← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

أوجبه الآخر على نفسه، فصارتا كالظهر الواحدة. وهذا ليس يُجدي شيئًا، فإنَّ سبب الوجوب مختلف كما في الصورة الأولى سواء، وهو نذرُ كلِّ واحد منهما على نفسه، وليس الواجب على أحدهما هو عين الواجب على الآخر، بل هو مثله؛ ولهذا لا يتأدَّى أحدُ الواجبين بأداء الآخر. ولا فرق بين المسألتين في ذلك البتة، فإنَّ كلَّ واحد (١) يجب عليه ركعتان نظير ما وجب على الآخر بنذره. فالسبب متماثل (٢)، والواجب متماثل، والتعدُّد في الجانبين سواء. فالتفريق بينهما تفريق بيِّن (٣)، وخروج عن محض القياس. وفرَّقتم بين ما جمع النصُّ والميزان بينهما، فقلتم: إذا ظفِر برِكازٍ (٤) فعليه فيه الخُمْس، ثم يجوز له صرفُه إلى أولاده وإلى نفسه إذا احتاج إليه. وإذا وجب عليه عشرُ [١٧٩/أ] الخارج من الأرض لم يكن له صرفُه إلى ولده ولا إلى نفسه. وكلاهما واجب عليه إخراجُه لحقِّ الله وشكرًا لنعمته (٥) بما أنعم عليه من المال، ولكن لما كان الرِّكازُ مالًا مجموعًا لم يكن نماؤه وكماله بفعله، فالمؤنةُ فيه أيسرُ= كان الواجب فيه أكثر. ولما كان الزرعُ فيه من المؤنة والكلفة والعمل أكثرُ مما في الركاز= كان الواجب فيه نصفه، وهو العشر. فإن اشتدَّت المؤنة بالسقي بالكلفة حُطَّ الواجبُ إلى نصفه وهو

стр. 737

نصف العشر. فإن اشتدَّت المؤنة في المال غيره (١) بالتجارة والبيع والشِّراء كلَّ وقت، وحفظِه وكراءِ مخزنه ونقلِه= خُفِّف إلى شطره، وهو رُبع العشر. فهذا من كمال حكمة الشارع في اعتبار كثرة الواجب وقلته. فكيف يجوز له أن يعطي الواجب الأكثر الذي هو أقلُّ مؤنةً وتعبًا وكلفةً لأولاده ويمسكه لنفسه، وقد أضعفه عليه الشارعُ أكثرَ من كلِّ واجب في الزكاة، ومخرجُ الجميع وإيجابه واحد نصًّا واعتبارًا؟ فالتفريق بينهما تفريق بين ما جمعت الشريعة بينهما حيث قال النبي ﷺ : «في الرِّكاز الخُمْس، وفي الرِّقة ربعُ العُشْر» (٢). وقلتم: لو أودع من لا يعرفه مالًا، فغاب (٣) عنه سنين، ثم عرفه= فلا زكاة عليه، لأنه لا يقدر على ارتجاعه منه؛ فهو كما لو دفنه بمفازة (٤)، ونسيه (٥). ثم ناقضتم فقلتم: لو أودعه من يعرفه، فنسيه سنين، ثم عرفه= فعليه زكاة تلك السنين الماضية كلِّها. [١٧٩/ب] والمال خارج عن قبضته وتصرُّفه، وهو غير قادر على ارتجاعه في الصورتين، ولا فرق بينهما. وقد

стр. 738

صرَّحتم في مسألة المفازة أنه لو دفنه بموضعٍ (١) منها، ثم نسيه، فلا زكاة عليه إذا عرفه بعد ذلك. ولا فرق في هذا بين المفازة وبين المودع بوجه. ثم ناقضتم من وجه آخر، وقلتم: لو دفنه في داره، وخفي عليه موضعُه سنين، ثم عرفه= وجب (٢) عليه الزكاة لما مضى. وقلتم: لو وجبت (٣) عليه أربع شياه، فأخرج ثنتين سمينتين تُساوي الأربع= جاز. فطردُ قياسكم هذا: أنه لو وجب عليه عشرة أَقْفِزةِ بُرٍّ، فأخرج خمسةً من بُرٍّ مرتفع تُساوي قيمة العشرة التي هي عليه= جاز. وطردُه: لو وجب عليه خمسةُ أبعرةٍ، فأخرج بعيرًا يساوي قيمة الخمسة= أنه يجوز. ولو وجب عليه صاعٌ في الفطرة، فأخرج ربعَ صاع يساوي الصاع الذي لو أخرجه لتأدَّى به الواجب= أنه يجوز. فإن طردتم هذا القياس، فلا يخفى ما فيه من تغيير المقادير الشرعية والعدول عنها، ولزمكم طردُه في أن من وجب عليه عتقُ رقبة، فأعتق عُشْرَ رقبةٍ تساوي قيمةَ رقبةٍ غيرها= جاز؛ ومَن نذر الصدقة بمائة شاةٍ، فتصدَّق بعشرين تساوي قيمة المائة= جاز. ثم ناقضتم، فقلتم: لو وجب عليه أضحيتان، فذبح واحدًا سمينًا يُساوي وسطين= لم يجز. ثم فرَّقتم بأن قلتم: المقصود في الأضحية: الذبح وإراقة الدم، وإراقة دم واحد لا تقوم مقامَ إراقة دمَين. والمقصود [١٨٠/أ] في الزكاة: سدُّ خَلَّةِ الفقير وهو يحصل بالأجود الأقل، كما يحصل بالأكثر إذا كان دونه.

стр. 739

وهذا فرقٌ إن صحَّ لكم في الأضحية لم يصحَّ لكم فيما ذكرناه من الصور، فكيف ولا يصحُّ (١)؟ فإن المقصود في الزكاة أمور عديدة. منها: سدُّ خَلَّة الفقير. ومنها: إقامة عبودية الله بفعل نفسِ ما أمَر به. ومنها: شكرُ نعمته عليه في المال. ومنها: إحراز المال وحفظه بإخراج هذا المقدار منه. ومنها: المواساة بهذا المقدار، لما علِم الله فيه من مصلحة ربِّ المال ومصلحة الآخذ. ومنها: التعبُّد بالوقوف عند حدود الله وأن لا ينقص منها ولا يغيَّر. وهذه المقاصد إن لم تكن أعظم من مقصود إراقة الدم في الأضحية، فليست بدونه، فكيف يجوز إلغاؤها واعتبارُ مجرَّدِ إراقة الدم؟ ثم إن هذا الفرق ينعكس عليكم من وجه آخر، وهو أن مقصود الشارع من إراقة دم الهدي والأضحية: التقرُّب إلى الله سبحانه بأجلِّ ما يقدر عليه من ذلك النوع وأعلاه وأغلاه ثمنًا وأنفَسه عند أهله. فإنه لن يناله سبحانه لحومها ولا دماؤها، وإنما يناله تقوى العبد منه، ومحبته له، وإيثاره بالتقرب إليه بأحبِّ شيء إلى العبد وآثَرِه عنده وأنفَسِه لديه، كما يتقرب المحبُّ إلى محبوبه بأنفَسِ ما يقدر عليه وأفضلِه عنده. ولهذا فطر الله العباد على أن من تقرَّب إلى محبوبه بأفضلِ هديةٍ يقدر عليها وأجلِّها وأعلاها كان أحظى لديه وأحبَّ إليه ممن تقرَّب إليه بألفِ واحدٍ رديءٍ [١٨٠/ب] من ذلك النوع. وقد نبَّه سبحانه على هذا بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧].

