← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 29911

أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 919 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

اشتُرِط أن يرجع إليه مثلُ بذره كما يرجع إلى ربِّ المال مثلُ ماله. فتركوا القياس كما تركوا موجَب السنة الصحيحة الصريحة وعمل الصحابة كلِّهم. وقستم إجارة الحيوان للانتفاع بلَبَنه على إجارة الخبز للأكل. وهذا من أفسد القياس، وتركتم محض القياس وموجَب القرآن، [١٦٥/أ] فإن الله سبحانه قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. فقياسُ الشاة والبقرة والناقة للانتفاع بلبنها على الظئر أصح وأقرب إلى العقل من قياس ذلك على إجارة الخبز للأكل، فإن الأعيان المستخلفة شيئًا بعد شيء تجري مجرى المنافع، كما جرت مجراها في المنيحة والعارية والضمان بالإتلاف. فتركتم محض القياس، وقستم على ما لا خفاء بالفرق بينه وبينه. وهو أن الخبز والطعام تذهب جملُته بالأكل ولا يخلُفه غيره، بخلاف اللبن ونفع (١) البئر، وهذا من أجلى القياس. وقستم الصَّداق على ما يقطع فيه يد السارق، وتركتم محض القياس وموجَب السنة، فإنه عقدُ معاوضة، فيجوز بما يتراضى عليه المتعاوضان ولو خاتمٍ (٢) من حديد. وقستم الرجلَ يسرق العينَ ثم يملكها بعد ثبوت القطع، على ما إذا ملكها قبل ذلك. وتركتم محضَ القياس وموجَب السنة، فإن النبيَّ ﷺ لم

стр. 702

يُسقِط القطع عن سارق الرداء بعدما وهبه إياه صفوانُ (١). وفرَّقتم بين ذلك وبين الرجل يزني بالأمة ثم يملكها، فلم تروا ذلك مُسقِطًا للحدِّ، مع أنه لا فرق بينهما. وقستم قياسًا أبعد من هذا، فقلتم: إذا قُطِع بسرقتها مرة، ثم عاد، فسرَقها= لم يُقطَع بها ثانيًا. وتركتم محض القياس على ما إذا زنى بامرأة، فحُدَّ بها، ثم زنى بها ثانيًا (٢) = فإن الحدَّ لا يسقط عنه. ولو قذَفه، فحُدَّ، ثم قذفه (٣) ثانيًا= لم يسقط عنه الحد. وقستم نذرَ صوم يوم العيد في الانعقاد ووجوب الوفاء، على نذر صوم اليوم القابل له شرعًا. وتركتم محض القياس وموجَب السنة، ولم تقيسوه على [١٦٥/ب] صوم يوم الحيض. وكلاهما غيرُ محلٍّ للصوم شرعًا، فهو بمنزلة الليل. وقستم وجعلتم المحتقِن بالخمر كشاربها في الفِطْر بالقياس، ولم تجعلوه كشاربها في الحدِّ.

стр. 703

وقاسُوا (١) الكافرَ الذميَّ والمعاهِدَ على المسلم في قتله به، ولم يقيسوه على الحربي في إسقاط القود. ومن المعلوم قطعًا أنّ الشَّبه الذي بين المعاهد والحربي أعظم من الشَّبه الذي بين الكافر والمسلم. والله سبحانه قد سوَّى بين الكفار كلِّهم في إدخالهم جهنم (٢)، وفي قطع الموالاة بينهم وبين المسلمين، وفي عدم التوارث بينهم وبين المسلمين، وفي منع قبول شهادتهم على المسلمين، وغير ذلك؛ وقطَع المساواة بين المسلمين والكفار. فتركتم محض القياس ــ وهو التسويةُ بين ما سوَّى الله بينه ــ وسوَّيتم بين ما فرَّق الله بينه. ومن العجب أنكم قستم المؤمن على الكافر في جرَيان القصاص بينهما في النفس والطَّرَف، ولم تقيسوا العبد المؤمن على الحُرِّ في جرَيان القصاص بينهما في الأطراف، فجعلتم حرمةَ عدو الله الكافر في أطرافه أعظمَ من حرمة وليِّه المؤمن. وكأنَّ نقصَ العبودية (٣) الموجِبَ للأجرين عند الله أنقصُ عندكم من نقص الكفر! وقلتم: يُقتَل الرجل بالمرأة. ثم ناقضتم، فقلتم: لا يؤخذ طرفه بطرفها. وقلتم: يقتل العبد بالعبد وإن كانت قيمة أحدهما مائة درهم، وقيمة الآخر مائة ألف درهم (٤). ثم ناقضتم، فقلتم: لا يؤخذ طرفه (٥) بطرفه، إلا أن

стр. 704

تتساوى قيمتهما. فتركتم محض القياس، فإنَّ الله سبحانه ألغى التفاوت بين النفوس والأطراف في الفضل لمصلحة المكلَّفين، ولعدم ضبط التساوي. فألغيتم ما اعتبره الله سبحانه من الحكمة والمصلحة، واعتبرتم ما ألغاه [١٦٦/أ] من التفاوت. وقستم قوله: «إن كلَّمتُ فلانًا أو بايعتُه، فامرأتي طالق وعبدي حرّ» على ما إذا قال: «إن أعطيتِني ألفًا فأنتِ طالق». ثم عدَّيتم ذلك إلى قوله: «الطلاق يلزمني لا أكلِّم فلانًا»، ثم كلَّمه. ولم تقيسوه على قوله: «إن كلَّمتُ فلانًا فعليَّ صومُ سنة، أو حجٌّ إلى بيت الله، أو فمالي صدقة»، وقلتم: هذا يمين، لا تعليق مقصود. فتركتم محض القياس، فإن قوله: «الطلاق يلزمني لا أكلِّم فلانًا» يمين، لا تعليق. وقد أجمع الصحابة على أن قصد اليمين في العتق يمنع من وقوعه، وحكى غيرُ واحد إجماع الصحابة أيضًا على أن الحالف بالطلاق لا يلزمه الطلاق إذا حنَث. وممن حكاه: أبو محمد بن حزم (١). وحكاه أبو القاسم (٢) عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن علي التَّيمي (٣) المعروف بابن بَزِيزة (٤) في

стр. 705

كتابه المسمَّى بـ «مصالح الأفهام في شرح كتاب الأحكام» (١) في بابٍ ترجمتُه: «الباب الثالث في حكم اليمين بالطلاق أو الشك فيه»: «وقد قدَّمنا في كتاب الأيمان اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق والعتق والمشي (٢) وغير ذلك: هل تلزم أم لا؟ فقال علي بن أبي طالب وشُرَيح وطاوس: لا يلزم من ذلك شيء، ولا يُقضَى بالطلاق على من حلَف به، فحنَث. ولا يعرف لعليٍّ في ذلك مخالف من الصحابة» (٣). قال (٤): «وصحَّ عن عطاء فيمن قال لامرأته: «أنتِ طالق إن لم أتزوَّج عليك»، قال: إن لم يتزوَّج عليها حتى يموت أو تموت فإنهما يتوارثان (٥). وهو قول الحَكَم بن عُتَيبة (٦)». ثم حكى (٧) عن عطاء فيمن حلف بطلاق امرأته ليضربنَّ زيدًا، فمات أحدهما أو ماتا معًا، فلا حنث عليه،

стр. 706

ويتوارثان. وهذا صريح [١٦٦/ب] في أن يمين الطلاق لا تلزم (١)، ولا تطلَّق الزوجة بالحنث فيها. ولو حنَث قبل موته لم يتوارثا، فحيث أثبت التوارث دلَّ على أنها زوجة عنده. وكذلك عكرمة مولى ابن عباس أيضًا عنده يمينُ الطلاق لا تلزم، كما ذكره عنه سُنَيد بن داود في «تفسيره» (٢) في سورة النور عند قوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور: ٢١]. ومن العجب أنكم قلتم: إذا قال: «إن شفى الله مريضي فعليَّ صومُ شهر، أو صدقة، أو حجة» لزمه، لأنه قاصد للنذر. فإذا قال: «إن كلَّمتُ فلانًا فعليَّ صوم، أو صدقة» لم يلزمه لأنه نذر لجاج وغضب، فهو يمين فيه كفارة اليمين. فجعلتم قصدَه لعدم الوقوع مانعًا من ثلاثة أشياء: إيجاب ما التزم، ووجوبه عليه، ووقوعه. وقلتم: لو قال: «إن فعلتُ كذا فعليَّ الطلاق» وفَعَله لزمه، ولم يمنع قصدُ الحلف من وقوعه، وهو أبغضُ الحلال إلى الله (٣)، ومَنَع من وجوب

