← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

هذا المعنى، وهو قوله ﷺ فيما يروي عن ربِّه ﵎: "ابنَ آدم، (١) لو لقيتَني بقُرابِ الأرض خطايا ثم لقيتَني لا تُشرك بي شيئًا لقيتُك بقُرابها مغفرة" (٢). وقوله: "إنَّ الله حرَّم على النار مَن قال لا إله إلا الله مخلصًا (٣) من قلبه" (٤). بل محوُ التوحيد ــ الذي هو توحيد (٥) ــ للكبائر (٦) أعظم من محو اجتناب الكبائر للصغائر (٧). وتأمَّلْ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤]، كيف نبَّههم بالسفر الحِسِّي على السفر إليه؟ وجمع لهم بين السفرين، كما جمع لهم بين الزادين في قوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]، فجمع لهم بين زاد سفرهم وزاد معادهم؟ وكما جمع بين اللباسين في قوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ

стр. 597

أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦]، فذكر زينةَ ظواهرهم وزينةَ بواطنهم، ونبَّههم بالحِسِّي على المعنوي. وفهمُ هذا [١٣٦/أ] قدرٌ (١) زائدٌ على فهمِ مجرَّد اللفظ ووضعه في أصل اللسان، والله المستعان (٢). فصل قد أتينا على ذكر فصول نافعة وأصول جامعة في تقرير القياس والاحتجاج به، لعلك لا تظفر بها في غير هذا الكتاب، ولا بقريب منها! فلنذكر مع ذلك ما قابلها من النصوص والأدلَّة الدالّة على ذمِّ القياس، وأنه ليس من الدين، وحصولِ الاستغناء عنه والاكتفاء بالوحيين. وها نحن نسوقها مفصّلةً مبيّنةً بحمد الله. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. وأجمع المسلمون على أن الردَّ إلى الله سبحانه هو الردُّ إلى كتابه، والردَّ إلى الرسول ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ هو الردُّ إليه في حضوره وحياته، وإلى سنَّته في غيبته وبعد مماته. والقياس ليس بهذا ولا هذا. ولا يقال: الردُّ إلى القياس هو من الردِّ إلى الله ورسوله، لدلالة كتاب الله وسنة رسوله عليه (٣) كما تقدَّم تقريره؛ لأن الله سبحانه إنما ردَّنا إلى كتابه

стр. 598

وسنة رسوله، ولم يردَّنا إلى قياس عقولنا وآرائنا قط. بل قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، ولم يقل: بما رأيتَ أنت. وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]. وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣]. وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ [١٣٦/ب] تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) [النحل: ٨٩] وقال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١]. وقال: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠]، فلو كان القياس هدًى لم ينحصر الهدى في الوحي. وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، فنفى الإيمان حتى يوجد تحكيمُه وحدَه، وهو تحكيمه في حال حياته وتحكيم سنَّته فقط بعد وفاته. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، أي لا تقولوا حتى يقول. قال (٢) نفاة القياس: والإخبار عنه بأنه حرَّم ما

стр. 599

سكت عنه أو أوجبه قياسًا على ما تكلَّم بتحريمه أو إيجابه تقدُّمٌ بين يديه، فإنه إذا قال: "حرَّمتُ عليكم الربا في البُرِّ"، فقلنا: ونحن نقيس على قولك البَلُّوط (١)، فهذا محض التقدم. قالوا: وقد حرَّم سبحانه أن نقول عليه ما لا نعلم، وإذا (٢) فعلنا ذلك فقد واقعنا هذا (٣) المحرَّم يقينًا، فإنا غير عالمين بأنه أراد من تحريم الربا في الذهب والفضة تحريمَه في القَديد من اللحوم. وهذا قفوٌ منَّا ما ليس لنا به علم، وتعدٍّ لما حَدَّ لنا، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]، والواجب أن نقف عند حدوده، ولا نتجاوزها ولا نقصِّر بها. ولا يقال: فإبطالُ القياس وتحريمُه والنهيُ عنه تقدُّمٌ بين يدي الله ورسوله، وتحريمُ ما لم ينصَّ على تحريمه، وقفوٌ منكم ما ليس لكم به علم. قالوا: لأنا نقول: الله سبحانه أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا، وأنزل علينا [١٣٧/أ] كتابه، وأرسل إلينا رسوله يعلِّمنا الكتاب والحكمة. فما علَّمَناه وبيَّنه لنا فهو من الدين، وما لم يعلِّمناه ولا بيَّن لنا أنه من الدين فليس من الدين ضرورةً. وكلُّ ما ليس من الدين فهو باطل، فليس بعد الحق إلا الضلال. وقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فالذي أكمله الله سبحانه وبيَّنه هو ديننا، لا دين لنا سواه، فأين فيما أكمله لنا: "قِيسُوا ما

стр. 600

سكتُّ عنه على ما تكلَّمتُ بإيجابه أو تحريمه أو إباحته، سواء كان الجامع بينهما علّةً أو دليلَ علّةٍ أو وصفًا شَبَهيًّا (١)، فاستعمِلوا ذلك كلَّه، وانسُبوه إليَّ وإلى رسولي وإلى ديني، واحكموا به عليَّ"! قالوا: وقد أخبر سبحانه: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، وأخبر رسوله: "أنَّ الظنَّ أكذَبُ الحديث" (٢)، ونهى عنه. ومن أعظم الظنِّ ظنُّ القيَّاسين (٣)، فإنهم ليسوا على يقين أن الله سبحانه حرَّم بيعَ السِّمسِم بالشَّيرج، والحلوى بالعنب، والنَّشا بالبُرّ. وإنما هي ظنون مجرَّدة لا تغني من الحق شيئًا. قالوا: وإن لم يكن قياس الضُّراط على "السلام عليكم" من الظن الذي نُهينا عن اتباعه وتحكيمه، وأُخبرنا أنه لا يغني من الحق شيئًا= فليس في الدنيا ظن باطل، فأين الضراط من "السلام عليكم"! وإن لم يكن قياسُ الماء الذي لاقى الأعضاء الطاهرة الطيبة عند الله، في إزالة الحدث، على الماء الذي لاقى أخبثَ العَذِرات والميتات والنجاسات= ظنًّا، فلا ندري ما الظنُّ الذي حرَّم الله سبحانه القولَ به، وذمَّه في كتابه، وسلَخه من الحق. وإن لم يكن قياسُ أعداء الله ورسوله من عُبَّاد الصُّلبان [١٣٧/ب] واليهود الذين هم أشدُّ الناس عداوةً للمؤمنين، على أوليائه وخيارِ خلقه وساداتِ الأمة وعلمائها وصلحائها، في تكافؤ دمائهم وجَرَيانِ القصاص بينهم (٤) = فليس

