لنا: "قِيسُوا ما

стр. 600

سكتُّ عنه على ما تكلَّمتُ بإيجابه أو تحريمه أو إباحته، سواء كان الجامع بينهما علّةً أو دليلَ علّةٍ أو وصفًا شَبَهيًّا (١)، فاستعمِلوا ذلك كلَّه، وانسُبوه إليَّ وإلى رسولي وإلى ديني، واحكموا به عليَّ"! قالوا: وقد أخبر سبحانه: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، وأخبر رسوله: "أنَّ الظنَّ أكذَبُ الحديث" (٢)، ونهى عنه. ومن أعظم الظنِّ ظنُّ القيَّاسين (٣)، فإنهم ليسوا على يقين أن الله سبحانه حرَّم بيعَ السِّمسِم بالشَّيرج، والحلوى بالعنب، والنَّشا بالبُرّ. وإنما هي ظنون مجرَّدة لا تغني من الحق شيئًا. قالوا: وإن لم يكن قياس الضُّراط على "السلام عليكم" من الظن الذي نُهينا عن اتباعه وتحكيمه، وأُخبرنا أنه لا يغني من الحق شيئًا= فليس في الدنيا ظن باطل، فأين الضراط من "السلام عليكم"! وإن لم يكن قياسُ الماء الذي لاقى الأعضاء الطاهرة الطيبة عند الله، في إزالة الحدث، على الماء الذي لاقى أخبثَ العَذِرات والميتات والنجاسات= ظنًّا، فلا ندري ما الظنُّ الذي حرَّم الله سبحانه القولَ به، وذمَّه في كتابه، وسلَخه من الحق. وإن لم يكن قياسُ أعداء الله ورسوله من عُبَّاد الصُّلبان [١٣٧/ب] واليهود الذين هم أشدُّ الناس عداوةً للمؤمنين، على أوليائه وخيارِ خلقه وساداتِ الأمة وعلمائها وصلحائها، في تكافؤ دمائهم وجَرَيانِ القصاص بينهم (٤) = فليس
следующие страницы →