стр. 740

وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨]. وسئل النبيُّ ﷺ عن أفضل الرقاب، فقال: «أغلاها ثمنًا، وأنفَسُها عند أهلها» (١). ونذر عمر أن ينحر نجيبةً فأُعطِي بها نجيبَين (٢)، فسأل النبيَّ ﷺ أن يأخذهما بها وينحرهما (٣)، فقال: «لا، بل انحَرْها إياها» (٤). فاعتُبِر في الأضحية عينُ المنذور، دون ما يقوم مقامه وإن كان أكثر منه، فلَأن يُعتبرَ في الزكاة نفسُ الواجب، دون ما يقوم مقامه ولو كان أكثر منه (٥) = أولى وأحرى.

стр. 741

وطردُ قياسكم: أنه لو وجب عليه أربع شياه جياد، فأخرج عشرةً من أردأ الشياه وأهزلها وقيمتُهن قيمة الأربع؛ أو وجب عليه أربعُ حِقاقٍ (١) جيادٍ، فأخرج عشرين ابنَ لبونٍ (٢) من أردأ الإبل وأهزلها= أنه يجوز. فإن منعتم ذلك نقضتم القياس، وإن طردتموه تيمَّمتم الخبيث منه تنفقون، وسلَّطتم ربَّ المال على إخراج رديئه ومعايبه عن جيده، والمرجعُ في التقويم إلى اجتهاده. وفي هذا من مخالفة الكتاب والميزان ما فيه. وفرَّقتم بين ما جمع الشارع بينه، وجمعتم بين [١٨١/أ] ما فرَّق بينه. أما الأول فقلتم: يصح صومُ رمضان بنيَّة من النهار قبل الزوال، ولا يصح صوم الظهار وكفارة الوطء في رمضان وكفارة القتل إلا بنيَّةٍ من الليل. وفرَّقتم بينهما بأن صوم رمضان لمَّا كان معيَّنًا بالشرع أجزأ بنيّةٍ من النهار، بخلاف صوم الكفارة. وبنيتم على ذلك أنه لو قال: «لله عليَّ صومُ يوم»، فصامه بنيةٍ قبل الزوال= لم يجزئه. ولو قال: «لله عليَّ أن أصوم غدًا»، فصامه بنيّة قبل الزوال= جاز. وهذا تفريقٌ بين ما جمع الشارع بينه من صوم الفرض، وأخبر أنه لا صيام لمن لم يبيِّته من الليل (٣).

стр. 742

وهذا في صوم الفرض. وأما النفل فصحَّ عنه أنه كان ينشئه بنية من النهار، فسوَّيتم بينهما في إجزائهما بنية من النهار، وقد فرَّق الشارع بينهما. وفرَّقتم بين بعض الصوم المفروض وبعض في اعتبار النية من الليل، وقد سوَّى الشارع بينهما. والفرق بالتعيين وعدمه عديم التأثير، فإنه وإن تعيَّن لم يصِرْ عبادةً إلا بالنية. ولهذا لو أمسك عن الأكل والشرب من غير نية لم يكن صائمًا. فإذا لم تقارن النية جميع أجزاء اليوم فقد خرج بعضه عن أن يكون عبادة، فلم يؤدِّ ما أُمِر به، وتعيينه لا يزيد وجوبه إلا تأكيدًا واقتضاءً. فلو قيل: إن المعيَّن أولى بوجوب النية من الليل من غير المعيَّن لكان أصحَّ في القياس. والقياس الصحيح هو الذي جاءت به السنة من الفرق بين الفرض والنفل. فلا يصح الفرض إلا بنية من الليل، والنفل يصح بنية من النهار، لأنه يسامَح (١) فيه ما لا يسامَح في [١٨١/ب] الفرض، كما يجوز أن يصلي النفل قاعدًا وراكبًا على دابته إلى القبلة وغيرها، وفي ذلك تكثير النفل وتيسير الدخول فيه. والرجل لما كان مخيَّرًا بين الدخول فيه وعدمه، ويخيَّر بين الخروج منه وإتمامه= خُيِّر بين التبييت والنية من النهار. فهذا محض القياس وموجب السنة. ولله الحمد. وفرَّقتم بين ما جمع الله بينهما من جماع الصائم والمعتكف، فقلتم: لو

стр. 743

جامع في الصوم ناسيًا لم يفسد صومه، ولو جامع المعتكف ناسيًا فسد اعتكافه (١). وفرَّقتم بينهما بأن الجماع من محظورات الاعتكاف، ولهذا لا يباح ليلًا ولا نهارًا، وليس من محظورات الصوم لأنه يباح ليلًا. وهذا فرق فاسد جدًّا، لأن الليل ليس محلًّا للصوم، فلم يحرَّم فيه الجماع، وهو محلٌّ للاعتكاف فحرِّم فيه الجماع. فنهار الصائم كليل المعتكف في ذلك، ولا فرق بينهما، والجماع محظور في الوقتين؛ ووِزانُ ليل الصائم اليومُ الذي يخرج فيه المعتكف من اعتكافه. فهذا هو القياس المحض، والجمعُ بين ما جمع الله بينه، والتفريق بين ما فرَّق الله بينه. وبالله التوفيق. وقلتم: لو دخل عرفةَ في طلب بعير له أو حاجة، ولم ينوِ الوقوفَ= أجزأه عن الوقوف. ولو دار حول البيت في طلب شيء سقط منه، ولم ينو الطواف= لم يجزئه. وهذا خروج عن محض القياس. وفرَّقتم بفرقٍ فاسدٍ (٢)، فقلتم: المقصود الحصول (٣) بعرفة في هذا الوقت [١٨٢/أ] وقد حصل؛ بخلاف الطواف، فإن المقصود العبادة ولا تحصل إلا بالنية. فيقال: والمقصود بعرفة العبادة أيضًا، فكلاهما ركن مأمور به، ولم ينوِ المكلَّف امتثالَ الأمر لا في هذا ولا في هذا، فما الذي صحَّح هذا وأبطل هذا؟

стр. 744

ولما تنبَّه بعض القيَّاسين (١) لفساد هذا الفرق عدل إلى فرق آخر، فقال: الوقوف ركن يقع في نفس الإحرام، فنية الحج تشتمل (٢) عليه، فلا يفتقر إلى تجديد نية، كأجزاء الصلاة من الركوع والسجود تنسحب عليها نية الصلاة. وأما الطواف فيقع خارج العبادة (٣)، فلا تشتمل عليه نية الإحرام، فافتقر إلى النية. ونحن نقول لأصحاب هذا الفرق: رُدُّونا إلى الأول، فإنه أقلُّ فسادًا وتناقضًا من هذا. فإن الطواف والوقوف كلاهما جزء من أجزاء العبادة، فكيف تضمَّنت نيّةُ العبادة (٤) لهذا الركن دون هذا؟ وأيضًا فإن طواف المعتمر يقع في الإحرام. وأيضًا فطواف الزيارة يقع في بقية الإحرام، فإنه إنما حلَّ من إحرامه قبله تحلُّلًا أولَ ناقصًا، والتحلُّل الكامل موقوف على الطواف. وفرَّقتم بين ما جمعت السنة والقياس بينهما، فقلتم: إذا أحرم الصبيُّ، ثم بلَغ، فجدَّد إحرامه قبل أن يقف بعرفة= أجزأه عن حجة الإسلام. وإذا أحرم العبد، ثم عتَق، فجدَّد إحرامه= لم يجزئه عن حجة الإسلام. والسنة قد سوَّت بينهما، وكذا القياس، فإنَّ إحرامهما قبل العتق والبلوغ (٥) صحيح،