стр. 601

في الدنيا ظنٌّ يُذَمُّ اتباعُه. قالوا: ومن العجب أنكم قِسْتم أعداءَ الله على أوليائه في جريان القصاص بينهم، فقتلتم ألفَ وليٍّ لله قتلوا نصرانيًّا واحدًا يجاهرهم بسبِّ الله ورسوله وكتابه علانية، ولم تقيسوا مَن ضرَبَ رأس رجل بدبُّوس (١)، فنثَر دماغه بين يديه، على مَن طعنه بمِسَلَّة (٢)، فقتَلَه! قالوا: وسنبيِّن لكم من تناقض أقيستكم واختلافها وشدة اضطرابها ما يبيِّن أنها من عند غير الله. قالوا: والله تعالى لم يكِلْ بيانَ شريعته إلى آرائنا وأقيستنا واستنباطنا، وإنما وكَلَها إلى رسوله المبيِّن عنه. فما بيَّنه عنه وجب اتباعه، وما لم يبيِّنه فليس من الدين. ونحن نناشدكم الله: هل اعتمادكم في هذه الأقيسة الشَّبَهية والأوصاف الحدسية التخمينية على بيان الرسول، أم على آراء الرجال وظنونهم وحدسهم؟ قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فأين بيَّن الرسول (٣) ﷺ أنِّي إذا حرَّمتُ شيئًا أو أوجبتُه أو أبحتُه، فاستخرِجوا وصفًا مَّا شبهيًّا جامعًا بين ذلك وبين جميع ما سكتُّ عنه، فألحِقوه به، وقِيسوا عليه؟ قالوا: والله تعالى قد نهى عن ضرب الأمثال له، فكما لا تُضرَب له الأمثال لا تُضرَب لدينه. وتمثيلُ ما لم ينُصَّ على حكمه بما نصَّ عليه لشبهٍ

стр. 602

مَّا ضربُ الأمثال لدينه. وهذا بخلاف ما [١٣٨/أ] ضربه رسول الله ﷺ من الأمثال في كثير من الأحكام التي سئل عنها، كما أمرهم بقضاء الصلاة التي ناموا عنها فقالوا: ألا نصلِّيها لوقتها من الغد؟ فقال: "أينهاكم عن الربا، ويقبله منكم؟ " (١). وكما قال لعمر، وقد سأله عن القُبلة للصائم: "أرأيت لو تمضمضتَ بماء ثم مججتَه" (٢). وكما قال لمن سألته عن الحج عن أبيها: "أرأيت لو كان على أبيكِ دَينٌ" (٣). وكما قال لمن سأله: هل يثاب على وطء زوجته: "أرأيتم لو وضعها في الحرام" (٤). ومن أحسن هذه الأمثال وأبلغها وأعظمها تقريبًا إلى الأفهام: ما رواه الإمام أحمد والترمذي (٥) من حديث الحارث الأشعري أن النبي ﷺ قال: "إن الله سبحانه أمرَ يحيى بن زكريا بخمس كلمات، ليعمل بها، ويأمر بني

стр. 603

إسرائيل أن يعملوا بها. وإنه كاد أن يبطئ بها، فقال عيسى: إن الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها؛ فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم. فقال يحيى: أخشى إن سبقتَني أن يُخسَف بي أو أعذَّب. فجمع الناسَ في بيت المقدس، فامتلأ المسجد، وقعدوا على الشُّرَف، فقال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعملَ بهنَّ وآمرُكم أن تعملوا بهن: أولهن (١): أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا. وإنَّ مثَلَ من أشرك بالله كمثَل رجلٍ اشترى عبدًا من خالص ماله بذهب أو وَرِق، فقال: هذه داري وهذا عملي، فاعمَلْ وأدِّ إلي. فكان يعمل ويؤدِّي إلى غير سيِّده، فأيُّكم يرضى أن يكون عبدُه كذلك؟ وإنَّ الله أمركم بالصلاة، فإذا صلَّيتم فلا تلتفتوا، فإنَّ الله ينصِب وجهَه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت. وآمركم (٢) بالصيام، فإنَّ مثَلَ ذلك كمثل رجل في عصابةٍ معه [١٣٨/ب] صُرّةُ مِسك (٣)، وكلُّهم يعجبه ريحُها، وإنَّ ريح الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك. وآمركم بالصدقة، فإنَّ مثَل ذلك كمثل رجلٍ أسَره العدوُّ، فأوثقوا شدَّه (٤) إلى عنقه، وقدَّموه ليضربوا عنقه، فقال: أنا أفتدي منكم بكلِّ قليل وكثير، ففدَى نفسَه منهم. وآمركم أن تذكروا الله، فإنَّ مثل ذلك كمثل رجل خرج العدوُّ في أثره سراعًا حتَّى إذا أتى على حصن حصين، فأحرزَ نفسه منهم. كذلك العبدُ لا يُحرِز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله". قال النبي ﷺ : "وأنا آمركم بخمسٍ، اللهُ