стр. 707

القربات التي هي أحبُّ شيء إلى الله. فخالفتم صريح القياس والمنقول عن الصحابة والتابعين بأصحِّ إسناد يكون. ثم ناقضتم القياس من وجه آخر فقلتم: إذا قال «الطلاق يلزمني لأفعلنَّ كذا إن شاء الله»، ثم لم يفعله= لم يحنَث، لأنه أخرجه مخرج اليمين، وقد قال النبي ﷺ : «مَن حلَف، فقال: إن شاء الله= فإن شاء فعل، وإن شاء ترك» (١). فجعلتموه يمينًا، ثم قلتم: يلزمه وقوع الطلاق، لأنه تعليق، فليس بيمين. ثم ناقضتم من وجه آخر، فقلتم: لو قال: «الطلاق يلزمني لا أجامعها سنة»، فهو مُؤلٍ، فيدخل في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]. والأليَّة [١٦٧/أ] والإيلاء والائتلاء هو الحلف بعينه، كما في الحديث: «تألَّى على الله أن لا يفعل خيرًا» (٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي

стр. 708

الْقُرْبَى﴾ [النور: ٢٢]. وقال الشاعر (١): قليلُ الألايا حافظٌ ليمينه ... وإن بدَرَتْ منه الأليَّةُ برَّت ثم قلتم: وليس بيمين، فيدخل في قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]. فيالله العجب! ما الذي أحلَّه عامًا وحرَّمه عامًا، وجعله يمينًا وليس بيمين؟ ثم ناقضتم من وجه آخر، فقلتم (٢): إن قال: «إن فعلتُ كذا فأنا كافر»، وفعَلَه= لم يكفر، لأنه لم يقصد الكفر، وإنما منَعَ (٣) نفسه من الفعل بمنعها من الكفر. وهذا حق، لكن نقضتموه في الطلاق والعتاق، مع أنه لا فرق بينهما البتة في هذا المعنى الذي منع من وقوع الكفر. ثم ناقضتم من وجه آخر، فقلتم: لو قال: «إن فعلتُ كذا فعليَّ أن أطلِّق امرأتي»، فحنَث= لم يلزمه أن يطلِّقها. ولو قال: «إن فعلتُه فالطلاق يلزمني»، فحنَث= وقع عليه الطلاق. ولا تفرِّق اللغة ولا الشريعة بين المصدر وأن والفعل. فإن قلتم: الفرق بينهما أنه التزم في الأول التطليقَ، وهو فعلُه (٤)؛ وفي الثاني وقوعَ الطلاق، وهو أثر فعله.

стр. 709

قيل: هذا الفرق الذي تخيلتموه، ولا يُجدي (١) شيئًا؛ فإن الطلاق هو التطليق بعينه، وإنما أثره كونها طالقًا، وهذا غير الطلاق. فهاهنا ثلاثة أمور مرتبة: التزام التطليق، وهذا غير الطلاق بلا شك. والثاني: إيقاع التطليق، وهو الطلاق بعينه الذي قال الله فيه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال النبي ﷺ : «الطلاق لمن أخذ بالساق» (٢). الثالث (٣): صيرورة المرأة طالقًا وبينونتها. فالقائل: «إن فعلتُ كذا فعليَّ الطلاق» [١٦٧/ب] لم يُرد هذا الثالث قطعًا، فإنه ليس إليه ولا هو (٤) من فعله، وإنما هو إلى الشارع؛ والمكلَّفُ إنما يلزم ما يدخل تحت مقدرته، وهو إنشاءُ الطلاق. فلا فرق أصلًا بين هذا اللفظ وبين قوله: «فعليَّ أن أطلِّق»، فالتفريق بينهما تفريق بين متساويين، وهو عدولٌ عن محض القياس، من غير نصٍّ ولا إجماع ولا قول صاحب. يوضِّحه أن قوله: «فالطلاق لازم لي» إنما هو فعله الذي يلزم (٥)

стр. 710

بالتزامه. وأما كونها طالقًا، فهذا وصفها، فليس هو لازمًا له (١)، وإنما هو لازم لها. فلينظر اللبيب المنصف، الذي العلمُ أحبُّ إليه من التقليد، إلى مقتضى القياس المحض واتباع الصحابة والتابعين في هذه المسألة، ثم ليختر لنفسه ما شاء، والله الموفِّق. ثم ناقضتم أيضًا من وجه آخر، فقلتم: لو قال: «إن حلفتُ بطلاقك أو وقع منِّي يمينٌ بطلاقك»، أو لم يقل: «بطلاقك»، بل قال: «متى حلفتُ أو أوقعتُ يمينًا فأنتِ طالق»، ثم قال: «إن كلَّمتُ فلانا فأنتِ طالق» ــ حنَثَ، وقد وقع عليه الطلاق؛ لأنه قد حلف وأوقع اليمين. فأدخلتم الحلفَ بالطلاق في اسم اليمين والحلف في كلام المكلَّف، ولم تُدخلوه في اسم اليمين والحلف في كلام الله ورسوله، وزعمتم أنكم اتبعتم في ذلك القياس والإجماع. وقد أريناكم مخالفتَكم لصريح القياس مخالفةً لا يمكنكم الانفكاك عنها بوجه، ومخالفتَكم للمنقول عن الصحابة والتابعين كأصحاب ابن عباس، فظهر عند المنصفين أنَّا أولى بالقياس والاتباع منكم في هذه المسألة. وبالله التوفيق. وقلتم: لو شهد عليه أربعةٌ بالزنا، فصدَّق الشهودَ [١٦٨/أ] سقط عنه الحدُّ، وإن كذَّبهم أقيم عليه الحد. وهذا من أفسد قياس في الدنيا، فإنَّ تصديقهم إنما زادهم قوةً، وزاد الإمامَ علمًا ويقينًا (٢) أعظمَ من العلم

стр. 711

الحاصل بالشهادة وتكذيبه. وتفريقكم بأن البينة لا تَعمل (١) إلا مع الإنكار، فإذا أقرَّ فلا عملَ للبينة، والإقرارُ مرةً لا يكفي، فيسقط الحد= تفريقٌ باطل، فإن العمل هاهنا بالبينة لا بالإقرار، وهو إنما صدر منه تصديقُ البينة التي وجب الحكمُ بها بعد الشهادة، فسواء أقرَّ أو (٢) لم يُقِرَّ، فالعمل إنما هو بالبينة. وقلتم: لو وجد الرجل امرأةً على فراشه، فظنَّها (٣) امرأتَه، فوطئها= حُدَّ حدَّ الزنا، ولا يكون هذا شبهة مسقطة للحد. ولو عقَد على ابنته أو أمه ووطئها كان ذلك شبهة مسقطة للحد. ولو حبلت امرأة لا زوج لها ولا سيد وولدت مرة بعد مرة لم تُحَدَّ. ولو تقيَّأ (٤) الخمر كلَّ يوم لم يُحَدَّ. فتركتم محضَ القياس والثابتَ عن الصحابة ثبوتًا لا شكَّ فيه من الحدِّ بالحَبَل ورائحة الخمر (٥). وقلتم: لو شهد عليه أربعةٌ بالزنا، فطعَن في عدالتهم= حُبِس إلى (٦) أن تزكَّى الشهود؛ ولو شهد عليه اثنان بمالٍ، فطعَن في عدالتهما (٧) = لم يُحبَس

стр. 712

قبل التزكية، فتركتم محض القياس. وقستم دعوى المرأتين الولدَ وإلحاقَه بهما وجعلَهما أمَّين له، على دعوى الرجلين. وهذا من أفسد القياس، فإنَّ خروج الولد من أمَّين معلوم الاستحالة، وتخليقَه من ماء الرجلين ممكن، بل واقع، كما شهد به القائف عند عمر، وصدَّقه (١). وقلتم: لو قال لأجنبيٍّ: «طلِّقْ امرأتي» فله أن يطلِّق في المجلس (٢) وبعده. ولو قال لامرأته: «طلِّقي نفسَك» فلها أن تطلِّق [١٦٨/ب] نفسَها ما دامت في المجلس. ثم فرَّقتم بينهما بأن «طلِّقي نفسَك» تمليك لا توكيل، لاستحالة أن يكون وكيلًا في التصرُّف لنفسه فيقيَّدُ بالمجلس. وأما بالنسبة إلى الأجنبي، فتوكيلٌ، فلا يتقيَّد. وهذا الفرق دعوى مجرَّدة. لم تذكروا (٣) حجةً على أن قوله: «طلِّقي نفسك» تمليك. وقولُكم: «الوكيل لا يتصرَّف لنفسه» جوابه: أنه (٤) يتصرَّف لنفسه ولموكِّله، ولهذا كان الشريك وكيلًا بعد قبض المال والتصرُّف، وإن كان متصرِّفًا لنفسه، فإنّ تصرُّفَه لا يختصُّ به. ثم ناقضتم هذا الفرق، فقلتم: لو قال: «أُبرِئ نفسك من الدَّين الذي عليك» فإنه لا يتقيَّد بالمجلس، ويكون توكيلًا؛ مع أنه تصرَّف مع نفسه.