стр. 745

وهو سبب للثواب. وقد صارا (١) من أهل وجوب الحج قبل الوقوف بعرفة، فأجزأهما عن حجة الإسلام، كما لو لم يوجد منهما إحرام [١٨٢/ب] قبل ذلك. فإنَّ غاية ما وُجد منهما من الإحرام أن يكون وجوده كعدمه، فوجودُ الإحرام السابق على العتق لم يضرَّه شيئًا بحيث يكون عدمه أنفع له من وجوده. وتفريقُكم بأن إحرام الصبيِّ إحرامُ تخلُّق وعادة، وبالبلوغ انعدم ذلك، فصح منه الإحرام عن حجة الإسلام؛ وأما العبد فإحرامه إحرام عبادة، لأنه مكلَّف، فصح إحرامه موجِبًا فلا يتأتَّى له الخروج منه حتى يأتي بموجَبه= فرقٌ فاسد، فإن الصبي يثاب (٢) على إحرامه بالنص، وإحرامه إحرام عبادة ــ وإن كانت لا تسقط الفرض ــ كإحرام العبد سواء. وفرَّقتم بين ما جمع القياس الصحيح بينه، فقلتم: لو قال: «أحِجُّوا فلانًا حجّةً»، فله أن يأخذ النفقة ويأكل بها ويشرب، ولا يحُجَّ. ولو قال: «أحِجُّوه عنِّي»، لم يكن له أن يأخذ النفقة إلا بشرط الحج. وفرَّقتم بأن في المسألة الأولى أخرج كلامه مخرجَ الإيصاء بالنفقة له، وكأنه أشار عليه بالحج، ولا حقَّ للمُوصي في الحج الذي يأتي به. فصحَّحنا الوصية بالمال، ولم نُلزِم (٣) الموصَى له بما لا حقَّ للموصي فيه. وأما في المسألة الثانية فإنما قصد أن يعود نفعه إليه بثواب النفقة في الحج، فإن لم يحصل له غرضه لم تنفذ الوصية. وهذا الفرقُ نفسه هو المبطِل للفرق بين المسألتين، فإنه بتعيين (٤)

стр. 746

الحج قطع ما توهَّمتموه (١) من دفع المال إليه يفعل به ما يريد، وإنما قصد إعانته على طاعة الله ليكون شريكًا له في الثواب، ذاك بالبدن وهذا بالمال. [١٨٣/أ] ولهذا عيَّن الحجَّ مصرفًا للوصية، فلا يجوز إلغاء ذلك، وتمكينه من المال يصرفه في ملاذِّه وشهواته. وهذا (٢) من أفسد القياس. وهو (٣) لو قال: «أعطُوا فلانًا ألفًا يبني (٤) بها مسجدًا أو سِقايةً أو قنطرةً» لم يجُز أن يأخذ الألف ولا يفعل ما أُوصي به، كذلك الحج سواء. وفرَّقتم بين ما جمع محضُ القياس بينهما، فقلتم: إذا اشترى عبدًا ثم قال له: «أنت حرٌّ أمسِ» عتَق عليه. ولو تزوَّجها ثم قال لها: «أنتِ طالقٌ أمسِ» لم تطلق. وفرَّقتم بأن العبد لما كان حرًّا أمسِ اقتضى تحريمَ شرائه واسترقاقه اليوم، وأما الطلاق فكونُها مطلَّقةً أمسِ لا يقتضي تحريم نكاحها اليوم. وهذا فرق صوري لا تأثير له البتة، فإن الحكم إن جاز تقدُّمه (٥) على سببه وقع العتق والطلاق في الصورتين، وإن امتنع تقدُّمه (٦) على سببه لم يقع واحد منهما؛ فما بال أحدهما وقع دون الآخر؟ فإن قيل: نحن لم نفرِّق بينهما في الإنشاء، وإنما فرَّقنا بينهما في الإقرار والإخبار. فإذا أقرَّ بأن العبد حُرّ بالأمس فقد بطل أن يكون عبدًا اليوم، فعتَق

стр. 747

باعترافه. وإذا أقرَّ بأنها طالق أمسِ لم يلزم بطلان النكاح اليوم، لجواز أن يكون المطلِّق الأول قد طلَّقها أمسِ قبل الدخول، فتزوَّج هو بها اليوم. قلنا: إذا كانت المسألة على هذا الوجه، فلا بدَّ أن يقول: «أنت طالق أمسِ من غيري»، أو ينوي ذاك، فينفعَه حيث يُديَّن (١). فأما إذا أطلق فلا فرق بين العتق والطلاق. فإن قيل: يمكن أن يطلِّقها بالأمس، ثم يتزوجها اليوم. قيل: هذا يمكن في الطلاق الذي لم يُسْتَوفَ إذا كان مقصوده الإخبار، فأما إذا قال: «أنتِ طالق أمسِ ثلاثًا» ولم يقل: «من زوجٍ كان قبلي»، ولا نواه= فلا فرق أصلًا بين ذلك [١٨٣/ب] وبين قوله للعبد: «أنت حُرٌّ أمس». فهذا التفصيل هو محض القياس، وبالله التوفيق. وجمعتم بين ما فرَّقت السنة بينهما، فقلتم: يجب على البائن الإحداد، كما يجب على المتوفَّى عنها، والإحداد لم يكن (٢) لأجل العِدَّة، وإنما كان لأجل موت الزوج. والنبيُّ ﷺ نفى وأثبت، وخصَّ الإحداد بالمتوفَّى عنها (٣). وقد فارقت المبتوتةَ في وصف العدَّة، وقدرها، وسببها. فإنَّ سببها الموت، وإن لم يكن الزوج دخل بها. وسبب عدَّة البائن الفراق وإن كان

стр. 748

الزوج حيًّا. ثم فرَّقتم بين ما جمعت السنة بينهما، فقلتم: إن كانت الزوجة ذميَّة أو غير بالغة فلا إحداد عليها. والسنة تقتضي التسوية، كما يقتضيه القياس. وفرَّقتم بين ما جمع القياسُ المحضُ بينهما، فقلتم: لو ذبح المُحرِم صيدًا فهو ميتة لا يحِلُّ أكلُه، ولو ذبح الحلالُ صيدًا حَرَميًّا فليس بميتة، وأكلُه حلال. وفرَّقتم بأن المانع في ذبح المُحرِم فيه، فهو كذبح المجوسي والوثني، فالذابح غير أهل. وفي المسألة الثانية: الذابح أهل، والمذبوح محلٌّ للذبح إذا كان (١)، وإنما منع منه حرمة المكان. ألا ترى أنه لو خرج من الحرم حلَّ ذبحه؟ وهذا مِن أفسَدِ فرقٍ. وهو باقتضاء عكسِ الحكم أولى، فإن المانع في الصيد الحرمي في نفس المذبوح، فهو كذبح ما لا يؤكل؛ والمانع في ذبح المُحرِم في الفاعل، فهو كذبح الغاصب. وقلتم: لو أرسل كلبه على صيد في الحِلِّ، فطرده حتى أدخله الحرم، فأصابه= لم يضمنه. ولو أرسل سهمه على صيد في الحِلِّ، فأطارته [١٨٤/أ] الريح حتى قتل صيدًا في الحرم= ضَمِنه؛ وكلاهما تولَّد القتل فيه عن فعله. وفرَّقتم بأن الرمي حصل بمباشرته وقوته التي أمدَّت السهمَ فهو محضُ فعله، بخلاف مسألة الكلب فإن الصيد فيه يضاف إلى فعل الكلب. وهذا الفرق لا يصح، فإنَّ إرسال السهم والكلب كلاهما من فعله، والذي (٢) تولَّد منهما تولَّد عن فعله، وجريانُ السهم وعَدْوُ الكلب (٣) كلاهما هو السبب

стр. 749

فيه. وكونُ الكلب له اختيار والسهمُ لا اختيار له= فرقٌ لا تأثير له، إذ كان اختيار الكلب بسبب إرسال صاحبه (١). وقلتم: لو رهن أرضًا مزروعة أو شجرًا مثمرًا (٢) دخل الزرع والثمرة (٣) في الرهن، ولو باعهما (٤) لم يدخل الزرع والثمرة في البيع. وفرَّقتم بينهما بأن الرهن متصل بغيره، واتصال الرهن بغيره يمنع صحته الإشاعة (٥)، فلو لم يدخل فيه الزرع والثمرة لبطل؛ بخلاف البيع (٦)، فإن اتصاله بغيره لا يبطله، إذ الإشاعة لا تنافيه. وهذا قياس في غاية الضعف، لأن الاتصال هنا اتصالُ مجاورة، لا إشاعة، فهو كرهن زيتٍ في ظروفه، وقماشٍ في أعداله (٧)، ونحوه. وقلتم: لو أُكرِه على هبة جاريته لرجلٍ، فوهبها له [و] ملَّكَها (٨)، فأعتقها الموهوب له= نفذ عتقه. ولو باعها لم يصح بيعه. وهذا خروج عن محض