стр. 604

أمرني بهن: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة. فإنه مَن فارق الجماعة قِيدَ شِبْرٍ فقد خلع رِبقةَ الإسلام عن عنقه إلا أن يراجع. ومن ادَّعى دعوى الجاهلية فإنه مِن جُثا (١) جهنم"، قالوا: يا رسول الله، وإن صلَّى وصام (٢)؟ قال: "وإن صلَّى وصام. فادعُوا بدعوى الله الذي سمَّاكم المسلمين المؤمنين عبادَ الله". حديث صحيح. وفي "الصحيحين" (٣) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه خمسَ مرّات، هل يبقى من درَنِه شيء؟ " قالوا: لا. قال: "فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا". ومثَّلَ ﷺ المؤمنَ القارئَ للقرآن بالأُتْرُجَّة في طيب الطعم والريح، وضدَّه بالحنظلة. والمؤمنَ الذي لا يقرأ بالتمرة في طيب الطعم وعدم الريح، والفاجرَ القارئَ بالرَّيحانة (٤). ومثَّل المؤمنَ بالخامة من الزرع لا تزال الرياح تُميلها ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء. ومثَّل [١٣٩/أ] المنافقَ بشجرة الأَرْز ــ وهي الصنوبرة ــ لا تهتزُّ

стр. 605

ولا تميل حتى تُقلَع (١) مرة واحدة (٢). ومثَّل المؤمنَ بالنخلة في كثرة خيرها ومنافعها، وحاجة الناس إليها، وانتيابهم لها لمنافعهم بها (٣). وشبَّه أمته بالمطر في نفع أوله وآخره (٤) وحياة الوجود به.

стр. 606

ومثَّل أمته والأمتين الكتابيتين قبلها فيما خصَّ الله به أمتَه وأكرمَها به، بأُجَراء عملوا بأجر مسمًّى لرجل يومًا على أن يوفِّيهم أجورهم، فلم يكملوا بقية يومهم وتركوا العمل من أثناء النهار، فعملت أمته بقية النهار، فاستكملوا أجر الفريقين (١). وضرب له ولأمته جبريل وميكائيل مثلَ ملِكٍ اتخذ دارًا، ثم بنى فيها بيتًا، ثم جعل مائدةً، ثم بعث رسولًا يدعو الناس إلى طعامه؛ فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه. فالله هو الملِك، والرسول محمد (٢)، والدار الإسلام، والبيت الجنة. فمن أجابه دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل دار المَلك وأكل منها. ومن لم يُجِبه لم يدخل داره، ولم يأكل منها (٣).

стр. 607

وفي "المسند" والترمذي (١) من حديث النوَّاس بن سَمْعان قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله ضرب مثلًا صراطًا مستقيمًا، على كنَفَي الصراط سُوران لهما أبواب مفتَّحة، وعلى الأبواب ستور مُرخاة، وعلى باب الصراط داع. يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تَعرَّجُوا (٢)، وداعٍ يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك، لا تفتحه! فإنك إن تفتحه تَلِجْه. فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتَّحة محارم الله. فلا يقع [١٣٩/ب] أحد في حدٍّ من حدود الله حتى يُكشَف السِّتْر. والداعي على رأس الصراط كتاب الله. والداعي من فوقُ (٣) واعظُ الله في قلب كلِّ مسلم". فليتأمَّل العارف قدرَ هذا المثل، وليتدبَّره حقَّ تدبُّره، ويزِنْ نفسَه به (٤)، وينظر أين هو منه؟ وبالله التوفيق. وقال: "مثَلي ومثلُ الأنبياء قبلي كمثَل رجلٍ بنَى دارًا، فأكملها، وأحسنها إلا موضع لَبِنة. فجعل الناسُ يدخلونها، ويتعجبُّون منها، ويقولون: لولا

стр. 608

موضعُ تلك اللبنة. فكنتُ أنا موضعَ تلك اللَّبِنة". رواه مسلم (١). وفي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة (٢) وأبي سعيد (٣) عنه ﷺ : "إنما مثَلي ومثَلُ أمتي كمثَل رجلٍ استوقد نارًا، فجعل الدوابُّ والفَراشُ يقَعن فيها. فأنا آخُذ بحُجَزكم من النار، وأنتم تَقَحَّمون (٤) فيها". ومثَّل مَن وقع في الشبهات بالراعي يرعى حول الحِمَى، وإنه يوشك أن يرتع (٥) فيه (٦). وقال الحافظ أبو محمد بن خلّاد الرامهرمزي (٧): ثنا أبو شعيب (٨) الحَرَّاني، ثنا يحيى بن عبد الله البابَلُتِّيُّ (٩)، ثنا صفوان بن عمرو قال: حدّثني سُلَيم بن عامر قال: قال النبي (١٠) ﷺ : "نُصِرتُ بالرعب (١١)، وأوتيتُ

стр. 609

جوامعَ الكلم، وأوتيتُ الحكمةَ، وضُرب لي من الأمثال مثلُ القرآن. وإني بينا أنا نائم إذ أتاني ملكان، فقام أحدهما عند رأسي، وقام الآخر عند رجلي. فقال الذي (١) عند رأسي: اضرب مثلًا [فقال الذي عند رجلي: بل اضرِبْ مثلًا] (٢) وأنا أفسِّره. فقال الذي عند رأسي وأهوَى إليَّ: لِتَنَمْ عينُك، وَلْتسمَعْ أذنُك، وَلْيَعِ قلبُك. قال: فكنتُ كذلك: أمَّا الأذن فتسمع، وأما القلب فيعي، وأما العين فتنام. قال: فضرب [١٤٠/أ] مثلًا، فقال: بِركةٌ فيها شجرة ثابتة (٣)، وفي الشجرة غصن خارج، فجاء ضاربٌ فضرَبَ الشجرة، فوقع الغصن ووقع معه ورق كثير، كلُّ ذلك في البِركة لم يَعْدُها، ثم ضرب الثانيةَ، فوقع ورق كثير، كلُّ ذلك في البِركة لم يعدُها. ثم ضرب الثالثة، فوقع ورق كثير، لا أدري ما وقع فيها أكثرُ أو ما خرج منها. قال: ففسَّر الذي عند رجلي (٤)، فقال: أما البِركة فهي الجنة، وأما الشجرة فهي الأمّة، وأما الغصن فهو النبي ﷺ . وأما الضارب فملَك الموت، ضرَب الضربة الأولى في القرن الأول، فوقع النبي ﷺ وأهل طبقته. وضرب الثانية في القرن الثاني، فوقع كلُّ ذلك في الجنة. ثم ضرب الثالثةَ في القرن الثالث، فلا أدري ما وقع فيها أكثرُ أم ما خرج منها". وفي "المسند" (٥) من حديث جابر: كان النبي ﷺ إذا خطب احمرَّت