стр. 713

ففرَّقتم بين «طلِّقي نفسَك» و «أُبرِئ نفسَك مما عليك من الدين»، وهو تفريق بين متماثلين؛ وتركتم محضَ القياس. وقالوا: من أقام شهودَ زور على أن زيدًا طلَّق امرأته، فحكم الحاكمُ بذلك، فهي حلال لمن تزوَّجها من الشهود. وكذلك لو أقام شهودَ زور على (١) أن فلانة تزوجته بوليٍّ ورضًى، فقضى القاضي بذلك، فهي له حلال. وكذلك لو شهدوا (٢) عليه بأنه أعتق جاريته هذه، فقضى القاضي بذلك، فهي حلال لمن تزوَّجها ممن يدري باطن الأمر؛ فتركوا محض القياس وقواعد الشريعة. ثم ناقضوا، فقالوا: لو شهدوا له زورًا بأنه وهب له مملوكته هذه أو باعها منه لم يحِلَّ له وطؤها بذلك. ثم ناقضوا (٣) أعظمَ مناقضة، فقالوا (٤): لو شهدا بأنه تزوَّجها بعد انقضاء عدَّتها من المطلِّق وكانا كاذبين، فإنها لا تحِلُّ، وحبسُها على زوجها أعظم من حبسها على عدته. فأحلُّوها في أعظم العصمتين، وحرَّموها في أدناهما، وحرمة النكاح أعظم من حرمة العدّة. [١٦٩/أ] وقلتم: لا يُحَدُّ الذميُّ إذا زنى بالمسلمة، ولو كانت قرشية علوية أو عباسية؛ ولا بسبِّ الله ورسوله وكتابه ودينه جهرةً في أسواقنا ومجامعنا، ولا بتخريب مساجد المسلمين ولو أنها المساجد الثلاثة (٥)؛ ولا ينتقضُ عهده بذلك، وهو معصوم المال والدم. حتى إذا منع دينارًا واحدًا

стр. 714

مما عليه من الجزية، وقال: «لا أعطيكموه» انتقض بذلك عهدُه، وحلَّ ماله ودمه. ثم ناقضتم من وجه آخر، فقلتم: لو سرَق لمسلم عشرة دراهم لقُطِعت يده، ولو قذَفه حُدَّ بقذفه. فيا للقياس الفاسد الباطل، المناقض (١) للدين والعقل، الموجِب لهذه الأقوال التي يكفي في ردِّها تصوُّرُها، كيف استجاز المستجيز تقديمها (٢) على السنن والآثار! فالله المستعان. وأجزتم شهادة الفاسقَين والمحدَودين في القذف والأعميَيْن في النكاح، ثم ناقضتم، فقلتم: لو شهد فيه عبدان صالحان عالمان يفتيان في الحلال والحرام لم يصحَّ النكاح، ولم ينعقد بشهادتهما. فمنعتم انعقاده بشهادة من عدَّله الله ورسوله ﷺ ، وعقدتموه بشهادة من فسَّقه الله ورسوله ومنَع من قبول شهادته. وقلتم: لو شهد شاهد على زيد أنه غصب عمرًا مالًا أو شجَّه أو قذَفه، وشهد آخر بأنه أقرَّ بذلك= لم يتمَّ النِّصاب ولم يُقضَ (٣) عليه بشيء. ولو شهد شاهد بأنه طلَّق امرأته أو أعتَق عبده أو باعه، وشهد آخر بإقراره بذلك= تمَّت الشهادة، وقُضي عليه. وقلتم: لو قال له: «بعتك هذا العبد بألف (٤)»، فإذا هو جارية أو بالعكس، فالبيع باطل. ولو (٥) قال: «بعتك هذه النعجة بعشرة»، فإذا هي

стр. 715

كبش أو بالعكس، فالبيع صحيح. ثم فرَّقتم بأن قلتم: المقصود من الجارية والعبد مختلف، والمقصود من النعجة والكبش [١٦٩/ب] متقارب وهو اللحم. وهذا غير صحيح، فإنَّ الدَّرَّ والنسلَ المقصود من الأنثى لا يوجد في الذكر، وعَسْب الفحل وضِرابه المقصود منه لا يوجد في الأنثى. ثم ناقضتم أبين مناقضة بأن قلتم: لو قال: «بعتك هذا القمحَ»، فإذا هو شعير؛ أو «هذه الأَلْيَةَ»، فإذا هي شحم= لم يصحَّ البيع، مع تقارُب القصد. وقلتم: لو باعه ثوبًا من ثوبين لم يصحَّ البيع، لعدم التعيين. فلو كانت (١) ثلاثة أثواب، فقال: «بعتُك واحدًا منها» صحَّ البيع. فيالله العجب! كيف أبطلتموه مع قلة الجهالة والغَرر، وصحَّحتموه مع زيادتهما؟ أفترى زيادة الثوب الثالث خفَّفَت الغَرر ورفعت الجهالة؟ وتفريقكم بأن العقد على واحد من اثنين يتضمن الجهالة والتغرير، لأنه قد يكون أحدهما مرتفعًا والآخر رديئًا، فيفضي إلى التنازع والاختلاف. فإذا كانت ثلاثةً، فالثلاثة تتضمَّن الجيد والرديء والوسط، وكأنه (٢) قال: «بعتُك أوسطَها»، وذلك أقلُّ غررًا من بيعه واحدًا من اثنين رديء وجيد، وإذا أمكن حملُ كلام المتعاقدين على الصحة فهو أولى من إلغائه. وهذا الفرق ما زاد المسألة إلا غَررًا وجهالة، فإن النزاع كان يكون في ثوبين فقط، وأما الآن فصار في ثلاثة. وإذا قال: «إنما وقع العقد على الوسط» قال الآخر: «بل على الأدنى، أو على الأعلى». وقلتم: لو اشترى جاريةً ثم أراد وطأها قبل الاستبراء لم يجُز، ولو تيقّنَّا

стр. 716

فراغ رحمها بأن كانت بكرًا، أو كانت بائعتها امرأة معه في الدار بحيث تيقَّن أنها غير مشغولة الرحم، أو باعها وقد ابتدأت في الحيضة ونحو ذلك. ثم قلتم: لو وطئها السيِّدُ البارحةَ ثم [١٧٠/أ] زوَّجها منه الغدَ جاز له وطؤها، ورحمها مشتمل على ماء الواطئ (١). فتركتم محض القياس والمصلحة وحكمة الشارع لفرقٍ متخيَّل لا يجدي شيئًا، وهو أن النكاح لما صحَّ كان ذلك حكمًا بفراغ الرحم، فإذا حُكِم بفراغ رحمها جاز له وطؤها. فيقال: يالله العجب! كيف يُحكَم بفراغ رحمها، وهو حديث عهد بوطئها؟ وهل هذا إلا حكم باطل مخالف للحسِّ والعقل والشرع؟ نعم لو أنكم قلتم: «لا يحلُّ له تزويجها (٢) حتى يستبرئها ويحكم بفراغ رحمها» لكان هذا فرقًا صحيحًا وكلامًا متوجهًا. ويقال حينئذ: لا معنى لاستبراء الزوج، فله أن يطأها عقيبَ العقد، فهذا محضُ القياس، وبالله التوفيق. وقلتم: من طاف أربعة أشواط من السبع، فلم يكمله حتى رجع إلى أهله، إنه يَجبُره بدم، وصحَّ حجُّه، إقامةً للأكثر مقامَ الكُلِّ. فخرجتم عن محض القياس، لأن الأركان لا مدخل للدم في تركها. وما أمر به الشارع لا يكون المكلَّف ممتثِلًا له (٣) حتى يأتي بجميعه، ولا يقوم أكثرُه مقامَ كلِّه، كما لا يقوم الأكثر مقامَ الكُلِّ في الصلاة والصيام والزكاة والوضوء وغسل الجنابة، فهذا هو القياس الصحيح. والمأمور ما لم يفعل ما أُمِرَ به فالخطابُ متوجِّه إليه بعدُ، وهو في عهدته. والنبيُّ ﷺ لم يسامح المتوضئَ بتركِ لُمعةٍ