стр. 750

القياس. وتفريقكم بأن هذا عتقٌ صدر عن إكراه، والإكراه لا يمنع صحة العتق؛ وذاك بيعٌ صدر عن إكراه، والإكراه يمنع صحة البيع= لا يصح، لأنه إنما أُكرِه على التمليك، ولم يكن للمُكرَه غرض في [١٨٤/ب] الإعتاق، والتمليك لم يصح، والعتق لم يُكرَه عليه، فلا ينفذ كالبيع سواء. هذا مع أنكم تركتم القياس في مسألة الإكراه على البيع والعتق، فصحَّحتم العتق دون البيع. وفرَّقتم بأن العتق لا يدخله خيار، فصحَّ مع الإكراه كالطلاق؛ والبيع يدخله الخيار، فلم يصحَّ مع الإكراه. وهذا فرقٌ لا تأثير له. وهو فاسد في نفسه، فإن الإقرار والشهادة والإسلام لا يدخلها خيار، ولا تصح مع الإكراه. وإنما امتنعت عقود المكرَه (١) من النفوذ، لعدم الرضى الذي هو مصحِّح العقد، وهذا (٢) أمر تستوي فيه عقوده كلُّها: معاوضتها (٣) وتبرعاتها، وعتقه وطلاقه وخلعه وإقراره. وهذا هو محض القياس والميزان، فإن المكرَه محمول على ما أُكرِه عليه غيرُ مختار له، فأقواله بمنزلة (٤) أقوال النائم والناسي، فاعتبار بعضها وإلغاء بعضها خروج عن محض القياس. وبالله التوفيق. وقلتم: لو وقع في الغدير العظيم ــ الذي إذا حُرِّك أحدُ طرفيه تحرَّك الآخرُ (٥) ــ قطرةُ دم أو خمر أو بول آدمي نجَّسه كلَّه. وإذا وقع في آبار

стр. 751

الفلوات والأمصار البعرُ والرَّوث والأخباثُ لا تنجِّسها ما لم يأخذ وجه ربع الماء أو ثلثه، وقيل: أن لا يخلو دلوٌ عن شيء منه. ومعلوم أن ذلك الماء أقرب إلى الطيب والطهارة حسًّا وشرعًا من هذا. ومن العجب أنكم نجَّستم الأدهان والألبان والخَلَّ والمائعات بأسرها بالقطرة من البول والدم، وعفوتم عما دون ربع الثوب من النجاسة المخففة، وعما دون قدر الكف من المغلَّظة. وقستم العفو عن رُبع الثوب على وجوب [١٨٥/أ] مسح ربُع الرأس ووجوب حَلْق رُبعه في الإحرام، وأين مسحُ الرأس من غسل النجاسة؟ ولم تقيسوا الماء والمائع على الثوب، مع عدم ظهور أثر النجاسة فيهما البتة، وظهور عينها ورائحتها في الثوب، ولا سيما عند محمَّد (١) حيث يعفو عن قدر ذراع في ذراع، وعند أبي يوسف عن قدر شبر في شبر. وبكلِّ حال، فالعفوُ عما هو دون ذلك بكثير، مما لا نسبة له إليه، في الماء والمائع الذي لا يظهر أثرُ النجاسة فيه بوجه، بل يُحيلها ويُذهِب عينهَا وأثرَها= أولى وأحرى. وجمعتم بين ما فرَّق الشرعُ والحسُّ بينهما، فقستم المنيَّ الذي هو أصل الآدميين على البول والعَذِرة. وفرَّقتم بين ما جمع الشرع والحسّ بينهما، ففرَّقتم بين بعض الأشربة المسكرة وغيرها مع استوائهما (٢) في الإسكار، فجعلتم بعضها نجسًا كالبول، وبعضَها طاهرًا طيِّبًا كاللبن والماء. وقلتم: لو وقع في البئر نجاسة تنجَّس ماؤها وطينها. فإن نُزِح منها دلو

стр. 752

فتَرَشْرش (١) على حيطانها تنجَّست حيطانها، وكلما نُزِح منها شيء نبع مكانَه شيءٌ، فصادف ماءً نجسًا وطينًا نجسًا. فإذا وجب نزحُ أربعين دلوًا مثلًا، فنُزِح تسعة وثلاثون= كان المنزوح والباقي كلُّه نجسًا، والحيطانُ التي أصابها الماء، والطينُ الذي في قرار البئر؛ حتَّى إذا نُزح الدلو الأربعون قَشْقَش (٢) النجاسةَ كلَّها، فطهَّر الطينَ والماءَ وحيطانَ البئر، وطهَّر نفسَه، فما رُئي أكرَمُ من هذا الدلو ولا أعقَل ولا أخْيَر! (٣). فصل وقالت الحنابلة والشافعية (٤): [١٨٥/ب] لو تزوَّجها على أن يحجَّ بها لم تصحَّ التسمية، ووجب مهرُ المثل. وقاسوا هذه التسمية على ما إذا تزوَّجها على شيء لا يُدرى ما هو. ثم قالت الشافعية: لو تزوَّج الكتابية على أن يعلِّمها القرآنَ جاز. وقاسوه على جواز إسماعها إياه، فقاسوا أبعد قياس، وتركوا محض القياس، فإنهم صرَّحوا بأنه لو استأجرها ليحملها إلى الحج جاز، ونزلت الإجارة على العُرف؟ فكيف صحَّ أن يكون موردًا لعقد

стр. 753

الإجارة (١)، ولم يصح (٢) أن يكون صداقًا؟ ثم ناقضتم أبينَ مناقضة، فقلتم: لو تزوجها على أن يرُدَّ عبدَها الآبقَ من مكان كذا وكذا صحَّ، مع أنه قد يقدر على ردِّه، وقد يعجز عنه. فالغَرر الذي في هذا الأمر أعظم من الغَرر الذي في حملها إلى الحج بكثير. وقلتم: لو تزوجها على أن يعلِّمها القرآنَ أو بعضَه صحَّ، وقد تقبل التعليم، وقد لا تقبله. وقد يطاوعها لسانها، وقد يأبى عليها. وقلتم: لو تزوَّجها على مهر المثل صحَّت التسمية مع إخلافه (٣)، لامتناعِ من يساويها من كلِّ وجه أو لعزَّته (٤). وإن اتفق من يساويها في النسب فنادرٌ جدًّا من يساويها في الصفات والأحوال التي يقلُّ المهر ويكثُر بسببها (٥). فالجهالة التي في حجِّه بها دون هذا بكثير. وقلتم: لو تزوجها على عبد مطلق صحَّ، ولها الوسط. ومعلوم أن في الوسط من التفاوت ما فيه. وقلتم: لو تزوجها على أن يشتري لها عبدَ زيدٍ صحَّت التسمية، مع أنه غرر ظاهر، إذ تسليم المهر موقوف على أمر غير مقدور له، وهو رِضَى زيد ببيعه. ففيه من الخطر ما في ردِّ عبدها [١٨٦/أ] الآبق، وكلاهما أعظم خطرًا