стр. 610

عيناه، وعلا صوته، واشتَّد غضبه، حتَّى كأنه نذيرُ جيش يقول: "صبَّحكم ومسَّاكم". ثم يقول: "بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين". ويقرُن بين إصبعَيه السبابة والوسطى. وفي حديث المستورد: "بُعِثتُ في نفَسِ الساعة، سبقتُها كما سبقَتْ هذه هذه". وأشار بإصبعيه (١). وفي "المسند" عنه (٢): "إن مثَلي ومثَلَ ما بعثني الله به (٣) كمثَلِ رجلٍ أتى قومَه فقال: يا قومِ إني رأيتُ الجيش بعيني، وأنا النذير العريان، فالنجاءَ. فأطاعه طائفة منهم، فأدلجوا على مَهَلِهم فنجَوا. وكذَّبته طائفة، فأصبحوا [١٤٠/ب] مكانَهم فصبَّحهم الجيشُ، فأهلكهم، واجتاحهم. كذلك (٤) مثلُ من أطاعني واتبع ما جئتُ به، ومثلُ من عصاني وكذَّب بما جئتُ به من الحق".

стр. 611

وفي "الصحيحين" (١) عنه: "مثلي ومثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيثٍ أصاب أرضًا، فكان منها طائفة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير. وكانت (٢) منها أجادِبُ (٣) أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا، وزرعوا، وسقَوا. وأصاب طائفة أخرى منها الماء، وهي (٤) قِيعانٌ لا تُمسِك ماء، ولا تُنبِت كلأ. فذلك مثلُ من فقُه في دين الله، ونفعه (٥) بما بعثني الله به، فعلِم وعلَّم؛ ومثلُ من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أُرسِلتُ به" (٦). وفي "الصحيحين" (٧) عنه ﷺ أنه خطب الناس، فقال: "والله ما الفقرَ أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم ما يُخرج الله لكم من زهرة الدنيا". فقال رجل: يا رسول الله، أوَ يأتي الخير بالشرِّ؟ فصمَت رسولُ الله ﷺ ، ثم قال: "كيف قلت؟ ". فقال: يا رسول الله، أوَ يأتي الخير بالشرِّ؟ فقال رسول الله ﷺ :

стр. 612

"إنَّ الخير لا يأتي إلا بالخير، وإنَّ مما يُنبت الربيعُ ما يقتل حَبَطًا (١) أو يُلِمُّ (٢)، إلا آكلةَ الخَضِر أكلَتْ حتى إذا امتدَّت خاصرتاها استقبلت الشمسَ، فثلَطت (٣) وبالت، ثم اجترَّت، فعادت (٤)، فأكلت. فمن أخذ مالًا بحقِّه يبارَك له فيه، ومن أخذ مالًا بغير حقِّه فمثلُه كمثل الذي يأكل ولا يشبع". وقالت ميمونة: قال رسول الله ﷺ لعمرو بن العاص: "الدنيا خَضِرة [١٤١/أ] حُلوة، فمن اتقى الله فيها وأصلح، وإلا فهو كالذي يأكل ولا يشبع. وبين الناس في ذلك كبعد الكوكبين، أحدهما يطلع في المشرق، والآخر يغيب في المغرب" (٥). ومثَّل نفسَه ﷺ في الدنيا براكب مرَّ بأرضٍ فَلاةٍ، فرأى شجرةً، فاستظلَّ تحتها، ثم راح وتركها (٦).

стр. 613

وفي "المسند" والترمذي (١) عنه: "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدُكم إصبعَه في اليَمِّ، فلينظر بم يرجع؟ ". ومرَّ مع أصحابه (٢) بسَخْلة منبوذة فقال: "أترون هذه هانت على أهلها، فوالذي نفسي بيده، لَلدُّنيا (٣) أهونُ على الله من هذه على أهلها" (٤). وقال: "إنما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا كمثل قومٍ سلكوا مفازةً غبراءَ، لا يدرُون ما قطعوا منها أكثرُ أو ما بقي منها. فحسَرت (٥) ظهورُهم، ونفِد زادهم، وسقطوا بين ظهرَي المفازة، فأيقنوا بالهلكة. فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم رجلٌ في حُلّةٍ يقطرُ رأسه، فقالوا: إن هذا لحديثُ عهدٍ بريف، فانتهى إليهم، فقال: يا هؤلاء، ما شأنكم؟ فقالوا: ما ترى كيف حسَرت ظهورنا، ونفِدت أزوادنا بين ظهرَي هذه المفازة، لا ندري ما قطعنا منها أكثرُ أم ما بقي؟ فقال: ما تجعلون لي إن أوردتُكم ماءً رَواءً (٦) ورياضًا خُضْرًا؟ قالوا: حكمَك. قال: تعطوني عهودكم ومواثيقكم أن لا تعصُوني، ففعلوا،

стр. 614

فمال بهم، فأوردهم ماء رَواءً ورياضًا خُضْرًا. فمكث يسيرًا، ثم قال: هلُمُّوا إلى رياض أعشبَ من رياضكم هذه، وماءٍ أروى من مائكم هذا. فقال جُلُّ القوم: ما قدَرنا على هذا حتى كدنا أن لا نقدر عليه. [١٤١/ب] وقالت طائفة منهم: ألستم قد جعلتم لهذا الرجل عهودكم ومواثيقكم أن لا تعصُوه؟ قد (١) صدَقكم في أول حديثه، فآخِرُ حديثه مثلُ أوله. فراح، وراحوا معه، فأوردهم رياضًا خضرًا، وماء رَواءً. وأتى الآخرين العدوُّ من ليلتهم، فأصبحوا ما بين قتيل وأسير" (٢). وقال: "مثَلُ المؤمن مثَلُ (٣) النحلة أكلَتْ طيِّبًا، ووضعَتْ طيِّبًا، وإنَّ مثَل المؤمن مثلُ القطعة الجيدة من الذهب، أُدخلَتْ النارَ، فنُفِخَ عليها، فخرجت جيِّدةً" (٤).