стр. 717

في محلِّ الفرض لم يصبها الماء، ولا أقام الأكثر مقام الكل. والذي جاءت به الشريعة هو الميزان العادل، وهذا (١) الميزان العائل. وبالله التوفيق. وقِسْتم الادِّهانَ بالخَلِّ والزيت في الإحرام على الادِّهان بالمسك والعنبر في وجوب الفدية، ويا بعد ما بينهما! [١٧٠/ب] ولم تقيسوا نبيذ التمر على نبيذ العنب مع قرب الأخوة التي بينهما. وقلتم: لو أفطر في نهار رمضان، فلزمته الكفارة، ثم سافر= لم تسقط عنه، لأن سفره قد يتخذ وسيلةً وحيلةً إلى إسقاط ما أوجب الشرع، فلا تسقط. وهذا بخلاف ما إذا مرض أو حاضت المرأة، فإن الكفارة تسقط، لأن الحيض والمرض ليس من فعله. ثم ناقضتم أعظم مناقضة، فقلتم: لو احتال لإسقاط الزكاة عند آخر الحول، فملَّكَ مالَه لزوجته لحظةً، فلما انقضى الحول استردَّه منها. واعتذارُكم بالفرق بأن هذا تحيُّلٌ على منع الوجوب، وذاك تحيُّلٌ على إسقاط الواجب بعد ثبوته، والفرق بينهما ظاهر= اعتذارٌ لا يُجدي شيئًا، فإنه كما لا يجوز التحيُّل لإسقاط ما أوجبه الله ورسوله، لا يجوز التحيُّل لإسقاط أحكامه بعد انعقاد أسبابها، ولا تسقط بذلك. وإذا انعقد سبب الوجود لم يكن للمكلَّف إلى إسقاطه بعد ذلك سبيل. وسببُ الوجوب هنا قائم، وهو الغنى بملك النصاب، وهو لم يخرج عن الغنى بهذا التحيُّل، ولا يعدُّه الله ولا رسوله ولا أحد من خلقه ولا نفسُه فقيرًا مسكينًا بهذا التحيُّل يستحقُّ أخذَ الزكاة ولا تجب عليه الزكاة.

стр. 718

هذا من أقبح الخداع والمكر، فكيف يروج على من يعلم خفايا الأمور وخبايا الصدور؟ وأين القياس والميزان والعدل (١) الذي بعث الله به رسوله (٢) إلى (٣) التحيُّل على المحرمات وإسقاط الواجبات؟ وكيف تُخرِج الحيلةُ المَفسدةَ التي في العقود المحرَّمة عن كونها مفسدة؟ أم كيف تقلبها مصلحةً محضةً؟ [١٧١/أ] ومن المعلوم أن المفسدة تزيد بالحيلة ولا تزول، وتتضاعف ولا تضعُف. فكيف تزول المفسدة العظيمة التي اقتضت لعنةَ الله ورسوله للمحلِّل والمحلَّل له بأن يشرُطا (٤) ذلك قبل العقد، ثم يعقدا بنية ذلك الشرط، ولا يشرطاه (٥) في صلب العقد؟ فإذا أخليا صلبَ العقد من التلفظ بشرطه حسبُ، والله ورسوله والناس وهما يعلمون أن العقد إنما عُقِد على ذلك. فيالله العجب! أكانت هذه اللعنة على مجرَّدِ ذكر الشرط في صلب العقد، فإذا تقدَّم على العقد انقلبت اللعنة رحمةً وثوابًا! وهل الاعتبار في العقود إلا بحقائقها ومقاصدها؟ وهل الألفاظ إلا مقصودة لغيرها قصدَ الوسائل؟ فكيف يُضاع المقصود، ويُعدَل عنه في عقدٍ مساوٍ لغيره من كلِّ وجه، لأجل تقديم لفظ أو تأخيره أو إبداله بغيره، والحقيقة واحدة؟ هذا مما تُنَزَّه عنه الشريعةُ الكاملة المشتملة على مصالح العباد في دينهم ودنياهم.

стр. 719

فأصحاب الحيل تركوا محضَ القياس، فإنَّ ما احتالوا عليه من العقود المحرَّمة مساوٍ من كلِّ وجه لها في القصد والحقيقة والمفسدة، والفارقُ أمر صوري أو لفظي لا تأثير له البتة. فأيُّ فرق بين أن يبيعه تسعة دراهم بعشرة ولا شيء معهما (١) وبين أن يضمَّ إلى أحد العوضين خرقةً تساوي فَلْسًا أو عودَ حطب أو أذنَ شاة ونحو ذلك؟ فسبحان الله! ما أعجب حال هذه الضميمة الحقيرة التي لا تُقصَد، كيف جاءت إلى المفسدة التي أذِنَ الله ورسوله بحربِ [١٧١/ب] من توسَّل إليها بعقد الربا، فأزالتها ومَحَتْها بالكلِّية، بل قلبتها مصلحةً، وجعلت حربَ الله ورسوله سِلْمًا ورضًى! وكيف جاء محلِّلُ الربا المستعار الذي هو أخو محلِّل النكاح إلى تلك المفاسد العظيمة، فكشَطَها كشطَ الجلد عن اللحم، بل قلبها مصالحَ بإدخال سلعة بين المترابيين (٢) تعاقدا عليها صورةً، ثم أعيدت إلى مالكها! ولله ما أفقه ابنَ عباس في الدين وأعلمَه بالقياس والميزان، حيث سئل عما هو أقرب من ذلك بكثير، فقال: دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة (٣)! فيالله العجب، كيف اهتدت هذه الحريرةُ لقلب مفسدةِ الربا مصلحةً، ولعنةِ آكله رحمةً، وتحريمِه إذنًا وإباحةً! ثم أين القياس والميزان في إباحة العِينة التي لا غرضَ للمرابيين في السلعة قط، وإنما غرضهما ما يعلمه الله ورسوله وهما والحاضرون، من أخْذ مائةٍ حالَّةٍ، وبذْل مائةٍ وعشرين مؤجَّلة، ليس لهما غرض وراء ذلك البتة.

стр. 720

فكيف يقول الشارع الحكيم: إذا أردتم حِلَّ هذا فتحيَّلوا عليه بإحضار سلعة يشتريها آكلُ الربا بثمن مؤجَّل في ذمته، ثم يبيعها للمرابي بنقد حاضر، فينصرفان على مائة بمائة وعشرين، والسلعةُ حرفٌ جاء لمعنًى في غيره؟ وهل هذا إلا عدولٌ عن محض القياس، وتفريقٌ بين متماثلين في الحقيقة والقصد والمفسدة من كلِّ وجه؟ بل مفسدة الحيل الربوية أعظم من مفسدة الربا الخالي عن الحيلة، فلو لم تأت الشريعة بتحريم هذه الحيل لكان محضُ القياس والميزان [١٧٢/أ] العادل يوجب تحريمها. ولهذا عاقب الله سبحانه من احتال على استباحة ما حرَّمه بما لم يعاقِب به من ارتكب ذلك المحرَّمَ عاصيًا، فهذا من جنس الذنوب التي يتاب منها، وذاك من جنس البدع التي يظنُّ صاحبها أنه من المحسنين. والمقصود: ذكرُ تناقض أصحاب القياس والرأي فيه، وأنهم يفرِّقون بين المتماثلين، ويجمعون بين المختلفين؛ كما فرَّقتم بين ما لو وكَّل رجلين معًا في الطلاق، فقلتم: لأحدهما أن ينفرد بإيقاعه، ولو وكَّلهما معًا في الخُلع لم يكن لأحدهما أن ينفرد به. وفرَّقتم (١) بما لا يُجدي شيئًا، وهو أن الخُلْع كالبيع، وليس لأحد الوكيلين الانفراد به، لأنه أشرك بينهما في الرأي، ولم يرض بانفراد أحدهما. وأما الطلاق فليس المقصود منه المال، وإنما هو تنفيذ قوله، وامتثال أمره؛ فهو كما لو أمرهما بتبليغ الرسالة. وهذا فرق لا تأثير له البتة، بل هو باطل، فإنَّ احتياجَ الطلاق (٢) ومفارقة الزوجة إلى الرأي والخبرة والمشاورة مثلُ احتياج الخُلع أو أعظم. ولهذا أمر الله سبحانه ببعث