стр. 754

من الحجِّ بها. وقلتم: لو تزوجها على أن يرعى غنمها مدةً صحَّ، وليس جهالة حُملانها إلى الحج بأعظم من جهالة أوقات الرعي ومكانه؛ على أن هذه المسألة بعيدة من أصول أحمد ونصوصه، ولا تُعرف منصوصةً عنه، بل نصوصه على خلافها. قال في رواية مُهنّا (١) فيمن تزوج على عبد من عبيده: جاز. وإن كانوا عشرةَ عبيد يعطي من أوسطهم. فإن تشاحَّا أقرَعَ بينهما. قلتُ: وتستقيم القرعة في هذا؟ قال: نعم. وقلتم: لو خالعها على كفالة ولدها عشرَ سنين صحَّ، وإن لم يذكر قدر الطعام والإدام والكسوة. فيا لله العجب! أين جهالة هذا من جهالة حُملانها إلى الحج؟ فصل وقالت الشافعية: له أن يجبر ابنته البالغَ (٢) المعنِّسةَ (٣) العالمةَ بدين الله، التي تفتي في الحلال والحرام، على نكاحها بمن هي أكره الناس فيه (٤)،

стр. 755

وأشدُّ شيءٍ (١) عنه نفرةً بغير رضاها، حتَّى لو عيَّنت كفؤًا شابًّا جميلًا دَيِّنًا تحبُّه، وعيَّن كفؤًا شيخًا مشوَّهًا دميمًا= كان العِبرة بتعيينه دونها. فتركوا محض القياس، والمصلحة، ومقصود النكاح من الود والرحمة وحسن المعاشرة. وقالوا: لو أراد أن يبيع لها حَبْلًا أو عُودَ أَراكٍ (٢) من مالها لم يصح إلا برضاها. وله أن يُرِقَّها مدةَ العمر عند من هي أكره شيءٍ فيه بغير رضاها. قالوا: وكما خرجتم عن محض القياس، خرجتم عن صريح السنة، فإن رسول الله ﷺ خيَّر جاريةً بكرًا زوَّجها أبوها وهي كارهة (٣)، وخيَّر أخرى ثيِّبًا (٤). [١٨٦/ب] ومن العجب أنكم قلتم: لو تصرَّف في حبل من مالها على غير وجه الحظِّ لها كان مردودًا، حتى إذا تصرف في بُضْعها على خلاف حظِّها كان لازمًا. ثم قلتم: هو أخبَرُ بحظِّها منها. وهذا يردُّه الحِسُّ، فإنها أعلم بميلها ونفرتها وحظِّها ممن تحب أن تعاشره وتكره عشرته.

стр. 756

وتعلَّقتم بما رواه مسلم (١) من حديث ابن عباس يرفعه: «الأيِّمُ أحقُّ بنفسها من وليها، والبكر تُستأذَن في نفسها، وإذنُها صُماتُها»، وهو حجة عليكم. وتركتم ما في «الصحيحين» (٢) من حديث أبي هريرة يرفعه: «لا تُنكَح الأيِّمُ حتّى تُستأمَر، ولا البكرُ حتَّى تُستأذن». وفيهما (٣) أيضًا من حديث عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، تُستأمَر النساءُ في أبضاعهن؟ قال: «نعم». قلت: فإن البكر تُستأذَن، فتستحيي. قال: «إذنها صُماتها». فنهى أن تُنكَح بدون استئذانها، وأمر بذلك، وأخبَر أنه هو شرعه وحكمه. فاتفق على ذلك أمرُه، ونهيُه، وخبرُه. وهو محض القياس والميزان. فصل وقالت الشافعية والحنابلة (٤) والحنفية: لا يصحُّ بيعُ المقاثئ والمباطخ والباذنجان إلا لقطةً لقطةً (٥)، ولم يجعلوا المعدوم تبعًا للموجود مع شدة الحاجة إلى ذلك، وجعلوا المعدومَ منزَّلًا منزلةَ الموجود في منافع الإجارة للحاجة إلى ذلك. وهذا مثلُه من كلِّ وجه، لأنه يستخلف كما تستخلف المنافع، وما يقدَّر من عروض الخطر له فهو مشترك بينه وبين المنافع. وقد جوَّزوا بيع الثمرة إذا بدا الصلاح في واحدة منها، ومعلوم [١٨٧/أ] أن بقية

стр. 757

الأجزاء معدومة، فجاز بيعها تبعًا للموجود. فإن فرَّقوا بأن هذه أجزاء متصلة، وتلك أعيان منفصلة، فهو فرق فاسد من وجهين: أحدهما: أن هذا لا تأثير له البتة. الثاني: أن [من] (١) الثمرة التي بدا صلاحها ما يخرج أثمارًا (٢) متعددةً كالتوت والتين، فهو كالبطيخ والباذنجان من كلِّ وجه. فالتفريق خروج عن القياس والمصلحة وإلزامٌ بما لا يُقدَر عليه إلا بأعظم كلفة ومشقة. وفيه مفسدة عظيمة يردُّها القياس، فإن اللقطة لا ضابط لها، فإنه يكون في المَقثأة الكبارُ والصغار وبين ذلك، فالمشتري يريد استقصاءها، والبائع يمنعه من أخذِ الصغار، فيقع بينهما [من] (٣) التنازع والاختلاف والتشاحن ما لا تأتي به شريعة. فأين هذه المفسدة العظيمة ــ التي هي منشأ النزاع التي مَن تأمَّلَ مقاصدَ الشريعة علِمَ قصدَ الشارع لإبطالها وإعدامها ــ إلى المفسدة اليسيرة التي في جَعلِ ما لم يوجد تبعًا لما وُجِد، لما فيه من المصلحة؟ وقد اعتبرها الشارع، ولم يأتِ عنه حرف واحد أنه نهَى عن بيع المعدوم (٤). وإنما نهى عن بيع الغَرر (٥)، والغرر شيء، وهذا شيء. ولا يسمَّى هذا البيع غررًا، لا لغةً ولا عرفًا ولا شرعًا.

стр. 758

فصل وقالت الشافعية والحنفية والمالكية (١): إذا شرطت الزوجة أن لا يُخرجها الزوجُ من بلدها أو دارها أو أن لا يتزوَّج عليها ولا يتسرَّى فهو شرط باطل. فتركوا محضَ القياس، بل قياسَ الأولى، فإنهم قالوا: لو شرطت في المهر تأجيلًا، أو غيرَ نقد [١٨٧/ب] البلد، أو زيادةً على مهر المثل= لزم الوفاءُ بالشرط. وأين (٢) المقصود الذي لها في الشرط الأول إلى المقصود الذي في هذا الشرط؟ وأين فواته إلى فواته؟ وكذلك من قال منهم: لو شرط أن تكون جميلة شابة سوية، فبانت عجوزًا شمطاء قبيحة المنظر= أنه لا فسخ لأحدهما بفوات شرطه؛ حتى إذا فات درهم واحد من الصداق، فلها الفسخ بفواته قبل الدخول. فإن استوفى المعقود عليه، ودخل بها، وقضى وطره منها، ثم فات الصداق جميعه، ولم تظفر منه بحبة واحدة= فلا فسخ لها. وقستم الشرط الذي دخلت عليه على شرط أن لا يؤويها (٣) ولا ينفق عليها ولا يطأها ولا ينفق على أولاده منها ونحو ذلك، مما هو من أفسد القياس الذي فرَّقت الشريعة بين ما هو أحقُّ بالوفاء منه وبين ما لا يجوز الوفاء به. فجمعتم (٤) بين ما فرَّق الشرع والقياس (٥) بينهما، وألحقتم