стр. 615

وروى ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر يرفعه: "مثلُ المؤمن مثلُ النخلة ــ أو النحلة ــ إن شاورتَه نفَعَك، وإن ماشَيتَه نفَعك، وإن شاركتَه نفَعك" (١). وقال: "مثلُ المؤمن والإيمان كمثل الفرس في آخِيَّته (٢)، يجُول ما يجول ثم يرجع إلى آخِيَّته. وكذلك المؤمن يقترف ما يقترف (٣)، ثم يرجع إلى الإيمان" (٤). وقال: "مثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم كمثل الجسد، إذا اشتكى شيءٌ منه تداعَى سائره بالسهَر والحُمَّى (٥) " (٦). وقال: "مثلُ المنافق كمثل الشاة العائرة (٧) بين الغنمَين، تكُرُّ إلى هذه

стр. 616

مرةً، وإلى هذه مرةً" (١). وقال: "مثلُ القرآن كمثل الإبل المعقَّلة (٢)، إن تعاهَدَ (٣) صاحبها عقْلَها أمسَكَها، وإن أغفلها ذهبت. وإذا قام صاحبُ القرآن به ذكَره، وإذا لم يقُم به نسِيَه" (٤). وقال موسى بن عبيدة، عن ماعز بن سُويَد العَرْجي، عن علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ قال (٥): "مثلُ (٦) الذي لا يُتِمُّ صلاته مثلُ المرأة (٧)، حملَتْ حتَّى إذا دنا نفاسها أسقطَتْ، فلا حامل ولا ذات رضاع. ومثلُ المصلِّي كمثل التاجر لا يخلُص له الربحُ حتى يخلُص له رأسُ ماله (٨). وكذلك [١٤٢/أ] المصلِّي لا تُقبَل (٩) له نافلة حتى يؤدِّي الفريضة" (١٠).

стр. 617

وقال حماد بن سلَمة، عن علي بن زيد، عن أوس بن خالد، عن أبي هريرة يرفعه: "مثلُ الذي يسمع الحكمةَ ولا يحمِل إلا شرَّها كمثل رجلٍ أتى راعيًا فقال: أجْزِرْني (١) شاةً من غنمك. فقال: انطلِقْ، فخُذْ بأذن شاةٍ منها. فذهب، فأخذ بأذن كلب الغنم! " (٢). وقال عبد الله بن المبارك (٣): ثنا عبد الرحمن بن يزيد (٤) بن جابر،

стр. 618

حدثني أبو هريرة (١) قال: سمعتُ معاوية يقول على هذا المنبر: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنما بقي من الدنيا بلاء وفتنة، وإنما مثلُ عملِ أحدكم كمثل الوعاء، إذا طاب أعلاه طاب أسفلُه، وإذا خبُث أعلاه خبُث أسفلُه". وفي "المسند" (٢) من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : "إنَّ رجلًا كان فيمن كان قبلكم استضاف قومًا، فأضافوه، ولهم كلبة تنبح. قال: فقالت الكلبة: والله لا أنبَحُ ضيفَ أهلي الليلةَ. قال: فعوَى جِراؤها في بطنها. فبلغ ذلك نبيًّا لهم أو قَيْلًا لهم، فقال: مثَلُ هذه مثَلُ أمّةٍ تكون بعدكم، يقهر سفهاؤها حلماءَها (٣)، ويغلب سفهاؤها علماءَها". وفي "صحيح البخاري" (٤) من حديث النعمان بن بشير عن النبي ﷺ : "مثلُ القائمِ في حدود الله والواقعِ فيها كمثل قومٍ استهَموا (٥) على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلَها. فكان الذين في أسفلها إذا استقَوا من الماء مرُّوا على مَن فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خَرْقًا ولم نُؤذِ مَن فوقنا! فإن هم تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن (٦) أخذوا على

стр. 619

أيديهم نجَوا ونجَوا [١٤٢/ب] جميعًا". وفي "المعجم الكبير" (١) عنه من حديث سهل بن سعد قال: "إياكم ومحقَّراتِ الذنوب، فإنَّ مثلَ ذلك كمثلِ قومٍ نزلوا بطنَ واد، فجاء هذا بعود وهذا بعود، حتى حملوا ما أنضَجوا به خبزَهم. وإنَّ محقَّراتِ الذنوب متى يؤخَذْ بها صاحبُها تُهلِكْه". وفي "المسند" (٢) من حديث أبي بن كعب يرفعه: "إنَّ مطعمَ ابن آدم قد ضُرِب مثلًا للدنيا، فانظر ما يخرج من ابن آدم، وإن قزَّحه (٣) وملَّحه، قد

стр. 620

عَلِم إلى ما يصير". وقال أبو محمد بن خلّاد (١): ثنا عبد الله بن أحمد بن معدان، ثنا يوسف بن مسلم المِصِّيصي، ثنا حجّاج الأعور، عن أبي بكر الهذلي، عن الحسن، عن أبي بن كعب، عن رسول الله ﷺ قال: "إنّي ضَربتُ للدنيا مثلًا، ولابن آدم عند الموت. مثَلُه مثَلُ رجلٍ له ثلاثة أخِلَّاء، فلما حضره الموت قال لأحدهم: إنك كنتَ لي خليلًا، وكنتَ أبر الثلاثة (٢) عندي، وقد نزل بي من أمر الله ما ترى، فماذا عندك؟ " قال: "يقول: وماذا عندي؟ وهذا أمرُ الله قد غلبني، ولا أستطيع أن أنفِّس كُربتَك، ولا أفرِّج غمَّك، ولا أؤخِّر سعيَك (٣). ولكن ها أنا ذا بين يديك، فخذني (٤) زادًا تذهب به معك، فإنه ينفعك". قال: "ثم دعا الثاني، فقال: إنك كنتَ لي خليلًا، وكنت آثَرَ (٥) الثلاثة