стр. 721

الحكمين معًا، وليس لأحدهما أن ينفرد بالطلاق، مع أنهما وكيلان عند القيَّاسين (١)؛ والله تعالى جعلهما حكمين، ولم يجعل لأحدهما الانفراد، فما بال وكيلي الزوج لأحدهما الانفراد؟ وهل هذا إلا خروج عن محض القياس وموجَب النص؟ وقلتم: لو قال لامرأته «طلِّقي نفسَك»، ثم نهاها في المجلس، ثم طلَّقَتْ نفسها= وقع الطلاق. ولو قال ذلك لأجنبي، ثم نهاه في المجلس، ثم طلَّق= لم يقع الطلاق. فخرجتم عن [١٧٢/ب] موجَب القياس، وفرَّقتم بأن قوله لها تمليك، وقوله للأجنبي توكيل. وقد تقدَّم بطلانُ هذا الفرق قريبًا. وقلتم: لو وصَّى إلى عبدِ غيره فالوصية باطلة، وإن أجاز سيِّدُه. ولو وكَّل عبدَ غيرِه فالوكالة جائزة، وإن ردَّها السيد، ولكن تُكرَه بدون إذنه. وقلتم: إذا أوصى بأن يُعتِق عنه عبدًا بعينه، فأعتقه الوارث عن نفسه= وقع عن الميِّت. ولو أعتقه الوصيُّ عن نفسه لم يجُز عن نفسه ولا عن الميِّت. وفرَّقتم بأنّ تصرُّفَ الوارث بحقِّ الملك، فنفذ تصرّفُه وإن خالف الموصي. وتصرُّفُ الوصي بحقِّ الوكالة، فلا يصح فيما خالف الموصي. وهذا فرق لا يصح، فإن تعيين الموصي للعتق في هذا العبد قطَع ملكَ الوارث له، فهو كما لو أوصى إلى أجنبي بعتقه سواء، وإنما ينتقل إلى الوارث من التركة ما زاد على الدَّين والوصية اللازمة. وقلتم: لو قال: «ثلُثُ مالي لفلان وفلان» وأحدهما ميِّت، فالثلث كلُّه للحيِّ. ولو قال: «بين فلان وفلان»، وأحدهما ميت، فللحيِّ نصفُه. وهذا

стр. 722

تفريق بين متماثلين لفظًا ومعنًى وقصدًا، واقتضاء الواو للتشريك كاقتضاء «بين»، ولهذا استويا في الإقرار وفي استحقاق كلِّ واحد منهما النصفَ لو كانا حيَّين. وقلتم: لو أوصى له بثلث ماله، وليس له من المال شيء، ثم اكتسب مالًا= فالوصية لازمة في ثلثه. ولو أوصى له بثلث غنمه، ولا غنم له، ثم اكتسب غنمًا= فالوصية (١) باطلة. فتركتم محض القياس، وفرَّقتم بفرقٍ (٢) لا تأثير له، ولا يتحصَّل منه عند التحقيق شيء (٣). فصل وجمعتم بين ما فرَّق الله بينه من الأعضاء الطاهرة والأعضاء النجسة، [١٧٣/أ] فنجَّستم الماءَ الذي يلاقي هذه وهذه عند رفع الحدث. وفرَّقتم بين ما جمع الله بينه من الوضوء والتيمم، فقلتم: يصح أحدهما بلا نية دون الآخر. وجمعتم بين ما فرَّق الله بينهما من الشعور والأعضاء، فنجَّستم كليهما بالموت. وفرَّقتم بين ما جمع (٤) بينهما من سباع البهائم، فنجَّستم منها الكلب والخنزير دون سائرها. وجمعتم بين ما فرَّق بينه، وهو الناسي والعامد، والمخطئ والذاكر، والعالم والجاهل، فإنه سبحانه فرَّق بينهم في الإثم، فجمعتم بينهم في

стр. 723

الحكم في كثير من المواضع، كمن صلَّى بالنجاسة ناسيًا أو عامدًا، وكمن فعل المحلوفَ عليه ناسيًا أو عامدًا، وكمن تطيَّب في إحرامه أو قلَم ظفرَه أو حلَق شعرَه ناسيًا أو عامدًا= فسوَّيتم بينهما. وفرَّقتم بين ما جمع الله بينه من الجاهل والناسي، فأوجبتم القضاء على من أكل في رمضان جاهلًا ببقاء النهار دون الناسي، وفي غير ذلك من المسائل. وفرَّقتم بين ما جمع الله بينه من عقود الإجارات، كاستئجار الرجل لطحن الحَبِّ بنصف كُرٍّ (١) من دقيق، واستئجاره لطحنه بنصف كُرٍّ منه، فصحَّحتم الأول دون الثاني، مع استوائهما من جميع الوجوه. وفرَّقتم بأن العمل في الأول في العوض الذي استأجره به ليس مستحَقًّا عليه، وفي الثاني العمل مستَحقٌّ عليه، فيكون مستَحقًّا له وعليه. وهذا فرق صوري لا تأثير له، ولا تتعلَّق بوجوده مفسدة قط، لا جهالة ولا ربا ولا غَرر ولا تنازع، ولا هي مما يمنع صحة العقد بوجه. وأيُّ غَرر أو مفسدة أو مضرَّة للمتعاقدين في أن يدفع إليه غزلَه ينسجُه ثوبًا برُبعه، وزيتونَه [١٧٣/ب] يعصره زيتًا برُبعه، وحبَّه يطحنه بربعه، وأمثال ذلك مما هو مصلحة محضة للمتعاقدين، لا تتم مصلحتُهما في كثير من المواضع إلا به؟ فإنه ليس كلُّ أحدٍ (٢) يملك عوضًا يستأجر به من يعمل له ذلك، والأجير محتاج إلى جزء من ذلك، والمستأجر محتاج إلى العمل، وقد تراضيا بذلك. ولم يأت من

стр. 724

الله ورسوله نصٌّ يمنعه، ولا قياس صحيح، ولا قول صاحب، ولا مصلحة معتبرة ولا مرسلة. وفرَّقتم (١) بين ما جمع الله بينه، وجمعتم بين ما فرَّق الله بينه، فقلتم: لو اشترى عنبًا ليعصره خمرًا، أو سلاحًا ليقتل به مسلمًا، ونحو ذلك= إنَّ البيع صحيح. وهو كما لو اشتراه ليقتل به عدوَّ الله ويجاهد به في سبيله، أو اشترى عنبًا ليأكله. كلاهما سواء في الصحة. وجمعتم بين ما فرَّق الله بينه، فقلتم: لو استأجر دارًا ليتخذها كنيسةً يُعبَد فيها الصليب والنار جاز (٢)، كما لو استأجرها ليسكنها. ثم ناقضتم أعظم مناقضة فقلتم: لو استأجرها ليتخذها مسجدًا لم تصحَّ الإجارة. وفرَّقتم بين ما جمع الله بينه، فقلتم: لو استأجر أجيرًا بطعامه وكسوته لم يجز. والله سبحانه لم يفرِّق بين ذلك وبين استئجاره بطعام مسمًّى وثياب معينة (٣). وقد كان الصحابة يؤجِّر أحدُهم نفسَه في السفر والغزو بطعام بطنه وركوبه (٤) وهم أفقه الأمة (٥). وفرَّقتم بين ما جمع الله بينه من عقدين متساويين من كلِّ وجه، وقد صرَّح المتعاقدان فيهما بالتراضي، وعلم الله سبحانه تراضيهما والحاضرون،

стр. 725

[١٧٤/أ] فقلتم: هذا عقد باطل لا يفيد الملك ولا الحِلَّ حتى يصرِّحا بلفظ «بعت واشتريت». ولا يكفيهما أن يقول كلُّ واحد منهما: «أنا راضٍ بهذا كلَّ الرِّضى»، ولا «قد رضيتُ بهذا عوضًا عن هذا»، مع كون هذا اللفظ أدلَّ على الرِّضى الذي جعله الله سبحانه شرطًا للحِلِّ من لفظه: «بعت واشتريت»، فإنه لفظ صريح فيه، و «بعت واشتريت» إنما يدل عليه باللزوم. وكذلك عقدُ النكاح، وليس ذلك من العبادات التي تعبَّدَنا الشارعُ فيها بألفاظ لا يقوم غيرُها مقامَها كالأذان وقراءة الفاتحة في الصلاة وألفاظ التشهد وتكبيرة الإحرام وغيرها، بل هذه العقود تقع من البَرِّ والفاجر والمسلم والكافر، ولم يتعبَّدنا الشارعُ فيها بألفاظ معينة، فلا فرق أصلًا بين لفظ الإنكاح والتزويج وبين كلِّ لفظ يدل على معناهما. وأفسَدُ من ذلك اشتراطُ العربية مع وقوع النكاح من العرب والعجم والترك والبربر ومن لا يعرف كلمة عربية، والعجب أنكم اشترطتم تلفُّظَه بلفظٍ لا يدري ما معناه البتة، وإنما هو عنده بمنزلة صوتٍ في الهواء فارغٍ لا معنى تحته، فعقدتم العقدَ به، وأبطلتموه بتلفظه باللفظ الذي يعرفه، ويفهم معناه، ويميِّز بين معناه وغيره. وهذا من أبطل القياس، ولا يقتضي القياس إلا ضدَّ هذا، فجمعتم بين ما فرَّق الله بينه، وفرَّقتم بين ما جمع الله بينه. وبإزاء هذا القياس قياسُ من يجوِّز قراءة القرآن بالفارسية، ويجوِّز انعقاد الصلاة [١٧٤/ب] بكلِّ لفظ يدل على التعظيم كسبحان الله، وجلَّ الله، والله العظيم، ونحوه ــ عربيًّا كان أو فارسيًّا ــ ويجوِّز إبدال لفظ التشهد بما يقوم مقامه. وكلُّ هذا من جنايات الآراء والأقيسة. والصواب: اتباع ألفاظ العبادات والوقوف معها. وأما العقود والمعاملات فإنما تُتَّبع مقاصدها