стр. 759

أحدهما بالآخر. وقد جعل النبيُّ ﷺ الوفاء بشروط النكاح التي (١) يستحلّ بها الزوجُ فرج امرأته أولى من الوفاء بسائر الشروط على الإطلاق (٢)، فجعلتموها أنتم دون سائر الشروط وأحقَّها بعدم الوفاء! وجعلتم الوفاء بشرط الواقف المخالف لمقصود الشارع كترك النكاح، وكشرط الصلاة في المكان الذي شرط فيه الصلاة، وإن كان وحده وإلى جانبه المسجد الأعظم وجماعة المسلمين. وقد ألغى الشارعُ هذا الشرط في النذر الذي هو قربة محضة [١٨٨/أ] وطاعة، فلا تتعيَّن عنده بقعة عيَّنها الناذر للصلاة إلا المساجد الثلاثة، وقد شرط الناذرُ في نذره تعيينه، فألغاه الشارع لفضيلة غيره عليه أو مساواته له= فكيف يكون شرطُ الواقف الذي غيرُه أفضلُ منه وأحبُّ إلى الله ورسوله لازمًا يجب الوفاء به؟ وتعيين الصلاة في مكان معيَّن لم يرغب الشارع فيه ليس بقربة، وما ليس بقربة لا يجب الوفاء به في النذر، ولا يصح اشتراطه في الوقف. فإن قلتم: الواقف لم يُخرج ماله إلا على وجه معيَّن، فلزم اتباع ما عيَّنه في الوقف (٣) من ذلك الوجه، والناذرُ قصَد القربة، والقُرَبُ متساوية في المساجد غير الثلاثة، فتعيينُ (٤) بعضِها لغو. قيل: فهذا (٥) الفرق بعينه يوجب عليكم إلغاء ما لا قربة فيه من شروط

стр. 760

الواقفين، واعتبار ما فيه قربة. فإن الواقف إنما مقصوده بالوقف التقرُّبُ إلى الله، فتقرُّبه بوقفه كتقرُّبه بنذره، فإن العاقل لا يبذل ماله إلا لما فيه مصلحة عاجلة أو آجلة. والمرء في حياته قد يبذل ماله في أغراضه مباحة كانت أو غيرها، وقد يبذله فيما يقرِّبه إلى الله. وأما بعد مماته فإنما يبذله فيما يظن أنه يقرِّبه (١) إلى الله. ولو قيل له: «إن هذا المصرف لا يقرِّب إلى الله» أو «إن غيرَه أفضلُ وأحبُّ إلى الله منه وأعظم أجرًا» لبادر إليه. ولا ريب أن العاقل إذا قيل له: «إذا بذلتَ مالك في مقابلة هذا الشرط (٢) حصل لك أجر واحد، وإن تركتَه حصل لك أجران»، فإنه يختار ما فيه الأجر الزائد. فكيف إذا قيل له: «إن [١٨٨/ب] هذا لا أجر فيه البتة»؟ فكيف إذا قيل: «إنه مخالفٌ لمقصود الشارع، مضادٌّ له، يكرهه الله ورسوله»؟ وهذا كشرط العزوبيَّة (٣) مثلًا وتركِ النكاح، فإنه شرطٌ لترك واجبٍ أو سنّةٍ أفضل من صلاة النافلة وصومها أو سنة دون الصلاة والصوم، فكيف يلزم الوفاءُ بشرط تركِ الواجبات والسنن اتباعًا لشرط الواقف، وتركُ شرط الله ورسوله الذي قضاؤه أحقُّ وشرطه أوثق؟ يوضِّحه أنه لو شرَط في وقفه أن يكون على الأغنياء دون الفقراء كان

стр. 761

شرطًا باطلًا عند جمهور الفقهاء. قال أبو المعالي الجويني (١): ومعظم أصحابنا قطعوا بالبطلان (٢). هذا مع أن وصف الغنى وصف مباح، ونعمة من الله، وصاحبه إذا كان شاكرًا فهو أفضل من الفقير مع صبره، عند طائفة كثيرة من الفقهاء والصوفية (٣). فكيف يُلغَى هذا الشرط، ويصحُّ شرطُ الترهُّب في الإسلام الذي أبطله النبيُّ ﷺ بقوله: «لا رهبانية في الإسلام» (٤).

стр. 762

يوضِّحه أنَّ مَن شرَط التعزُّبَ فإنما قصد أن تركَه (١) أفضلُ وأحبُّ إلى الله، فقصد أن يتعبَّد الموقوفُ عليه بتركه. وهذا هو الذي تبرَّأ النبيُّ ﷺ منه بعينه فقال: «من رغب عن سنتي فليس مني» (٢). وكان قصدُ أولئك الصحابة هو قصد هؤلاء الواقفين بعينه سواء، فإنهم قصدوا تربية (٣) أنفسهم على العبادةِ وتركِ النكاح الذي يشغلهم، تقرُّبًا إلى الله بتركه، فقال النبي صلى الله [١٨٩/أ] عليه وسلم فيهم ما قال، وأخبر أنه من رغب عن سنته فليس منه. وهذا في غاية الظهور، فكيف يحِلُّ الإلزام بترك شيءٍ قد أخبر به النبيُّ ﷺ أنَّ من رغب عنه فليس منه؟ هذا مما لا تحتمله الشريعة بوجه. فالصواب الذي لا تسوِّغ الشريعةُ غيرَه: عرضُ شروط الواقفين على كتاب الله وعلى شرطه، فما وافق كتابَه وشرطَه فهو صحيح، وما خالفه كان شرطًا باطلًا مردودًا، ولو كان مائة شرط (٤). وليس ذلك بأعظم من ردِّ حكمِ

стр. 763

الحاكم إذا خالف حكمَ الله ورسوله، ومن ردِّ فتوى المفتي. وقد نصَّ الله سبحانه على ردِّ وصية الجانف في وصيته والآثم فيها، مع أن الوصية تصحُّ في غير قربة، وهي أوسع من الوقف. وقد صرَّح صاحبُ الشرع بردِّ كلِّ عمل ليس عليه أمره، فهذا الشرط مردود بنصِّ رسول الله ﷺ ، فلا يحِلُّ لأحد أن يقبله ويعتبره ويصحِّحه. ثم كيف يوجبون الوفاء بالشروط التي إنما أخرج الواقفُ مالَه لمن قام بها وإن لم تكن قربةً، ولا للواقفين فيها غرض صحيح، وإنما غرضُهم ما يقرِّبهم إلى الله= ولا يوجبون الوفاء بالشروط التي إنما بذلت المرأة بُضْعَها للزوج بشرط وفائه لها بها، ولها فيها أصحُّ غرض ومقصود، وهي أحقُّ من كلِّ شرط يجب الوفاءُ به بنصِّ رسول الله ﷺ ؟ وهل هذا إلا خروج عن محض القياس والسنة؟ ثم من العجب العجاب: قولُ من يقول: إن شروط الواقف كنصوص الشارع. ونحن نبرأ إلى الله من هذا القول، ونعتذر إليه سبحانه (١) مما [١٨٩/ب] جاء به قائله، ولا نعدل بنصوص الشارع غيرَها أبدًا. وإنَّ أحسنَ الظنِّ بقائل هذا القول حملُ كلامه على أنها كنصوص الشارع في الدلالة، وتخصيصِ عامِّها بخاصِّها، وحَمْلِ مطلقها على مقيدها، واعتبارِ مفهومها كما يُعتبر منطوقُها. وأمّا أن تكون كنصوصه في وجوب الاتباع وتأثيم مَن أخلَّ بشيء فيها (٢)، فلا يُظَنُّ ذلك بمن له نسبةٌ ما إلى العلم. فإذا كان حكمُ