стр. 621

عندي، وقد نزل بي من أمر الله ما ترى، فماذا عندك؟ " قال: "يقول: وماذا عندي؟ وهذا أمر الله قد غلبني، ولا أستطيع أن أنفِّس كربتك، ولا أفرِّج غمَّك، ولا أؤخِّر سعيَك، ولكن سأقوم عليك في مرضك. فإذا مِتَّ [١٤٣/أ] أنقيتُ (١) غسلَك، وجدَّدتُ (٢) كِسوتك، وسترتُ جسدك وعورتك". قال: "ثم دعا الثالث، فقال: قد نزل بي من أمر الله ما ترى، وكنت أهونَ الثلاثة عليَّ، وكنتُ لك مضيعًا، وفيك زاهدًا، فما (٣) عندك؟ قال: عندي أنّي قرينك (٤) وحليفك في الدنيا والآخرة، أدخل معك قبرك حين تدخله، وأخرج منه حين تخرج منه، ولا أفارقك أبدًا". فقال النبي ﷺ : "هذا ماله وأهله وعمله. أما الأول الذي قال: خذني زادًا، فماله. والثاني أهله، والثالث عمله". وقد رواه أيضًا (٥) بسياق آخر من

стр. 622

حديث أُبَيّ (١) أيضًا، ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال يومًا لأصحابه: "أتدرون ما مثَلُ أحدِكم ومثلُ أهله وماله (٢) وعمله؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: "إنما مثلُ أحدكم ومثلُ [ماله و] أهله وولده وعمله (٣) كمثل رجلٍ له ثلاثة إخوة، فلما حضرته الوفاة دعا بعضَ إخوته، فقال: إنه قد نزل بي من الأمر ما ترى، فمالي عندك؟ وما لديك؟ فقال: لك عندي أن أمرِّضَك ولا أزايلك، وأن أقوم بشأنك. فإذا مِتَّ غسَّلتُك، وكفَّنتُك، وحملتُك مع الحاملين، أحملك طورًا وأميط عنك طورًا. فإذا رجعتُ أثنيتُ عليك بخيرٍ عند من يسألني عنك. هذا أخوه الذي هو أهله، فما ترونه؟ ". قالوا: لا نسمع طائلًا يا رسول الله.

стр. 623

"ثم يقول للأخ الآخر: أترى ما قد نزل بي؟ فمالي لديك؟ ومالي عندك؟ فيقول: ليس عندي غَناءٌ إلا وأنت في الأحياء. فإذا مِتَّ ذهب بك مذهبٌ، وذهب بي مذهبٌ. هذا [١٤٣/ب] أخوه الذي هو مالُه، كيف ترونه؟ " قالوا: لا نسمع طائلًا يا رسول الله. "ثم يقول لأخيه الآخر: أترى ما قد نزل بي، وما ردَّ عليَّ أهلي ومالي؟ فمالي عندك؟ وما لي لديك؟ فيقول: أنا صاحبُك في لحدك، وأنيسُك في وحشتك. وأقعُد يوم الوزن في ميزانك، فأُثقِّل ميزانَك. هذا أخوه الذي هو عملُه، كيف ترونه؟ ". قالوا: خيرُ أخٍ وخيرُ صاحبٍ يا رسول الله، قال: "فإنَّ الأمر هكذا". وقال (١) ﷺ : "مثلُ الجليس الصالح مثلُ حاملِ المِسك (٢)، إما أن يُحذِيَك (٣)، وإما أن يبيعك، وإما أن تجد منه ريحًا طيبةً. ومثلُ جليس السَّوء كمثل صاحب الكِير (٤)، إن لم يُصبك من شرره أصابك من ريحه" (٥). وفي "الصحيح" (٦) عنه أنه قال: "مثلُ المنفِق والبخيل مثلُ رجلين عليهما جُبَّتان ــ أو جُنَّتان ــ من حديد من لدن ثُدِيِّهما إلى تراقيهما. فإذا أراد

стр. 624

المنفِق أن يُنفق سبَغَتْ عليه حتى تُجِنَّ (١) بَنانَه وتعفو أثرَه (٢). وإذا أراد البخيل أن يُنفِق قلَصتْ ولزمتْ كلُّ حلقة موضعَها، فهو يوسِّعها ولا تتسع". وقال: "مثلُ الذين يغزون من أمتي ويتعجَّلون أجورَهم كمثل أمِّ موسى تُرضِع ولدَها وتأخذ أجرَها" (٣). فصل قالوا: فهذه وأمثالها من الأمثال التي ضربها رسول الله ﷺ لتقريب المراد، وتفهيم المعنى، وإيصاله إلى ذهن السامع وإحضاره في نفسه بصورة المثال الذي مَثَّل به؛ فإنه يكون (٤) أقرَب إلى تعقُّله وفهمه، وضبطه واستحضاره له باستحضار نظيره؛ فإنَّ النفس تأنَس بالنظائر والأشباه الأُنْسَ التامَّ، [١٤٤/أ] وتنفِر من الغُربة والوحدة وعدم النظير. ففي الأمثال من تأنيس

стр. 625

النفس وسرعةِ قبولها وانقيادِها لما ضُرب لها مثلُه من الحقِّ أمرٌ لا يجحده أحدٌ ولا ينكره. وكلَّما ظهرت لها الأمثال ازداد المعنى ظهورًا ووضوحًا. فالأمثال شواهد للمعنى (١) المراد، ومزكِّية (٢) له. فهو (٣) ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، وهي خاصَّةُ العقل ولبُّه وثمرتُه. ولكن أين في الأمثال التي ضربها الله ورسوله على هذا الوجه، فهِمنا أن الصُّداق لا يكون أقلَّ من ثلاثة دراهم أو عشرة (٤) قياسًا وتمثيلًا على أقلِّ ما يُقطَع فيه السارق؟ هذا بالألغاز والأحاجيِّ أشبَهُ منه بالأمثال المضروبة للفهم! كما قال إمام الحديث محمد بن إسماعيل البخاري في "جامعه الصحيح" (٥) "باب من شبَّه أصلًا معلومًا بأصلٍ مبيَّن قد بيَّن الله حكمَهما لِيفهم السامع" (٦). فنحن لا ننكر هذه الأمثال التي ضربها الله ورسوله، ولا نجهل ما أريد بها؛ وإنما ننكر أن يستفاد وجوبُ الدم (٧) على من قطع من جسده أو رأسه ثلاث شعرات أو أربعًا (٨) من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ

стр. 626

مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأن الآية تدل على ذلك. وأنَّ قوله ﷺ في صدقة الفطر: "صاع من تمر (١) أو صاع من شعير، أو صاع من أقِط، أو صاع من بُرٍّ (٢)، أو صاع من زبيب" (٣) يُفهَم منه أنه لو أعطى صاعًا من إهْلِيلَجٍ (٤) جاز، وأنه يدل على ذلك بطريق التمثيل والاعتبار. وأنَّ [١٤٤/ب] قوله ﷺ : "الولد للفراش" (٥)، يستفاد منه ومن دلالته: أنه لو قال له الوليُّ بحضرة الحاكم: زوَّجتُك ابنتي ــ وهو بأقصى الشرق، وهي بأقصى الغرب ــ فقال: قبلتُ هذا التزويج وهي طالقٌ ثلاثًا؛ فأتت بعد ذلك بولد لأكثر من ستة أشهر= أنه ابنه، وقد صارت فراشًا بمجرَّد قوله: قبلت هذا التزويج. ومع هذا لو كانت له سُرِّيَّةٌ يطؤها ليلًا ونهارًا لم تكن فراشًا له، ولو أتت بولد لم يلحقه نسبه إلا أن يدَّعيه ويستلحقه. فإن لم يستلحقه فليس

стр. 627

بولده (١). وأن (٢) يُفهَمَ من قوله ﷺ : "إن في قتل الخطأ شبهِ العَمْد ما كان بالسوط والعصا مائةً من الإبل" (٣) أنه لو ضربه بحجَر المَنْجَنيق أو بكُوذِينِ (٤)

стр. 628

الحدّاد أو بمَرازبِ (١) الحديد العظام، حتَّى خلط دماغَه بلحمه وعظمه= أنَّ هذا خطأٌ شبهُ عَمْد لا يوجب قوَدًا. وأن (٢) يُفهَمَ من قوله ﷺ : "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن يكن له مَخرج فخلُّوا سبيله، فإنَّ الإمام أن يخطئ في العفو خيرٌ له من أن يخطئ في العقوبة" (٣) أنَّ مَن عقد على أمِّه أو ابنته أو أخته ووطئها فلا حدَّ عليه، وأن هذا مفهوم من قوله: "ادرؤوا الحدود بالشبهات" (٤)، فهذا في

стр. 629

معنى الشبهة التي تُدرأ بها الحدود، وهي الشبهة في المحلّ (١)، أو في الفاعل، أو في الاعتقاد، ولو عُرض هذا على فَهمِ مَن فُرِض من العالمين لم يفهمه من هذا اللفظ بوجه من الوجوه. وأنَّ من يطأ خالته وعمَّته (٢) بملك اليمين فلا حدَّ عليه مع علمِه [١٤٥/أ] بأنها خالته وعمته، وتحريمِ الله لذلك، ويُفهَم هذا من "ادرؤوا الحدود بالشبهات"! وأضعاف أضعاف هذا (٣) مما لا يكاد ينحصر. فهذا التمثيل والتشبيه (٤) هو الذي ننكره، وننكر أن يكون في كلام الله ورسوله دلالةٌ على فهمه بوجهٍ ما.

стр. 630

قالوا: ومن أين يفهم من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ [النحل: ٦٦]، ومن قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾، تحريمُ بيعِ الكَشْك (١) باللبن، وبيعِ الخَلِّ بالعنب، ونحو ذلك؟ قالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، ولم يقل "إلى قياساتكم وآرائكم" ولم يجعل الله آراء الرجال وأقيستها حاكمةً بين الأمة أبدًا. وقالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. فإنما منعهم من الخِيَرة عند حكمه وحكم رسوله، لا عند آراء الرجال وأقيستهم وظنونهم. وقد أمر سبحانه رسوله باتباع ما أوحاه إليه خاصةً، وقال: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ

стр. 631

اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. قالوا: فدلَّ هذا النصُّ على أنَّ ما لم يأذن به الله من الدين فهو شرعُ غيرِه الباطل. قالوا: وقد أخبر النبي ﷺ عن ربِّه ﵎ أنَّ كلَّ ما سكت عن إيجابه أو تحريمه فهو عفوٌ عفا عنه لعباده (١)، مباحٌ (٢) إباحةَ العفو. فلا يجوز تحريمه ولا إيجابه قياسًا على ما أوجبه أو حرَّمه بجامع بينهما، فإنَّ ذلك يستلزم رفعَ هذا القسم بالكلِّية وإلغاءه؛ إذ المسكوتُ عنه لا بدَّ أن يكون بينه وبين المحرَّم شبه [١٤٥/ب] ووصف جامع (٣)، أو بينه وبين الواجب، فلو جاز إلحاقه به لم يكن هناك قسمٌ قد عُفِي عنه، ولم يكن ما سكَت عنه قد عفا عنه، بل يكون ما سكَت عنه قد حرَّمه قياسًا على ما حرَّمه. وهذا لا سبيل إلى دفعه، وحينئذ فيكون تحريمُ ما سكَت عنه تبديلًا لحكمه، وقد ذمَّ تعالى مَن بدَّل غيرَ القول الذي أُمِر به، فمن بدَّل غيرَ الحكم الذي