стр. 726

والمراد بها (١) بأيِّ لفظٍ كان، إذ لم يشرع الله ورسوله لنا التعبُّدَ بألفاظ معينة لا نتعدَّاها. وجمعتم بين ما فرَّق الله بينه من إيجاب النفقة والسكنى للمبتوتة وجعلتموها كالزوجة. وفرَّقتم بين ما جمع الله ورسوله بينه من ملازمة الرجعية المعتدَّة والمتوفَّى عنها زوجُها منزلَهما (٢) حيث يقول تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١] وحيث أمر النبيُّ ﷺ المتوفَّى عنها أن تمكث في بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله (٣). وجمعتم بين ما فرَّقت السنَّةُ (٤) بينهما من بول الطفل والطفلة الرضيعين، فقلتم: يُغسَلان. وفرَّقتم بين ما جمعت السنَّةُ بينه من وجوب غسلِ قليل البول وكثيره. وفرَّقتم بين ما جمع الله ورسوله بينهما من ترتيب أعضاء الوضوء

стр. 727

وترتيب أركان الصلاة، فأوجبتم الثاني دون الأول. ولا فرق بينهما، لا في المعنى ولا في النقل. والنبيُّ ﷺ هو المبين عن الله أمرَه ونهيَه، لم يتوضأ (١) قطُّ إلا مرتَّبًا، ولا مرةً واحدةً في عمره (٢)، كما لم يصلِّ إلا مرتَّبًا. ومعلوم أن العبادة المنكوسة ليست كالمستقيمة، ويكفي هذا الوضوءَ اسمُه وهو أنه وضوء منكَّس (٣)، فكيف يكون عبادة؟ وجمعتم [١٧٥/أ] بين ما فرَّق الله بينه من إزالة النجاسة ورفع الحدث، فسوَّيتم بينهما في صحة كلٍّ منهما بغير نية. وفرَّقتم بين ما جمع الله بينهما من الوضوء والتيمم، فاشترطتم النية لأحدهما دون الآخر. وتفريقكم بأن الماء يطهِّر بطبعه، فاستغنى عن النية؛ بخلاف التراب فإنه لا يصير مطهِّرًا إلا بالنية= فرقٌ صحيح بالنسبة إلى إزالة النجاسة فإنه مزيل لها بطبعه. وأما رفعُ الحدث فإنه ليس رافعًا له بطبعه، إذ الحدث ليس جسمًا محسوسًا يرفعه الماء بطبعه بخلاف النجاسة، وإنما يرفعه بالنية، فإذا لم تقارنه النية بقي على حاله، فهذا هو القياس المحض.

стр. 728

وجمعتم بين ما فرَّق الله بينه، فسوَّيتم بين بدنِ أطيبِ المخلوقات وهو وليُّ الله المؤمن، وبين بدنِ أخبثِ المخلوقات وهو عدوه الكافر، فنجَّستم كليهما بالموت. ثم فرَّقتم بين ما جمع الله بينه، فقلتم: لو غُسِل المسلمُ ثم وقع في ماء لم ينجِّسه، ولو غُسِل الكافر ثم وقع في ماء نجَّسه. ثم ناقضتم في الفرق بأن المسلم إنما غُسِل ليصلَّى عليه، فطهُر بالغسل، لاستحالة الصلاة عليه وهو نجِس، بخلاف الكافر. وهذا الفرق ينقض ما أصَّلتموه من أن النجاسة بالموت نجاسة عينية، فلا تزول بالغسل لأن سببها قائم وهو الموت، وزوالُ الحكم مع بقاء سببه ممتنع. فأيُّ القياسَين هو المعتدُّ به في هذه المسألة؟ وفرَّقتم بين ما جمعت السنة والقياس بينهما، فقلتم: لو طلعت عليه الشمس، وقد صلَّى من الصبح ركعةً، بطلت صلاته. ولو غربت عليه الشمسُ، وقد صلَّى من العصر ركعةً، صحَّت صلاته. والسنة الصحيحة الصريحة قد سوَّت بينهما، وتفريقكم بأنه في الصبح خرج من وقت كامل إلى غير وقت (١)، ففسدت صلاته؛ وفي العصر خرج من وقت كامل إلى وقت كامل وهو وقت صلاة، فافترقا. ولو لم يكن في هذا القياس إلا مخالفته لصريح السنَّة (٢) لكفى في بطلانه، فكيف وهو قياس فاسد في نفسه؟ فإن الوقت الذي خرج إليه في الموضعين ليس وقت الصلاة الأولى، فهو ناقص بالنسبة إليها. ولا ينفع كماله بالنسبة إلى الصلاة التي هو فيها.

стр. 729

فإن قيل: لكنه خرج إلى وقت نهي في الصبح وهو وقت طلوع الشمس، ولم يخرج إلى وقت نهي في المغرب. قيل: وهذا فرق فاسد، لأنه ليس بوقت نهيٍ عن هذه الصلاة التي هو فيها، بل هو وقتُ أمرٍ بإتمامها بنصِّ صاحبِ الشرع حيث يقول (١): «فَلْيُتِمَّ صلاتَه»، وإن كان وقتَ نهي بالنسبة إلى التطوع. فظهر أن الميزان الصحيح مع السنة الصحيحة، وبالله التوفيق (٢). وجمعتم بين ما فرَّق الله بينه، فقلتم: المختلعة البائنة التي قد ملكت نفسها يلحقها الطلاق، فسوَّيتم بينها وبين الرجعية في ذلك. وقد فرَّق الله بينهما بأن جعل هذه مفتديةً لنفسها مالكةً لها كالأجنبية، وتلك زوجُها أحقُّ بها. ثم فرَّقتم بين ما جمع الله بينه، فأوقعتم عليها مرسلَ الطلاق دون معلَّقه، وصريحَه دون كنايته. ومن المعلوم أن من ملَّكه الله أحدَ الطلاقين ملَّكه الآخر، ومن لم يملِّكه هذا لم يملِّكه هذا. وجمعتم بين ما فرَّق [١٧٦/أ] الله بينه، فمنعتم من أكل الضَّبِّ وقد أُكِل على مائدة رسول الله ﷺ وهو ينظر، وقيل له: أحرام هو؟ فقال: لا؛ فقستموه على الأحناش والفئران. وفرَّقتم بين ما جمعت السنَّة بينه من لحوم الخيل التي أكلها الصحابة على عهد رسول الله ﷺ مع لحوم الإبل وأذِنَ الله تعالى فيها، فجمع الله ورسوله بينهما في الحِلِّ، وفرَّق الله ورسوله بين الضَّبِّ والحَنَش (٣) في التحريم.

стр. 730

وجمعتم بين ما فرقت السنَّة بينه من لحوم الإبل وغيرها حيث قال: «توضؤوا من لحوم الإبل، ولا تتوضؤوا من لحوم الغنم» (١)، فقلتم: لا نتوضأ من هذا (٢) ولا من هذا. وفرَّقتم بين ما جمعت (٣) بينه، فقلتم في القيء: إن كان ملء الفم فهو حدث، وإن كان دون ذلك فليس بحدث. ولا يُعرَف في الشريعة شيء يكون كثيره حدثًا دون قليله. وأما النوم فليس بحدث، وإنما هو مظنته، فاعتُبِر ما يكون مظنة، وهو الكثير. وفرَّقتم بين ما جمع الله بينه، فقلتم: لو فتَح على الإمام في قراءته لم تبطل صلاته، ولكن تُكرَه لأنَّ فتحَه قراءة منه، والقراءة خلف الإمام مكروهة. ثم قلتم: فلو فتَح على قارئٍ غيرِ إمامه بطلت صلاته، لأن فتحه عليه مخاطبة له، فأبطلت الصلاة. ففرَّقتم بين متماثلين، لأن الفتح إن كان مخاطبةً في حقِّ غير الإمام، فهو مخاطبة في حقِّه (٤). وإن لم يكن مخاطبةً في حقِّ الإمام، فليس مخاطبةً (٥) في حقِّ غيره. ثم ناقضتم من [١٧٦/ب] وجه آخر أعظم مناقضة، فقلتم: لما نوى الفتحَ على غير الإمام خرج عن كونه قارئًا إلى كونه مخاطِبًا بالنية. ولو نوى الربا الصريح، والتحليل