стр. 764

الحاكم ليس كنصِّ الشارع، بل يُرَدُّ ما خالف حكمَ الله ورسوله (١)، فشرطُ الواقف إذا كان كذلك كان أولى بالردِّ والإبطال. فقد ظهر تناقضُهم في شروط الواقفين وشروط الزوجات، وخروجُهم فيها عن موجَب القياس الصحيح والسنة. وبالله التوفيق. يوضِّح ذلك أن النبيَّ ﷺ كان إذا قسَم يعطي الآهلَ حظَّين، والعزبَ حظًّا (٢). وقال: «ثلاثةٌ حقٌّ على الله عَوْنُهم»، ذكر منهم الناكحَ يريد العفاف (٣). ومصحِّحو هذا الشرط عكسوا مقصوده، فقالوا: نعطيه ما دام عَزَبًا، فإذا تزوَّج لم يستحقَّ شيئًا. ولا يحِلُّ لنا أن نعينه، لأنه ترك القيامَ بشرط الواقف وإن كان قد فعل ما هو أحبُّ إلى الله ورسوله. فالوفاءُ بشرط الواقف المتضمِّن لترك الواجب أو السنة المقدَّمة على فضل الصوم والصلاة (٤) لا يحِلُّ مخالفته، ومتى (٥) خالفه كان آثمًا عاصيًا (٦)؛ حتَّى إذا خالف الأحبَّ إلى الله ورسوله والأرضى (٧) له كان

стр. 765

بارًّا مُثابًا قائمًا بالواجب عليه! يوضِّح بطلانَ هذا الشرط وأمثاله من الشروط المخالفة لشرع الله ورسوله [١٩٠/أ] أنكم قلتم: كلُّ شرط يخالف مقصود العقد فهو باطل، حتى أبطلتم بذلك شرط دار الزوجة أو بلدها، وأبطلتم اشتراطَ انتفاعِ البائع (١) بالمبيع مدة معلومة، وأبطلتم اشتراط الخيار فوق ثلاث (٢)، وأبطلتم اشتراط نفع البائع في المبيع، ونحو ذلك من الشروط التي صحَّحها النص، والآثار عن الصحابة، والقياس. كما صحَّح عمر بن الخطاب (٣)، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان (٤) اشتراطَ المرأة دارها أو بلدها، أو أن لا يتزوَّج عليها، ودلَّت السنّة على أن الوفاء به أحقُّ من الوفاء بكلِّ شرط. وكما صحَّحت السنة اشتراطَ انتفاع البائع بالمبيع مدة معلومة، فأبطلتم ذلك، وقلتم: يخالف مقتضى العقد، وصحَّحتم الشروط المخالفة (٥) لعقد الوقف، إذ هو

стр. 766

عقدُ قربة مقتضاه التقرُّب إلى الله، ولا ريب أن شرط ما يخالف القربة يناقضه مناقضة صريحة. فإذا شرط عليه الصلاةَ في مكان لا يصلِّي فيه إلا هو وحده، أو واحد بعد واحد أو اثنان، فعدولُه عن الصلاة في المسجد الأعظم الذي يجتمع فيه جماعة المسلمين مع قِدَمِه وكثرة جماعته، فيتعدَّاه إلى مكانٍ أقلَّ جماعةً، وأنقصَ فضيلةً، وأقلَّ أجرًا، اتباعًا لشرط الواقف المخالف لمقتضى عقد الوقف= خروجٌ عن محض القياس. وبالله التوفيق. يوضِّحه أن المسلمين مجمعون على أن العبادة في المساجد من الذكر والصلاة وقراءة القرآن أفضل منها عند القبور. فإذا منعتم فعلَها في بيوت الله، وأوجبتم على الموقوف عليه فعلَها بين [١٩٠/ب] المقابر إن أراد أن يتناول الوقف، وإلّا تناوَلَه (١) حرامًا= كنتم قد ألزمتموه بترك الأحبِّ إلى الله الأنفَعِ للعبد، والعدولِ إلى الأبغَض (٢) المفضول أو المنهيِّ عنه، مع مخالفته لقصدِ الشارع تفصيلًا، وقصدِ الواقف إجمالًا، فإنه إنما يقصد الأرضى لله والأحبَّ إليه، ولمَّا كان في ظنه أن هذا أرضى لله اشترطه. فنحن نظرنا إلى مقصوده ومقصود الشارع، وأنتم نظرتم إلى مجرَّد لفظه، سواء وافق رضى الله (٣) ورسوله ومقصودَه في نفسه أم (٤) لا.

стр. 767

ثم لا يمكنكم طرد ذلك أبدًا، فإنه لو شرَط أن يصلِّي وحده، حتى لا يخالط الناس، بل يتوفَّر على الخلوة والذكر؛ أو شرَط أن لا يشتغل بالعلم والفقه ليتوفَّر على قراءة القرآن وصلاة الليل وصيام النهار، أو شرط على الفقهاء أن لا يجاهدوا في سبيل الله، ولا يصوموا تطوعًا، ولا يصلُّوا النوافل، وأمثال ذلك= فهل يمكنكم تصحيح هذه الشروط؟ فإن أبطلتموها ففعلُ (١) النكاح أفضل من بعضها، أو مساوٍ له في أصل القربة. وفعلُ الصلاة في المسجد الأعظم العتيق الأكثر جماعة أفضل. وذكرُ الله وقراءة القرآن في المسجد أفضل منه بين القبور. فكيف تُلزمون بهذه الشروط المفضولة، وتُبطلون تلك (٢)؟ فما هو الفارق بين ما يصح من الشروط وما لا يصح؟ ثم لو شرط المبيتَ في المكان الموقوف ولم يشرط (٣) التعزُّبَ، فأبحتم له التزوجَ، فطالبته الزوجةُ بحقِّها من المبيت، وطالبتموه بشرط الواقف منه، فكيف تقسمونه بينهما؟ أم ماذا تقدِّمون: ما أوجبه الله ورسوله من المبيت والقَسْم للزوجة [١٩١/أ] مع ما فيه من مصلحة الزوجين، وصيانة المرأة وحفظها، وحصولِ الإيواء المطلوب من النكاح؛ أم ما شرطه الواقف، وتجعلون شرطَه أحقَّ، والوفاءَ به ألزم؟ أم تمنعونه من النكاح، والشارعُ والواقفُ لم يمنعاه منه؟ فالحقُّ أن مبيته عند أهله إن كان أحبَّ إلى الله ورسوله جاز له، بل استُحِبَّ تركُ شرط الواقف لأجله، ولم يمنعه فعلُ ما (٤)

стр. 768

يحبُّه الله ورسوله من تناول الوقف. وهو تركُ ما يحبه الله ورسوله (١)، بل تركُ ما أوجبه سببًا لاستحقاق الوقف (٢)؛ فلا نصَّ، ولا قياس، ولا مصلحة للواقف ولا للموقوف عليه، ولا مرضاة لله (٣) ورسوله. والمقصود: بيانُ بعض ما في الرأي والقياس من التناقض والاختلاف الذي يبيِّن أنه من (٤) عند غير الله، لأن ما كان من عنده فإنه يصدِّق بعضُه بعضًا، ولا يخالف بعضُه بعضًا. وبالله التوفيق. فصل وقالت الشافعية والمالكية والحنفية (٥) ومتأخرو أصحاب أحمد: إنه لا قصاص في اللطمة والضربة، وإنما فيه التعزير، وحكى بعض المتأخرين في ذلك الإجماع. وخرجوا عن محض القياس، وموجَب النصوص، وإجماع الصحابة؛ فإنَّ ضمان النفوس والأموال مبناه على العدل، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا

стр. 769

عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]. فأمَر بالمماثلة في العقوبة والقصاص، فيجب اعتبارها بحسب الإمكان، والأمثل هو المأمور به. فهذا الملطوم المضروب قد اعتُدِي عليه، فالواجب أن يفعل بالمعتدي كما [١٩١/ب] فَعَل (١). فإن لم يمكن كان الواجب ما هو الأقرب والأمثل، وسقط ما عجز عنه العبد من المساواة من كلِّ وجه. ولا ريب أنَّ لطمةً بلطمةٍ وضربةً بضربةٍ في محلِّها (٢) بالآلة التي لطمه بها أو بمثلها أقرَبُ إلى المماثلة المأمور بها حسًّا وشرعًا، من تعزيره (٣) بغير جنس اعتدائه وقدره وصفته. وهذا هو هدْيُ رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين، ومحضُ القياس. وهو منصوص الإمام أحمد (٤)، ومن خالفه في ذلك من أصحابه فقد خرج عن نصِّ مذهبه وأصوله، كما خرج عن محض القياس والميزان. قال إبراهيم بن يعقوب الجُوزجاني في كتاب «المترجَم» (٥) له: بابٌ في القصاص من اللطمة والضربة: حدثني إسماعيل بن سعيد قال: سألت أحمد بن حنبل عن القصاص من اللطمة والضربة، فقال: «عليه القود من