стр. 632

شُرِع له فهو أولى بالذم. وقد قال النبي ﷺ : "إنَّ من أعظم المسلمين في المسلمين جُرمًا من سأل عن شيء لم يحرَّم، فحُرِّم على الناس من أجل مسألته" (١). فإذا كان هذا فيمن تسبَّب إلى تحريم الشارع صريحًا بمسألته عن حُكمِ ما سكتَ عنه، فكيف بمن حرَّم المسكوتَ عنه بقياسه ورأيه (٢)؟ يوضِّحه: أن المسكوت عنه لما كان عفوًا عفا الله لعباده عنه، وكان البحث عنه سببًا لتحريم الله إياه لما فيه من مقتضى التحريم، لا لمجرَّدِ السؤال عن حكمه، وكان الله قد عفا عن ذلك وسامَح به عبادَه كما يعفو عما فيه مفسدةٌ من أعمالهم وأقوالهم= فمن المعلوم أنَّ سكوته عن ذكرِ لفظٍ عامٍّ يحرِّمه يدل على أنه عفوٌ عنده (٣)، فمن حرَّمه بسؤاله عن علة التحريم وقياسه على المحرَّم بالنصِّ كان أدخلَ في الذمِّ ممن سأل (٤) عن حكمه لحاجته إليه، فحُرِّم من أجل مسألته. بل كان الواجب عليه أن لا يبحث عنه، ولا يسأل عن حكمه، اكتفاءً بسكوت الله عن عفوه عنه؛ فهكذا الواجبُ (٥) أن لا يحرَّم المسكوتُ عنه بغير النصِّ [١٤٦/أ] الذي حرَّم (٦) أصلَه الذي يُلحَق به.

стр. 633

قالوا (١): وقد دلَّ على هذا كتابُ الله حيث يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠١ - ١٠٢]، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "ذروني ما تركتُكم، فإنما هلك الذين مِن قبلكم بكثرة سؤالهم (٢)، واختلافهم على أنبيائهم. فإذا نهيتُكم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتُكم بشيء فَأْتُوا منه ما استطعتم" (٣). فأمَرهم أن يتركوه من السؤال ما تركهم. ولا فرق في هذا بين حياته وبعد مماته، فنحن مأمورون أن نتركه ﷺ وما نصَّ عليه، فلا نقول له: لِمَ حرَّمتَ كذا؟ لِنُلحِق به ما سكتَ عنه. بل هذا أبلغ في المعصية من أن نسأله عن حكمِ شيءٍ لم يحكُم فيه، فتأمَّلْه فإنه واضح. ويدل عليه قوله في نفس (٤) الحديث: "وإذا نهيتُكم عن شيء فاجتَنِبوه، وإذا أمرتُكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". فجعل الأمور ثلاثة، لا رابع لها: مأمورٌ به، فالفرضُ عليهم فعلُه بحسب الاستطاعة. ومنهيٌّ عنه، ففرْضٌ (٥) عليهم اجتنابُه بالكلِّيَة. ومسكوتٌ عنه، فلا تتعرَّضوا (٦) للسؤال والتفتيش عنه.

стр. 634

وهذا حكم لا يختصُّ بحياته فقط، ولا يخُصُّ الصحابةَ دون من بعدهم، بل فرَضَ علينا نحن امتثالَ أمره بحسب الاستطاعة، واجتنابَ نهيه، وتركَ البحث والتفتيش عما سكت عنه. وليس ذلك الترك جهلًا وتجهيلًا لحكمه، بل إثباتٌ لحكم العفو [١٤٦/ب] وهو الإباحة العامة ورفعُ الحرج عن فاعله. فقد استوعب الحديث أقسامَ الدين كلَّها، فإنها إما واجب، وإما حرام، وإما مباح. والمكروه والمستحب فرعان على هذه الثلاثة غيرُ خارجين عن المباح. وقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨ - ١٩]، فوكل بيانه إليه سبحانه، لا إلى القيَّاسين (١) والآرائيين (٢). وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، فقسم الحكم إلى قسمين: قسم أذن فيه وهو الحق، وقسم افتُرِي عليه وهو ما لم يأذن فيه. فأين أذِن (٣) لنا أن نقيس البَلُّوطَ على التَّمر في جرَيان الربا فيه، وأن نقيس القَزْديرَ (٤) على الذهب والفضة، والخَردلَ على البُرِّ؟ فإن كان الله ورسوله وصَّانا بهذا فسمعًا وطاعةً لله ورسوله، وإلا فإنَّا قائلون لمنازعينا: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ [الأنعام: ١٤٤]، فما لم تأتنا به

стр. 635

وصية من عند الله على لسان رسوله فهو عين الباطل. وقد أمرنا الله بردِّ ما تنازعنا فيه إليه وإلى رسوله، فلم يُبِحْ لنا قطُّ أن نردَّ ذلك إلى رأي ولا قياس ولا تقليد إمام، ولا منام ولا كشوف ولا إلهام ولا حديث قلب، ولا استحسان ولا معقول، ولا شريعة الديوان ولا سياسة الملوك، ولا عوائد الناس التي ليس على شرائع المسلمين أضرُّ منها. فكلُّ هذه طواغيت، مَن يتحاكَمْ (١) إليها أو دعا مُنازِعَه إلى التحاكم إليها فقد حاكم إلى الطاغوت. وقال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ [١٤٧/أ] إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤]. قالوا (٢): ومن تأمَّلَ هذه الآية حقَّ التأمُّل تبيَّن له أنها نصٌّ على إبطال القياس وتحريمه، لأن القياس كلَّه ضربُ الأمثال للدين، وتمثيلُ ما لا نصَّ فيه بما فيه نصٌّ؛ ومن مثَّل ما لم ينصَّ الله سبحانه على تحريمه أو إيجابه بما حرَّمه أو أوجبه فقد ضرب لله الأمثال. ولو علِم سبحانه أن الذي سكت عنه مثلُ الذي نصَّ عليه لأعلَمَنا به، ولما أغفله سبحانه، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، وليبيِّن لنا ما نتَّقي كما أخبر عن نفسه بذلك إذ يقول سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] ولَمَا وَكَله إلى آرائنا ومقاييسنا التي ينقض بعضُها بعضًا، فهذا يقيس ما يذهب إليه على ما يزعم أنه نظيره، فيجيء منازِعُه فيقيس ضدَّ قياسه من كلِّ وجه، ويبدي من الوصف الجامع مثلَ ما أبداه منازعُه (٣) أو أظهر منه، ومحال
следующие страницы →