стр. 731

الصريح، وإسقاط الزكاة بالتمليك الذي اتخذه حيلةً= لم يكن مرابيًا، ولا محلِّلًا، ولا مُسقطًا للزكاة (١)، بهذه النية. فيالله العجب! كيف أثَّرت نية الفتح والإحسان على القارئ، وأخرجته عن كونه قارئًا إلى كونه مخاطِبًا؛ ولم تؤثر نية الربا والتحليل مع إساءته بهما وقصدِه نفسَ ما حرَّمه (٢) الله، فتجعله مرابيًا محلِّلا؟ وهل هذا إلا خروج عن محض القياس، وجمعٌ بين ما فرَّق الشارع بينهما، وتفريقٌ بين ما جمع بينهما؟ وقلتم: لو اقتدى المسافر بالمقيم بعد خروج الوقت لا يصح اقتداؤه، ولو اقتدى المقيم بالمسافر بعد خروج الوقت صحَّ اقتداؤه. وهذا تفريق بين متماثلين، ولو ذهب ذاهب إلى عكسه لكان من جنس قولكم سواء، ولأمكنه تعليله بنحو ما علَّلتم به. ووجَّهتم الفرق بأن من شرط صحة اقتداء المسافر بالمقيم أن ينتقل فرضه إلى فرض إمامه، وبخروج الوقت استقرَّ الفرض عليه استقرارًا لا يتغير بتغيُّر حاله، فبقي فرضه ركعتين. فلو جوَّزنا له اقتداءه بالمقيم بعد خروج الوقت جوَّزنا اقتداء مَن فرضُه الركعتان (٣) بمن فرضُه أربع، وهذا لا يصح، كمصلِّي الفجر إذا اقتدى بمصلِّي الظهر. وليس كذلك المقيم إذا اقتدى بالمسافر بعد خروج الوقت، إذ ليس من شرط صحة (٤) [١٧٧/أ] اقتداء المقيم بالمسافر أن ينتقل فرضه إلى فرض إمامه، بدليل أنه لو

стр. 732

اقتدى به في الوقت لم ينتقل فرضه إلى فرض إمامه؛ بخلاف المسافر، فإنه لو اقتدى بالمقيم في الوقت انتقل فرضه إلى فرض إمامه. ثم ناقضتم، فقلتم (١): إذا كان الإمام مسافرًا، وخلفه مسافرون ومقيمون، فاستخلف الإمام مقيمًا= فإن فرض الإمام لا ينتقل إلى فرض إمامه وهو فرض المقيمين، مع أن الفرق في الأصل مدخول. وذلك أن الصلاتين سواء في الاسم والحكم والوضع (٢) والوجوب، وإن اختلفتا (٣) في كون الإمام يصلِّي (٤)، فإذا صلى الإمام أربعًا وجب على المأموم أن يصلِّي بصلاته كما لو كان في الوقت. وخروج الوقت لا أثر له في ذلك، فإن الذي فرضه الله عليه في الوقت هو بعينه فرضه بعد الوقت، ولا سيما إذا كان نائمًا أو ناسيًا، فإن وقت اليقظة والذكر هو الوقت الذي شرع الله له الصلاة فيه (٥)، وعذر السفر قائم، وارتباط صلاته بصلاة الإمام حاصل. فما الذي فرَّق بين الصورتين مع اتحاد السبب الجامع، وقيام الحكمة المجوِّزة للقصر والمرجِّحة لمصلحة الاقتداء عند الانفراد؟ وفرَّقتم بين ما جمعت الشريعة بينهما ــ وهو الحيض، والنفاس ــ فجعلتم أقلَّ الحيض محدودًا إما بثلاثة أيام أو بيوم وليلة أو بيوم، ولم تحُدُّوا أقلَّ النفاس، وكلاهما دم خارج من الفرج يمنع أشياء ويوجب أشياء.

стр. 733

وليسا اسمين شرعيين لم يُعرفا إلا بالشريعة، بل هما اسمان لغويان، ردَّ الشارعُ أمته فيهما إلى ما يتعارفه النساء حيضًا [١٧٧/ب] ونفاسًا، قليلًا كان أو كثيرًا. وقد ذكرتم هذا بعينه في النفاس، فما الذي فرَّق بينه وبين الحيض؟ ولم يأتِ عن الله ولا عن رسوله ولا عن الصحابة تحديدُ أقلِّ الحيض بحدٍّ أبدًا، ولا في القياس ما يقتضيه. والعجب أنكم قلتم: المرجع فيه إلى الوجود (١) حيث لم يحُدَّه الشارع، ثم ناقضتم فقلتم: حدُّ أقلِّه يوم وليلة. وأما أصحاب الثلاث فإنما اعتمدوا على حديثٍ (٢) توهَّموه صحيحًا، وهو غير صحيح باتفاق أهل الحديث، فهم أعذر من وجه. قال المفرِّقون: بل فرَّقنا بينهما بالقياس الصحيح، فإنَّ للنفاس علَمًا ظاهرًا يدل على خروجه من الرحم وهو تقدُّم الولد عليه، فاستوى قليله وكثيره، لوجود عَلَمِه الدالِّ عليه. وليس مع الحيض علَمٌ يدل على خروجه من الرحم، فإذا امتدَّ زمنه صار امتداده علَمًا ودليلًا على أنه حيض معتاد، وإذا لم يمتدَّ لم يكن معنا ما يدل عليه أنه حيض، فصار كدم الرعاف.

стр. 734

ثم ناقضوا في هذا الفرق نفسه أبين مناقضة، فقال أصحاب الثلاث: لو امتدَّ يومين ونصفَ يوم دائمًا لم يكن حيضًا حتى يمتدَّ ثلاثة أيام. وقال أصحاب اليوم: لو امتدَّ من غدوة إلى العصر دائمًا (١) لم يكن حيضًا حتى يمتدَّ إلى غروب الشمس. فخرجوا بالقياس عن محض القياس! وقلتم: إذا صلَّى جالسًا، ثم تشهَّد في حال القيام سهوًا، فلا سجود عليه. وإن قرأ في حال التشهد فعليه السجود. وهذا فرقٌ بين متساويين من كلِّ وجه. وقلتم: إذا افتتح الصلاة في المسجد، فظنَّ أنه قد سبقه الحدث، فانصرف [١٧٨/أ] ليتوضأ، ثم علم أنه لم يسبقه الحدث وهو في المسجد= جاز له المضيُّ على صلاته. وكذلك لو ظن أنه قد أتمَّ صلاته، ثم علم أنه لم يُتِمَّ. ثم قلتم: لو ظنَّ أن على ثوبه نجاسة، أو أنه لم يكن متوضئًا، فانصرف ليتوضأ أو يغسل ثوبه، ثم علم أنه كان متوضِّئًا أو طاهرَ الثوب= لم يجُز له البناء على صلاته. ففرَّقتم بين ما لا فرق بينهما، وتركتم محض القياس. وفرَّقتم بأنه لما ظنَّ سبقَ الحدث فقد انصرف من صلاته انصرافَ استيفاء (٢)، لا انصرافَ رفض، فإنه لو تحقَّق ما ظنَّه جاز له المضي، فلم يصِرْ قاصدًا للخروج من الصلاة، فلم يمتنع البناء. وكذلك لو ظنَّ أنه قد أتمَّ صلاته، فلم ينصرف انصراف رفض. وإذا لم يقصد الرفض لم تصر الصلاة مرفوضة، كما لو سلَّم ساهيًا. وليس كذلك إذا ظنَّ أنه لم يتوضأ أو (٣) على

стр. 735

ثوبه نجاسة، لأنه انصرف منها انصرافَ رفض، ونوى الرفض مقارِنًا لانصرافه، فبطلت كما لو سلَّم عامدًا. وهذا الفرق غير مُجدٍ شيئًا، بل هو فرقٌ بين ما جمعت الشريعة بينهما، فإنه في الموضعين انصرف انصرافًا مأذونًا فيه أو مأمورًا به، وهو معذور في الموضعين. بل هذا الفرق حقيق باقتضائه ضد ما ذكرتم، فإنه إذا ظن أنه لم يتوضأ فانصرافه مأمور به وهو عاصٍ لله بتركه، بخلاف ما إذا ظن أنه قد أتمَّ صلاته فإن انصرافه مباح مأذون له فيه. فكيف تصح الصلاة مع هذا الانصراف، وتبطل بالانصراف المأمور [١٧٨/ب] به؟ ثم إنه أيضًا في انصرافه ظنًّا (١) أنه قد أتم صلاته، ينصرف انصرافَ تركٍ حقيقةً، لأنه يظن أنه قد فرغ منها، فتركُها تركُ مَن قد أكملها. ومن ظنَّ أنه محدِث فإنما تركُها تركُ قاصدٍ لتكميلها (٢)، فهي أولى بالصحة. وقلتم: لو قال: «لله عليَّ أن أصلِّي ركعتين»، فقال آخر: «وأنا لله عليَّ أن أصلي ركعتين» (٣) = لم يجُز لأحدهما أن يأتمَّ بصاحبه، لأنهما فرضان بسببين، وهو نذرُ كلِّ واحد منهما، ولا يؤدَّى فرضٌ خلف فرضِ آخر. ثم ناقضتم، فقلتم: لو قال الآخر: «وأنا لله عليَّ أن أصلي الركعتين اللتين أوجبتَ على نفسك» جاز لأحدهما أن يأتمَّ بالآخر، لأنه أوجب على نفسه عينَ (٤) ما