стр. 770

اللطمة والضربة». وبه قال أبو داود وأبو خيثمة وابن أبي شيبة. قال (١) إبراهيم الجوزجاني: «وبه أقول، لما حدثنا شَبَابة بن سوَّار، ثنا شعبة، عن يحيى بن الحصين قال: سمعت طارق بن شهاب يقول: لطَم أبو بكر رجلًا يومًا لطمةً، فقال له: اقتَصَّ، فعفا الرجل (٢). ثنا شبابة، أنا شعبة، عن مخارق قال: سمعت طارقًا يقول: لطم ابنُ أخٍ لخالد بن الوليد رجلًا من مراد، فأقاده خالد منه (٣). حدثني ابن نمير (٤)، ثنا أبو بكر بن عياش قال: سمعت الأعمش عن كميل بن زياد قال: لطمني عثمان، ثم أقادني، فعفوتُ (٥). حدثني ابن الأصفهاني، ثنا عبد السلام بن حرب، عن ناجية، عن عمِّه يزيد بن عربي قال: رأيتُ عليًّا أقاد من لطمة (٦).

стр. 771

ثنا الحميدي، ثنا سفيان، ثنا عبد الله [١٩٢/أ] بن إسماعيل بن دينار (١)، ابن أخي عمرو بن دينار (٢) أن ابن الزبير أقاد من لطمة.

стр. 772

ثنا يزيد بن هارون، أنا الجُرَيري، عن أبي نضرة، عن أبي فراس قال: خطبنا عمر، فقال: إني لم أبعث عُمَّالي عليكم (١) ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم. ولكن إنما بعثتُهم ليبلِّغوكم دينكم وسنة نبيكم، ويقسِموا فيكم فيئكم. فمن فُعِل به غير ذلك فليرفعه إليَّ، فوالذي نفسُ عمر بيده، لَأُقِصَّنَّه منه. فقام إليه عمرو بن العاص، فقال: يا أمير المؤمنين إن كان رجلٌ من المسلمين على رعية، فأدَّب بعضَ رعيته، لَتُقِصَّنَّه (٢) منه؟ فقال عمر: أنَّى (٣) لا أُقِصُّه منه، وقد رأيتُ رسول الله ﷺ يُقِصُّ من نفسه؟ (٤). ثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن ابن حرملة قال: تلاحى رجلان فقال أحدهما: ألم أخنقك حتى سلَحتَ؟ فقال: بلى، ولكن لم يكن لي عليك شهود، فاشهدوا على ما قال. ثم رفعه إلى عمر بن عبد العزيز، فأرسل في ذلك إلى سعيد بن المسيِّب، فقال: يخنُقه كما خنَقه حتى يُحدِث، أو يفتدي منه. فافتدى منه بأربعين بعيرًا. فقال ابن كثير: أحسبه ذكره عن عثمان (٥).

стр. 773

ثنا الحسين بن محمد، ثنا ابن أبي ذئب، عن المطَّلب بن السائب أن رجلين من بني ليث اقتتلا، فضرب أحدهما الآخر، فكسَر أنفَه، فانكسر عظمُ كفِّ الضارب. فأقاد أبو بكر من أنف المضروب، ولم يُقِد من يد الضارب. فقال سعيد بن المسيب: كان لهذا أيضًا القود من كفِّه، قضى عثمان أنَّ كلَّ مقتتلين اقتتلا ضَمِنا ما بينهما. فأقيد منه، فدخل المسجد وهو يقول: يا عباد الله كسر ابنُ المسيِّب يدي (١). قال الجُوزجاني: فهذا رسول الله ﷺ [١٩٢/ب] وجِلّة أصحابه، فإلى من يُركَن بعدهم؟ أو كيف يجوز خلافهم؟ قلت: وفي «السنن» (٢) لأبي داود والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول الله ﷺ يقسِم قَسْمًا أقبل رجلٌ، فأكبَّ عليه، فطعنه رسولُ الله ﷺ بعُرجون كان معه، فجُرِح بوجهه (٣)، فقال له رسول الله ﷺ : «تعالَ فاستقِد»، فقال: بل عفوتُ يا رسول الله.

стр. 774

وفي «سنن النسائي» (١) وأبي داود وابن ماجه عن عائشة أن النبيَّ ﷺ بعث أبا جهم بن حذيفة مصدِّقًا، فلاحَّه (٢) رجلٌ في صدقته، فضربه أبو جهم، فشجَّه. فأتوا النبيَّ ﷺ ، فقالوا: القوَدَ يا رسول الله. فقال النبيُّ ﷺ : «لكم كذا وكذا»، فلم يرضوا. [فقال النبي ﷺ : «لكم كذا وكذا»، فرَضُوا] (٣). فقال النبيُّ ﷺ : «إنِّي خاطبٌ العشيةَ على الناس، ومُخبِرهم برضاكم». فقالوا: نعم. فخطب رسول الله ﷺ ، فقال: «إنَّ هؤلاء الليثيين (٤) أتَوني يريدون القصاص، فعرضتُ عليهم كذا وكذا، فرضُوا. أرضيتم؟». فقالوا: لا. فهمَّ المهاجرون بهم، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يكفُّوا عنهم، فكفُّوا (٥). ثم دعاهم، فزادهم، فقال: «أرضيتم؟». فقالوا: نعم. فقال: «إني خاطبٌ على الناس، ومُخبِرهم برضاكم» فقالوا: نعم. فخطب النبي ﷺ ، فقال: «أرضيتم؟». قالوا: نعم.

стр. 775

وهذا صريح في القوَد في الشجَّة. ولهذا صولحوا من القود مرة بعد مرة حتى رضُوا. ولو كان الواجب الأَرْش (١) فقط لقال لهم النبي ﷺ حين طلبوا القود: إنه لا حقَّ لكم فيه، وإنما [١٩٣/أ] حقُّكم في الأرش. فهذه سنة رسول الله ﷺ ، وهذا إجماع الصحابة، وهذا ظاهر القرآن، وهذا محض القياس. فعارض المانعون هذا كلَّه بشيء واحد، وقالوا (٢): اللطمة والضربة لا يمكن فيهما المماثلة، والقصاص لا يكون إلا مع المماثلة. ونظرُ الصحابة أكمل، وأصحُّ، وأتبَع للقياس، كما هو أتبع للكتاب والسنة، فإن المماثلة من كلِّ وجه متعذِّرة، فلم يبق إلا أحد أمرين: قصاص قريب إلى المماثلة، أو تعزير بعيد منها. والأول أولى، لأن التعزير لا يُعتبَر فيه جنسُ الجناية ولا قدرُها، بل قد يعزَّر بالسوط والعصا، وقد يكون لطمه، أو ضربه بيده. فأين حرارة السوط ويبسه إلى لين اليد، وقد يزيد وينقص. وفي العقوبة بجنس ما فعله تحرٍّ للمماثلة بحسب الإمكان، وهذا أقرب إلى العدل الذي أمر الله به، وأنزل به الكتاب والميزان. فإنه قصاص بمثل ذلك العضو في مثل المحلِّ الذي ضرَب فيه بقدره. وقد يساويه، أو يزيد قليلًا، أو ينقص قليلًا. وذلك عفوٌ لا يدخل تحت التكليف، كما لا يدخل تحت التكليف المساواةُ في الكيل والوزن من كلِّ وجه، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢]، فأمر بالعدل
следующие страницы →