стр. 736

أوجبه الآخر على نفسه، فصارتا كالظهر الواحدة. وهذا ليس يُجدي شيئًا، فإنَّ سبب الوجوب مختلف كما في الصورة الأولى سواء، وهو نذرُ كلِّ واحد منهما على نفسه، وليس الواجب على أحدهما هو عين الواجب على الآخر، بل هو مثله؛ ولهذا لا يتأدَّى أحدُ الواجبين بأداء الآخر. ولا فرق بين المسألتين في ذلك البتة، فإنَّ كلَّ واحد (١) يجب عليه ركعتان نظير ما وجب على الآخر بنذره. فالسبب متماثل (٢)، والواجب متماثل، والتعدُّد في الجانبين سواء. فالتفريق بينهما تفريق بيِّن (٣)، وخروج عن محض القياس. وفرَّقتم بين ما جمع النصُّ والميزان بينهما، فقلتم: إذا ظفِر برِكازٍ (٤) فعليه فيه الخُمْس، ثم يجوز له صرفُه إلى أولاده وإلى نفسه إذا احتاج إليه. وإذا وجب عليه عشرُ [١٧٩/أ] الخارج من الأرض لم يكن له صرفُه إلى ولده ولا إلى نفسه. وكلاهما واجب عليه إخراجُه لحقِّ الله وشكرًا لنعمته (٥) بما أنعم عليه من المال، ولكن لما كان الرِّكازُ مالًا مجموعًا لم يكن نماؤه وكماله بفعله، فالمؤنةُ فيه أيسرُ= كان الواجب فيه أكثر. ولما كان الزرعُ فيه من المؤنة والكلفة والعمل أكثرُ مما في الركاز= كان الواجب فيه نصفه، وهو العشر. فإن اشتدَّت المؤنة بالسقي بالكلفة حُطَّ الواجبُ إلى نصفه وهو

стр. 737

نصف العشر. فإن اشتدَّت المؤنة في المال غيره (١) بالتجارة والبيع والشِّراء كلَّ وقت، وحفظِه وكراءِ مخزنه ونقلِه= خُفِّف إلى شطره، وهو رُبع العشر. فهذا من كمال حكمة الشارع في اعتبار كثرة الواجب وقلته. فكيف يجوز له أن يعطي الواجب الأكثر الذي هو أقلُّ مؤنةً وتعبًا وكلفةً لأولاده ويمسكه لنفسه، وقد أضعفه عليه الشارعُ أكثرَ من كلِّ واجب في الزكاة، ومخرجُ الجميع وإيجابه واحد نصًّا واعتبارًا؟ فالتفريق بينهما تفريق بين ما جمعت الشريعة بينهما حيث قال النبي ﷺ : «في الرِّكاز الخُمْس، وفي الرِّقة ربعُ العُشْر» (٢). وقلتم: لو أودع من لا يعرفه مالًا، فغاب (٣) عنه سنين، ثم عرفه= فلا زكاة عليه، لأنه لا يقدر على ارتجاعه منه؛ فهو كما لو دفنه بمفازة (٤)، ونسيه (٥). ثم ناقضتم فقلتم: لو أودعه من يعرفه، فنسيه سنين، ثم عرفه= فعليه زكاة تلك السنين الماضية كلِّها. [١٧٩/ب] والمال خارج عن قبضته وتصرُّفه، وهو غير قادر على ارتجاعه في الصورتين، ولا فرق بينهما. وقد

стр. 738

صرَّحتم في مسألة المفازة أنه لو دفنه بموضعٍ (١) منها، ثم نسيه، فلا زكاة عليه إذا عرفه بعد ذلك. ولا فرق في هذا بين المفازة وبين المودع بوجه. ثم ناقضتم من وجه آخر، وقلتم: لو دفنه في داره، وخفي عليه موضعُه سنين، ثم عرفه= وجب (٢) عليه الزكاة لما مضى. وقلتم: لو وجبت (٣) عليه أربع شياه، فأخرج ثنتين سمينتين تُساوي الأربع= جاز. فطردُ قياسكم هذا: أنه لو وجب عليه عشرة أَقْفِزةِ بُرٍّ، فأخرج خمسةً من بُرٍّ مرتفع تُساوي قيمة العشرة التي هي عليه= جاز. وطردُه: لو وجب عليه خمسةُ أبعرةٍ، فأخرج بعيرًا يساوي قيمة الخمسة= أنه يجوز. ولو وجب عليه صاعٌ في الفطرة، فأخرج ربعَ صاع يساوي الصاع الذي لو أخرجه لتأدَّى به الواجب= أنه يجوز. فإن طردتم هذا القياس، فلا يخفى ما فيه من تغيير المقادير الشرعية والعدول عنها، ولزمكم طردُه في أن من وجب عليه عتقُ رقبة، فأعتق عُشْرَ رقبةٍ تساوي قيمةَ رقبةٍ غيرها= جاز؛ ومَن نذر الصدقة بمائة شاةٍ، فتصدَّق بعشرين تساوي قيمة المائة= جاز. ثم ناقضتم، فقلتم: لو وجب عليه أضحيتان، فذبح واحدًا سمينًا يُساوي وسطين= لم يجز. ثم فرَّقتم بأن قلتم: المقصود في الأضحية: الذبح وإراقة الدم، وإراقة دم واحد لا تقوم مقامَ إراقة دمَين. والمقصود [١٨٠/أ] في الزكاة: سدُّ خَلَّةِ الفقير وهو يحصل بالأجود الأقل، كما يحصل بالأكثر إذا كان دونه.

стр. 739

وهذا فرقٌ إن صحَّ لكم في الأضحية لم يصحَّ لكم فيما ذكرناه من الصور، فكيف ولا يصحُّ (١)؟ فإن المقصود في الزكاة أمور عديدة. منها: سدُّ خَلَّة الفقير. ومنها: إقامة عبودية الله بفعل نفسِ ما أمَر به. ومنها: شكرُ نعمته عليه في المال. ومنها: إحراز المال وحفظه بإخراج هذا المقدار منه. ومنها: المواساة بهذا المقدار، لما علِم الله فيه من مصلحة ربِّ المال ومصلحة الآخذ. ومنها: التعبُّد بالوقوف عند حدود الله وأن لا ينقص منها ولا يغيَّر. وهذه المقاصد إن لم تكن أعظم من مقصود إراقة الدم في الأضحية، فليست بدونه، فكيف يجوز إلغاؤها واعتبارُ مجرَّدِ إراقة الدم؟ ثم إن هذا الفرق ينعكس عليكم من وجه آخر، وهو أن مقصود الشارع من إراقة دم الهدي والأضحية: التقرُّب إلى الله سبحانه بأجلِّ ما يقدر عليه من ذلك النوع وأعلاه وأغلاه ثمنًا وأنفَسه عند أهله. فإنه لن يناله سبحانه لحومها ولا دماؤها، وإنما يناله تقوى العبد منه، ومحبته له، وإيثاره بالتقرب إليه بأحبِّ شيء إلى العبد وآثَرِه عنده وأنفَسِه لديه، كما يتقرب المحبُّ إلى محبوبه بأنفَسِ ما يقدر عليه وأفضلِه عنده. ولهذا فطر الله العباد على أن من تقرَّب إلى محبوبه بأفضلِ هديةٍ يقدر عليها وأجلِّها وأعلاها كان أحظى لديه وأحبَّ إليه ممن تقرَّب إليه بألفِ واحدٍ رديءٍ [١٨٠/ب] من ذلك النوع. وقد نبَّه سبحانه على هذا بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧].

стр. 740

وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨]. وسئل النبيُّ ﷺ عن أفضل الرقاب، فقال: «أغلاها ثمنًا، وأنفَسُها عند أهلها» (١). ونذر عمر أن ينحر نجيبةً فأُعطِي بها نجيبَين (٢)، فسأل النبيَّ ﷺ أن يأخذهما بها وينحرهما (٣)، فقال: «لا، بل انحَرْها إياها» (٤). فاعتُبِر في الأضحية عينُ المنذور، دون ما يقوم مقامه وإن كان أكثر منه، فلَأن يُعتبرَ في الزكاة نفسُ الواجب، دون ما يقوم مقامه ولو كان أكثر منه (٥) = أولى وأحرى.
следующие страницы →